تفسير المفردات : الاستدراج : إما مأخوذ من درج الكتاب والثوب وأدرجه : إذا طواه، وإما : من الدرجة وهي المرقاة، فعلى الأول سنستدرجهم : أي سنطويهم طي الكتاب ونغفل أمرهم كما قال : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا [ الكهف : ٢٨ ] وعلى الثاني سنأخذهم درجة بعد درجة بإدنائهم من العذاب شيئا فشيئا كالمراقي والمنازل في ارتقائها ونزولها.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أنه ذرأ لجهنم كثيرا من الثقلين. الجن والإنس وأبان أهم أسباب ذلك، وهي أن هؤلاء أفسدوا فطرتهم بإهمال مواهبهم من العقل والحواس، ثم أرشدنا إلى ما يصلح الفطرة من دعائه بأسمائه الحسنى، قفى على ذلك ببيان وصف أمة الإجابة وثنى، بذكر المكذبين من أمة الدعوة، وثلث بتفنيد ما عرض لهم من الشبهة، ثم أرشد إلى التفكر الموصل إلى الفقه في الأمور ومعرفة الحقائق، وإلى النظر الهادي إلى الحجة، والبرهان الموصل إلى معرفة صدق الرسول، ثم ختمها ببيان عدم الطمع في هداية من قضت سنة الله بضلاله وتركه يعمه في طغيانه.
الإيضاح : والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون أي والذين كذبوا بآيات الله سندعهم يسترسلون في غيهم وضلالهم ولا يدرون شيئا من عاقبة أمرهم، لجهلهم سنن الله في المنازعة بين الحق والباطل وأن الحق يدفع الباطل، وما ينفع الناس يتغلب على ما يضرهم كما قال تعالى : بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق [ الأنبياء : ١٨ ] وقال : فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض [ الرعد : ١٧ ].
وقد صدق الله وعده، فقد كان كفار قريش وصناديدها يبالغون في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، اغترارا بكثرتهم وثروتهم لا يعتدون به ولا بغيره ممن آمن به أولا وأكثرهم من الضعفاء الفقراء، فما زالوا يتدرجون في عداوتهم له وقتالهم إياه حتى أظهره الله تعالى عليهم في غزوة بدر فلم يعتبروا، ثم زادهم غرورا تغلّبهم عليه آخر معركة أحد حتى قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر إلى أن كان الفتح الأعظم : فتح مكة فأظهر رسوله صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه عليهم من حيث لا يعلمون سنته تعالى.
وأثر عن عمر رضي الله عنه أنه قال لما حملت إليه كنوز كسرى : اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا فأني سمعتك تقول : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون [ الأعراف : ١٨٢ ].
تفسير المراغي
المراغي