ﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ

ثم قال جل وعلا : أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض... [ اٍلأعراف : آية ١٨٥ ] النظر هنا هو النظر بالقلوب والتفكير والتدبر بها ؛ لأن الله يقول : فإنها لا تعمى الأبصار ولاكن تعمى القلوب التي في الصدور [ الحج : آية ٤٦ ].
والملكوت : مصدر ملك ملكا وملكوتا. والواو والتاء زيدتا للمبالغة، فالملكوت : الملك العظيم الهائل، كما يدل على عظمه : زيادة الواو والتاء. ومعروف أن ( الفعلوت ) بزيادة الواو والتاء في المصادر معروف في كلام العرب، كالرحموت، والرغبوت، والرهبوت، والملكوت. فالملكوت معناه : الملك العظيم أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض أي : في ملك الله العظيم في السموات والأرض حيث رفع السماء بغير عمد ترونها وجعلها لا تتشقق ولا تتفطر ولا تحتاج إلى ترميم. والكفرة الفجرة أبناء الكلاب والخنازير الذين يدعون أنه ليس فوقنا سماء، وإنما هو فضاء ولا سماء فيه يكذبون خالق السموات والأرض لجهلهم وظلام قلوبهم بالكفر، فهي سبع سماوات مبنية وصفها الله بالشدة في قوله : وبنينا فوقكم سبعا شداد ١٢ [ النبأ : آية ١٢ ] وبين أنه بناها بقوة هائلة والسماء بيناها بأييد وإنا لموسعون ٤٧ [ الذاريات : آية ٤٧ ] وأبعد سمكها رفع سمكها فسواها ٢٨ [ النازعات : آية ٢٨ ]، أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج ٦ والأرض *** مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ٧ تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ٨ [ ق : الآيات ٦- ٨ ] وهذا معنى قوله : في ملكوت السموات والأرض .
وما خلق الله من شيء لفظة ( ما ) في محل خفض معطوف على المجرور أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وينظروا في ما خلق الله من شيء في السموات والنجوم والشمس والقمر، وفي الأرض من البحار والجبال والثمار والمعادن والدواب ونحو ذلك مما يدل على كمال قدرة خالقه ( جل وعلا ). وأنه الرب المعبود وحده.
ثم قال : وينظروا أيضا في أن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ( أن ) هذه هي المخففة من الثقيلة، وإذا كان الفعل بعدها غير متصرف لا يحتاج إلى فصل بينها وبينه. إلى أنه – أي : الأمر والشأن- عسى أن يكون قد اقترب أجلهم وربما استغنى بالمصدر في ( أن ) وصلتها وصار فاعل ( عسى ) واستغنى به عن غيره.
قوله : قد اقترب أجلهم أي : قد دنا وقت موتهم فيبادروا إلى تدارك ما يرضي الله لئلا يهلكوا.
وهذه الآية قد استدل بها علماء الأصول على أن صيغة الأمر تدل على الفور لا على التراخي، كما روي عن الشافعي ( رحمه الله ) ؛ لأن الله أمرهم بالنظر في ملكوته ليستدلوا على أن صانع هذا الكون واحد ( جل وعلا )، وأنه المعبود وحده، وأنه يجب أن يطاع وتصدق رسله وتمتثل أوامره. قال : قل انظروا ماذا في السموات والأرض [ يونس : الآية ١٠١ ] ثم قال : أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض [ الأعراف : آية ١٨٥ ] وهددهم باحتمال اقتراب آجالهم خوف أن يفاجئهم الموت قبل أن ينظروا فيصيروا إلى النار. ولا شك أن هذه الآية تدل على أن أوامر الله ينبغي أن تكون على الفور وتمتثل بسرعة ؛ لأن الإنسان عسى أن يكون قد اقترب أجله فيخترمه الموت قبل أن يمتثل. فاستدلال علماء الأصول بهذه الآية الكريمة على اقتضاء الأمر الفور استدلال صحيح وواقع موقعه، وقد دلت على ذلك اللغة أيضا قال علماء العربية : لو قال السيد لعبده :( اسقني ماء ). ثم إن العبد توانى وأبطأ فأدبه سيده فليس للعبد أن يقول : صيغة الأمر في قولك :( اسقني ماء ) لا تقتضي الفور، وإنما هي على التراخي، وكنت متراخيا في الامتثال ؛ لأن الصيغة كذلك أفادت ! ! بل اللغة العربية تقتضي الفور كما دلت عليه هذه الآية. وهذا معنى قوله : وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم .
ثم قال : فبأي حديث بعده يؤمنون إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن العظيم مع وضوح أدلته، واتضاح معجزته، وكرامة ما يدعوا إليه من توحيد الله ومكارم الأخلاق والأفعال الحسنة، إذا كانوا لم يؤمنوا بهذا فبأي حديث بعده أي : بأي حديث غيره يؤمنون إذا لم يؤمنوا بأحق الأحاديث بأن يؤمن به، وأن يصدق، وأن يعظم، وأن يعمل به، إذا لم يؤمنوا به فبأي حديث آخر يؤمنون ؟ ! والمعنى : أن من ترك الإيمان بما هو أحق شيء بأن يؤمن به لا يؤمن بشيء أبدا، إذ لو كانوا يؤمنون بشيء لآمنوا بهذا القرآن. فهو أسلوب عربي معروف، إذا كان الشيء أولى من غيره بالمسألة يقال : فبأي شيء بعد هذا تفعل ؟ إذا لم تفعله بأحق شيء فبأي شيء غيره تفعل ؟ ! كما هو معروف في كلام العرب، ومن هذا المعنى قول الأعشى :

صدت هريرة عنا ما تكلمنا جهلا بأم خليد حبل من تصل
يعني : إذا لم تصل حبالنا ونحن أكرم الناس وأحقها بوصل الحبال فمن تصل حبله بعدنا ؟ ! وهذا أسلوب عربي معروف.
والله ( جل وعلا ) قد سمى كتابه حديثا ؛ لأنه كلام رب العالمين الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها [ الزمر : آية ٢٣ ] ولذا قال هنا : فبأي حديث بعده يؤمنون [ الأعراف : آية ١٨٥ ].

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير