ثم بيَّن أن أمرهم بيده، فقال : من يُضلل الله فلا هاديَ له أصلاً، ولا يقدر أحد عليه، ونذرهم في طُغيانهم يعمهون : يتحيرون. ومن قرأ بالياء فمناسب لقوله : من يضلل ، ومن جزمه فعطف على محل : فلا هادي له ؛ لأنه جواب الشرط.
الإشارة : قد أرشد الحق ـ تعالى ـ عباده إلى التفكر والاعتبار، وقد تقدم الكلام عليه في " آل عمران "، وقد علَّم هنا أهل الاستدلال كيفيته ؛ وهو أن ينظر الإنسان في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ظهر على يديه من المعجزات وخوارق العادات، وأعظمها القرآن العظيم، ثم ما أتى به من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، وما نطق به من الحكم العجيبة، وما أخبر به من قصص الأمم الدارسة والشرائع المتقدمة، مع كونه أميًّا لم يقرأ ولم يكتب، ولم يجالس أحدًا ممن له خبرة بذلك، فتطلع عليه شمس المعرفة به حتى لا يخالطه وهمٌ، ولا يخطر بساحته خاطر سوء، ثم يتفكر في عجائب ملكوت السماوات والأرض، وما اشتملتا عليه من ضروب المصنوعات، وعجائب المخلوقات، فيتحقق بوجود الصانع القادر على كل شيء، هذا إن لم يجد شيخًا يُخرجه من سجن الدليل، وإن وجده استغنى عن هذا بإشراق شمس العرفان، والخروج إلى فضاء الشهود والعيان.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي