ثم قال : من يضلل الله فلا هادي له ( من ) شرطية، ويضلله الله : يصرف إرادته وقدرته بإرادته وقدرته إلى طريق النار عن طريق الجنة والعياذ بالله.
فلا هادي له [ الأعراف : آية ١٨٦ ] ليس أحد يهديه بعد الله ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب أليم [ المائدة : آية ٤١ ] إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل [ النحل : آية ٤٧ ] إنك لا تهدي من أحببت ولاكن الله يهدي من يشاء [ القصص : الآية ٥٦ ] فمن هداه الله لا مضل له، ومن أضله الله لا هادي له. وهذا معنى قوله : من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون ١٨٦ .
في هذا الحرف ثلاث قراءات سبعية متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها صحيح لا نزاع فيها : قرأه نافع وابن كثير وابن عامر : ونذرهم في طغيانهم يعمهون ( بالنون ) وصيغة الجمع يراد بها التعظيم، عظم الله بها نفسه. وقراه من السبعة : أبو عمرو، وعاصم في روية حفص وشعبة : ويذرهم في طغيانهم يعمهون بياء الغيبة وضم الراء. وقرأه حمزة، والكسائي من الكوفيين : ويذرهم في طغيانهم يعمهون .
وهذا الفعل المضارع معطوف على جزاء الشرط الذي هو قوله : فلا هادي له ؛ والمقرر في علم العربية – كما هو مشهور في العربية - أن كل فعل عطف على جزاء الشرط بفاء أو واو ففيه ثلاث لغات : يجوز فيه : الرفع، ويجوز فيه : الجزم، ويجوز فيه : النصب. فكله جائز، ولغات عربية معروفة، وقراءات صحيحة معروفة ؛ لأن فلا هادي له جزاء الشرط، وجزاء الشرط في محل جزم، فقراءة حمزة والكسائي جزموا ويذرهم لأنه معطوف على جزاء الشرط وأصله مجزوم ؛ والذين رفعوه لغة فصيحة وقراءة صحيحة. وأما النصب : فهو لغة صحيحة، ولكنه لم يقرأ به أحد من السبعة مع أنه لغة.
و( الطغيان ) في لغة العرب : مجاوزة الحد ؛ وهو مصدر : طغى يطغى إذا جاوز حده، زيدت في مصدره الألف والنون كما زيدتا في :( الكفران ) و( الرجحان ) وطغى الشيء إذا جاوز حده، ومنه قوله : إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية ١١ [ الحاقة : آية ١١ ] أي : جاوز الحدود التي يبلغها الماء عادة.
وقوله : يعمهون قال بعض علماء العربية :( العمى ) بالألف يطلق على عمى العين وعمى القلب، أما ( العمه ) بالهاء فلا يطلق إلا على عمى القلب خاصة. فمعنى يعمهون : يترددون حائرين لا يعرفون حقا من باطل، ولا حسنا من قبيح، ولا ضلال من هدى لعمى قلوبهم – والعياذ بالله - وهذا معنى قوله : ويذرهم في طغيانهم يعمهون [ الأعراف : آية ١٨٦ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير