٦٢٧- استثناء مفرغ لتوسطه بين المبتدإ وخبره.
والأسئلة المهمة فيه : كيف يصح أنه عليه السلام محصور في صفتي البشارة والنذارة، لأن ذلك يقتضي أن لا صفة أخرى له من الشجاعة والسخاوة وغير ذلك من صفات الكمال التي لا يحصى عددها، وهذا الحصر يقتضي سلب جميع ذلك ماعدا هاتين الصفتين لأن " إلا " بعد النفي للحصر ؟ ولم خصص البشارة والنذارة بالمؤمنين مع أنه عليه السلام بشير ونذير للثقلين، يبشر كل واحد منهم إن أطاع وينذره إن عصى، فإن الوعد والوعيد لا يتعلقان إلا بالمعدوم المستقبل، والمستقبل لا يتعين فيه مؤمن ولا كافر، بل يعم الخلق أجمعين ؟ ولم قال : يؤمنون وما قال : " آمنوا " ولا " للمؤمنين " بصيغة اسم الفاعل ؟ ولم ذكر القوم وترك النساء ؟ وما استثنى منه في هذه الآية ؟
والجواب :
إن الحصر قد يكون مطلقا فينفي عن المحصور ما عدا تلك الصفة المحصورة فيها، وقد يكون بحسب بعض الاعتبارات، فلا يلزم نفي غير تلك الصفة كقوله صلى الله عليه وسلم " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي.. ١ " فحصر نفسه في البشرية باعتبار الاطلاع على بواطن الخصوم، أي : لا صفة بهذا الاعتبار إلا البشرية الصرفة، وأما ما عداها من الصفات فلا مدخل لها هاهنا.
كذلك هذه الآية، معناها : حصره عليه السلام في البشارة والنذارة باعتبار سلب القدرة على الهداية، أي : لا أقدر على خلق الهدى في قلب أحد ولا أصرفه عما قدر له، إنما وصفي في العالم فليس من صفاتي، إنما ذلك إلى الله تعالى. فالحصر ثابت له صلى الله عليه وسلم بهذا الاعتبار، وما عدا هاتين الصفتين مما هو متعلق بهداية الخلق فهو راجع إلى الله تعالى لا له صلى الله عليه وسلم، فثبت الحصر بهذا الاعتبار لا مطلقا في نفس الأمر.
وأما الحصر الثاني المستفاد من إضافة هاتين الصفتين للمؤمنين فبناء على قاعدة وهي أن العرب تنفي الشيء لنفي ثمرته، كما تنفيه لنفي ذاته. والبشارة والنذارة لما انتفت آثارهما باعتبار المؤمنين صارا بمنزلة المنفيين، فإن ثمرة الوعد والبشارة الرغبة في سبب المبشر به، وثمرة النذارة الانحياز عن سبب المتوعد عليه، وغير المؤمنين لا يفعلون ذلك، فكأنهم لم يبشروا ولم ينذروا، فقضى على البشارة والنذارة باعتبارهم، فانحصرتا حينئذ في المؤمنين بالمنطوق، وصار المفهوم دالا على عدمهما في حق غير المؤمنين. ويأتي الحصر بهذا الطريق على هذا التقدير.
وأما أنه وردت الآية يؤمنون بصيغة الفعل المضارع دون الماضي واسم الفاعل، فهو إشارة على الاستعداد للإيمان، لأن الفعل المضارع يستعمل للحالة المستمرة، كقولهم : " فلان يعطي ويمنع ويصل ويقطع ". وقالت خديجة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله لن يخزيك أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق " ٢.
أي : هذا شأنك في الماضي والحال والمستقبل، والاستعداد هو هذا.
فالآية معناها : لقوم مستعدين للإيمان، وشأنهم ذلك في الأزمنة الثلاث. فهؤلاء الذين يفيد فيهم البشارة والنذارة، ومن لا استعداد له لا يفيد فيهم ذلك، فتنتفي البشارة والنذارة باعتبار المستعد لنفي ثمرتها، ولو قال : آمنوا، أو : المؤمنين، لم يشعر بالحالة المستمرة كالمضارع، فلذلك عدل عنها.
وأما ترك النساء وذكر القوم، فلأن القوم هم الرجال، لأنهم يقومون بالمصالح ولذلك سموا قوما، ومن عداهم تبع لهم في الخير والشر من النساء والصبيان، فلذلك لا يكاد يوجد في القرآن إلا ذكر القوم، لأن القاعدة اللغوية أنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث في حكم غلب المذكر على المؤنث، وهاهنا كذلك وقع التغليب لشرف المذكور.
وأما المستثنى والمستثنى منه فهو الصفات والأحوال، أي : لا أوجد موصوفا بصفة ولا في حالة من الأحوال- باعتبار وقوع الإيمان في الوجود- إلا في هاتين الصفتين : البشارة والنذارة، وما عداهما من خلق الإيمان في الصدر وإلجاء الخلق بالقضاء والقدر إلى الإيمان، إنما ذلك وغيره مفوض إلى الله تعالى. ( نفسه : ١٩٩ إلى ٢٠٢ )
٢ - أخرجه البخاري في صحيحه الباب: ٣، من كتاب بدء الوحي، ومسلم في صحيحه كتاب الإيمان، ح: ٢٥٢. وأحمد في مسنده: ٣/١٣٩..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي