قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ١٨٨ [ الأعراف : آية ١٨٨ ].
أمر الله ( جل وعلا ) نبيه في هذه الآية الكريمة أن يقول معلنا لجميع الناس إنه ( صلوات الله وسلامه عليه ) – وهو أفضل خلق الله وأكرمهم على الله أنه لا يملك لنفسه نفعا يجلبه إليها، ولا ضرا يدفعه عنها. فالكلام على حذف مضاف دل المقام عليه نفعا أي : جلب نفع لنفسي أنتفع به. وقوله : ولا ضرا أي : دفع ضر عن نفسي.
إلا ما شاء الله خالقي ( جل وعلا ) أن يملكني إياه ويعينني عليه ويقويني عليه فإني أملكه بمعونة الله وقدرته ومشيئته. وهذه عادة الرسل الكرام ( صلوات الله وسلامه عليه )، يبينون للخلق أن النافع والضار هو خالق السموات والأرض ( جل وعلا ) ليوجه الخلق إليه جميع رغباتهم ورهباتهم، وأولى الناس بهذا الرسل ( صلوات الله وسلامه عليه ) وأتباعهم فإنهم يوجهون جميع رغباتهم ورهباتهم إلى ما بيده النفع والضر لينفعهم ويدفع عنه الضر، وهذا معنى قوله : قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله أي : ولا أعلم الغيب أيضا. كما أمره أن يعلن ذلك ويقوله في سورة الأنعام في قوله مخاطبا لنبينا صلى الله عليه وسلم : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحي إلي الآية [ الأنعام : آية ٥٠ ]. فأول رسول بعثه الله لأهل الأرض بعد أن كفروا هو نوح ( عليه وعلى نبينا الصلاة السلام )، أمره الله أن يقول هذا : ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا [ هود : آية ٣١ ] وآخر رسول بعثه الله وختم به الأنبياء : نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمره أيضا بذلك حيث قال له في الأنعام : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحي إلي [ الأنعام : آية ٥٠ ] وقوله هنا، كأنه قال : ولا أعلم الغيب ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرث من الخير اعلموا أولا أن قول جماعة من المفسرين أن معنى : لاستكثرت من الخير أي : من العمل الصالح قول لا شك في أنه ليس بصحيح ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مستكثر من العمل الصالح على كل حال، وعمله ديمة ( صلوات الله عليه وسلامه ). وفي الآية للمفسرين أقوال معروفة، التحقيق إن شاء الله فيها أن معنى قوله : ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير [ الأعراف : آية ١٨٨ ] من المال ومن غير المال ؛ لأن من يعلم ما يكون يعلم الأسباب الذي تستوجب الأمراض فيتقيها فيبقى صحيحا، ويعلم أوقات الغيب التي يأتي الله فيها بالربح والغلاء والرخص فيدخر للغلاء عدته وللرخص عدته، ويعلم الغيب فيما إذا باع هذا أنه يربح وإذا اشترى هذا أنه يخسر، إلى غير ذلك، فهو دائما يستكثر من الخير ؛ لأن الناس إنما يغبنون فيشترون شيئا يخسرون فيه، أو يفعلون فعلا يضرهم، أو يكون سببا لمرضهم إنما ذلك من عدم علمهم بالغيب. أما من يعلم الغيب ويعلم ما يكون فإنه إذا اشترى هذه السلعة هو عالم هل يربح منها أو يخسر فيها، فلا يخسر أبدا، وكذلك يعلم إذا اشترى المواشي والرقيق أن هذا يموت بسرعة وهذا يعيش كثيرا، وأنه إن فعل كذا أصابه المرض، فتجنب أسباب الغبن، وأسباب الأمراض، وصار لا يعمل إلا ما فيه خير له لاطلاعه على عواقب الأمور، وهذا معنى قوله : ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير .
وقوله : وما مسني السوء معطوف على جواب ( لو ) فهو في معنى جواب ( لو ) أي : ولو كنت أعلم الغيب ما مسني السوء ؛ لأن من يعلم الغيب ويعلم متى يأتيه السوء وما سببه يجتنب أسباب السوء من أول، فلا يصل إليه السوء، وهذا معنى قوله : ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير فهو أعم من المال كما بينا.
وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير يعني : ما أنا مالك لنفسي النفع ولا الضر، ولا أنا عالم بالغيب، كل ذلك إلى ربي، ولكني رسول من رب العالمين أنذر من عصى الله بعقابه، وأبشر من أطاع الله برضوانه وجنته، كما قال هنا : إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون [ الأعراف : آية ١٨٨ ] ( إن ) هنا هي النافية، والمعنى : ما أنا. وهذا القصر قصر إضافي إلا نذير قد قدمنا بالأمس أن النذير بمعنى المنذر، وأن الإنذار هو الإعلام المقترن بتهديد، فكل إنذار إعلام وليس كل إعلام إنذارا، ومعنى :( نذير ) أي : منذر لمن عصى ربي وكفر به بالنار وبشير أي : مبشر للمؤمنين بالجنة، كما قال تعالى : فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا ٩٧ [ مريم : الآية ٩٧ ] ونحو ذلك من الآيات.
والبشارة في لغة العرب أكثر ما تطلق على الإخبار بما يسر، فبشره وبشره معناه : أخبره بما يسره. قال بعض العلماء : قيل لها بشارة لأن السرور تظهر به حركة الدم فيظهر على بشرة الوجه آثار السرور. وربما أطلقت العرب البشارة على الإخبار بما يسوء، والظاهر أن إطلاق العرب البشارة على الإخبار بما يسوء أسلوب عربي معروف، فما هو مقرر في علم البلاغة : أن إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء أنه من نوع الاستعارة التي يسمونها بالعنادية –ويقسمونها إلى تهكمية وتمليحية - الظاهر أن كل ذلك لا حاجة إليه وإن أطبق عليه المتأخرون ؛ لأنها أساليب عربية نطقت بها العرب و نزل بها القرآن.
والعرب تطلق البشارة على الإخبار بما يسوء، ومن هذا المعنى قوله تعالى : ويل لكل أفاك أثيم ٧ يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم ٧ [ الجاثية : الآيتان ٧، ٨ ] وإطلاق البشارة على ما يسوء إطلاق معروف، وأسلوب عربي معروف تكلمت به العرب في لغتها، ونزل به القرآن، ومنه في كلام العرب قوله :
| يبشرني الغراب ببين أهلي | فقلت له ثكلتك من بشير |
وبشرتني يا سعد أن أحبتي *** جفوني وقالوا : الود موعده الحشر
هذا إخبار بما يسوء، وهذا معنى قوله : إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون [ الأعراف : آية ١٨٨ ].
الظاهر أنه ( جل وعلا ) في هذه الآية خص النذارة والبشارة بخصوص المؤمنين ؛ لأنهم هم المنتفعون بها، [ لأن غير المنتفع بها هي في شأنه كلا شيء. ونظير الآية من القرآن : فذكر بالقرآن من يخاف وعيد [ ق : آية ٤٥ ] مع أنه تذكير للأسود والأحمر، إنما تنذر من اتبع الذكر [ يس : آية ١١ ] وهو منذر للأسود والأحمر، إنما تنذر الذين يخشون [ فاطر : آية ١٨ ] وهو منذر للأسود والأحمر. أي : بأنهم هم المنتفعون.
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير