تفسير المفردات : فتعالى الله : أي ارتفع مجده وتعالى جده وتنزه عن شرك هؤلاء الجهلاء.
المعنى الجملي : بعد أن افتتح عزت قدرته السورة بالدعوة إلى التوحيد وإتباع ما أنزل على لسان رسوله وتلاه بالتذكير بنشأة الإنسان الأولى في الخلق والتكوين والعداوة بينه وبين الشيطان.
اختتم السورة بهذه المعاني، فذكر بالنشأة الأولى، ونهى عن الشرك وإتباع وسوسة الشيطان، وأمر بالتوحيد وإتباع ما جاء به القرآن.
الإيضاح : فلما آتاهما صالحا جعل له شركاء فيما آتاهما أي فلما أعطاهما ما طلبا وجاء الولد بشرا سويا لا نقص فيه ولا فساد في تركيب جسمه جعلا له شركاء فيما أعطاه : أي أظهرا ما كان راسخا في أنفسهما منه.
وقد نسب هذا الجعل إلى آدم وحواء والمراد أولادهما، قال الحسن البصري : هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا.
وقال الحافظ ابن كثير : أما نحن فعلى مذهب الحسن البصري في هذا وأنه ليس المراد من السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك ذريته، ولهذا قال : فتعالى الله عما يشركون ثم قال فذكره آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس اه.
وقال صاحب الانتصاف : إن المراد جنس الذكر والأنثى لا يقصد فيه إلى معين، وكأن المعنى والله أعلم : خلقكم جنسا واحدا وجعل أزواجكم منكم أيضا لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر، الجنس الذي هو الأنثى جرى من هذين الجنسين كيت وكيت، وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنس وإن كان فيهم الموحدون، لأن المشركين منهم كقوله : ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا [ مريم : ٦٦ ] وقوله : قتل الإنسان ما أكفره [ عبس : ١٧ ] وقوله إن الإنسان لفي خسر [ العصر : ٢ ] اه.
وقال صاحب الكشاف : إن المراد بالزوجين الجنس لا فردان معينان، والغرض : بيان حال البشر فيما طرأ عليهم من نزعات الشرك الخفي والجلي في هذا الشأن وأمثاله والجنس يصدق ببعض أفراده اه.
وبهذا تعلم أن ما روي عن بعض الصحابة والتابعين : من أن الآية في آدم وحواء وما روي في حديث سمرة بن جندب مرفوعا قال :( لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان ) ونحوه آثار كثيرة في هذا المعنى مفصلة ومطولة فهو خرافة من دس الإسرائيليين نقلت عن مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه فلا يوثق بها، لأن فيها طعنا صريحا في آدم وحواء عليهما السلام ورميا لهما بالشرك، ومن ثم رفضها كثير من المفسرين، وقال الحافظ ابن كثير : وهذه الآثار يظهر عليها والله أعلم أنها من آثار أهل الكتاب وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ).
وأخبار أهل الكتاب ثلاثة أقسام :
( ١ ) فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله.
( ٢ ) ومنها ما علمنا كذبه بما دل الدليل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا.
( ٣ ) ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته بقوله عليه السلام :( حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ) وهو لا يصدق ولا يكذب لقوله :( فلا تصدقوهم لا تكذبوهم ).
ثم بين سبحانه فساد رأيهم وسخافة عقولهم لهذا الشرك فقال : أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون .
تفسير المراغي
المراغي