أَحْكَامِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَهُوَ كَسَابِقِهِ نَقْصٌ فِي التَّوْحِيدِ لَا نَقْضٌ لَهُ، وَغَفْلَةٌ عَنْهُ لَا جَحْدٌ بِهِ.
وَمِثَالُ الشِّرْكِ الْجَلِيِّ: إِسْنَادُ هَذِهِ النِّعَمِ إِلَى غَيْرِهِ تَعَالَى مِمَّنْ يَدْعُونَهُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْ مَعَهُ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَالْقِدِّيسِينَ، أَوِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، أَوْ مَا يُذَكِّرُ بِهِمْ أَوْ بِمِثْلِهِمْ مِنَ الْقُبُورِ أَوِ الْأَصْنَامِ وَالتَّمَاثِيلِ، يَقُولُونَ: لَوْلَا سَيِّدِي فَلَانٌ وَلَوْلَا مَوْلَانَا عِلَّانٌ لَمَا كَانَ كَذَا مِمَّا نُحِبُّ، أَوْ لَكَانَ كَذَا وَكَذَا مِمَّا نَكْرَهُ، يَعْتَقِدُونَ أَنَّ لَهُمْ فِيمَا كَانَ مِنْ نَفْعٍ وَمَنْعِ ضَرَرٍ تَأْثِيرًا غَيْبِيًّا يَسْتَقِلُّونَ بِهِ، هُوَ فَوْقَ تَأْثِيرِ الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ عَنِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مِرَارًا، أَقْرَبُهَا مَا فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ.
فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ أَيْ: وَارْتَفَعَ مَجْدُهُ، وَتَعَالَى جَدُّهُ، تَنَزُّهًا عَنْ شِرْكِ هَؤُلَاءِ الْأَغْبِيَاءِ أَوْ عَنْ شُرَكَائِهِمْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ تَصَرُّفٌ فِي خَلْقِهِ، أَوْ تَأْثِيرٌ فِي صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ.
كُنْتُ قَرَأْتُ مُنْذُ سِنِينَ جُلَّ مَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ كُتُبِهِمُ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا مِنْ مَأْثُورٍ وَغَيْرِهِ، وَمَا أَوْرَدُوهُ فِيهَا مِنَ الْإِشْكَالِ، وَمَا لَهُمْ مِنَ الْجَوَابِ عَنْهُ وَالتَّفَصِّي مِنْهُ مِنْ أَقْوَالٍ، وَلَمَّا أَرَدْتُ كِتَابَةَ تَفْسِيرِهَا الْآنَ لَمْ أَجِدْ مِمَّا فِي ذِهْنِي مِنْهُ شَيْئًا مُرْضِيًا يَطْمَئِنُّ بِهِ قَلْبِي، فَتَوَجَّهْتُ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَفَكَّرْتُ فِي مَعْنَاهَا الَّذِي يُعْطِيهِ الْأُسْلُوبُ الْعَرَبِيُّ، وَيَنْطَبِقُ عَلَى سُنَّةِ اللهِ فِي الْبَشَرِ، وَفِي بَيَانِ كِتَابِهِ لِحَقَائِقِ أَحْوَالِهِمْ، فَكَّرْتُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ النَّوْمِ وَأَنَا فِي فِرَاشِي، ثُمَّ كَتَبْتُ مَا تَقَدَّمَ فِي آخِرِ النَّهَارِ، ثُمَّ بَحَثْتُ فِيمَا عِنْدِي مِنْ كُتُبِ التَّفْسِيرِ; لِأَكْتُبَ خُلَاصَةَ مَا قِيلَ فِيهَا، وَأَنْظُرَ فِيمَا عَسَاهُ يُؤَيِّدُهُ، وَأُجِيبُ عَمَّا رُبَّمَا يُفَنِّدُهُ، فَإِذَا أَنَا بِصَاحِبِ الِانْتِصَافِ يَقُولُ بَعْدَ ذِكْرِ مَا نَقَلْنَاهُ آنِفًا مِنْ كَلِمَةِ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي ضَمِيرَيِ الْجَمْعِ مَا نَصُّهُ: وَأَسْلَمُ مِنْ هَذَيْنِ التَّفْسِيرَيْنِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ جِنْسَيِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لَا يُقْصَدُ فِيهِ إِلَى مُعَيَّنٍ، وَكَأَنَّ الْمَعْنَى وَاللهُ أَعْلَمُ: خَلَقَكُمْ جِنْسًا وَاحِدًا وَجَعَلَ أَزْوَاجَكُمْ مِنْكُمْ أَيْضًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهِنَّ، فَلَمَّا تَغَشَّى الْجِنْسُ الَّذِي هُوَ الذَّكَرُ الْجِنْسَ الْآخَرَ وَإِنْ كَانَ فِيهِمُ الْمُوَحِّدُونَ ; لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (١٩: ٦٦) قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (٨٠: ١٧) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (١٠٣: ٢) اهـ.
وَأَمَّا الْإِشْكَالُ الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ، فَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَفِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَيْضًا مِنْ أَنَّ الْآيَةَ فِي آدَمَ وَحَوَّاءَ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا قَالَ: لَمَّا وَلَدَتْ حَوَّاءُ طَافَ بِهَا إِبْلِيسُ وَكَانَ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ فَقَالَ سَمِّيهِ عَبْدَ الْحَارِثِ فَإِنَّهُ يَعِيشُ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ فَعَاشَ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْيِ الشَّيْطَانِ وَهُوَ عَلَى كَثْرَةِ مُخْرِجِيهِ
غَرِيبٌ وَضَعِيفٌ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى مُفَصَّلَةً وَمُطَوَّلَةً وَفِيهَا زِيَادَاتٌ خُرَافِيَّةٌ، تَشْهَدُ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا مِنَ الدَّسَائِسِ الْإِسْرَائِيلِيَّةِ، وَهَذِهِ الْآثَارُ يَعُدُّهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ قَبِيلِ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ; لِأَنَّهَا لَا تُقَالُ بِالرَّأْيِ، وَالَّذِي نَعْتَقِدُهُ وَجَرْينَا عَلَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ مِنْهَا مَظِنَّةٌ لِلْإِسْرَائِيلِيَّاتِ الْمُتَلَقَّاةِ عَنْ مِثْلِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فَهِيَ لَا يُوثَقُ بِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مَعَ ذَلِكَ مُشْتَمِلَةً عَلَى مَا يُنْكِرُهُ الدِّينُ أَوِ الْعِلْمُ الصَّحِيحُ قَطَعْنَا بِبُطْلَانِهَا وَكَوْنِهَا دَسِيسَةً إِسْرَائِيلِيَّةً، وَمِنْهَا مَا نَحْنُ فِيهِ ; لِأَنَّ فِيهِ طَعْنًا صَرِيحًا فِي آدَمَ وَحَوَّاءَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَرَمْيًا لَهُمَا بِالشِّرْكِ، وَلِذَلِكَ رَفَضَهَا بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ، وَتَكَلَّفَ آخَرُونَ فِي تَأْوِيلِهَا بِمَا تُنْكِرُهُ اللُّغَةُ. وَقَدِ اعْتَمَدَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَصَاحِبِ فَتْحِ الْبَيَانِ، وَصَاحِبِ رُوحِ الْمَعَانِي الْأَخْذَ بِحَدِيثِ سَمُرَةَ دُونَ آثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، الَّتِي فِيهَا مَا لَيْسَ فِيهِ مِنْ رَمْيِ آدَمَ بِالشِّرْكِ الصَّرِيحِ، وَظَنَّا أَنَّهُ حُجَّةٌ، وَوَصَفَاهُ تَبَعًا لِلتِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ بِالْحَسَنِ وَالصَّحِيحِ، وَمَا هُوَ بِحَسَنٍ وَلَا صَحِيحٍ، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ كَتِلْكَ الْآثَارِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْخِطَابَ فِي الْآيَةِ لِقُرَيْشٍ، وَأَنَّ الْمُرَادَ فِيهَا بِالنَّفْسِ الْوَاحِدَةِ قُصَيٌّ جَدُّهُمْ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِجَعْلِ زَوْجِهَا مِنْهَا أَنَّهَا قُرَشِيَّةٌ أَوْ عَرَبِيَّةٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّهَا مِنْ خُزَاعَةَ لَا مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِشِرْكِهِمَا تَسْمِيَةُ أَبْنَائِهِمَا الْأَرْبَعَةِ عَبْدَ مَنَافٍ وَعَبْدَ شَمْسٍ وَعَبْدَ الْعُزَّى وَعَبْدَ الدَّارِ - يَعْنِي دَارَ النَّدْوَةِ - وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ ذَكَرَهَا بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ لَا نُضَيِّعُ الْوَقْتَ بِذِكْرِهَا، وَإِنَّمَا الَّذِي يَصِحُّ أَنْ يُذْكَرَ وَيُبَيَّنَ بُطْلَانُهُ، فَهُوَ الرِّوَايَاتُ الَّتِي انْخَدَعَ بِهَا وَلَا يَزَالُ يَنْخَدِعُ بِهَا الْكَثِيرُونَ، وَعُمْدَتُنَا فِي تَمْحِيصِهَا وَبَيَانِ عِلَلِهَا الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فَقَدْ قَالَ فِي تَفْسِيرِهِ مَا نَصُّهُ: ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ هَاهُنَا آثَارًا وَأَحَادِيثَ سَأُورِدُهَا وَأُبَيِّنُ مَا فِيهَا، ثُمَّ نُتْبِعُ ذَلِكَ
بِبَيَانِ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ وَبِهِ الثِّقَةُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَمَّا وَلَدَتْ حَوَّاءُ طَافَ بِهَا إِبْلِيسُ وَكَانَ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ فَقَالَ سَمِّيهِ عَبْدَ الْحَارِثِ فَعَاشَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْيِ الشَّيْطَانِ وَأَمْرِهِ " وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ بُنْدَارٍ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ بِهِ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بِهِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ مَرْفُوعًا ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ عَنْ هِلَالِ بْنِ فَيَّاضٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِهِ مَرْفُوعًا، وَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ شَاذِ بْنِ فَيَّاضٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ
بِهِ مَرْفُوعًا. (قُلْتُ) وَشَاذُّ هُوَ هِلَالٌ وَشَاذٌّ لَقَبُهُ، وَالْغَرَضُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَعْلُولٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: (أَحَدُهَا) أَنَّ عُمَرَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ هَذَا هُوَ الْمِصْرِيُّ وَقَدْ وَثَّقَهُ بْنُ مَعِينٍ، وَلَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَلَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا فَاللهُ أَعْلَمُ. (الثَّانِي) أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ قَوْلِ سَمُرَةَ نَفْسِهِ لَيْسَ مَرْفُوعًا كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: سَمَّى آدَمُ ابْنَهُ عَبْدَ الْحَارِثِ. (الثَّالِثُ) أَنَّ الْحَسَنَ نَفْسَهُ فَسَّرَ الْآيَةَ بِغَيْرِ هَذَا، فَلَوْ كَانَ هَذَا عِنْدَهُ عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا لَمَا عَدَلَ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ عَمْرٍو وَعَنِ الْحَسَنِ جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا قَالَ: كَانَ هَذَا فِي بَعْضِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَلَمْ يَكُنْ بِآدَمَ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: عَنَى بِهَا ذُرِّيَّةَ آدَمَ، وَمَنْ أَشْرَكَ مِنْهُمْ بَعْدُ. يَعْنِي جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا، وَحَدَّثَنَا
بِشْرٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى رَزَقَهُمُ اللهُ أَوْلَادًا فَهَوَّدُوا وَنَصَّرُوا. وَهَذِهِ أَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ عَنِ الْحَسَنِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ فَسَّرَ الْآيَةَ بِذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ التَّفَاسِيرِ وَأَوْلَى مَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَهُ مَحْفُوظًا عَنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَا عَدَلَ عَنْهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ، لَا سِيَّمَا مَعَ تَقْوَاهُ لِلَّهِ وَوَرَعِهِ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الصَّحَابِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَلَقَّاهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ مِثْلُ كَعْبٍ أَوْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ، أَلَّا أَنَّنَا بَرِئْنَا مِنْ عُهْدَةِ الْمَرْفُوعِ وَاللهُ أَعْلَمُ.
" فَأَمَّا الْآثَارُ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ حَوَّاءُ تَلِدُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْلَادًا فَيُعَبِّدُهُمْ لِلَّهِ وَيُسَمِّيهِمْ عَبْدَ اللهِ وَعُبَيْدَ اللهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَيُصِيبُهُمُ الْمَوْتُ، فَأَتَاهُمَا إِبْلِيسُ فَقَالَ: إِنَّكُمَا لَوْ سَمَّيْتُمَاهُ بِغَيْرِ الَّذِي تُسَمِّيَانِهِ بِهِ لَعَاشَ، قَالَ: فَوَلَدَتْ لَهُ رَجُلًا فَسَمَّاهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَفِيهِ أَنْزَلَ اللهُ يَقُولُ: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِلَى قَوْلِهِ جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ فِي آدَمَ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِلَى قَوْلِهِ: فَمَرَّتْ بِهِ شَكَّتْ أَحَمَلَتْ أَمْ لَا؟ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَأَتَاهُمَا الشَّيْطَانُ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِيَانِ مَا يُولَدُ لَكُمَا؟، أَمْ هَلْ تَدْرِيَانِ مَا يَكُونُ؟، أَبَهِيمَةٌ أَمْ لَا؟ وَزَيَّنَّ لَهُمَا الْبَاطِلَ إِنَّهُ غَوِيٌّ مُبِينٌ، وَقَدْ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فَمَاتَا، فَقَالَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ: إِنَّكُمَا إِنْ لَمْ تُسَمِّيَاهُ بِي لَمْ يَخْرُجْ سَوِيًّا وَمَاتَ كَمَا مَاتَ الْأَوَّلُ فَسَمَّيَا وَلَدَهُمَا عَبْدَ الْحَارِثِ
فَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا الْآيَةَ. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا قَالَ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا (آدَمُ) حَمَلَتْ فَأَتَاهُمَا إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ فَقَالَ: إِنِّي صَاحِبُكُمَا الَّذِي أَخْرَجْتُكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ لَتُطِيعَانِي أَوْ لَأَجْعَلَنَّ لَهُ قَرْنَيْ أَيِّلٍ فَيَخْرُجُ مِنْ بَطْنِكِ فَيَشُقُّهُ، وَلَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ - يُخَوِّفُهُمَا - فَسَمَّيَاهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَأَبَيَا أَنْ يُطِيعَاهُ فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتِ الثَّانِيَةَ فَأَتَاهُمَا أَيْضًا فَقَالَ:
أَنَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي فَعَلْتُ مَا فَعَلْتُ، لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَأَفْعَلَنَّ - يُخَوِّفُهُمَا - فَأَبَيَا أَنْ يُطِيعَا فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتِ الثَّالِثَةَ فَأَتَاهُمَا أَيْضًا فَذَكَرَ لَهُمَا فَأَدْرَكَهُمَا حُبُّ الْوَلَدِ فَسَمَّيَاهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
" وَقَدْ تَلْقَّى هَذَا الْأَثَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ، وَمِنَ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْخَلَفِ وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ جَمَاعَاتٌ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَكَأَنَّهُ وَاللهُ أَعْلَمُ أَصْلَهُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَاهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو الْجَمَاهِرِ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ يَعْنِي ابْنَ بَشِيرٍ عَنْ عُقْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ أَتَاهَا الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهَا: أَتُطِيعِينِي وَيَسْلَمُ لَكِ وَلَدُكِ؟ سَمِّيهِ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَلَمْ تَفْعَلْ فَوَلَدَتْ فَمَاتَ، ثُمَّ حَمَلَتْ فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ فَلَمْ تَفْعَلْ، ثُمَّ حَمَلَتِ الثَّالِثَةَ فَجَاءَهَا فَقَالَ: إِنْ تُطِيعِينِي يَسْلَمْ وَإِلَّا فَإِنَّهُ يَكُونُ بَهِيمَةً فَهَيَّبَهُمَا فَأَطَاعَا.
" وَهَذِهِ الْآثَارُ يَظْهَرُ عَلَيْهَا وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ آثَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ ثُمَّ أَخْبَارُهُمْ عَلَى ثَلَاثَةٍ، فَمِنْهَا مَا عَلِمْنَا صِحَّتَهُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ مِنْ كِتَابِ اللهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَمِنْهَا مَا عَلِمْنَا كَذِبَهَ بِمَا دَلَّ عَلَى خِلَافِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيْضًا، وَمِنْهُ مَا هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، فَهُوَ الْمَأْذُونُ فِي رِوَايَتِهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَهُوَ الَّذِي لَا يُصَدَّقُ وَلَا يُكَذَّبُ لِقَوْلِهِ: " فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ " وَهَذَا الْأَثَرُ هُوَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، فَأَمَّا مَنْ حَدَّثَ بِهِ مِنْ صَحَابِيٍّ أَوْ تَابِعِيٍّ فَإِنَّهُ يَرَاهُ مِنَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَأَمَّا نَحْنُ فَعَلَى مَذْهَبِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فِي هَذَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ آدَمَ وَحَوَّاءَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ; وَلِهَذَا قَالَ اللهُ: فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ ثُمَّ قَالَ: فَذِكْرُهُ آدَمَ وَحَوَّاءَ أَوَّلًا كَالتَّوْطِئَةِ لِمَا بَعْدَهُمَا مِنَ الْوَالِدَيْنِ وَهُوَ كَالِاسْتِطْرَادِ مِنْ ذِكْرِ الشَّخْصِ إِلَى الْجِنْسِ كَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ (٦٧: ٥) الْآيَةَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَصَابِيحَ وَهِيَ النُّجُومُ الَّتِي زُيِّنَتْ بِهَا السَّمَاءُ
لَيْسَتْ هِيَ الَّتِي يُرْمَى بِهَا،
تفسير المنار
محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني