ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝ

وقوله تعالى: فَمَرَّتْ بِهِ. أي: استمرت بذلك الحمل الخفيف، وقامت وقعدت لم يُثقلها.
قال الكلبي (١) والزجاج (٢): وقوله: فَلَمَّا أَثْقَلَتْ. أي: صارت إلى حال الثقل ودنت ولادتها. دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا. يعني: آدم وحواء (٣). لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا بشرًا سويًا مثلنا، وذلك أنهما أشفقا أن يكون بهيمة أو شيئًا سوى الإنسان، ويأتي بيان هذا في الآية الثانية.
١٩٠ - قوله تعالى: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا.
قال المفسرون (٤): (لما حملت حواء أتاها إبليس في غير صورته التي عرفته حواء، وقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت ما أدري. قال: إني أخاف أن يكون بهيمة أو كلبًا أو خنزيرًا، وما يدريك من أين يخرج أمن دبرك فيقتلك أو ينشق بطنك، فخافت حواء، فذكرت ذلك لآدم، فلم يزالا في هم من ذلك، ثم أتاها، وقال: إن سألت الله أن يجعله خلقًا سويًّا

(١) "تنوير المقباس" ٢/ ١٤٦، وهو قول الأكثر، انظر: "مجاز القرآن" ١/ ٢٣٦، و"تفسير غريب القرآن" ص ١٨٤، و"تفسير الطبري" ٩/ ١٤٤، وقد أخرج من طرق جيدة نحوه عن مجاهد والحسن وقتادة والسدي، وانظر: "نزهة القلوب" ص ٢٠٣، و"معاني النحاس" ٣/ ١١٣، والسمرقندي ١/ ٥٨٨، والثعلبي ٦/ ٢٨ ب، والماوردي ٢/ ٧٥.
(٢) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٩٥، وهو قول الفراء في "معانيه" ١/ ٤٠٠.
(٣) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ١٤٤، و"معاني الزجاج" ٢/ ٣٩٥، و"النحاس" ٣/ ١١٤، والسمرقندي ١/ ٥٨٨، والثعلبي ٦/ ٢٨ ب، والماوردي ٢/ ٧٥.
(٤) ذكره عن المفسرين ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص ٢٥٨، والواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٨٣، وانظر: "معاني الفراء" ١/ ٤٠٠، و"تفسير غريب القرآن" ١/ ١٨٤، و"معاني الزجاج" ٢/ ٣٩٥، و"الكامل" لابن الأثير ١/ ٤٥، والقرطبي ٧/ ٣٣٨.

صفحة رقم 511

مثلك، ويسهل عليك خروجه حتى تلقيه من بطنك سهلاً أتسمينه (١) عبد الحارث؟ ثم لم يزل بها حتى غرّها، فلما ولدت ولدًا سويَّ الخلق سمته عبد الحارث برضا آدم وعلمه، وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث فذلك قوله: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا)، أي: لما آتاهما ولدًا سويًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ قال ابن عباس (٢). (يريد: في تسميتهما (٣) عبد الحارث).
و (٤) قال الفراء: (جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ إذ قالت: عبد الحارث، ولا ينبغي أن يكون عبدًا إلا لله (٥). قال: ولم تعرفه أنه إبليس) (٦).
وذكر ابن زيد (إن النبي - ﷺ - قال: "خدعهما مرتين، خدعهما (٧) في الجنة، وخدعهما في الأرض") (٨).

(١) في (ب): "تسميه".
(٢) أخرجه الطبري ٩/ ١٤٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٣ - ١٦٣٤، من طرق يقوي بعضها بعضًا، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ضعيف عن ابن عباس عن أبي بن كعب، وأخرج أيضًا من طريق جيد رجاله رجال الصحيح عن ابن عباس قال: (في هذه الآية ما أشرك آدم وإن أولها شكر وإن آخرها مثل) اهـ. وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ٢٧٧، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وفيه: (وآخرها مثل ضرب لمن بعده).
(٣) في (ب): (في تسميتها).
(٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(٥) في (ب): (إلا الله)، وهو تحريف.
(٦) "معاني الفراء" ١/ ٤٠٠.
(٧) لفظ: (خدعهما) ساقط من (ب).
(٨) أخرجه الطبري ٩/ ١٥٠، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٥ بسند جيد عن عبد الرحمن بن زيد وهو مرسل ضعيف وعند ابن أبي حاتم: (قال رسول الله - ﷺ -: "خدعهما مرتين"). قال زيد بن أسلم: (خدعهما في الجنة وخدعهما في الأرض).
وذكره الثعلبي ٦/ ٣٠ ب، والواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٨٣، والبغوي ٣/ ٣١٣، والسيوطي في "الدر" ٣/ ٢٧٧.

صفحة رقم 512

وهذا الذي ذكرنا معنى قول سعيد بن جبير (١) والكلبي (٢) وأكثر أهل التفسير (٣).

(١) أخرجه الطبري ٩/ ١٤٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٤ من طرق جيدة.
(٢) لفظ: (والكلبي) ساقط من (ب)، وقد أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ٢/ ٢٤٥، بسند جيد عن الكلبي، وذكره هود الهواري ٢/ ٦٥، والثعلبي ٦/ ٢٩ أ.
(٣) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ١٤٦ - ١٤٩، والسمرقندي ١/ ٥٨٨، والثعلبي ٦/ ٢٨ ب، والماوردي ٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧، و"الدر المنثور" ٣/ ٢٧٧، وقال الطبري: (أجمع أهل التأويل على أن المعني بذلك: آدم حواء، وأنهما جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ في الاسم لا في العبادة) اهـ. بتصرف.
وقد أخرج أحمد والترمذي رقم (٣٠٧٧) كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأعراف، والطبري ٩/ ١٤٦، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٥، والحاكم في "المستدرك" ٢/ ٥٤٥ كلهم عن عمر بن إبراهيم عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي - ﷺ - قال: (لما حملت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسموه عبد الحارث فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره) اهـ.
قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عمر عن قتادة ورواه بعضهم ولم يرفعه) اهـ.
وأخرجه ابن عدي في "الكامل" ٦/ ٨٩، وقال: (هذا لا أعلم يرويه عن قتادة غير عمر وحديثه عن قتادة مضطرب وهو مع ضعفه يكتب حديثه) اهـ، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي في "التلخيص" وقال في "الميزان" ٣/ ١٧٩: (هو حديث منكر) اهـ، والحديث ضعيف لأن فيه عمر بن إبراهيم العبدي قال الحافظ في "التقريب" ص ٤١٠ رقم (٤٨٦٤): (صدوق، في حديثه عن قتادة ضعف) اهـ. وقال ابن كثير في "تفسيره" ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥، و"البداية والنهاية" ١/ ٩٦: (الحديث معلول من ثلاثة أوجه: أحدها: أن عمر وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، الثاني: أنه روى موقوفًا على سمرة، كما أخرجه الطبري ١٣/ ٣١٠، وهذه علة قادحة في الحديث، وهو أشبه، والمقطوع أن رفعه خطأ والصواب وقفه، الثالث: أن الحسن البصري فسر الآية بغير هذا فلو كان =

صفحة رقم 513

واختلف القراء في قوله: شُرَكَاءَ. فقرأ نافع (١) وأبو بكر.

= عنده عن سمرة مرفوعًا لما عدل عنه وقد أخرج تفسيره الطبري ٩/ ١٤٨ بأسانيد صحيحة ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله - ﷺ - لما عدل عنه هو ولا غيره ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي ويحتمل أنه تلقاه من بعض من آمن من أهل الكتاب) اهـ. مجموع بتصرف.
أما الآثار عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم فجزم ابن كثير في "تفسيره" ٢/ ٣٠٦ أنها مأخوذة عن أهل الكتاب قال: (روى الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه، وقد تلقى هذه الآثار عن ابن عباس جماعة من أصحابه كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة، ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة وكأنه والله أعلم أصله مأخوذ من أهل الكتاب، وهذه الآثار يظهر عليها والله أعلم أنها من آثار أهل الكتاب وأخبارهم على ثلاثة أقسام، فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافة من الكتاب والسنة أيضاً، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته وهو الذي لا يصدق ولا يكذب، وهذا الأثر هو من القسم الثاني أو الثالث فيه نظر، فأما من حدث به من صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث) اهـ. ملخصًا.
وكذلك ضعف الحديث وجعل الروايات من الإسرائيليات ابن العربي في "أحكام القرآن" ٢/ ٨١٩ - ٨٢٠، والقرطبي ٧/ ٣٣٧، والألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" ١/ ٣٤٨ رقم ٣٤٢، والشيخ محمَّد بن صالح العثيمين في القول المفيد على كتاب "التوحيد" ٣/ ٦٧، ومحمد أبو شهبة في الموضوعات والإسرائيليات في كتب "التفسير" ص ٢٠٩ - ٢١٥، وانظر: "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" ٢/ ٦١٤، و"الدر النضيد على أبواب التوحيد" ص ٢٨٥، و"تخريج الأحاديث المنتقدة في كتاب التوحيد" للشيخ فريج صالح البهلال ص ١٠٩.
(١) قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم: (جَعَلاَ لَهُ شِرْكَا) بكسر الشين وسكون الراء وتنوين الكاف من غير مد ولا همز، وقرأ الباقون: شُرَكَاءَ بضم الشين وفتح الراء والمد وهمزة مفتوحة من غير تنوين جمع شريك. =

صفحة رقم 514

شِرْكاً بكسر الشين، وهذا يتوجه على حذف المضاف بتقدير: جعلا له ذا شرك أو ذوي شرك، فإذا جعلا له ذوي شرك فقد جعلا له شركاء، فالقراءتان تؤولان إلى معنى واحد، والضمير في: لَهُ يعود إلى اسم الله كأنه وجَعَلَا لله شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا. قال أبو الحسن (١): (وكان ينبغي لمن قرأ: (شركًا) أن يقول المعنى: (جعلا لغيره شركًا)؛ لأنهما لا ينكران أن الأصل لله عز وجل، فالشرك إنما يجعل (٢) لغيره)، حكاه الزجاج (٣) وأبو علي هذا (٤) عن أبي الحسن، ثم قال الزجاج (٥): (هذا على معنى: جعلا له ذا شرك، فحذف ذا، مثل: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢].
وقال أبو علي: (يجوز أن يكون الكلام على ظاهرة ولا يقدر حذف المضاف في قوله: جَعَلَا لَهُ، وأنت تريد لغيره، ولكن (٦) تقدر حذف المضاف إلى شركٍ، كما ذكرنا (٧) فلا يحتاج إلى تقدير: جعلا لغيره شركًا؛

= انظر: "السبعة" ص ٢٩٩، و"المبسوط" ص ١٨٧، و"التذكرة" ٢/ ٤٣٠، و"التيسير" ص ١١٥، و"النشر" ٢/ ٢٧٣.
(١) "معاني الأخفش" ٢/ ٢١٦.
(٢) في (أ): (يجعله).
(٣) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٩٦.
(٤) كذا في الأصول أي: حكاه أبو علي عن الأخفش، و"الحجة" ٤/ ١١١ - ١١٢، وفي "معاني الأخفش" ٢/ ٣١٦: (قال بعضهم: (شركًا) لأن الشرك إنما هو الشركة، وكان ينبغي في قول من قال هذا أن يقول: فجعلا لغيره شركًا فيما آتاهما) اهـ، وذكر النحاس في "إعرابه" ١/ ٦٥٦.
(٥) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٩٦، ومثله قال النحاس في "إعرابه" ٢/ ٦٥٦ - ٦٥٧.
(٦) لفظ: (ولكن) ساقط من (أ).
(٧) جاء بعده في "الحجة" ٤/ ١١٢: (فيكون المعنى: جعلا له ذوي شرك وإذا جعلا له ذوي شرك وإن في المعنى مثل جعلا لغيره شركًا) اهـ.

صفحة رقم 515

لأن تقدير حذف المضاف من شرك بمنزلة جعلا لغيره شركًا) (١)، وتقدير (٢) حذف المضاف من شركًا أحسن وأولى من تقدير حذفه من قوله: لَهُ (٣).
قال الزجاج: (ومن قرأ شركًا فهو مصدر شركت الرجل (٤) أشركه شركًا) (٥)، ومن قرأ شُرَكَاءَ فحجته (٦) قوله: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ [الرعد: ١٦]، وأراد بالشركاء في هذه الآية إبليس، أوقع الجمع موقع الواحد، وذلك أن من أطاع إبليس فقد أطاع جميع الشياطين (٧)، فإن قيل: كيف أضيف الشرك إلى آدم وحواء مع منزلتهما من دين الله؟، والجواب عن هذا: ما روي عن قتادة أنه قال: (أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة) (٨)، يعني: أنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما، لكنهما

(١) "الحجة" لأبي علي ٤/ ١١١ - ١١٢.
(٢) انظر: "المشكل" ١/ ٣٠٧، و"البيان" ١/ ٣٨١، و"التبيان" ١/ ٣٩٨، و"الفريد" ٢/ ٣٩٤، و"الدر المصون" ٥/ ٥٣٥.
(٣) لفظ: (له) ساقط من (ب).
(٤) في (ب): (شركت بالرجل)، وهو تحريف.
(٥) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٩٦.
(٦) هذا من "الحجة" لأبي علي ٤/ ١١٢، وانظر: "معاني القراءات" ١/ ٤٣١، و"إعراب القراءات" ١/ ٢١٦، و"الحجة" لابن خالويه ص ١٦٨، لابن زنجلة ص ٣٠٤، و"الكشف" ١/ ٤٨٦.
(٧) انظر: "تفسير الطبري" ١٤٩.
(٨) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢٤٥، والطبري ٩/ ١٤٧، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٤، و"الداني في المكتفى" ص ٢٨٣ من عدة طرق جيدة وذكره يحيى بن سلام في "التصاريف" ص ١٠٦، السمرقندي ١/ ٥٨٨، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ٢٧٩، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد وابن المنذر) قال: و (أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس مثله) وذكره الثعلبي ٦/ ٣٠ أعن المفسرين.

صفحة رقم 516

قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمه، وقد يطلق اسم العبد مضافًا إلى من لا يراد أنه مملوك له كقوله (١):
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا
يريد: أنه خاضع له مطيع، ولم يرد أن الضيف ربه، وقد يقع الاشتراك في الاسم مع وقوع اختلاف في المعنى كما يقال لمملوك زيد: هذا عبد زيد، ثم يقال: إنه عبد الله، فقد جمعهما اللفظ، والمعنى مختلف (٢)، يدل على صحة هذا المعنى ما روي أنه قيل لسعيد بن جبير: (أشرك آدم؟ فقال: معاذ الله، ولكن حواء لما حملت أتاها إبليس فقال: أخبريني عن الذي في بطنك أتلدينه من عينك أم من فيك أم من أنفك؟ قالت: لا علم لي (٣) بذلك.
قال: فإن سألت الله عز وجل أن يسهل أمر الولادة عليك أتسمينه باسمي؟ قالت: نعم، وخبرها أن اسمه الحارث، فلما ولدت سمت الولد عبد الحارث، فذلك قول الله عز وجل: جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا) (٤).

(١) البيت لحاتم الطائي في "ديوانه" ص ٤٤، و"تفسير الثعلبي" ٦/ ٣٠ أ، والقرطبي ٧/ ٣٣٩، وهو لقيس بن عاصم المنقري في "الكامل" للمبرد ٢/ ١٧٩، وللمقنع الكندي في "أمالي القالي" ١/ ٢٨١، وبلا نسبة في: "عيون الأخبار" ١/ ٢٦٦، و"الوسيط" للواحدي ٢/ ٢٨٤، و"تفسير ابن الجوزي" ٣/ ٣٥٣، والرازي ١٥/ ٨٨، والخازن ٢/ ٣٢٥ وعجزه:
وما فيَّ إلا تلك من شيمة العبدِ
(٢) ذكر الطبري في "تفسيره" ٩/ ١٤٨: (إجماع أهل التأويل على أن المراد الشرك في الاسم لا في العبادة).
(٣) لفظ: (لي) ساقط من (ب).
(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٩/ ١٤٨، و"التاريخ" ١/ ١٤٩ بسند ضعيف.

صفحة رقم 517

قال أبو علي: (فعلى هذا التقدير: جعل أحدهما، فحذف المضاف كقوله: عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
وقوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن: ٢٢]) (١)، وهذا يوضح أن حواء ما قصدت الإشراك بالله من حيث الكفر، ولكن قصدت بالتسمية أن الحارث كان سبب سلامة الولد وسلامة أمه، وعلى هذا ينقطع الكلام عند قوله: آتَاهُمَا.
ثم قال: فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢). فعاد إلى الخبر عن الكفار ونزه نفسه عن إشراكهم فقال: فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. قال ابن عباس: (يريد: أهل مكة) (٣).
وقال عبد الله بن مسلم: (وإنما جعلا له الشرك بالتسمية لا بالنية

(١) "الحجة" ٤/ ١١٢ - ١١٣ وزاد فيه: (فيكون الذي جعل له شركًا أحدهما ويخرج آدم من أن ينسب إليه ذلك) اهـ.
وهذا القول رجحه صديق خان في "فتح البيان" ٥/ ٩٩ - ١٠٣، وأطال في تقريره قال: (الجاعل هو حواء دون آدم ولم يشرك آدم قط، وعلى هذا فليس في الآية إشكال، والذهاب إلى ما ذكرناه متعين تبعاً للكتاب والحديث وصونًا لجانب النبوة عن الشرك بالله تعالى، والذي ذكروه في تأويل الآية يرده كله ظاهر الكتاب والسنة، والقول بأنها سمته بإذن آدم يحتاج إلى دليل ولعلها سمته بغير إذنه ثم تابت من ذلك، وصحة إطلاق المثنى على المفرد شائع في كلام العرب وفي القرآن من ذلك الكثير، ولكنهم لم يذهبوا إليه في هذا الآية مع كونه ظاهر الأمر وواضحه، ومع أنهم ذكروه وذهبوا إليه في مواضع من القرآن والحديث، وهذا عجيب منهم غاية العجب) اهـ. ملخصًا.
(٢) في (ب): (تعالى)، وهو تحريف.
(٣) ذكره الواحدي في "الوسيط" ٢/ ٢٨٤، وذكره الثعلبي ٦/ ٣٠ أ، والبغوي ٣/ ٣١٤ بلا نسبة.

صفحة رقم 518

والعقد، وانتهى الكلام في قصة آدم وحواء، ثم ذكر من أشرك بالعقد والنية من ذريتهما فقال: فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، ولو كان أراد آدم وحواء لقال: عما يشركان، وهذا يدلك (١) على العموم) (٢)، ونحو هذا قال مقاتل، قال: (انقطع الكلام (٣) عند قوله: فِيمَا آتَاهُمَا. ثم ذكر كفار مكة فقال: فَتَعَالَى اللَّهُ) (٤). قال (٥) السدي: (هذا من الموصول والمفصول يعني: قوله: جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا في شأن آدم وحواء، ثم قال: فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. قال: عما يشرك المشركون، لم يعنهما) (٦).
وقال أبو بكر: (قال طائفة من أهل العلم: الذين جعلوا لله شركاء اليهود (٧) والنصارى وغيرهم من الكفار الذين هم أولاد آدم وحواء عليهما السلام، وتأويل الآية: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جعل أولادهما له شركاء، فحذف المضاف) (٨). وهذا معنى قول الحسن وقتادة وعكرمة، قال الحسن:

(١) في (ب): (يدل).
(٢) "تأويل مشكل القرآن" ص ٢٥٩.
(٣) قال الداني في "المكتفى" ص ٢٨٢: (قوله: فَلَمَّا آتَاهُمَا وقف كافٍ عند أصحاب الوقف وهو عندي تام لأنه انقضاء قصة آدم وحواء عليهما السلام، وقوله: عَمَّا يُشْرِكُونَ يريد مشركي العرب) اهـ.
وانظر: "الإيضاح" لابن الأنباري ٢/ ٦٧٤، و"القطع" للنحاس ١/ ٢٦٨.
(٤) "تفسيرمقاتل" ٢/ ٨٠.
(٥) في (ب): (ثم قال).
(٦) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢٤٦، والطبري ٩/ ١٤٩، وابن أبي حاتم ٥/ ٢٦٣٥ بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ١٧٩، وهذا القول هو اختيار الطبري في "تفسيره" ٩/ ١٤٨، والشيخ محمَّد بن صالح العثيمين في "القول المفيد على كتاب التوحيد" ٣/ ٦٧.
(٧) لفظ: (اليهود) ساقط من (ب)
(٨) ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" ٣/ ٣٠٤.

صفحة رقم 519

(عني بهذا من أشرك من ذرية آدم ولم يعن آدم) (١).
وروى سعيد (٢) عن قتادة أنه كان يقول هذه الآية ويقول: (هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصّروا) (٣). وقال عكرمة: (جعلها لمن بعد آدم ممن أشرك بالله) (٤).
ويتوجه قول هؤلاء على ما ذكرنا من حذف المضاف، وهو اختيار ابن كيسان؛ لأنه قال: (هم الكفار جعلوا له شركاء، سموا أولادهم عبد العزى، وعبد اللات، وعبد مناة) (٥).

(١) أخرجه عبد الرزاق ١/ ٢/ ٢٤٥، والطبري ٩/ ١٤٨، من طرق جيدة، وقال ابن كثير في "تفسيره" ٢/ ٣٠٥: (أخرجه ابن جرير عن الحسن بأسانيد صحيحة وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية) اهـ.
(٢) سعيد هو راوية قتادة وأثبت الناس فيه، سعيد بن أبي عروبة البصري، إمام ثقة، تقدمت ترجمته.
(٣) أخرجه الطبري ٩/ ١٤٨، وابن أبي حاتم ٥/ ١٦٣٤ بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ٢٧٩، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد، وابن المنذر).
(٤) ذكره النحاس في "معانيه" ٣/ ١١٦، والثعلبي ٦/ ٣٠ ب، والبغوي ٣/ ٣١٤، والقرطبي ٧/ ٣٣٩.
(٥) ذكره الثعلبي ٦/ ٣٠ ب، والبغوي ٣/ ٣١٤، والخازن ٢/ ٣٢٥، وهذا القول هو الظاهر الذي عليه أهل التحقيق، وقد استحسنه البغوي ٣/ ٣١٤، والخازن ٢/ ٣٢٥، وقال النحاس في "معانيه" ٣/ ١١٦: (هذا القول أولى والله أعلم، من أن ينسب إلى الأنبياء عليهم السلام مثل هذا) اهـ.
وقال في "إعرابه" ٢/ ١٦٧: (هذا قول حسن)، وقال القرطبي ٧/ ٣٣٩: (هذا قول حسن وهو الذي يعول عليه) اهـ.
وقال أبو حيان في "البحر" ٤/ ٤٤٠: (من جعل الخطاب للناس وليس المراد في الآية بالنفس وزوجها آدم وحواء أو جعل الخطاب لمشركي العرب ولقريش فيتسق الكلام اتساقًا حسنًا من غير تكَلف تأويل ولا تفكيك). =

صفحة رقم 520

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية