قوله : فلما آتاهما صالحا يعني فلما أعطى الله آدم وحواء صالحا، أي : أعطاهما ولدا بشرا ليس ببهيمة، وخرج منها بسلام.
جعلا له شركاء فيما آتاهما قرأ هذا الحرف جميع القراء منهم ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص خاصة : جعلا له شركاء فيما آتاهما وكلاهما لغة فصيحة وقراءة سبعية صحيحة لا كلام فيها.
والضمير في قوله : جعلا لآدم وحواء. وفي هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف وجهان معروفان من التفسير للعلماء، أحدهما جاءت به أحاديث وآثار، والتحقيق أنها لا يثبت شيء من تلك الأحاديث والآثار، وإن صحح بعض العلماء بعضها. والثاني دل عليه القرآن، وما دل عليه القرآن أرجح من غيره.
أحد الوجهين في هذا : أن إبليس – لعنه الله - لما عظم الجنين في بطن حواء جاءها وقال لها : إنه إذا خرج قد يشق بطنك، وقد يكون بهيمة، فهل أدلك على شيء إذا فعلته خرج منك بسلام، وخرج بشرا سويا ؟ وهو أن تسميه عبد الحارث. ويزعمون أن الحارث من أسماء الشيطان، وأنها سمته عبد الحرث، وأنها جعلت لله شركا حيث نسبت ذلك الولد الصالح الذي أعطاها الله نسبت عبوديته للشيطان، هذا معنى جاء عن بعض الصحابة، وجاء في بعض الأحاديث المرفوعة، وصحح الحاكم بعضها وغيره.
والتحقيق أنها لم يثبت في الحقيقة شيء منها والأغلب أن من رويت عنه من الصحابة أخذوها عن بعض الإسرائيليين.
الوجه الثاني : أن الآية الكريمة على أسلوب عربي معروف، وهو أنه جرت العادة في القرآن أن يسند فعل الآباء إلى الأولاد، وربما أسند فعل الأولاد إلى الآباء، وأن الفعل هنا أسند لآدم وحواء ( جعلا ) بألف التثنية الواقعة على آدم وحواء، والمراد ذريتهما التي أعطاها الله التناسل يخرج هذا بشرا سويا، ويخرج بسلام، ومع ذلك يكفرون بالله ( جل وعلا ) ويعبدون غيره، والدليل على أنه أطلق آدم وحواء وأراد ذريتهما من القرآن أنه قال بعده : فتعالى الله عما يشركون [ الأعراف : آية ١٩٠ ] ثم قال : أيشركون بصيغة الجمع ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون [ الأعراف : آية ١٩١ ] ثم ذكر علامات الأصنام التي يشرك بها أولادهم كما هو واضح. وهذا القول أرجح، واختاره غير واحد من المحققين لدلالة القرآن عليه، ونظيره من القرآن : ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم [ الأعراف : آية ١١ ] لأن معنى صورناكم هنا : صورنا أباكم آدم. فنسب التصوير إليهم والمصور أبوهم آدم، بدليل أنه قال : ثم قلنا للملائكة اسجدوا وأمر الملائكة بالسجود قبل تصوير بني آدم الآخرين كما لا يخفى.
وهذا معنى قوله : جعلا له شركاء فيما آتاهما القول الأول : سميا الولد عبد الحارث، وعلى الثاني : المراد : ذريتهما جعلت لله شركاء، فأشركت بالله ( جل وعلا ) الأصنام، وشاركوه في جميع ما أعطاهم من النعم والأولاد حتى قال الله للشيطان : وشاركهم في الأموال والأولاد [ الإسراء : آية ٦٤ ] وقال تعالى : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا [ الأنعام : آية ١٣٦ ] وكونه أسند الفعل لآدم وحواء وأراد ذريتهما وهو الذي دل عليه القرآن ؛ ومثل هذا كثر في القرآن ؛ لأنه يقول لبني إسرائيل في زمن النبي : وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى [ البقرة : آية ٥٧ ] ورفعنا فوقكم الطور [ البقرة : آية ٦٣ ] والمفعول بهم هذا أسلاف أسلاف أسلافهم لا هؤلاء الموجودين كما هو معروف. وهذا معنى قوله : جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله أي : تقدس وتعاظم وتنزه عما يشركون به، وهو ( جل وعلا ) منزه عن الشريك، وهو الواحد الأحد في عبادته وأسمائه وصفاته وأفعاله لا شريك له في شيء من ذلك.
ثم قال منكرا عليهم : أيشركون ما لا يخلق شيئا أيشركون بالله وهو خالق كل شيء ما لا يخلق شيئا [ الأعراف : آية ١٩١ ] هذا ليس بإنصاف، وقد جرت العادة في القرآن في آيات كثيرة أنه يجعل سبب العبادة التي تستحق به هو الخلق والإبراز من العدم إلى الوجود، فمن يبرزكم من العدم إلى الوجود، ويوجدكم بعد أن كنتم عدما هذا هو ربكم الذي يستحق أن يعبدوه وحده، أما الذي يحتاج إلى ما يخلقه فهو عبد مربوب فقير مثلكم، عليه أن يعبد من خلقه ؛ ولذا قال تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم [ البقرة : آية ٢١ ] وقال : أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشبه الخلق عليهم قل الله خلاق كل شيء [ الرعد : آية ١٦ ] أي : وخالق كل شيء هو المعبود وحده جل وعلا : يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا [ الحج : آية ٧٣ ] ومن لم يخلق شيئا لا يمكن أن يكون معبودا ؛ ولذا قال :
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير