وإما ينزغنك من الشياطين نزغ [ الأعراف : آية ٢٠٠ ] ( إما ) هذه أصلها ( إن ) الشرطية زيدت بعدها ( ما ) المزيدة لتوكيد الشرط والكثير في كلام العرب : أن ( إن ) الشرطية إذا أكدت شرطيتها ب( ما ) المزيدة بعدها كان الفعل المضارع لا بد أن تكون فيه نون التوكيد المثقلة، حتى قال بعض العلماء : كل مضارع قبله ( إما ) لا بد أن يتصل بنون التوكيد الثقيلة. والتحقيق أن هذا وإن كان هو لغة القرآن لم يوجد في القرآن فعل مضارع قبله ( إما ) إلا وهو مقترن بنون التوكيد المثقلة وإما ينزغنك من الشيطان [ الأعراف : آية ٢٢ ] فإما نذهبن بك [ الزخرف : آية ٤١ ] فإما ترين من البشر أحدا [ مريم : آية ٢٦ ] إلى غير ذلك ؛ إلا أن التحقيق أن إتيان نون التوكيد بعده هو اللغة الفصيحة ولو لم تأت بعده لكان جائزا، وسمع في أشعار العرب بكثرة عدم توكيد الفعل بعد ( أما )، قول الأعشى :
فإما تريني ولي لمة *** فإن الحوادث أودى بها
قال :( تريني ) ولم يأت بنون التوكيد. ومنه قول الحماسي :
زعمت تماضر أنني إما أمت *** يسدد أبينوها الأصاغر خلتي
ومنه قول الشنفري :
فإما تريني كابنة الرمل ضاحيا *** على رقة أحفى ولا أتنعل
وقول لبيد بن ربيعة :
فإما تريني اليوم أصبحت سالما *** فلست بأحيا من كلاب وجعفر
وهو كثير في كلام العرب. وزعم قوم ان حذف نون التوكيد لضرورة الشعر. وقال جماعة من علماء العربية : إنه لغة صحيحة لا ضرورة، كما هو معروف في محله. وهذا معنى قوله : وإما ينزغنك من الشياطين نزغ [ الأعراف : آية ٢٠٠ ] أسند الفعل هنا إلى مصدره، كقول العرب إذا جد الأمر :" جد جد هذا الأمر ". والأصل يعنون : جد الناس في ذلك الأمر. وإسناد الفعل إلى مصدره أسلوب عربي معروف، منه قول أبي فراس الحمدان وإن كان شعره لا يصلح إلا مثالا لا شاهدا :
سيذكرني قومي إذا جد جدهم *** وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
قال بعض العلماء : النزغ والنغر معناه : النخس. وإما ينخسنك الشيطان. ونخس الشيطان كأنه يأتي بشيء محدد ينخس في الإنسان ويغرزه فيه ليثيره إلى ما لا يرضي الله من المعاصي. وهذا النزغ هو فساد الشيطان على الإنسان إما بالوساوس، وإما بشدة الغضب، ونحو ذلك مما يحمله عليه الشيطان من انتهاك حرمات الله وتضييعها. إذا نزغك هذا النزغ من الشيطان بأن وسوس لك حتى زين لك أن تعصيه، أو أغضبك حتى خرجت عن حدود الطاعة، وكان هذا النزغ سيؤديك إلى أن تفعل ما لا ينبغي فاستعذ بالله من الشيطان. ( استعذ ) معناه : اطلبه أن يعيذك منه. والإعاذة : هي الحفظ والتمنع والتوقي، عكس اللياذ ؛ لأن اللياذ بالإنسان لاذ به يلوذ إذا كان يريد أن يجلب له مصالحه. واستعاذ به يستعيذ ليمنعه ويقيه مما يخاف، كما قال :
يا من أعوذ به فيما أحاذره *** ومن ألوذ به فيما أحواله
فاستعذ بالله أي : اطلب أن يعيذك، أي : يمنعك ويقيك من هذا الشيطان الرجيم إنه جل وعلا سميع لدعائك، سميع لما يوسوس لك من الشيطان عليم بوسوسة الشيطان لك، وبالتجائك إليه، وبكل ما يقوله ويفعله خلقه، فهو الذي بيده إنجاؤك منه، وهذا معنى قوله : فاستعذ بالله إنه سميع عليم [ الأعراف : آية ٢٠٠ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير