ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ

( ٣ ) الجاهلين : جاءت في القرآن بمعنى ضد العالمين، وجاءت بمعنى الغافلين والجاحدين والسفهاء. وهنا هي بالمعنى الأخير. ومن المفسرين من قال : إنها بمعنى ذوي المزاج الحديد الذي يهتاج لأقل سبب.
( ٤ ) نزغ : وسوسة. وقيل : إن معنى الكلمة في مقامها ثورة من غضب.
خذ العفو١ وأمر بالعرف٢ وأعرض عن الجاهلين( ١٩٩ )٣ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ٤ فأستعذ بالله إنه سميع عليم( ٢٠٠ ) إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف٥ من الشطيان تذكروا فإذا هم مبصرون( ٢٠١ ) وإخوانهم٦ يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون( ٢٠٢ ) [ ١٩٩-٢٠٢ ].
شرح الآية
خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين
والآيات الثلاث التي بعدها وتلقيناتها
الخطاب في الفصل موجه إلى مخاطب قريب. وفحوى الآية الأولى منه يدل على أنه موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد احتوى بعض التعليمات والتنبيهات والتنديدات. ولا تبدو صلة ظاهرة تربطه بالسياق السابق حتى ليكاد يبدو مستقلا. ومع ذلك فليس فيه موضوع مناقض أو مغاير أو بعيد عما احتواه السياق. ولم يرو المفسرون رواية خاصة في مناسبة نزوله إلا رواية رواها الطبري ليس فيها مناسبة أصلية، وإنما فيها مناسبة فرعية وسنوردها بعد قليل. ولعل حكمة التنزيل اقتضت بإيحائه عقب الفصول السابقة ليتصرف النبي صلى الله عليه وسلم وفق ما احتواه. أو لعله أنزل لمناسبة أزعجت نفس النبي صلى الله عليه وسلم وأثارته عقب نزول الفصول السابقة فدون في سياق واحد معها.
وقد أوجبت الآية الأولى على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتسامح مع الناس ويقبل ميسورهم وظواهرهم وإعذارهم دون تشدد ولا تزمت. وأن يأمر بكل ما فيه الخير والصلاح، وألا يساجل الجاهلين في جهلهم وطيشهم وأن يعرض عنهم، ويغضي عما قد يسوؤه منهم.
ونبهته الآية الثانية إلى الرجوع إلى الله عز وجل والعياذ به كلما حاول شيطان أن يمسه بنزغة من نزغاته، ويلقي إليه بوسوسة من وساوسه. أما الآيتان الثالثة والرابعة فقد احتوتا استطرادا فيه تنويه بالمؤمنين المتقين وتنديد بالجاهلين الكافرين. فالأولون كلما ألم بهم شيء من ذلك تذكروا الله وعظمته وأوامره ونواهيه فتنبهوا واستقاموا وتخلصوا، في حين أن الآخرين يخضعون لنزغات إخوانهم الشياطين الذين يظلون يوسوسون لهم ويورطونهم دون كلل أو تقصير.
وقد يكون نزغ الشيطان المذكور في الآية الثانية مطلقا وقد يكون في صدد ما أمر النبي به من خطة في الآية الأولى. ولقد روى الطبري عن ابن زيد : أنه لما نزلت الآية الأولى قال النبي صلى الله عليه وسلم : فكيف بالغضب يا رب ؟ فنزلت الآية التي بعدها. فإذا صحت الرواية ولا مانع من صحتها فتكون الآية الأولى هي عمود الفصل وتكون الآيات تفريعا تنبيها لها ويستأنس بها على رجحان الاحتمال الثاني. على أن هذا وارد سواء أصحت أم لم تصح.
ولئن وجه الخطاب في الآيتين الأوليين للنبي صلى الله عليه وسلم لتحتويا على خطة له لمعالجة ما اقتضته ظروف الدعوة من شؤون ومواقف وحالات. فإن الاستطراد الذي نوه فيه بالمتقين وندد فيه بالجاهلين تسوغ القول : إن الآيات الأربع قد انطوت على تلقينات جليلة مستمرة المدى سلوكية ونفسية وتثبيتية وتنديدية في آن واحد لتكون مستمد إلهام وتلقين لكل مسلم، وبخاصة للذين يتولون القيادة في حركات النضال والدعوة والإصلاح ؛ لأنهم بطبيعة مهمتهم مضطرون إلى الاحتكاك بمختلف طبقات الناس ومعرضون لكثير من المواقف والمشاهد والانفعالات والحالات التي يجب مواجهتها بمثل الخطة الحكيمة البليغة التي احتوتها الآية الأولى. وتلقين الآيتين الثالثة والرابعة قوي بليغ، فالذين يتقون الله ويبتغون رضاءه يسارعون حالا إلى كظم غيظهم والانتباه إلى ما أوشكوا أن يتورطوا فيه من الانفعالات ووساوس النفس ونزغات الشيطان ويعوذون بالله لتصفوا نفوسهم وتهدأ انفعالاتهم، وتنخسئ عنهم وساوس الشياطين، ويعودون إلى ما هو الأولى بهم من السكون ورباطة الجأش والتجلد والتزام الخطة المرسومة في الآية الأولى بعكس أضدادهم الذين فقدوا الإيمان والوازع الديني فيقعون تحت تأثير الوساوس والنزغات دائما ويرتكسون نتيجة لذلك في مختلف الانحرافات والآثام.
ولقد أورد الطبري في سياق الآية الأولى حديثا عن سفيان بن عيينة عن رجل سماه قال :( لما نزلت هذه الآية خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا جبريل ما هذا ؟ قال ما أدري حتى أسأل العالم. قال : ثم قال جبريل : يا محمد إن الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك ) وروى الطبري هذا بطريق آخر عن أبي أيضا. والحديث لم يرد في كتب الأحاديث المعتبرة. ولكن صحته محتملة وفيه توضيح وتساوق مع تلقين الآية القرآنية كما هو واضح.
ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية الثانية حديثا جاء فيه :( إن رجلين تسابا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب أحدهما حتى جعل أنفه يتمرغ غضبا، فقال رسول الله : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ). وقد روى هذا الحديث البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود بصيغة مقاربة عن سليمان بن صرد قال :( استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل أحدهما تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه فقال رسول الله : إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فقال : وهل ترى بي من جنون )١. حيث ينطوي في الحديث تعليم نبوي متساوق مع التعليم القرآني.
تعليق على الأمر بالاستعاذة من نزغات
الشيطان ومدى هذه النزغات في النبي صلى الله عليه وسلم
وسائر الناس
والتعليم بالاستعاذة من نزغات الشيطان ووساوسه يأتي هنا للمرة الثانية. والمرة الأولى جاءت في سورة الناس وقد ذكر فيها الجنة بدلا من الشيطان هنا.
ولقد شرحنا هدف التعليم بالاستعاذة وما تبثه في النفس من سكينة وطمأنينة. وأوردنا طائفة من الآيات والأحاديث في سياق تفسير سورة الفلق فنكتفي بهذا التنبيه بالنسبة للاستعاذة.
غير أن صيغة الآية [ ٢٠٠ ] التي نحن في صددها مختلفة نوعا ما. حيث تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من الشيطان إذ أن نزغه نزغ منه الذي فسره الجمهور على أنه الغضب. وهذه الصيغة تكررت في آية سورة فصلت هذه : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم٣٦ وجاء بصيغة أخرى في آيات سورة المؤمنون هذه : وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين٩٧ وأعوذ بك رب أن يحضرون٩٨ وقد كانت هذه الآيات موضوع بحث كلامي عما إذا كان يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عرضة لنزغات وهمزات ووساوس الشياطين وتأثيرهم كسائر الناس، وبما إذا كان هذا مما يخل في عصمته، وبما إذا كان هذا مما يصح أن يشمل ما يصدر عنه من أوامر وتعليمات وما يبلغه من وحي الله وقرآنه. وقد تطرق المفسر الخازن إلى هذا الأمر في سياق تفسير آية الأعراف التي نحن في صددها فقال : إن الآية بسبيل التعليم وليست بسبيل تقرير أمر وقع. أو أنها من باب لئن أشركت ليحبطن عملك [ الزمر : ٦٥ ] والنبي صلى الله عليه وسلم بريء من الشرك ألبتة. وإن الشيطان لو حاول الوسوسة له فإن الله عاصمه عن قبولها والتأثر بها. وأورد بسبيل ذلك حديثا رواه ابن مسعود قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا : وإياك يا رسول الله قال : وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم من شره وفتنته )٢.
تطرق رشيد رضا في تفسيره لآية سورة الأعراف التي نحن في صددها إلى هذا الموضوع أيضا. وفند أي احتمال لتأثر النبي صلى الله عليه وسلم بوسوسة الشيطان وأورد الحديث وقال إنه وارد في صحيح مسلم.
والمتبادر أن أسلوب الآيات ومداها لا يتحمل هذا البحث. وأن الآية الثانية من الآيات التي نحن في صددها ليست إلا بسبيل التنبيه على ما يمكن أن يطرأ على نفس النبي صلى الله عليه وسلم من انفعالات وأزمات تجاه المواقف والحالات المثيرة وبسبيل تهدئته مما هو متصل بطبيعة البشر التي قرر القرآن أن النبي صلى الله عليه وسلم فيها مثل سائر البشر. على أن من المحتمل أن يكون الخطاب للسامع المسلم إطلاقا، وهذا من أساليب القرآن المألوفة والمتكررة، ويمكن أن يضاف إلى هذا وذاك أن القرآن قرر أنه ليس للشيطان سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون كما جاء في آية سورة النحل [ ٩٩ ] وأنه لا سبيل له على عباد الله المخلصين كما جاء في آيات سورة الحجر [ ٤٠-٤٢ ] وهذا ضابط من ضوابط القرآن المحكمة، والنبي صلى الله عليه وسلم أول عباد الله المؤمنين الذين لا يمكن أن يكون للشيطان سبيل إليهم ولا سلطان عليهم. بل إن هذا المعنى مندمج في الآيات التي نحن في صددها كما يظهر للمتمعن فيها، فإذا ما حاول الشيطان أن يمس المؤمنين المخلصين بنزغة من نزغاته تذكروا في الحال فنجوا منها.
تعليق على رواية نسخ آية
خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين
هذا، وقد قال بعض المفسرين : إن الآية الأولى نسخت بالآيات التي تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال الكفار والمنافقين والإغلاظ لهم، وهذا القول يتكرر في كل مناسبة مماثلة على ما نبهنا عليه قبل. ولسنا نرى هذا في محله. فالآية احتوت خطة ربانية للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين إزاء الناس جميعهم الذين يدخل فيهم المسلمون. وهذه الخطة مؤيدة بآيات عديدة مدنية ومكية مثل آية سورة آل عمران هذه : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون١٠٤ وآية سورة النساء هذه : أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا٦٣ وآية سورة فصلت هذه : ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم٣٤ وآية سورة الإسراء هذه : وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا٥٣ وآية سورة آل عمران هذه : فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين١٥٩ بحيث يمكن أن يقال إن ما احتوته الآية من حث على أخذ الناس بالعفو من أخلاقهم وقبول الميسور منهم والتسامح في معاشرتهم والإغضاء عن طيش جاهليهم من مبادئ القرآن المحكمة.
وليس من تعارض بين هذا وبين معاملة من يستحق الشدة والغلظة والقتال بما يستحق بطبيعة الحال حتى يصح القول بنسخ الآية. وقد قال الطبري الذي روى رواية النسخ عن بعض أهل التأويل من الصدر الإسلامي : إنه ليس لديه دليل على نسخها، وإن المراد منها تأديب النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين جميعا وأمرهم بأخذ عفو أخلاق الناس. وتعليمهم صفة عشرة بعضهم بعضا وعشرة من لم يجب أخذه بالغلظة والشدة.
ولقد أورد البغوي حديثا رواه بطرقه في سياق هذه الآية عن عائشة قالت :( لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ) وحديثا آخر عن جابر قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله بعثني لإتمام مكارم الأخلاق وإتمام محاسن الأفعال ). ولم نطلع على هذين الحديثين في كتاب التاج الذي جمع أحاديث أئمة الحديث الصحيح الخمسة. وهذا لا ينفي صحتهما ولقد روى مؤلف التاج حديثا مقاربا للحديث الأول مرويا عن أنس قال :( لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا لعانا ولا سباب )٣. وروى عن الترمذي وأبي داود ح

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير