قوله : وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ النزغ : الوسوسة، وكذا النغز والنخس. قال الزجاج : النزغ أدنى حركة تكون، ومن الشيطان أدنى وسوسة، وأصل النزغ : الفساد، يقال نزغ بيننا : أي أفسد، وقيل النزغ : الإغواء. والمعنى متقارب : أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم إذا أدرك شيئا من وسوسة الشيطان أن يستعيذ بالله وقيل إنه لما نزل قوله : خُذِ العفو قال النبي صلى الله عليه وسلم :" كيف يا ربّ بالغضب " فنزلت، وجملة إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ علة لأمره بالاستعاذة، أي استعذ به والتجئ إليه، فإنه يسمع ذلك منك ويعلم به.
وأخرج ابن مردويه، عن عائشة، في قوله : خُذِ العفو قال : ما عفا لك من مكارم الأخلاق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله : خُذِ العفو قال : خذ ما عفا من أموالهم ما أتوك به من شيء فخذه. وهذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقة وتفصيلها. وأخرج ابن جرير، والنحاس، في ناسخه، عن السديّ في الآية قال : الفضل من المال نسخته الزكاة. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد، قال : لما نزلت خُذِ العفو الآية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«كيف بالغضب يا ربّ ؟ فنزل وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ » وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله : إِنَّ الذين اتقوا قال هم المؤمنون. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :«إِذَا مَسَّهُمْ طيف مِنَ الشيطان» قال : الغضب. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : الطيف : الغضب. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ، في قوله : تَذَكَّرُواْ قال : إذا زلوا تابوا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في الآية قال الطائف : اللمة من الشيطان تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ يقول : فإذا هم منتهون عن المعصية، آخذون بأمر الله، عاصون للشيطان وإخوانهم قال : إخوان الشياطين : يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ قال : لا الإنس يمسكون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين تمسك عنهم و إِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجتبيتها يقول : لولا أحدثتها، لولا تلقيتها فأنشأتها. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عنه وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي قال : هم الجنّ يوحون إلى أوليائهم من الإنس ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ يقول : لا يسأمون وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجتبيتها يقول : هلا افتعلتها من تلقاء نفسك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أبي هريرة، في قوله : وَإِذَا قُرِئ القرآن الآية قال : نزلت في رفع الأصوات، وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي، عن ابن عباس، في الآية قال : يعني في الصلاة المفروضة. وأخرج ابن مردويه، والبيهقي، عنه قال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ خلفه قوم فخلطوا، فنزلت : وَإِذَا قُرِئ القرءان الآية، فهذه في المكتوبة. قال : وإن كنا لم نستمع لمن يقرأ بالأخفى من الجهر. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم، والبيهقي عن محمد بن كعب القرظي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي عن عبد الله بن مغفل نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي، عن ابن مسعود، نحوه أيضاً.
وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف، وصرحوا بأن هذه الآية نزلت في قراءة الصلاة من الإمام. وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن، في الآية قال : عند الصلاة المكتوبة، وعند الذكر. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في الآية قال : في الصلاة وحين ينزل الوحي. وأخرج البيهقي عنه في الآية أنه قال : هذا في الصلاة.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ الآية قال : أمره الله أن يذكره، ونهاه عن الغفلة : أما بالغدوّ فصلاة الصبح، والآصال بالعشي. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي صخر. قال : الآصال ما بين الظهر والعصر. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في الآية قال : لا تجهر بذاك بالغدو والآصال بالبكر والعشيّ. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد بالغدو قال : آخر الفجر صلاة الصبح. والآصال آخر العشي صلاة العصر.
والأحاديث والآثار عن الصحابة في سجود التلاوة، وعدد المواضع التي يسجد فيها، وكيفية السجود، وما يقال فيه مستوفاة في كتب الحديث والفقه، فلا نطوّل بإيراد ذلك هاهنا.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني