ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓ

[ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين( ٣٧ )( الأعراف : آية ٣٧ ) والعياذ بالله.
قوله :[ فمن أظلم ] استفهام إنكار معناه النفي. أي : لا أحد أظلم. وفي هذه الآية سؤال معروف، وهو أن معنى : ؟ [ فمن أظلم ] لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا. وهذه تدل على أن المفتري على الله الكذب، والمكذب بآياته هو أعظم الناس ظلما ؛ لأن ( أظلم ) صيغة تفضيل، وأنه يفوق غيره ويفضله في الظلم. وقد جاءت آيات أخرى :[ فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق[ ( الزمر : آية ٣٢ )[ ومن اظلم ممن منع مساجد الله ] ( البقرة : آية ١١٤ ) قال بعضهم : يظهر لطالب العلم في هذا شبه تعارض ؛ لأنه قال : لا أحد أظلم من هذا، ولا أحد أظلم من هذا، ولا أحد أظلم من هذا.
وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة معروفة، أشهرها اثنان :
أحدهما :- وجزم به أبو حيان في كتابه البحر المحيط- أنه لا تعارض أصلا بين الآيات، وإنما دلت الآيات على أن كل من ذكر في قوله [ فمن أظلم ] لا يمكن أن يفوقه أحد من أهل الدنيا في الظلم، إلا أنهم جميعا متساوون لا يفوق بعضهم بعضا، وهم يفوقون غيرهم في الظلم، كما لو قلت : ليس في هذا البلد أعلم من زيد، وليس فيه أعلم من عمرو. وزيد وعمرو مستويان في العلم، فتكون صادقا، ولا معارضة بين قوليك. وهذا وجه ظاهر لا إشكال فيه، وهو كما قال أبو حيان.
الوجه الثاني : أنها تتخصص بصلاتها. وعليه فيكون المعنى :[ فمن أظلم ممن افترى ]( الأعراف : آية ٣٧ ) لا أحد من جنس المفترين أظلم ممن افترى على الله كذبا، ولا أحد من جنس المانعين أظلم ممن منع مساجد الله، ولا أحد من جنس المكذبين أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق، وهكذا. والظلم قد قدمنا معناه- مرارا- بشواهده العربية.
[ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ] الافتراء : الاختلاف، والقول بغير الواقع. والكذب : الأصح في أقواله أنه الإخبار بخلاف الواقع.
وأقوال البيانيين فيه معروفة، والمراد هنا : الإخبار بغير الواقع، كقولهم إن مع الله شريكا، وإن له ولدا، وإنه أمرهم بالفاحشة كطوافهم عراة، إلى غير ذلك من افتراءاتهم على الله.
[ أو كذب بآياته ] التي جاءت بها رسله، فقال : إن هذا القرآن ليس بحق، إنه شعر، أو سحر، أو كهانة، أو أساطير الأولين. لا أحد أظلم ممن افترى هذا الكذب على الله بادعاء الشركاء والأولاد، وانه حرم كذا وهو لم يحرمه، ولا احد أظلم ممن كذب بآيات الله فجحد بها وقال : أنها من السحر، أو من الشعر، أو من كلام الكهنة، أو من أساطير الأولين، أو أنها علمها له بشر. لا أحد أظلم من هذا وهذا.
ثم قال :[ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ] في قوله :[ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ] المراد بهذا النصيب الذي ينالهم من الكتاب فيه أقوال متقاربة لعلماء التفسير لا يكذب بعضها بعضا، أرجحها : ما دلت عليه القرينة القرآنية، قال بعض العلماء :[ ينالهم نصيبهم من الكتاب ] يرجعون إلى ما هم صائرون إليه مما كتب لهم أزلا، فمن كتب له أن يموت على ذلك الشقاء مات عليه، ومن كتب له أن يتوب تاب.
والتحقيق في معنى هذه الآية : أن معنى [ أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ] أنهم ينالهم ما كتب الله لهم في الدنيا مما ينالونه من الخير ومن الشر، من الصحة، والعافية، والرفاهية، والأمراض، والأحزان، والأموال، والرزق، والآجال، حتى يستكملوا في دار الدنيا ما سبق في علم الله أنهم ينالونه من الأرزاق، والنعمة، والعافية، والأولاد، والآجال، وما يصيبهم من الخيرات، والخصب، والأموال، وكذلك ما يلاقونه أيضا من البأساء، والأمراض، والفقر، وتحديد الآجال، حتى إذا انتهى نصيبهم في هذه الدنيا مما كتب لهم من خير أو شر، ورزق ومال وأجل لا يزالون كذلك [ حتى إذا جاءتهم رسلنا ] ( الأعراف : آية ٣٧ ) وعليه ف ( حتى ) هذه غائية.
وقال بعضهم : هي حتى الابتدائية التي تكون قبل ابتداء الجمل. حتى إذا جاءت الواحد منهم بعد أن نال نصيبه المكتوب له في الدنيا من جميع الأنواع المكتوبة له من الأرزاق، والآجال، والأولاد، والعافية، والرزق، والأمراض، والهموم، ونحو ذلك.
[ حتى إذا جاءتهم رسلنا ] المراد بالرسل هنا : جمع رسول. وهذه الرسل هي : ملك الموت واعوانه، يقبضون أرواحهم.
واعلموا أن الله أسند قبض الروح في آية إلى نفسه- جل وعلا- حيث قال في نفسه :[ والله يتوفى الأنفس حين موتها ]( الزمر : آية ٤٢ ) وأسنده في آية لملك واحد، وهي قوله في السجدة :[ قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ]( السجدة : آية ١١ ) وأسنده في آيات كثيرة لملائكة كثيرة مرسلين لذلك، كقوله هنا :[ حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ] الأعراف : آية ٦١ ) وكقوله :[ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ]( النساء : آية ٩٧ ) ولا إشكال في الآيات ؛ لأن إسناد التوفي إلى الله ؛ لأن كل شيء بمشيئته وقضائه وقدره، فلا تقع وفاة أحد إلا بمشيئته- جل وعلا- كما صرح به قوله :[ وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ]( آل عمران : آية ١٤٥ ) وإسناده لملك الموت لانه هو الرئيس الموظف بقبض الارواح. واسناده لملائكة كثيرين لان لملك الموت أعوانا كثيرين يقبضون معه أرواح الناس بأمره. قال بعض أهل العلم : يقبض أعوانه الروح حتى تبلغ الحلقوم فيأخذها ملك الموت. والآيات دلت على أن له أعوانا كثيرة من الملائكة يقبضون معه الأرواح، كقوله هنا :[ حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ] وكقوله :[ توفته رسلنا وهم لا يفرطون ] [ إن الذين توفاهم الملائكة ] [ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ]( الأنفال : آية ٥٠ ) عياذا بالله جل وعلا.
[ حتى إذا جاءتهم ]( الأعراف : آية ٣٧ ) أي : ذلك الإنسان الذي استكمل في دار الدنيا نصيبه من الكتاب، بأن أكل جميع ما كتب له من الرزق، ونال ما كتب له من الشهوات واللذات والأجل، ونال ما قدر الله عليه من الشرور في الدنيا، حتى إذا انقضى أجله، وجاء الوقت المحدد لموته جاءته [ رسلنا ] أي : ملك الموت وأعوانه ليقبضوا روحه وينزعوها من بدنه. وسنذكر كيفية ذلك في قوله :[ لا تفتح لهم أبواب السماء ] ( الأعراف : آية ٤٠ ) في الآيات القريبة.
[ جاءتهم رسلنا يتوفونهم ] [ يتوفونهم ] في هذه الآية وجهان من التفسير : التحقيق أنها الوفاة بقبض الأرواح في دار الدنيا، وأنهم إذا جاءهم ( الملائكة ) ( ما بين المعقوفتين ( ) زيادة يقتضيها السياق ) يقبضون أرواحهم في دار الدنيا يوبخونهم ويقرعونهم عند أخذ الروح، ويقولون لهم : أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ؟ أين من كنتم تعبدون مع الله ؟ نادوهم فلينقذوكم منا ويخلصوكم من هذا الموت وما بعده من العذاب. وعلى هذا القول فقوله :[ يتوفونهم ] يعني : بقبض الأرواح. وفيه قول آخر، وهو ضعيف، إلا أنه ذكره جماعة من علماء التفسير، ان هذا يوم القيامة إذا حشر الخلق جاءت رسل الله، وهم الملائكة الموكلون بالنار يتوفونهم، أي : يأخذون أهل النار وافين ؛ لأن جميع أهل النار مكتوبون في ديوان، معينة به أسماؤهم، وأسماء آبائهم، وأنسابهم، وقبائلهم، والملائكة الموكلون عندهم السجلات يأخذونهم واحدا واحدا حتى يستوفوا العدد المكتوب. هذا قول في الآية. والأول هو الصحيح. وعلى هذا القول فقوله :[ يتوفونهم ] يأخذون عددهم وافيا. والقول الأول :[ يتوفونهم ] بقبض الأرواح.
[ قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله ] يقوله لهم الملائكة عند قبض الروح توبيخا وتقريعا، ويضربونهم أيضا مع ذلك، كما قال جل وعلا :[ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ]( الأنفال : آية ٥٠ ) والعياذ بالله.
[ أين ما كنتم تدعون من دون الله ] ( أين ) هنا هي الاستفهامية. و( ما ) موصولة. أين الذين كنتم [ تدعون ] ؟ أي : تعبدون [ من دون الله ]، أي : مع الله ( جل وعلا )- وتجعلونهم شركاء معه ؟ أين هم ؟ نادوهم فليحضروا فليخلصوكم وينقذوكم ! ! وهذا من التوبيخ والتقريع والتعذيب.
وهذه الآية أطلقت فيها الوفاة على معناها العرفي. واعلموا أن معنى ( توفاه ) تطلق في اللغة العربية إطلاقين، إطلاقا لغويا، وإطلاقا عرفيا.
أما إطلاقها الغوي : فهو اخذ الشيء كاملا بجميعه وافيا. تقول العرب : توفيت ديني. إذا أخذته وافيا كاملا لا ينقص منه شيء. فكل شيء أخذته وافيا بتمامه فقد توفيته. وهذا معناها في اللغة العربية.
ومعناها في العرف : تقول العرب : توفاه الله. إذا قبض روحه وحدها دون جسمه. هذا معناها العرفي، وذلك معناها اللغوي.
والقاعدة المقررة عند جمهور الأصوليين : أن الحقيقة العرفية تقدم على الحقيقة اللغوية ما لم يقم دليل يرجح الحقيقة اللغوية.
وذكر بعض علماء الأصول عن أبي حنيفة –رحمه الله- أنه لا يقدم العرفية على الحقيقية اللغوية ؛ لأن العرفية وإن ترجحت في الاستعمال فالحقيقية قد ترجحت بأصل الوضع.
وهذا تترتب عليه مسألة غلط فيها كثير من الناس، وأضل الملحدون فيها كثيرا من الناس، وهي قضية عيسى ابن مريم ( عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ) ؛ لأن الله عبر عنه بالوفاة في قوله :[ إني متوفيك ]( آل عمران : آية ٥٥ ) أما قوله ( جل وعلا ) عنه/ :[ فلما توفيتني ]( المائدة : آية ١١٧ ) من كلام عيسى يوم القيامة، ولا تأتي يوم القيامة إلا وعيسى قد مات قطعا، لا نزاع في موته قبل يوم القيامة ؛ لأن [ فلما توفيتني ] من كلام عيسى يوم القيامة إذا قال له ربه :[ ءأنت قلت للناس ]( المائدة : آية ١١٦ ) هذا كلامه يوم القيامة [ ءانت قلت للناس اتخذوني وأميي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ] إلى أن قال :[ وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني ] أي : قبضتني إليك ورفعتني إلى السماء [ كنت أنت الرقيب عليهم ] وقول عيسى هذا يوم القيامة لا حجة فيه على انه قد مات. أما آية قوله :[ إني متوفيك ورافعك إلي ] ( آل عمران : آية ٥٥ ) فهي قول في دار الدنيا لا في الآخرة. واحتج به بعض الملاحدة الذين يزعمون أن عيسى قد مات ! ! وهذه فكرة إلحادية.
والتحقيق الذي دلت عليه السنة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقرآن العظيم- الوحي المنزل- أن عيسى لم يمت إلى الآن، وانه حي في السماء، وانه سينزل في هذه الأمة في آخر الزمان ليقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويقتل المسيح الدجال، وهو نازل لا محالة، دل على ذلك السنة المتواترة عن رسول الله، والقرآن العظيم.
أما القرآن العظيم فقد دل عليه دلالة صريحة- وإن قيل فيها قول يخالفها ؛ لأن القول المخالف باطل وإن نسبوه لابن عباس ؛ لأنه باطل ؛ لأن ظاهر القرآن خلافه، والعقل لا يقبله أيضا- ذلك أن الله قال عن عيسى بن مريم :[ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه ]( النساء : الآيتان١٥٨، ١٥٧ ) ثم قال :[ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ]( النساء : آية ١٥٧ ) بين أن السبب الذي ادعى اليهود به أنهم قتلوه : أن الله ألقى شبهه على رجل آخر، فظنوه إياه، فقتلوه، وظنوا أنهم قتلوه، والله يقول :[ ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفو

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير