فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بآياته أي لا أحد أظلم منه. وقد تقدّم تحقيقه. والإشارة بقوله : أولئك إلى المكذبين المستكبرين يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ الكتاب أي مما كتب الله لهم من خير وشرّ. وقيل : ينالهم من العذاب بقدر كفرهم. وقيل : الكتاب هنا القرآن لأن عذاب الكفار مذكور فيه. وقيل هو اللوح المحفوظ.
قوله : حتى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا أي إلى غاية هي هذه. وجملة يَتَوَفَّوْنَهُمْ في محل نصب على الحال. والمراد بالرسل هنا : ملك الموت وأعوانه. وقيل : حتى هنا هي التي للابتداء. ولكن لا يخفى أن كونها لابتداء الكلام بعدها لا ينافي كونها غاية لما قبلها. والاستفهام في قوله : أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله للتقريع والتوبيخ، أي أين الآلهة التي كنتم تدعونها من دون الله وتعبدونها، وجملة قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا استئنافية بتقدير سؤال وقعت هي جواباً عنه، أي ذهبوا عنا وغابوا فلا ندري أي هم ؟ وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين أي أقرّوا بالكفر على أنفسهم.
وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله : أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ الكتاب قال : ما قدر لهم من خير وشرّ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال : من الأعمال، من عمل خيراً جزى به، ومن عمل شرّاً جزي به. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عنه أيضاً قال : نصيبهم من الشقاوة والسعادة. وأخرج عبد ابن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في الآية قال : ما سبق من الكتاب. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في الآية قال : رزقه وأجله وعمله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي صالح، في الآية قال : من العذاب. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن مثله.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ، في قوله : قَدْ خَلَتْ قال : قد مضت كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا قال : كلما [ دخل ] أهل ملة لعنوا أصحابهم على ذلك، يلعن المشركون المشركين، واليهود اليهود، والنصارى النصارى، والصابئون الصابئين، والمجوس المجوس، تلعن الآخرة الأولى حَتَّى إِذَا اداركوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ الذين كانوا في آخر الزمان لأولاهم الذين شرعوا لهم ذلك الدين رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مّنَ النار قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ الأولى والآخرة وَقَالَتْ أولاهم لأخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ وقد ضللتم كما ضللنا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله : عَذَاباً ضِعْفاً قال : مضاعفاً قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ قال : مضاعف، وفي قوله : فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ قال : تخفيف من العذاب.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني