يقول الله جل وعلا :[ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون( ٥٢ ) هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتى تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ( ٥٣ ) ]( الأعراف : الآيتان ٥٣، ٥٢ ).
لما بين الله ( جل وعلا ) مصير أهل الجنة ومصير أهل النار، وما يقوله كل من أهل الجنة وأهل النار للآخرين، وما يقوله أصحاب الأعراف للطرفين، بين أن الذين هلكوا واستحقوا النار وخلدوا في النار ما جاءهم ذلك إلا عن الإعراض عن هذا الكتاب الأعظم، والنور المبين الذي انزله رب السماوات والأرض، وفصل فيه العقائد، والحلال والحرام، وبين فيه الأمثال، وما يوصل إلى الجنة، وما يوصل إلى النار، وأوضح فيه كل خير، وحذر فيه من كل شر، وبشر فيه وانذر، فمن أعرض عن هذا القرآن هم الذين صاروا إلى النار، ومن عمل بهذا القرآن هم الذين صاروا إلى الجنة. ومنذ أنزل الله هذا الكتاب- الذي هو أعظم كتاب نزل من السماء إلى الأرض، وجمع الله فيه علوم الأولين والآخرين- استحال شرعا أن يدخل أحد النار إلا عن طريق الإعراض عنه أو يدخل أحد الجنة إلا عن طريق العمل به، فالعمل به مفتاح الجنة، والأعراض عنه مفتاح النار[ ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده ]الآية ( هود : آية ١٧ ) ولأجل ذلك جعله الله رحمة لقوم وفقهم للعمل به، وحجة ووبالا على قوم خذلهم فلم يعملوا به [ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في أذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ]( فصلت : آية ٤٤ ) [ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا( ٨٢ ) ]( الإسراء : لآية ٨٢ ) [ وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ] ( المائدة : آية ٦٤ ) [ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون( ١٢٤ ) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون( ١٢٥ ) ] ولذا قال هنا :[ ولقد جئناهم ] أي : الخلائق الذين كنا نقص خبرهم ؛ لأن بعضهم في الجنة وبعضهم في النار. فعلى هذا القول ف ( الكتاب ) جنس الكتب السماوية. والأظهر أن المخاطبين به المرادين به أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأن الكتاب هو هذا القرآن العظيم.
[ ولقد جئناهم ] أي : جئنا هذه الأمة التي دخل بعضها الجنة وبعضها النار.
[ بكتاب ] أنزلناه على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وقراءة الجمهور من السبعة بل والعشرة :[ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه ] أما قراءة :[ ولقد جئناهم بكتاب فضلناه ] أي : على سائر الكتب، فليست من القراءات السبعية، وقرأ بها ابن محيصن وغيره. وهي وإن كانت شاذة فمعناها صحيح ؛ لأنه مفضل على سائر الكتب. وقراءة الجميع : اللام موطئة للقسم، والله ما تركناهم سدى ولا في غفلة، والله لقد جئناهم بكتاب. يعني : أتيناهم بكتاب. قدمنا أنه قيل له ( الكتاب ) لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال :[ بل هو قرآن مجيد( ٢١ ) في لوح محفوظ( ٢٢ ) ]( البروج : الآيتان٢٢، ٢١ ) وفي صحف عند الملائكة، كما في قوله :[ في صحف مكرمة ( ١٣ ) مرفوعة مطهرة ( ١٤ ) ]( عبس : الآيتان١٤، ١٣ ) وكذلك هو مكتوب عند المسلمين في مصاحفهم يقرؤونه.
[ بكتاب فصلناه ] صيغة الجمع للتعظيم، والله هو الآتي بهذا الكتاب وحده، المفصل له وحده. وصيغة الجمع في ( جئنا ) وفي ( فصلنا ) إنما هي للتعظيم، والمعنى :[ فصلناه ] التفصيل ضد الإجمال. ومعنى تفصيل هذا الكتاب : جعلناه موضحا بينا فيه العقائد بتفصيل وإيضاح، والحلال والحرام والأمثال والمواعظ، وما يدخل الجنة، وما يدخل النار، وما يرضي الله، وما يسخط الله، وما تصلح به أحوال الإنسان في دنياه وآخرته، وما تفسد به، فقد فصل الله فيه كل شيء، وبين فيه أصول كل شيء، فأوضح فيه العقائد، ومكارم الأخلاق، والخروج من الشبهات، ورفع فيه الهمم، وبين أصول الحلال والحرام، وأصول المواعظ وجميع الأشياء. والغريب كل الغريب الذي لا يقضي الإنسان عجبه منه أن أمة ينزل عليها هذا الكتاب الذي يقول الله فيه : إنه فصله على علم منه، بينه مفصلا بعلم الله ( جل وعلا ) المحيط بكل شيء، وضمنه جميع المصالح ودرء جميع المفاسد وخير الدنيا والآخرة، وهذا كله من رب العالمين المحيط علمه بكل شيء، وهذا كلامه الذي فصله على علم منه وأوضحه، وبين فيه معالم الخير ومعالم الشر، وما يصلح دنيا الإنسان وآخرته، وما يكون به على خير في كلتا الدارين، وهو تنزيل رب العالمين، وتفصيل خالق السماوات والأرض، ومع هذا كله يرغب عن هذا الكتاب ولا يبالي به، ويذهب يطلب الخير والحق في آراء قوم كفرة فجرة كلاب خنازير ! ! فهذا من غرائب الدهر وعجائبه ! ! كيف تصرف هذه الأمة عن هذا الكتاب المنزل الذي هو كلام رب العالمين، وما فيه من المعاني، وما فيه من العقائد والحلال والحرام والمعاملات والمواعظ ومكارم الأخلاق، وإيضاح حالة الإنسان في نفسه، وما ينبغي أن يكون عليه، وما ينبغي أن يكون عليه مع مجتمعه الخاص، ومع مجتمعه العام، وما يكون عليه مع أعدائه، كل هذا فصله رب العالمين، وأوضحه وزاده بيانا رسول كريم [ وما ينطق عن الهوى( ٣ ) إن هو إلا وحي يوحى ( ٤ ) ]( النجم : الآيتان٤، ٣ ) فتركها محجة بيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. من سلك هذا القرآن العظيم، وعمل به، وبالسنة المبينة له نال خير الدنيا وخير الآخرة، وكان أعظم الناس هيبة، وأقواهم شوكة، وأعزهم منعة، ومع هذا كله فالأمة التي نزل القرآن على أسلافها تخلت عن هذا الكتاب المحكم الذي هو كتاب رب العالمين، الذي قال فيه :[ ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ]( الأعراف : آية ٥٢ ) المفصل له هو الله على علم من الله المحيط علمه بكل شيء، ومع هذا يتركونه ولا ينظرون إليه، وينبذونه وراء ظهورهم، ويذهبون يطلبون الرشد ومصالح أمرهم في قوانين ونظم رتبها كفرة فجرة جهلة مظلمة قلوبهم، هم كالأنعام أو أضل سبيلا ! ! فهذا من أغرب ما يشاهده الإنسان ! ولو أننا لم نره عيانا لما كنا نصدق أن عاقلا يذهب عن كلام رب العالمين الذي بين فيه الرشاد وخير الدنيا وخير الآخرة، وأوضح فيه كل شيء يتركه عمدا زاعما أنه لا ينظم علاقات الحياة، ولا يساير ركب الحضارة، ثم يذهب إلى نظم وضعية، وقوانين إفرنجية وضعها ملاحدة لا يعلمون عن الله شيئا، لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون. فهذا من أغرب ما وقع في التاريخ ! ! نسأل الله أن يبصرنا بهداه ولا يضلنا، ولكنا بينا مرارا أن الذين ينصرفون عن أنوار القرآن وهدى القرآن يطلبون الرشاد في نظم كفرية قانونية، مخالفة لهدى الله وكتابه الذي فصله على علم منه وهدى ورحمة، أن الذي جرهم إلى ذلك أن القرآن أعظم نور، والله يسميه النور في آيات كثيرة [ يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا اليكم نورا مبينا ( ١٧٤ ) ] ( النساء : آية ١٧٤ ) [ فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا ]( التغابن : آية ٨ ) على عبدنا [ ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ]( الشورى : آية ٥٢ ) فهو نور أعظم، وهؤلاء الذين ينصرفون عنه إلى النظم الوضعية الكافرية في الحقيقة هم خفافيش البصائر، والخفاش لا يلام إذا كان لا يمكن أن يرى ضوء الشمس ؛ لأن بصيرته ليس لها استعداد ولا قوة على مقابلة الشمس.
| مثل النهار يزيد أبصار الورى | نورا ويعمي أعين الخفاش |
| خفافيش أعماها النهار بضوئه | ووافقها قطع من الليل مظلم |
| إذا لم تكن للمرء عين صحيحة | فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر |
ترى الجهلة الملاحدة الذين صبغهم الإفرنج كما يشاؤون يقولون : كيف يجعل دين الإسلام ميراث المرأة أقل من ميراث الرجل وعين القرابة التي يدلي بها الرجل هي عين القرابة التي تدلي بها المرآة، فكيف يكون نفس ما يدلي به الرجل هو ما تدلي به المرأة ثم يفضله عليها ؟ والله ( جل وعلا ) يعلم أن هذا سيضل به قوم، وأن من زعم أن تفضيل الرجل على المرأة في الميراث ليس بحكمة ولا صواب أنه ضال ؛ ولذا بين هذا من غرائب القرآن حيث قال بعد قوله :[ للذكر مثل حظ الأنثيين ]( النساء : آية ١٧٦ ) أتبعه بقوله :[ يبين الله لكم أن تضلوا ] ( النساء : آية ١٧٦ ) فبين أن من لم يتبع هذا التشريع وطعن فيه أنه ضال، وهو كما قال الله.
ثم يقولون : كيف يجعل دين الإسلام الطلاق بيد الرجل من غير إذن المرأة، مع أن عقد النكاح أولا لم يكن إلا بإذن المرأة ورضاها، فهي عقدة اجتمعا عليها، فكيف يجعل الاستقالة منها للرجل وحده دون إذن المرأة ؟ ثم يقولون بالفلسفات الشيطانية : ربما أفنى الرجل جمالها وشبابها حتى صارت لا يرغب فيها غيره ثم يلقيها ويطلقها فتبقى ضائعة، وهذا ظلم. ويلفقون نحو هذا من الفلسفات الشيطانية التي يأتي بها قوم أعمى الله بصائرهم عن أنوار القرآن، وحكم رب العالمين الباهرة.
ونحن نذكر هنا ( إن شاء الله ) بعض الأشياء التي طعنوا بها في التشريع الإسلامي، ونبين أن الذي جرهم إلى ذلك هو سوء فهمهم، وعدم معرفتهم، وطمس بصائرهم، وضلال قلوبهم :
| وكم من عائب قولا صحيحا | وآفته من الفهم السقيم |
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير