ﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

فصل


قال أكثر المفسرين : لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله.
فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به ومخالفة أمره قال تعالى : ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس [ الروم : ٤١ ] وقال عطية في الآية : ولا تعصوا في الأرض، فيمسك الله المطر، ويهلك الحرث بمعاصيكم. وقال غير واحد من السلف : إذا قحط المطر فإن الدواب تلعن عصاة بني آدم، وتقول : اللهم العنهم، فبسببهم أجدبت الأرض وقحط المطر.
وبالجملة : فالشرك والدعوة إلى غير الله، وإقامة معبود غيره ومطاع متتبع غير رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة، فإن الله أصلح الأرض برسوله صلى الله عليه وسلم ودينه، وبالأمر بتوحيده، ونهي عن إفسادها بالشرك به وبمخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن تدبير أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم والدعوة إلى غير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن تدبر هذا حق التدبر وتأمل أحوال العالم منذ قام إلى الآن، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين - وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه وفي حق غيره عموما وخصوصا، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فصل


وقوله تعالى : وادعوه خوفا وطمعا
إنما كرر الأمر بالدعاء لما ذكر معه من الخوف والطمع. فأمر أولا بدعائه تضرعا وخفية، ثم أمر بأن يكون الدعاء أيضا خوفا وطمعا، وفصل بين الجملتين بجملتين :
إحداهما : خبرية ومتضمنة للنهي، وهي قوله : إنه لا يحب المعتدين .
والثانية : طلبية، وهي قوله : ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها .
والجملتان مقررتان مقويتان للجملة الأولى، مؤكدتان لمضمونها.
ثم لما ثم تقريرها تقدم وبيان ما يضادها ويناقضها أمر بدعائه خوفا وطمعا، ثم قرر ذلك وأكد مضمونة بجملة خبرية، وهي قوله : إن رحمة الله قريب من المحسنين فتعلق هذه الجملة بقوله : وادعواه خوفا وطمعا كتعلق قوله :{ إنه لا يحب المعتدين بقوله { ادعوا ربكم تضرعا وخفية.
ولما كان قوله تعالى : وادعوه خوفا وطمعا مشتملا على جميع مقامات الإيمان والإحسان، وهي الحب والخوف والرجاء : عقبها بقوله : إن رحمة الله قريب من المحسنين } أي إنما ينال من دعاة خوفا وطمعا، فهو المحسن والرحمة قريب منه ؛ لأن مدار الإحسان على هذه الأصول الثلاثة.
ولما كان دعاء التضرع والخفية يقابله الاعتداء بعدم التضرع والخفية عقب ذلك بقوله : إنه لا يحب المعتدين .
وانتصاب قوله :«تضرعا، وخفية، وخوفا، وطمعا » قيل : هو على الحال أي ادعوه متضرعين مخفين خائفين طامعين، وهذا هو الذي رجحه السهيلي وغيره.
وقيل : هو نصب على المفعول له، وهذا قول كثير من النحاة.
وقيل : هو نصب على المصدر.
وفيه على هذا تقديران :.
أحدهما : أنه منصوب بفعل مقدر من لفظ المصدر، والمعنى : تضرعوا إليه تضرعا وأخفوا خفية.
الثاني : أنه منصوب بالفعل المذكور نفسه ؛ لأنه في معنى المصدر، فإن الداعي متضرع طامع في حصول مطلوبه خائف من فواته، فكأنه قال : تضرعوا تضرعا.
والصحيح في هذا : أنه منصوب على الحال، والمعنى عليه، فإن المعنى ادعوا ربكم متضرعين إليه خائفين طامعين. ويكون وقوع المصدر موقع الاسم على حد قوله : ولكن البر من آمن بالله [ البقرة : ١٧٧ ]. وقولهم : رجل عدل، ورجل صوم. قال الشاعر :
فإنما هي إقبال وإدبار ***. . .
وهو أحسن من أن يقال : ادعوه متضرعين خائفين وأبلغ. والذي حسنه أن المأمور به هنا شيئان : الدعاء الموصوف المقيد بصفة معينة وهي صفة التضرع والخوف والطمع. فالمقصود تقييد المأمور به بتلك الصفة، وتقييد الموصوف الذي هو صاحبها بها، فأتى بالحال على لفظ المصدر لصلاحيته لأن يكون صفة للفاعل وصفة للفعل المأمور به.
فتأمل هذه النكتة فإنك إذا قلت : اذكر ربك تضرعا فإنك تريد : أذكره متضرعا إليه، واذكره ذكر تضرع، فأنت مريد للأمرين معا.
ولذلك إذا قلت : ادعه طمعا أي ادعه دعاء طمع وادعه طامعا في فضله.
وكذلك إذا قلت : ادعه رغبة ورهبة، كقوله تعالى : إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا [ الأنبياء : ٩٠ ] كان المراد : ادعه راغبا وراهبا وادعه دعاء رغبة ورهبة.
فتأمل هذا الباب تجده كذلك، فأتى فيه بالمصدر الدال على وصف المأمور به بتلك الصفة، وعلى تقييد الفاعل بها تقييد صاحب الحال بالحال.
ومما يدل على هذا : أنك تجد مثل هذا صالحا وقوعه جوابا لكيف. فإذا قيل : كيف أدعوه ؟ قيل : تضرعا وخفية، وتجد اقتضاء «كيف » لهذا أشد من اقتضاء «لِمَ » ولو كان مفعولا له لكان جوابا للم، ولا تحسن هنا. ألا ترى أن المعنى ليس عليه، فإنه لا يصح أن يقال : لم أدعوه ؟ فيقول : تضرعا وخفية. وهذا واضح، ولا هو انتصاب على المصدر المبين للنوع الذي لا يتقيد به الفاعل لما ذكرناه من صلاحيته جوابا لكيف.
وبالجملة : فالمصدرية في هذا الباب لا تنافي الحال، بل الإتيان بالحال هاهنا بلفظ المصدر يفيد ما يفيده المصدر مع زيادة فائدة الحال، فهو أتم معنى ولا تنافي بينهما. والله أعلم.

فصل


تفسير قوله تعالى : إن رحمة الله قريب من المحسنين .
فيه تنبيه ظاهر على أن فعل هذا المأمور به هو الإحسان المطلوب منكم، ومطلوبكم أنتم من الله هو رحمته القريبة من المحسنين الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه خوفا وطمعا، فقرب مطلوبكم منكم ( وهو الرحمة ) بحسب أدائكم لمطلوبه منكم ( وهو الإحسان ) الذي هو في الحقيقة إحسان إلى أنفسكم. فإن الله تعالى هو الغني الحميد، وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم.
وقوله : إن رحمة الله قريب من المحسنين له دلالة بمنطوقه، ودلالة بإيمائه وتعليله، ودلالة بمفهومه.
فدلالته بمنطوقه : على قرب الرحمة من أهل الإحسان ودلالته بتعليله وإيمائه : على أن هذا القرب مستحق بالإحسان فهو السبب في قرب الرحمة منهم، ودلالته بمفهومه : على بعد الرحمة من غير المحسنين. فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة.
وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة منهم لأنها إحسان من الله أرحم الراحمين وإحسانه تعالى إنما يكون لأهل الإحسان ؛ لأن الجزاء من جنس العمل فكما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته. وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة بعدا ببعد وقربا بقرب، فمن تقرب بالإحسان تقرب الله إليه برحمته ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته. والله سبحانه يحب المحسنين وببغض من ليس من المحسنين، ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه ومن أبغضه فرحمته أبعد شيء منه.
والإحسان هاهنا هو : فعل المأمور به سواء كان إحسانا إلى الناس أو إلى نفسه.
فأعظم الإحسان : الإيمان والتوحيد والإنابة إلى الله والإقبال عليه والتوكل عليه وأن يعبد الله كأنه يراه إجلالا ومهابة وحياء ومحبة وخشية، فهذا هو مقام الإحسان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وقد سأله جبريل عن الإحسان ؟
فقال :«أن تعبد الله كأنك تراه »، وإذا كان هذا هو الإحسان فرحمه الله قريب من صاحبه، فإن الله إنما يرحم أهل توحيده المؤمنين به، وإنما كتب رحمته للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون [ الأعراف : ١٥٦ ]، والذين يتبعون رسوله صلى الله عليه وسلم فهؤلاء هم أهل الرحمة، كما أنهم هم المحسنون، وكما أحسنوا جوزوا بالإحسان. و هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [ الرحمن : ٦٠ ] يعني : هل جزاء من أحسن عبادة ربه إلا أن يحسن ربه إليه ؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما : هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة ؟
وقد ذكر ابن أبي شيبة وغيره من حديث الزبير بن عدي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :«قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ، ثم قال هل تدرون ما قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال يقول : هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة ؟ »

فصل


وأما الإخبار عن الرحمة - وهي مؤنثة بالتاء - بقوله قريب وهو مذكر ففيه اثنا عشر مسلكا نذكرها ونبين ما فيها من صحيح وسقيم ومقارب :
( المسلك الأول ) : أن فعيلا على ضربين :
أحدهما : يأتي بمعنى فاعل كقدير وسميع وعليم.
والثاني : يأتي بمعنى مفعول كقتيل وجريح، وكف خضيب. وطرف كحيل وشعر دهين، كله بمعنى مفعول. فإذا أتى بمعنى فاعل فقياسه أن يجري مجراه في إلحاق التاء به مع المؤنث دون المذكر كجميل وجميلة وشريف وشريفة وصبيح وصبيحه وصبي وصبية ومليح ومليحة وطويل وطويلة ونحوه. وإذ أتى بمعنى مفعول فلا يخلو إما أن يصحب الموصوف كرجل قتيل وامرأة قتيل أو يفرد عنه. فإن صحب الموصوف استوى فيه المذكر والمؤنث كرجل قتيل وامرأة قتيل، وإن لم يصحب الموصوف فإنه يؤنث إذا جرى على المؤنث نحو قتيلة بني فلان. ومنه قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة - إلى قوله – والنطيحة [ المائدة : ٣ ] هذا حكم فعيل، وفعول قريب منه لفظا ومعنى، فإنهما مشتبهان في الوزن والدلالة على المبالغة وورودها بمعنى فاعل ومفعول.
ولما كان فعيل أخف استغنى به عن فاعل في المضاعف كجليل وعزيز وذليل كراهية منهم لثقل التضعيف إذ قالوا : جالل وعازز وذالل، فأتوا بفعيل مفصولا فيه بين المثلين بالياء الساكنة، ولم يأتوا في هذا بفعول ؛ لأن فعيلا أخف منه ولخفته أيضا اطرد بناؤه من فعل كشريف وظريف وجميل ونبيل وليس لفعول بناء يطرد منه ولخفته أيضا كان في أسماء الله تعالى أكثر من فعول، فإن الرحيم والقدير والحسيب والجليل والرقيب ونظائره أكثر من ألفاظ الرؤوف والغفور والشكور، والصبور، والودود، والعفو، ولا يعرف إلا هذه الألفاظ الستة.
وإذا ثبت التشابه بين وفعيل فعول فيما ذكرناه وكانوا قد خصوا فعولا الذي بمعنى فاعل بتجريده من التاء الفارقة بين المذكر والمؤنث وشركوا بينهما في لفظ المذكر فقالوا : رجل صبور وشكور وامرأة صبور وشكور ونظائرهما وأما عدو وعدوة فشاذ. فإن قصد بالتاء المبالغة لحقت المذكر والمؤنث كرجل ملولة وفروقة وامرأة كذلك، وإن كان فعول في معنى مفعول لحقته التاء في المؤنث كحلوبة وركوبة.
فإذا تقرر ذلك : فقريب في الآية هو :«فعيل » بمعنى فاعل وليس المراد أنه بمعنى قارب بل بمعنى اسم الفاعل العام. فكان حقه أن يكون بالتاء ولكنهم أجروه مجرى فعيل بمعنى مفعول فلم يلحقوه التاء كما جرى فعيل بمعنى مفعول مجرى فعيل بمعنى فاعل في إلحاقه التاء كما قالوا خصلة حميدة وفعلة ذميمة بمعنى محمودة ومذمومة فحملا على جميلة وشريفة في لحاق التاء

التفسير القيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد، شمس الدين، ابن قيم الجوزية

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير