ﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

يقول الله جل وعلا :[ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين( ٥٦ ) ]( الأعراف : آية ١٥٦ ) لما بين الله ( جل وعلا ) عظمته، وانه خالق كل شيء المستحق لأن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وان يعبد وحده، نهى عن الفساد في الأرض بعد إصلاحها، وأمر بأن يدعوه عباده خوفا وطمعا قال :[ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ] المراد بالإفساد في الأرض يشمل الشرك بالله وسائر المعاصي ؛ لأن من أعظم الفساد في الأرض الشرك بالله. والشرك بالله ومعاصيه قد يحبس الله بسببها المطر فتموت الحبارى في وكرها، والجعل في حجره، بسبب ذنوب بني آدم.
وقول الضحاك وغيره :[ ولا تفسدوا في الأرض ] ولا تغوروا الأنهار، وتدفنوا المياه الجارية، وتقطعوا الأشجار المثمرة. كل ذلك داخل في هذا وربما كان قطع الشجر مصلحة للمسلمين إذا كان فيه حصار للكفار ومضرة عليهم، كما يأتي فيما وقع في بني النضير في قوله :[ ما قطعتم من لينة ] أي : من نخلة [ أو تركتمونها قائمة على أصولها فبأذن الله ]( الحشر : آية ٥ ) ومن الفساد في الأرض : قطع الدنانير، وإفساد السكة، وكل معصية لله وضرر على المسلمين وشرك بالله، جميع هذا من الفساد في الأرض الذي نهى الله عنه ؛ لأن طاعة الله كلها صلاح يستوجب المطيعون بها رحمة الله ونعيمه وعافيته[ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ]( الطلاق : آية ٣ ) [ ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ]( الطلاق : آية ٤ ) فطاعة الله وتقواه سبب لإدراك الأرزاق والعافية كما قال تعالى عن نبيه نوح :[ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا( ١٠ ) يرسل السماء عليكم مدرارا( ١١ ) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا( ١٢ ) ]( نوح : الآيات١٠-١٢ ) وقال عن نبيه هود أنه قال لقومه :[ استغفروا ربكم ] إلى قوله :[ يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين ]( هود : آية ٥٢ ) وهذا متكرر في القرآن. والمعاصي والشرك كلها إفساد في الأرض، وطاعة الله وإتباع أوامره كلها إصلاح في الأرض.
ومعنى :[ ولا تفسدوا في الأرض ]( الأعراف : آية ٥٦ ) أي : بالشرك والمعاصي وجميع أنواع الفساد.
[ بعد إصلاحها ] بعد أن أصلحها الله بان بعث فيها الرسل الكرام، وعلموا أوامر الله ونواهيه، وما به صلاح الدنيا والآخرة، فإن مبعث الرسل تستقيم به أمور الدنيا، ويصلح به جميع الشؤون مما يصلح الدنيا والآخرة، فمن جاء لأمور الناس وهي صالحة قائمة على أوامر الله وشرعه الذي جاءت به رسله وغير في ذلك وأفسد وأشرك وعصى فقد أفسد في الأرض بعد إصلاحها. وهذا هو الأظهر في معنى الآية.
وقوله جل وعلا :[ وادعوه خوفا وطمعا ]( الأعراف : آية ٥٦ ) قال بعضهم[ وادعوه ] معناه : اعبدوه. وقال بعضهم : هو الدعاء بمعنى المسألة والطلب لجلب الخير ودفع الضر. والدعاء من أعظم أنواع العبادة.
وبين ( جل وعلا ) أن الداعي ينبغي له إذا دعا ربه أو عبد ربه يستشعر الخوف من الله والطمع فيه، فيكون طامعا في ثواب الله ورحمته واستجابة دعائه لما يعلم من فضل الله وكرمه ورحمته ورأفته بعباده. فعلى الداعي أن يكون خائفا طامعا. وبهذا يعلم أن ما يقوله بعض من غلا : أن من عبد الله لأجل الخوف من الله، أو لأجل الطمع فيه أن عبادته ناقصة ! ! لأنه متاجر بعبادته ليدفع عنه الخوف، أو يستجلب له الطمع، وأن الأكمل أن يكون عبد الله لعظمة الله وإجلاله. هكذا يقول بعضهم ! وخير الهدي هدي كتاب الله وقد أمرنا في دعائه أن ندعوه خائفين من عذابه وعقابه ونكاله، طامعين في فضله ورحمته ورأفته وجوده وما عنده من الخير ؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين هما : جلب النفع ودفع الضر. وإذا كان من يعبد الله أو من يدعو الله مستشعرا الخوف من الله والطمع في ثوابه وما عنده من الخير كان الخوف والطمع جناحين يطير بهما إلى الاستقامة وإلى ما ينبغي.
وهذا يعلم منه أنه ينبغي للمسلم أن يكون في جميع أحواله إذا دعا الله أو عبد الله أن يكون جامعا بين الخوف من الله والطمع فيما عند الله ( جل وعلا )، فلا يترك الرجاء لئلا يكون من القانطين [ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ] ( يوسف : آية ٨٧ ) ولا يترك الخوف فيأمن مكر الله ؛ لأنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون فيكون خائفا من الله، طامعا راجيا في فضل الله.
والعلماء يقولون : ينبغي للإنسان وهو في أيام صحته أن يغلب الخوف على الرجاء، وأن يكون خوفه اغلب من رجائه، فإذا حضره الموت غلب الرجاء في ذلك الوقت على الخوف. فلا ينبغي لمؤمن أن يموت إلا وهو يحسن ظنه بالله ( جل وعلا ) ؛ لأن ربه رؤوف رحيم كما جاء بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فالمؤمن إذا احتضر وعلم أن الموت قد حضره، وأن أيام حياته ذاهبة مدبرة، فهو في ذلك الوقت ينبغي له أن يحسن ظنه بالله، وأن يعلم أنه قادم إلى عفو كريم رؤوف رحيم، والله عند ظن عبده به.
أما في أيام صحته فيغلب الخوف من الله لئلا يحمله حسن الظن على أمن مكر الله والتلاعب بأوامره ونواهيه. هكذا قال بعض أهل العلم. وقد دل الحديث على أن الإنسان لا ينبغي له أن يموت إلا وهو يحسن الظن بالله ( جل وعلا ). وهذا معنى قوله :[ وادعوه خوفا وطمعا ]( الأعراف : آية ٥٦ ).
ثم قال :[ إن رحمت الله قريب من المحسنين ]( الأعراف : آية ٥٦ ) الرحمة صفة من صفات الله اشتق لنفسه منها اسمه( الرحمن ) واسمه ( الرحيم ) وهي صفة كريمة من صفات الله تظهر آثارها فيمن شاء أن يرحمه من خلقه، اشتق من هذه الصفة لنفسه اسمه( الرحمن ) واسمه( الرحيم ) ونحن نثبت لله ما أثبته لنفسه على أكمل الوجوه وأنزهها وأقدسها وأليقها بالله، وأبعدها عن مشابهة صفات المخلوقين.
وقوله :[ قريب من المحسنين ] المحسنون جمع تصحيح للمحسن، والمحسن : اسم فاعل الإحسان، والإحسان مصدر أحسن العمل يحسنه إحسانا، إذا جاء به حسنا.
والإحسان هو الذي خلق الله الخلائق من أجل الاختبار فيه. إحسان العمل كما قال ( جل وعلا ) في أول سورة هود :[ وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ]( هود : آية ٧ ) فبين أن الحكمة في الخلق : ابتلاؤه الخلق أيهم أحسن عملا، ولم يقل : أيهم أكثر عملا. وقال في أول سورة الكهف :[ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ] ثم بين الحكمة فقال :[ لنبلوهم أيهم أحسن عملا ]( الكهف : آية ٧ ) وقال في أول سورة الملك :[ الذي خلق الموت والحياة ] ثم بين الحكمة فقال :[ ليبلوكم أيكم أحسن عملا ]( الملك : آية ٢ ) والإحسان الذي خلقنا من أجل الابتلاء فيه قد أراد جبريل عليه السلام أن ينبه المسلمين إلى الطريق التي يصح بها الإحسان الذي خلقوا من اجله فجاء للنبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور في صفة أعرابي، وسأله عن الإيمان والإسلام، وقال له : يا محمد-صلوات الله وسلامه عليه- أخبرني عن الإحسان ؟ أي : وهو الذي خلقتم من أجل الاختبار فيه. فبين له النبي صلى الله عليه وسلم إن إحسان العمل لا يكون إلا بالواعظ الأكبر والزاجر الأعظم وهو مراقبة الله، وعلم العبد أنه كأنه ينظر إلى الله ( جل وعلا )، وأنه إن كان لم ير الله فالله ( جل وعلا ) يراه. فمن علم أنه بين يدي ملك السماوات والأرض الجبار العظيم الأعظم، وأن الله يراه : أحسن عمله ؛ لأن الإنسان- ولله المثل الأعلى- إذا كان أمام ملك جبار من ملوك الدنيا شديد البطش على من لم يمتثل أمره، وأمره بعمل، وهو حاضر ينظر إليه، لا بد أن يجد ويحسن ذلك العمل على أكمل الوجوه.
فعلى المؤمن أن يستشعر انه بين يدي خالق السماوات والأرض، وأن الله يراه، وأنه ليس بغائب عنه. فإذا لاحظ هذا ملاحظة صحيحة أحسن العمل ؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم مجيبا لجبريل في قوله : اخبرني عن الإحسان. قال صلى الله عليه وسلم :" الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " لأن من لاحظ هذه الموعظة وهذه المراقبة أحسن عمله.
وفي هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف : سؤال عربي مشهور عند علماء التفسير، وهو أنه قال :[ إن رحمت الله ] ثم قال :[ قريب ] بصيغة التذكير ولم يقل. قريبة. يقولون : الرحمة لفظها مؤنث فلم لم يقل : إن رحمة الله قريبة من المحسنين، بل قال : قريب. وللعلماء عن هذا السؤال العربي أجوبة تزيد على العشرة، كما هي معروفة في علوم التفسير، وبعض علوم العربية، نذكر منها بعضا فيه كفاية :
منها : أن الرحمة مصدر بمعنى ( الرحم ) والمصدر مذكر المعنى، فمعنى[ إن رحمت الله ] أي : إن رحمه بعبده قريب. فذكره نظرا لمعنى الرحمة ؛ لأن معناها المصدر بمعنى ( الرحم ).
وقال بعض العلماء :( رحمة الله ) هنا يعني انه يرحم العبد بالثواب فيكون المعنى : إن ثواب الله الناشئ عن رحمته بعبده قريب من المحسنين.
الوجه الثالث : هو ما قرره بعض علماء العربية : أن القرب نوعان : قرب في النسب، وقرب في المسافة المكانية أو الزمانية، أما قرب النسب فالمؤنثة فيه يلزمها التاء بلا خوف بين علماء العربية، فتقول : هذه المرأة قريبتي. تعني في النسب. ولا يجوز أن تقول : قريبتي بلا تاء. فالقرابة في النسب يلزم فيها تاء الفرق بين الذكر والأنثى، فلا يجوز- قولا وحدا- أن تقول : هذه المرأة قريب مني في النسب، بل يلزم أن تقول : قريبة مني في النسب بالتاء. أما إن كان القرب قرب مكان أو زمان فيجوز في المؤنثة التأنيث والتذكير، فتقول : هذه المرأة قريب مني. تعني في المسافة لا في النسب. ودارها قريب من داري. وإن شئت قلت : قريبة من داري. والكل مسموع في كلام العرب، فتقول : دار زيد قريب من دار عمرو، ودار زيد قريبة من دار عمرو، وهذه المرأة الفلانية قريب من فلان. تعني في المسافة وقريبة منه تعني في المسافة، والكل مسموع موجود في كلام العرب، فمن إدخال التاء على قرابة المسافة قول عروة بن حزام :

عشية لا عفراء مني قريبة فتدنو، ولا عفراء منك بعيد
فقال :" قريبة " بالتاء، وهو قرب مسافة. ومن تجريد ( القربة ) من التاء في المسافة قول امرئ القيس :
له الويل إن أمسى ولا ام هاشم قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا
فقال :" أم هاشم قريب ". يعني في المسافة. ومن هذا المعنى قوله تعالى :[ وما يدريك لعل الساعة قريب ]( الشورى : آية ١٧ ) أي : في الزمان، ولم يقل قريبة. [ وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ] ( الأحزاب : آية ٦٣ ).
قال بعض أهل العلم : وجه تذكير الرحمة : إضافتها إلى الله جل وعلا.
وقال بعضهم : وجه تذكيرها لأنها نعت لموصوف محذوف : إن رحمة الله شيء قريب من المحسنين.
والذين يقولون : عن رحمة الله هي رحمته لعبده في الآخرة، يقولون : إن الإنسان كل يوم يقرب من الآخرة ويبعد من الدنيا ؛ لأن ما أمامك قريب وما وراءك بعيد، كما قال الحطيئة أو غيره :
لعمرك ما السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد
وما لا بد أن يأتي قريب ولكن الذي يمضي بعيد
فكأن الإنسان كل يوم يقرب من الآخرة ويبعد من الدنيا ؛ لأن ما يستقبله الإنسان يتقرب إليه دائما، وما يستدبره يتباعد منه دائما، والآخرة قريب جدا، كما قال :[ وما يدريك لعل الساعة قريب ] وهذا معنى قوله :[ إن رحمت الله قريب من المحسنين ].
والذين يقولون : إن رحمة الله قربية من عباده المحسنين بحصو

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير