ﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه الأدلة على توحيد الربوبية ـ قفى على ذلك بالأمر بتوحيد الإلهية بإفراده تعالى بالعبادة، وروحها ومخها الدعاء والتضرع له.
الإيضاح : ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها أي ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاح الله لها بما خلق فيها من المنافع وما هدى الناس إليه من استغلالها والانتفاع بتسخيرها لهم وامتنانه بذلك في مثل قوله : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون [ الجاثية : ١٣ ].
وهذا الإفساد شامل لإفساد النفوس بالقتل وقطع الأعضاء، وإفساد الأموال بالغصب والسرقة، وإفساد الأديان بالكفر والمعاصي، وإفساد الأنساب بالإقدام على الزنى، وإفساد العقول بشرب المسكر ونحوه.
والخلاصة : إن الإفساد شامل لإفساد العقول والعقائد والآداب الشخصية والاجتماعية والمعايش والمرافق من زراعة وصناعة وتجارة ووسائل تعاون بين الناس.
وإصلاح الله تعالى لحال البشر كان بهداية الدين وإرسال الرسل، وتمم ذلك ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين الذين كان رحمة للعالمين، فبه أصلحت عقائد البشر، وهذبت أخلاقهم وآدابهم بما جمع لهم فيها من مصالح الروح والجسد، وما شرع لهم من التعاون والتراحم، وبما حفظ لهم من العدل والمساواة، وبما شرع لهم من الشورى المقيدة بقاعدة درء المفاسد وحفظ المصالح، وبذا امتاز به دينهم عن بقية الأديان.
انظر إلى الأمم ذوات الحضارة والمدنية تراها أصلحت كل شيء من معدن ونبات وحيوان، ولكنها عجزت عن إصلاح نفس الإنسان، ومن ثم تحول كل ما هدوا إليه من وسائل العمران إلى إفساد نوع الإنسان، وتعادت الشعوب وتنازعت على الملك والسلطان، وأباحت الكفر والعصيان، وبذل الثروة في سبيل التنكيل بالخصوم والجناية على الأعداء ولو بالجناية على أنفسهم، وما الحروب القائمة في مشارق الأرض ومغاربها بين الدول الكبرى والتي أكلت الحرث والنسل وأزهقت أرواح الملايين من الناس بين حين وآخر إلا شاهد صدق على ما نقول.
وبعد أن بين في الآية الأولى شرط الدعاء أعاد الأمر به إيذانا بأن من لا يعرف أنه محتاج إلى رحمة ربه مفتقر إليها، ولا يدعو ربه تضرعا وخفية ولا يخاف من عقابه ولا يطمع في غفرانه يكون أقرب إلى الإفساد منه إلى الإصلاح فقال :
وادعوه خوفا وطمعا الخوف : توقع مكروه يحصل بعد، والطمع : توقع محبوب يحصل كذلك أي ادعوه خائفين من عقابه على مخالفتكم لشرعه المصلح لأنفسكم وأجسامكم، طامعين في رحمته وإحسانه في دنياكم وآخرتكم.
ودعاء المولى حين الشعور بالعجز والافتقار إليه ما يقوي الأمل بالإجابة، ويحول بينها وبين اليأس إذا تقطعت الأسباب، وجهلت وسائل النجاح.
والدعاء مخ العبادة ولبها، وإجابته مرجوة متى استكملت شرائطها وآدابها، فإن لم تكن بإعطاء الداعي ما طلبه فربما كانت بما يعلم الله أنه خير له منه.
ثم بين فائدة الدعاء وعلل سبب طلبه فقال :
إن رحمة الله قريب من المحسنين أي إن رحمته تعالى قريبة من المحسنين أعمالهم، لأن الجزاء من جنس العمل كما قال : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [ الرحمن : ٦٠ ].
فمن أحسن في عبادته نال حسن الثواب، ومن أحسن في الدعاء أعطي خيرا مما طلبه، أو مثل ما طلبه.
وقد طلب الله الإحسان في كل شيء يهدي إليه دين الفطرة، وحرم الإساءة في كل شيء وجعل جزاءها من جنسها كما قال : ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا [ النجم : ٣١ ]. وقال صلى الله عليه وسلم :( إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإن قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ) رواه مسلم. ومن هذا تعلم أنه طلب الإحسان إلى الحيوان والرفق به حين ذبحه حتى لا يتعذب، كما حرم أكل الموقوذة وهي التي تضرب بغير محدد حتى تنحل قواها وتموت. وطلب الإحسان في قتال الأعداء، لأنه في حكم الضرورات التي تقدر بقدرها ويتقى ما يمكن الاستغناء عنه كما قال : فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها [ محمد : ٤ ].
فقد طلب إلينا هذه الآية أن نضرب رقاب الأعداء حين قتالهم، لأنه أسرع إلى قتلهم وأبعد عن تعذيبهم بمثل ضرب الرؤوس وتقطيع الأعضاء، حتى إذا ظهر لنا عليهم الغلب بالإثخان فيهم أمرنا بترك القتل وأن نعمد إلى الأسر وبعد ذلك إما أن نمن على الأسرى بالعتق، أو نفاديهم بمن أسر منا.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير