ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ

وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا قَرَأَ عَاصِمٌ "بُشِّرَا" بِالْبَاءِ وَضَمَّهَا وسكون الشين ١٣١/أهَاهُنَا وَفِي الْفُرْقَانِ وَسُورَةِ النَّمْلِ، وَيَعْنِي: أَنَّهَا تُبَشِّرُ بِالْمَطَرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ) [الرُّومُ-٤٦]، [وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "نَشَرَا" بِالنُّونِ وَفَتَحَهَا، وَهِيَ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ اللَّيِّنَةُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى] :(١) (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا) [الْمُرْسَلَاتُ-٣]، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الشِّينِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ النُّونِ وَالشِّينِ، جَمْعُ نُشُورٍ، مِثْلَ صَبُورٍ وَصَبْرٍ وَرَسُولٍ وَرُسُلٍ، أَيْ: مُتَفَرِّقَةٌ وَهِيَ الرِّيَاحُ الَّتِي تَهُبُّ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَيْ: قُدَّامَ الْمَطَرِ.

(١) ما بين القوسين ساقط من "ب".

صفحة رقم 238

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَنْبَأَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنْبَأَنَا الرَّبِيعُ أَنْبَأَنَا الشَّافِعِيُّ أَنْبَأَنَا الثِّقَةُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَتِ النَّاسَ رِيحٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ وَعُمَرُ حَاجٌّ فَاشْتَدَّتْ، فَقَالَ عُمْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِمَنْ حَوْلَهُ: مَا بَلَغَكُمْ فِي الرِّيحِ فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِ شَيْئًا، فَبَلَغَنِي الَّذِي سَأَلَ [عُمَرُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الرِّيحِ] (١) فَاسْتَحْثَثْتُ رَاحِلَتِي حَتَّى أَدْرَكْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكُنْتُ فِي مُؤَخَّرِ النَّاسِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُخْبِرْتُ أَنَّكَ سَأَلْتَ عَنِ الرِّيحِ وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "الرِّيحُ مِنْ رُوحِ اللَّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَبِالْعَذَابِ فَلَا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللَّهَ مَنْ خَيْرِهَا وَتَعَوَّذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا" (٢) وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ (٣).
حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ حَمَلَتِ الرِّيَاحُ سَحَابًا ثِقَالًا بِالْمَطَرِ، سُقْنَاهُ وَرَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى السَّحَابِ، لِبَلَدٍ مَيِّتٍ أَيْ: إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ مُحْتَاجٍ إِلَى الْمَاءِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لِإِحْيَاءِ بَلَدٍ مَيِّتٍ لَا نَبَاتَ فِيهِ فَأَنْزَلْنَا بِهِ أَيْ: بِالسَّحَابِ. وَقِيلَ: بِذَلِكَ الْبَلَدِ الْمَيِّتِ الْمَاءَ يَعْنِي: الْمَطَرَ، فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى اسْتَدَلَّ بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا مَاتَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا كَمَنِيِّ الرِّجَالِ مِنْ مَاءٍ تَحْتَ الْعَرْشِ يُدْعَى مَاءَ الْحَيَوَانِ، فَيُنْبَتُونَ فِي قُبُورِهِمْ نَبَاتَ الزَّرْعِ حَتَّى إِذَا اسْتُكْمِلَتْ أَجْسَادُهُمْ نَفَخَ فِيهِمُ الرُّوحَ، ثُمَّ يُلْقِي عَلَيْهِمُ النُّوَّمَ فَيَنَامُونَ فِي قُبُورِهِمْ، ثُمَّ يُحْشَرُونَ بِالنَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ وَهُمْ يَجِدُونَ طَعْمَ النَّوْمِ فِي رُءُوسِهِمْ وَأَعْيُنِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُونَ: (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) [يس-٥٢].
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ الْبَلَدِ الطَّيِّبِ، يُصِيبُهُ الْمَطَرُ فَيَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَالَّذِي خَبُثَ يُرِيدُ الْأَرْضَ السَّبْخَةَ الَّتِي لَا يَخْرُجُ نَبَاتُهَا، إِلَّا نَكِدًا قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الْكَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهَا، أَيْ: عُسْرًا قَلِيلًا بِعَنَاءٍ وَمَشَقَّةٍ.

(١) ساقط من (ب).
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ص (٢٦٤)، وأبو داود في الأدب، باب القول إذا هاجت الريح: ٨ / ٤، واللفظ له، وابن ماجه في الأدب، باب النهي عن سب الريح: ٢ / ١٢٢٨، والشافعي في المسند: ١ / ١٧٥-١٧٦، والنسائي في عمل اليوم والليلة ص (٥٢٠)، والطحاوي في مشكل الآثار: ١ / ٣٩٩، والبيهقي في الدعوات الكبير (انظر: مشكاة المصابيح: ١ / ٤٨٠)، وصححه ابن حبان ص (٤٨٨)، من الموارد، والحاكم في المستدرك ٤ / ٢٨٥، والإمام أحمد في المسند: ٢ / ٢٦٨، وأخرجه المصنف في شرح السنة: ٤ / ٣٩١، وإسناده صحيح.
(٣) انظر: المصنف للإمام عبد الرزاق: ١١ / ٨٩.

صفحة رقم 239

معالم التنزيل

عرض الكتاب
المؤلف

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي

تحقيق

محمد عبد الله النمر

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1417
الطبعة الرابعة
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية