وقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. قال ابن عباس: (يريد: كي تتعظوا) (١).
وقال الزجاج: (أي: لعلكم بما بينا (٢) لكم تستدلون على توحيد الله عز وجل وأنه يبعث الموتى. و (لعل) ترجٍ، والله يعلم أيتذكرون أم لا، وإنما خوطب العباد على قدر علمهم وما يرجوه بعضهم من بعض) (٣)، وقد مضت هذه المسألة في سورة البقرة (٤).
٥٨ - وقوله تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ الآية. قال المفسرون: (هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر بالأرض العذبة التربة وبالأرض السبخة الملحة)، وهو قول ابن عباس (٥) ومجاهد (٦) والحسن (٧) وقتادة (٨) والسدي.
قال أبو بكر: (فشبه المؤمن الذي إذا سمع القرآن فوعاه وعقله وانتفع به فبان أثره عليه بالبلد الطيب؛ إذ كان البلد الطيب يُمرع ويُخصب ويحسن
(٢) في (ب): (لما بينا).
(٣) "معاني الزجاج" ٢/ ٢٤٦، ونحوه قال النحاس في "معانيه" ٣/ ٤٦.
(٤) انظر: "البسيط" البقرة: ٢١.
(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" ٨/ ٢١٢، وابن أبي حاتم ٥/ ١٥٠٣ من عدة طرق جيدة عن ابن عباس ومجاهد والسدي.
(٦) "تفسير مجاهد" ١/ ٢٣٩، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ١٧٣.
(٧) ذكره هود الهواري في "تفسيره" ٢/ ٢٥، والقرطبي ٤/ ٢٣١، وذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ١٩٧، والماوردي ٢/ ٢٣٢، عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي.
(٨) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ٢/ ٣٢٠، والطبري ٨/ ٢١٢ بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" ٣/ ١٧٣.
أثر المطر فيه، وشبه الكافر الذي يسمع القرآن ولا يؤثر فيه أثرًا محمودًا بالبلد الخبيث؛ إذ كان لا يمرع ولا يخصب ولا يتبين أثر المطر فيه) (١).
وقال الحسين بن الفضل: (شبه الله المؤمن والكافر بالأرض، وشبه نزول القرآن بالمطر، وعلى قدر طيبة (٢) التربة ورداءتها زكاء النبت وزيادته) (٣). وهذا الذي ذكره أبو بكر والحسين هو (٤) معنى قول قتادة (٥).
وقال الكلبي: (هذا مثل للمؤمن والكافر، المؤمن يعمل عمله طوعًا لله بإذن ربه من غير كد ولا عناء، والكافر لا يعمل عمله إلا في شدة وكدّ لغير الله) (٦)، وفي قوله: بِإِذْنِ رَبِّهِ دليل على أن ما يعمله المؤمن من خير وطاعة لا يكون ذلك إلا بتوفيق من (٧) الله تعالى.
وقوله تعالى: وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا. قال الكلبي: (وَالَّذِي خَبُثَ السبخة من الأرض) (٨). قال الفراء: (يقال: خَبُث الشيء يَخْبثُ خُبْثًا وخَبَاثة) (٩).
(٢) في (ب): (طيب).
(٣) لم أقف عليه، وانظر: "الأمثال" للحسين بن الفضل البجلي ص ٤٤.
(٤) في (أ): (وهو).
(٥) سبق تخريجه.
(٦) "تنوير المقباس" ٢/ ١٠١، وذكره هود الهواري في "تفسيره" ٢/ ٢٥.
(٧) لفظ: (من) ساقط من (ب).
(٨) "تنوير المقباس" ٢/ ١٠١، وذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ١٩٨.
(٩) ذكره الرازي في "تفسيره" ١٤/ ١٤٥، عن الفراء ولم أقف عليه في "معانيه"، والخَبيث والخُبْث، الرِديء خلاف الطيب، وفي "تهذيب اللغة" ١/ ٩٧٣، عن الليث قال: (خَبُث الشيء يخبث خبْثًا فهو خبيث، وبه خُبْث وخباثة، وأخبث فهو مُخْبِث إذا صار ذا خُبْث وشر) اهـ. وانظر: "العين" ٤/ ٢٤٨ - ٢٤٩، و"الجمهرة" =
وقوله تعالى: إِلَّا نَكِدًا النكد العسر الممتنع (١) من إعطاء الخير على جهة البخل.
وقال الفراء: (النَّكَد المصدر يقال: نَكِد نَكَدًا فهو نَكِدٌ) (٢).
وقال الليث: (النكد الشؤم واللؤم وقلة العطاء وألا يهنأه من يعطاه، ورجل أنَكَد ونَكِد) (٣). وأنشد:
| وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَهُ طَيِّبًا | لاَ خَيرْ في المَنْكُودِ والنَّاكِدِ (٤) |
وقال أبو بكر: (النكد معناه في اللغة: العسر المبطي البعيد الخير، وهو في صفة البلد) (٦). وأنشد غيره:
(١) انظر: "الجمهرة" ٢/ ٦٨٠، و"الصحاح" ٢/ ٥٤٥، و"المجمل" ٣/ ٨٨٤، و"مقاييس اللغة" ٥/ ٤٧٥ - ٤٧٦، و"المفردات" ص ٨٣٣ (نكد).
(٢) انظر: "معاني الفراء" ١/ ٣٨٢.
(٣) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٦٦٠، وانظر: "العين" ٥/ ٣٣١ (نكد) وقوله (من يعطاه) الأولى ما يعطاه.
(٤) لم أعرف قائله، وهو في "العين" ٥/ ٣٣١، و"تفسير الطبري" ٨/ ٢١١، و"تهذيب اللغة" ٤/ ٣٦٦٠، و"تفسير الماوردي" ٢/ ٢٣٢، وابن عطية ٥/ ٥٤٢، والرازي ١٤/ ١٤٥، و"اللسان" ٨/ ٤٥٣٨ (نكد)، و"البحر المحيط" ٤/ ٣١٥، و"الدر المصون" ٥/ ٣٥٢.
(٥) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٦٦٠، وقال النحاس في "معانيه" ٣/ ٤٦: (النَكِد في اللغة: النزر القليل) اهـ. ونحوه في "مجاز القرآن" ١/ ٢١٧، و"تفسير غريب القرآن" ص ١٧٩، و"نزهة القلوب" ص ٤٤٥، و"تفسير المشكل" ص ٨٥.
(٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" ١/ ١٩٨ مع إنشاد الشاهد.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي