ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ

ضرب الله إحياء البلاد بالمطر، مثلا لبعث البشر، ثم ضرب اختلاف إنتاج البلاد، مثلا لما في البشر في اختلاف الاستعداد، للغي والرشاد فقال :
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا
قال ابن عباس هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، أي والبر والفاجر، ومعناه أن الأرض منها الطيبة الكريمة التربة التي يخرج نباتها بسهولة، وينمي بسرعة ويكون كثير الغلة طيب الثمرة ومنها الخبيثة التربة كالحرة والسبخة التي لا يخرج نباتها على قلته وخبثه إن أنبتت إلا بعسر وصعوبة. قال الراغب : النكد كل شيء خرج إلى طالبه بتعسر يقال رجل نكد ونكد ( أي بفتح الكاف وكسرها ) وناقة نكداء : طفيفة الدر صعبة الحلب وذكر الآية. وقوله والذي خبث حذف موصوفه أي والبلد الذي خبث وهو دون الخبيث في الخبث. فإن صيغة فعيل من الصيغ التي تدل على الصفات الكاملة الثابتة. والنكد قد يكون فيما دون هذا من الخبث. ومن دقة البلاغة في هذين التعبيرين دلالتهما على الترغيب في طلب الرسوخ في صفات الكمال، وتجنب أدنى الخبث والنقص، وبين ذلك درجات.
روى أحمد والشيخان والنسائي من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب١ أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان٢ لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " ٣ وقد فسر صلى الله عليه وسلم القسم الأول وهو الذي نفع وانتفع كالهادي والمهتدي والثالث الذي لم ينفع ولم ينتفع كالجاحد وسكت عن الثاني وهو الذي انتفع غيره بعلمه من دونه، كالعالم الذي يعلم غيره ولا يعمل بعلمه المشبه بالأرض التي تمسك الماء ولا تنبت وحاله معلومة بل له أحوال فمنه المنافقون ومنه المفرطون، ويدل المثلان على أن الوراثة سبب فطري لهذا التفاوت في الاستعداد، ولهذا يحسن أن تفضل المرأة التقية الكريمة الأخلاق الطاهرة الأعراق على المرأة الجميلة إذا كانت من بيت دنيء وكذا على المرأة المتعلمة غير الكريمة الخلق ولا الطيبة العرق، وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالمعادن، وشبه المرأة الحسناء في المنبت السوء بخضراء الدمن أي حشيش المزبلة.
ومن اختبر الناس رأى أن المعروف يخرج من الطيبين عفوا بلا تكلف، وأن الخبيثين لا يخرج منهم الخير والمعروف ولا الحق الواجب عليهم إلا نكدا، بعد إلحاق أو إيذاء في الطلب أو إدلاء إلى الحكام ومراوغة في الخصام.
كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُون أي كذلك شأننا في هذا التصريف البديع المثال الموضح بالأمثال نصرف الآيات الدالة على علمنا وحكمتنا ورحمتنا بالإتيان بها على أنواع جلية تبين مرادنا لقوم يشكرون نعمنا، باستعمالها فيما تتم به حكمتنا، فيستحقون مزيدنا منها، وتثويبنا عليها.
عبر بالشكر في الآية التي موضوعها الاهتداء بالعلم والعمل والإرشاد، وبالتذكر في الآية التي موضوعها الاعتبار والاستدلال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:استطراد في بيان بعض نعم الله على الخلق بالهواء والرياح
الهواء جسم لطيف مما يعبر عنه علماء الكيمياء بالغاز لا لون له ولا رائحة مركب تركيبا مزجيا من عنصرين غازيين أصليين يسمون أحدهما ( الأكسجين ) وخاصته توليد الاحتراق والاشتعال وإحداث الصدأ في المعادن وهو سبب حياة الأحياء كلها من نبات وحيوان وإنسان، وثانيهما ( الآزوت- أو النيتروجين ) وهو أخف عناصر المادة وزنا وسيأتي ذكر بعض خواصه، ومن عناصر أخرى ( كالإيدروجين ) وهو المولد للماء ( وحمض الكربون ) وهو أصل مادة الفحم وغازه السامّ ( والهليوم والنيون والكريتون ) وهي عناصر اكتشفت من عهد قريب، وتكثر فيه أنواع الغازات والأبخرة التي تنفصل من مواد الأرض وتختلف كثرة هذه المواد وقلتها باختلاف القرب والبعد من الأرض، وهو محيط بها إلى مسافة ٣٠٠ كيلومتر بالتقريب.
يسمون الهواء عنصر الحياة فلولاه لم توجد الحياة الحيوانية ولا النباتية على هذه الأرض فالإنسان وسائر أنواع الحيوان تستنشق الهواء فيطهر ما فيه من الأكسجين دماءها من الكربون السام فيخرج بالتنفس إلى الجو فيتغذى به النبات. ولو احتبس ما يتولد في دم الحيوان من السموم الآلية في صدره لأماته مسموما كما يموت الغريق بعدم دخول الهواء في رئتيه، فمثله في ذلك كمثل مصباح زيت البترول الذي يمد أكسجين الهواء اشتعاله، ألم تر أنك إذا وضعت على فوهة زجاجة المصباح غطاء محكما ينطفئ نوره سريعا ؟ ولا يستثنى من ذلك الحيوانات المائية كالسمك فإن الهواء الذي يخالط الماء كاف لها. والنبات يمتص الكربون السام من الهواء فيتغذى به كما تقدم ويدع الأكسجين للحيوان، فكل منهما يأخذ منه حظه، ويفيد في الحياة صنوه كما قلناه في المقصورة :

والباسقـات رفعـت أكفــها تستنزل الغيث وتطلب الندى٤
تمتلج الكربون من ضرع الهوا تؤثرنا بالأكسجيـن المنتقى٥
وكذلك الهواء الذي يتخلل الأرض يساعد جذور النبات على امتصاصها الغذاء من التراب.
ثم إن السموم التي تنحل في البدن يخرج قسم عظيم منها من مسامه بخارا أو عرقا فيمتصها الهواء ويدفعها إلى الجو الواسع، ولو انسدت مسام البدن لما كان الهواء الذي يدخل الرئتين كافيا لوقاية الإنسان والحيوان من ميتة التسمم.
ومن منافع الهواء التي يغفل أكثر الناس عن شكر الرب عليها تطهيره سطح الأرض التي نعيش عليها من الرطوبات القذرة وما يتولد فيها من جنة الأحياء الضارة " ميكروبات الأمراض " فهو يمتصها ويدفعها في هذا الجو العظيم فيتفرق شملها وتزول قوة اجتماعها وقد تموت محترقة بأشعة الشمس فيه، وينبغي اتقاء الغبار الذي يحملها فقد ورد في الحديث " تنكبوا الغبار فإن منه النسمة " ٦ وهي ذات النفس الحية. بل لولا الهواء لتعذر أن يجف ثوب غسل بل لكانت الأرض مغمورة بالماء إذا أمكن أن يوجد الماء بغير الهواء والعلاقة بينهما معروفة، فكل منهما مزدوج بالآخر : فالهواء يتخلل المياه، والمجاور منه للأرض فيه كثير من بخار الماء هو يقل فيه ويكثر بحسب بعده عن البحار والأنهار وقربه منها. ومما أثبته علماء الكون المتأخرون أن بخار الماء وإن كان يقل في الطبقات العليات من الجو كقلل الجبال وما فوقها فإن عنصر ( الإيدروجين ) وهو المولد للماء يكثر كثرة عظيمة في أعلى كرة الهواء ويقل الأكسجين في طبقات الجو العليا ويكثر بجوار الأرض لثقله النوعي فهو أثقل من صنوه النيتروجين وذلك من لطف الله وحكمته.
ومن المعروف عندهم أن الهواء يتحول بشدة البرد والضغط إلى ماء ثم إلى جليد كما أن الماء يتبخر بالحرارة حتى يكون هواء أو كالهواء في لطافته وعدم رؤيته وقد كان المتقدمون يحسبونهما شيئا واحدا، وعلماء العرب فرقوا بين بخار الماء وكرة الهواء ولكن اسم البخار في لغتهم يشمل كل المواد اللطيفة التي تصعد في جو السماء التي يسميها العلماء في هذا العصر " الغازات " والمشهور أن في الهواء من حيث حجمه لا ثقله ٢١ جزءا في المائة من الأكسجين و٨٧ في المائة من النيتروجين وواحدا في المائة من الأرغون، وهذه النسبة تكون هي الغالبة في الهواء المجاور للأرض وهي ضرورية لحياة أكثر الأحياء حياة صالحة معتدلة فإذا زاد الأكسجين زيادة كبيرة أو نقص عما هو عليه لم يعد صالحا لحياة الأحياء بل يصير نارا محرقة أو سما زعافا.
فكون النيتروجين يزيد على ثلاثة أرباع الأوكسجين في حجم الهواء ضروري لتعدليه وجعله صالحا لذلك.
والنيتروجين ضروري للحياة أيضا وإن لم يكن هو صالحا للحياة فهو إذا وضع فيه حيوان أو نبات لم يلبث أن يموت على أنه غير سام وضرورته للحياة من حيث تعديله للأكسجين ومنعه إياه من الطغيان ومن حيث هو في ذاته ركن من أركان الغذاء للحيوانات ولاسيما العليا منها وأعلاها الإنسان فإذا خلا طعامها من المادة النيتروجينية لم يكف لحياتها به.
والنيتروجين يوجد في أجسام النبات كما يوجد في لحم الحيوان وبيضه ولبنه وهو الأصل فيه، والنبات يأخذه من الأرض، وسائر غذاء الحيوانات من المواد النباتية، ومعظمها من الكربون وهو يأخذها من الأرض ومن امتصاصه لغاز الحامض الكربوني من الهواء. فهذا الغاز على شدة ضرره وقوة سمه في الهواء لمن يستنشقه لا بد له منه في ركن المعيشة الأعظم وهو النبات.
وإذا كثر هذا الحامض في الهواء فصار واحدا في المائة كان ضارا فإذا زاد على ذلك حتى صار ١٠ في المائة صار شديد الخطر على الإنسان والحيوان. وهو يكثر في المباني التي يكثر فيها الناس بخروجه من أنفاسهم والتي تكثر فيها السرج والمصابيح الزيتية والغازية وكذا الشموع فإنها تولده باحتراقها فإذا لم تكن فيها نوافذ متقابلة يدخل الهواء من بعضها ويخرج من الآخر فإن هواءها يفسد به ويتسمم دم من فيها. وقد قال علماء هذا الشأن أن الإنسان يحتاج إلى أكثر من ١٦ مترا مكعبا من الهواء في الساعة وهو ينفث في كل ساعة ٢٢ لترا من هذا الغاز السام ( الكربون ) فينبغي أن يتقي جميع الناس الاجتماع ونوم الكثيرين في البيوت التي لا يتخللها الهواء ولاسيما إذا كان فيها مصابيح موقدة وأن يحذروا من وقود الفحم فيها في أيام البرد فإنه سبب مطرد للاختناق كما ثبت علما وتجربة، إلا إذا وضع في البيت بعد أن تم اشتعاله وذهب غازه في الهواء فلم يبق له رائحة ولا شيء من السواد.
علمنا من هذا أن الخالق الحكيم قد جعل الهواء مركبا من المواد الضرورية لحياة الأحياء كلها وجعل النسبة بين أجزائه في كل من الحجم والثقل مناسبة لما يحتاج إليه كل جنس ونوع من النبات والحيوان فإذا نقص أحدها بتصرف هذه الإحياء فيه بالتغذي والاستنشاق والنفث بما من شأنه أن يوقع اختلالا وتفاوتا في هذه النسبة كان له من سنن الله تعالى ما يعيد إليه اعتداله ويحفظه له كتأثير كل من أشعة الشمس في ورق النبات الأخضر ومن تموج البحار في توليد الأكسجين، وحمل الرياح له إلى الصحارى البعيدة عن الماء الخالية من الأشجار.
تستفيد جميع أنواع النبات والحيوان من الهواء بفطرتها فلا تحتاج إلى علم كسبي ولا إلى عمل صناعي تهتدي بهما إلى التزام منافعه واتقاء مضاره إلا الإنسان فإنه وهو سيد هذه الموجودات بما خلق مستعدا له من اكتساب العلوم وإتقان الأعمال إلى غير حد يعرف هو المحتاج إلى العلم الواسع والعمل المبني على العلم لأجل ذلك، وكلما اتسع علمه ودقت صناعته صار أشد حاجة إلى العلم والصناعة، فأهل البداوة أقل حاجة إلى ذلك من أهل الحضارة لأنهم أقرب إلى حياة الفطرة وأقل جناية عليها من أهل الحضارة في أغذيتهم ومساكنهم.
يبني أهل الحضارة الدور فيجعلون في كل دار بيوتا كثيرة ومرافق مختلفة فإذا لم يراعوا فيها تخلل الهواء ونور الشمس لها فسد هواؤها، وكثرت فيها جنة الأمراض والأدواء التي تفتك بأهلها، ثم إنهم يحتاجون في جملة ما يقيمون من الدور والدكاكين والمعامل والمدارس والثكنات للسكن والأعمال العامة والتجارة والصناعة والتعليم والجند التي يسمى مجموعها المدينة إلى مثل ما يراعى في كل دار من قوانين الصحة كسعة الشوارع والجوادّ العامة وما يتفرع منها من النواشط الخاصة بطائفة من السكان بحيث يكون الانتفاع بالهواء والشمس عاما، وينبغي أن يكون للمدينة الكبيرة حدائق وبساتين واسعة مباحة لجميع أهلها لما أشرنا إليه من حاجة الإنسان والحيوان إلى الشجر في اعتدال الهواء وليختلف إليها الناس عند إرادة الاستراحة من الأعمال، وأحوجهم إليها الأطفال يتفيأون ظلالها ويستنشقون هواءها النقي المنعش. فإن قصروا في هذا انتابت الأمراض من يقيمون في الدور التي لا يطهرها الهواء والنور ثم تسري إلى من يخالطهم من سائر طبقات السكان.
وخير الهواء المعتدل بين الحرارة والبرودة والجفاف والرطوبة ومن فوائد الحار إفراز العرق من الجلد وهو مطهر لباطن البدن كتطهير الحمام لظاهره بما يخرج معه من الفضلات الميتة والمواد السامة فهذه الفائدة توازي ضرره في عسر التنفس وقلة ما يدخل معه في الرئة من الأكسجين وقلة ما يخرج منها من الكربون السام وفي ضعف الهضم واسترخاء الجسم.
ومن فوائد البارد تشديد الأعصاب وتنشيط الجسم وهو يحدث حرارة في الباطن بكثرة ما يدخل معه من الأوكسجين في الجوف ( وهو مولد الحرارة والاشتعال ) فيحتاج إلى كثرة الوقود الذي يحرقه وهو الغذاء ولذلك يكثر الأكل ويقوى الهضم في الجو البارد وتشتد الحاجة فيه إلى الحركة والعمل لدفع الدم إلى الشرايين التي في ظاهر الجسم لتدفئته، فهو يفيد الأقوياء الأصحاء ويضر الضعفاء والمصابين ببعض الأمراض الصدرية وغيرها.
فعلم من هذا أنه ينبغي تخفيف الطعام في زمن الحر واجتناب الإكثار من اللحم ولاسيما الأحمر منه ومن الحلوى والأدهان وجعل معظم الغذاء من البقول والفاكهة.
ومن حكم الله تعالى ولطف تدبيره في الهواء وفي اختلاف بقاع الأرض في الحر والبرد ما يحدثه هذا الاختلاف من الرياح وما لها من المنافع للأحياء ولاسيما الناس.
فمن سننه تعالى في نظام الكون أن الحرارة تمدد الأجسام فيخف وزنها وأن المائعات والأبخرة والغازات منها يعلو ما خف منها على ما ثقل فإذا وضع ماء وزيت في إناء يكون الزيت في أعلاه وإن وضع أولا والماء في أسفله وإن وضع آخرا لأن الزيت أخف من الماء. والماء السخن يكون في أعلى الإناء والبارد في أسفله ومتى سخن كله يكون أعلاه أشد حرارة من أسفله. فعلى هذه السنة إذا سخن الهواء المجاور للأرض بحرارتها لا يلبث أن يرتفع في الجو ويحل محله هواء أبرد منه لحفظ التوازن ما ترى من خلق الرحمن من تفاوت ( الملك ٣ ) وهذا هو الأصل في حدوث الرياح.
ومن المعلوم أن حرارة الأرض تكون على أشدها في خط الاستواء وهو وسط عرض الأرض وما يقرب منه حيث تكون أشعة الشمس عمودية فيكون تأثير حرارتها في الأرض على أشده ثم يضعف تأثيرها في جهتي الشمال والجنوب حيث تقع الأشعة مائلة بقدر هذا الميل فتكون الحرارة معتدلة، ثم تكون باردة حتى تصل في منطقتي القطبين إلى درجة الجليد الدائم لقلة ما يصيبها من شعاع الشمس مائلا في الأفق لا تأثير له في الأرض، فهنالك تكون سنتها يوما واحدا نصفه ليل ونصفه نهار، وليل كل من ناحيتي القطبين نهار الآخر. وتحديد أمثال هذه المسائل كلها موضعه علم ( الجغرافية الطبيعية أو الرياضية ) ولاختلاف درجات ا

١ الأجادب، جمع جدب بفتح الجيم والدال وهي التي لا تشرب ولا تنبت..
٢ القيقعان بكسر القاف: جمع قاع وهي الأرض المستوية..
٣ أخرجه البخاري في العلم باب ٢٠ ومسلم في الفضائل حديث ١٥ وأحمد في المسند ٤/ ٣٩٩..

استطراد في بيان بعض نعم الله على الخلق بالهواء والرياح
الهواء جسم لطيف مما يعبر عنه علماء الكيمياء بالغاز لا لون له ولا رائحة مركب تركيبا مزجيا من عنصرين غازيين أصليين يسمون أحدهما ( الأكسجين ) وخاصته توليد الاحتراق والاشتعال وإحداث الصدأ في المعادن وهو سبب حياة الأحياء كلها من نبات وحيوان وإنسان، وثانيهما ( الآزوت- أو النيتروجين ) وهو أخف عناصر المادة وزنا وسيأتي ذكر بعض خواصه، ومن عناصر أخرى ( كالإيدروجين ) وهو المولد للماء ( وحمض الكربون ) وهو أصل مادة الفحم وغازه السامّ ( والهليوم والنيون والكريتون ) وهي عناصر اكتشفت من عهد قريب، وتكثر فيه أنواع الغازات والأبخرة التي تنفصل من مواد الأرض وتختلف كثرة هذه المواد وقلتها باختلاف القرب والبعد من الأرض، وهو محيط بها إلى مسافة ٣٠٠ كيلومتر بالتقريب.
يسمون الهواء عنصر الحياة فلولاه لم توجد الحياة الحيوانية ولا النباتية على هذه الأرض فالإنسان وسائر أنواع الحيوان تستنشق الهواء فيطهر ما فيه من الأكسجين دماءها من الكربون السام فيخرج بالتنفس إلى الجو فيتغذى به النبات. ولو احتبس ما يتولد في دم الحيوان من السموم الآلية في صدره لأماته مسموما كما يموت الغريق بعدم دخول الهواء في رئتيه، فمثله في ذلك كمثل مصباح زيت البترول الذي يمد أكسجين الهواء اشتعاله، ألم تر أنك إذا وضعت على فوهة زجاجة المصباح غطاء محكما ينطفئ نوره سريعا ؟ ولا يستثنى من ذلك الحيوانات المائية كالسمك فإن الهواء الذي يخالط الماء كاف لها. والنبات يمتص الكربون السام من الهواء فيتغذى به كما تقدم ويدع الأكسجين للحيوان، فكل منهما يأخذ منه حظه، ويفيد في الحياة صنوه كما قلناه في المقصورة :
والباسقـات رفعـت أكفــها تستنزل الغيث وتطلب الندى٤
تمتلج الكربون من ضرع الهوا تؤثرنا بالأكسجيـن المنتقى٥
وكذلك الهواء الذي يتخلل الأرض يساعد جذور النبات على امتصاصها الغذاء من التراب.
ثم إن السموم التي تنحل في البدن يخرج قسم عظيم منها من مسامه بخارا أو عرقا فيمتصها الهواء ويدفعها إلى الجو الواسع، ولو انسدت مسام البدن لما كان الهواء الذي يدخل الرئتين كافيا لوقاية الإنسان والحيوان من ميتة التسمم.
ومن منافع الهواء التي يغفل أكثر الناس عن شكر الرب عليها تطهيره سطح الأرض التي نعيش عليها من الرطوبات القذرة وما يتولد فيها من جنة الأحياء الضارة " ميكروبات الأمراض " فهو يمتصها ويدفعها في هذا الجو العظيم فيتفرق شملها وتزول قوة اجتماعها وقد تموت محترقة بأشعة الشمس فيه، وينبغي اتقاء الغبار الذي يحملها فقد ورد في الحديث " تنكبوا الغبار فإن منه النسمة " ٦ وهي ذات النفس الحية. بل لولا الهواء لتعذر أن يجف ثوب غسل بل لكانت الأرض مغمورة بالماء إذا أمكن أن يوجد الماء بغير الهواء والعلاقة بينهما معروفة، فكل منهما مزدوج بالآخر : فالهواء يتخلل المياه، والمجاور منه للأرض فيه كثير من بخار الماء هو يقل فيه ويكثر بحسب بعده عن البحار والأنهار وقربه منها. ومما أثبته علماء الكون المتأخرون أن بخار الماء وإن كان يقل في الطبقات العليات من الجو كقلل الجبال وما فوقها فإن عنصر ( الإيدروجين ) وهو المولد للماء يكثر كثرة عظيمة في أعلى كرة الهواء ويقل الأكسجين في طبقات الجو العليا ويكثر بجوار الأرض لثقله النوعي فهو أثقل من صنوه النيتروجين وذلك من لطف الله وحكمته.
ومن المعروف عندهم أن الهواء يتحول بشدة البرد والضغط إلى ماء ثم إلى جليد كما أن الماء يتبخر بالحرارة حتى يكون هواء أو كالهواء في لطافته وعدم رؤيته وقد كان المتقدمون يحسبونهما شيئا واحدا، وعلماء العرب فرقوا بين بخار الماء وكرة الهواء ولكن اسم البخار في لغتهم يشمل كل المواد اللطيفة التي تصعد في جو السماء التي يسميها العلماء في هذا العصر " الغازات " والمشهور أن في الهواء من حيث حجمه لا ثقله ٢١ جزءا في المائة من الأكسجين و٨٧ في المائة من النيتروجين وواحدا في المائة من الأرغون، وهذه النسبة تكون هي الغالبة في الهواء المجاور للأرض وهي ضرورية لحياة أكثر الأحياء حياة صالحة معتدلة فإذا زاد الأكسجين زيادة كبيرة أو نقص عما هو عليه لم يعد صالحا لحياة الأحياء بل يصير نارا محرقة أو سما زعافا.
فكون النيتروجين يزيد على ثلاثة أرباع الأوكسجين في حجم الهواء ضروري لتعدليه وجعله صالحا لذلك.
والنيتروجين ضروري للحياة أيضا وإن لم يكن هو صالحا للحياة فهو إذا وضع فيه حيوان أو نبات لم يلبث أن يموت على أنه غير سام وضرورته للحياة من حيث تعديله للأكسجين ومنعه إياه من الطغيان ومن حيث هو في ذاته ركن من أركان الغذاء للحيوانات ولاسيما العليا منها وأعلاها الإنسان فإذا خلا طعامها من المادة النيتروجينية لم يكف لحياتها به.
والنيتروجين يوجد في أجسام النبات كما يوجد في لحم الحيوان وبيضه ولبنه وهو الأصل فيه، والنبات يأخذه من الأرض، وسائر غذاء الحيوانات من المواد النباتية، ومعظمها من الكربون وهو يأخذها من الأرض ومن امتصاصه لغاز الحامض الكربوني من الهواء. فهذا الغاز على شدة ضرره وقوة سمه في الهواء لمن يستنشقه لا بد له منه في ركن المعيشة الأعظم وهو النبات.
وإذا كثر هذا الحامض في الهواء فصار واحدا في المائة كان ضارا فإذا زاد على ذلك حتى صار ١٠ في المائة صار شديد الخطر على الإنسان والحيوان. وهو يكثر في المباني التي يكثر فيها الناس بخروجه من أنفاسهم والتي تكثر فيها السرج والمصابيح الزيتية والغازية وكذا الشموع فإنها تولده باحتراقها فإذا لم تكن فيها نوافذ متقابلة يدخل الهواء من بعضها ويخرج من الآخر فإن هواءها يفسد به ويتسمم دم من فيها. وقد قال علماء هذا الشأن أن الإنسان يحتاج إلى أكثر من ١٦ مترا مكعبا من الهواء في الساعة وهو ينفث في كل ساعة ٢٢ لترا من هذا الغاز السام ( الكربون ) فينبغي أن يتقي جميع الناس الاجتماع ونوم الكثيرين في البيوت التي لا يتخللها الهواء ولاسيما إذا كان فيها مصابيح موقدة وأن يحذروا من وقود الفحم فيها في أيام البرد فإنه سبب مطرد للاختناق كما ثبت علما وتجربة، إلا إذا وضع في البيت بعد أن تم اشتعاله وذهب غازه في الهواء فلم يبق له رائحة ولا شيء من السواد.
علمنا من هذا أن الخالق الحكيم قد جعل الهواء مركبا من المواد الضرورية لحياة الأحياء كلها وجعل النسبة بين أجزائه في كل من الحجم والثقل مناسبة لما يحتاج إليه كل جنس ونوع من النبات والحيوان فإذا نقص أحدها بتصرف هذه الإحياء فيه بالتغذي والاستنشاق والنفث بما من شأنه أن يوقع اختلالا وتفاوتا في هذه النسبة كان له من سنن الله تعالى ما يعيد إليه اعتداله ويحفظه له كتأثير كل من أشعة الشمس في ورق النبات الأخضر ومن تموج البحار في توليد الأكسجين، وحمل الرياح له إلى الصحارى البعيدة عن الماء الخالية من الأشجار.
تستفيد جميع أنواع النبات والحيوان من الهواء بفطرتها فلا تحتاج إلى علم كسبي ولا إلى عمل صناعي تهتدي بهما إلى التزام منافعه واتقاء مضاره إلا الإنسان فإنه وهو سيد هذه الموجودات بما خلق مستعدا له من اكتساب العلوم وإتقان الأعمال إلى غير حد يعرف هو المحتاج إلى العلم الواسع والعمل المبني على العلم لأجل ذلك، وكلما اتسع علمه ودقت صناعته صار أشد حاجة إلى العلم والصناعة، فأهل البداوة أقل حاجة إلى ذلك من أهل الحضارة لأنهم أقرب إلى حياة الفطرة وأقل جناية عليها من أهل الحضارة في أغذيتهم ومساكنهم.
يبني أهل الحضارة الدور فيجعلون في كل دار بيوتا كثيرة ومرافق مختلفة فإذا لم يراعوا فيها تخلل الهواء ونور الشمس لها فسد هواؤها، وكثرت فيها جنة الأمراض والأدواء التي تفتك بأهلها، ثم إنهم يحتاجون في جملة ما يقيمون من الدور والدكاكين والمعامل والمدارس والثكنات للسكن والأعمال العامة والتجارة والصناعة والتعليم والجند التي يسمى مجموعها المدينة إلى مثل ما يراعى في كل دار من قوانين الصحة كسعة الشوارع والجوادّ العامة وما يتفرع منها من النواشط الخاصة بطائفة من السكان بحيث يكون الانتفاع بالهواء والشمس عاما، وينبغي أن يكون للمدينة الكبيرة حدائق وبساتين واسعة مباحة لجميع أهلها لما أشرنا إليه من حاجة الإنسان والحيوان إلى الشجر في اعتدال الهواء وليختلف إليها الناس عند إرادة الاستراحة من الأعمال، وأحوجهم إليها الأطفال يتفيأون ظلالها ويستنشقون هواءها النقي المنعش. فإن قصروا في هذا انتابت الأمراض من يقيمون في الدور التي لا يطهرها الهواء والنور ثم تسري إلى من يخالطهم من سائر طبقات السكان.
وخير الهواء المعتدل بين الحرارة والبرودة والجفاف والرطوبة ومن فوائد الحار إفراز العرق من الجلد وهو مطهر لباطن البدن كتطهير الحمام لظاهره بما يخرج معه من الفضلات الميتة والمواد السامة فهذه الفائدة توازي ضرره في عسر التنفس وقلة ما يدخل معه في الرئة من الأكسجين وقلة ما يخرج منها من الكربون السام وفي ضعف الهضم واسترخاء الجسم.
ومن فوائد البارد تشديد الأعصاب وتنشيط الجسم وهو يحدث حرارة في الباطن بكثرة ما يدخل معه من الأوكسجين في الجوف ( وهو مولد الحرارة والاشتعال ) فيحتاج إلى كثرة الوقود الذي يحرقه وهو الغذاء ولذلك يكثر الأكل ويقوى الهضم في الجو البارد وتشتد الحاجة فيه إلى الحركة والعمل لدفع الدم إلى الشرايين التي في ظاهر الجسم لتدفئته، فهو يفيد الأقوياء الأصحاء ويضر الضعفاء والمصابين ببعض الأمراض الصدرية وغيرها.
فعلم من هذا أنه ينبغي تخفيف الطعام في زمن الحر واجتناب الإكثار من اللحم ولاسيما الأحمر منه ومن الحلوى والأدهان وجعل معظم الغذاء من البقول والفاكهة.
ومن حكم الله تعالى ولطف تدبيره في الهواء وفي اختلاف بقاع الأرض في الحر والبرد ما يحدثه هذا الاختلاف من الرياح وما لها من المنافع للأحياء ولاسيما الناس.
فمن سننه تعالى في نظام الكون أن الحرارة تمدد الأجسام فيخف وزنها وأن المائعات والأبخرة والغازات منها يعلو ما خف منها على ما ثقل فإذا وضع ماء وزيت في إناء يكون الزيت في أعلاه وإن وضع أولا والماء في أسفله وإن وضع آخرا لأن الزيت أخف من الماء. والماء السخن يكون في أعلى الإناء والبارد في أسفله ومتى سخن كله يكون أعلاه أشد حرارة من أسفله. فعلى هذه السنة إذا سخن الهواء المجاور للأرض بحرارتها لا يلبث أن يرتفع في الجو ويحل محله هواء أبرد منه لحفظ التوازن ما ترى من خلق الرحمن من تفاوت ( الملك ٣ ) وهذا هو الأصل في حدوث الرياح.
ومن المعلوم أن حرارة الأرض تكون على أشدها في خط الاستواء وهو وسط عرض الأرض وما يقرب منه حيث تكون أشعة الشمس عمودية فيكون تأثير حرارتها في الأرض على أشده ثم يضعف تأثيرها في جهتي الشمال والجنوب حيث تقع الأشعة مائلة بقدر هذا الميل فتكون الحرارة معتدلة، ثم تكون باردة حتى تصل في منطقتي القطبين إلى درجة الجليد الدائم لقلة ما يصيبها من شعاع الشمس مائلا في الأفق لا تأثير له في الأرض، فهنالك تكون سنتها يوما واحدا نصفه ليل ونصفه نهار، وليل كل من ناحيتي القطبين نهار الآخر. وتحديد أمثال هذه المسائل كلها موضعه علم ( الجغرافية الطبيعية أو الرياضية ) ولاختلاف درجات ا

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير