تفسير المفردات : النكد : كل شيء خرج إلى طالبه بتعسر يقال رجل نكد بفتح الكاف وكسرها وناقة نكداء : خفيفة الدر صعبة الحلب، والتصريف : تبديل الشيء من حال إلى حال، ومنه تصريف الرياح.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر عز اسمه تفرده بالملك والملكوت وتصرفه في العالم العلوي والسفلي وتدبيره الأمر وحده، وطلب إلينا أن ندعوه متضرعين خفية وجهرا، ونهانا عن الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، وأبان لنا أن رحمته قريب من المحسنين ـ قفى على ذلك بذكر بعض ضروب من رحمته، إذ أرسل إلينا الرياح وما فيها من منافع للناس ـ فبها ينزل المطر الذي هو مصدر الرزق وسبب حياة كل حي في هذه الأرض، وفي ذلك عظيم الدلالة على قدرته تعالى على البعث والنشور.
الإيضاح : والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا قوله والذي خبث : أي والبلد الذي خبث لا يخرج نباته إلا نكدا، وأصل النكد هو العسر الممتنع من إعطاء الخير بخلا.
والمعنى : إن الأرض منها الطيبة الكريمة التربة التي يخرج نباتها بسهولة وينمي بسرعة ويكون كثير الغلة طيب الثمرة، ومنها الخبيثة التربة كالحرة الحجرية والسبخة التي لا يخرج نباتها على قلته وخبثه إلا بعسر وصعوبة.
قال ابن عباس : هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر أي للبر والفاجر اه أي إنه تعالى شبههما بالأرض الخيرة والأرض السبخة، وشبه نزول القرآن بنزول المطر، فالأرض الخيرة يحصل فيها بنزول المطر أنواع الأزهار والثمار، والأرض السبخة إن نزل عليها المطر لا تنبت من النبات إلا النذر القليل، فكذلك الروح الطيب النقي من شوائب الجهل ورذائل الأخلاق إذا اتصل به نور القرآن ظهرت فيه أنواع الطاعات والأخلاق الحميدة، والروح الخبيث الكدر وإن اتصل به نور القرآن لا يظهر فيه من المعارف وجميل الأخلاق إلا النذر القليل.
روى أحمد والشيخان والنسائي من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكل منها أجادب التي لا تشرب ولا تنبت أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان أرض مستوية لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم القسم الأول وهو الذي نفع وانتفع بالهادي والمهتدي، وفسر القسم الثالث وهو الذي لم ينفع ولم ينتفع بالجاحد وسكت عن القسم الثاني وهو الذي نفع غيره بعلمه ولم ينتفع به هو، لأن له أحوالا كثيرة فمنه المنافقون ومنه المفرطون في دينهم، والمشاهدة تدل على أن الطيبي الأخلاق يفعلون الخير والبر بلا تكلف، وأمن الخبيثين لا يفعلون الخير ولا يؤدون الواجب إلا نكدا بعد إلحاف أو إيذاء حين الطلب أو إدلاء إلى الحكام.
كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون أي مثل ذلك التصريف البديع نردد الآيات الدالة على القدرة الباهرة، ونكررها لقوم يشكرون نعمنا باستعمالها فيما تتم حكمتنا، وبذا يستحقون منا المزيد ويكافئون بالثواب عليها.
وختم هذه الآية بالشكر، إذ كان موضوعها الاهتداء بالعلم والإرشاد، والآية التي قبلها بالتذكر لما كان موضوعها الاعتبار والاستدلال.
تفسير المراغي
المراغي