ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ

يقول الله جل وعلا :[ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون( ٥٨ ) ]( الأعراف : آية ٥٨ ) لما أمر الله-جل وعلا- ونهى في هذه الآية الكريمة، وبين عظائم آياته وبرهان عبادته وربوبيته انه الرب وحده، والمعبود وحده، وبين أنه أنزل إلى هذه الخلائق كتابا فصله على علم هدى ورحمة، بين هنا أن الناس الذين انزل عليهم هذا الكتاب لهم شبه بعنصرهم الأول وهو الأرض، وشبه الوحي الذي أنزله على نبينا صلى الله عليه وسلم بالمطر، فالوحي كثيرا ما يشبه بالمطر كما أوضحناه في سورة البقرة في الكلام على قوله :[ أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق الآيات( البقرة : آية ١٩ ) فكما أن المطر يحيي الله به الأرض بعد موتها وينبت به النباتات والزروع والثمار، وينعش به الحيوانات، ويهيئ به لبني آدم مصالحهم الدنيوية، فكذلك القرآن هو مطر أرض القلوب، إذا نزل مطر القرآن على أرض القلوب أثمرت القلوب ثمراتها الرائعة اليانعة من الإيمان بالله والتقوى والخشية والإنابة والإيثار وطاعة الله ( جل وعلا ) والخوف منه والانقياد لأوامره، والتباعد لنواهيه، فالقرآن مطر القلوب، والأرض كأنها المطر الذي يثمر فيه القرآن، كما أن الأرض هي مطر السحاب التي يثمر فيها. فضرب الله المثل هنا لقلوب بني آدم بان بينهم شبها وبين الأرض ؛ لأنها أصلهم وعنصرهم الذي خلقوا منه، فإذا نزل المطر من السماء وأصاب أرضا طيبة أثر فيها أثر شديدا فأنبتت الزروع والحبوب والثمار والعشب والكلأ الكثير، وصارت ترفل في حلل زينتها من أنواع النباتات. وإذا نزل المطر على أرض سبخة خبيثة لا تقبل النبات كلما ازداد نزول المطر عليها ازدادت خبثا، لا تمسك ماء عذبا يشرب منه، ولا تنبت مرعى يرتع فيه، ولا ثمارا ولا زروعا تؤكل، فهذا مثل ضربه الله لقلب المؤمن وقلب الكافر، وضرب المثل للقرآن بأنه مطر القلوب المثمر فيها، كما أن مطر السحاب هو مطر الأرض المثمر فيها، قال :[ والبلد الطيب ]( الأعراف : آية ٨٥ ) أصل البلد الطيب من الأرض إذا صادفه المطر الكثير يخرج نباته بإذن ربه أحسن ما يكون، يخرج نباته نباتا حسنا فيه الزروع والثمار والأعشاب والكلأ وكل ما ينتفع به الناس في أمور معاشهم، هذا هو البلد الطيب، كذلك القلب الطيب إذا نزلت عليه أمطار القرآن : زواجره ونواهيه ومواعظه وحلاله وحرامه أثمر ذلك القرآن في ذلك القلب ثمرات أحين من ثمرات الأرض الطيبة إذا نزل عليها المطر، فأثمر الإيمان بالله، والتطهر من أدناس المعاصي والكفر، وامتثال أمر الله واجتناب نواهيه، وكل خصلة حسنة يثمرها مطر القرآن في قلب المؤمن، كالخشية من الله، والتوبة عند الزلات، والإنابة إليه، والسخاء، والشجاعة، والرضا بقضاء الله، والإيثار وعدم الشح، إلى غير ذلك من خصال الإسلام الكريمة الجميلة.
[ والذي خبث ] : أي والبلد الذي خبث كالبلد الذي يكون سبخا خبيثا لا يخرج نباته ولو تتالت عليه الأمطار [ إلا نكدا ] إلا في حال كونه نكدا عسير الخروج لا خير فيه ولا منفعة فيه ألبة، يخرج بعسر غاية العسر ويخرج مسلوبا من الخير والنفع.
وأصل النكد في لغة العرب : العسير، لا يخرج إلا في حال كونه نكدا، أي عسير الخروج، مسلوب الفائدة، لا ينتفع به في أكل الناس، ولا أكل الأنعام، إذ لا فائدة فيه، فكذلك قلب الكافر لا يثمر إلا نكدا عسيرا، ثمرة لا فائدة فيها، كالأرض السبخة إذا كثرت عليها الأمطار لا تثمر شيئا فيه فائدة. وهذا المثل بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى الأشعري المتفق عليه بيانا واضحا، وفيه :" إن مثل ما بعثني الله به من العلم والهدى كمثل غيث كثير أصاب أرضا، فكان منها طائفة قبلت الماء فانبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء، فذلك مثل من فقه في الدين ونفعه الله بما بعثني به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به. والنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح الذي اتفق عليه مسلم والبخاري من حديث أبي موسى الأشعري ( رضي الله عنه ) بين أن قلوب البشر بالنسبة إلى أمطار القرآن ثلاثة أنواع : قلب كالأرض الطيبة إذا نزلت عليه أمطار القرآن أنبت العشب والكلأ الكثير، معناه : أنه يثمر فيه القرآن ومواعظه فيجمع بين العلم به والعمل، فيتعلم معانيه، ويفهم حكمه، ويعمل بها، ويعلمها غيره. وفي حديث البخاري من حديث عثمان بن عفان ( رضي الله عنه ) :" خيركم من تعلم القرآن وعلمه " وفي رواية في صحيح البخاري :" عن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه " فهذه هي الطائفة الأولى من الطوائف الثلاثة التي شبهها النبي صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث الصحيح المتفق عليه- بالأرض الطيبة القابلة للماء المنبتة للكلأ والعشب الكثير، فكذلك القلوب الطيبة تثمر فيها مواعظ القرآن الثمرات الكثيرة الطيبة، فترى صاحبها خائفا من الله، طامعا في فضل الله، مطيعا لله، متباعدا عن معاصي الله، ممتثلا جميع الأوامر، متباعدا عن انتهاك شيء من النواهي، فهذه الطائفة الأولى.
الطائفة الثانية : ضرب لها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح المتفق عليه مثلا بأنها كأنها أجادب ليس فيها مرعى ولكن فيها منافع تمسك الماء فيسيل الماء ويحبس فيها فتكون مجمعة فيها مياه كثيرة، ثم هذه المياه ينفع الله بها خلقه : منهم من يأتي فيشرب، ومنهم من يسقي مواشيه من هذا الماء، ومنهم من يسلطه على زروعه وبساتينه فينتفع بهذا الماء. وهذه الطائفة هي التي حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم الذي جاء به من القرآن والحديث الصحيح، ولم يكن عندهم من قوة الفهم ما يتفهمون في معانيه ويطلعون على أسراره وحكمه، فهم كهذا المستنقع الذي امسك هذا الماء حتى انتفع به آخرون، فهم يحفظون ذلك العلم فيرويه عنهم فطاحل علماء يقفهون على أسراره ويفهمون معانيه ويستنبطون منه، فكذلك هذا الماء الذي أمسكته هذه الأجادب لم ينبت هو فيه نفسه، ولكن الله نفع به الناس حيث شربوا منه وسقوا مواشيهم وزروعهم، كذلك هؤلاء
يحفظون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انزل الله عليه، ولم تكن افهماهم بالغة أفهام فطاحل العلماء، إلا أن العلماء يروونه عنهم رواية صحيحة ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، فيتفهمون في معانيه، ويقفون على أسراره، ويستنبطون منه ويبينونه للناس. هذه الطائفة الثانية " ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " فترى بعض الأئمة العظام يروي حديثا صحيحا وبعض رواته ليس من أهل العلم، وليس من أهل الاستنباط والخوض في معاني الكتاب والسنة، فيحفظ عنه ذلك الفحل من فحول الأئمة ذلك الحديث مثلا فيستنبط منه الأحكام، ويبين فيه الأسرار المشتملة عليه.
الطائفة الثالثة : هي التي ضرب لها مثلا بالأرض السبخة التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، وهذه مضروبة لقلوب الكفار والمنافقين، كلما تتابعت عليهم المواعظ وسمعوا آيات القرآن تتلى وأسمعوا مواعظه وزواجره كان يمر على قلوبهم من غير أن يستفيدوا شيئا، كما أن تلك الأرض السبخة كلما تتابع عليها المطر لم تزدد إلا خبثا، لم تمسك ماء عذبا يشرب منه، ولم تنبت للناس كلأ ولا عشبا. فقلوب هؤلاء لم تحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم علما يروى عنهم حتى ينتفع به غيرهم، ولم ينتفعوا بأنفسهم مما سمعوا منه صلى الله عليه وسلم، فهم كالسباخ التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ.
وهذا مثل عظيم ضربه الله، وجرت العادة أن الكتب السماوية تكثر فيها ضروب الأمثال ؛ لأن المثل يصير المعقول كالمحسوس ؛ ولذا قال الله :[ وتلك المثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ]( الحشر : آية ٢١ ) وبين أن الأمثال لا يفهمها عن الله إلا أهل العلم حيث قال في العنكبوت :[ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون( ٤٣ ) ]( العنكبوت : آية ٤٣ ) وبين ( جل وعلا ) أنه لا يستحي أن يضرب مثلا ما، كائنا ما كان، وأن الأمثال التي يضرب يهدي الله بها قوما أراد هداهم، وتكون سببا لضلال آخرين أراد الله إضلالهم، فهي من فتنة الله التي يضل بها من يشاء ويهدي من يشاء، وذلك في قوله :[ إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا ] ثم قال :[ يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين ]( البقرة٢٦ ) هذه امثال القرآن يهدي الله بها من يريد هداه، وما يضل بها إلا الفاسقين. ولما سمع الكفار أن الله يضرب المثل بالكلب في قوله :[ فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ]( الأعراف : آية ١٧٦ ) ويضرب المثل بالحمار في قوله :[ كمثل الحمار يحمل أسفارا ]( الجمعة : آية ٥ ) ويضرب المثل بالذباب [ يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ]( الحج : آية ٧٣ ) وسمعوه يضرب المثل بهذه الأشياء قالوا : الله أعظم وأكبر وأنزه من أن يذكر الحمار والكلب والذباب والعنكبوت ! فهذا الكلام الذي فيه هذه الحقيرات ليس من كلام الله ؛ لأن الله أعظم من هذا. فبين الله انه يضرب الأمثال ويبين العلوم العظيمة الجليلة في ضرب المثال في أمور حقيرة ؛ ولذا قال :[ إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ] فترى الذباب من أحقر الأشياء ولكن المثل المضروب فيه من أعظم العلوم ؛ يبين للناس أن المعبودات من دون الله بالغة من التفاهة وعدم الفائدة ما يجعلها لا تقدر على خلق الذباب، ولو تسلط الذباب عليها فانتزع منها شيئا ما قدرت على أن تنتصف منه. وهذا من التحقير والتصغير للمعبود من دون الله يقتضي علما عظيما له قدره ومكانته، وهو إفراد الله بالعبادة ؛ لأنه يبين أن بيت العنكبوت الذي تنسجه من خيوط ريقها لا يغني شيئا عن احد، فكذلك المعبودات من دون الله. فالشيء في نفسه حقير والعلم المبين في ضرب المثل فيه علم عظيم كريم له مكانته وقدره ؛ ولذا قال تعالى :[ إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما ].
وبهذه الآيات وهذه الأمثال التي ذكرنا يجب على المسلم أن يخاف من سخط الله وان يكون قلبه كالأرض السبخة التي لا تنتفع بمواعظ القرآن ولا بزواجره، ويسأل الله أن يجعل أرض قلبه طيبة قابلة لمواعظ القرآن وزواجره وأوامره ونواهيه ؛ فإن من كانت أرض قلبه طيبة انتفع بمواعظ هذا القرآن، ونفعته أوامره فامتثلها، وزواجره فاجتنبها، وأمثاله فاعتبر بها، وقصصه فاعتبر بها. فعلينا جميعا ان نسأل الله أن لا يجعل قلوبنا كالأرض السبخة التي لا تنتفع بما ينزل عليها من أمطار الوحي، وان يجعل أرض قلوبنا كالأرض الطيبة القابلة للإثمار وإنبات العشب والكلأ الكثير والتأثر بآيات الله ( جل وعلا ) لتثمر الخير كله من الإيمان بالله وطاعته وامتثال أمره واجتناب نهيه. وهذا معنى قوله :[ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ]( الأعراف : آية ٥٨ ).
[ كذلك ] التصريف. التصريف : قلب الشيء من حال إلى حال. والله يبين لنا المواعظ موعظة بعد موعظة، والآيات آية

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير