ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣ

مع أن طبعه الهبوط لِبَلَدٍ مَيِّتٍ أي: لأجله ولمنفعته، أو لإحيائه أو لسقيه.
و (ميت) قرئ مشددا ومخففا فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ أي الضمير. والضمير في (به) للبلد فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي المختلفة الأنواع، مع أن ماءها واحد.
والمراد (بكل الثمرات) المعتادة في كل بلد تخرج به على الوجه الذي أجرى الله العادة بها ودبرها. والضمير في (به) للماء أو للبلد. كَذلِكَ أي مثل ذلك الإخراج نُخْرِجُ الْمَوْتى أي نحييها بعد صيرورتها رميما يوم القيامة، ينزل الله سبحانه وتعالى ماء من السماء، فتمطر الأرض أربعين يوما، فتنبت منه الأجساد في قبورها، كما ينبت الحب في الأرض لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي إنما وصفنا ما وصفنا من هذا التمثيل لكي تتذكروا، من أحوال الثمرات التي أعيدت إلى حالها بعد تلفها، أحوال الآخرة، فتعلموا أن من قدر على ذلك، قدر على هذا بلا ريب.
تنبيه:
من أحكام الآية كما قال الجشمي: أنها تدل على عظم نعمه تعالى علينا بالمطر، وتدل على الحجاج في إحياء الموتى بإحياء الأرض بالنبات، وتدل على أنه أراد من الجميع التذكر. وتدل على أنه أجرى العادة بإخراج النبات بالماء. وإلا فهو قادر على إخراجه من غير ماء. فأجرى العادة على وجوه دبرها عليها على ما نشاهده، لضرب من المصلحة دينا ودنيا.
ومنها إذا رأى الأرض الطيبة تزرع دون الأرض السبخة، وأنها قطع متجاورات، علم فساد التقليد، وأنه يجب أن يتفحص عن الحق حتى يعتقده. ومنها أنه إذا زرع وعلم وجوب حفظه من المبطلات، علم وجوب حفظ الأعمال الصالحة من المحيطات.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ٥٨]
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ أي: الأرض الكريمة التربة يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ أي يخرج نباته وافيا حسنا غزير النفع بمشيئته وتيسيره وَالَّذِي خَبُثَ أي كالحرّة، وهي الأرض ذات الحجارة السود. وكالسبخة (بكسر الباء) وهي الأرض ذات الملح لا يَخْرُجُ أي: نباته إِلَّا نَكِداً أي: قليلا، عديم النفع. يقال: عطاء نكد، أي قليل

صفحة رقم 107

لا خير فيه، وكذا رجل نكد. قال:

فأعط ما أعطيته طيّبا لا خير في المنكود والنّاكد
وقال:
لا تنجز الوعد إن وعدت. وإن أعطيت، أعطيت تافها نكدا
تنبيه:
قال ابن عباس في الآية: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر.
وقال قتادة: المؤمن سمع كتاب الله فوعاه بعقله، وانتفع به. كالأرض الطيبة أصابها الغيث، فأنبتت، والكافر بخلاف ذلك. وهذا كما
في الصحيحين «١» عن أبي موسى قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضا، فكانت منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به».
لطيفة:
قال أبو البقاء: يقرأ يَخْرُجُ نَباتُهُ بفتح الياء وضم الراء ورفع النبات. ويقرأ كذلك إلا أنه بضم الياء، على ما لم يسم فاعله. ويقرأ بضم الياء وكسر الراء ونصب النبات أي: فيخرج الله أو الماء. ثم قال: ويقرأ نَكِداً بفتح النون وكسر الكاف، وهو حال، ويقرأ بفتحهما على أنه مصدر أي: ذا نكد. ويقرأ بفتح النون وسكون الكاف وهو مصدر أيضا، وهو لغة ويقرأ يخرج بضم الياء وكسر الراء، ونكدا مفعوله.
كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي: نبين وجوه الحجج ونرددها ونكررها لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ يعني كما ضربنا هذا المثل، كذلك نبين الآيات الدالة على التوحيد والإيمان آية بعد آية، وحجة بعد حجة، لقوم يشكرون الله تعالى على إنعامه عليهم بالهداية، وأن جنّبهم سبيل الضلالة. وإنما خص الشاكرين بالذكر لأنهم هم الذينا انتفعوا بسماع القرآن.
(١) أخرجه البخاري في: العلم، ٢٠- باب فضل من علم وعلّم، حديث ٦٨.
وأخرجه مسلم في: الفضائل، حديث ١٥.

صفحة رقم 108

محاسن التأويل

عرض الكتاب
المؤلف

محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي

تحقيق

محمد باسل عيون السود

الناشر دار الكتب العلميه - بيروت
سنة النشر 1418
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية