ثم أعاد الكلام فقال :[ فكذبوه ] لأنه ذكر أولا أنهم كذبوه تكذيبا شنيعا حيث قالوا له ؟ :[ إنا لنراك في ضلال مبين ]( الأعراف : آية ٦٠ ) فلما أعاد عليهم الكلام، وبين لهم أن بعثه إليهم لا يستعجب منه، وانه لصلاحهم ليخوفهم من معاصي الله، وليتقوا الله فيرحمهم الله، عادوا إلى التكذيب. وقال الله هنا :[ فكذبوه ] عادوا إلى تكذيبهم الأول. والظاهر أنه قال :[ فكذبوه ] ولم يذكر شناعة قولهم لأنهم تمادوا على مثل قولهم الأول من التكذيب [ إنا لنراك في ضلال مبين ]. [ فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك ] يعني لما كذبوه- في الكلام اختصار- صبر على أذاهم، ومكث تسعمائة وخمسين سنة وهو يدعوهم إلى الإسلام صابرا على ما يلقى منهم من الأذى، حتى إن ربه تعالى قنطه منهم وبين له انه لا يؤمن منهم احد أبدا كما قال :[ وأوحى إلى نوح انه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ]( هود : آية ٣٦ ) فتيقن نوح أنه لم يبق يرجى منهم خير، وإنما فيهم الشر، وتعذيب نوح وإهانته بما ينال منهم من السوء، وأنهم كلهم شر لا يرجى منهم خير أبدا، ولا من نسلهم بعد أن مكث فيهم هذا الزمن الطويل الذي بينه الله في العنكبوت في قوله :[ فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ]( العنكبوت : آية ١٤ ) لما اعلمه الله أنهم لا يرجى لهم صلاح، ولا يرجى لهم خير، وانه لا يؤمن منهم ولا من ذرياتهم احد، لما حصل هذا اليأس عند ذلك دعا عليهم في قوله :[ رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديار ] ( نوح : آية ٢٦ ) ديارا : أي : داخل دار، أو عامر بيت، فأهلكهم كلهم. ثم قال :[ إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا( ٢٧ ) ]( نوح : آية ٢٧ ) وإنما قال نوح :[ ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ] لأن ربه أخبره بأنهم لا يؤمن منهم احد في قوله في سورة هود :[ أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ]( هود : آية ٣٦ ) فلما دعا عليهم نوح وبين الله دعاءه عليهم في آيات كثيرة :[ فدعا ربه أني مغلوب فانتصر( ١٠ ) ]( القمر : آية ١٠ ) [ فنجيناه وأهله من الكرب العظيم( ٧٦ ) ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء ]( الأنبياء : الآيتان٧٧، ٧٦ ).
لما مكث فيهم هذا الزمن الطويل وهم يكذبونه ويؤذونه، وكانت امرأته خبيثة تدلهم على من أسلم من القليلين الذين اسلموا معه فيعذبوهم ويهينونهم اهلكها الله معهم، وصارت مع الكافرين، ودخلت النار والعياذ بالله، وضربها الله مثلا مع امرأة لوط لمن يكون في صحبة أفاضل الناس وخيار الأنبياء ولا يكون في نفسه طيبا فلا ينتفع بتلك الصحبة الكريمة لخبث نفسه، قال :[ ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين( ١٠ ) ]( التحريم : آية ١٠ ) ومعنى ( خانتاهما ) أي : بالكفر وإطلاع الكفار على أسرارهما، وليس المراد أنهما خانتا خيانة زنى كما توهمه بعض الناس، وان امرأة نوح خانته فزنت ! واستدلوا بأن الله لما قال نوح :[ رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت احكم الحاكمين ] قال :[ قال يا نوح إنه ليس من اهلك ]( هود : الآيتان٤٦، ٤٥ ) فهذا غلط، بل غلط عظيم فاحش. والمحققون من أهل العلم أن الله أكرم مناصب الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وطهر فرشهم فلم تزن امرأة نبي قط، والولد الكافر الذي أغرق هو ابن نوح لاشك فيه ؛ لأن الله- وهو أصدق من يقول- صرح بأنه ابنه حيث قال :[ ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ]( هود : آية ٤٢ ) وقول الله له :[ إنه ليس من اهلك ] يعني بحذف الصفة، ومن اهلك الموعود بنجاتهم وإركابهم في السفينة في قوله :[ إنا منجوك واهلك ]( العنكبوت : آية ٣٣ ) لأنه فارق دينكم وكان كافرا. فلما تطاول الزمن على نوح وهو يدعوهم، ولا يزيدهم دعاؤه إلا فرارا وبعدا عن الحق ؛ دعا عليهم فأجاب الله دعوته، فأرسل السماء مدرارا، وفجر عيون الأرض، فالتقى الماء من أعلى وأسفل، حتى صار طوفان غطى على الجبال. والدليل على انه غمر الجبال : أن نوحا لما قال لولده :[ يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ]وقال الولد :[ سئاوي إلى جبل يعصمني من الماء ] أجابه نوح فقال :[ لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ]( هود : الآيتان٤٣، ٤٢ ) فدل على أنه ليس هناك معتصم في الجبال ؛ ولذا قال تعالى :[ فدعا ربه أني مغلوب فانتصر( ١٠ ) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر( ١١ ) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر( ١٢ ) ]( القمر : الآيات١٠-١٢ ) فصار طوفانا جارفا اهلك جميع من على وجه الأرض، من كل ما هو حي إلا من كان في تلك السفينة، كما قال تعالى :[ فأنجيناه وأصحاب السفينة ]( العنكبوت : آية ١٥ ) وأمر الله نبيه نوحا بأن يجعل تلك السفينة- ويجعلها بالنجارة- وكان ينجرها والأرض يبس، وهم يضحكون منه ويسخرون ويقولون : كنت نبيا فصرت نجارا ! وهو يقول لهم :[ إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون( ٣٨ ) فسوف تعلمون ]( هود : الايتان٣٩، ٣٨ ) فلما قرب الوعد المحدد لإهلاكهم قيل لنوح : اركب في السفينة واحمل فيها أهلك ومن آمن معك، ثم قال :[ وما آمن معه إلا قليل ]( هود : آية ٤٠ ) وأمر أن يأخذ من كل شيء من جميع الحيوانات زوجين. أي : ذكرا وأنثى ؛ لأن جميع من على وجه الأرض سيهلكه الطوفان، ولن يبقى إلا من في تلك السفينة، فيكون كل جنس من أنواع الحيوانات موجود معه منه ذكر وأنثى ليتناسل ذلك الذكر بتلك الأنثى وينشأ منهما ذلك النوع من أنواع الحيوانات كما يأتي في قوله :[ قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ]( هود : آية ٤٠ ) وفي القراءة الأخرى :[ من كل زوجين اثنين ] أي : ذكرا وأنثى ليقع منهما التناسل وينتشر منهما ذلك النوع ؛ لأن من على وجه الأرض سيهلكه ذلك الطوفان. وذلك يبين أن ذنوب بني آدم قد يهلك الله بها الجميع حتى الحيوانات. قال بعض العلماء : قد تهلك الحبارى في وكرها، والجعل في حجره بذنوب بني آدم، وقد يهلك الله بني آدم بذنوب بعضهم. فإذا انتشر الفساد في الأرض وكان الناس قادرين على ان يكفوه فلم يكفوه نزل البلاء فعم الصالح والطالح، كما جاء في الأحاديث الكثيرة وفي قوله تعالى :[ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ]( الأنفال : آية ٢٥ ) ومن اوضح ذلك حديث النعمان بن بشير الثابت في الصحيح- المشهور- الذي ضرب فيه النبي صلى الله عليه وسلم مثلا للناس إن اخذت على أيدي السفهاء، ومنعتهم من معاصي الله، وامرت بالمعروف، ونهت عن المنكر، وإن لم تفعل ذلك، فضرب لهم مثلا بقوم استهموا على سفينة، فكان بعضهم في أسفل السفينة، وكانوا إذا أرادوا أن يشربوا من الماء صعدوا فمروا على من فوقهم، فقالوا : لا ينبغي لنا أن نصعد ونمر على من فوقنا بل تخرق السفينة مما يلينا، ونشرب مما يلينا فلا نصعد حتى نمر على من بأعلاها. فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنهم إن تركوهم وما أرادوا وخرقوا السفينة دخل الماء فيها فامتلأت فغرق الجميع، وإن زجروهم وكفوا أيديهم نجوا ونجا الجميع. نقلنا الحديث بالمعنى، وهو حديث صحيح، ثابت في الصحيح، مشهور، وهو واضح في أن السفهاء إن لم يؤمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ويضرب على أيديهم أنهم يهلكون الجميع، فيهلك الجميع بذنوبهم. وفي الحديث الصحيح المشهور من حديث أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش ( رضي الله عنها ) : أنها لما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج هكذا ". وعقد التسعين مثل هذا. أنها ( رضي الله عنها ) لما سألته فقالت : أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال :" نعم إذا كثر الخبث " فإذا انتشرت المعاصي وكثر الخبث ولم يضرب على أيدي السفهاء أوشك الله أن يعمهم بعذاب من عنده ؛ ولذا عم جميع من في الأرض بذنوب من كذبوا نوحا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
ولما دعا عليهم نوح قيل لنوح :[ حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين واهلك إلا من سبق عليه القول ]( هود : آية ٤٠ ) الذي سبق عليه القول من أهله : زوجته الكافرة-قبحها الله- وابنه الكافر- والمؤرخون يزعمون أن اسمه كنعان- فلما ركب نوح في السفينة، وفجر الله عيون الأرض، وانزل الماء من السماء فالتقى الماء على أمر قد قدر، أهلكهم الله بذلك الطوفان، ولم يبق منهم باقية. وفي قصتهم : أن الله ( تبارك وتعالى ) لو كان يرحم أحدا منهم لرحم امرأة منهم في القصة ؛ لأن عندها ولدا صغيرا تحبه حبا شديدا، كانت كلما طلع الماء ارتفعت بالولد إلى الجبل، حتى صارت على رأس الجبل، فطم الماء على الجبل، فكان الماء كلما بلغ شيئا منها رفعت الولد، حتى بلغ حلقومها، رفعت يدها بالولد حتى أغرق الله الجميع، ودمر الله الجميع. واعتذر نبي الله نوح عن دعائه عليهم- مع أن الله أعلمه أنهم خبثاء ليس فيهم خير- قال يقول لربه :[ قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا( ٥ ) فلم يزدهم دعائي إلا فرارا( ٦ ) وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في أذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا( ٧ ) ثم إني دعوتهم جهارا( ٨ ) ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا( ٩ ) فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفورا( ١٠ ) ]إلى آخر ما ذكر. ( نوح : الآيات٥-١٠ ) فالقصة اختصرت هنا في سورة الأعراف وبسطها الله في سور أخرى متعددة ؛ ولذا قال :[ فكذبوه فأنجيناه ]( الأعراف : آية ٦٤ ) أي : انجيناه هو والذين معه في الفلك، وهم قليل ؛ لأن الله قال :[ وما آمن معه إلا قليل ]( هود : آية ٤٠ ). وبعض المؤرخين يقولون : هم أربعون رجلا وأربعون امرأة، هم ثمانون نفسا. وبعضهم يقول : هم تسعة أنفس. والله تعالى أعلم. ولكن الله بين أنهم قليل حيث قال :[ وما آمن معه إلا قليل ] وقال :[ إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ]( هود : آية ٣٦ ) فصارت تلك السفينة تجري بهم تتلاطم عليها الأمواج كما قال تعالى :[ وهي تجري بهم في موج كالجبال ]( هود : آية ٤٢ ) الأمواج كأنها الجبال، وهذا يدل على عظم الطوفان وارتفاعه فوق الأرض حيث شبه أمواجه بالجبال كما قال :[ وهي تجري بهم في موج كالجبال ] فأهلكهم الله ودمرهم، واستوت السفينة على الجودي ثم لما قضى الله أمره[ وقيل يا ارض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين ]( هود : آية ٤٤ ) فلما أرسل الله الرياح ونشفت الأرض، ويبست من آثار ذلك الطوفان نزل نوح ومن معه، وتناسل من معه، وصار جميع الدنيا من أولاده الثلاثة الذين كانوا معه، كما قال تعالى :[ وجعلنا ذريته هم الباقين( ٧٧ ) ]( الصافات : آية ٧٧ ).
والمؤرخون يسمون نوحا : آدم الأصغر ؛ لأن جميع من بعده من الدنيا من نسله. وأولاده الذين معه : سام، وحام، ويافث. وبعض المؤرخين يقولون : إن جميع الموجودين في الدنيا راجع إلى تلك الأصناف التي هي من نسل هؤلاء الرجال، ويزعمون أن ساما من نسله : العرب، والروم، والفرس، وان حاما من نسله : القبط، والسوادين، والبربر، وان يافث من نسله : الصقالبة، ويأجوج وماجوج، والترك. وان جميع أنواع الناس يرجع في الأصل إلى هذه العناصر، هكذا يقولون، والله تعالى أعلم. ولذا قال تعالى :[ فأنجيناه والذين معه في الفلك ]( الأعراف : لآية ٦٤ ).
الفلك : السفينة. وهذه السفينة تمشي في البحر تحمل الناس، آية من آيات الله، كما قا
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير