جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ثلث كيف تكلم أجسادا لا روح فيها ؟ فقال :( ما أنتم بأسمع لما أقول منهم إنهم الآن يسمعون ما أقول لهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علينا شيئا وقيل : خاطبهم ليكون عبرة لمن خلفهم، وقيل : في الآية تقديم وتأخير تقديرها فتولى عنهم فقال : يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي الآية فأخذتهم الرجفة وكانت قصة ثمود على ما ذكره محمد بن إسحاق : ووهب وغيرهما كذا أخرج ابن جرير والحاكم من طريق حجاج عن أبي بكر بن عبد الله عن شهر بن حوشب عن عمرو بن خارجة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن عادا لما أهلكت عمرت ثمود بلادهم وخلفوهم وكثروا وعمروا حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر فينهدم والرجل حي فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتا وكانوا في سعة من معاشهم فعتوا وأفسدوا في الأرض وعبدوا غير الله فبعث الله إليهم صالحا وكانوا قوما عربا وكان صالح من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا وموضعا فبعثه الله إليهم غلاما شابا فدعاهم إلى الله عز وجل حتى شمط لا يتبعه منهم إلا قليلون مستضعفون، فلما ألح عليهم صالح بالدعاء والتبليغ وأكثر لهم التحذير والتخويف سألوه أن يريهم آية تكون مصداقا لما تقول فقال لهم أي آية تريدون ؟ قالوا تخرج معنا غدا إلى عيدنا وكان لهم عيد يخرجون فيه بأصنامهم في يوم معلوم من السنة فتدعو إلهك وندعو آلهتنا فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا تتبعنا فقال لهم صالح نعم، فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم وخرج صالح معهم فدعوا أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء مما يدعو به قال : جندع بن عمرو بن جواس وهو يومئذ سيد ثمود يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة لصخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاثبة ناقة مخترجة جوفاء وبراء عشراء – والمخترجة ما شاكلت البخت من الإبل – فإن فعلت صدقناك وآمنا بك فأخذ عليهم صالح مواثيقهم لئن فعلت لتصدقنني ولتؤمنن بي قالوا نعم فصلى صالح ركعتين دعا ربه، فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها ثم تحركت الهضبة فإنصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله تعالى وهم ينظرون ثم نتجت ولدا مثلها في العظم فآمن به جندع بن عمرو ورهط من قومه وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا ويصدقوه فنهاهم دؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن ميمر وكان كاهنهم وكانوا من أشراف ثمود، فلما خرجت الناقة قال : لهم صالح هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم فمكثت الناقة مع ولدها في أرض ثمود ترعى الشجرة وتشرب الماء وكانت ترد الماء غبا، فإذا كان يومها وضعت لناقة رأسها في بئر في حجر يقال لها بير الناقة فلا ترفع رأسها حتى تشرب كل ماء فيها فلا تدع قطرة ثم تتفجج فيحلبون ما شاءوا من لبن فيشربون ويدخرون حتى تملأ أوانيهم كلها ثم تصدر من غير الفج الذي وردت منه لا تقدر أن تصدر من حيث ترد تضيق عنها، حتى إذا كان الغد كان يومهم فيشربون ما شاءوا من الماء ويدخرون ما شاءوا اليوم الناقة فهم من ذلك، وكانت الناقة تصيف إذا كانت الحر بظهر الوادي فتهرب منها المواشي أغنامهم وبقورهم وإبلهم فتهبط إلى بطن الوادي في البرد والجدب فأضر ذلك بمواشيهم للبلاء والاختبار فكبر ذلك عليهم فعتوا عن أمر ربهم وحملهم ذلك على عقر الناقة فأجمعوا على عقرها وكانت امرأتان من ثمود إحداهما يقال لها عنيزة بنت غنم بن مجلذ تكني أم غنم وكانت امرأة ذؤاب بن عمرو وكانت عجوزة مسنة وكانت ذات بنات حسان وذات مال من إبل وبقر وغنم، وامرأة أخرى يقال لها صدوق بنت المختار وكانت جميلة ذات مواش كثيرة وكانتا أشد الناس عداوة لصالح عليه السلام وكانتا تحبان عقر الناقة لما أضرتهما من مواشيهما فحملتا في عقر الناقة، فدعت صدوف رجلا من ثمود يقال له الحباب قالت له إعقر الناقة وعرضت عليه نفسها إن هو فعل فأبى عليها فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهجر بن المختار وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة وكانت من أحسن الناس وأكثرهم مالا، فأجابها إلى ذلك، ودعت عنيزة بنت غنم قذار بن سالف وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا يزعمون انه كان لزنية وأنه لم يكن لسالف لكنه ولد على فراشه، فقالت أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة وكان قذار عزيزا منيعا في قومه قال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تفسر قوله تعالى : إذ انبعث أشقاها انبعث رجل عزيز عازم منيع في قومه مثل أبي زمعة ( ٢ ) رواه البخاري من حديث عبد الله بن زمعة فانطلق قذار بن سالف ومصدع ابن مهرج فاستتبعوا بأعوان ثمود فأتبعهم سبعة نفر وكانوا تسعة رهط فانطلق قذار ومصدع وأصحابهما فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء وقد كمن لها قذار في أصل صخرة على طريقها وكمن لها مصدع في طريق خر فمرت على مصدع فرمى بسهم فانتظم به عضلة ساقها، وخرجت أم غنم عنيزة وأمرت ابنتها، وكانت من أحسن الناس فأسفرت لقذار ثم زمرته فشد على الناقة بالسيف فكشف عرقوبها فخرت ورغت واحدة تحذر ولدها ثم طعن في لبتها فنحرها، وخرج أهل البلدة واقتسموا لحمها وطبخوه فلما رأى ولدها ذلك انطلق حتى أتى جبلا منيعا يقال له صور وقيل : اسمه فأزه فأتى صالح، وقيل : له أدرك الناقة عقرت فأقبل وخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه يا نبي الله إنما عقرها فلان ولا ذنب لنا، فقال صالح انظروا هل تدركون فصيلها فإن أدركتموه فعسى أن يرفع عنكم العذاب فخرجوا يطلبونه فلما رأوا على الجبل ذهبوا ليأخذوه فأوحى الله تعالى الجبل فتطاول في السماء حتى ما يناله الطير، وجاء صالح فلما بكى حتى سالت دعومه ثم رغى ثلاثا وانفجرت الصخرة فدخلتها، فقال صالح لكل رغوة أجل يوم تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب. قال : ابن إسحاق : اتبع السقب أربعة نفر من التسعة الذين عقروا الناقة وفيهم مصدع بن مهرج وأخوه ذأب بن مهرج فرماه مصدع بسهم فانتقم قلبه ثم جره رجله فأنزلوه فألقوا لحمه مع لحم أمه، فقال لهم صالح انتهكتم حرمة الله فأبشروا بعذاب الله ونقمته، قالوا : وهم يستهزءون به ومتى ذلك يا صالح ؟ وما آية ذلك ؟ وكانوا يسمون الأيام فيهم الأحد الأول والإثنين العون والثلاثاء دبار والأربعاء حبار والخميس مؤنس والجمعة العروبة والسبت شيار، وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء، فقال لهم صالح حين قالوا ذلك تصبحون غداة يوم المؤنس ووجوهكم مصفرة ثم تصبحون يوم العروبة ووجوهكم محمرة ثم تصبحون يوم شيار ووجوهكم مسودة ثم يصبحكم العذاب يوم أول فلما قال : لهم صالح ذلك قال التسعة الذين عقروا الناقة هلم فلنقتل صالحا فإن كان صادقا عجلناه قتلا وإن كان كاذبا قد كنا ألحقناه بناقته فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله فدفعتهم الملائكة بالحجارة. فلما أبطؤا على أصحابهم أتو منزل صالح فوجدوهم قد رضخوا بالحجارة فقالوا لصالح أنت قتلتهم ثم هموا فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاح وقالوا لهم لا تقتلونه أبدا فقد وعدكم أن العذاب نازل بكم بعد ثلث فإن كان صادقا لم تزيدوا ربكم عليكم إلا غضبا وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون فانفرقوا عنهم ليلتهم، فأصبحوا يوم الخميس ووجوههم مصفرة كأنما طليت بالخلوف صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم وأيقنوا بالعذاب وعرفوا أن قد صدقهم فطلبوا ليقتلوه وخرج صالح هاربا منهم حتى جاء إلى بطن من ثمود يقال لهم بنو غنم فنزل على سيدهم رجل منهم يقال له نفيل ويكنى بأبي هدب وهو مشرك فغيبه ولم يقدروا عليه فغدوا على أصحاب صالح يعذبونهم ليدلوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح يقال له ميدع بن هرم يا نبي الله إنهم ليعذبوننا لندلهم عليك أفندلهم قال : نعم قل عندي صالح وليس لكم عليه سبيل فأعرضوا عنه وتركوه وشغله عنه ما أنزل الله بهم من عذابه فجعل بعضهم يخبر بعضا بما يرون في وجوههم، فلما أمسوا صاموا بأجمعهم ألا وقد مضى من الأجل يوم فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة كأنما خصبت بالدماء فصاحوا وبكوا إنه العذاب فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا وقد مضى يومان من الأجل وحضركم العذاب فلما أصبحوا اليوم الثالث إذا وجوههم مسودة كأنما طيلت بالقار فصاحوا جميعا ألا وقد حضركم العذاب، فلما كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومن أسلم معه إلى الشام فنزل رملة فلسطين فلما أصبح القوم تكفنوا وتحنطوا وألقوا أنفسهم إلى الأرض يقلبون أبصارهم إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة لا يدرون من أين يأتيهم العذاب، فلما اشتد الضحى من يوم الأحد أخذتهم الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين وأتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء في الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا هلك إلا جارية مقعدة يقال لها ذريقة بنت سلف، وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح عليه السلام فأطلق الله رجليها بعدما عاينت العذاب فخرجت كأسرع ما يرى شيء قط حتى أتت فرخ وهو وادي القرى فأخبرتهم بما عاينته من العذاب وما أصابت ثم استسقت من الماء فسقيت فلما أشربت ماتت وذكر السدي في عقر الناقة قال : فأوحى الله تعالى إلى صالح أن قومك سيعقرون ناقتك فقال لهم ذلك فقالوا : ما كنا لنفعل فقال صالح إنه يولد في شهركم هذا غلام فسيعقرها فيكون هلاككم على يديه فقالوا : لا يولد لنا ولد في هذا الشهر إلا قتلناه، فولد عشرة قتلوا منها تسعة وبقي واحد أزرق أحمر فنبت نباتا سريعا، فكان إذا مر بآباء التسعة وأروه قالوا لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا، فغضب التسعة على صالح لأنه كان سبب قتل أبنائهم فتقاسموا بالله لنبيتنه وأهله، قالوا نخرج فيرى الناس أنا قد خرجنا إلى سفر فنأتي الغار فنكون فيه حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى مسجده أتيناه فقتلناه ثم رجعنا إلى الغار وكنا فيه ثم انصرفنا إلى رحالنا فقلنا ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون فيصدقوننا ويظنون أنا قد خرجنا إلى سفر، وكان صالح لا ينام معهم في القرية كان يبيت في مسجد يقال له مسجد صالح فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكرهم فإذا أمسى خرج إلى المسجد فبات فيه فانطلقوا فدخلوا الغار فسقط عليهم فقتلهم قال : الله تعالى ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون( ٥٠ ) فانطلق ممن قد اطلع على ذلك منهم فإذا هم رضخ فرجعوا يصيحون في القرية أي عباد الله أما رضي صالح أن أمرهم بقتل أولادهم حتى قتلهم فاجتمع أهل القرية على قتل الناقة. قال : ابن إسحاق إنما تقاسم التسعة على تبيت صالح بعد عقرهم الناقة كما ذكرنا، قال : السدي وغيره فلما ولد ابن العاشر يعني قذار شب في اليوم شباب غيره في الجمعة وشب في الشهر شباب غيره في السنة فلما كبر جلس مع الناس يصيبون من الشراب فأرادوا ماء يمزجون به شرابهم، وكان ذلك اليوم شرب الناقة فوجدوا الماء قد شربته الناقة فاشتد ذلك عليهم وقالوا ما نفعل وقالوا ما نفعل باللبن لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه الناقة فنسقيه أنعامنا وحروثنا كان خيرا لنا فقال ابن العاشر هل لكم في أن أعقرها لكم قالوا نعم فعقرها. روى البخاري في الصحيح من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها ولا يسقوا منها فقالوا : قد عجنا واستقينا فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء ) قال : البغوي : وقال : نافع عن ابن عمر فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يهريقوا ما