ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓ

ورجلاه، ثم يوضع بالأرض، ثم يرمي بالنبل حتى يموت، يقال: جثمت الطائر، أي: شددت رجليه وجناحيه.
يقال: جثم يجثم جثمًا: إذا فعل ما ذكرنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ... (٧٩)
أي: أعرض عنهم، وخرج من بينهم حين علم أن العذاب ينزل بهم.
وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، والنصيحة ما ذكرنا أن كل من دلّ آخر على ما به نجاته وسعى على دفع البلاء والهلاك عنه، فهو ناصح له، فعلى ذلك صالح وغيره من الرسل قد دلوا قومهم على ما به نجاتهم، وسعوا على دفع الهلاك عنهم، لكنهم لم يقبلوا النصيحة منهم.
* * *
قوله تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ).
ذكر في غيره من الأنبياء دعاءهم قومهم إلى عبادة اللَّه ووحدانيته، على ما قال نوح: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)، وكذلك قال هود، وصالح، وشعيب، وغيرهم من الأنبياء، ولم يذكر في لوط ذلك هاهنا، ولا يحتمل أن لم يكن منه الدعاء إلى ما كان من غيره من الأنبياء إلى توحيد اللَّه وعبادته قبل النهي عن

صفحة رقم 485

الفواحش، والتعيير عليها، وهو ما ذكر في آية أخرى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣). لأنه كان من الأنبياء - صلوات اللَّه وسلامه عليهم - دعاء قومهم إلى عبادة اللَّه، ووحدانيته أولًا، ثم النهي عما ارتكبوا من الفواحش والمعاصي، والتعيير عليها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) قوله: (مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) يحتمل أن يكون منهم ما كان من سائر الأقوام تقليد الآباء في العبادة لغير اللَّه؛ كقولهم: (أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) وقولهم: (وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ)، و (مُقْتَدُونَ)، وقوله: (بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)، ونحو ما قالوا؛ فعلى ذلك من قوم لوط للوط لما دعاهم إلى عبادة اللَّه، ووحدانيته، فأجابوه بما أجاب الأقوام لأنبيائهم من التقليد لآبائهم؛ فقال: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ)، أي: تعملون أنتم أعمالًا لم يعملها آباؤكم، ولا تقلدون آباءكم في تركها من نحو ما ذكر من إتيان الفاحشة، فقال: (مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) يعيرهم، ويسفه أحلامهم في إتيان ما يأتون من الفاحشة التي لم يسبقهم أحد من العالمين، على علم منهم أن ذلك فاحشة.
ألا ترى أنهم قالوا: (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) دل هذا القول على أن ما يأتون من الفواحش يأتون على علم منهم أنها فواحش؛ حيث قالوا: (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ).
ثم قوله: (الْفَاحِشَةَ) لما في العقل والشرع؛ لأن ما حرم من المحرمات على الخلق، وأحل المحللات محنة منه لهم على ذلك، ثم جعل فيما أحل لهم من الأطعمة

صفحة رقم 486

والأشربة والاستمتاع بالنساء والجواري دوامًا لهذا العالم؛ لأنهم لو تركوا التناول من ذلك لهلكوا، فإذا هلكوا انقطع هذا العالم لما ينقطع نسلهم، ثم ركب فيهم الشهوات

صفحة رقم 487

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية