قوله :" أإنَّكُمْ " قرأ نافعٌ١ وحفصٌ عن عاصم :" إنكم " على الخبر المستأنف، وهو بيان تلك الفاحشة، وقرأ الباقون بالاستفهام المقتضي للتّوبيخ، فقرأ ابنُ كثير بهمزة غير ممدودة وتليين الثَّانية، وقرأ أبُوا عمرو بهمزة ممدودة للتّخفيف وتليين الثانية، والباقون بهمزتين على الأصل.
قال الواحديُّ٢ :" كان هذا استفهاماً معناه الإنكار لقوله تعالى :" أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ "، وكلُّ واحد من الاستفهامين جملة مستقلة غير محتاجة في تمامها إلى شيء آخر ".
قوله : لَتَأْتُونَ الرجال شَهْوَةً قيل : نصب " شَهْوَةٍ " على أنه مفعول من أجله، أي : لأجل الاشتِهَاءِ لا حامل لكم عليه إلاَّ مجرّد الشَّهوة لا غير.
وقيل : إنَّها مصدر واقعٌ موقع الحال، أي : مشتهين أو باق على مصدريَّته، ناصبة " أتَأتُونَ " ؛ لأنَّهُ بمعنى أتشتهون.
ويقال : شَهِيَ يَشْهَى شَهْوَةً، [ وشَهَا يَشْهُو شَهْوَةٍ ]٣ قال الشَّاعر :[ الطويل ]
وَأشْعَثَ يَشْهَى النَّوْمَ قُلْتُ لَهُ : ارْتَحِلْ *** إذَا مَا النُّجُومُ أعْرَضَتْ واسْبَكَرَّتِ٤
وقد تقدَّم ذلك في آل عمران٥.
قوله : مِّن دُونِ النساء فيه ثلاثةُ أوْجُهٍ :
أحدها : أنَّهُ متعلق بمحذوف، لأنَّهُ حال من " الرِّجالِ " أي : أتأتونهم منفردين عن النِّساء.
والثاني : أنَّهُ متعلِّق ب " شَهْوَة "، قاله الحوفيُّ. وليس بظاهر أن تقول :" اشتهيتُ من كذا "، إلاَّ بمعنى غير لائق هنا.
والثالث : أن يكُون صفة ل " شهوة " أي : شهوة كَائِنَة من دونهن.
قوله : بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ " بل " للإضراب، والمشهور أنهُ إضراب انتقالٍ من قصّة إلى قصّة، فقيل : عن مذكور، وهو الإخبار بتجاوزهم عن الحدِّ في هذه الفاحشة، أو عن توبيخهم وتقريرهم، والإنكار عليهم.
وقيل : بل للإضراب عن شيء مَحْذُوفٍ. واختلف فيه :
فقال أبُو البقاء٦ :" تقديرُهُ : ما عَدَلْتُم بل أنتم ".
وقال الكَرْمَانيُّ :" بل " ردٌّ لجواب زعموا أن يكون لهم عذراً أي :" لا عذر لكم بل ".
وجاء هان بصفة القوم اسم الفاعل وهو " مُسْرِفُونَ " ؛ لأنَّهُ أدلُّ على الثُّبوت ولموافقة رءوس الآي ؛ فإنَّهَا أسماء.
وجاء في النمل [ ٥٥ ] تَجْهَلُونَ دلالة على أنَّ جهلهم يتجدد كل وقت ولموافقة رءوس الآي فإنها أفعال.
فصل في الإسراف
معنى " مُسْرِفُونَ " أي : يتجاوزون الحلال إلى الحَرَامِ.
قال الحسنُ :" كانوا لا ينكحون إلا الغرباء " ٧.
وقال الكلبيُّ :" إنَّ أوَّل من عملَ عملَ قوم لوط إبليس ؛ لأنَّ بلادهم أخُصَبَتْ فانتجعها٨ أهلُ البلدان، فتمثل لهم إبليس في صورة شابّ، ثم دعى إلى دُبرِهِ فنكح في دبره، فأمر الله - تعالى - السَّماءَ أن تحصبهم، والأرض أن تخسف بهم٩.
٢ ينظر: تفسير الرازي ١٤/١٣٧..
٣ سقط من أ..
٤ البيت للحطيئة ينظر: ديوانه ١١٨، الطبري ١٢/٥٤٨، الدر المصون ٣/٢٩٨..
٥ ينظر تفسير الآية ١٤ من سورة آل عمران..
٦ ينظر: الإملاء ١/٢٧٩..
٧ ذكره القرطبي في تفسيره ٧/١٥٦ عن الحسن..
٨ النجعة: عند العرب: المذهب في طلب الكلإ في موضعه. ينظر اللسان (نجع)..
٩ ذكره القرطبي في تفسيره ٧/١٥٦..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود