ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮ

وقوله :[ من العالمين ] تبعيضية، أي : ما سبقكم أحد من بعض جميع العالمين إلى هذه الفاحشة المنكرة والخصلة القبيحة الخسيسة-قبحها الله جل وعلا- ولذا بينها فقال :[ إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ]( الأعراف : آية ٨١ ).
قرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا حفصا عن عاصم ونافعا :[ أئنكم لتأتون الرجال ] بهمزة استفهام إلا أن أبا عمرو وابن كثير سهلا الهمزة الثانية بين بين، وأبا عمرو يدخل بينهما الألف المعروفة بألف الإدخال، والباقون من القراء قرؤوها بتحقيق الهمزتين [ أئنكم ] بهمزتين ولم يدخل بين الهمزتين المحققتين ألفا من عامة القراء إلا هشام عن ابن عامر، فهشام وحده عن ابن عامر قرأ :[ ءائنكم ]بألف بين الهمزتين المحققتين، وعامة القراء غير هشام عن ابن عامر الذين حققوا الهمزتين لم يدخلوا بينهما ألفا، والذين سهلوا الهمزة الثانية- وهما : أبو عمرو وابن كثير- ابن كثير منهم لم يدخل الألف، وأبو عمرو أدخل الألف، فتحصل أن في قوله :[ إنكم لتاتون الفاحشة ]ثلاث قراءات سبعيات : قرأه نافع وحفص عن عاصم :[ إنكم لتاتون ] بهمزة واحدة على الخبر لا على الاستفهام، وقرأه أبو عمرو وابن كثثير :[ أينكم ] بتسهيل الهمزة الثانية، إلا أبا عمرو زاد ألف الإدخال، وابن كثير لم يزده. وقرأها الباقون بتحقيق الهمزتين، ولم يدخل ألفا مع تحقيق الهمزتين أحد منهم إلا هشام في روايته عن ابن عامر. هذه القراءات في الآية.
أما على قراءة :[ أئنكم لتاتون الرجال ]( الأعراف : آية ٨١ ) فهو توبيخ بعد توبيخ، وتقريع بعد تقريع ؛ لأن الاستفهام للأنكار، وهو يتضمن التوبيخ والتقريع، فهو يكرر لهم التوبيخ والتقريع المرة بعد المرة، والإنكار بعد الإنكار ؛ لأن فعلهم القبيح الشنيع يستحق ذلك التوبيخ والتقريع والإنكار.
أما على قراءة نافع وحفص عن عاصم [ إنكم لتأتون الرجال ] فبعض العلماء يقول : إنه خبر لا استفهام فيه، والأظهر أنه فيه استفهام إلا أن الاستفهام حذف لدلالة القراءة الثانية عليه ؛ لأن المقام أليق بتكرير التوبيخ والتقريع من غير ذلك، وهمزة الاستفهام إذا دل الدليل عليها جاز حذفها، وهو قياسي عند الأخفش، وسماعي عند غيره. وهو موجود بكثرة في كلام العرب مع ( أم ) ودون ( أم )، ومع ذكر الجواب، ودون ذكر الجواب، قال بعض العلماء منه في القرآن :[ إفأين مت فهم الخالدون ]( الأنبياء : آية ٣٤ ) قالوا : الأصل : أفهم الخالدون. فاكتفى بالاستفهام الأول عن الثاني، وزعم بعضهم أن منه :[ وتلك نعمة تمنها علي ]( الشعراء : آية ٢٢ ). قالوا : الأصل أو تلك نعمة تمنها علي ؟ وزعم بعضهم أن منه قوله :[ قال هذا ربي ]( النعام : آية ٧٦ ) أي : أهذا ربي ؟ باستفهام الإنكار. والدلالة على حذف الهمزة هو توحيد إبراهيم وعدم شكه في ربوبية الكوكب. وأنشد سيبويه ( رحمه الله ) في كتابه لحذف همزة الاستفهام إذا دل المقام عليها قول الشاعر :
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا *** شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر
وأنشد له سيبويه أيضا في كتابه قول الأخطل :
كذبتك عينك أو رأيت بواسط *** غلس الظلام من الرباب خيالا
فبيت الأخطل هذا، أورده سيبويه في كتابه مجوزا أن تكون همزة الاستفهام محذوفة، وان الأصل : أكذبتك عينك ؟ فحذفت همزة الاستفهام. وإن كان الشيخ الخليل بن احمد يخالف سيبويه في معنى بيت الأخطل هذا ويقول : إنه خبر، وأن المراد به ما يسميه علماء البلاغة : الرجوع، وهو من البديع المعنوي عندهم، وهو أن يأتي الإنسان بأمر ثم ينقض ذلك الأمر بعينه ليدل على أنه قاله أولا، وهو في غيبة عن رشده من شوق أو وله أو نحو ذلك، ثم يراجعه رشده، وينفي الأمر للأول الذي كان كذبا ويأتي بالحق، ويمثلون له بقول زهير :
قف بالديار التي لم يعفها القدم *** بلى وغيرها الأرواح والديم
يزعمون أن زهيرا قال :" لم يعفها القدم " لما رأى دار المحبوب خامره الشوق والحب حتى طاش عقله، فعبر بغير الواقع، ثم راجعه عقله فرجع للصواب، وان الخليل يقول : إن بيت الأخطل من هذا القبيل، وسيبويه ( رحمه الله ) يقول : إنه حذفت فيه همزة الاستفهام.
وحذف همزة الاستفهام مع ذكر الجواب، وعدم ذكر الجواب، ومع ( أم ) ودون( أم ) كثير في اللغة العربية عند من تتبعها، فمنه دون( أم ) ودون ذكر الجواب، كقول الكميت :
طربت وما شوقا إلى البيض اطرب *** ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب
يعني : أو ذو الشيب يلعب ؟ فحذف همزة الاستفهام، دون( أم ) ودون ذكر الجواب ومنه قول خويلد الهذلي :
رفوني وقالوا ياخويلد لم ترع *** فقلت-وأنكرت الوجوه-هم هم
يعني : أهم هم ؟ كما هو التحقيق. ومنه مع ذكر الجواب قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي المعروف المشهور، في شعره المشهور :
شف عنها مرقق جندي *** فهي كالشمس من خلال السحاب
أبرزوها مثل المهاة تهادى *** بين خمس كواعب أتراب
ثم قالوا تحبها قلت بهرا *** عدد النجم والحصى والتراب
فقوله :" تحبها " يعني : أتحبها ؟ على التحقيق، وهو كثير في كلام العرب. ومنه مع ( أم ) قول عمر بن أبي ربيعة هذا :
بدا لي منها معصم يوم جمرت *** وكف خضيب زينت ببنان
فوالله ما أدري وإني لحاسب *** بسبع رميت الجمر أم بثمان
يعني :" أبسبع رميت الجمر أم بثمان " ومنه بهذا المعنى قول أحيحة بن الجلاح الأنصاري : لعمرك ما تدري وإن ذمرت سقبا *** لغيرك أم يكون لك الفصيل
يعني : ألغيرك أم يكون لك.
وقول الخنساء الشاعرة بنت عمرو بن الشريد السلمية :
قذى بعينيك أم بالعين عوار *** أم خلت إذ أقفرت من أهلها الدار
يعني : أقذى بعينك ؟ ومنه قول امرئ القيس :
تروح من الحي ام تبتكر *** وماذا عليك بأن تنتظر
يعني : أتروح ؟ وهو كثير في كلام العرب معروف، ويكفينا منه ما ذكرنا على سبيل المثال. وعلى هذا فقراءة نافع وحفص حذفت فيها الهمزة لدلالة المقام عليها، فهي لا تخلو أيضا من إنكار وتوبيخ كالتي قبلها، وهذا أليق بالمقام، خلافا لمن قال : لم تقدر هناك همزة استفهام، وإنما الجملة خبرية لا استفهام فيها، فكأنه حكم عليهم بأنهم يفعلون هذا الأمر لما وبخهم عليه.
[ إنكم لتاتون الرجال ]( الأعراف : آية ٨١ ) جمع رجل وهم الذكور [ شهوة ] شهوة هنا في إعرابه أوجه متقاربة، بعضهم يقول : مفعول لأجله، أي : تأتون الرجال لأجل شهوتكم لهم دون النساء. وبعضهم يقول : هو مصدر منكر حالا، أي : في حال كونهم مشتهين الرجال دون النساء. وبعضهم يقول : هو ما ناب عن المطلق، من قوله :[ إنكم لتأتون الرجال ]فإن مضمن معنى : تشتهون الرجال شهوة.
والشهوة : هي ميل النفس إلى الشيء ورغبتها فيه.
[ من دون النساء ] لأن النساء هن أزواجكم اللاتي خلقهن الله لكم، لتتمتعوا بهن تمتعا نزيها طاهرا يكون عنه النسل وبقاء الجنس الآدمي، فتركتم هذا الأمر الطيب الكريم وهو إتيان النساء، وهي الأزواج التي خلقهن الله لكم، كما قال تعالى عنهم :[ أتأتون الذكران من العالمين ( ١٦٥ ) وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل انتم قوم عادون( ١٦٦ ) ]( الشعراء : الآيتان١٦٦، ١٦٥ ) فبين الله شدة قبح فعلهم هنا حيث أنكر عليهم في قوله :[ لتأتون الرجال ] معناه يأتونهم في أدبارهم بفعل فاحشة اللواط قبحهم الله جل وعلا [ من دون النساء ] اللاتي هن أزواجكم وخلقن لكم لتتمتعوا بهن تمتعا طاهرا كريما لائقا بالمروءة يتبعه النسل وبقاء الجنس الآدمي، فتركتم هذا الأمر الطيب الذي خلق الله النساء له، وذهبتم إلى هذا الأمر الوسخ القبيح النجس الذي يقضي بانقطاع نسل الإنسان ؛ لأن الرجال إذا اكتفوا بالرجال عن النساء، انقطع النسل كله وضاع جنس بني آدم ؛ ولذا وبخهم الله.
وفاحشة اللواط-قبحها الله وقبح مرتكبها- أول من فعلها من أهل الدنيا قوم لوط، وهي من خسائس الذنوب الجامعة بين الخسة ودناءة صاحبها ورداءته، وشناعتها وكثرة مفاسدها، فإن لها مفاسد عظيمة، مع أنها لا يرتكبها إلا أخس الناس، وأرذل الناس، وأقبح الناس دينا، ومروءة وإنسانية، الذين يرتكبونها أشبه شيء بالبهائم قبحهم الله، وقبح فعلهم القبيح.
ومن خسائس هذه الفاحشة : أنها إن انتشرت في الناس واستغنى الرجال بالرجال صار ذلك سببا لانقطاع الجنس الإنساني ودمار الدنيا، وخصلة إذا تمادى الناس فيها كانت خرابا لجميع الدنيا، هي من أخس الخصال. ويزعم الناس الذين مارسوا أضرار هذه الخسيسة أن الإنسان المفعول به إذا نزل مني اللائط فيه أن ذلك المني- والعياذ بالله- يورثه أضرارا قبيحة : يجعله ديوثا، ويضيع همته، ويخرب إنسانيته وكيانه، فيبقى القبيح الخسيس الخنزير كلا شيء، وكذلك اللائط-قبحه الله وقبح فعله- يذهب على أنتن محل وأقذره ومحل النجاسات ليتمتع بهذا ! فهو من أخس الناس وأنتنهم، والمحل الذي يريد التمتع منه هو أنجس شيء، وأنتنه وأقبحه. وفعله الخسيس يقتضي بانقضاء النسل، وربما أورث الخبيث الخسيس أمراضا كما هو مشاهد عند من يعلم ذلك ويعلم الطب ؛ لأن الله جعل في أرحام النساء خاصية لجدب مني الرجال، إذ هاج مني الرجل لينزل وهو يجامع امرأته كان في رحم امرأته خاصية لجذب ماء الرجل، فتجذب رحمها منيه، فيخلص من بقايا المني، أما إذا كانت القضية لواطا-قبح الفاعل فيه والمفعول به فيه، قبح الله الجميع- فإنه لا يكون في دبر الرجل استعداد لجذب ماء الرجل الآخر، فيتهيأ الماء للخروج، ويبقى في المجاري، فينتن ويتعفن، ثم تنشأ منه أمراض وأورام وأسقام عظيمة- قبح الله الجميع-.
والحاصل أنها خصلة من أقبح الخصال وأخسها وأكثرها ضررا، صاحبها في الدنيا تؤذن بأنه ساقط المروءة، ساقط الدين، لا يخاف الله، وتدخله يوم القيامة النار، ومن ارتكبها اجمع العلماء على انه يعاقب في الدنيا عقوبة زاجرة.
واختلف العلماء في عقوبة اللائط، المرتكب هذه الفاحشة الخبيثة-قبحها الله وقبح مرتكبها- فذهب جماعة من العلماء، وحكى عليه غير واحد إجماع الصحابة، وهو مذهب مالك وعامة أصحابه، ورواية عن الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد أنهما يقتلان : الفاعل والمفعول به يقتلان معا، إلا أن العلماء الذين قالوا يقتلان، اختلفوا في كيفية قتله، فمنهم من قال : يقتل بالسيف، ومنهم من قال : يرجم بالحجارة حتى يموت، ومنهم من قال : يحرق الخبيث بالنار حتى يقتل تحريقا، ومنهم من قال : يرفع على شاهق ثم يرمى من الشاهق ويتبع بالحجارة كما فعل الله بقوم لوط الذين هم أول من ارتكب هذه الفاحشة، رفعهم إلى أعلى ثم قذف ( بهم إلى ) ( في الأصل :" قذف الأرض بهم " ) الأرض وأرسل عليهم حجارة من سجيل.
والذين قالوا : يقتل اللائط والملوط استدلوا بالحديث الذي رواه عكرمة عن ابن عباس، وأخرجه الإمام احمد وأبو داود والنسائي وغيرهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ". وقال ابن حجر في رجال هذا الإسناد : إنهم موثقون. وذكر فيه بعض اختلاف. وأكثر العلماء يثبتون هذا الحديث، وكم من واحد قال : إنه حديث ثابت. وما جاء عن يحي بن معين من أن في إسناده عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، وأنه اتهمه في هذا الحديث، مردود بأن عمرا المذكور من الحفاظ المشهورين، الذين روى لهم مالك والشيخان، فلا يقدح فيه هذا، فهذا الحديث الذي رواه هؤلاء عن ابن عباس هو حجة م

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير