قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)
هَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ [تَعَالَى] (١) عَمَّا وَاجَهَتْ بِهِ الْكُفَّارُ نَبِيَّ اللَّهِ شُعَيْبًا وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فِي (٢) تَوَعُّدِهِمْ إِيَّاهُ وَمِنْ مَعَهُ بِالنَّفْيِ مِنَ الْقَرْيَةِ، أَوِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الرُّجُوعِ فِي مِلَّتهم وَالدُّخُولِ مَعَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ. وَهَذَا خِطَابٌ مَعَ الرَّسُولِ وَالْمُرَادُ أَتْبَاعُهُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ عَلَى الْمِلَّةِ.
وَقَوْلُهُ: أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ يَقُولُ: أَوَ أَنْتُمْ فَاعِلُونَ ذَلِكَ وَلَوْ كُنَّا (٣) كَارِهِينَ مَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ؟ فَإِنَّا إِنْ رَجَعْنَا إِلَى مِلَّتِكُمْ وَدَخَلْنَا مَعَكُمْ فِيمَا أَنْتُمْ فِيهِ، فَقَدْ أَعْظَمْنَا الفِرْية عَلَى اللَّهِ فِي جَعْلِ الشُّرَكَاءِ مَعَهُ أَنْدَادًا. وَهَذَا تَعْبِيرٌ مِنْهُ عَنِ أَتْبَاعِهِ. وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَهَذَا رَدٌّ إِلَى الْمَشِيئَةِ، فَإِنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وَقَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا أَيْ: فِي أُمُورِنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ رَبَّنَا افْتَحْ (٤) بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ أَيِ: افْصِلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ أَيْ: خَيْرُ الْحَاكِمِينَ، فَإِنَّكَ الْعَادِلُ الَّذِي لَا يَجُورُ أَبَدًا.
وَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ شِدَّةِ كُفْرِ قَوْمِ شُعَيْبٍ وَتَمَرُّدِهِمْ وَعُتُوِّهِمْ، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلَالِ، وَمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْمُخَالَفَةِ لِلْحَقِّ، وَلِهَذَا أَقْسَمُوا وَقَالُوا (٥) لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ فَلِهَذَا عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ أَخْبَرَ تَعَالَى هَاهُنَا أَنَّهُمْ أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ كَمَا (٦) أَرَجَفُوا شُعَيْبًا وَأَصْحَابَهُ وَتَوَعَّدُوهُمْ بِالْجَلَاءِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي سُورَةِ "هُودٍ" فَقَالَ: وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [هُودٍ: ٩٤] وَالْمُنَاسَبَةُ فِي ذَلِكَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ -أَنَّهُمْ لَمَّا تَهَكَّمُوا بِنَبِيِّ اللَّهِ شُعَيْبٍ فِي
(٢) في ك، م، أ: "من".
(٣) في ك، م، أ: "وإن كنا".
(٤) في ك، م: "احكم".
(٥) في ك، م: "فقالوا".
(٦) في ك، م، أ: "لما".
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة