تفسير سورة سورة الأحزاب
مقدمة التفسير
سورة الأحزاب مدنية وآياتها ثلاث وسبعون
هذه السورة تتناول قطاعا حقيقيا من حياة الجماعة المسلمة، في فترة تمتد من بعد غزوة بدر الكبرى، إلى ما قبل صلح الحديبية، وتصور هذه الفترة من حياة المسلمين في المدينة تصويرا واقعيا مباشرا. وهي مزدحمة بالأحداث التي تشير إليها خلال هذه الفترة، والتنظيمات التي أنشأتها أو أقرتها في المجتمع الإسلامي الناشىء.
والتوجيهات والتعقيبات على هذه الأحداث والتنظيمات قليلة نسبيا ؛ ولا تشغل من جسم السورة إلا حيزا محدودا، يربط الأحداث والتنظيمات بالأصل الكبير. أصل العقيدة في الله والاستسلام لقدره. ذلك كافتتاح السورة :( يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين، إن الله كان عليما حكيما. واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا، وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا. ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه... ).. وكالتعقيب على بعض التنظيمات الاجتماعية في أول السورة :( كان ذلك في الكتاب مسطورا. وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، وأخذنا منهم ميثاقا غليظا، ليسأل الصادقين عن صدقهم، وأعد للكافرين عذابا أليما ).. والتعقيب على موقف المرجفين " يوم الأحزاب " التي سميت السورة باسمها. ( قل : لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل، وإذن لا تمتعون إلا قليلا. قل : من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ؟ ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ).. ومثل قوله في صدد أحد التنظيمات الاجتماعية الجديدة، المخالفة لمألوف النفوس في الجاهلية :( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ).. وأخيرا ذلك الإيقاع الهائل العميق :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوما جهولا )..
ولهذه الفترة التي تتناولها السورة من حياة الجماعة المسلمة سمة خاصة، فهي الفترة التي بدأ فيها بروز ملامح الشخصية المسلمة في حياة الجماعة وفي حياة الدولة ؛ ولم يتم استقرارها بعد ولا سيطرتها الكاملة. كالذي تم بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجا، واستتباب الأمر للدولة الإسلامية، وللنظام الإسلامي.
والسورة تتولى جانبا من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة، وإبراز تلك الملامح وتثبيتها في حياة الأسرة والجماعة ؛ وبيان أصولها من العقيدة والتشريع ؛ كما تتولى تعديل الأوضاع والتقاليد أو إبطالها ؛ وإخضاعها في هذا كله للتصور الإسلامي الجديد.
وفي ثنايا الحديث عن تلك الأوضاع والنظم يرد الحديث عن غزوة الأحزاب، وغزوة بني قريظة، ومواقف الكفار والمنافقين واليهود فيهما، ودسائسهم في وسط الجماعة المسلمة، وما وقع من خلخلة وأذى بسبب هذه الدسائس وتلك المواقف. كما تعرض بعدها دسائسهم وكيدهم للمسلمين في أخلاقهم وآدابهم وبيوتهم ونسائهم.
ونقطة الاتصال في سياق السورة بين تلك الأوضاع والنظم وهاتين الغزوتين وما وقع فيهما من أحداث، هي علاقة هذه وتلك بمواقف الكافرين والمنافقين واليهود ؛ وسعي هذه الفئات لإيقاع الاضطراب في صفوف الجماعة المسلمة. سواء عن طريق الهجوم الحربي والإرجاف في الصفوف والدعوة إلى الهزيمة ؛ أو عن طريق خلخلة الأوضاع الاجتماعية والآداب الخلقية.. ثم ما نشأ من الغزوات والغنائم من آثار في حياة الجماعة المسلمة تقتضي تعديل بعض الأوضاع الاجتماعية والتصورات الشعورية ؛ وإقامتها على أساس ثابت يناسب تلك الآثار التي خلفتها الغزوات والغنائم في واقع الجماعة المسلمة.
ومن هذا الجانب وذاك تبدو وحدة السورة، وتماسك سياقها، وتساوق موضوعاتها المنوعة. وهذا وذلك إلى جانب وحدة الزمن التي تربط بين الأحداث والتنظيمات التي تتناولها السورة.
تبدأ السورة ذلك البدء بتوجيه الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] إلى تقوى الله وعدم الطاعة للكافرينوالمنافقين، واتباع ما يوحي إليه ربه، والتوكل عليه وحده. وهو البدء الذي يربط سائر ما ورد في السورة من تنظيمات وأحداث بالأصل الكبير الذي تقوم عليه شرائع هذا الدين وتوجيهاته. ونظمه وأوضاعه، وآدابه وأخلاقه.. أصل استشعار القلب لجلال الله، والاستسلام المطلق لإرادته ؛ واتباع المنهج الذي اختاره، والتوكل عليه وحده والاطمئنان إلى حمايته ونصرته.
وبعد ذلك يلقي بكلمة الحق والفصل في بعض التقاليد والأوضاع الاجتماعية. مبتدئا بإيقاع حاسم يقرر حقيقة واقعة :( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ).. يرمز بها إلى أن الإنسان لا يملك أن يتجه إلى أكثر من أفق واحد، ولا أن يتبع أكثر من منهج واحد، وإلا نافق، واضطربت خطاه. وما دام لا يملك إلا قلبا واحدا، فلا بد أن يتجه إلى إله واحد وأن يتبع نهجا واحدا ؛ وأن يدع ما عداه من مألوفات وتقاليد وأوضاع وعادات.
ومن ثم يأخذ في إبطال عادة الظهار - وهو أن يحلف الرجل على امرأته أنها عليه كظهر أمه فتحرم عليه حرمة أمه :( وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ). ويقرر أن هذا الكلام يقال بالأفواه ولا ينشئ حقيقة وراءه، بل تظل الزوجة زوجة ولا تصير أما بهذا الكلام.. ويثني بإبطال عادة التبني وآثاره :( وما جعل أدعياءكم أبناءكم )فلا يعودون بعد اليوم يتوارثون، ولا تترتب على هذا التبني آثاره الأخرى [ التي سنفصل الحديث عنها فيما بعد ]. ويستبقي بعد ذلك أو ينشىء الولاية العامة لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] على المؤمنين جميعا ؛ ويقدم هذه الولاية على ولايتهم لأنفسهم ؛ كما ينشيء صلة الأمومة الشعورية بين أزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وجميع المؤمنين :( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ).. ثم يبطل آثار المؤاخاة التي تمت في أول الهجرة ؛ ويرد الأمر إلى القرابة الطبيعية في الإرث والدية وما إليها : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين. وبذلك يعيد تنظيم الجماعة الإسلامية على الأسس الطبيعية ويبطل ما عداها من التنظيمات الوقتية.
ويعقب على هذا التنظيم الجديد، الذي يستمد من منهج الإسلام وحكم الله ؛ بالإشارة إلى أن ذلك مسطور في كتاب الله القديم، وإلى الميثاق المأخوذ على النبيين، وعلى أولي العزم منهم بصفة خاصة. على طريقة القرآن في التعقيب على النظم والتشريعات، والمبادئ، والتوجيهات، لتقر في الضمائر والأخلاد.
وهذا هو إجمال الشوط الأول في السورة.
ويتناول الشوط الثاني بيان نعمة الله على المؤمنين، إذ رد عنهم كيد الأحزاب والمهاجمين. ثم يأخذ في تصوير وقعتي الأحزاب وبني قريظة تصويرا حيا، في مشاهد متعاقبة، ترسم المشاعر الباطنة، والحركات الظاهرة، والحوار بين الجماعات والأفراد. وفي خلال رسم المعركة وتطوراتها تجيء التوجيهات في موضعها المناسب ؛ وتجيء التعقيبات على الأحداث مقررة للمنهج القرآني في إنشاء القيم الثابتة التي يقررها للحياة، من خلال ما وقع فعلا، وما جاش في الأخلاد والضمائر.
وطريقة القرآن الدائمة في مثل هذه الوقائع التي يتخذ منها وسيلة لبناء النفوس، وتقرير القيم، ووضعالموازين وإنشاء التصورات التي يريد لها أن تسود.. طريقة القرآن في مثل هذه الوقائع أن يرسم الحركة التي وقعت، ويرسم معها المشاعر الظاهرة والباطنة، ويسلط عليها الأضواء التي تكشف زواياها وخباياها. ثم يقول للمؤمنين حكمه على ما وقع، ونقده لما فيه من خطأ وانحراف، وثناءه على ما فيه من صواب واستقامة، وتوجيهه لتدارك الخطأ والانحراف، وتنمية الصواب والاستقامة. وربط هذا كله بقدر الله وإرادته وعمله ونهجه المستقيم، وبفطرة النفس، ونواميس الوجود.
وهكذا نجد وصف المعركة يبدأ بقوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها، وكان الله بما تعملون بصيرا ).. ويتوسطها قوله. ( قل : لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذن لا تمتعون إلا قليلا. قل : من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة. ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ).. وبقوله :( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ).. ويختمها بقوله :( ليجزي الله الصادقين بصدقهم، ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما )..
وهذا إلى جانب عرض تصورات المؤمنين الصادقين للموقف، وتصورات المنافقين والذين في قلوبهم مرض عرضا يكشف عن القيم الصحيحة والزائفة من خلال تلك التصورات :( وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض : ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ).. ( ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ).. ثم تجيء العاقبة بالقول الفصل والخبر اليقين :( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا )..
بعد ذلك يجيء قرار تخيير أزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] اللواتي طالبنه بالتوسعة في النفقة عليهن بعدما وسع الله عليه وعلى المسلمين من فيء بني قريظة العظيم وما قبله من الغنائم. تخييرهن بين متاع الحياة الدنيا وزينتها وإيثار الله ورسوله والدار الآخرة. وقد اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ورضين هذا المقام الكريم عند الله ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وآثرنه على متاع الحياة. ومن ثم جاءهن البيان عن جزائهن المضاعف في الأجر إن اتقين وفي العذاب إن ارتكبن فاحشة مبينة. وعلل هذه المضاعفة بمقامهن الكريم وصلتهن برسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ونزول القرآن في بيوتهن وتلاوته، والحكمة التي يسمعنها من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] واستطرد في بيان جزاء المؤمنين كافة والمؤمنات.
وكان هذا هو الشوط الثالث.
فأما الشوط الرابع فتناول إشارة غير صريحة إلى موضوع تزويج زينب بنت جحش القرشية الهاشمية بنت عمة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من زيد بن حارثة مولاه. وما نزل في شأنه أولا من رد أمر المؤمنين والمؤمنات كافة إلى الله، ليس لهم منه شيء، وليس لهم في أنفسهم خيرة. إنما هي إرادة الله وقدره الذي يسير كل شيء، ويستسلم له المؤمن الاستسلام الكامل الصريح :( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا )..
ثم يعقب حادث الزواج حادث الطلاق ؛ وما وراءه من إبطال آثار التبني، الذي سبق الكلام عليه في أولالسورة. إبطاله بسابقة عملية ؛ يختار لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بشخصه، لشدة عمق هذه العادة في البيئة العربية، وصعوبة الخروج عليها. فيقع الابتلاء على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ليحملها فيما يحمل من أعباء الدعوة وتقرير أصولها في واقع المجتمع، بعد تقريرها في أعماق الضمير :( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا. وكان أمر
هذه السورة تتناول قطاعا حقيقيا من حياة الجماعة المسلمة، في فترة تمتد من بعد غزوة بدر الكبرى، إلى ما قبل صلح الحديبية، وتصور هذه الفترة من حياة المسلمين في المدينة تصويرا واقعيا مباشرا. وهي مزدحمة بالأحداث التي تشير إليها خلال هذه الفترة، والتنظيمات التي أنشأتها أو أقرتها في المجتمع الإسلامي الناشىء.
والتوجيهات والتعقيبات على هذه الأحداث والتنظيمات قليلة نسبيا ؛ ولا تشغل من جسم السورة إلا حيزا محدودا، يربط الأحداث والتنظيمات بالأصل الكبير. أصل العقيدة في الله والاستسلام لقدره. ذلك كافتتاح السورة :( يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين، إن الله كان عليما حكيما. واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا، وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا. ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه... ).. وكالتعقيب على بعض التنظيمات الاجتماعية في أول السورة :( كان ذلك في الكتاب مسطورا. وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، وأخذنا منهم ميثاقا غليظا، ليسأل الصادقين عن صدقهم، وأعد للكافرين عذابا أليما ).. والتعقيب على موقف المرجفين " يوم الأحزاب " التي سميت السورة باسمها. ( قل : لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل، وإذن لا تمتعون إلا قليلا. قل : من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ؟ ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ).. ومثل قوله في صدد أحد التنظيمات الاجتماعية الجديدة، المخالفة لمألوف النفوس في الجاهلية :( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ).. وأخيرا ذلك الإيقاع الهائل العميق :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوما جهولا )..
ولهذه الفترة التي تتناولها السورة من حياة الجماعة المسلمة سمة خاصة، فهي الفترة التي بدأ فيها بروز ملامح الشخصية المسلمة في حياة الجماعة وفي حياة الدولة ؛ ولم يتم استقرارها بعد ولا سيطرتها الكاملة. كالذي تم بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجا، واستتباب الأمر للدولة الإسلامية، وللنظام الإسلامي.
والسورة تتولى جانبا من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة، وإبراز تلك الملامح وتثبيتها في حياة الأسرة والجماعة ؛ وبيان أصولها من العقيدة والتشريع ؛ كما تتولى تعديل الأوضاع والتقاليد أو إبطالها ؛ وإخضاعها في هذا كله للتصور الإسلامي الجديد.
وفي ثنايا الحديث عن تلك الأوضاع والنظم يرد الحديث عن غزوة الأحزاب، وغزوة بني قريظة، ومواقف الكفار والمنافقين واليهود فيهما، ودسائسهم في وسط الجماعة المسلمة، وما وقع من خلخلة وأذى بسبب هذه الدسائس وتلك المواقف. كما تعرض بعدها دسائسهم وكيدهم للمسلمين في أخلاقهم وآدابهم وبيوتهم ونسائهم.
ونقطة الاتصال في سياق السورة بين تلك الأوضاع والنظم وهاتين الغزوتين وما وقع فيهما من أحداث، هي علاقة هذه وتلك بمواقف الكافرين والمنافقين واليهود ؛ وسعي هذه الفئات لإيقاع الاضطراب في صفوف الجماعة المسلمة. سواء عن طريق الهجوم الحربي والإرجاف في الصفوف والدعوة إلى الهزيمة ؛ أو عن طريق خلخلة الأوضاع الاجتماعية والآداب الخلقية.. ثم ما نشأ من الغزوات والغنائم من آثار في حياة الجماعة المسلمة تقتضي تعديل بعض الأوضاع الاجتماعية والتصورات الشعورية ؛ وإقامتها على أساس ثابت يناسب تلك الآثار التي خلفتها الغزوات والغنائم في واقع الجماعة المسلمة.
ومن هذا الجانب وذاك تبدو وحدة السورة، وتماسك سياقها، وتساوق موضوعاتها المنوعة. وهذا وذلك إلى جانب وحدة الزمن التي تربط بين الأحداث والتنظيمات التي تتناولها السورة.
تبدأ السورة ذلك البدء بتوجيه الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] إلى تقوى الله وعدم الطاعة للكافرينوالمنافقين، واتباع ما يوحي إليه ربه، والتوكل عليه وحده. وهو البدء الذي يربط سائر ما ورد في السورة من تنظيمات وأحداث بالأصل الكبير الذي تقوم عليه شرائع هذا الدين وتوجيهاته. ونظمه وأوضاعه، وآدابه وأخلاقه.. أصل استشعار القلب لجلال الله، والاستسلام المطلق لإرادته ؛ واتباع المنهج الذي اختاره، والتوكل عليه وحده والاطمئنان إلى حمايته ونصرته.
وبعد ذلك يلقي بكلمة الحق والفصل في بعض التقاليد والأوضاع الاجتماعية. مبتدئا بإيقاع حاسم يقرر حقيقة واقعة :( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ).. يرمز بها إلى أن الإنسان لا يملك أن يتجه إلى أكثر من أفق واحد، ولا أن يتبع أكثر من منهج واحد، وإلا نافق، واضطربت خطاه. وما دام لا يملك إلا قلبا واحدا، فلا بد أن يتجه إلى إله واحد وأن يتبع نهجا واحدا ؛ وأن يدع ما عداه من مألوفات وتقاليد وأوضاع وعادات.
ومن ثم يأخذ في إبطال عادة الظهار - وهو أن يحلف الرجل على امرأته أنها عليه كظهر أمه فتحرم عليه حرمة أمه :( وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ). ويقرر أن هذا الكلام يقال بالأفواه ولا ينشئ حقيقة وراءه، بل تظل الزوجة زوجة ولا تصير أما بهذا الكلام.. ويثني بإبطال عادة التبني وآثاره :( وما جعل أدعياءكم أبناءكم )فلا يعودون بعد اليوم يتوارثون، ولا تترتب على هذا التبني آثاره الأخرى [ التي سنفصل الحديث عنها فيما بعد ]. ويستبقي بعد ذلك أو ينشىء الولاية العامة لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] على المؤمنين جميعا ؛ ويقدم هذه الولاية على ولايتهم لأنفسهم ؛ كما ينشيء صلة الأمومة الشعورية بين أزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وجميع المؤمنين :( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ).. ثم يبطل آثار المؤاخاة التي تمت في أول الهجرة ؛ ويرد الأمر إلى القرابة الطبيعية في الإرث والدية وما إليها : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين. وبذلك يعيد تنظيم الجماعة الإسلامية على الأسس الطبيعية ويبطل ما عداها من التنظيمات الوقتية.
ويعقب على هذا التنظيم الجديد، الذي يستمد من منهج الإسلام وحكم الله ؛ بالإشارة إلى أن ذلك مسطور في كتاب الله القديم، وإلى الميثاق المأخوذ على النبيين، وعلى أولي العزم منهم بصفة خاصة. على طريقة القرآن في التعقيب على النظم والتشريعات، والمبادئ، والتوجيهات، لتقر في الضمائر والأخلاد.
وهذا هو إجمال الشوط الأول في السورة.
ويتناول الشوط الثاني بيان نعمة الله على المؤمنين، إذ رد عنهم كيد الأحزاب والمهاجمين. ثم يأخذ في تصوير وقعتي الأحزاب وبني قريظة تصويرا حيا، في مشاهد متعاقبة، ترسم المشاعر الباطنة، والحركات الظاهرة، والحوار بين الجماعات والأفراد. وفي خلال رسم المعركة وتطوراتها تجيء التوجيهات في موضعها المناسب ؛ وتجيء التعقيبات على الأحداث مقررة للمنهج القرآني في إنشاء القيم الثابتة التي يقررها للحياة، من خلال ما وقع فعلا، وما جاش في الأخلاد والضمائر.
وطريقة القرآن الدائمة في مثل هذه الوقائع التي يتخذ منها وسيلة لبناء النفوس، وتقرير القيم، ووضعالموازين وإنشاء التصورات التي يريد لها أن تسود.. طريقة القرآن في مثل هذه الوقائع أن يرسم الحركة التي وقعت، ويرسم معها المشاعر الظاهرة والباطنة، ويسلط عليها الأضواء التي تكشف زواياها وخباياها. ثم يقول للمؤمنين حكمه على ما وقع، ونقده لما فيه من خطأ وانحراف، وثناءه على ما فيه من صواب واستقامة، وتوجيهه لتدارك الخطأ والانحراف، وتنمية الصواب والاستقامة. وربط هذا كله بقدر الله وإرادته وعمله ونهجه المستقيم، وبفطرة النفس، ونواميس الوجود.
وهكذا نجد وصف المعركة يبدأ بقوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها، وكان الله بما تعملون بصيرا ).. ويتوسطها قوله. ( قل : لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذن لا تمتعون إلا قليلا. قل : من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة. ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ).. وبقوله :( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ).. ويختمها بقوله :( ليجزي الله الصادقين بصدقهم، ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما )..
وهذا إلى جانب عرض تصورات المؤمنين الصادقين للموقف، وتصورات المنافقين والذين في قلوبهم مرض عرضا يكشف عن القيم الصحيحة والزائفة من خلال تلك التصورات :( وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض : ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ).. ( ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ).. ثم تجيء العاقبة بالقول الفصل والخبر اليقين :( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا )..
بعد ذلك يجيء قرار تخيير أزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] اللواتي طالبنه بالتوسعة في النفقة عليهن بعدما وسع الله عليه وعلى المسلمين من فيء بني قريظة العظيم وما قبله من الغنائم. تخييرهن بين متاع الحياة الدنيا وزينتها وإيثار الله ورسوله والدار الآخرة. وقد اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ورضين هذا المقام الكريم عند الله ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وآثرنه على متاع الحياة. ومن ثم جاءهن البيان عن جزائهن المضاعف في الأجر إن اتقين وفي العذاب إن ارتكبن فاحشة مبينة. وعلل هذه المضاعفة بمقامهن الكريم وصلتهن برسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ونزول القرآن في بيوتهن وتلاوته، والحكمة التي يسمعنها من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] واستطرد في بيان جزاء المؤمنين كافة والمؤمنات.
وكان هذا هو الشوط الثالث.
فأما الشوط الرابع فتناول إشارة غير صريحة إلى موضوع تزويج زينب بنت جحش القرشية الهاشمية بنت عمة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من زيد بن حارثة مولاه. وما نزل في شأنه أولا من رد أمر المؤمنين والمؤمنات كافة إلى الله، ليس لهم منه شيء، وليس لهم في أنفسهم خيرة. إنما هي إرادة الله وقدره الذي يسير كل شيء، ويستسلم له المؤمن الاستسلام الكامل الصريح :( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا )..
ثم يعقب حادث الزواج حادث الطلاق ؛ وما وراءه من إبطال آثار التبني، الذي سبق الكلام عليه في أولالسورة. إبطاله بسابقة عملية ؛ يختار لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بشخصه، لشدة عمق هذه العادة في البيئة العربية، وصعوبة الخروج عليها. فيقع الابتلاء على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ليحملها فيما يحمل من أعباء الدعوة وتقرير أصولها في واقع المجتمع، بعد تقريرها في أعماق الضمير :( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا. وكان أمر
ﰡ
آية رقم ١
( يا أيها النبي اتق الله، ولا تطع الكافرين والمنافقين، إن الله كان عليما حكيما. واتبع ما يوحى إليك من ربك، إن الله كان بما تعملون خبيرا. وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلا )..
هذا هو ابتداء السورة التي تتولى تنظيم جوانب من الحياة الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع الإسلامي الوليد. وهو ابتداء يكشف عن طبيعة النظام الإسلامي والقواعد التي يقوم عليها في عالم الواقع وعالم الضمير.
إن الإسلام ليس مجموعة إرشادات ومواعظ، ولا مجموعة آداب وأخلاق، ولا مجموعة شرائع وقوانين، ولا مجموعة أوضاع وتقاليد.. إنه يشتمل على هذا كله. ولكن هذا كله ليس هو الإسلام. إنما الإسلام الاستسلام. الاستسلام لمشيئة الله وقدره ؛ والاستعداد ابتداء لطاعة أمره ونهيه ؛ ولاتباع المنهج الذي يقرره دون التلفت إلى أي توجيه آخر وإلى أي اتجاه. ودون اعتماد كذلك على سواه. وهو الشعور ابتداء بأن البشر في هذه الأرض خاضعون للناموس الإلهي الواحد الذي يصرفهم ويصرف الأرض، كما يصرف الكواكب والأفلاك ؛ ويدبر أمر الوجود كله ما خفي منه وما ظهر، وما غاب منه وما حضر، وما تدركه منه العقول وما يقصر عنه إدراك البشر. وهو اليقين بأنهم ليس لهم من الأمر شيء إلا اتباع ما يأمرهم به الله والانتهاء عما ينهاهم عنه ؛ والأخذ بالأسباب التي يسرها لهم، وارتقاب النتائج التي يقدرها الله.. هذه هي القاعدة. ثم تقوم عليها الشرائع والقوانين، والتقاليد والأوضاع، والآداب والأخلاق. بوصفها الترجمة العملية لمقتضيات العقيدة المستكنة في الضمير ؛ والآثار الواقعية لاستسلام النفس لله، والسير على منهجه في الحياة.. إن الإسلام عقيدة. تنبثق منها شريعة. يقوم على هذه الشريعة نظام. وهذه الثلاثة مجتمعة مترابطة متفاعلة هي الإسلام..
هذا هو ابتداء السورة التي تتولى تنظيم جوانب من الحياة الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع الإسلامي الوليد. وهو ابتداء يكشف عن طبيعة النظام الإسلامي والقواعد التي يقوم عليها في عالم الواقع وعالم الضمير.
إن الإسلام ليس مجموعة إرشادات ومواعظ، ولا مجموعة آداب وأخلاق، ولا مجموعة شرائع وقوانين، ولا مجموعة أوضاع وتقاليد.. إنه يشتمل على هذا كله. ولكن هذا كله ليس هو الإسلام. إنما الإسلام الاستسلام. الاستسلام لمشيئة الله وقدره ؛ والاستعداد ابتداء لطاعة أمره ونهيه ؛ ولاتباع المنهج الذي يقرره دون التلفت إلى أي توجيه آخر وإلى أي اتجاه. ودون اعتماد كذلك على سواه. وهو الشعور ابتداء بأن البشر في هذه الأرض خاضعون للناموس الإلهي الواحد الذي يصرفهم ويصرف الأرض، كما يصرف الكواكب والأفلاك ؛ ويدبر أمر الوجود كله ما خفي منه وما ظهر، وما غاب منه وما حضر، وما تدركه منه العقول وما يقصر عنه إدراك البشر. وهو اليقين بأنهم ليس لهم من الأمر شيء إلا اتباع ما يأمرهم به الله والانتهاء عما ينهاهم عنه ؛ والأخذ بالأسباب التي يسرها لهم، وارتقاب النتائج التي يقدرها الله.. هذه هي القاعدة. ثم تقوم عليها الشرائع والقوانين، والتقاليد والأوضاع، والآداب والأخلاق. بوصفها الترجمة العملية لمقتضيات العقيدة المستكنة في الضمير ؛ والآثار الواقعية لاستسلام النفس لله، والسير على منهجه في الحياة.. إن الإسلام عقيدة. تنبثق منها شريعة. يقوم على هذه الشريعة نظام. وهذه الثلاثة مجتمعة مترابطة متفاعلة هي الإسلام..
آية رقم ٢
( يا أيها النبي اتق الله، ولا تطع الكافرين والمنافقين، إن الله كان عليما حكيما. واتبع ما يوحى إليك من ربك، إن الله كان بما تعملون خبيرا. وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلا )..
هذا هو ابتداء السورة التي تتولى تنظيم جوانب من الحياة الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع الإسلامي الوليد. وهو ابتداء يكشف عن طبيعة النظام الإسلامي والقواعد التي يقوم عليها في عالم الواقع وعالم الضمير.
إن الإسلام ليس مجموعة إرشادات ومواعظ، ولا مجموعة آداب وأخلاق، ولا مجموعة شرائع وقوانين، ولا مجموعة أوضاع وتقاليد.. إنه يشتمل على هذا كله. ولكن هذا كله ليس هو الإسلام. إنما الإسلام الاستسلام. الاستسلام لمشيئة الله وقدره ؛ والاستعداد ابتداء لطاعة أمره ونهيه ؛ ولاتباع المنهج الذي يقرره دون التلفت إلى أي توجيه آخر وإلى أي اتجاه. ودون اعتماد كذلك على سواه. وهو الشعور ابتداء بأن البشر في هذه الأرض خاضعون للناموس الإلهي الواحد الذي يصرفهم ويصرف الأرض، كما يصرف الكواكب والأفلاك ؛ ويدبر أمر الوجود كله ما خفي منه وما ظهر، وما غاب منه وما حضر، وما تدركه منه العقول وما يقصر عنه إدراك البشر. وهو اليقين بأنهم ليس لهم من الأمر شيء إلا اتباع ما يأمرهم به الله والانتهاء عما ينهاهم عنه ؛ والأخذ بالأسباب التي يسرها لهم، وارتقاب النتائج التي يقدرها الله.. هذه هي القاعدة. ثم تقوم عليها الشرائع والقوانين، والتقاليد والأوضاع، والآداب والأخلاق. بوصفها الترجمة العملية لمقتضيات العقيدة المستكنة في الضمير ؛ والآثار الواقعية لاستسلام النفس لله، والسير على منهجه في الحياة.. إن الإسلام عقيدة. تنبثق منها شريعة. يقوم على هذه الشريعة نظام. وهذه الثلاثة مجتمعة مترابطة متفاعلة هي الإسلام..
والتوجيه الثالث المباشر :( واتبع ما يوحى إليك من ربك ). فهذه هي الجهة التي تجيء منها التوجيهات، وهذا هو المصدر الحقيق بالاتباع. والنص يتضمن لمسات موحية تكمن في صياغة التعبير :( واتبع ما يوحى إليك من ربك ). فالوحي( إليك )بهذا التخصيص. والمصدر ( من ربك )بهذه الإضافة. فالاتباع هنا متعين بحكم هذه الموحيات الحساسة، فوق ما هو متعين بالأمر الصادر من صاحب الأمر المطاع.. والتعقيب :( إن الله كان بما تعملون خبيرا ).. فهو الذي يوحي عن خبرة بكم وبما تعملون ؛ وهو الذي يعلم حقيقة ما تعملون، ودوافعكم إلى العمل من نوازع الضمير.
هذا هو ابتداء السورة التي تتولى تنظيم جوانب من الحياة الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع الإسلامي الوليد. وهو ابتداء يكشف عن طبيعة النظام الإسلامي والقواعد التي يقوم عليها في عالم الواقع وعالم الضمير.
إن الإسلام ليس مجموعة إرشادات ومواعظ، ولا مجموعة آداب وأخلاق، ولا مجموعة شرائع وقوانين، ولا مجموعة أوضاع وتقاليد.. إنه يشتمل على هذا كله. ولكن هذا كله ليس هو الإسلام. إنما الإسلام الاستسلام. الاستسلام لمشيئة الله وقدره ؛ والاستعداد ابتداء لطاعة أمره ونهيه ؛ ولاتباع المنهج الذي يقرره دون التلفت إلى أي توجيه آخر وإلى أي اتجاه. ودون اعتماد كذلك على سواه. وهو الشعور ابتداء بأن البشر في هذه الأرض خاضعون للناموس الإلهي الواحد الذي يصرفهم ويصرف الأرض، كما يصرف الكواكب والأفلاك ؛ ويدبر أمر الوجود كله ما خفي منه وما ظهر، وما غاب منه وما حضر، وما تدركه منه العقول وما يقصر عنه إدراك البشر. وهو اليقين بأنهم ليس لهم من الأمر شيء إلا اتباع ما يأمرهم به الله والانتهاء عما ينهاهم عنه ؛ والأخذ بالأسباب التي يسرها لهم، وارتقاب النتائج التي يقدرها الله.. هذه هي القاعدة. ثم تقوم عليها الشرائع والقوانين، والتقاليد والأوضاع، والآداب والأخلاق. بوصفها الترجمة العملية لمقتضيات العقيدة المستكنة في الضمير ؛ والآثار الواقعية لاستسلام النفس لله، والسير على منهجه في الحياة.. إن الإسلام عقيدة. تنبثق منها شريعة. يقوم على هذه الشريعة نظام. وهذه الثلاثة مجتمعة مترابطة متفاعلة هي الإسلام..
والتوجيه الثالث المباشر :( واتبع ما يوحى إليك من ربك ). فهذه هي الجهة التي تجيء منها التوجيهات، وهذا هو المصدر الحقيق بالاتباع. والنص يتضمن لمسات موحية تكمن في صياغة التعبير :( واتبع ما يوحى إليك من ربك ). فالوحي( إليك )بهذا التخصيص. والمصدر ( من ربك )بهذه الإضافة. فالاتباع هنا متعين بحكم هذه الموحيات الحساسة، فوق ما هو متعين بالأمر الصادر من صاحب الأمر المطاع.. والتعقيب :( إن الله كان بما تعملون خبيرا ).. فهو الذي يوحي عن خبرة بكم وبما تعملون ؛ وهو الذي يعلم حقيقة ما تعملون، ودوافعكم إلى العمل من نوازع الضمير.
آية رقم ٣
( يا أيها النبي اتق الله، ولا تطع الكافرين والمنافقين، إن الله كان عليما حكيما. واتبع ما يوحى إليك من ربك، إن الله كان بما تعملون خبيرا. وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلا )..
هذا هو ابتداء السورة التي تتولى تنظيم جوانب من الحياة الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع الإسلامي الوليد. وهو ابتداء يكشف عن طبيعة النظام الإسلامي والقواعد التي يقوم عليها في عالم الواقع وعالم الضمير.
إن الإسلام ليس مجموعة إرشادات ومواعظ، ولا مجموعة آداب وأخلاق، ولا مجموعة شرائع وقوانين، ولا مجموعة أوضاع وتقاليد.. إنه يشتمل على هذا كله. ولكن هذا كله ليس هو الإسلام. إنما الإسلام الاستسلام. الاستسلام لمشيئة الله وقدره ؛ والاستعداد ابتداء لطاعة أمره ونهيه ؛ ولاتباع المنهج الذي يقرره دون التلفت إلى أي توجيه آخر وإلى أي اتجاه. ودون اعتماد كذلك على سواه. وهو الشعور ابتداء بأن البشر في هذه الأرض خاضعون للناموس الإلهي الواحد الذي يصرفهم ويصرف الأرض، كما يصرف الكواكب والأفلاك ؛ ويدبر أمر الوجود كله ما خفي منه وما ظهر، وما غاب منه وما حضر، وما تدركه منه العقول وما يقصر عنه إدراك البشر. وهو اليقين بأنهم ليس لهم من الأمر شيء إلا اتباع ما يأمرهم به الله والانتهاء عما ينهاهم عنه ؛ والأخذ بالأسباب التي يسرها لهم، وارتقاب النتائج التي يقدرها الله.. هذه هي القاعدة. ثم تقوم عليها الشرائع والقوانين، والتقاليد والأوضاع، والآداب والأخلاق. بوصفها الترجمة العملية لمقتضيات العقيدة المستكنة في الضمير ؛ والآثار الواقعية لاستسلام النفس لله، والسير على منهجه في الحياة.. إن الإسلام عقيدة. تنبثق منها شريعة. يقوم على هذه الشريعة نظام. وهذه الثلاثة مجتمعة مترابطة متفاعلة هي الإسلام..
والتوجيه الأخير :( وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلا ).. فلا يهمنك أكانوا معك أم كانوا عليك ؛ ولا تحفل كيدهم ومكرهم ؛ وألق بأمرك كله إلى الله، يصرفه بعلمه وحكمته وخبرته.. ورد الأمر إلى الله في النهاية والتوكل عليه وحده، هو القاعدة الثابتة المطمئنة التي يفيء إليها القلب ؛ فيعرف عندها حدوده، وينتهي إليها ؛ ويدع ما وراءها لصاحب الأمر والتدبير، في ثقة وفي طمأنينة وفي يقين.
وهذه العناصر الثلاثة : تقوى الله. واتباع وحيه. والتوكل عليه - مع مخالفة الكافرين والمنافقين - هي العناصر التي تزود الداعية بالرصيد ؛ وتقيم الدعوة على منهجها الواضح الخالص. من الله، وإلى الله، وعلى الله. ( وكفى بالله وكيلا ).
هذا هو ابتداء السورة التي تتولى تنظيم جوانب من الحياة الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع الإسلامي الوليد. وهو ابتداء يكشف عن طبيعة النظام الإسلامي والقواعد التي يقوم عليها في عالم الواقع وعالم الضمير.
إن الإسلام ليس مجموعة إرشادات ومواعظ، ولا مجموعة آداب وأخلاق، ولا مجموعة شرائع وقوانين، ولا مجموعة أوضاع وتقاليد.. إنه يشتمل على هذا كله. ولكن هذا كله ليس هو الإسلام. إنما الإسلام الاستسلام. الاستسلام لمشيئة الله وقدره ؛ والاستعداد ابتداء لطاعة أمره ونهيه ؛ ولاتباع المنهج الذي يقرره دون التلفت إلى أي توجيه آخر وإلى أي اتجاه. ودون اعتماد كذلك على سواه. وهو الشعور ابتداء بأن البشر في هذه الأرض خاضعون للناموس الإلهي الواحد الذي يصرفهم ويصرف الأرض، كما يصرف الكواكب والأفلاك ؛ ويدبر أمر الوجود كله ما خفي منه وما ظهر، وما غاب منه وما حضر، وما تدركه منه العقول وما يقصر عنه إدراك البشر. وهو اليقين بأنهم ليس لهم من الأمر شيء إلا اتباع ما يأمرهم به الله والانتهاء عما ينهاهم عنه ؛ والأخذ بالأسباب التي يسرها لهم، وارتقاب النتائج التي يقدرها الله.. هذه هي القاعدة. ثم تقوم عليها الشرائع والقوانين، والتقاليد والأوضاع، والآداب والأخلاق. بوصفها الترجمة العملية لمقتضيات العقيدة المستكنة في الضمير ؛ والآثار الواقعية لاستسلام النفس لله، والسير على منهجه في الحياة.. إن الإسلام عقيدة. تنبثق منها شريعة. يقوم على هذه الشريعة نظام. وهذه الثلاثة مجتمعة مترابطة متفاعلة هي الإسلام..
والتوجيه الأخير :( وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلا ).. فلا يهمنك أكانوا معك أم كانوا عليك ؛ ولا تحفل كيدهم ومكرهم ؛ وألق بأمرك كله إلى الله، يصرفه بعلمه وحكمته وخبرته.. ورد الأمر إلى الله في النهاية والتوكل عليه وحده، هو القاعدة الثابتة المطمئنة التي يفيء إليها القلب ؛ فيعرف عندها حدوده، وينتهي إليها ؛ ويدع ما وراءها لصاحب الأمر والتدبير، في ثقة وفي طمأنينة وفي يقين.
وهذه العناصر الثلاثة : تقوى الله. واتباع وحيه. والتوكل عليه - مع مخالفة الكافرين والمنافقين - هي العناصر التي تزود الداعية بالرصيد ؛ وتقيم الدعوة على منهجها الواضح الخالص. من الله، وإلى الله، وعلى الله. ( وكفى بالله وكيلا ).
آية رقم ٤
ويختم هذه التوجيهات بإيقاع حاسم مستمد من مشاهدة حسية :
( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه )..
إنه قلب واحد، فلا بد له من منهج واحد يسير عليه. ولا بد له من تصور كلي واحد للحياة وللوجود يستمد منه. ولا بد له من ميزان واحد يزن به القيم، ويقوم به الأحداث والأشياء. وإلا تمزق وتفرق ونافق والتوى، ولم يستقم على اتجاه.
ولا يملك الإنسان أن يستمد آدابه وأخلاقه من معين ؛ ويستمد شرائعه وقوانينه من معين آخر ؛ ويستمد أوضاعه الاجتماعية أو الاقتصادية من معين ثالث ؛ ويستمد فنونه وتصوراته من معين رابع.. فهذا الخليط لا يكون إنسانا له قلب. إنما يكون مزقا وأشلاء ليس لها قوام !
وصاحب العقيدة لا يملك أن تكون له عقيدة حقا، ثم يتجرد من مقتضياتها وقيمها الخاصة في موقف واحد من مواقف حياته كلها، صغيرا كان هذا الموقف أم كبيرا. لا يملك أن يقول كلمة، أو يتحرك حركة، أو ينوي نية. أو يتصور تصورا، غير محكوم في هذا كله بعقيدته - إن كانت هذه العقيدة حقيقة واقعة في كيانه - لأن الله لم يجعل له سوى قلب واحد، يخضع لناموس واحد، ويستمد من تصور واحد، ويزن بميزان واحد.
لا يملك صاحب العقيدة أن يقول عن فعل فعله : فعلت كذا بصفتي الشخصية. وفعلت كذا بصفتي الإسلامية ! كما يقول رجال السياسة أو رجال الشركات. أو رجال الجمعيات الاجتماعية أو العلمية وما إليها في هذه الأيام ! إنه شخص واحد له قلب واحد، تعمره عقيدة واحدة. وله تصور واحد للحياة، وميزان واحد للقيم. وتصوره المستمد من عقيدته متلبس بكل ما يصدر عنه، في كل حالة من حالاته على السواء.
وبهذا القلب الواحد يعيش فردا، ويعيش في الأسرة، ويعيش في الجماعة، ويعيش في الدولة. ويعيش في العالم. ويعيش سرا وعلانية. ويعيش عاملا وصاحب عمل. ويعيش حاكما ومحكوما. ويعيش في السراء والضراء.. فلا تتبدل موازينه، ولا تتبدل قيمه، ولا تتبدل تصوراته.. ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه )..
ومن ثم فهو منهج واحد، وطريق واحد، ووحي واحد، واتجاه واحد. وهو استسلام لله وحده. فالقلب الواحد لا يعبد إلهين، ولا يخدم سيدين، ولا ينهج نهجين، ولا يتجه اتجاهين. وما يفعل شيئا من هذا إلا أن يتمزق ويتفرق ويتحول إلى أشلاء وركام !
وبعد هذا الإيقاع الحاسم في تعيين المنهج والطريق يأخذ في إبطال عادة الظهار وعادة التبني. ليقيم المجتمع على أساس الأسرة الواضح السليم المستقيم :
( وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم. وما جعل أدعياءكم أبناءكم. ذلكم قولكم بأفواهكم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله. فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم. وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم. وكان الله غفورا رحيما ).
كان الرجل في الجاهلية يقول لامرأته : أنت علي كظهر أمي. أي حرام محرمة كما تحرم علي أمي. ومن ساعتئذ يحرم عليه وطؤها ؛ ثم تبقى معلقة، لا هي مطلقة فتتزوج غيره، ولا هي زوجة فتحل له. وكان في هذا من القسوة ما فيه ؛ وكان طرفا من سوء معاملة المرأة في الجاهلية والاستبداد بها، وسومها كل مشقة وعنت.
فلما أخذ الإسلام يعيد تنظيم العلاقات الإجتماعية في محيط الأسرة ؛ ويعتبر الأسرة هي الوحدة الاجتماعية الأولى ؛ ويوليها من عنايته ما يليق بالمحضن الذي تنشأ فيه الأجيال.. جعل يرفع عن المرأة هذا الخسف ؛ وجعل يصرف تلك العلاقات بالعدل واليسر. وكان مما شرعه هذه القاعدة :( وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ).. فإن قولة باللسان لا تغير الحقيقة الواقعة، وهي أن الأم أم والزوجة زوجة ؛ ولا تتحول طبيعة العلاقة بكلمة ! ومن ثم لم يعد الظهار تحريما أبديا كتحريم الأم كما كان في الجاهلية.
وقد روي أن إبطال عادة الظهار شرع فيما نزل من " سورة المجادلة " عندما ظاهر أوس بن الصامت من زوجه خولة بنت ثعلبة، فجاءت إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] تشكو تقول : يا رسول الله، أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني. حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي، ظاهر مني. فقال [ صلى الله عليه وسلم ] " ما أراك إلا قد حرمت عليه ". فأعادت ذلك مرارا. فأنزل الله : قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركما، إن الله سميع بصير. الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم، إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم، وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا. وإن الله لعفو غفور. والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة - من قبل أن يتماسا - ذلكم توعظون به. والله بما تعملون خبير. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا ؛ فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا. ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله. وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم.. فجعل الظهار تحريما مؤقتا للوطء - لا مؤبدا ولا طلاقا - كفارته عتق رقبة، أو( صيام شهرين متتابعين أو( إطعام ستين مسكينا ). وبذلك تحل الزوجة مرة أخرى، وتعود الحياة الزوجية لسابق عهدها. ويستقر الحكم الثابت المستقيم على الحقيقة الواقعة :( وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ).. وتسلم الأسرة من التصدع بسبب تلك العادة الجاهلية، التي كانت تمثل طرفا من سوم المرأة الخسف والعنت، ومن اضطراب علاقات الأسرة وتعقيدها وفوضاها، تحت نزوات الرجال وعنجهيتهم في المجتمع الجاهلي.
هذه مسألة الظهار.
( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه )..
إنه قلب واحد، فلا بد له من منهج واحد يسير عليه. ولا بد له من تصور كلي واحد للحياة وللوجود يستمد منه. ولا بد له من ميزان واحد يزن به القيم، ويقوم به الأحداث والأشياء. وإلا تمزق وتفرق ونافق والتوى، ولم يستقم على اتجاه.
ولا يملك الإنسان أن يستمد آدابه وأخلاقه من معين ؛ ويستمد شرائعه وقوانينه من معين آخر ؛ ويستمد أوضاعه الاجتماعية أو الاقتصادية من معين ثالث ؛ ويستمد فنونه وتصوراته من معين رابع.. فهذا الخليط لا يكون إنسانا له قلب. إنما يكون مزقا وأشلاء ليس لها قوام !
وصاحب العقيدة لا يملك أن تكون له عقيدة حقا، ثم يتجرد من مقتضياتها وقيمها الخاصة في موقف واحد من مواقف حياته كلها، صغيرا كان هذا الموقف أم كبيرا. لا يملك أن يقول كلمة، أو يتحرك حركة، أو ينوي نية. أو يتصور تصورا، غير محكوم في هذا كله بعقيدته - إن كانت هذه العقيدة حقيقة واقعة في كيانه - لأن الله لم يجعل له سوى قلب واحد، يخضع لناموس واحد، ويستمد من تصور واحد، ويزن بميزان واحد.
لا يملك صاحب العقيدة أن يقول عن فعل فعله : فعلت كذا بصفتي الشخصية. وفعلت كذا بصفتي الإسلامية ! كما يقول رجال السياسة أو رجال الشركات. أو رجال الجمعيات الاجتماعية أو العلمية وما إليها في هذه الأيام ! إنه شخص واحد له قلب واحد، تعمره عقيدة واحدة. وله تصور واحد للحياة، وميزان واحد للقيم. وتصوره المستمد من عقيدته متلبس بكل ما يصدر عنه، في كل حالة من حالاته على السواء.
وبهذا القلب الواحد يعيش فردا، ويعيش في الأسرة، ويعيش في الجماعة، ويعيش في الدولة. ويعيش في العالم. ويعيش سرا وعلانية. ويعيش عاملا وصاحب عمل. ويعيش حاكما ومحكوما. ويعيش في السراء والضراء.. فلا تتبدل موازينه، ولا تتبدل قيمه، ولا تتبدل تصوراته.. ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه )..
ومن ثم فهو منهج واحد، وطريق واحد، ووحي واحد، واتجاه واحد. وهو استسلام لله وحده. فالقلب الواحد لا يعبد إلهين، ولا يخدم سيدين، ولا ينهج نهجين، ولا يتجه اتجاهين. وما يفعل شيئا من هذا إلا أن يتمزق ويتفرق ويتحول إلى أشلاء وركام !
وبعد هذا الإيقاع الحاسم في تعيين المنهج والطريق يأخذ في إبطال عادة الظهار وعادة التبني. ليقيم المجتمع على أساس الأسرة الواضح السليم المستقيم :
( وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم. وما جعل أدعياءكم أبناءكم. ذلكم قولكم بأفواهكم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله. فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم. وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم. وكان الله غفورا رحيما ).
كان الرجل في الجاهلية يقول لامرأته : أنت علي كظهر أمي. أي حرام محرمة كما تحرم علي أمي. ومن ساعتئذ يحرم عليه وطؤها ؛ ثم تبقى معلقة، لا هي مطلقة فتتزوج غيره، ولا هي زوجة فتحل له. وكان في هذا من القسوة ما فيه ؛ وكان طرفا من سوء معاملة المرأة في الجاهلية والاستبداد بها، وسومها كل مشقة وعنت.
فلما أخذ الإسلام يعيد تنظيم العلاقات الإجتماعية في محيط الأسرة ؛ ويعتبر الأسرة هي الوحدة الاجتماعية الأولى ؛ ويوليها من عنايته ما يليق بالمحضن الذي تنشأ فيه الأجيال.. جعل يرفع عن المرأة هذا الخسف ؛ وجعل يصرف تلك العلاقات بالعدل واليسر. وكان مما شرعه هذه القاعدة :( وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ).. فإن قولة باللسان لا تغير الحقيقة الواقعة، وهي أن الأم أم والزوجة زوجة ؛ ولا تتحول طبيعة العلاقة بكلمة ! ومن ثم لم يعد الظهار تحريما أبديا كتحريم الأم كما كان في الجاهلية.
وقد روي أن إبطال عادة الظهار شرع فيما نزل من " سورة المجادلة " عندما ظاهر أوس بن الصامت من زوجه خولة بنت ثعلبة، فجاءت إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] تشكو تقول : يا رسول الله، أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني. حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي، ظاهر مني. فقال [ صلى الله عليه وسلم ] " ما أراك إلا قد حرمت عليه ". فأعادت ذلك مرارا. فأنزل الله : قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركما، إن الله سميع بصير. الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم، إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم، وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا. وإن الله لعفو غفور. والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة - من قبل أن يتماسا - ذلكم توعظون به. والله بما تعملون خبير. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا ؛ فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا. ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله. وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم.. فجعل الظهار تحريما مؤقتا للوطء - لا مؤبدا ولا طلاقا - كفارته عتق رقبة، أو( صيام شهرين متتابعين أو( إطعام ستين مسكينا ). وبذلك تحل الزوجة مرة أخرى، وتعود الحياة الزوجية لسابق عهدها. ويستقر الحكم الثابت المستقيم على الحقيقة الواقعة :( وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ).. وتسلم الأسرة من التصدع بسبب تلك العادة الجاهلية، التي كانت تمثل طرفا من سوم المرأة الخسف والعنت، ومن اضطراب علاقات الأسرة وتعقيدها وفوضاها، تحت نزوات الرجال وعنجهيتهم في المجتمع الجاهلي.
هذه مسألة الظهار.
آية رقم ٥
فأما مسألة التبني، ودعوة الأبناء إلى غير آبائهم، فقد كانت كذلك تنشأ من التخلخلفي بناء الأسرة، وفي بناء المجتمع كله.
ومع ما هو مشهور من الاعتزاز بالعفة في المجتمع العربي، والاعتزاز بالنسب، فإنه كانت توجد إلى جانب هذا الاعتزاز ظواهر أخرى مناقضة في المجتمع، في غير البيوت المعدودة ذات النسب المشهور.
كان يوجد في المجتمع أبناء لا يعرف لهن آباء ! وكان الرجل يعجبه أحد هؤلاء فيتبناه. يدعوه ابنه، ويلحقه بنسبه، فيتوارث وإياه توارث النسب.
وكان هناك أبناء لهم آباء معروفون. ولكن كان الرجل يعجب بأحد هؤلاء فيأخذه لنفسه، ويتبناه، ويلحقه بنسبه، فيعرف بين الناس باسم الرجل الذي تبناه، ويدخل في أسرته. وكان هذا يقع بخاصة في السبي، حين يؤخذ الأطفال والفتيان في الحروب والغارات ؛ فمن شاء أن يلحق بنسبه واحدا من هؤلاء دعاه ابنه، وأطلق عليه اسمه، وعرف به، وصارت له حقوق البنوة وواجباتها.
ومن هؤلاء زيد بن حارثة الكلبي. وهو من قبيلة عربية. سبي صغيرا في غارة أيام الجاهلية ؛ فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة - رضي الله عنها - فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له. ثم طلبه أبوه وعمه فخيره رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فاختار رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فأعتقه، وتبناه، وكانوا يقولون عنه : زيد بن محمد. وكان أول من آمن به من الموالي.
فلما شرع الإسلام ينظم علاقات الأسرة على الأساس الطبيعي لها، ويحكم روابطها، ويجعلها صريحة لا خلط فيها ولا تشويه.. أبطل عادة التبني هذه ؛ ورد علاقة النسب إلى أسبابها الحقيقية.. علاقات الدم والأبوة والبنوة الواقعية. وقال :( وما جعل أدعياءكم أبناءكم ).. ( ذلكم قولكم بأفواهكم ).. والكلام لا يغير واقعا، ولا ينشئ علاقة غير علاقة الدم، وعلاقة الوراثة للخصائص التي تحملها النطفة، وعلاقة المشاعر الطبيعية الناشئة من كون الولد بضعة حية من جسم والده الحي !
( والله يقول الحق وهو يهدي السبيل )..
يقول الحق المطلق الذي لا يلابسه باطل. ومن الحق إقامة العلاقات على تلك الرابطة الحقة المستمدة من اللحم والدم، لا على كلمة تقال بالفم. ( وهو يهدي السبيل )المستقيم، المتصل بناموس الفطرة الأصيل، الذي لا يغني غناءه سبيل آخر من صنع البشر، يصنعونه بأفواههم. بكلمات لا مدلول لها من الواقع. فتغلبها كلمة الحق والفطرة التي يقولها الله ويهدي بها السبيل.
( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله )..
وإنه لقسط وعدل أن يدعى الولد لأبيه. عدل للوالد الذي نشأ هذا الولد من بضعة منه حية. وعدل للولد الذي يحمل اسم أبيه، ويرثه ويورثه، ويتعاون معه ويكون امتدادا له بوراثاته الكامنة، وتمثيله لخصائصه وخصائص آبائه وأجداده. وعدل للحق في ذاته الذي يضع كل شيء في مكانه ؛ ويقيم كل علاقة على أصلها الفطري، ولا يضيع مزية على والد ولا ولد ؛ كما أنه لا يحمل غير الوالد الحقيقي تبعة البنوة، ولا يعطيه مزاياها. ولا يحمل غير الولد الحقيقي تبعة البنوة ولا يحابيه بخيراتها !
وهذا هو النظام الذي يجعل التبعات في الأسرة متوازنة. ويقيم الأسرة على أساس ثابت دقيق مستمد من الواقع. وهو في الوقت ذاته يقيم بناء المجتمع على قاعدة حقيقية قوية بما فيها من الحق ومن مطابقة الواقع الفطري العميق.. وكل نظام يتجاهل حقيقة الأسرة الطبيعية هو نظام فاشل، ضعيف، مزور الأسس، لا يمكن أن يعيش !
ونظرا للفوضى في علاقات الأسرة في الجاهلية والفوضى الجنسية كذلك، التي تخلف عنها أن تختلط الأنساب، وأن يجهل الآباء في بعض الأحيان، فقد يسر الإسلام الأمر - وهو بصدد إعادة تنظيم الأسرة، وإقامة النظام الاجتماعي على أساسها - فقرر في حالة عدم الاهتداء إلى معرفة الآباء الحقيقيين مكانا للأدعياء في الجماعة الإسلامية، قائما على الأخوة في الدين والموالاة فيه :
( فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم )..
وهي علاقة أدبية شعورية ؛ لا تترتب عليها التزامات محددة، كالتزام التوارث والتكافل في دفع الديات - وهي التزامات النسب بالدم، التي كانت تلتزم كذلك بالتبني - وذلك كي لا يترك هؤلاء الأدعياء بغير رابطة في الجماعة بعد إلغاء رابطة التبني.
وهذا النص :( فإن لم تعلموا آباءهم ).. يصور لنا حقيقة الخلخلة في المجتمع الجاهلي. وحقيقة الفوضى في العلاقات الجنسية. هذه الفوضى وتلك الخلخلة التي عالجها الإسلام بإقامة نظام الأسرة على أساس الأبوة. وإقامة نظام المجتمع على أساس الأسرة السليمة.
وبعد الاجتهاد في رد الأنساب إلى حقائقها فليس على المؤمنين من مؤاخذة في الحالات التي يعجزون عن الاهتداء فيها إلى النسب الصحيح :
( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ؛ ولكن ما تعمدت قلوبكم )..
وهذه السماحة مردها إلى أن الله سبحانه وتعالى يتصف بالغفران والرحمة، فلا يعنت الناس بما لا يستطيعون :
( وكان الله غفورا رحيما )..
ولقد شدد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] في التثبت والتأكد من النسب لتوكيد جدية التنظيم الجديد الذي يلغي كل أثر للتخلخل الاجتماعي الجاهلي. وتوعد الذين يكتمون الحقيقة في الأنساب بوصمة الكفر. قال ابن جرير : حدثنا يعقوب بن إبراهيم. حدثنا ابن علية. عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال : قال أبو بكر - رضي الله عنه - قال الله عز وجل :( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ).. فأنا ممن لا يعرف أبوه، فأنا من إخوانكم في الدين.. قال أبي [ من كلام عيينة بن عبد الرحمن ] : والله إني لأظنه لو علم أن أباه كان حمارا لانتمى إليه. وقد جاء في الحديث :" من ادعى إلى غير أبيه - وهو يعلم - إلا كفر ".. وهذا التشديد يتمشى مع عناية الإسلام بصيانة الأسرة وروابطها من كل شبهة ومن كل دخل ؛ وحياطتها بكل أسباب السلامة والاستقامة والقوة والثبوت. ليقيم عليها بناء المجتمع المتماسك السليم النظيف العفيف.
ومع ما هو مشهور من الاعتزاز بالعفة في المجتمع العربي، والاعتزاز بالنسب، فإنه كانت توجد إلى جانب هذا الاعتزاز ظواهر أخرى مناقضة في المجتمع، في غير البيوت المعدودة ذات النسب المشهور.
كان يوجد في المجتمع أبناء لا يعرف لهن آباء ! وكان الرجل يعجبه أحد هؤلاء فيتبناه. يدعوه ابنه، ويلحقه بنسبه، فيتوارث وإياه توارث النسب.
وكان هناك أبناء لهم آباء معروفون. ولكن كان الرجل يعجب بأحد هؤلاء فيأخذه لنفسه، ويتبناه، ويلحقه بنسبه، فيعرف بين الناس باسم الرجل الذي تبناه، ويدخل في أسرته. وكان هذا يقع بخاصة في السبي، حين يؤخذ الأطفال والفتيان في الحروب والغارات ؛ فمن شاء أن يلحق بنسبه واحدا من هؤلاء دعاه ابنه، وأطلق عليه اسمه، وعرف به، وصارت له حقوق البنوة وواجباتها.
ومن هؤلاء زيد بن حارثة الكلبي. وهو من قبيلة عربية. سبي صغيرا في غارة أيام الجاهلية ؛ فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة - رضي الله عنها - فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له. ثم طلبه أبوه وعمه فخيره رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فاختار رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فأعتقه، وتبناه، وكانوا يقولون عنه : زيد بن محمد. وكان أول من آمن به من الموالي.
فلما شرع الإسلام ينظم علاقات الأسرة على الأساس الطبيعي لها، ويحكم روابطها، ويجعلها صريحة لا خلط فيها ولا تشويه.. أبطل عادة التبني هذه ؛ ورد علاقة النسب إلى أسبابها الحقيقية.. علاقات الدم والأبوة والبنوة الواقعية. وقال :( وما جعل أدعياءكم أبناءكم ).. ( ذلكم قولكم بأفواهكم ).. والكلام لا يغير واقعا، ولا ينشئ علاقة غير علاقة الدم، وعلاقة الوراثة للخصائص التي تحملها النطفة، وعلاقة المشاعر الطبيعية الناشئة من كون الولد بضعة حية من جسم والده الحي !
( والله يقول الحق وهو يهدي السبيل )..
يقول الحق المطلق الذي لا يلابسه باطل. ومن الحق إقامة العلاقات على تلك الرابطة الحقة المستمدة من اللحم والدم، لا على كلمة تقال بالفم. ( وهو يهدي السبيل )المستقيم، المتصل بناموس الفطرة الأصيل، الذي لا يغني غناءه سبيل آخر من صنع البشر، يصنعونه بأفواههم. بكلمات لا مدلول لها من الواقع. فتغلبها كلمة الحق والفطرة التي يقولها الله ويهدي بها السبيل.
( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله )..
وإنه لقسط وعدل أن يدعى الولد لأبيه. عدل للوالد الذي نشأ هذا الولد من بضعة منه حية. وعدل للولد الذي يحمل اسم أبيه، ويرثه ويورثه، ويتعاون معه ويكون امتدادا له بوراثاته الكامنة، وتمثيله لخصائصه وخصائص آبائه وأجداده. وعدل للحق في ذاته الذي يضع كل شيء في مكانه ؛ ويقيم كل علاقة على أصلها الفطري، ولا يضيع مزية على والد ولا ولد ؛ كما أنه لا يحمل غير الوالد الحقيقي تبعة البنوة، ولا يعطيه مزاياها. ولا يحمل غير الولد الحقيقي تبعة البنوة ولا يحابيه بخيراتها !
وهذا هو النظام الذي يجعل التبعات في الأسرة متوازنة. ويقيم الأسرة على أساس ثابت دقيق مستمد من الواقع. وهو في الوقت ذاته يقيم بناء المجتمع على قاعدة حقيقية قوية بما فيها من الحق ومن مطابقة الواقع الفطري العميق.. وكل نظام يتجاهل حقيقة الأسرة الطبيعية هو نظام فاشل، ضعيف، مزور الأسس، لا يمكن أن يعيش !
ونظرا للفوضى في علاقات الأسرة في الجاهلية والفوضى الجنسية كذلك، التي تخلف عنها أن تختلط الأنساب، وأن يجهل الآباء في بعض الأحيان، فقد يسر الإسلام الأمر - وهو بصدد إعادة تنظيم الأسرة، وإقامة النظام الاجتماعي على أساسها - فقرر في حالة عدم الاهتداء إلى معرفة الآباء الحقيقيين مكانا للأدعياء في الجماعة الإسلامية، قائما على الأخوة في الدين والموالاة فيه :
( فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم )..
وهي علاقة أدبية شعورية ؛ لا تترتب عليها التزامات محددة، كالتزام التوارث والتكافل في دفع الديات - وهي التزامات النسب بالدم، التي كانت تلتزم كذلك بالتبني - وذلك كي لا يترك هؤلاء الأدعياء بغير رابطة في الجماعة بعد إلغاء رابطة التبني.
وهذا النص :( فإن لم تعلموا آباءهم ).. يصور لنا حقيقة الخلخلة في المجتمع الجاهلي. وحقيقة الفوضى في العلاقات الجنسية. هذه الفوضى وتلك الخلخلة التي عالجها الإسلام بإقامة نظام الأسرة على أساس الأبوة. وإقامة نظام المجتمع على أساس الأسرة السليمة.
وبعد الاجتهاد في رد الأنساب إلى حقائقها فليس على المؤمنين من مؤاخذة في الحالات التي يعجزون عن الاهتداء فيها إلى النسب الصحيح :
( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ؛ ولكن ما تعمدت قلوبكم )..
وهذه السماحة مردها إلى أن الله سبحانه وتعالى يتصف بالغفران والرحمة، فلا يعنت الناس بما لا يستطيعون :
( وكان الله غفورا رحيما )..
ولقد شدد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] في التثبت والتأكد من النسب لتوكيد جدية التنظيم الجديد الذي يلغي كل أثر للتخلخل الاجتماعي الجاهلي. وتوعد الذين يكتمون الحقيقة في الأنساب بوصمة الكفر. قال ابن جرير : حدثنا يعقوب بن إبراهيم. حدثنا ابن علية. عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال : قال أبو بكر - رضي الله عنه - قال الله عز وجل :( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ).. فأنا ممن لا يعرف أبوه، فأنا من إخوانكم في الدين.. قال أبي [ من كلام عيينة بن عبد الرحمن ] : والله إني لأظنه لو علم أن أباه كان حمارا لانتمى إليه. وقد جاء في الحديث :" من ادعى إلى غير أبيه - وهو يعلم - إلا كفر ".. وهذا التشديد يتمشى مع عناية الإسلام بصيانة الأسرة وروابطها من كل شبهة ومن كل دخل ؛ وحياطتها بكل أسباب السلامة والاستقامة والقوة والثبوت. ليقيم عليها بناء المجتمع المتماسك السليم النظيف العفيف.
آية رقم ٦
بعد ذلك يقرر إبطال نظام المؤاخاة كما أبطل نظام التبني. ونظام المؤاخاة لم يكن جاهليا ؛ إنما هو نظام استحدثه الإسلام بعد الهجرة، لمواجهة حالة المهاجرين الذين تركوا أموالهم وأهليهم في مكة ؛ ومواجهة الحالة كذلك بين المسلمين في المدينة ممن انفصلت علاقاتهم بأسرهم نتيجة لإسلامهم.. وذلك مع تقرير الولاية العامة للنبي[ صلى الله عليه وسلم ] وتقديمها على جميع ولايات النسب ؛ وتقرير الأمومة الروحية بين أزواجه [ صلى الله عليه وسلم ] وجميع المؤمنين :
النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم ؛ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين. إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا. كان ذلك في الكتاب مسطورا..
لقد هاجر المهاجرون من مكة إلى المدينة، تاركين وراءهم كل شيء، فارين إلى الله بدينهم، مؤثرين عقيدتهم على وشائج القربى، وذخائر المال، وأسباب الحياة، وذكريات الطفولة والصبا، ومودات الصحبة والرفقة، ناجين بعقيدتهم وحدها، متخلين عن كل ما عداها. وكانوا بهذه الهجرة على هذا النحو، وعلى هذا الانسلاخ من كل عزيز على النفس، بما في ذلك الأهل والزوج والولد - المثل الحي الواقع في الأرض على تحقق العقيدة في صورتها الكاملة، واستيلائها على القلب، بحيث لا تبقى فيه بقية لغير العقيدة. وعلى توحيد الشخصية الإنسانية لتصدق قول الله تعالى :( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه )..
كذلك وقع في المدينة شيء من هذا في صورة أخرى. فقد دخل في الإسلام أفراد من بيوت، وظل آخرون فيها على الشرك. فانبتت العلاقة بينهم وبين قرابتهم. ووقع على أية حال تخلخل في الروابط العائلية ؛ وتخلخل أوسع منه في الارتباطات الاجتماعية.
وكان المجتمع الإسلامي لا يزال وليدا، والدولة الإسلامية الناشئة أقرب إلى أن تكون فكرة مسيطرة على النفس، من أن تكون نظاما مستندا إلى أوضاع مقررة.
هنا ارتفعت موجة من المد الشعوري للعقيدة الجديدة، تغطي على كل العواطف والمشاعر، وكل الأوضاع والتقاليد، وكل الصلات والروابط. لتجعل العقيدة وحدها هي الوشيجة التي تربط القلوب، وتربط - في الوقت ذاته - الوحدات التي انفصلت عن أصولها الطبيعية في الأسرة والقبيلة ؛ فتقوم بينها مقام الدم والنسب، والمصلحة والصداقة والجنس واللغة وتمزج بين هذه الوحدات الداخلة في الإسلام، فتجعل منها كتلة حقيقية متماسكة متجانسة متعاونة متكافلة. لا بنصوص التشريع، ولا بأوامر الدولة ؛ ولكن بدافع داخلي ومد شعوري. يتجاوز كل ما ألفه البشر في حياتهم العادية. وقامت الجماعة الإسلامية على هذا الأساس، حيث لم يكن مستطاعا أن تقوم على تنظيم الدولة وقوة الأوضاع.
نزل المهاجرون على إخوانهم الأنصار، الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم ؛ فاستقبلوهم في دورهم وفي قلوبهم، وفي أموالهم. وتسابقوا إلى إيوائهم ؛ وتنافسوا فيهم حتى لم ينزل مهاجري في دار أنصاري إلا بقرعة. إذ كان عدد المهاجرين أقل من عدد الراغبين في إيوائهم من الأنصار. وشاركوهم كل شيء عن رضى نفس، وطيب خاطر، وفرح حقيقي مبرأ من الشح الفطري، كما هو مبرأ من الخيلاء والمراءاة !
وآخى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بين رجال من المهاجرين ورجال من الأنصار. وكان هذا الإخاء صلة فريدة في تاريخ التكافل بين أصحاب العقائد. وقام هذا الإخاء مقام أخوة الدم، فكان يشمل التوارث والالتزامات الأخرى الناشئة عن وشيجة النسب كالديات وغيرها.
وارتفع المد الشعوري في هذا إلى ذروة عالية ؛ وأخذ المسلمون هذه العلاقة الجديدة مأخذ الجد - شأنهم فيها شأنهم في كل ما جاءهم به الإسلام - وقام هذا المد في إنشاء المجتمع الإسلامي وحياطته مقام الدولة المتمكنة والتشريع المستقر والأوضاع المسلمة. بل بما هو أكثر. وكان ضروريا لحفظ هذه الجماعة الوليدة وتماسكها في مثل تلك الظروف الاستثنائية المتشابكة التي قامت فيها.
وإن مثل هذا المد الشعوري لضروري لنشأة كل جماعة تواجه مثل تلك الظروف، حتى توجد الدولة المتمكنة والتشريع المستقر والأوضاع المسلمة، التي توفر الضمانات الاستثنائية لحياة تلك الجماعة ونموها وحمايتها. وذلك إلى أن تنشأ الأحوال والأوضاع الطبيعية.
وإن الإسلام - مع حفاوته بذلك المد الشعوري، واستبقاء ينابيعه في القلب مفتوحة دائما فوارة دائما، مستعدة للفيضان. لحريص على أن يقيم بناءه على أساس الطاقة العادية، للنفس البشرية لا على أساس الفورات الاستثنائية، التي تؤدي دورها في الفترات الاستثنائية ؛ ثم تترك مكانها للمستوى الطبيعي، وللنظام العادي، متى انقضت فترة الضرورة الخاصة.
ومن ثم عاد القرآن الكريم - بمجرد استقرار الأحوال في المدينة شيئا ما بعد غزوة بدر، واستتباب الأمر للدولة الإسلامية، وقيام أوضاع اجتماعية مستقرة بعض الاستقرار، ووجود أسباب معقولة للارتزاق، وتوفر قدر من الكفاية للجميع على إثر السرايا التي جاءت بعد غزوة بدر الكبرى، وبخاصة ما غنمه المسلمون من أموال بني قينقاع بعد إجلائهم.. عاد القرآن الكريم بمجرد توفر هذه الضمانات إلى إلغاء نظام المؤاخاة من ناحية الالتزامات الناشئة من الدم والنسب، مستبقيا إياه من ناحية العواطف والمشاعر، ليعود إلى العمل إذا دعت الضرورة. ورد الأمور إلى حالتها الطبيعية في الجماعة الإسلامية. فرد الإرث والتكافل في الديات إلى قرابة الدم والنسب - كما هي أصلا في كتاب الله القديم وناموسه الطبيعي : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا. كان ذلك في الكتاب مسطورا..
وقرر في الوقت ذاته الولاية العامة للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] وهي ولاية تتقدم على قرابة الدم، بل على قرابة النفس ! :( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ).. وقرر الأمومة الشعورية لأزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بالنسبة لجميع المؤمنين :( وأزواجه أمهاتهم )..
وولاية النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ولاية عامة تشمل رسم منهاج الحياة بحذافيرها، وأمر المؤمنين فيها إلى الرسول - عليه صلوات الله وسلامه - ليس لهم أن يختاروا إلا ما اختاره لهم بوحي من ربه :" لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ".
وتشمل مشاعرهم فيكون شخصه [ صلى الله عليه وسلم ] أحب إليهم من أنفسهم. فلا يرغبون بأنفسهم عنه ؛ ولا يكون في قلوبهم شخص أو شيء مقدم على ذاته ! جاء في الصحيح :" والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين ". وفي الصحيح أيضا أن عمر - رضي الله عنه - قال : يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال [ صلى الله عليه وسلم ] :" لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك ". فقال : يا رسول الله والله لأنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي. فقال [ صلى الله عليه وسلم ] :" الآن يا عمر ".
وليست هذه كلمة تقال، ولكنها مرتقى عال، لا يصل إليه القلب إلا بلمسة لدنية مباشرة تفتحه على هذا الأفق السامي الوضيء ؛ الذي يخلص فيه من جاذبية الذات وحبها المتوشج بالحنايا والشعاب. فإن الإنسان ليحب ذاته ويحب كل ما يتعلق بها حبا فوق ما يتصور، وفوق ما يدرك ! وإنه ليخيل إليه أحيانا أنه طوع مشاعره، وراض نفسه، وخفض من غلوائه في حب ذاته، ثم ما يكاد يمس في شخصيته بما يخدش اعتزازه بها، حتى ينتفض فجأة كما لو كانت قد لدغته أفعى ! ويحس لهذه المسة لذعا لا يملك انفعاله معه، فإن ملكه كمن في مشاعره، وغار في أعماقه ! ولقد يروض نفسه على التضحية بحياته كلها ؛ ولكنه يصعبعليه أن يروضها على تقبل المساس بشخصيته فيما يعده تصغيرا لها، أو عيبا لشيء من خصائصها، أو نقدا لسمة من سماتها، أو تنقصا لصفة من صفاتها. وذلك رغم ما يزعمه صاحبها من عدم احتفاله أو تأثره ! والتغلب على هذا الحب العميق للذات ليس كلمة تقال باللسان، إنما هو كما قلنا مرتقى عال لا يصل إليه القلب إلا بلمسة لدنية ؛ أو بمحاولة طويلة ومرانة دائمة، ويقظة مستمرة ورغبة مخلصة تستنزل عون الله ومساعدته. وهي الجهاد الأكبر كما سماه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويكفي أن عمر - وهو من هو - قد احتاج فيها إلى لفتة من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] كانت هي اللمسة التي فتحت هذا القلب الصافي.
وتشمل الولاية العامة كذلك التزاماتهم. جاء في الصحيح.. " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة. اقرأوا إن شئتم ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم )فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا. وإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه ". والمعنى أنه يؤدي عنه دينه إن مات وليس له مال يفي بدينه ؛ ويعول عياله من بعده إن كانوا صغارا.
وفيما عدا هذا فإن الحياة تقوم على أصولها الطبيعية التي لا تحتاج إلى مد شعوري عال، ولا إلى فورة شعورية استثنائية. مع الإبقاء على صلات المودة بين الأولياء بعد إلغاء نظام الإخاء. فلا يمتنع أن يوصي الولي لوليه بعد مماته ؛ أو أن يهبه في حياته.. ( إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا )..
ويشد هذه الإجراءات كلها إلى العروة الأولى، ويقرر أن هذه إرادة الله التي سبق بها كتابه الأزلي :( كان ذلك في الكتاب مسطورا ).. فتقر القلوب وتطمئن ؛ وتستمسك بالأصل الكبير الذي يرجع إليه كل تشريع وكل تنظيم.
بذلك تستوي الحياة على أصولها الطبيعية ؛ وتسير في يسر وهوادة ؛ ولا تظل معلقة مشدودة إلى آفاق لا تبلغها عادة إلا في فترات استثنائية محدودة في حياة الجماعات والأفراد.
ثم يستبقي الإسلام ذلك الينبوع الفياض على استعداد للتفجر والفيضان، كلما اقتضت ذلك ضرورة طارئة في حياة الجماعة المسلمة.
النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم ؛ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين. إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا. كان ذلك في الكتاب مسطورا..
لقد هاجر المهاجرون من مكة إلى المدينة، تاركين وراءهم كل شيء، فارين إلى الله بدينهم، مؤثرين عقيدتهم على وشائج القربى، وذخائر المال، وأسباب الحياة، وذكريات الطفولة والصبا، ومودات الصحبة والرفقة، ناجين بعقيدتهم وحدها، متخلين عن كل ما عداها. وكانوا بهذه الهجرة على هذا النحو، وعلى هذا الانسلاخ من كل عزيز على النفس، بما في ذلك الأهل والزوج والولد - المثل الحي الواقع في الأرض على تحقق العقيدة في صورتها الكاملة، واستيلائها على القلب، بحيث لا تبقى فيه بقية لغير العقيدة. وعلى توحيد الشخصية الإنسانية لتصدق قول الله تعالى :( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه )..
كذلك وقع في المدينة شيء من هذا في صورة أخرى. فقد دخل في الإسلام أفراد من بيوت، وظل آخرون فيها على الشرك. فانبتت العلاقة بينهم وبين قرابتهم. ووقع على أية حال تخلخل في الروابط العائلية ؛ وتخلخل أوسع منه في الارتباطات الاجتماعية.
وكان المجتمع الإسلامي لا يزال وليدا، والدولة الإسلامية الناشئة أقرب إلى أن تكون فكرة مسيطرة على النفس، من أن تكون نظاما مستندا إلى أوضاع مقررة.
هنا ارتفعت موجة من المد الشعوري للعقيدة الجديدة، تغطي على كل العواطف والمشاعر، وكل الأوضاع والتقاليد، وكل الصلات والروابط. لتجعل العقيدة وحدها هي الوشيجة التي تربط القلوب، وتربط - في الوقت ذاته - الوحدات التي انفصلت عن أصولها الطبيعية في الأسرة والقبيلة ؛ فتقوم بينها مقام الدم والنسب، والمصلحة والصداقة والجنس واللغة وتمزج بين هذه الوحدات الداخلة في الإسلام، فتجعل منها كتلة حقيقية متماسكة متجانسة متعاونة متكافلة. لا بنصوص التشريع، ولا بأوامر الدولة ؛ ولكن بدافع داخلي ومد شعوري. يتجاوز كل ما ألفه البشر في حياتهم العادية. وقامت الجماعة الإسلامية على هذا الأساس، حيث لم يكن مستطاعا أن تقوم على تنظيم الدولة وقوة الأوضاع.
نزل المهاجرون على إخوانهم الأنصار، الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم ؛ فاستقبلوهم في دورهم وفي قلوبهم، وفي أموالهم. وتسابقوا إلى إيوائهم ؛ وتنافسوا فيهم حتى لم ينزل مهاجري في دار أنصاري إلا بقرعة. إذ كان عدد المهاجرين أقل من عدد الراغبين في إيوائهم من الأنصار. وشاركوهم كل شيء عن رضى نفس، وطيب خاطر، وفرح حقيقي مبرأ من الشح الفطري، كما هو مبرأ من الخيلاء والمراءاة !
وآخى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بين رجال من المهاجرين ورجال من الأنصار. وكان هذا الإخاء صلة فريدة في تاريخ التكافل بين أصحاب العقائد. وقام هذا الإخاء مقام أخوة الدم، فكان يشمل التوارث والالتزامات الأخرى الناشئة عن وشيجة النسب كالديات وغيرها.
وارتفع المد الشعوري في هذا إلى ذروة عالية ؛ وأخذ المسلمون هذه العلاقة الجديدة مأخذ الجد - شأنهم فيها شأنهم في كل ما جاءهم به الإسلام - وقام هذا المد في إنشاء المجتمع الإسلامي وحياطته مقام الدولة المتمكنة والتشريع المستقر والأوضاع المسلمة. بل بما هو أكثر. وكان ضروريا لحفظ هذه الجماعة الوليدة وتماسكها في مثل تلك الظروف الاستثنائية المتشابكة التي قامت فيها.
وإن مثل هذا المد الشعوري لضروري لنشأة كل جماعة تواجه مثل تلك الظروف، حتى توجد الدولة المتمكنة والتشريع المستقر والأوضاع المسلمة، التي توفر الضمانات الاستثنائية لحياة تلك الجماعة ونموها وحمايتها. وذلك إلى أن تنشأ الأحوال والأوضاع الطبيعية.
وإن الإسلام - مع حفاوته بذلك المد الشعوري، واستبقاء ينابيعه في القلب مفتوحة دائما فوارة دائما، مستعدة للفيضان. لحريص على أن يقيم بناءه على أساس الطاقة العادية، للنفس البشرية لا على أساس الفورات الاستثنائية، التي تؤدي دورها في الفترات الاستثنائية ؛ ثم تترك مكانها للمستوى الطبيعي، وللنظام العادي، متى انقضت فترة الضرورة الخاصة.
ومن ثم عاد القرآن الكريم - بمجرد استقرار الأحوال في المدينة شيئا ما بعد غزوة بدر، واستتباب الأمر للدولة الإسلامية، وقيام أوضاع اجتماعية مستقرة بعض الاستقرار، ووجود أسباب معقولة للارتزاق، وتوفر قدر من الكفاية للجميع على إثر السرايا التي جاءت بعد غزوة بدر الكبرى، وبخاصة ما غنمه المسلمون من أموال بني قينقاع بعد إجلائهم.. عاد القرآن الكريم بمجرد توفر هذه الضمانات إلى إلغاء نظام المؤاخاة من ناحية الالتزامات الناشئة من الدم والنسب، مستبقيا إياه من ناحية العواطف والمشاعر، ليعود إلى العمل إذا دعت الضرورة. ورد الأمور إلى حالتها الطبيعية في الجماعة الإسلامية. فرد الإرث والتكافل في الديات إلى قرابة الدم والنسب - كما هي أصلا في كتاب الله القديم وناموسه الطبيعي : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا. كان ذلك في الكتاب مسطورا..
وقرر في الوقت ذاته الولاية العامة للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] وهي ولاية تتقدم على قرابة الدم، بل على قرابة النفس ! :( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ).. وقرر الأمومة الشعورية لأزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بالنسبة لجميع المؤمنين :( وأزواجه أمهاتهم )..
وولاية النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ولاية عامة تشمل رسم منهاج الحياة بحذافيرها، وأمر المؤمنين فيها إلى الرسول - عليه صلوات الله وسلامه - ليس لهم أن يختاروا إلا ما اختاره لهم بوحي من ربه :" لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ".
وتشمل مشاعرهم فيكون شخصه [ صلى الله عليه وسلم ] أحب إليهم من أنفسهم. فلا يرغبون بأنفسهم عنه ؛ ولا يكون في قلوبهم شخص أو شيء مقدم على ذاته ! جاء في الصحيح :" والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين ". وفي الصحيح أيضا أن عمر - رضي الله عنه - قال : يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال [ صلى الله عليه وسلم ] :" لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك ". فقال : يا رسول الله والله لأنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي. فقال [ صلى الله عليه وسلم ] :" الآن يا عمر ".
وليست هذه كلمة تقال، ولكنها مرتقى عال، لا يصل إليه القلب إلا بلمسة لدنية مباشرة تفتحه على هذا الأفق السامي الوضيء ؛ الذي يخلص فيه من جاذبية الذات وحبها المتوشج بالحنايا والشعاب. فإن الإنسان ليحب ذاته ويحب كل ما يتعلق بها حبا فوق ما يتصور، وفوق ما يدرك ! وإنه ليخيل إليه أحيانا أنه طوع مشاعره، وراض نفسه، وخفض من غلوائه في حب ذاته، ثم ما يكاد يمس في شخصيته بما يخدش اعتزازه بها، حتى ينتفض فجأة كما لو كانت قد لدغته أفعى ! ويحس لهذه المسة لذعا لا يملك انفعاله معه، فإن ملكه كمن في مشاعره، وغار في أعماقه ! ولقد يروض نفسه على التضحية بحياته كلها ؛ ولكنه يصعبعليه أن يروضها على تقبل المساس بشخصيته فيما يعده تصغيرا لها، أو عيبا لشيء من خصائصها، أو نقدا لسمة من سماتها، أو تنقصا لصفة من صفاتها. وذلك رغم ما يزعمه صاحبها من عدم احتفاله أو تأثره ! والتغلب على هذا الحب العميق للذات ليس كلمة تقال باللسان، إنما هو كما قلنا مرتقى عال لا يصل إليه القلب إلا بلمسة لدنية ؛ أو بمحاولة طويلة ومرانة دائمة، ويقظة مستمرة ورغبة مخلصة تستنزل عون الله ومساعدته. وهي الجهاد الأكبر كما سماه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويكفي أن عمر - وهو من هو - قد احتاج فيها إلى لفتة من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] كانت هي اللمسة التي فتحت هذا القلب الصافي.
وتشمل الولاية العامة كذلك التزاماتهم. جاء في الصحيح.. " ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة. اقرأوا إن شئتم ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم )فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا. وإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه ". والمعنى أنه يؤدي عنه دينه إن مات وليس له مال يفي بدينه ؛ ويعول عياله من بعده إن كانوا صغارا.
وفيما عدا هذا فإن الحياة تقوم على أصولها الطبيعية التي لا تحتاج إلى مد شعوري عال، ولا إلى فورة شعورية استثنائية. مع الإبقاء على صلات المودة بين الأولياء بعد إلغاء نظام الإخاء. فلا يمتنع أن يوصي الولي لوليه بعد مماته ؛ أو أن يهبه في حياته.. ( إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا )..
ويشد هذه الإجراءات كلها إلى العروة الأولى، ويقرر أن هذه إرادة الله التي سبق بها كتابه الأزلي :( كان ذلك في الكتاب مسطورا ).. فتقر القلوب وتطمئن ؛ وتستمسك بالأصل الكبير الذي يرجع إليه كل تشريع وكل تنظيم.
بذلك تستوي الحياة على أصولها الطبيعية ؛ وتسير في يسر وهوادة ؛ ولا تظل معلقة مشدودة إلى آفاق لا تبلغها عادة إلا في فترات استثنائية محدودة في حياة الجماعات والأفراد.
ثم يستبقي الإسلام ذلك الينبوع الفياض على استعداد للتفجر والفيضان، كلما اقتضت ذلك ضرورة طارئة في حياة الجماعة المسلمة.
آية رقم ٧
وبمناسبة ما سطر في كتاب الله، وما سبقت به مشيئته، ليكون هو الناموس الباقي، والمنهج المطرد، يشير إلى ميثاق الله مع النبيين عامة، والنبي [ صلى الله عليه وسلم ] وأولي العزم من الرسل خاصة، في حمل أمانة هذا المنهج، والاستقامة عليه، وتبليغه للناس، والقيام عليه في الأمم التي أرسلوا إليها ؛ وذلك حتى يكون الناس مسؤولين عن هداهم وضلالهم وإيمانهم وكفرهم، بعد انقطاع الحجة بتبليغ الرسل عليهم صلوات الله وسلامه :
( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم، ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ؛ وأخذنا منهم ميثاقا غليظا. ليسأل الصادقين عن صدقهم، وأعد للكافرين عذابا أليما )..
إنه ميثاق واحد مطرد من لدن نوح - عليه السلام - إلى خاتم النبيين محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ميثاق واحد، ومنهج واحد، وأمانة واحدة يتسلمها كل منهم حتى يسلمها.
وقد عمم النص أولا :( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ).. ثم خصص صاحب القرآن الكريم وصاحب الدعوة العامة إلى العالمين :( ومنك ).. ثم عاد إلى أولي العزم من الرسل، وهم أصحاب أكبر الرسالات -
وبعد بيان أصحاب الميثاق عاد إلى وصف الميثاق نفسه :( وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ).. ووصف الميثاق بأنه غليظ منظور فيه إلى الأصل اللغوي للفظ ميثاق - وهو الحبل المفتول - الذي استعير للعهد والرابطة. وفيه من جانب آخر تجسيم للمعنوي يزيد إيحاءه للمشاعر.. وإنه لميثاق غليظ متين ذلك الميثاق بين الله والمختارين من عباده، ليتلقوا وحيه، ويبلغوا عنه، ويقوموا على منهجه في أمانة واستقامة.
( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم، ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ؛ وأخذنا منهم ميثاقا غليظا. ليسأل الصادقين عن صدقهم، وأعد للكافرين عذابا أليما )..
إنه ميثاق واحد مطرد من لدن نوح - عليه السلام - إلى خاتم النبيين محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ميثاق واحد، ومنهج واحد، وأمانة واحدة يتسلمها كل منهم حتى يسلمها.
وقد عمم النص أولا :( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ).. ثم خصص صاحب القرآن الكريم وصاحب الدعوة العامة إلى العالمين :( ومنك ).. ثم عاد إلى أولي العزم من الرسل، وهم أصحاب أكبر الرسالات -
وبعد بيان أصحاب الميثاق عاد إلى وصف الميثاق نفسه :( وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ).. ووصف الميثاق بأنه غليظ منظور فيه إلى الأصل اللغوي للفظ ميثاق - وهو الحبل المفتول - الذي استعير للعهد والرابطة. وفيه من جانب آخر تجسيم للمعنوي يزيد إيحاءه للمشاعر.. وإنه لميثاق غليظ متين ذلك الميثاق بين الله والمختارين من عباده، ليتلقوا وحيه، ويبلغوا عنه، ويقوموا على منهجه في أمانة واستقامة.
آية رقم ٨
( ليسأل الصادقين عن صدقهم ).. والصادقون هم المؤمنون. فهم الذين قالوا كلمة الصدق، واعتنقوا عقيدة الصدق. ومن سواهم كاذب، لأنه يعتقد بالباطل ويقول كلمة الباطل. ومن ثم كان لهذا الوصف دلالته وإيحاؤه. وسؤالهم عن صدقهم يوم القيامة كما يسأل المعلم التلميذ النجيب الناجح عن إجابته التي استحق بها النجاح والتفوق، أمام المدعوين لحفل النتائج ! سؤال للتكريم، وللإعلان والإعلام على رؤوس الأشهاد، وبيان الاستحقاق، والثناء على المستحقين للتكريم في يوم الحشر العظيم !
فأما غير الصادقين. الذين دانوا بعقيدة الباطل، وقالوا كلمة الكذب في أكبر قضية يقال فيها الصدق أو يقال فيها الكذب. قضية العقيدة. فأما هؤلاء فلهم جزاء آخر حاضر مهيأ، يقف لهم في الانتظار :( وأعد للكافرين عذابا أليما )..
فأما غير الصادقين. الذين دانوا بعقيدة الباطل، وقالوا كلمة الكذب في أكبر قضية يقال فيها الصدق أو يقال فيها الكذب. قضية العقيدة. فأما هؤلاء فلهم جزاء آخر حاضر مهيأ، يقف لهم في الانتظار :( وأعد للكافرين عذابا أليما )..
آية رقم ٩
في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوما بعد يوم وحدثا بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنموا، وتتضح سماتها. وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة وقيمها الخاصة. وطابعها المميز بين سائر الجماعات.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
آية رقم ١٠
في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوما بعد يوم وحدثا بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنموا، وتتضح سماتها. وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة وقيمها الخاصة. وطابعها المميز بين سائر الجماعات.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
ثم يأخذ بعد هذا الإجمال في التفصيل والتصوير :
إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ؛ وإذ زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا. وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض : ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا. وإذ قالت طائفة منهم : يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا. ويستأذن فريق منهم النبي، يقولون : إن بيوتنا عورة - وما هي بعورة. إن يريدون إلا فرارا..
إنها صورة الهول الذي روع المدينة، والكرب الذي شملها، والذي لم ينج منه أحد من أهلها. وقد أطبق عليها المشركون من قريش وغطفان واليهود من بني قريظة من كل جانب. من أعلاها ومن أسفلها. فلم يختلف الشعور بالكرب والهول في قلب عن قلب ؛ وإنما الذي اختلف هو استجابة تلك القلوب، وظنها بالله، وسلوكها في الشدة، وتصوراتها للقيم والأسباب والنتائج. ومن ثم كان الابتلاء كاملا والامتحان دقيقا. والتمييز بين المؤمنين والمنافقين حاسما لا تردد فيه.
وننظر اليوم فنرى الموقف بكل سماته، وكل انفعالاته، وكل خلجاته، وكل حركاته، ماثلا أمامنا كأننا نراه من خلال هذا النص القصير.
ننظر فنرى الموقف من خارجه : إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم..
ثم ننظر فنرى أثر الموقف في النفوس :( وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ).. وهو تعبير مصور لحالة الخوف والكربة والضيق، يرسمها بملامح الوجوه وحركات القلوب.
( وتظنون بالله الظنونا ).. ولا يفصل هذه الظنون. ويدعها مجملة ترسم حالة الاضطراب في المشاعر والخوالج، وذهابها كل مذهب، واختلاف التصورات في شتى القلوب.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
ثم يأخذ بعد هذا الإجمال في التفصيل والتصوير :
إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ؛ وإذ زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا. وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض : ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا. وإذ قالت طائفة منهم : يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا. ويستأذن فريق منهم النبي، يقولون : إن بيوتنا عورة - وما هي بعورة. إن يريدون إلا فرارا..
إنها صورة الهول الذي روع المدينة، والكرب الذي شملها، والذي لم ينج منه أحد من أهلها. وقد أطبق عليها المشركون من قريش وغطفان واليهود من بني قريظة من كل جانب. من أعلاها ومن أسفلها. فلم يختلف الشعور بالكرب والهول في قلب عن قلب ؛ وإنما الذي اختلف هو استجابة تلك القلوب، وظنها بالله، وسلوكها في الشدة، وتصوراتها للقيم والأسباب والنتائج. ومن ثم كان الابتلاء كاملا والامتحان دقيقا. والتمييز بين المؤمنين والمنافقين حاسما لا تردد فيه.
وننظر اليوم فنرى الموقف بكل سماته، وكل انفعالاته، وكل خلجاته، وكل حركاته، ماثلا أمامنا كأننا نراه من خلال هذا النص القصير.
ننظر فنرى الموقف من خارجه : إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم..
ثم ننظر فنرى أثر الموقف في النفوس :( وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ).. وهو تعبير مصور لحالة الخوف والكربة والضيق، يرسمها بملامح الوجوه وحركات القلوب.
( وتظنون بالله الظنونا ).. ولا يفصل هذه الظنون. ويدعها مجملة ترسم حالة الاضطراب في المشاعر والخوالج، وذهابها كل مذهب، واختلاف التصورات في شتى القلوب.
آية رقم ١١
ﮖﮗﮘﮙﮚﮛ
ﮜ
في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوما بعد يوم وحدثا بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنموا، وتتضح سماتها. وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة وقيمها الخاصة. وطابعها المميز بين سائر الجماعات.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
ثم تزيد سمات الموقف بروزا، وتزيد خصائص الهول فيه وضوحا :( هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ).. والهول الذي يزلزل المؤمنين لا بد أن يكون هولا مروعا رعيبا.
قال محمد بن مسلمة وغيره : كان ليلنا بالخندق نهارا ؛ وكان المشركون يتناوبون بينهم، فيغدو أبو سفيان ابن حرب في اصحابه يوما، ويغدو خالد بن الوليد يوما، ويغدو عمرو بن العاص يوما، ويغدو هبيرة ابن أبي وهب يوما، ويغدو عكرمة بن أبي جهل يوما. ويغدو ضرار بن الخطاب يوما. حتى عظم البلاء وخاف الناس خوفا شديدا.
ويصور حال المسلمين ما رواه المقريزي في إمتاع الأسماع. قال :
ثم وافى المشركون سحرا، وعبأ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أصحابه فقاتلوا يومهم إلى هوي من الليل، وما يقدر رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا أحد من المسلمين أن يزولوا من موضعهم. وما قدر رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] على صلاة ظهر ولا عصر ولا مغرب ولا عشاء " فجعل أصحابه يقولون : يا رسول الله ما صلينا ! فيقول. ولا أنا والله ما صليت ! حتى كشف الله المشركين، ورجع كل من الفريقين إلى منزله، وقام أسيد بن حضير في مائتين على شفير الخندق، فكرت خيل للمشركين يطلبون غرة - وعليها خالد بن الوليد - فناوشهم ساعة، فزرق وحشى الطفيل بن النعمان بن خنساء الأنصاري السلمي بمزراق، فقتله كما قتل حمزة - رضي الله عنه - بأحد. وقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يومئذ :" شغلنا المشركون عن صلاة الوسطى صلاة العصر. ملأ الله أجوافهم وقلوبهم نارا "..
وخرجت طليعتان للمسلمين ليلا فالتقتا - ولا يشعر بعضهم ببعض، ولا يظنون إلا أنهم العدو. فكانت بينهم جراحة وقتل. ثم نادوا بشعار الإسلام ! ( حم. لا ينصرون )فكف بعضهم عن بعض. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" جراحكم في سبيل الله ومن قتل منكم فإنه شهيد "..
ولقد كان أشد الكرب على المسلمين، وهم محصورون بالمشركين داخل الخندق، ذلك الذي كان يجيئهم من انتقاض بني قريظة عليهم من خلفهم. فلم يكونوا يأمنون في أية لحظة أن ينقض عليهم المشركون من الخندق، وأن تميل عليهم يهود، وهم قلة بين هذه الجموع، التي جاءت بنية استئصالهم في معركة حاسمة أخيرة.
ذلك كله إلى ما كان من كيد المنافقين والمرجفين في المدينة وبين الصفوف :
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
ثم تزيد سمات الموقف بروزا، وتزيد خصائص الهول فيه وضوحا :( هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ).. والهول الذي يزلزل المؤمنين لا بد أن يكون هولا مروعا رعيبا.
قال محمد بن مسلمة وغيره : كان ليلنا بالخندق نهارا ؛ وكان المشركون يتناوبون بينهم، فيغدو أبو سفيان ابن حرب في اصحابه يوما، ويغدو خالد بن الوليد يوما، ويغدو عمرو بن العاص يوما، ويغدو هبيرة ابن أبي وهب يوما، ويغدو عكرمة بن أبي جهل يوما. ويغدو ضرار بن الخطاب يوما. حتى عظم البلاء وخاف الناس خوفا شديدا.
ويصور حال المسلمين ما رواه المقريزي في إمتاع الأسماع. قال :
ثم وافى المشركون سحرا، وعبأ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أصحابه فقاتلوا يومهم إلى هوي من الليل، وما يقدر رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا أحد من المسلمين أن يزولوا من موضعهم. وما قدر رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] على صلاة ظهر ولا عصر ولا مغرب ولا عشاء " فجعل أصحابه يقولون : يا رسول الله ما صلينا ! فيقول. ولا أنا والله ما صليت ! حتى كشف الله المشركين، ورجع كل من الفريقين إلى منزله، وقام أسيد بن حضير في مائتين على شفير الخندق، فكرت خيل للمشركين يطلبون غرة - وعليها خالد بن الوليد - فناوشهم ساعة، فزرق وحشى الطفيل بن النعمان بن خنساء الأنصاري السلمي بمزراق، فقتله كما قتل حمزة - رضي الله عنه - بأحد. وقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يومئذ :" شغلنا المشركون عن صلاة الوسطى صلاة العصر. ملأ الله أجوافهم وقلوبهم نارا "..
وخرجت طليعتان للمسلمين ليلا فالتقتا - ولا يشعر بعضهم ببعض، ولا يظنون إلا أنهم العدو. فكانت بينهم جراحة وقتل. ثم نادوا بشعار الإسلام ! ( حم. لا ينصرون )فكف بعضهم عن بعض. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" جراحكم في سبيل الله ومن قتل منكم فإنه شهيد "..
ولقد كان أشد الكرب على المسلمين، وهم محصورون بالمشركين داخل الخندق، ذلك الذي كان يجيئهم من انتقاض بني قريظة عليهم من خلفهم. فلم يكونوا يأمنون في أية لحظة أن ينقض عليهم المشركون من الخندق، وأن تميل عليهم يهود، وهم قلة بين هذه الجموع، التي جاءت بنية استئصالهم في معركة حاسمة أخيرة.
ذلك كله إلى ما كان من كيد المنافقين والمرجفين في المدينة وبين الصفوف :
آية رقم ١٢
في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوما بعد يوم وحدثا بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنموا، وتتضح سماتها. وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة وقيمها الخاصة. وطابعها المميز بين سائر الجماعات.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
( وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض : ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا )..
فقد وجد هؤلاء في الكرب المزلزل، والشدة الآخذة بالخناق فرصة للكشف عن خبيئة نفوسهم وهم آمنون من أن يلومهم أحد ؛ وفرصة للتوهين والتخذيل وبث الشك والريبة في وعد الله ووعد رسوله، وهم مطمئنون أن يأخذهم أحد بما يقولون. فالواقع بظاهره يصدقهم في التوهين والتشكيك. وهم مع هذا منطقيون مع أنفسهم ومشاعرهم ؛ فالهول قد أزاح عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمل، وروع نفوسهم ترويعا لا يثبت له إيمانهم المهلهل ! فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير مبقين ولا متجملين !
ومثل هؤلاء المنافقين والمرجفين قائمون في كل جماعة ؛ وموقفهم في الشدة هو موقف إخوانهم هؤلاء. فهم نموذج مكرر في الأجيال والجماعات على مدار الزمان !
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
( وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض : ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا )..
فقد وجد هؤلاء في الكرب المزلزل، والشدة الآخذة بالخناق فرصة للكشف عن خبيئة نفوسهم وهم آمنون من أن يلومهم أحد ؛ وفرصة للتوهين والتخذيل وبث الشك والريبة في وعد الله ووعد رسوله، وهم مطمئنون أن يأخذهم أحد بما يقولون. فالواقع بظاهره يصدقهم في التوهين والتشكيك. وهم مع هذا منطقيون مع أنفسهم ومشاعرهم ؛ فالهول قد أزاح عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمل، وروع نفوسهم ترويعا لا يثبت له إيمانهم المهلهل ! فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير مبقين ولا متجملين !
ومثل هؤلاء المنافقين والمرجفين قائمون في كل جماعة ؛ وموقفهم في الشدة هو موقف إخوانهم هؤلاء. فهم نموذج مكرر في الأجيال والجماعات على مدار الزمان !
آية رقم ١٣
في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوما بعد يوم وحدثا بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنموا، وتتضح سماتها. وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة وقيمها الخاصة. وطابعها المميز بين سائر الجماعات.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
( وإذ قالت طائفة منهم : يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا )..
فهم يحرضون أهل المدينة على ترك الصفوف، والعودة إلى بيوتهم، بحجة أن إقامتهم أمام الخندق مرابطين هكذا، لا موضع لها ولا محل، وبيوتهم معرضة للخطر من ورائهم.. وهي دعوة خبيثة تأتي النفوس من الثغرة الضعيفة فيها، ثغرة الخوف على النساء والذراري. والخطر محدق والهول جامح، والظنون لا تثبت ولا تستقر !
( ويستأذن فريق منهم النبي، يقولون : إن بيوتنا عورة )..
يستأذنون بحجة أن بيوتهم مكشوفة للعدو. متروكة بلا حماية.
وهنا يكشف القرآن عن الحقيقة، ويجردهم من العذر والحجة :
( وما هي بعورة )..
ويضبطهم متلبسين بالكذب والاحتيال والجبن والفرار :
( إن يريدون إلا فرارا )..
وقد روي أن بني حارثة بعثت بأوس بن قيظي إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقولون :( إن بيوتنا عورة )، وليس دار من دور الأنصار مثل دورنا. ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا، فأذن لنا فلنرجعإلى دورنا، فنمنع ذرارينا ونساءنا. فأذن لهم [ صلى الله عليه وسلم ] فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال : يا رسول الله لا تأذن لهم. إنا والله ما اصابنا وإياهم شدة إلا صنعوا هكذا.. فردهم..
فهكذا كان أولئك الذين يجبههم القرآن بأنهم :( إن يريدون إلا فرارا )..
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
( وإذ قالت طائفة منهم : يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا )..
فهم يحرضون أهل المدينة على ترك الصفوف، والعودة إلى بيوتهم، بحجة أن إقامتهم أمام الخندق مرابطين هكذا، لا موضع لها ولا محل، وبيوتهم معرضة للخطر من ورائهم.. وهي دعوة خبيثة تأتي النفوس من الثغرة الضعيفة فيها، ثغرة الخوف على النساء والذراري. والخطر محدق والهول جامح، والظنون لا تثبت ولا تستقر !
( ويستأذن فريق منهم النبي، يقولون : إن بيوتنا عورة )..
يستأذنون بحجة أن بيوتهم مكشوفة للعدو. متروكة بلا حماية.
وهنا يكشف القرآن عن الحقيقة، ويجردهم من العذر والحجة :
( وما هي بعورة )..
ويضبطهم متلبسين بالكذب والاحتيال والجبن والفرار :
( إن يريدون إلا فرارا )..
وقد روي أن بني حارثة بعثت بأوس بن قيظي إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقولون :( إن بيوتنا عورة )، وليس دار من دور الأنصار مثل دورنا. ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا، فأذن لنا فلنرجعإلى دورنا، فنمنع ذرارينا ونساءنا. فأذن لهم [ صلى الله عليه وسلم ] فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال : يا رسول الله لا تأذن لهم. إنا والله ما اصابنا وإياهم شدة إلا صنعوا هكذا.. فردهم..
فهكذا كان أولئك الذين يجبههم القرآن بأنهم :( إن يريدون إلا فرارا )..
آية رقم ١٤
في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوما بعد يوم وحدثا بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنموا، وتتضح سماتها. وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة وقيمها الخاصة. وطابعها المميز بين سائر الجماعات.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
ويقف السياق عند هذه اللقطة الفنية المصورة لموقف البلبلة والفزع والمراوغة. يقف ليرسم صورة نفسية لهؤلاء المنافقين والذين في قلوبهم مرض. صورة نفسية داخلية لوهن العقيدة، وخور القلب، والاستعداد للانسلاخ من الصف بمجرد مصادفة غير مبقين على شيء، ولا متجملين لشيء :
( ولو دخلت عليهم من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة لآتوها، وما تلبثوا بها إلا يسيرا )..
ذلك كان شأنهم والأعداء بعد خارج المدينة ؛ ولم تقتحم عليهم بعد. ومهما يكن الكرب والفزع، فالخطر المتوقع غير الخطر الواقع، فاما لو وقع واقتحمت عليهم المدينة من أطرافها.. ( ثم سئلوا الفتنة )وطلبت إليهم الردة عن دينهم( لآتوها )سراعا غير متلبثين، ولا مترددين( إلا قليلا )من الوقت، أو إلا قليلا منهم يتلبثون شيئا ما قبل أن يستجيبوا ويستسلموا ويرتدوا كفارا ! فهي عقيدة واهنة لا تثبت ؛ وهو جبن غامر لا يملكون معه مقاومة !
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
ويقف السياق عند هذه اللقطة الفنية المصورة لموقف البلبلة والفزع والمراوغة. يقف ليرسم صورة نفسية لهؤلاء المنافقين والذين في قلوبهم مرض. صورة نفسية داخلية لوهن العقيدة، وخور القلب، والاستعداد للانسلاخ من الصف بمجرد مصادفة غير مبقين على شيء، ولا متجملين لشيء :
( ولو دخلت عليهم من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة لآتوها، وما تلبثوا بها إلا يسيرا )..
ذلك كان شأنهم والأعداء بعد خارج المدينة ؛ ولم تقتحم عليهم بعد. ومهما يكن الكرب والفزع، فالخطر المتوقع غير الخطر الواقع، فاما لو وقع واقتحمت عليهم المدينة من أطرافها.. ( ثم سئلوا الفتنة )وطلبت إليهم الردة عن دينهم( لآتوها )سراعا غير متلبثين، ولا مترددين( إلا قليلا )من الوقت، أو إلا قليلا منهم يتلبثون شيئا ما قبل أن يستجيبوا ويستسلموا ويرتدوا كفارا ! فهي عقيدة واهنة لا تثبت ؛ وهو جبن غامر لا يملكون معه مقاومة !
آية رقم ١٥
في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوما بعد يوم وحدثا بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنموا، وتتضح سماتها. وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة وقيمها الخاصة. وطابعها المميز بين سائر الجماعات.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
هكذا يكشفهم القرآن ؛ ويقف نفوسهم عارية من كل ستار.. ثم يصمهم بعد هذا بنقض العهد وخلف الوعد. ومع من ؟ مع الله الذي عاهدوه من قبل على غير هذا ؛ ثم لم يرعوا مع الله عهدا :
( ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار. وكان عهد الله مسؤولا ).
قال ابن هشام من رواية ابن إسحاق في السيرة : هم بنو حارثة، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة حين همتا بالفشل يومها. ثم عاهدوا الله ألا يعودوا لمثلها أبدا. فذكر لهم الذي أعطوا من أنفسهم.
فأما يوم أحد فقد تداركهم الله برحمته ورعايته، وثبتهم، وعصمهم من عواقب الفشل. وكان ذلك درسا من دروس التربية في أوائل العهد بالجهاد. فأما اليوم، وبعد الزمن الطويل، والتجربة الكافية، فالقرآن يواجههم هذه المواجهة العنيفة.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
هكذا يكشفهم القرآن ؛ ويقف نفوسهم عارية من كل ستار.. ثم يصمهم بعد هذا بنقض العهد وخلف الوعد. ومع من ؟ مع الله الذي عاهدوه من قبل على غير هذا ؛ ثم لم يرعوا مع الله عهدا :
( ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار. وكان عهد الله مسؤولا ).
قال ابن هشام من رواية ابن إسحاق في السيرة : هم بنو حارثة، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة حين همتا بالفشل يومها. ثم عاهدوا الله ألا يعودوا لمثلها أبدا. فذكر لهم الذي أعطوا من أنفسهم.
فأما يوم أحد فقد تداركهم الله برحمته ورعايته، وثبتهم، وعصمهم من عواقب الفشل. وكان ذلك درسا من دروس التربية في أوائل العهد بالجهاد. فأما اليوم، وبعد الزمن الطويل، والتجربة الكافية، فالقرآن يواجههم هذه المواجهة العنيفة.
آية رقم ١٦
في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوما بعد يوم وحدثا بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنموا، وتتضح سماتها. وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة وقيمها الخاصة. وطابعها المميز بين سائر الجماعات.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
وعند هذا المقطع - وهم أمام العهد المنقوض ابتغاء النجاة من الخطر والأمان من الفزع - يقرر القرآن إحدى القيم الباقية التي يقررها في أوانها ؛ ويصحح التصور الذي يدعوهم إلى نقض العهد والفرار :
قل : لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل ؛ وإذن لا تمتعون إلا قليلا. قل : من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ؛ ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا..
إن قدر الله هو المسيطر على الأحداث والمصائر، يدفعها في الطريق المرسوم، وينتهي بها إلى النهاية المحتومة. والموت أو القتل قدر لا مفر من لقائه، في موعده، لا يستقدم لحظة ولا يستأخر. ولن ينفع الفرار في دفع القدر المحتوم عن فار. فإذا فروا فإنهم ملاقون حتفهم المكتوب، في موعده القريب. وكل موعد في الدنيا قريب، وكل متاع فيها قليل. ولا عاصم من الله ولا من يحول دون نفاذ مشيئته. سواء أراد بهم سوءا أم أراد بهم رحمة، ولا مولى لهم ولا نصير، من دون الله، يحميهم ويمنعهم من قدر الله.
فالاستسلام الاستسلام. والطاعة الطاعة. والوفاء الوفاء بالعهد مع الله، في السراء والضراء. ورجعالأمر إليه، والتوكل الكامل عليه. ثم يفعل الله ما يشاء.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
وعند هذا المقطع - وهم أمام العهد المنقوض ابتغاء النجاة من الخطر والأمان من الفزع - يقرر القرآن إحدى القيم الباقية التي يقررها في أوانها ؛ ويصحح التصور الذي يدعوهم إلى نقض العهد والفرار :
قل : لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل ؛ وإذن لا تمتعون إلا قليلا. قل : من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ؛ ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا..
إن قدر الله هو المسيطر على الأحداث والمصائر، يدفعها في الطريق المرسوم، وينتهي بها إلى النهاية المحتومة. والموت أو القتل قدر لا مفر من لقائه، في موعده، لا يستقدم لحظة ولا يستأخر. ولن ينفع الفرار في دفع القدر المحتوم عن فار. فإذا فروا فإنهم ملاقون حتفهم المكتوب، في موعده القريب. وكل موعد في الدنيا قريب، وكل متاع فيها قليل. ولا عاصم من الله ولا من يحول دون نفاذ مشيئته. سواء أراد بهم سوءا أم أراد بهم رحمة، ولا مولى لهم ولا نصير، من دون الله، يحميهم ويمنعهم من قدر الله.
فالاستسلام الاستسلام. والطاعة الطاعة. والوفاء الوفاء بالعهد مع الله، في السراء والضراء. ورجعالأمر إليه، والتوكل الكامل عليه. ثم يفعل الله ما يشاء.
آية رقم ١٧
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٦:م٩
وعند هذا المقطع - وهم أمام العهد المنقوض ابتغاء النجاة من الخطر والأمان من الفزع - يقرر القرآن إحدى القيم الباقية التي يقررها في أوانها ؛ ويصحح التصور الذي يدعوهم إلى نقض العهد والفرار :
قل : لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل ؛ وإذن لا تمتعون إلا قليلا. قل : من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ؛ ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا..
إن قدر الله هو المسيطر على الأحداث والمصائر، يدفعها في الطريق المرسوم، وينتهي بها إلى النهاية المحتومة. والموت أو القتل قدر لا مفر من لقائه، في موعده، لا يستقدم لحظة ولا يستأخر. ولن ينفع الفرار في دفع القدر المحتوم عن فار. فإذا فروا فإنهم ملاقون حتفهم المكتوب، في موعده القريب. وكل موعد في الدنيا قريب، وكل متاع فيها قليل. ولا عاصم من الله ولا من يحول دون نفاذ مشيئته. سواء أراد بهم سوءا أم أراد بهم رحمة، ولا مولى لهم ولا نصير، من دون الله، يحميهم ويمنعهم من قدر الله.
فالاستسلام الاستسلام. والطاعة الطاعة. والوفاء الوفاء بالعهد مع الله، في السراء والضراء. ورجعالأمر إليه، والتوكل الكامل عليه. ثم يفعل الله ما يشاء.
وعند هذا المقطع - وهم أمام العهد المنقوض ابتغاء النجاة من الخطر والأمان من الفزع - يقرر القرآن إحدى القيم الباقية التي يقررها في أوانها ؛ ويصحح التصور الذي يدعوهم إلى نقض العهد والفرار :
قل : لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل ؛ وإذن لا تمتعون إلا قليلا. قل : من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ؛ ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا..
إن قدر الله هو المسيطر على الأحداث والمصائر، يدفعها في الطريق المرسوم، وينتهي بها إلى النهاية المحتومة. والموت أو القتل قدر لا مفر من لقائه، في موعده، لا يستقدم لحظة ولا يستأخر. ولن ينفع الفرار في دفع القدر المحتوم عن فار. فإذا فروا فإنهم ملاقون حتفهم المكتوب، في موعده القريب. وكل موعد في الدنيا قريب، وكل متاع فيها قليل. ولا عاصم من الله ولا من يحول دون نفاذ مشيئته. سواء أراد بهم سوءا أم أراد بهم رحمة، ولا مولى لهم ولا نصير، من دون الله، يحميهم ويمنعهم من قدر الله.
فالاستسلام الاستسلام. والطاعة الطاعة. والوفاء الوفاء بالعهد مع الله، في السراء والضراء. ورجعالأمر إليه، والتوكل الكامل عليه. ثم يفعل الله ما يشاء.
آية رقم ١٨
في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوما بعد يوم وحدثا بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنموا، وتتضح سماتها. وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة وقيمها الخاصة. وطابعها المميز بين سائر الجماعات.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
ثم يستطرد إلى تقرير علم الله بالمعوقين، الذين يقعدون عن الجهاد ويدعون غيرهم إلى القعود. ويقولون لهم :( لا مقام لكم فارجعوا ).. ويرسم لهم صورة نفسية مبدعة. وهي - على صدقها - تثير الضحك والسخرية من هذا النموذج المكرور في الناس. صورة للجبن والانزواء، والفزع والهلع. في ساعة الشدة. والانتفاش وسلاطة اللسان عند الرخاء. والشح على الخير والضن ببذل أي جهد فيه. والجزع والاضطراب عند توهم الخطر من بعيد.. والتعبير القرآني يرسم هذه الصورة في لمسات فنية مبدعة لا سبيل إلى استبدالها أو ترجمتها في غير سياقها المعجز :
( قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم : هلم إلينا، ولا يأتون البأس إلا قليلا. أشحة عليكم. فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت. فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد. أشحة على الخير. أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا. يحسبون الأحزاب لم يذهبوا. وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم. ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا )..
ويبدأ هذا النص بتقرير علم الله المؤكد بالمعوقين الذين يسعون بالتخذيل في صفوف الجماعة المسلمة. الذين يدعون إخوانهم إلى القعود ( ولا يأتون البأس إلا قليلا )ولا يشهدون الجهاد إلا لماما. فهم مكشوفون لعلم الله، ومكرهم مكشوف.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
ثم يستطرد إلى تقرير علم الله بالمعوقين، الذين يقعدون عن الجهاد ويدعون غيرهم إلى القعود. ويقولون لهم :( لا مقام لكم فارجعوا ).. ويرسم لهم صورة نفسية مبدعة. وهي - على صدقها - تثير الضحك والسخرية من هذا النموذج المكرور في الناس. صورة للجبن والانزواء، والفزع والهلع. في ساعة الشدة. والانتفاش وسلاطة اللسان عند الرخاء. والشح على الخير والضن ببذل أي جهد فيه. والجزع والاضطراب عند توهم الخطر من بعيد.. والتعبير القرآني يرسم هذه الصورة في لمسات فنية مبدعة لا سبيل إلى استبدالها أو ترجمتها في غير سياقها المعجز :
( قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم : هلم إلينا، ولا يأتون البأس إلا قليلا. أشحة عليكم. فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت. فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد. أشحة على الخير. أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا. يحسبون الأحزاب لم يذهبوا. وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم. ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا )..
ويبدأ هذا النص بتقرير علم الله المؤكد بالمعوقين الذين يسعون بالتخذيل في صفوف الجماعة المسلمة. الذين يدعون إخوانهم إلى القعود ( ولا يأتون البأس إلا قليلا )ولا يشهدون الجهاد إلا لماما. فهم مكشوفون لعلم الله، ومكرهم مكشوف.
آية رقم ١٩
في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوما بعد يوم وحدثا بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنموا، وتتضح سماتها. وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة وقيمها الخاصة. وطابعها المميز بين سائر الجماعات.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
ثم تأخذ الريشة المعجزة في رسم سمات هذا النموذج :
( أشحة عليكم )ففي نفوسهم كزازة على المسلمين. كزازة بالجهد وكزازة بالمال، وكزازة في العواطف والمشاعر على السواء.
( فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت )..
وهي صورة شاخصة، واضحة الملامح، متحركة الجوارح، وهي في الوقت ذاته مضحكة، تثير السخرية من هذا الصنف الجبان، الذين تنطق أوصاله وجوارحه في لحظة الخوف بالجبن المرتعش الخوار !
وأشد إثارة للسخرية صورتهم بعد أن يذهب الخوف ويجيء الأمن :
( فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد )..
فخرجوا من الجحور، وارتفعت أصواتهم بعد الارتعاش، وانتفخت أوداجهم بالعظمة، ونفشوا بعد الانزواء، وادعوا في غير حياء، ما شاء لهم الادعاء، من البلاء في القتال والفضل في الأعمال، والشجاعة والاستبسال..
ثم هم :( أشحة على الخير )..
فلا يبذلون للخير شيئا من طاقتهم وجهدهم وأموالهم وأنفسهم ؛ مع كل ذلك الادعاد العريض وكل ذلك التبجح وطول اللسان !
وهذا النموذج من الناس لا ينقطع في جيل ولا في قبيل. فهو موجود دائما. وهو شجاع فصيح بارز حيثما كان هناك أمن ورخاء. وهو جبان صامت منزو حيثما كان هناك شدة وخوف. وهو شحيح بخيل على الخير وأهل الخير، لا ينالهم منهم إلا سلاطة اللسان !
( أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم )..
فهذه هي العلة الأولى. العلة أن قلوبهم لم تخالطها بشاشة الإيمان، ولم تهتد بنوره، ولم تسلك منهجه. ( فأحبط الله أعمالهم ).. ولم ينجحوا لأن عنصر النجاح الأصيل ليس هناك.
( وكان ذلك على الله يسيرا )..
وليس هنالك عسير على الله، وكان أمر الله مفعولا..
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
ثم تأخذ الريشة المعجزة في رسم سمات هذا النموذج :
( أشحة عليكم )ففي نفوسهم كزازة على المسلمين. كزازة بالجهد وكزازة بالمال، وكزازة في العواطف والمشاعر على السواء.
( فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت )..
وهي صورة شاخصة، واضحة الملامح، متحركة الجوارح، وهي في الوقت ذاته مضحكة، تثير السخرية من هذا الصنف الجبان، الذين تنطق أوصاله وجوارحه في لحظة الخوف بالجبن المرتعش الخوار !
وأشد إثارة للسخرية صورتهم بعد أن يذهب الخوف ويجيء الأمن :
( فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد )..
فخرجوا من الجحور، وارتفعت أصواتهم بعد الارتعاش، وانتفخت أوداجهم بالعظمة، ونفشوا بعد الانزواء، وادعوا في غير حياء، ما شاء لهم الادعاء، من البلاء في القتال والفضل في الأعمال، والشجاعة والاستبسال..
ثم هم :( أشحة على الخير )..
فلا يبذلون للخير شيئا من طاقتهم وجهدهم وأموالهم وأنفسهم ؛ مع كل ذلك الادعاد العريض وكل ذلك التبجح وطول اللسان !
وهذا النموذج من الناس لا ينقطع في جيل ولا في قبيل. فهو موجود دائما. وهو شجاع فصيح بارز حيثما كان هناك أمن ورخاء. وهو جبان صامت منزو حيثما كان هناك شدة وخوف. وهو شحيح بخيل على الخير وأهل الخير، لا ينالهم منهم إلا سلاطة اللسان !
( أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم )..
فهذه هي العلة الأولى. العلة أن قلوبهم لم تخالطها بشاشة الإيمان، ولم تهتد بنوره، ولم تسلك منهجه. ( فأحبط الله أعمالهم ).. ولم ينجحوا لأن عنصر النجاح الأصيل ليس هناك.
( وكان ذلك على الله يسيرا )..
وليس هنالك عسير على الله، وكان أمر الله مفعولا..
آية رقم ٢٠
في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوما بعد يوم وحدثا بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنموا، وتتضح سماتها. وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة وقيمها الخاصة. وطابعها المميز بين سائر الجماعات.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
فأما يوم الأحزاب فيمضي النص في تصويرهم صورة مضحكة زرية :
( يحسبون الأحزاب لم يذهبوا )..
فهم ما يزالون يرتعشون، ويتخاذلون، ويخذلون ! ويأبون أن يصدقوا أن الأحزاب قد ذهبت، وأنه قد ذهب الخوف، وجاء الأمان !
( وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم )..
يا للسخرية ! ويا للتصوير الزري ! ويا للصورة المضحكة ! وإن يأت الأحزاب يود هؤلاء الجبناء لو أنهم لم يكونوا من أهل المدينة يوما من الأيام. ويتمنون أن لو كانوا من أعراب البادية، لا يشاركون أهل المدينة في حياة ولا في مصير. ولا يعلمون - حتى - ما يجري عند أهلها. إنما هم يجهلونه، ويسألون عنه سؤال الغريب عن الغريب ! مبالغة في البعد والانفصال، والنجاة من الأهوال !
يتمنون هذه الأمنيات المضحكة، مع أنهم قاعدون، بعيدون عن المعركة، لا يتعرضون لها مباشرة ؛ إنما هو الخوف من بعيد ! والفزع والهلع من بعيد ! ( ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا )..
وبهذا الخط ينتهي رسم الصورة. صورة ذلك النموذج الذي كان عائشا في الجماعة الإسلامية الناشئة في المدينة ؛ والذي ما يزال يتكرر في كل جيل وكل قبيل. بنفس الملامح، وذات السمات.. ينتهي رسم الصورة وقد تركت في النفوس الاحتقار لهذا النموذج، والسخرية منه، والابتعاد عنه، وهو انه على الله وعلى الناس.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
فأما يوم الأحزاب فيمضي النص في تصويرهم صورة مضحكة زرية :
( يحسبون الأحزاب لم يذهبوا )..
فهم ما يزالون يرتعشون، ويتخاذلون، ويخذلون ! ويأبون أن يصدقوا أن الأحزاب قد ذهبت، وأنه قد ذهب الخوف، وجاء الأمان !
( وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم )..
يا للسخرية ! ويا للتصوير الزري ! ويا للصورة المضحكة ! وإن يأت الأحزاب يود هؤلاء الجبناء لو أنهم لم يكونوا من أهل المدينة يوما من الأيام. ويتمنون أن لو كانوا من أعراب البادية، لا يشاركون أهل المدينة في حياة ولا في مصير. ولا يعلمون - حتى - ما يجري عند أهلها. إنما هم يجهلونه، ويسألون عنه سؤال الغريب عن الغريب ! مبالغة في البعد والانفصال، والنجاة من الأهوال !
يتمنون هذه الأمنيات المضحكة، مع أنهم قاعدون، بعيدون عن المعركة، لا يتعرضون لها مباشرة ؛ إنما هو الخوف من بعيد ! والفزع والهلع من بعيد ! ( ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا )..
وبهذا الخط ينتهي رسم الصورة. صورة ذلك النموذج الذي كان عائشا في الجماعة الإسلامية الناشئة في المدينة ؛ والذي ما يزال يتكرر في كل جيل وكل قبيل. بنفس الملامح، وذات السمات.. ينتهي رسم الصورة وقد تركت في النفوس الاحتقار لهذا النموذج، والسخرية منه، والابتعاد عنه، وهو انه على الله وعلى الناس.
آية رقم ٢١
في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوما بعد يوم وحدثا بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنموا، وتتضح سماتها. وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة وقيمها الخاصة. وطابعها المميز بين سائر الجماعات.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
ذلك كان حال المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في الصفوف، وتلك كانت صورتهم الرديئة. ولكن الهول والكرب والشدة والضيق لم تحول الناس جميعا إلى هذه الصورة الرديئة.. كانت هنالك صورة وضيئة في وسط الظلام، مطمئنة في وسط الزلزال، واثقة بالله، راضية بقضاء الله، مستيقنة من نصر الله، بعد كل ما كان من خوف وبلبلة واضطراب.
ويبدأ السياق هذه الصورة الوضيئة برسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيرا )..
وقد كان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] على الرغم من الهول المرعب والضيق المجهد، مثابة الأمان للمسلمين، ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان. وإن دراسة موقفه [ صلى الله عليه وسلم ] في هذا الحادث الضخم لمما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم ؛ وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ؛ وتطلب نفسه القدوة الطيبة ؛ ويذكر الله ولا ينساه.
ويحسن أن نلم بلمحات من هذا الموقف على سبيل المثال. إذ كنا لا نملك هنا أن نتناوله بالتفصيل.
خرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يعمل في الخندق مع المسلمين يضرب بالفأس، يجرف التراب بالمسحاة، ويحمل التراب في المكتل. ويرفع صوته مع المرتجزين، وهم يرفعون أصواتهم بالرجز في أثناء العمل، فيشاركهم الترجيع ! وقد كانوا يتغنون بأغان ساذجة من وحي الحوادث الجارية : كان هناك رجل من المسلمين اسمه جعيل، فكره رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] اسمه، وسماه عمرا. فراح العاملون في الخندق يغنون جماعة بهذا الرجز الساذج :
سماه من بعد جعيل عمرا وكان للبائس يوما ظهرا
فإذا مروا في ترجيعهم بكلمة " عمرو "، قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" عمرا ". وإذا مروا بكملة " ظهر " قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" ظهرا ".
ولنا أن نتصور هذا الجو الذي يعمل فيه المسلمون، والرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بينهم، يضرب بالفأس، ويجرف بالمسحاة، ويحمل في المكتل، ويرجع معهم هذا الغناء. ولنا أن نتصور أية طاقة يطلقها هذا الجو في أرواحهم ؛ وأي ينبوع يتفجر في كيانهم بالرضى والحماسة والثقة والاعتزاز.
وكان زيد بن ثابت فيمن ينقل التراب. فقال [ صلى الله عليه وسلم ] " أما إنه نعم الغلام ! " وغلبته عيناه فنام في الخندق. وكان القر شديدا. فأخذ عمارة بن حزم سلاحه، وهو لا يشعر. فلما قام فزع. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" يا أبا رقاد ! نمت حتى ذهب سلاحك " ! ثم قال :" من له علم بسلاح هذا الغلام " ؟ فقال عمارة : يا رسول الله هو عندي. فقال :" فرده عليه ". ونهى أن يروع المسلم ويؤخذ متاعه لاعبا !
وهو حادث كذلك يصور يقظة العين والقلب، لكل من في الصف، صغيرا أو كبيرا. كما يصور روح الدعابة الحلوة الحانية الكريمة :" يا أبا رقاد ! نمت حتى ذهب سلاحك ! " ويصور في النهاية ذلك الجو الذي كان المسلمون يعيشون فيه في كنف نبيهم، في أحرج الظروف..
ثم كانت روحه [ صلى الله عليه وسلم ] تستشرف النصر من بعيد، وتراه رأي العين في ومضات الصخور على ضرب المعاول ؛ فيحدث بها المسلمين، ويبث فيهم الثقة واليقين.
قال ابن إسحاق : وحدثت عن سلمان الفارسي أنه قال : ضربت في ناحية من الخندق، فغلظت علي صخرة، ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قريب مني. فلما رآني أضرب، ورأى شدة المكان علي، نزل فأخذ المعول من يدي، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة. قال : ثم ضرب به ضربة أخرى، فلمعت تحته برقة أخرى. قال : ثم ضرب به الثالثة، فلمعت تحته برقة أخرى قال : قلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! ما هذا الذي رأيت، لمع المعول وأنت تضرب ؟ قال :" أو قد رأيت ذلك يا سلمان " ؟ قال : قلت. نعم : قال :" أما الأولى فإن الله فتح علي بها اليمن. وأما الثانية فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب. وأما الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق "..
وجاء في " إمتاع الاسماع للمقريزي " أن هذا الحادث وقع لعمر بن الخطاب بحضور سلمان. رضي الله عنهما.
ولنا أن نتصور اليوم كيف يقع مثل هذا القول في القلوب، والخطر محدق بها محيط.
ولنا أن نضيف إلى تلك الصور الوضيئة صورة حذيفة عائدا من استطلاع خبر الأحزاب وقد أخذه القرالشديد ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قائم يصلي في ثوب لإحدى أزواجه. فإذا هو في صلاته واتصاله بربه، لا يترك حذيفة يرتعش حتى ينتهي من صلاته بل يأخذه - صلوات الله وسلامه عليه - بين رجليه، ويلقي عليه طرف الثوب ليدفئه في حنو. ويمضي في صلاته. حتى ينتهي، فينبئه حذيفة النبأ، ويلقي إليه بالبشرى التي عرفها قلبه [ صلى الله عليه وسلم ] فبعث حذيفة يبصر أخبارها !
أما أخبار شجاعته [ صلى الله عليه وسلم ] في الهول، وثباته ويقينه، فهي بارزة في القصة كلها، ولا حاجة بنا إلى نقلها، فهي مستفيضة معروفة.
وصدق الله العظيم :( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيرا )..
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
ذلك كان حال المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في الصفوف، وتلك كانت صورتهم الرديئة. ولكن الهول والكرب والشدة والضيق لم تحول الناس جميعا إلى هذه الصورة الرديئة.. كانت هنالك صورة وضيئة في وسط الظلام، مطمئنة في وسط الزلزال، واثقة بالله، راضية بقضاء الله، مستيقنة من نصر الله، بعد كل ما كان من خوف وبلبلة واضطراب.
ويبدأ السياق هذه الصورة الوضيئة برسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيرا )..
وقد كان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] على الرغم من الهول المرعب والضيق المجهد، مثابة الأمان للمسلمين، ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان. وإن دراسة موقفه [ صلى الله عليه وسلم ] في هذا الحادث الضخم لمما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم ؛ وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ؛ وتطلب نفسه القدوة الطيبة ؛ ويذكر الله ولا ينساه.
ويحسن أن نلم بلمحات من هذا الموقف على سبيل المثال. إذ كنا لا نملك هنا أن نتناوله بالتفصيل.
خرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يعمل في الخندق مع المسلمين يضرب بالفأس، يجرف التراب بالمسحاة، ويحمل التراب في المكتل. ويرفع صوته مع المرتجزين، وهم يرفعون أصواتهم بالرجز في أثناء العمل، فيشاركهم الترجيع ! وقد كانوا يتغنون بأغان ساذجة من وحي الحوادث الجارية : كان هناك رجل من المسلمين اسمه جعيل، فكره رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] اسمه، وسماه عمرا. فراح العاملون في الخندق يغنون جماعة بهذا الرجز الساذج :
سماه من بعد جعيل عمرا وكان للبائس يوما ظهرا
فإذا مروا في ترجيعهم بكلمة " عمرو "، قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" عمرا ". وإذا مروا بكملة " ظهر " قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" ظهرا ".
ولنا أن نتصور هذا الجو الذي يعمل فيه المسلمون، والرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بينهم، يضرب بالفأس، ويجرف بالمسحاة، ويحمل في المكتل، ويرجع معهم هذا الغناء. ولنا أن نتصور أية طاقة يطلقها هذا الجو في أرواحهم ؛ وأي ينبوع يتفجر في كيانهم بالرضى والحماسة والثقة والاعتزاز.
وكان زيد بن ثابت فيمن ينقل التراب. فقال [ صلى الله عليه وسلم ] " أما إنه نعم الغلام ! " وغلبته عيناه فنام في الخندق. وكان القر شديدا. فأخذ عمارة بن حزم سلاحه، وهو لا يشعر. فلما قام فزع. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" يا أبا رقاد ! نمت حتى ذهب سلاحك " ! ثم قال :" من له علم بسلاح هذا الغلام " ؟ فقال عمارة : يا رسول الله هو عندي. فقال :" فرده عليه ". ونهى أن يروع المسلم ويؤخذ متاعه لاعبا !
وهو حادث كذلك يصور يقظة العين والقلب، لكل من في الصف، صغيرا أو كبيرا. كما يصور روح الدعابة الحلوة الحانية الكريمة :" يا أبا رقاد ! نمت حتى ذهب سلاحك ! " ويصور في النهاية ذلك الجو الذي كان المسلمون يعيشون فيه في كنف نبيهم، في أحرج الظروف..
ثم كانت روحه [ صلى الله عليه وسلم ] تستشرف النصر من بعيد، وتراه رأي العين في ومضات الصخور على ضرب المعاول ؛ فيحدث بها المسلمين، ويبث فيهم الثقة واليقين.
قال ابن إسحاق : وحدثت عن سلمان الفارسي أنه قال : ضربت في ناحية من الخندق، فغلظت علي صخرة، ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قريب مني. فلما رآني أضرب، ورأى شدة المكان علي، نزل فأخذ المعول من يدي، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة. قال : ثم ضرب به ضربة أخرى، فلمعت تحته برقة أخرى. قال : ثم ضرب به الثالثة، فلمعت تحته برقة أخرى قال : قلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! ما هذا الذي رأيت، لمع المعول وأنت تضرب ؟ قال :" أو قد رأيت ذلك يا سلمان " ؟ قال : قلت. نعم : قال :" أما الأولى فإن الله فتح علي بها اليمن. وأما الثانية فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب. وأما الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق "..
وجاء في " إمتاع الاسماع للمقريزي " أن هذا الحادث وقع لعمر بن الخطاب بحضور سلمان. رضي الله عنهما.
ولنا أن نتصور اليوم كيف يقع مثل هذا القول في القلوب، والخطر محدق بها محيط.
ولنا أن نضيف إلى تلك الصور الوضيئة صورة حذيفة عائدا من استطلاع خبر الأحزاب وقد أخذه القرالشديد ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قائم يصلي في ثوب لإحدى أزواجه. فإذا هو في صلاته واتصاله بربه، لا يترك حذيفة يرتعش حتى ينتهي من صلاته بل يأخذه - صلوات الله وسلامه عليه - بين رجليه، ويلقي عليه طرف الثوب ليدفئه في حنو. ويمضي في صلاته. حتى ينتهي، فينبئه حذيفة النبأ، ويلقي إليه بالبشرى التي عرفها قلبه [ صلى الله عليه وسلم ] فبعث حذيفة يبصر أخبارها !
أما أخبار شجاعته [ صلى الله عليه وسلم ] في الهول، وثباته ويقينه، فهي بارزة في القصة كلها، ولا حاجة بنا إلى نقلها، فهي مستفيضة معروفة.
وصدق الله العظيم :( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيرا )..
آية رقم ٢٢
في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوما بعد يوم وحدثا بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنموا، وتتضح سماتها. وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة وقيمها الخاصة. وطابعها المميز بين سائر الجماعات.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
ثم تأتي صورة الإيمان الواثق المطمئن ؛ وصورة المؤمنين المشرقة الوضيئة، في مواجهة الهول، وفي لقاء الخطر. الخطر الذي يزلزل القلوب المؤمنة، فتتخذ من هذا الزلزال مادة للطمأنينة والثقة والاستبشار واليقين :
( ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله. وصدق الله ورسوله. وما زادهم إلا إيمانا وتسليما )..
لقد كان الهول الذي واجهه المسلمون في هذا الحادث من الضخامة ؛ وكان الكرب الذي واجهوه من الشدة ؛ وكان الفزع الذي لقوه من العنف، بحيث زلزلهم زلزالا شديدا، كما قال عنهم أصدق القائلين :( هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا )..
لقد كانوا ناسا من البشر. وللبشر طاقة. لا يكلفهم الله ما فوقها. وعلى الرغم من ثقتهم بنصر الله في النهاية ؛ وبشارة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] لهم، تلك البشارة التي تتجاوز الموقف كله إلى فتوح اليمن والشام والمغرب والمشرق.. على الرغم من هذا كله، فإن الهول الذي كان حاضرا يواجههم كان يزلزلهم ويزعجهم ويكرب أنفاسهم.
ومما يصور هذه الحالة أبلغ تصوير خبر حذيفة. والرسول [ صلى الله عليه وسلم ] يحس حالة أصحابه، ويرى نفوسهم من داخلها، فيقول :" من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع. يشرط له رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] الرجعة. أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة ".. ومع هذا الشرط بالرجعة، ومع الدعاء المضمون بالرفقة مع رسول الله في الجنة، فإن أحدا لا يلبي النداء. فإذا عين بالاسم حذيفة قال : فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني !.. ألا إن هذا لا يقع إلا في أقصى درجات الزلزلة..
ولكن كان إلى جانب الزلزلة، وزوغان الأبصار، وكرب الأنفاس.. كان إلى جانب هذا كله الصلة التي لا تنقطع بالله ؛ والإدراك الذي لا يضل عن سنن الله ؛ والثقة التي لا تتزعزع بثبات هذه السنن ؛ وتحقق أواخرها متى تحققت أوائلها. ومن ثم اتخذ المؤمنون من شعورهم بالزلزلة سببا في انتظار النصر. ذلك أنهم صدقوا قول الله سبحانه من قبل :( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه : متى نصر الله ؟ ألا إن نصر الله قريب ).. وها هم أولاء يزلزلون. فنصر الله إذن منهم قريب ! ومن ثم قالوا :( هذا ما وعدنا الله ورسوله. وصدق الله ورسوله ).. ( وما زادهم إلا إيمانا وتسليما )..
( هذا ما وعدنا الله ورسوله ).. هذا الهول، وهذا الكرب، وهذه الزلزلة، وهذا الضيق. وعدنا عليه النصر.. فلا بد أن يجيء النصر :( وصدق الله ورسوله ).. صدق الله ورسوله في الإمارة وصدق الله ورسوله في دلالتها.. ومن ثم اطمأنت قلوبهم لنصر الله ووعد الله :( وما زادهم إلا إيمانا وتسليما )..
لقد كانوا ناسا من البشر، لا يملكون أن يتخلصوا من مشاعر البشر، وضعف البشر. وليس مطلوبا منهم أن يتجاوزوا حدود جنسهم البشري ؛ ولا أن يخرجوا من إطار هذا الجنس ؛ ويفقدوا خصائصه ومميزاته. فلهذا خلقهم الله. خلقهم ليبقوا بشرا، ولا يتحولوا جنسا آخر. لا ملائكة ولا شياطين، ولا بهيمة ولا حجرا.. كانوا ناسا من البشر يفزعون، ويضيقون بالشدة، ويزلزلون للخطر الذي يتجاوز الطاقة. ولكنهم كانوا - مع هذا - مرتبطين بالعروة الوثقى التي تشدهم إلى الله ؛ و تمنعهم من السقوط ؛ وتجدد فيهم الأمل، وتحرسهم من القنوط.. وكانوا بهذا وذاك نموذجا فريدا في تاريخ البشرية لم يعرف له نظير.
وعلينا أن ندرك هذا لندرك ذلك النموذج الفريد في تاريخ العصور. علينا أن ندرك أنهم كانوا بشرا، لم يتخلوا عن طبيعة البشر، بما فيها من قوة و ضعف. وأن منشأ امتيازهم أنهم بلغوا في بشريتهم هذه أعلى قمة مهيأة لبني الإنسان، في الاحتفاظ بخصائص البشر في الأرض مع الاستمساك بعروة السماء.
وحين نرانا ضعفنا مرة، أو زلزلنا مرة، أو فزعنا مرة، أو ضقنا مرة بالهول والخطر والشدة والضيق.. فعلينا ألا نيأس من أنفسنا، وألا نهلع ونحسب أننا هلكنا ؛ أو أننا لم نعد نصلح لشيء عظيم أبدا ! ولكن علينا في الوقت ذاته ألا نقف إلى جوار ضعفنا لأنه من فطرتنا البشرية ! ونصر عليه لأنه يقع لمن هم خير منا ! هنالك العروة الوثقى. عروة السماء. وعلينا أن نستمسك بها لننهض من الكبوة، ونسترد الثقة والطمأنينة، ونتخذ من الزلزال بشيرا بالنصر. فنثبت ونستقر، ونقوى ونطمئن، ونسير في الطريق..
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
ثم تأتي صورة الإيمان الواثق المطمئن ؛ وصورة المؤمنين المشرقة الوضيئة، في مواجهة الهول، وفي لقاء الخطر. الخطر الذي يزلزل القلوب المؤمنة، فتتخذ من هذا الزلزال مادة للطمأنينة والثقة والاستبشار واليقين :
( ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله. وصدق الله ورسوله. وما زادهم إلا إيمانا وتسليما )..
لقد كان الهول الذي واجهه المسلمون في هذا الحادث من الضخامة ؛ وكان الكرب الذي واجهوه من الشدة ؛ وكان الفزع الذي لقوه من العنف، بحيث زلزلهم زلزالا شديدا، كما قال عنهم أصدق القائلين :( هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا )..
لقد كانوا ناسا من البشر. وللبشر طاقة. لا يكلفهم الله ما فوقها. وعلى الرغم من ثقتهم بنصر الله في النهاية ؛ وبشارة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] لهم، تلك البشارة التي تتجاوز الموقف كله إلى فتوح اليمن والشام والمغرب والمشرق.. على الرغم من هذا كله، فإن الهول الذي كان حاضرا يواجههم كان يزلزلهم ويزعجهم ويكرب أنفاسهم.
ومما يصور هذه الحالة أبلغ تصوير خبر حذيفة. والرسول [ صلى الله عليه وسلم ] يحس حالة أصحابه، ويرى نفوسهم من داخلها، فيقول :" من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع. يشرط له رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] الرجعة. أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة ".. ومع هذا الشرط بالرجعة، ومع الدعاء المضمون بالرفقة مع رسول الله في الجنة، فإن أحدا لا يلبي النداء. فإذا عين بالاسم حذيفة قال : فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني !.. ألا إن هذا لا يقع إلا في أقصى درجات الزلزلة..
ولكن كان إلى جانب الزلزلة، وزوغان الأبصار، وكرب الأنفاس.. كان إلى جانب هذا كله الصلة التي لا تنقطع بالله ؛ والإدراك الذي لا يضل عن سنن الله ؛ والثقة التي لا تتزعزع بثبات هذه السنن ؛ وتحقق أواخرها متى تحققت أوائلها. ومن ثم اتخذ المؤمنون من شعورهم بالزلزلة سببا في انتظار النصر. ذلك أنهم صدقوا قول الله سبحانه من قبل :( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه : متى نصر الله ؟ ألا إن نصر الله قريب ).. وها هم أولاء يزلزلون. فنصر الله إذن منهم قريب ! ومن ثم قالوا :( هذا ما وعدنا الله ورسوله. وصدق الله ورسوله ).. ( وما زادهم إلا إيمانا وتسليما )..
( هذا ما وعدنا الله ورسوله ).. هذا الهول، وهذا الكرب، وهذه الزلزلة، وهذا الضيق. وعدنا عليه النصر.. فلا بد أن يجيء النصر :( وصدق الله ورسوله ).. صدق الله ورسوله في الإمارة وصدق الله ورسوله في دلالتها.. ومن ثم اطمأنت قلوبهم لنصر الله ووعد الله :( وما زادهم إلا إيمانا وتسليما )..
لقد كانوا ناسا من البشر، لا يملكون أن يتخلصوا من مشاعر البشر، وضعف البشر. وليس مطلوبا منهم أن يتجاوزوا حدود جنسهم البشري ؛ ولا أن يخرجوا من إطار هذا الجنس ؛ ويفقدوا خصائصه ومميزاته. فلهذا خلقهم الله. خلقهم ليبقوا بشرا، ولا يتحولوا جنسا آخر. لا ملائكة ولا شياطين، ولا بهيمة ولا حجرا.. كانوا ناسا من البشر يفزعون، ويضيقون بالشدة، ويزلزلون للخطر الذي يتجاوز الطاقة. ولكنهم كانوا - مع هذا - مرتبطين بالعروة الوثقى التي تشدهم إلى الله ؛ و تمنعهم من السقوط ؛ وتجدد فيهم الأمل، وتحرسهم من القنوط.. وكانوا بهذا وذاك نموذجا فريدا في تاريخ البشرية لم يعرف له نظير.
وعلينا أن ندرك هذا لندرك ذلك النموذج الفريد في تاريخ العصور. علينا أن ندرك أنهم كانوا بشرا، لم يتخلوا عن طبيعة البشر، بما فيها من قوة و ضعف. وأن منشأ امتيازهم أنهم بلغوا في بشريتهم هذه أعلى قمة مهيأة لبني الإنسان، في الاحتفاظ بخصائص البشر في الأرض مع الاستمساك بعروة السماء.
وحين نرانا ضعفنا مرة، أو زلزلنا مرة، أو فزعنا مرة، أو ضقنا مرة بالهول والخطر والشدة والضيق.. فعلينا ألا نيأس من أنفسنا، وألا نهلع ونحسب أننا هلكنا ؛ أو أننا لم نعد نصلح لشيء عظيم أبدا ! ولكن علينا في الوقت ذاته ألا نقف إلى جوار ضعفنا لأنه من فطرتنا البشرية ! ونصر عليه لأنه يقع لمن هم خير منا ! هنالك العروة الوثقى. عروة السماء. وعلينا أن نستمسك بها لننهض من الكبوة، ونسترد الثقة والطمأنينة، ونتخذ من الزلزال بشيرا بالنصر. فنثبت ونستقر، ونقوى ونطمئن، ونسير في الطريق..
آية رقم ٢٣
في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوما بعد يوم وحدثا بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنموا، وتتضح سماتها. وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة وقيمها الخاصة. وطابعها المميز بين سائر الجماعات.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
وهذا هو التوازن الذي صاغ ذلك النموذج الفريد في صدر الإسلام. النموذج الذي يذكر عنه القرآن الكريم مواقفه الماضية وحسن بلائه وجهاده، وثباته على عهده مع الله، فمنهم من لقيه، ومنهم من ينتظر أن يلقاه :
( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر. وما بدلوا تبديلا )..
هذا في مقابل ذلك النموذج الكريه. نموذج الذين عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار. ثم ولم يوفوا بعهد الله :( وكان عهد الله مسؤولا )..
روى الإمام أحمد - بإسناده - عن ثابت قال :" عمي أنس بن النضر - رضي الله عنه - سميت به - لم يشهد مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يوم بدر، فشق عليه، وقال : أول مشهد شهده رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] غبت عنه ! لئن أراني الله تعالى مشهدا فيما بعد مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ليرين الله عز وجل ما أصنع. قال : فهاب أن يقول غيرها. فشهد مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يوم أحد. فاستقبل سعد بن معاذ - رضي الله عنه - فقال له أنس - رضي الله عنه - يا أبا عمرو. أين واها لريح الجنة ! إني أجده دون أحد. قال : فقاتلهم حتى قتل - رضي الله عنه - قال : فوجد في جسده بضع وثمانون بين ضربة وطعنة ورمية. فقالت أخته - عمتي الربيع ابنة النضر - : فما عرفت أخي إلا ببنانه. قال : فنزلت هذه الآية : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه... الخ قال : فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه رضي الله عنهم. [ ورواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة ].
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
وهذا هو التوازن الذي صاغ ذلك النموذج الفريد في صدر الإسلام. النموذج الذي يذكر عنه القرآن الكريم مواقفه الماضية وحسن بلائه وجهاده، وثباته على عهده مع الله، فمنهم من لقيه، ومنهم من ينتظر أن يلقاه :
( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر. وما بدلوا تبديلا )..
هذا في مقابل ذلك النموذج الكريه. نموذج الذين عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار. ثم ولم يوفوا بعهد الله :( وكان عهد الله مسؤولا )..
روى الإمام أحمد - بإسناده - عن ثابت قال :" عمي أنس بن النضر - رضي الله عنه - سميت به - لم يشهد مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يوم بدر، فشق عليه، وقال : أول مشهد شهده رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] غبت عنه ! لئن أراني الله تعالى مشهدا فيما بعد مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ليرين الله عز وجل ما أصنع. قال : فهاب أن يقول غيرها. فشهد مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يوم أحد. فاستقبل سعد بن معاذ - رضي الله عنه - فقال له أنس - رضي الله عنه - يا أبا عمرو. أين واها لريح الجنة ! إني أجده دون أحد. قال : فقاتلهم حتى قتل - رضي الله عنه - قال : فوجد في جسده بضع وثمانون بين ضربة وطعنة ورمية. فقالت أخته - عمتي الربيع ابنة النضر - : فما عرفت أخي إلا ببنانه. قال : فنزلت هذه الآية : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه... الخ قال : فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه رضي الله عنهم. [ ورواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة ].
آية رقم ٢٤
في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوما بعد يوم وحدثا بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنموا، وتتضح سماتها. وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة وقيمها الخاصة. وطابعها المميز بين سائر الجماعات.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
وهذه الصورة الوضيئة لهذا النموذج من المؤمنين تذكر هنا تكملة لصورة الإيمان، في مقابل صورة النفاق والضعف ونقض العهد من ذلك الفريق. لتتم المقابلة في معرض التربية بالأحداث وبالقرآن.
ويعقب عليها ببيان حكمة الابتلاء، وعاقبة النقض والوفاء ؛ وتفويض الأمر في هذا كله لمشيئة الله :
( ليجزي الله الصادقين بصدقهم، ويعذب المنافقين - إن شاء - أو يتوب عليهم. إن الله كان غفورا رحيما )..
ومثل هذا التعقيب يتخلل تصوير الحوادث والمشاهد - ليرد الأمر كله إلى الله، ويكشف عن حكمة الأحداث والوقائع. فليس شيء منها عبثا ولا مصادفة. إنما تقع وفق حكمة مقدرة، وتدبير قاصد. وتنتهي إلى ما شاء الله من العواقب. وفيها تتجلى رحمة الله بعباده. ورحمته ومغفرته أقرب وأكبر :( إن الله كان غفورا رحيما )..
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
وهذه الصورة الوضيئة لهذا النموذج من المؤمنين تذكر هنا تكملة لصورة الإيمان، في مقابل صورة النفاق والضعف ونقض العهد من ذلك الفريق. لتتم المقابلة في معرض التربية بالأحداث وبالقرآن.
ويعقب عليها ببيان حكمة الابتلاء، وعاقبة النقض والوفاء ؛ وتفويض الأمر في هذا كله لمشيئة الله :
( ليجزي الله الصادقين بصدقهم، ويعذب المنافقين - إن شاء - أو يتوب عليهم. إن الله كان غفورا رحيما )..
ومثل هذا التعقيب يتخلل تصوير الحوادث والمشاهد - ليرد الأمر كله إلى الله، ويكشف عن حكمة الأحداث والوقائع. فليس شيء منها عبثا ولا مصادفة. إنما تقع وفق حكمة مقدرة، وتدبير قاصد. وتنتهي إلى ما شاء الله من العواقب. وفيها تتجلى رحمة الله بعباده. ورحمته ومغفرته أقرب وأكبر :( إن الله كان غفورا رحيما )..
آية رقم ٢٥
في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوما بعد يوم وحدثا بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنموا، وتتضح سماتها. وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة وقيمها الخاصة. وطابعها المميز بين سائر الجماعات.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
ويختم الحديث عن الحدث الضخم بعاقبته التي تصدق ظن المؤمنين بربهم ؛ وضلال المنافقين والمرجفين وخطأ تصوراتهم ؛ وتثبت القيم الإيمانية بالنهاية الواقعية :
( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا )..
وقد بدأت المعركة، وسارت في طريقها، وانتهت إلى نهايتها، وزمامها في يد الله، يصرفها كيف يشاء. وأثبت النص القراني هذه الحقيقة بطريقة تعبيره. فأسند إلى الله تعالى إسنادا مباشرا كل ما تم من الأحداث والعواقب، تقريرا لهذه الحقيقة، وتثبيتا لها في القلوب ؛ وإيضاحا للتصور الإسلامي الصحيح.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
ويختم الحديث عن الحدث الضخم بعاقبته التي تصدق ظن المؤمنين بربهم ؛ وضلال المنافقين والمرجفين وخطأ تصوراتهم ؛ وتثبت القيم الإيمانية بالنهاية الواقعية :
( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا )..
وقد بدأت المعركة، وسارت في طريقها، وانتهت إلى نهايتها، وزمامها في يد الله، يصرفها كيف يشاء. وأثبت النص القراني هذه الحقيقة بطريقة تعبيره. فأسند إلى الله تعالى إسنادا مباشرا كل ما تم من الأحداث والعواقب، تقريرا لهذه الحقيقة، وتثبيتا لها في القلوب ؛ وإيضاحا للتصور الإسلامي الصحيح.
آية رقم ٢٦
في معترك الحياة ومصطرع الأحداث كانت الشخصية المسلمة تصاغ. ويوما بعد يوم وحدثا بعد حدث كانت هذه الشخصية تنضج وتنموا، وتتضح سماتها. وكانت الجماعة المسلمة التي تتكون من تلك الشخصيات تبرز إلى الوجود بمقوماتها الخاصة وقيمها الخاصة. وطابعها المميز بين سائر الجماعات.
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
ولم تدر الدائرة على المشركين من قريش وغطفان وحدهم. بل دارت كذلك على بني قريظة حلفاء المشركين من يهود :
( وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم، وقذف في قلوبهم الرعب، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا. وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم، وأرضا لم تطؤوها. وكان الله على كل شيء قديرا )..
فأما قصة هذا فتحتاج إلى شيء من إيضاح قصة اليهود مع المسلمين..
إن اليهود في المدينة لم يهادنوا الإسلام بعد وفوده عليهم إلا فترة قصيرة. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد عقد معهم مهادنة أول مقدمه إليها أوجب لهم فيها النصرة والحماية مشترطا عليهم ألا يغدروا ولا يفجروا ولا يتجسسوا ولا يعينوا عدوا، ولا يمدوا يدا بأذى.
ولكن اليهود ما لبثوا أن أحسوا بخطر الدين الجديد على مكانتهم التقليدية بوصفهم أهل الكتاب الأول. وقد كانوا يتمتعون بمكانة عظيمة بين أهل يثرب بسبب هذه الصفة. كذلك أحسوا بخطر التنظيم الجديد الذي جاء به الإسلام للمجتمع بقيادة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقد كانوا قبل ذلك يستغلون الخلاف القائم بين الأوس والخزرج لتكون لهم الكلمة العليا في المدينة. فلما وحد الإسلام الأوس والخزرج تحت قيادة نبيهم الكريم لم يجد اليهود الماء العكر الذي كانوا يصطادون بين الفريقين فيه !
وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير إسلام حبرهم وعالمهم عبدالله بن سلام. ذلك أن الله شرح صدره للإسلام فأسلم وأمر أهل بيته فأسلموا معه. ولكنه إن هو أعلن إسلامه خاف أن تتقول عليه يهود. فطلب إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يسألهم عنه قبل أن يخبرهم بإسلامه ! فقالوا : سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وعالمنا. فخرج عندئذ عبد الله بن سلام إليهم، وطلب منهم أن يؤمنوا بما آمن به. فوقعوا فيه، وقالوا قالة السوء، وحذروا منه أحياء اليهود. وأحسوا بالخطر الحقيقي على كيانهم الديني والسياسي. فاعتزموا الكيد لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] كيدا لا هوادة فيه.
ومنذ هذا اليوم بدأت الحرب التي لم تضع أوزارها قط حتى اليوم بين الإسلام ويهود !
لقد بدأت في أول الأمر حربا باردة، بتعبير أيامنا هذه. بدأت حرب دعاية ضد محمد - عليه الصلاة والسلام - وضد الإسلام. واتخذوا في الحرب أساليب شتى مما عرف به اليهود في تاريخهم كله. اتخذوا خطة التشكيك في رسالة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] وإلقاء الشبهات حول العقيدة الجديدة. واتخذوا طريقة الدس بين بعض المسلمين وبعض. بين الأوس والخزرج مرة، وبين الأنصار والمهاجرين مرة. واتخذوا طريقة التجسس على المسلمين لحساب أعدائهم من المشركين. واتخذوا طريقة اتخاذ بطانة من المنافقين الذين يظهرون الإسلام يوقعون بواسطتهم الفتنة في صفوف المسلمين.. و أخيرا أسفروا عن وجوههم واتخذوا طريق التأليب على المسلمين، كالذي حدث في غزوة الأحزاب..
وكانت أهم طوائفهم بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة. وكان لكل منها شأن مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ومع المسلمين.
فأما بنو قينقاع وكانوا أشجع يهود، فقد حقدوا على المسلمين انتصارهم ببدر ؛ وأخذوا يتحرشون بهم ويتنكرون للعهد الذي بينهم وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خيفة أن يستفحل أمره فلا يعودون يملكون مقاومته، بعدما انتصر على قريش في أول اشتباك بينه وبينهم.
وقد ذكر ابن هشام في السيرة عن طريق ابن اسحاق ما كان من أمرهم قال :
وكان من حديث بني قينقاع أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] جمعهم بسوق بني قينقاع ثم قال :" يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم " قالوا : يا محمد، إنك ترى أنا قومك، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة. إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس.
وذكر ابن هشام عن طريق عبد الله بن جعفر قال :
كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بحلب لها فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها، فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها، فصاحت. فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، وشدت يهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.
وأكمل ابن إسحاق سياق الحادث قال :
فحاصرهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] حتى نزلوا على حكمه، فقام عبد الله بن أبي بن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال : يا محمد، أحسن في موالي - وكانوا حلفاء الخزرج - قال : فأبطأ عليه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا محمد أحسن في موالي. قال : فأعرض عنه. فأدخل يده في جيب درع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال له رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أرسلني. وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللا. ثم قال : ويحك ! أرسلني. قال : لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي. أربع مائة حاسر. وثلاث مائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود. تحصدهم في غداة واحدة. إني والله امرؤ أخشى الدوائر. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] هم لك.
وكان عبد الله بن أبي لا يزال صاحب شأن في قومه. فقبل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] شفاعته في بني قينقاع على أن يجلوا عن المدينة، وأن يأخذوا معهم أموالهم عدا السلاح. وبذلك تخلصت المدينة من قطاع يهودي ذي قوة عظيمة.
وأما بنو النضير، فإن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرج إليهم في سنة أربع بعد غزوة أحد يطلب مشاركتهم في دية قتيلين حسب المعاهدة التي كانت بينه وبينهم. فلما أتاهم قالوا : نعم يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه ؟
ثم أخذوا في تنفيذ هذه المؤامرة الدنيئة، فألهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ما كان من أمرهم فقام وخرج راجعا إلى المدينة، وأمر بالتهيؤ لحربهم. فتحصنوا منه في الحصون. وأرسل إليهم عبد الله بن أبي ابن سلول [ رأس النفاق ] أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم. إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. ولكن المنافقين لم يفوا بعهدهم. وقذف الله الرعب في قلوب بني النضير فاستسلموا بلا حرب ولا قتال. وسألوا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح. ففعل. فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. و من أشرافهم - ممن سار إلى خيبر - سلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب.. هؤلاء الذين كان لهم ذكر في تأليب مشركي قريش وغطفان في غزوة الأحزاب.
والآن نجيء إلى غزوة بني قريظة. وقد مر من شأنهم في غزوة الأحزاب أنهم كانوا إلبا على المسلمين مع المشركين، بتحريض من زعماء بني النضير، وحيي بن أخطب على رأسهم. وكان نقض بني قريظة لعهدهم مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] في هذا الظرف أشق على المسلمين من هجوم الأحزاب من خارج المدينة.
ومما يصور جسامة الخطر الذي كان يتهدد المسلمين، والفزع الذي أحدثه نقض قريظة للعهد ما روي من أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] حين انتهى إليه الخبر، بعث سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج، ومعهما عبدالله بن رواحة، وخوات بن جبير - رضي الله عنهم - فقال " انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس. وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس ".. [ مما يصور ما كان يتوقعه [ صلى الله عليه وسلم ] من وقع الخبر في النفوس ].
فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم. نالوا من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد !.. ثم رجع الوفد فأبلغوا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بالتلميح لا بالتصريح. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" الله أكبر. أبشروا يا معشر المسلمين ".. [ تثبيتا للمسلمين من وقع الخبر السيئ أن يشيع في الصفوف ].
ويقول ابن إسحاق : وعظم عند ذلك البلاء ؛ واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم. حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين.. الخ.
فهكذا كان الأمر إبان معركة الأحزاب.
فلما أيد الله تعالى نبيه بنصره، ورد أعداءه بغيظهم لم ينالوا خيرا ؛ وكفى الله المؤمنين القتال.. رجع النبي [ صلى الله عليه وسلم ] إلى المدينة منصورا، ووضع الناس السلاح، فبينما رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يغتسل من وعثاء المرابطة، في بيت أم سلمة - رضي الله عنها - إذ تبدى له جبريل - عليه السلام - فقال :" أوضعت السلاح يا رسول الله ؟ قال [ صلى الله عليه وسلم ] :" نعم ". قال :" ولكن الملائكة لم تضع أسلحتها ! وهذا أوان رجوعي من طلب القوم ". ثم قال :" إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة " - وكانت على أميال من المدينة -. وذلك بعد صلاة الظهر. وقال [ صلى الله عليه وسلم ] :" لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة ". فسار الناس في الطريق، فأدركتهم الصلاة في الطريق، فصلى بعضهم في الطريق، وقالوا : لم يرد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلا تعجيل المسير. وقال آخرون : لا نصليها إلا في بني قريظة. فلم يعنف واحدا من الفريقين.
وتبعهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم [ صاحب عبس وتولى أن جاءه الأعمى... ] رضي الله عنه - وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ثم نازلهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة. فلما طال عليهم الحال نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس - رضي الله عنه - لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية. واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك كما فعل عبد الله بن أبي بن سلول في مواليه بني قينقاع حتى استطلقهم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فظن هؤلاء أن سعدا سيفعل فيهم كما فعل ابن أبي في أولئك. ولم يعلموا أن سعدا - رضي الله عنه - كان قد أصابه سهم في أكحله [ وهو عرق رئيسي في الذراع لا يرقأ إذا قطع ] أيام الخندق فكواه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكحله، وأنزله في قبة في المسجد ليعوده من قريب وقال سعد - رضي الله عنه - فيما دعا به : اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقنا لها وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. فاستجاب الله تعالى دعاءه. وقدر عليهم أن ينزلوا على حكمه باختيارهم، طلبا من تلقاء أنفسهم.
فعند ذلك استدعاه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من المدينة ليحكم فيهم. فلما أقبل - وهو راكب على حمار قد وطأوا له عليه - جعل الأوس يلوذون به، يقولون : يا سعد إنهم مواليك، فأحسن عليهم ويرققونه عليهم ويعطفونه. وهو ساكت لا يرد عليهم فلما أكثروا عليه قال -
وكانت الأحداث تقسو على الجماعة الناشئة حتى لتبلغ أحيانا درجة الفتنة، وكانت فتنة كفتنة الذهب، تفصل بين الجوهر الأصيل والزبد الزائف ؛ وتكشف عن حقائق النفوس ومعادنها، فلا تعود خليطا مجهول القيم.
وكان القرآن الكريم يتنزل في إبان الابتلاء أو بعد انقضائه، يصور الأحداث، ويلقي الأضواء على منحنياته وزواياه، فتنكشف المواقف والمشاعر، والنوايا والضمائر. ثم يخاطب القلوب وهي مكشوفة في النور، عارية من كل رداء وستار ؛ ويلمس فيها مواضع التأثر والإستجابة ؛ ويربيها يوما بعد يوم، وحادثا بعدحادث ؛ ويرتب تأثراتها واستجاباتها وفق منهجه الذي يريد.
ولم يترك المسلمون لهذا القرآن، يتنزل بالأوامر والنواهي، وبالتشريعات والتوجيهات جملة واحدة ؛ إنما أخذهم الله بالتجارب والابتلاءات، والفتن والامتحانات ؛ فقد علم الله أن هذه الخليقة البشرية لا تصاغ صياغة سليمة، ولا تنضج نضجا صحيحا، ولا تصح وتستقيم على منهج إلا بذاك النوع من التربية التجريبية الواقعية، التي تحفر في القلوب، وتنقش في الأعصاب ؛ وتأخذ من النفوس وتعطي في معترك الحياة ومصطرع الأحداث. أما القرآن فيتنزل ليكشف لهذه النفوس عن حقيقة ما يقع ودلالته ؛ وليوجه تلك القلوب وهي منصهرة بنار الفتنة، ساخنة بحرارة الابتلاء، قابلة للطرق، مطاوعة للصياغة !
ولقد كانت فترة عجيبة حقا تلك التي قضاها المسلمون في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فترة اتصال السماء بالأرض اتصالا مباشرا ظاهرا، مبلورا في أحداث وكلمات. ذلك حين كان يبيت كل مسلم وهو يشعر أن عين الله عليه، وأن سمع الله إليه ؛ وأن كل كلمة منه وكل حركة، بل كل خاطر وكل نية، قد يصبح مكشوفا للناس، يتنزل في شأنه قرآن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]. وحين كان كل مسلم يحس الصلة المباشرة بينه وبين ربه ؛ فإذا حزبه أمر، أو واجهته معضلة، انتظر أن تفتح أبواب السماء غدا أو بعد غد ليتنزل منها حل لمعضلته، وفتوى في أمره، وقضاء في شأنه. وحين كان الله سبحانه بذاته العلية، يقول : أنت يا فلان بذاتك قلت كذا، وعملت كذا وأضمرت كذا وأعلنت كذا. وكن كذا، ولا تكن كذا.. ويا له من أمر هائل عجيب ! يا له من أمر هائل عجيب أن يوجه الله خطابه المعين إلى شخص معين.. هو وكل من على هذه الأرض، وكل ما في هذه الأرض، وكل هذه الأرض. ذرة صغيرة في ملك الله الكبير !
لقد كانت فترة عجيبة حقا، يتملاها الإنسان اليوم، ويتصور حوادثها ومواقفها، وهو لا يكاد يدرك كيف كان ذلك الواقع، الأضخم من كل خيال !
ولكن الله لم يدع المسلمين لهذه المشاعر وحدها تربيهم، وتنضج شخصيتهم المسلمة. بل أخذهم بالتجارب الواقعية، والابتلاءات التي تأخذ منهم وتعطي ؛ وكل ذلك لحكمة يعلمها، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
هذه الحكمة تستحق أن نقف أمامها طويلا، ندركها ونتدبرها ؛ ونتلقى أحداث الحياة وامتحاناتها على ضوء ذلك الإدراك وهذا التدبير.
وهذا المقطع من سورة الأحزاب يتولى تشريح حدث من الأحداث الضخمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي تاريخ الجماعة المسلمة ؛ ويصف موقفا من مواقف الامتحان العسيرة، وهو غزوة الأحزاب، في السنة الرابعة أو الخامسة للهجرة الامتحان لهذه الجماعة الناشئة، ولكل قيمها وتصوراتها. ومن تدبر هذا النص القرآني، وطريقة عرضه للحادث، وأسلوبه في الوصف والتعقيب ووقوفه أمام بعض المشاهد والحوادث، والحركات والخوالج، وإبرازه للقيم والسنن. من ذلك كله ندرك كيف كان الله يربي هذه الأمة بالأحداث والقرآن في آن.
ولكي ندرك طريقة القرآن الخاصة في العرض والتوجيه فإننا قبل البدء في شرح النص القرآني، نثبت رواية الحادث كما عرضتها كتب السيرة - مع الاختصار المناسب - ليظهر الفارق بين سرد الله سبحانه، وسرد البشر للوقائع والأحداث.
عن محمد بن إسحاق قال - بإسناده عن جماعة :
إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )إلى قوله :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ؛ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان - من قيس عيلان - فدعوهم إلى حرب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف من بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما أجمعوا لهم من الأمر ضرب الخندق على المدينة ؛ فعمل فيه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعمل معه المسلمون فيه. فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابا له. فأنزل الله في أولئك المؤمنين.. ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم ).. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )..
ولما فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، في عشرة الاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد. وخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة الاف من المسلمين ؛ فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الآطام [ أي الحصون ].
وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم. وكان قد وادع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن قومه، وعاقده على ذلك وعاهده.. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب [ أي ما زال يروضه ويخاتله ] حتى سمح له - على أن أعطاه عهدا وميثاقا : لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب ابن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ].
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ؛ وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط ! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث : يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة.
فأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة، قريبا من شهر. لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ؛ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ [ سيد الأوس ] وسعد بن عبادة [ سيد الخزرج ] فذكر ذلك لهما. و استشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه ؟ أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال :" بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا. أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" فأنت وذاك ". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال : ليجهدوا علينا.
وأقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة ".
[ وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة ونختصره نحن خوف الإطالة ]...
وخذل الله بينهم - وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية باردة شديدة البرد. فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم [ يعني خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد... الخ ].
فلم
ولم تدر الدائرة على المشركين من قريش وغطفان وحدهم. بل دارت كذلك على بني قريظة حلفاء المشركين من يهود :
( وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم، وقذف في قلوبهم الرعب، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا. وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم، وأرضا لم تطؤوها. وكان الله على كل شيء قديرا )..
فأما قصة هذا فتحتاج إلى شيء من إيضاح قصة اليهود مع المسلمين..
إن اليهود في المدينة لم يهادنوا الإسلام بعد وفوده عليهم إلا فترة قصيرة. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد عقد معهم مهادنة أول مقدمه إليها أوجب لهم فيها النصرة والحماية مشترطا عليهم ألا يغدروا ولا يفجروا ولا يتجسسوا ولا يعينوا عدوا، ولا يمدوا يدا بأذى.
ولكن اليهود ما لبثوا أن أحسوا بخطر الدين الجديد على مكانتهم التقليدية بوصفهم أهل الكتاب الأول. وقد كانوا يتمتعون بمكانة عظيمة بين أهل يثرب بسبب هذه الصفة. كذلك أحسوا بخطر التنظيم الجديد الذي جاء به الإسلام للمجتمع بقيادة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقد كانوا قبل ذلك يستغلون الخلاف القائم بين الأوس والخزرج لتكون لهم الكلمة العليا في المدينة. فلما وحد الإسلام الأوس والخزرج تحت قيادة نبيهم الكريم لم يجد اليهود الماء العكر الذي كانوا يصطادون بين الفريقين فيه !
وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير إسلام حبرهم وعالمهم عبدالله بن سلام. ذلك أن الله شرح صدره للإسلام فأسلم وأمر أهل بيته فأسلموا معه. ولكنه إن هو أعلن إسلامه خاف أن تتقول عليه يهود. فطلب إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يسألهم عنه قبل أن يخبرهم بإسلامه ! فقالوا : سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وعالمنا. فخرج عندئذ عبد الله بن سلام إليهم، وطلب منهم أن يؤمنوا بما آمن به. فوقعوا فيه، وقالوا قالة السوء، وحذروا منه أحياء اليهود. وأحسوا بالخطر الحقيقي على كيانهم الديني والسياسي. فاعتزموا الكيد لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] كيدا لا هوادة فيه.
ومنذ هذا اليوم بدأت الحرب التي لم تضع أوزارها قط حتى اليوم بين الإسلام ويهود !
لقد بدأت في أول الأمر حربا باردة، بتعبير أيامنا هذه. بدأت حرب دعاية ضد محمد - عليه الصلاة والسلام - وضد الإسلام. واتخذوا في الحرب أساليب شتى مما عرف به اليهود في تاريخهم كله. اتخذوا خطة التشكيك في رسالة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] وإلقاء الشبهات حول العقيدة الجديدة. واتخذوا طريقة الدس بين بعض المسلمين وبعض. بين الأوس والخزرج مرة، وبين الأنصار والمهاجرين مرة. واتخذوا طريقة التجسس على المسلمين لحساب أعدائهم من المشركين. واتخذوا طريقة اتخاذ بطانة من المنافقين الذين يظهرون الإسلام يوقعون بواسطتهم الفتنة في صفوف المسلمين.. و أخيرا أسفروا عن وجوههم واتخذوا طريق التأليب على المسلمين، كالذي حدث في غزوة الأحزاب..
وكانت أهم طوائفهم بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة. وكان لكل منها شأن مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ومع المسلمين.
فأما بنو قينقاع وكانوا أشجع يهود، فقد حقدوا على المسلمين انتصارهم ببدر ؛ وأخذوا يتحرشون بهم ويتنكرون للعهد الذي بينهم وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خيفة أن يستفحل أمره فلا يعودون يملكون مقاومته، بعدما انتصر على قريش في أول اشتباك بينه وبينهم.
وقد ذكر ابن هشام في السيرة عن طريق ابن اسحاق ما كان من أمرهم قال :
وكان من حديث بني قينقاع أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] جمعهم بسوق بني قينقاع ثم قال :" يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم " قالوا : يا محمد، إنك ترى أنا قومك، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة. إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس.
وذكر ابن هشام عن طريق عبد الله بن جعفر قال :
كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بحلب لها فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها، فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها، فصاحت. فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، وشدت يهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.
وأكمل ابن إسحاق سياق الحادث قال :
فحاصرهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] حتى نزلوا على حكمه، فقام عبد الله بن أبي بن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال : يا محمد، أحسن في موالي - وكانوا حلفاء الخزرج - قال : فأبطأ عليه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا محمد أحسن في موالي. قال : فأعرض عنه. فأدخل يده في جيب درع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال له رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أرسلني. وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللا. ثم قال : ويحك ! أرسلني. قال : لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي. أربع مائة حاسر. وثلاث مائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود. تحصدهم في غداة واحدة. إني والله امرؤ أخشى الدوائر. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] هم لك.
وكان عبد الله بن أبي لا يزال صاحب شأن في قومه. فقبل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] شفاعته في بني قينقاع على أن يجلوا عن المدينة، وأن يأخذوا معهم أموالهم عدا السلاح. وبذلك تخلصت المدينة من قطاع يهودي ذي قوة عظيمة.
وأما بنو النضير، فإن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرج إليهم في سنة أربع بعد غزوة أحد يطلب مشاركتهم في دية قتيلين حسب المعاهدة التي كانت بينه وبينهم. فلما أتاهم قالوا : نعم يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه ؟
ثم أخذوا في تنفيذ هذه المؤامرة الدنيئة، فألهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ما كان من أمرهم فقام وخرج راجعا إلى المدينة، وأمر بالتهيؤ لحربهم. فتحصنوا منه في الحصون. وأرسل إليهم عبد الله بن أبي ابن سلول [ رأس النفاق ] أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم. إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. ولكن المنافقين لم يفوا بعهدهم. وقذف الله الرعب في قلوب بني النضير فاستسلموا بلا حرب ولا قتال. وسألوا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح. ففعل. فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. و من أشرافهم - ممن سار إلى خيبر - سلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب.. هؤلاء الذين كان لهم ذكر في تأليب مشركي قريش وغطفان في غزوة الأحزاب.
والآن نجيء إلى غزوة بني قريظة. وقد مر من شأنهم في غزوة الأحزاب أنهم كانوا إلبا على المسلمين مع المشركين، بتحريض من زعماء بني النضير، وحيي بن أخطب على رأسهم. وكان نقض بني قريظة لعهدهم مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] في هذا الظرف أشق على المسلمين من هجوم الأحزاب من خارج المدينة.
ومما يصور جسامة الخطر الذي كان يتهدد المسلمين، والفزع الذي أحدثه نقض قريظة للعهد ما روي من أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] حين انتهى إليه الخبر، بعث سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج، ومعهما عبدالله بن رواحة، وخوات بن جبير - رضي الله عنهم - فقال " انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس. وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس ".. [ مما يصور ما كان يتوقعه [ صلى الله عليه وسلم ] من وقع الخبر في النفوس ].
فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم. نالوا من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد !.. ثم رجع الوفد فأبلغوا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بالتلميح لا بالتصريح. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" الله أكبر. أبشروا يا معشر المسلمين ".. [ تثبيتا للمسلمين من وقع الخبر السيئ أن يشيع في الصفوف ].
ويقول ابن إسحاق : وعظم عند ذلك البلاء ؛ واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم. حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين.. الخ.
فهكذا كان الأمر إبان معركة الأحزاب.
فلما أيد الله تعالى نبيه بنصره، ورد أعداءه بغيظهم لم ينالوا خيرا ؛ وكفى الله المؤمنين القتال.. رجع النبي [ صلى الله عليه وسلم ] إلى المدينة منصورا، ووضع الناس السلاح، فبينما رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يغتسل من وعثاء المرابطة، في بيت أم سلمة - رضي الله عنها - إذ تبدى له جبريل - عليه السلام - فقال :" أوضعت السلاح يا رسول الله ؟ قال [ صلى الله عليه وسلم ] :" نعم ". قال :" ولكن الملائكة لم تضع أسلحتها ! وهذا أوان رجوعي من طلب القوم ". ثم قال :" إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة " - وكانت على أميال من المدينة -. وذلك بعد صلاة الظهر. وقال [ صلى الله عليه وسلم ] :" لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة ". فسار الناس في الطريق، فأدركتهم الصلاة في الطريق، فصلى بعضهم في الطريق، وقالوا : لم يرد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلا تعجيل المسير. وقال آخرون : لا نصليها إلا في بني قريظة. فلم يعنف واحدا من الفريقين.
وتبعهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم [ صاحب عبس وتولى أن جاءه الأعمى... ] رضي الله عنه - وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ثم نازلهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة. فلما طال عليهم الحال نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس - رضي الله عنه - لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية. واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك كما فعل عبد الله بن أبي بن سلول في مواليه بني قينقاع حتى استطلقهم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فظن هؤلاء أن سعدا سيفعل فيهم كما فعل ابن أبي في أولئك. ولم يعلموا أن سعدا - رضي الله عنه - كان قد أصابه سهم في أكحله [ وهو عرق رئيسي في الذراع لا يرقأ إذا قطع ] أيام الخندق فكواه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكحله، وأنزله في قبة في المسجد ليعوده من قريب وقال سعد - رضي الله عنه - فيما دعا به : اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقنا لها وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. فاستجاب الله تعالى دعاءه. وقدر عليهم أن ينزلوا على حكمه باختيارهم، طلبا من تلقاء أنفسهم.
فعند ذلك استدعاه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من المدينة ليحكم فيهم. فلما أقبل - وهو راكب على حمار قد وطأوا له عليه - جعل الأوس يلوذون به، يقولون : يا سعد إنهم مواليك، فأحسن عليهم ويرققونه عليهم ويعطفونه. وهو ساكت لا يرد عليهم فلما أكثروا عليه قال -
آية رقم ٢٧
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٦:م٩
ولم تدر الدائرة على المشركين من قريش وغطفان وحدهم. بل دارت كذلك على بني قريظة حلفاء المشركين من يهود :
( وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم، وقذف في قلوبهم الرعب، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا. وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم، وأرضا لم تطؤوها. وكان الله على كل شيء قديرا )..
فأما قصة هذا فتحتاج إلى شيء من إيضاح قصة اليهود مع المسلمين..
إن اليهود في المدينة لم يهادنوا الإسلام بعد وفوده عليهم إلا فترة قصيرة. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد عقد معهم مهادنة أول مقدمه إليها أوجب لهم فيها النصرة والحماية مشترطا عليهم ألا يغدروا ولا يفجروا ولا يتجسسوا ولا يعينوا عدوا، ولا يمدوا يدا بأذى.
ولكن اليهود ما لبثوا أن أحسوا بخطر الدين الجديد على مكانتهم التقليدية بوصفهم أهل الكتاب الأول. وقد كانوا يتمتعون بمكانة عظيمة بين أهل يثرب بسبب هذه الصفة. كذلك أحسوا بخطر التنظيم الجديد الذي جاء به الإسلام للمجتمع بقيادة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقد كانوا قبل ذلك يستغلون الخلاف القائم بين الأوس والخزرج لتكون لهم الكلمة العليا في المدينة. فلما وحد الإسلام الأوس والخزرج تحت قيادة نبيهم الكريم لم يجد اليهود الماء العكر الذي كانوا يصطادون بين الفريقين فيه !
وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير إسلام حبرهم وعالمهم عبدالله بن سلام. ذلك أن الله شرح صدره للإسلام فأسلم وأمر أهل بيته فأسلموا معه. ولكنه إن هو أعلن إسلامه خاف أن تتقول عليه يهود. فطلب إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يسألهم عنه قبل أن يخبرهم بإسلامه ! فقالوا : سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وعالمنا. فخرج عندئذ عبد الله بن سلام إليهم، وطلب منهم أن يؤمنوا بما آمن به. فوقعوا فيه، وقالوا قالة السوء، وحذروا منه أحياء اليهود. وأحسوا بالخطر الحقيقي على كيانهم الديني والسياسي. فاعتزموا الكيد لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] كيدا لا هوادة فيه.
ومنذ هذا اليوم بدأت الحرب التي لم تضع أوزارها قط حتى اليوم بين الإسلام ويهود !
لقد بدأت في أول الأمر حربا باردة، بتعبير أيامنا هذه. بدأت حرب دعاية ضد محمد - عليه الصلاة والسلام - وضد الإسلام. واتخذوا في الحرب أساليب شتى مما عرف به اليهود في تاريخهم كله. اتخذوا خطة التشكيك في رسالة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] وإلقاء الشبهات حول العقيدة الجديدة. واتخذوا طريقة الدس بين بعض المسلمين وبعض. بين الأوس والخزرج مرة، وبين الأنصار والمهاجرين مرة. واتخذوا طريقة التجسس على المسلمين لحساب أعدائهم من المشركين. واتخذوا طريقة اتخاذ بطانة من المنافقين الذين يظهرون الإسلام يوقعون بواسطتهم الفتنة في صفوف المسلمين.. و أخيرا أسفروا عن وجوههم واتخذوا طريق التأليب على المسلمين، كالذي حدث في غزوة الأحزاب..
وكانت أهم طوائفهم بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة. وكان لكل منها شأن مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ومع المسلمين.
فأما بنو قينقاع وكانوا أشجع يهود، فقد حقدوا على المسلمين انتصارهم ببدر ؛ وأخذوا يتحرشون بهم ويتنكرون للعهد الذي بينهم وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خيفة أن يستفحل أمره فلا يعودون يملكون مقاومته، بعدما انتصر على قريش في أول اشتباك بينه وبينهم.
وقد ذكر ابن هشام في السيرة عن طريق ابن اسحاق ما كان من أمرهم قال :
وكان من حديث بني قينقاع أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] جمعهم بسوق بني قينقاع ثم قال :" يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم " قالوا : يا محمد، إنك ترى أنا قومك، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة. إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس.
وذكر ابن هشام عن طريق عبد الله بن جعفر قال :
كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بحلب لها فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها، فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها، فصاحت. فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، وشدت يهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.
وأكمل ابن إسحاق سياق الحادث قال :
فحاصرهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] حتى نزلوا على حكمه، فقام عبد الله بن أبي بن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال : يا محمد، أحسن في موالي - وكانوا حلفاء الخزرج - قال : فأبطأ عليه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا محمد أحسن في موالي. قال : فأعرض عنه. فأدخل يده في جيب درع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال له رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أرسلني. وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللا. ثم قال : ويحك ! أرسلني. قال : لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي. أربع مائة حاسر. وثلاث مائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود. تحصدهم في غداة واحدة. إني والله امرؤ أخشى الدوائر. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] هم لك.
وكان عبد الله بن أبي لا يزال صاحب شأن في قومه. فقبل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] شفاعته في بني قينقاع على أن يجلوا عن المدينة، وأن يأخذوا معهم أموالهم عدا السلاح. وبذلك تخلصت المدينة من قطاع يهودي ذي قوة عظيمة.
وأما بنو النضير، فإن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرج إليهم في سنة أربع بعد غزوة أحد يطلب مشاركتهم في دية قتيلين حسب المعاهدة التي كانت بينه وبينهم. فلما أتاهم قالوا : نعم يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه ؟
ثم أخذوا في تنفيذ هذه المؤامرة الدنيئة، فألهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ما كان من أمرهم فقام وخرج راجعا إلى المدينة، وأمر بالتهيؤ لحربهم. فتحصنوا منه في الحصون. وأرسل إليهم عبد الله بن أبي ابن سلول [ رأس النفاق ] أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم. إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. ولكن المنافقين لم يفوا بعهدهم. وقذف الله الرعب في قلوب بني النضير فاستسلموا بلا حرب ولا قتال. وسألوا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح. ففعل. فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. و من أشرافهم - ممن سار إلى خيبر - سلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب.. هؤلاء الذين كان لهم ذكر في تأليب مشركي قريش وغطفان في غزوة الأحزاب.
والآن نجيء إلى غزوة بني قريظة. وقد مر من شأنهم في غزوة الأحزاب أنهم كانوا إلبا على المسلمين مع المشركين، بتحريض من زعماء بني النضير، وحيي بن أخطب على رأسهم. وكان نقض بني قريظة لعهدهم مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] في هذا الظرف أشق على المسلمين من هجوم الأحزاب من خارج المدينة.
ومما يصور جسامة الخطر الذي كان يتهدد المسلمين، والفزع الذي أحدثه نقض قريظة للعهد ما روي من أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] حين انتهى إليه الخبر، بعث سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج، ومعهما عبدالله بن رواحة، وخوات بن جبير - رضي الله عنهم - فقال " انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس. وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس ".. [ مما يصور ما كان يتوقعه [ صلى الله عليه وسلم ] من وقع الخبر في النفوس ].
فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم. نالوا من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد !.. ثم رجع الوفد فأبلغوا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بالتلميح لا بالتصريح. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" الله أكبر. أبشروا يا معشر المسلمين ".. [ تثبيتا للمسلمين من وقع الخبر السيئ أن يشيع في الصفوف ].
ويقول ابن إسحاق : وعظم عند ذلك البلاء ؛ واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم. حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين.. الخ.
فهكذا كان الأمر إبان معركة الأحزاب.
فلما أيد الله تعالى نبيه بنصره، ورد أعداءه بغيظهم لم ينالوا خيرا ؛ وكفى الله المؤمنين القتال.. رجع النبي [ صلى الله عليه وسلم ] إلى المدينة منصورا، ووضع الناس السلاح، فبينما رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يغتسل من وعثاء المرابطة، في بيت أم سلمة - رضي الله عنها - إذ تبدى له جبريل - عليه السلام - فقال :" أوضعت السلاح يا رسول الله ؟ قال [ صلى الله عليه وسلم ] :" نعم ". قال :" ولكن الملائكة لم تضع أسلحتها ! وهذا أوان رجوعي من طلب القوم ". ثم قال :" إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة " - وكانت على أميال من المدينة -. وذلك بعد صلاة الظهر. وقال [ صلى الله عليه وسلم ] :" لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة ". فسار الناس في الطريق، فأدركتهم الصلاة في الطريق، فصلى بعضهم في الطريق، وقالوا : لم يرد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلا تعجيل المسير. وقال آخرون : لا نصليها إلا في بني قريظة. فلم يعنف واحدا من الفريقين.
وتبعهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم [ صاحب عبس وتولى أن جاءه الأعمى... ] رضي الله عنه - وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ثم نازلهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة. فلما طال عليهم الحال نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس - رضي الله عنه - لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية. واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك كما فعل عبد الله بن أبي بن سلول في مواليه بني قينقاع حتى استطلقهم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فظن هؤلاء أن سعدا سيفعل فيهم كما فعل ابن أبي في أولئك. ولم يعلموا أن سعدا - رضي الله عنه - كان قد أصابه سهم في أكحله [ وهو عرق رئيسي في الذراع لا يرقأ إذا قطع ] أيام الخندق فكواه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكحله، وأنزله في قبة في المسجد ليعوده من قريب وقال سعد - رضي الله عنه - فيما دعا به : اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقنا لها وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. فاستجاب الله تعالى دعاءه. وقدر عليهم أن ينزلوا على حكمه باختيارهم، طلبا من تلقاء أنفسهم.
فعند ذلك استدعاه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من المدينة ليحكم فيهم. فلما أقبل - وهو راكب على حمار قد وطأوا له عليه - جعل الأوس يلوذون به، يقولون : يا سعد إنهم مواليك، فأحسن عليهم ويرققونه عليهم ويعطفونه. وهو ساكت لا يرد عليهم فلما أكثروا عليه قال -
ولم تدر الدائرة على المشركين من قريش وغطفان وحدهم. بل دارت كذلك على بني قريظة حلفاء المشركين من يهود :
( وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم، وقذف في قلوبهم الرعب، فريقا تقتلون وتأسرون فريقا. وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم، وأرضا لم تطؤوها. وكان الله على كل شيء قديرا )..
فأما قصة هذا فتحتاج إلى شيء من إيضاح قصة اليهود مع المسلمين..
إن اليهود في المدينة لم يهادنوا الإسلام بعد وفوده عليهم إلا فترة قصيرة. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد عقد معهم مهادنة أول مقدمه إليها أوجب لهم فيها النصرة والحماية مشترطا عليهم ألا يغدروا ولا يفجروا ولا يتجسسوا ولا يعينوا عدوا، ولا يمدوا يدا بأذى.
ولكن اليهود ما لبثوا أن أحسوا بخطر الدين الجديد على مكانتهم التقليدية بوصفهم أهل الكتاب الأول. وقد كانوا يتمتعون بمكانة عظيمة بين أهل يثرب بسبب هذه الصفة. كذلك أحسوا بخطر التنظيم الجديد الذي جاء به الإسلام للمجتمع بقيادة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقد كانوا قبل ذلك يستغلون الخلاف القائم بين الأوس والخزرج لتكون لهم الكلمة العليا في المدينة. فلما وحد الإسلام الأوس والخزرج تحت قيادة نبيهم الكريم لم يجد اليهود الماء العكر الذي كانوا يصطادون بين الفريقين فيه !
وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير إسلام حبرهم وعالمهم عبدالله بن سلام. ذلك أن الله شرح صدره للإسلام فأسلم وأمر أهل بيته فأسلموا معه. ولكنه إن هو أعلن إسلامه خاف أن تتقول عليه يهود. فطلب إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يسألهم عنه قبل أن يخبرهم بإسلامه ! فقالوا : سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وعالمنا. فخرج عندئذ عبد الله بن سلام إليهم، وطلب منهم أن يؤمنوا بما آمن به. فوقعوا فيه، وقالوا قالة السوء، وحذروا منه أحياء اليهود. وأحسوا بالخطر الحقيقي على كيانهم الديني والسياسي. فاعتزموا الكيد لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] كيدا لا هوادة فيه.
ومنذ هذا اليوم بدأت الحرب التي لم تضع أوزارها قط حتى اليوم بين الإسلام ويهود !
لقد بدأت في أول الأمر حربا باردة، بتعبير أيامنا هذه. بدأت حرب دعاية ضد محمد - عليه الصلاة والسلام - وضد الإسلام. واتخذوا في الحرب أساليب شتى مما عرف به اليهود في تاريخهم كله. اتخذوا خطة التشكيك في رسالة محمد [ صلى الله عليه وسلم ] وإلقاء الشبهات حول العقيدة الجديدة. واتخذوا طريقة الدس بين بعض المسلمين وبعض. بين الأوس والخزرج مرة، وبين الأنصار والمهاجرين مرة. واتخذوا طريقة التجسس على المسلمين لحساب أعدائهم من المشركين. واتخذوا طريقة اتخاذ بطانة من المنافقين الذين يظهرون الإسلام يوقعون بواسطتهم الفتنة في صفوف المسلمين.. و أخيرا أسفروا عن وجوههم واتخذوا طريق التأليب على المسلمين، كالذي حدث في غزوة الأحزاب..
وكانت أهم طوائفهم بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة. وكان لكل منها شأن مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ومع المسلمين.
فأما بنو قينقاع وكانوا أشجع يهود، فقد حقدوا على المسلمين انتصارهم ببدر ؛ وأخذوا يتحرشون بهم ويتنكرون للعهد الذي بينهم وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خيفة أن يستفحل أمره فلا يعودون يملكون مقاومته، بعدما انتصر على قريش في أول اشتباك بينه وبينهم.
وقد ذكر ابن هشام في السيرة عن طريق ابن اسحاق ما كان من أمرهم قال :
وكان من حديث بني قينقاع أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] جمعهم بسوق بني قينقاع ثم قال :" يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم " قالوا : يا محمد، إنك ترى أنا قومك، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة. إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس.
وذكر ابن هشام عن طريق عبد الله بن جعفر قال :
كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بحلب لها فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها، فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها، فصاحت. فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، وشدت يهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.
وأكمل ابن إسحاق سياق الحادث قال :
فحاصرهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] حتى نزلوا على حكمه، فقام عبد الله بن أبي بن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال : يا محمد، أحسن في موالي - وكانوا حلفاء الخزرج - قال : فأبطأ عليه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : يا محمد أحسن في موالي. قال : فأعرض عنه. فأدخل يده في جيب درع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال له رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أرسلني. وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللا. ثم قال : ويحك ! أرسلني. قال : لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي. أربع مائة حاسر. وثلاث مائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود. تحصدهم في غداة واحدة. إني والله امرؤ أخشى الدوائر. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] هم لك.
وكان عبد الله بن أبي لا يزال صاحب شأن في قومه. فقبل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] شفاعته في بني قينقاع على أن يجلوا عن المدينة، وأن يأخذوا معهم أموالهم عدا السلاح. وبذلك تخلصت المدينة من قطاع يهودي ذي قوة عظيمة.
وأما بنو النضير، فإن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرج إليهم في سنة أربع بعد غزوة أحد يطلب مشاركتهم في دية قتيلين حسب المعاهدة التي كانت بينه وبينهم. فلما أتاهم قالوا : نعم يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه ؟
ثم أخذوا في تنفيذ هذه المؤامرة الدنيئة، فألهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ما كان من أمرهم فقام وخرج راجعا إلى المدينة، وأمر بالتهيؤ لحربهم. فتحصنوا منه في الحصون. وأرسل إليهم عبد الله بن أبي ابن سلول [ رأس النفاق ] أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم. إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. ولكن المنافقين لم يفوا بعهدهم. وقذف الله الرعب في قلوب بني النضير فاستسلموا بلا حرب ولا قتال. وسألوا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح. ففعل. فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. و من أشرافهم - ممن سار إلى خيبر - سلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب.. هؤلاء الذين كان لهم ذكر في تأليب مشركي قريش وغطفان في غزوة الأحزاب.
والآن نجيء إلى غزوة بني قريظة. وقد مر من شأنهم في غزوة الأحزاب أنهم كانوا إلبا على المسلمين مع المشركين، بتحريض من زعماء بني النضير، وحيي بن أخطب على رأسهم. وكان نقض بني قريظة لعهدهم مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] في هذا الظرف أشق على المسلمين من هجوم الأحزاب من خارج المدينة.
ومما يصور جسامة الخطر الذي كان يتهدد المسلمين، والفزع الذي أحدثه نقض قريظة للعهد ما روي من أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] حين انتهى إليه الخبر، بعث سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج، ومعهما عبدالله بن رواحة، وخوات بن جبير - رضي الله عنهم - فقال " انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس. وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس ".. [ مما يصور ما كان يتوقعه [ صلى الله عليه وسلم ] من وقع الخبر في النفوس ].
فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم. نالوا من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقالوا : من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد !.. ثم رجع الوفد فأبلغوا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بالتلميح لا بالتصريح. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" الله أكبر. أبشروا يا معشر المسلمين ".. [ تثبيتا للمسلمين من وقع الخبر السيئ أن يشيع في الصفوف ].
ويقول ابن إسحاق : وعظم عند ذلك البلاء ؛ واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم. حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين.. الخ.
فهكذا كان الأمر إبان معركة الأحزاب.
فلما أيد الله تعالى نبيه بنصره، ورد أعداءه بغيظهم لم ينالوا خيرا ؛ وكفى الله المؤمنين القتال.. رجع النبي [ صلى الله عليه وسلم ] إلى المدينة منصورا، ووضع الناس السلاح، فبينما رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يغتسل من وعثاء المرابطة، في بيت أم سلمة - رضي الله عنها - إذ تبدى له جبريل - عليه السلام - فقال :" أوضعت السلاح يا رسول الله ؟ قال [ صلى الله عليه وسلم ] :" نعم ". قال :" ولكن الملائكة لم تضع أسلحتها ! وهذا أوان رجوعي من طلب القوم ". ثم قال :" إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة " - وكانت على أميال من المدينة -. وذلك بعد صلاة الظهر. وقال [ صلى الله عليه وسلم ] :" لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة ". فسار الناس في الطريق، فأدركتهم الصلاة في الطريق، فصلى بعضهم في الطريق، وقالوا : لم يرد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلا تعجيل المسير. وقال آخرون : لا نصليها إلا في بني قريظة. فلم يعنف واحدا من الفريقين.
وتبعهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم [ صاحب عبس وتولى أن جاءه الأعمى... ] رضي الله عنه - وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ثم نازلهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة. فلما طال عليهم الحال نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس - رضي الله عنه - لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية. واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك كما فعل عبد الله بن أبي بن سلول في مواليه بني قينقاع حتى استطلقهم من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فظن هؤلاء أن سعدا سيفعل فيهم كما فعل ابن أبي في أولئك. ولم يعلموا أن سعدا - رضي الله عنه - كان قد أصابه سهم في أكحله [ وهو عرق رئيسي في الذراع لا يرقأ إذا قطع ] أيام الخندق فكواه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكحله، وأنزله في قبة في المسجد ليعوده من قريب وقال سعد - رضي الله عنه - فيما دعا به : اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقنا لها وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. فاستجاب الله تعالى دعاءه. وقدر عليهم أن ينزلوا على حكمه باختيارهم، طلبا من تلقاء أنفسهم.
فعند ذلك استدعاه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من المدينة ليحكم فيهم. فلما أقبل - وهو راكب على حمار قد وطأوا له عليه - جعل الأوس يلوذون به، يقولون : يا سعد إنهم مواليك، فأحسن عليهم ويرققونه عليهم ويعطفونه. وهو ساكت لا يرد عليهم فلما أكثروا عليه قال -
آية رقم ٢٨
هذا الدرس الثالث في سورة الأحزاب خاص بأزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فيما عدا الاستطراد الأخير لبيان جزاء المسلمين كافة والمسلمات - ولقد سبق في أوائل السورة تسميتهن ( أمهات المؤمنين ). ولهذه الأمومة تكاليفها. و للمرتبة السامية التي استحققن بها هذه الصفة تكاليفها. و لمكانتهن من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] تكاليفها. وفي هذا الدرس بيان لشيء من هذه التكاليف ؛ وإقرار للقيم التي أراد الله لبيت النبوة الطاهر أن يمثلها، وأن يقوم عليها، وأن يكون فيها منارة يهتدي بها السالكون.
آية رقم ٢٩
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٨:م ٢٨
( يا أيها النبي، قل لأزواجك : إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا. وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة، فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما )..
لقد اختار النبي [ صلى الله عليه وسلم ] لنفسه ولأهل بيته معيشة الكفاف، لا عجزا عن حياة المتاع، فقد عاش حتى فتحت له الأرض، وكثرت غنائمها، وعم فيؤها، واغتنى من لم يكن له من قبل مال ولا زاد ! ومع هذا فقد كان الشهر يمضي ولا توقد في بيوته نار. مع جوده بالصدقات والهبات والهدايا. ولكن ذلك كان اختيارا للاستعلاء على متاع الحياة الدنيا ورغبة خالصة فيما عند الله. رغبة الذي يملك ولكنه يعف ويستعلي ويختار.. ولم يكن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] مكلفا من عقيدته ولا من شريعته أن يعيش مثل هذه المعيشة التي أخذ بها نفسه وأهل بيته، فلم تكن الطيبات محرمة في عقيدته وشريعته ؛ ولم يحرمها على نفسه حين كانت تقدم إليه عفوا بلا تكلف، وتحصل بين يديه مصادفة واتفاقا، لا جريا وراءها ولا تشهيا لها، ولا انغماسا فيها ولا انشغالا بها.. ولم يكلف أمته كذلك أن تعيش عيشته التي اختارها لنفسه، إلا أن يختارها من يريد، استعلاء على اللذائذ والمتاع، وانطلاقا من ثقلتها إلى حيث الحرية التامة من رغبات النفس وميولها.
ولكن نساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] كن نساء، من البشر، لهن مشاعر البشر. وعلى فضلهن وكرامتهن وقربهن من ينابيع النبوة الكريمة، فإن الرغبة الطبيعية في متاع الحياة ظلت حية في نفوسهن. فلما أن رأين السعة والرخاء بعدما أفاض الله على رسوله وعلى المؤمنين راجعن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في أمر النفقة. فلم يستقبل هذه المراجعة بالترحيب، إنما استقبلها بالأسى وعدم الرضى ؛ إذ كانت نفسه [ صلى الله عليه وسلم ] ترغب في أن تعيش فيما اختاره لها من طلاقة وارتفاع ورضى ؛ متجردة من الانشغال بمثل ذلك الأمر والاحتفال به أدنى احتفال ؛ وأن تظل حياته وحياة من يلوذون به على ذلك الأفق السامي الوضيء المبرأ من كل ظل لهذه الدنيا وأوشابها. لا بوصفه حلالا وحراما - فقد تبين الحلال والحرام - ولكن من ناحية التحرر والانطلاق والفكاك من هواتف هذه الأرض الرخيصة !
ولقد بلغ الأسى برسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من مطالبة نسائه له بالنفقة أن احتجب عن أصحابه. وكان احتجابه عنهم أمرا صعبا عليهم يهون كل شيء دونه. وجاءوا فلم يؤذن لهم. روى الإمام أحمد - بإسناده - عن جابر - رضي الله عنه - قال : أقبل أبو بكر - رضي الله عنه - يستأذن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والناس ببابه جلوس، والنبي [ صلى الله عليه وسلم ] جالس، فلم يؤذن له. ثم أقبل عمر - رضي الله عنه - فاستأذن فلم يؤذن له. ثم أذن لأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - فدخلا، والنبي [ صلى الله عليه وسلم ] جالس وحوله نساؤه، وهو [ صلى الله عليه وسلم ] ساكت. فقال عمر - رضي الله عنه - : لأكلمن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] لعله يضحك. فقال عمر - رضي الله عنه - يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد - امرأة عمر - سألتني النفقة آنفا فوجأت عنقها ! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، وقال :" هن حولي يسألنني النفقة " ! فقام أبو بكر - رضي الله عنه - إلى عائشة ليضربها، وقام عمر - رضي الله عنه - إلى حفصة، كلاهما يقولان : تسألان النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ما ليس عنده ؟ ! فنهاهما الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فقلن : والله لا نسأل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بعد هذا المجلس ما ليس عنده.. قال : وأنزل الله عز وجل الخيار، فبدأ بعائشة - رضي الله عنها - فقال :" إني أذكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك " قالت : وما هو ؟ قال : فتلا عليها ( يا أيها النبي قل لأزواجك ).. الآية. قالت عائشة - رضي الله عنها - : أفيك أستأمر أبوي ؟ بل أختار الله تعالى ورسوله. وأسألك ألا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت. فقال [ صلى الله عليه وسلم ] " إن الله تعالى لم يبعثني معنفا، ولكن بعثني معلما ميسرا. لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها ".
وفي رواية البخاري - بإسناده - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن : أن عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أخبرته أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] جاءها حين أمره الله تعالى أن يخيرأزواجه. قالت : فبدأ بي رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال :" إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك " - وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه - قالت : ثم قال :" إن الله تعالى قال :( يا أيها النبي قل لأزواجك )إلى تمام الآيتين ". فقلت له : ففي أي هذا أستأمر أبوي ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.
لقد جاء القرآن الكريم ليحدد القيم الأساسية في تصور الإسلام للحياة. هذه القيم التي ينبغي أن تجد ترجمتها الحية في بيت النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وحياته الخاصة ؛ وأن تتحقق في أدق صورة وأوضحها في هذا البيت الذي كان - وسيبقى - منارة للمسلمين وللإسلام حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ونزلت آيتا التخيير تحددان الطريق. فإما الحياة الدنيا وزينتها، وإما الله ورسوله والدار الآخرة. فالقلب الواحد لا يسع تصورين للحياة. وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
وقد كانت نساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قد قلن : والله لا نسأل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بعد هذا المجلس ما ليس عنده. فنزل القرآن ليقرر أصل القضية. فليست المسألة أن يكون عنده أو لا يكون. إنما المسألة هي اختيار الله ورسوله والدار الآخرة كلية، أو اختيار الزينة والمتاع. سواء كانت خزائن الأرض كلها تحت أيديهن أم كانت بيوتهن خاوية من الزاد. وقد اخترن الله ورسوله والدار الآخرة اختيارا مطلقا بعد هذا التخيير الحاسم. وكن حيث تؤهلن مكانتهن من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وفي ذلك الأفق العالي الكريم اللائق ببيت الرسول العظيم. وفي بعض الروايات أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فرح بهذا الاختيار.
ونحب أن نقف لحظات أمام هذا الحادث نتدبره من بعض زواياه.
إنه يحدد التصور الإسلامي الواضح للقيم ؛ ويرسم الطريق الشعوري للإحساس بالدنيا والآخرة. ويحسم في القلب المسلم كل أرجحة وكل لجلجة بين قيم الدنيا وقيم الآخرة ؛ بين الاتجاه إلى الأرض والاتجاه إلى السماء. ويخلص هذا القلب من كل وشيجة غريبة تحول بينه وبين التجرد لله والخلوص له وحده دون سواه.
هذا من جانب ومن الجانب الآخر يصور لنا هذا الحادث حقيقة حياة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والذين عاشوا معه واتصلوا به. وأجمل ما في هذه الحقيقة أن تلك الحياة كانت حياة إنسان وحياة ناس من البشر ؛ لم يتجردوا من بشريتهم ومشاعرهم وسماتهم الإنسانية. مع كل تلك العظمة الفريدة البالغة التي ارتفعوا إليها ؛ ومع كل هذا الخلوص لله والتجرد مما عداه. فالمشاعر الإنسانية والعواطف البشرية لم تمت في تلك النفوس. ولكنها ارتفعت، وصفت من الأوشاب. ثم بقيت لها طبيعتها البشرية الحلوة، ولم تعوق هذه النفوس عن الارتفاع إلى أقصى درجات الكمال المقدر للإنسان.
وكثيرا ما نخطئ نحن حين نتصور للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] ولصحابته - رضوان الله عليهم - صورة غير حقيقية، أو غير كاملة، نجردهم فيها من كل المشاعر والعواطف البشرية، حاسبين أننا نرفعهم بهذا وننزههم عما نعده نحن نقصا وضعفا !
وهذا الخطأ يرسم لهم صورة غير واقعية، صورة ملفعة بهالات غامضة لا نتبين من خلالها ملامحهم الإنسانية الأصيلة. ومن ثم تنقطع الصلة البشرية بيننا وبينهم. وتبقى شخوصهم في حسنا بين تلك الهالات أقرب إلى الأطياف التي لا تلمس ولا تتماسك في الأيدي ! ونشعر بهم كما لو كانوا خلقا آخر غيرنا.. ملائكة أو خلقا مثلهم مجردا من مشاعر البشر وعواطفهم على كل حال ! ومع شفافية هذه الصورة الخيالية فإنهاتبعدهم عن محيطنا، فلا نعود نتأسى بهم أو نتأثر. يأسا من إمكان التشبه بهم أو الاقتداء العملي في الحياة الواقعية. وتفقد السيرة بذلك أهم عنصر محرك، وهو استجاشة مشاعرنا للأسوة والتقليد. وتحل محلها الروعة والانبهار، اللذان لا ينتجان إلا شعورا مبهما غامضا سحريا ليس له أثر عملي في حياتنا الواقعية.. ثم نفقد كذلك التجاوب الحي بيننا وبين هذه الشخصيات العظيمة. لأن التجاوب إنما يقع نتيجة لشعورنا بأنهم بشر حقيقيون، عاشوا بعواطف ومشاعر وانفعالات حقيقية من نوع المشاعر والعواطف والانفعالات التي نعانيها نحن. ولكنهم هم ارتقوا بها وصفوها من الشوائب التي تخالج مشاعرنا.
وحكمة الله واضحة في أن يختار رسله من البشر، لا من الملائكة ولا من أي خلق آخر غير البشر. كي تبقى الصلة الحقيقية بين حياة الرسل وحياة أتباعهم قائمة ؛ وكي يحس أتباعهم أن قلوبهم كانت تعمرها عواطف ومشاعر من جنس مشاعر البشر وعواطفهم، وإن صفت ورفت وارتقت. فيحبوهم حب الإنسان للإنسان ؛ ويطمعوا في تقليدهم تقليد الإنسان الصغير للإنسان الكبير.
وفي حادث التخيير نقف أمام الرغبة الطبيعية في نفوس نساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في المتاع ؛ كما نقف أمام صورة الحياة البيتية للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] ونسائه رضي الله عنهن - وهن أزواج يراجعن زوجهن في أمر النفقة ! فيؤذيه هذا، ولكنه لا يقبل من أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - أن يضربا عائشة وحفصة على هذه المراجعة. فالمسألة مسألة مشاعر وميول بشرية، تصفى وترفع، ولكنها لا تخمد ولا تكبت ! ويظل الأمر كذلك حتى يأتيه أمر الله بتخيير نسائه. فيخترن الله ورسوله والدار الآخرة، اختيارا لا إكراه فيه ولا كبت ولا ضغط ؛ فيفرح قلب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بارتفاع قلوب أزواجه إلى هذا الأفق السامي الوضيء.
ونقف كذلك أمام تلك العاطفة البشرية الحلوة في قلب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وهو يحب عائشة حبا ظاهرا ؛ ويحب لها أن ترتفع إلى مستوى القيم التي يريدها الله له ولأهل بيته فيبدأ بها في التخيير ؛ ويريد أن يساعدها على الارتفاع والتجرد ؛ فيطلب إليها ألا تعجل في الأمر حتى تستشير أبويها - وقد علم أنهما لم يكونا يأمرانها بفراقه كما قالت - وهذه العاطفة الحلوة في قلب النبي [ صلى الله عليه وسلم ] لا تخطئ عائشة - رضي الله عنها - من جانبها في إدراكها ؛ فتسرها وتحفل بتسجيلها في حديثها. ومن خلال هذا الحديث يبدو النبي صلى الله عليه وسلم إنسانا يحب زوجه الصغيرة، فيحب لها أن ترتفع إلى أفقه الذي يعيش فيه ؛ وتبقى معه على هذا الأفق، تشاركه الشعور بالقيم الأصيلة في حسه، والتي يريدها له ربه ولأهل بيته. كذلك تبدو عائشة - رضي الله عنها - إنسانة يسرها أن تكون مكينة في قلب زوجها ؛ فتسجل بفرح حرصه عليها، وحبه لها، ورغبته في أن تستعين بأبويها على اختيار الأفق الأعلى فتبقى معه على هذا الأفق الوضيء. ثم نلمح مشاعرها الأنثوية كذلك، وهي تطلب إليه ألا يخبر أزواجه الأخريات أنها اختارته حين يخيرهن ! وما في هذا الطلب من رغبة في أن يظهر تفردها في هذا الاختيار، وميزتها على بقية نسائه، أو على بعضهن في هذا المقام !.. وهنا نلمح عظمة النبوة من جانب آخر في رد رسو
( يا أيها النبي، قل لأزواجك : إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا. وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة، فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما )..
لقد اختار النبي [ صلى الله عليه وسلم ] لنفسه ولأهل بيته معيشة الكفاف، لا عجزا عن حياة المتاع، فقد عاش حتى فتحت له الأرض، وكثرت غنائمها، وعم فيؤها، واغتنى من لم يكن له من قبل مال ولا زاد ! ومع هذا فقد كان الشهر يمضي ولا توقد في بيوته نار. مع جوده بالصدقات والهبات والهدايا. ولكن ذلك كان اختيارا للاستعلاء على متاع الحياة الدنيا ورغبة خالصة فيما عند الله. رغبة الذي يملك ولكنه يعف ويستعلي ويختار.. ولم يكن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] مكلفا من عقيدته ولا من شريعته أن يعيش مثل هذه المعيشة التي أخذ بها نفسه وأهل بيته، فلم تكن الطيبات محرمة في عقيدته وشريعته ؛ ولم يحرمها على نفسه حين كانت تقدم إليه عفوا بلا تكلف، وتحصل بين يديه مصادفة واتفاقا، لا جريا وراءها ولا تشهيا لها، ولا انغماسا فيها ولا انشغالا بها.. ولم يكلف أمته كذلك أن تعيش عيشته التي اختارها لنفسه، إلا أن يختارها من يريد، استعلاء على اللذائذ والمتاع، وانطلاقا من ثقلتها إلى حيث الحرية التامة من رغبات النفس وميولها.
ولكن نساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] كن نساء، من البشر، لهن مشاعر البشر. وعلى فضلهن وكرامتهن وقربهن من ينابيع النبوة الكريمة، فإن الرغبة الطبيعية في متاع الحياة ظلت حية في نفوسهن. فلما أن رأين السعة والرخاء بعدما أفاض الله على رسوله وعلى المؤمنين راجعن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في أمر النفقة. فلم يستقبل هذه المراجعة بالترحيب، إنما استقبلها بالأسى وعدم الرضى ؛ إذ كانت نفسه [ صلى الله عليه وسلم ] ترغب في أن تعيش فيما اختاره لها من طلاقة وارتفاع ورضى ؛ متجردة من الانشغال بمثل ذلك الأمر والاحتفال به أدنى احتفال ؛ وأن تظل حياته وحياة من يلوذون به على ذلك الأفق السامي الوضيء المبرأ من كل ظل لهذه الدنيا وأوشابها. لا بوصفه حلالا وحراما - فقد تبين الحلال والحرام - ولكن من ناحية التحرر والانطلاق والفكاك من هواتف هذه الأرض الرخيصة !
ولقد بلغ الأسى برسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من مطالبة نسائه له بالنفقة أن احتجب عن أصحابه. وكان احتجابه عنهم أمرا صعبا عليهم يهون كل شيء دونه. وجاءوا فلم يؤذن لهم. روى الإمام أحمد - بإسناده - عن جابر - رضي الله عنه - قال : أقبل أبو بكر - رضي الله عنه - يستأذن على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والناس ببابه جلوس، والنبي [ صلى الله عليه وسلم ] جالس، فلم يؤذن له. ثم أقبل عمر - رضي الله عنه - فاستأذن فلم يؤذن له. ثم أذن لأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - فدخلا، والنبي [ صلى الله عليه وسلم ] جالس وحوله نساؤه، وهو [ صلى الله عليه وسلم ] ساكت. فقال عمر - رضي الله عنه - : لأكلمن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] لعله يضحك. فقال عمر - رضي الله عنه - يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد - امرأة عمر - سألتني النفقة آنفا فوجأت عنقها ! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، وقال :" هن حولي يسألنني النفقة " ! فقام أبو بكر - رضي الله عنه - إلى عائشة ليضربها، وقام عمر - رضي الله عنه - إلى حفصة، كلاهما يقولان : تسألان النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ما ليس عنده ؟ ! فنهاهما الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فقلن : والله لا نسأل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بعد هذا المجلس ما ليس عنده.. قال : وأنزل الله عز وجل الخيار، فبدأ بعائشة - رضي الله عنها - فقال :" إني أذكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك " قالت : وما هو ؟ قال : فتلا عليها ( يا أيها النبي قل لأزواجك ).. الآية. قالت عائشة - رضي الله عنها - : أفيك أستأمر أبوي ؟ بل أختار الله تعالى ورسوله. وأسألك ألا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت. فقال [ صلى الله عليه وسلم ] " إن الله تعالى لم يبعثني معنفا، ولكن بعثني معلما ميسرا. لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها ".
وفي رواية البخاري - بإسناده - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن : أن عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أخبرته أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] جاءها حين أمره الله تعالى أن يخيرأزواجه. قالت : فبدأ بي رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال :" إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تستعجلي حتى تستأمري أبويك " - وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه - قالت : ثم قال :" إن الله تعالى قال :( يا أيها النبي قل لأزواجك )إلى تمام الآيتين ". فقلت له : ففي أي هذا أستأمر أبوي ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.
لقد جاء القرآن الكريم ليحدد القيم الأساسية في تصور الإسلام للحياة. هذه القيم التي ينبغي أن تجد ترجمتها الحية في بيت النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وحياته الخاصة ؛ وأن تتحقق في أدق صورة وأوضحها في هذا البيت الذي كان - وسيبقى - منارة للمسلمين وللإسلام حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ونزلت آيتا التخيير تحددان الطريق. فإما الحياة الدنيا وزينتها، وإما الله ورسوله والدار الآخرة. فالقلب الواحد لا يسع تصورين للحياة. وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
وقد كانت نساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قد قلن : والله لا نسأل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بعد هذا المجلس ما ليس عنده. فنزل القرآن ليقرر أصل القضية. فليست المسألة أن يكون عنده أو لا يكون. إنما المسألة هي اختيار الله ورسوله والدار الآخرة كلية، أو اختيار الزينة والمتاع. سواء كانت خزائن الأرض كلها تحت أيديهن أم كانت بيوتهن خاوية من الزاد. وقد اخترن الله ورسوله والدار الآخرة اختيارا مطلقا بعد هذا التخيير الحاسم. وكن حيث تؤهلن مكانتهن من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وفي ذلك الأفق العالي الكريم اللائق ببيت الرسول العظيم. وفي بعض الروايات أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فرح بهذا الاختيار.
ونحب أن نقف لحظات أمام هذا الحادث نتدبره من بعض زواياه.
إنه يحدد التصور الإسلامي الواضح للقيم ؛ ويرسم الطريق الشعوري للإحساس بالدنيا والآخرة. ويحسم في القلب المسلم كل أرجحة وكل لجلجة بين قيم الدنيا وقيم الآخرة ؛ بين الاتجاه إلى الأرض والاتجاه إلى السماء. ويخلص هذا القلب من كل وشيجة غريبة تحول بينه وبين التجرد لله والخلوص له وحده دون سواه.
هذا من جانب ومن الجانب الآخر يصور لنا هذا الحادث حقيقة حياة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والذين عاشوا معه واتصلوا به. وأجمل ما في هذه الحقيقة أن تلك الحياة كانت حياة إنسان وحياة ناس من البشر ؛ لم يتجردوا من بشريتهم ومشاعرهم وسماتهم الإنسانية. مع كل تلك العظمة الفريدة البالغة التي ارتفعوا إليها ؛ ومع كل هذا الخلوص لله والتجرد مما عداه. فالمشاعر الإنسانية والعواطف البشرية لم تمت في تلك النفوس. ولكنها ارتفعت، وصفت من الأوشاب. ثم بقيت لها طبيعتها البشرية الحلوة، ولم تعوق هذه النفوس عن الارتفاع إلى أقصى درجات الكمال المقدر للإنسان.
وكثيرا ما نخطئ نحن حين نتصور للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] ولصحابته - رضوان الله عليهم - صورة غير حقيقية، أو غير كاملة، نجردهم فيها من كل المشاعر والعواطف البشرية، حاسبين أننا نرفعهم بهذا وننزههم عما نعده نحن نقصا وضعفا !
وهذا الخطأ يرسم لهم صورة غير واقعية، صورة ملفعة بهالات غامضة لا نتبين من خلالها ملامحهم الإنسانية الأصيلة. ومن ثم تنقطع الصلة البشرية بيننا وبينهم. وتبقى شخوصهم في حسنا بين تلك الهالات أقرب إلى الأطياف التي لا تلمس ولا تتماسك في الأيدي ! ونشعر بهم كما لو كانوا خلقا آخر غيرنا.. ملائكة أو خلقا مثلهم مجردا من مشاعر البشر وعواطفهم على كل حال ! ومع شفافية هذه الصورة الخيالية فإنهاتبعدهم عن محيطنا، فلا نعود نتأسى بهم أو نتأثر. يأسا من إمكان التشبه بهم أو الاقتداء العملي في الحياة الواقعية. وتفقد السيرة بذلك أهم عنصر محرك، وهو استجاشة مشاعرنا للأسوة والتقليد. وتحل محلها الروعة والانبهار، اللذان لا ينتجان إلا شعورا مبهما غامضا سحريا ليس له أثر عملي في حياتنا الواقعية.. ثم نفقد كذلك التجاوب الحي بيننا وبين هذه الشخصيات العظيمة. لأن التجاوب إنما يقع نتيجة لشعورنا بأنهم بشر حقيقيون، عاشوا بعواطف ومشاعر وانفعالات حقيقية من نوع المشاعر والعواطف والانفعالات التي نعانيها نحن. ولكنهم هم ارتقوا بها وصفوها من الشوائب التي تخالج مشاعرنا.
وحكمة الله واضحة في أن يختار رسله من البشر، لا من الملائكة ولا من أي خلق آخر غير البشر. كي تبقى الصلة الحقيقية بين حياة الرسل وحياة أتباعهم قائمة ؛ وكي يحس أتباعهم أن قلوبهم كانت تعمرها عواطف ومشاعر من جنس مشاعر البشر وعواطفهم، وإن صفت ورفت وارتقت. فيحبوهم حب الإنسان للإنسان ؛ ويطمعوا في تقليدهم تقليد الإنسان الصغير للإنسان الكبير.
وفي حادث التخيير نقف أمام الرغبة الطبيعية في نفوس نساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في المتاع ؛ كما نقف أمام صورة الحياة البيتية للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] ونسائه رضي الله عنهن - وهن أزواج يراجعن زوجهن في أمر النفقة ! فيؤذيه هذا، ولكنه لا يقبل من أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - أن يضربا عائشة وحفصة على هذه المراجعة. فالمسألة مسألة مشاعر وميول بشرية، تصفى وترفع، ولكنها لا تخمد ولا تكبت ! ويظل الأمر كذلك حتى يأتيه أمر الله بتخيير نسائه. فيخترن الله ورسوله والدار الآخرة، اختيارا لا إكراه فيه ولا كبت ولا ضغط ؛ فيفرح قلب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بارتفاع قلوب أزواجه إلى هذا الأفق السامي الوضيء.
ونقف كذلك أمام تلك العاطفة البشرية الحلوة في قلب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وهو يحب عائشة حبا ظاهرا ؛ ويحب لها أن ترتفع إلى مستوى القيم التي يريدها الله له ولأهل بيته فيبدأ بها في التخيير ؛ ويريد أن يساعدها على الارتفاع والتجرد ؛ فيطلب إليها ألا تعجل في الأمر حتى تستشير أبويها - وقد علم أنهما لم يكونا يأمرانها بفراقه كما قالت - وهذه العاطفة الحلوة في قلب النبي [ صلى الله عليه وسلم ] لا تخطئ عائشة - رضي الله عنها - من جانبها في إدراكها ؛ فتسرها وتحفل بتسجيلها في حديثها. ومن خلال هذا الحديث يبدو النبي صلى الله عليه وسلم إنسانا يحب زوجه الصغيرة، فيحب لها أن ترتفع إلى أفقه الذي يعيش فيه ؛ وتبقى معه على هذا الأفق، تشاركه الشعور بالقيم الأصيلة في حسه، والتي يريدها له ربه ولأهل بيته. كذلك تبدو عائشة - رضي الله عنها - إنسانة يسرها أن تكون مكينة في قلب زوجها ؛ فتسجل بفرح حرصه عليها، وحبه لها، ورغبته في أن تستعين بأبويها على اختيار الأفق الأعلى فتبقى معه على هذا الأفق الوضيء. ثم نلمح مشاعرها الأنثوية كذلك، وهي تطلب إليه ألا يخبر أزواجه الأخريات أنها اختارته حين يخيرهن ! وما في هذا الطلب من رغبة في أن يظهر تفردها في هذا الاختيار، وميزتها على بقية نسائه، أو على بعضهن في هذا المقام !.. وهنا نلمح عظمة النبوة من جانب آخر في رد رسو
آية رقم ٣٠
هذا الدرس الثالث في سورة الأحزاب خاص بأزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فيما عدا الاستطراد الأخير لبيان جزاء المسلمين كافة والمسلمات - ولقد سبق في أوائل السورة تسميتهن ( أمهات المؤمنين ). ولهذه الأمومة تكاليفها. و للمرتبة السامية التي استحققن بها هذه الصفة تكاليفها. و لمكانتهن من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] تكاليفها. وفي هذا الدرس بيان لشيء من هذه التكاليف ؛ وإقرار للقيم التي أراد الله لبيت النبوة الطاهر أن يمثلها، وأن يقوم عليها، وأن يكون فيها منارة يهتدي بها السالكون.
ونعود بعد هذا الاستطراد إلى النص القرآني. فنجده - بعد تحديد القيم في أمر الدنيا والآخرة ؛ وتحقيق قوله تعالى :( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه )في صورة عملية في حياة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وأهل بيته.. نجده بعد هذا البيان يأخذ في بيان الجزاء المدخر لأزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وفيه خصوصية لهن وعليهن، تناسب مقامهن الكريم، ومكانهن من رسول الله المختار :
( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا. ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين، وأعتدنا لها رزقا كريما )..
إنها تبعة المكان الكريم الذي هن فيه. وهن أزواج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وهن أمهات المؤمنين. وهذه الصفة وتلك كلتاهما ترتبان عليهن واجبات ثقيلة، وتعصمانهن كذلك من مقارفة الفاحشة. فإذا فرض وقارفت واحدة منهن فاحشة مبينة واضحة لا خفاء فيها، كانت مستحقة لضعفين من العذاب. وذلك فرض يبين تبعة المكان الكريم الذي هن فيه.. ( وكان ذلك على الله يسيرا ).. لا تمنعه ولا تصعبه مكانتهن من رسول الله المختار. كما قد يتبادر إلى الأذهان !
ونعود بعد هذا الاستطراد إلى النص القرآني. فنجده - بعد تحديد القيم في أمر الدنيا والآخرة ؛ وتحقيق قوله تعالى :( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه )في صورة عملية في حياة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وأهل بيته.. نجده بعد هذا البيان يأخذ في بيان الجزاء المدخر لأزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وفيه خصوصية لهن وعليهن، تناسب مقامهن الكريم، ومكانهن من رسول الله المختار :
( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا. ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين، وأعتدنا لها رزقا كريما )..
إنها تبعة المكان الكريم الذي هن فيه. وهن أزواج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وهن أمهات المؤمنين. وهذه الصفة وتلك كلتاهما ترتبان عليهن واجبات ثقيلة، وتعصمانهن كذلك من مقارفة الفاحشة. فإذا فرض وقارفت واحدة منهن فاحشة مبينة واضحة لا خفاء فيها، كانت مستحقة لضعفين من العذاب. وذلك فرض يبين تبعة المكان الكريم الذي هن فيه.. ( وكان ذلك على الله يسيرا ).. لا تمنعه ولا تصعبه مكانتهن من رسول الله المختار. كما قد يتبادر إلى الأذهان !
آية رقم ٣١
هذا الدرس الثالث في سورة الأحزاب خاص بأزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فيما عدا الاستطراد الأخير لبيان جزاء المسلمين كافة والمسلمات - ولقد سبق في أوائل السورة تسميتهن ( أمهات المؤمنين ). ولهذه الأمومة تكاليفها. و للمرتبة السامية التي استحققن بها هذه الصفة تكاليفها. و لمكانتهن من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] تكاليفها. وفي هذا الدرس بيان لشيء من هذه التكاليف ؛ وإقرار للقيم التي أراد الله لبيت النبوة الطاهر أن يمثلها، وأن يقوم عليها، وأن يكون فيها منارة يهتدي بها السالكون.
( ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا ).. القنوت الطاعة والخضوع. والعمل الصالح هو الترجمة العملية للطاعة والخضوع.. ( نؤتها أجرها مرتين ).. كما أن العذاب يضاعف للمقارفة ضعفين. ( وأعتدنا لها رزقا كريما ).. فهو حاضر مهيأ ينتظرها فوق مضاعفة الأجر. فضلا من الله ومنة.
( ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا ).. القنوت الطاعة والخضوع. والعمل الصالح هو الترجمة العملية للطاعة والخضوع.. ( نؤتها أجرها مرتين ).. كما أن العذاب يضاعف للمقارفة ضعفين. ( وأعتدنا لها رزقا كريما ).. فهو حاضر مهيأ ينتظرها فوق مضاعفة الأجر. فضلا من الله ومنة.
آية رقم ٣٢
هذا الدرس الثالث في سورة الأحزاب خاص بأزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فيما عدا الاستطراد الأخير لبيان جزاء المسلمين كافة والمسلمات - ولقد سبق في أوائل السورة تسميتهن ( أمهات المؤمنين ). ولهذه الأمومة تكاليفها. و للمرتبة السامية التي استحققن بها هذه الصفة تكاليفها. و لمكانتهن من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] تكاليفها. وفي هذا الدرس بيان لشيء من هذه التكاليف ؛ وإقرار للقيم التي أراد الله لبيت النبوة الطاهر أن يمثلها، وأن يقوم عليها، وأن يكون فيها منارة يهتدي بها السالكون.
ثم يبين لأمهات المؤمنين اختصاصهن بما ليس لغيرهن من النساء ؛ ويقرر واجباتهن في معاملة الناس، وواجبهن في عبادة الله، وواجبهن في بيوتهن ؛ ويحدثهن عن رعاية الله الخاصة لهذا البيت الكريم، وحياطته وصيانته من الرجس ؛ ويذكرهن بما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، مما يلقي عليهن تبعات خاصة، ويفردهن بين نساء العالمين :
( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن. فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، وقلن قولا معروفا. وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وأقمن الصلاة وآتين الزكاة، وأطعن الله ورسوله، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس - أهل البيت - ويطهركم تطهيرا. واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة. إن الله كان لطيفا خبيرا )..
لقد جاء الإسلام فوجد المجتمع العربي - كغيره من المجتمعات في ذلك الحين - ينظر إلى المرأة على أنها أداة للمتاع، وإشباع الغريزة. ومن ثم ينظر إليها من الناحية الإنسانية نظرة هابطة.
كذلك وجد في المجتمع نوعا من الفوضى في العلاقات الجنسية. ووجد نظام الأسرة مخلخلا على نحو ما سبق بيانه في السورة.
هذا وذلك إلى هبوط النظرة إلى الجنس ؛ وانحطاط الذوق الجمالي ؛ والاحتفال بالجسديات العارمة، وعدم الالتفات إلى الجمال الرفيع الهادئ النظيف.. يبدو هذا في أشعار الجاهليين حول جسد المرأة، والتفاتاتهم إلى أغلظ المواضع فيه، وإلى أغلظ معانيه !
فلما أن جاء الإسلام أخذ يرفع من نظرة المجتمع إلى المرأة ؛ ويؤكد الجانب الإنساني في علاقات الجنسين ؛ فليست هي مجرد إشباع لجوعة الجسد، وإطفاء لفورة اللحم والدم، إنما هي اتصال بين كائنين إنسانيين من نفس واحدة، بينهما مودة ورحمة، وفي اتصالهما سكن وراحة ؛ ولهذا الاتصال هدف مرتبط بإرادة الله في خلق الإنسان، وعمارة الأرض، وخلافة هذا الإنسان فيها بسنة الله.
كذلك أخذ يعنى بروابط الأسرة ؛ ويتخذ منها قاعدة للتنظيم الاجتماعي ؛ ويعدها المحضن الذي تنشأ فيه الأجيال وتدرج ؛ ويوفر الضمانات لحماية هذا المحضن وصيانته، ولتطهيره كذلك من كل ما يلوث جوه من المشاعر والتصورات.
والتشريع للأسرة يشغل جانبا كبيرا من تشريعات الإسلام، وحيزا ملحوظا من آيات القرآن. وإلى جوار التشريع كان التوجيه المستمر إلى تقوية هذه القاعدة الرئيسية التي يقوم عليها المجتمع ؛ وبخاصة فيما يتعلق بالتطهر الروحي، وبالنظافة في علاقات الجنسين، وصيانتها من كل تبذل، وتصفيتها من عرامة الشهوة، حتى في العلاقات الجسدية المحضة.
وفي هذه السورة يشغل التنظيم الاجتماعي وشؤون الأسرة حيزا كبيرا. وفي هذه الآيات التي نحن بصددها حديث إلى نساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وتوجيه لهن في علاقتهن بالناس، وفي خاصة أنفسهن، وفي علاقتهن بالله. توجيه يقول لهن الله فيه :( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس - أهل البيت - ويطهركم تطهيرا ).
فلننظر في وسائل إذهاب الرجس، ووسائل التطهر، التي يحدثهن الله - سبحانه - عنها، ويأخذهن بها. وهن أهل البيت، وزوجات النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وأطهر من عرفت الأرض من النساء. ومن عداهن من النساء أحوج إلى هذه الوسائل ممن عشن في كنف رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وبيته الرفيع.
إنه يبدأ بإشعار نفوسهن بعظيم مكانهن، ورفيع مقامهن، وفضلهن على النساء كافة، وتفردهن بذلك المكان بين نساء العالمين. على أن يوفين هذا المكان حقه، ويقمن فيه بما يقتضيه :
( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن )..
( لستن كأحد من النساء إن اتقيتن ).. فأنتن في مكان لا يشارككن فيه أحد، ولا تشاركن فيه أحدا. ولكن ذلك إنما يكون بالتقوى. فليست المسألة مجرد قرابة من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بل لا بد من القيام بحق هذه القرابة في ذات أنفسكن.
وذلك هو الحق الصارم الحاسم الذي يقوم عليه هذا الدين ؛ والذي يقرره رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وهو ينادي أهله ألا يغرهم مكانهم من قرابته، فإنه لا يملك لهم من الله شيئا :" يا فاطمة ابنة محمد. يا صفية ابنة عبد المطلب. يا بني عبد المطلب. لا أملك لكم من الله شيئا. سلوني من مالي ما شئتم ".
وفي رواية أخرى :" يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار. فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا، إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها ".
وبعد أن يبين لهن منزلتهن التي ينلنها بحقها، وهو التقوى، يأخذ في بيان الوسائل التي يريد الله أن يذهب بها الرجس عن أهل البيت ويطهرهم تطهيرا :
( فلا تخضعن بالقول، فيطمع الذي في قلبه مرض )..
ينهاهن حين يخاطبن الأغراب من الرجال أن يكون في نبراتهن ذلك الخضوع اللين الذي يثير شهوات الرجال، ويحرك غرائزهم، ويطمع مرضى القلوب ويهيج رغائبهم !
ومن هن اللواتي يحذرهن الله هذا التحذير ؛ إنهن أزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وأمهات المؤمنين، اللواتي لا يطمع فيهن طامع، ولا يرف عليهن خاطر مريض، فيما يبدو للعقل أول مرة. وفي أي عهد يكون هذا التحذير ؟ في عهد النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وعهد الصفوة المختارة من البشرية في جيمع الأعصار.. ولكن الله الذي خلق الرجال والنساء يعلم أن في صوت المرأة حين تخضع بالقول، وتترقق في اللفظ، ما يثير الطمع في قلوب، ويهيج الفتنة في قلوب. وأن القلوب المريضة التي تثار وتطمع موجودة في كل عهد، وفي كل بيئة، وتجاه كل امرأة، ولو كانت هي زوج النبي الكريم، وأم المؤمنين. وأنه لا طهارة من الدنس، ولا تخلص من الرجس، حتى تمتنع الأسباب المثيرة من الأساس.
فكيف بهذا المجتمع الذي نعيش اليوم فيه. في عصرنا المريض الدنس الهابط، الذي تهيج فيه الفتن وتثور فيه الشهوات، وترف فيه الأطماع ؟ كيف بنا في هذا الجو الذي كل شيء فيه يثير الفتنة، ويهيج الشهوة وينبه الغريزة، ويوقظ السعار الجنسي المحموم ؟ كيف بنا في هذا المجتمع، في هذا العصر، في هذا الجو، ونساء يتخنثن في نبراتهن، ويتميعن في أصواتهن، ويجمعن كل فتنة الأنثى، وكل هتاف الجنس، وكل سعار الشهوة ؛ ثم يطلقنه في نبرات ونغمات ؟ ! وأين هن من الطهارة ؟ وكيف يمكن أن يرف الطهر في هذا الجو الملوث. وهن بذواتهن وحركاتهن وأصواتهن ذلك الرجس الذي يريد الله أن يذهبه عن عباده المختارين ؟ !
( وقلن قولا معروفا )..
نهاهن من قبل عن النبرة اللينة واللهجة الخاضعة ؛ وأمرهن في هذه أن يكون حديثهن في أمور معروفة غير منكرة ؛ فإن موضوع الحديث قد يطمع مثل لهجة الحديث. فلا ينبغي أن يكون بين المرأة والرجل الغريب لحن ولا إيماء، ولا هذر ولا هزل، ولا دعابة ولا مزاح، كي لا يكون مدخلا إلى شيء آخر وراءه من قريب أو من بعيد.
والله سبحانه الخالق العليم بخلقه وطبيعة تكوينهم هو الذي يقول هذا الكلام لأمهات المؤمنين الطاهرات. كي يراعينه في خطاب أهل زمانهن خير الأزمنة على الإطلاق !
ثم يبين لأمهات المؤمنين اختصاصهن بما ليس لغيرهن من النساء ؛ ويقرر واجباتهن في معاملة الناس، وواجبهن في عبادة الله، وواجبهن في بيوتهن ؛ ويحدثهن عن رعاية الله الخاصة لهذا البيت الكريم، وحياطته وصيانته من الرجس ؛ ويذكرهن بما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، مما يلقي عليهن تبعات خاصة، ويفردهن بين نساء العالمين :
( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن. فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، وقلن قولا معروفا. وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وأقمن الصلاة وآتين الزكاة، وأطعن الله ورسوله، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس - أهل البيت - ويطهركم تطهيرا. واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة. إن الله كان لطيفا خبيرا )..
لقد جاء الإسلام فوجد المجتمع العربي - كغيره من المجتمعات في ذلك الحين - ينظر إلى المرأة على أنها أداة للمتاع، وإشباع الغريزة. ومن ثم ينظر إليها من الناحية الإنسانية نظرة هابطة.
كذلك وجد في المجتمع نوعا من الفوضى في العلاقات الجنسية. ووجد نظام الأسرة مخلخلا على نحو ما سبق بيانه في السورة.
هذا وذلك إلى هبوط النظرة إلى الجنس ؛ وانحطاط الذوق الجمالي ؛ والاحتفال بالجسديات العارمة، وعدم الالتفات إلى الجمال الرفيع الهادئ النظيف.. يبدو هذا في أشعار الجاهليين حول جسد المرأة، والتفاتاتهم إلى أغلظ المواضع فيه، وإلى أغلظ معانيه !
فلما أن جاء الإسلام أخذ يرفع من نظرة المجتمع إلى المرأة ؛ ويؤكد الجانب الإنساني في علاقات الجنسين ؛ فليست هي مجرد إشباع لجوعة الجسد، وإطفاء لفورة اللحم والدم، إنما هي اتصال بين كائنين إنسانيين من نفس واحدة، بينهما مودة ورحمة، وفي اتصالهما سكن وراحة ؛ ولهذا الاتصال هدف مرتبط بإرادة الله في خلق الإنسان، وعمارة الأرض، وخلافة هذا الإنسان فيها بسنة الله.
كذلك أخذ يعنى بروابط الأسرة ؛ ويتخذ منها قاعدة للتنظيم الاجتماعي ؛ ويعدها المحضن الذي تنشأ فيه الأجيال وتدرج ؛ ويوفر الضمانات لحماية هذا المحضن وصيانته، ولتطهيره كذلك من كل ما يلوث جوه من المشاعر والتصورات.
والتشريع للأسرة يشغل جانبا كبيرا من تشريعات الإسلام، وحيزا ملحوظا من آيات القرآن. وإلى جوار التشريع كان التوجيه المستمر إلى تقوية هذه القاعدة الرئيسية التي يقوم عليها المجتمع ؛ وبخاصة فيما يتعلق بالتطهر الروحي، وبالنظافة في علاقات الجنسين، وصيانتها من كل تبذل، وتصفيتها من عرامة الشهوة، حتى في العلاقات الجسدية المحضة.
وفي هذه السورة يشغل التنظيم الاجتماعي وشؤون الأسرة حيزا كبيرا. وفي هذه الآيات التي نحن بصددها حديث إلى نساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وتوجيه لهن في علاقتهن بالناس، وفي خاصة أنفسهن، وفي علاقتهن بالله. توجيه يقول لهن الله فيه :( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس - أهل البيت - ويطهركم تطهيرا ).
فلننظر في وسائل إذهاب الرجس، ووسائل التطهر، التي يحدثهن الله - سبحانه - عنها، ويأخذهن بها. وهن أهل البيت، وزوجات النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وأطهر من عرفت الأرض من النساء. ومن عداهن من النساء أحوج إلى هذه الوسائل ممن عشن في كنف رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وبيته الرفيع.
إنه يبدأ بإشعار نفوسهن بعظيم مكانهن، ورفيع مقامهن، وفضلهن على النساء كافة، وتفردهن بذلك المكان بين نساء العالمين. على أن يوفين هذا المكان حقه، ويقمن فيه بما يقتضيه :
( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن )..
( لستن كأحد من النساء إن اتقيتن ).. فأنتن في مكان لا يشارككن فيه أحد، ولا تشاركن فيه أحدا. ولكن ذلك إنما يكون بالتقوى. فليست المسألة مجرد قرابة من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بل لا بد من القيام بحق هذه القرابة في ذات أنفسكن.
وذلك هو الحق الصارم الحاسم الذي يقوم عليه هذا الدين ؛ والذي يقرره رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وهو ينادي أهله ألا يغرهم مكانهم من قرابته، فإنه لا يملك لهم من الله شيئا :" يا فاطمة ابنة محمد. يا صفية ابنة عبد المطلب. يا بني عبد المطلب. لا أملك لكم من الله شيئا. سلوني من مالي ما شئتم ".
وفي رواية أخرى :" يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار. فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا، إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها ".
وبعد أن يبين لهن منزلتهن التي ينلنها بحقها، وهو التقوى، يأخذ في بيان الوسائل التي يريد الله أن يذهب بها الرجس عن أهل البيت ويطهرهم تطهيرا :
( فلا تخضعن بالقول، فيطمع الذي في قلبه مرض )..
ينهاهن حين يخاطبن الأغراب من الرجال أن يكون في نبراتهن ذلك الخضوع اللين الذي يثير شهوات الرجال، ويحرك غرائزهم، ويطمع مرضى القلوب ويهيج رغائبهم !
ومن هن اللواتي يحذرهن الله هذا التحذير ؛ إنهن أزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وأمهات المؤمنين، اللواتي لا يطمع فيهن طامع، ولا يرف عليهن خاطر مريض، فيما يبدو للعقل أول مرة. وفي أي عهد يكون هذا التحذير ؟ في عهد النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وعهد الصفوة المختارة من البشرية في جيمع الأعصار.. ولكن الله الذي خلق الرجال والنساء يعلم أن في صوت المرأة حين تخضع بالقول، وتترقق في اللفظ، ما يثير الطمع في قلوب، ويهيج الفتنة في قلوب. وأن القلوب المريضة التي تثار وتطمع موجودة في كل عهد، وفي كل بيئة، وتجاه كل امرأة، ولو كانت هي زوج النبي الكريم، وأم المؤمنين. وأنه لا طهارة من الدنس، ولا تخلص من الرجس، حتى تمتنع الأسباب المثيرة من الأساس.
فكيف بهذا المجتمع الذي نعيش اليوم فيه. في عصرنا المريض الدنس الهابط، الذي تهيج فيه الفتن وتثور فيه الشهوات، وترف فيه الأطماع ؟ كيف بنا في هذا الجو الذي كل شيء فيه يثير الفتنة، ويهيج الشهوة وينبه الغريزة، ويوقظ السعار الجنسي المحموم ؟ كيف بنا في هذا المجتمع، في هذا العصر، في هذا الجو، ونساء يتخنثن في نبراتهن، ويتميعن في أصواتهن، ويجمعن كل فتنة الأنثى، وكل هتاف الجنس، وكل سعار الشهوة ؛ ثم يطلقنه في نبرات ونغمات ؟ ! وأين هن من الطهارة ؟ وكيف يمكن أن يرف الطهر في هذا الجو الملوث. وهن بذواتهن وحركاتهن وأصواتهن ذلك الرجس الذي يريد الله أن يذهبه عن عباده المختارين ؟ !
( وقلن قولا معروفا )..
نهاهن من قبل عن النبرة اللينة واللهجة الخاضعة ؛ وأمرهن في هذه أن يكون حديثهن في أمور معروفة غير منكرة ؛ فإن موضوع الحديث قد يطمع مثل لهجة الحديث. فلا ينبغي أن يكون بين المرأة والرجل الغريب لحن ولا إيماء، ولا هذر ولا هزل، ولا دعابة ولا مزاح، كي لا يكون مدخلا إلى شيء آخر وراءه من قريب أو من بعيد.
والله سبحانه الخالق العليم بخلقه وطبيعة تكوينهم هو الذي يقول هذا الكلام لأمهات المؤمنين الطاهرات. كي يراعينه في خطاب أهل زمانهن خير الأزمنة على الإطلاق !
آية رقم ٣٣
هذا الدرس الثالث في سورة الأحزاب خاص بأزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فيما عدا الاستطراد الأخير لبيان جزاء المسلمين كافة والمسلمات - ولقد سبق في أوائل السورة تسميتهن ( أمهات المؤمنين ). ولهذه الأمومة تكاليفها. و للمرتبة السامية التي استحققن بها هذه الصفة تكاليفها. و لمكانتهن من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] تكاليفها. وفي هذا الدرس بيان لشيء من هذه التكاليف ؛ وإقرار للقيم التي أراد الله لبيت النبوة الطاهر أن يمثلها، وأن يقوم عليها، وأن يكون فيها منارة يهتدي بها السالكون.
( وقرن في بيوتكن )..
من وقر. يقر. أي ثقل واستقر. وليس معنى هذا الأمر ملازمة البيوت فلا يبرحنها إطلاقا. إنما هي إيماءة لطيفة إلى أن يكون البيت هو الأصل في حياتهن، وهو المقر وما عداه استثناء طارئا لا يثقلن فيه ولا يستقررن. إنما هي الحاجة تقضى، وبقدرها.
والبيت هو مثابة المرأة التي تجد فيها نفسها على حقيقتها كما أرادها الله تعالى. غير مشوهة ولا منحرفة ولا ملوثة، ولا مكدودة في غير وظيفتها التي هيأها الله لها بالفطرة.
" ولكي يهيئ الإسلام للبيت جوه ويهيىء للفراخ الناشئة فيه رعايتها، أوجب على الرجل النفقة، وجعلهافريضة، كي يتاح للأم من الجهد، ومن الوقت، ومن هدوء البال، ما تشرف به على هذه الفراخ الزغب، وما تهيئ به للمثابة نظامها وعطرها وبشاشتها. فالأم المكدودة بالعمل للكسب، المرهقة بمقتضيات العمل، المقيدة بمواعيده، المستغرقة الطاقة فيه.. لا يمكن أن تهب للبيت جوه وعطره، ولا يمكن أن تمنح الطفولة النابتة فيه حقها ورعايتها. وبيوت الموظفات والعاملات ما تزيد على جو الفنادق والخانات ؛ وما يشيع فيها ذلك الأرج الذي يشيع في البيت. فحقيقة البيت لا توجد إلا أن تخلقها امرأة، وأرج البيت لا يفوح إلا أن تطلقه زوجة، وحنان البيت لا يشيع إلا أن تتولاه أم. والمرأة أو الزوجة أو الأم التي تقضي وقتها وجهدها وطاقتها الروحية في العمل لن تطلق في جو البيت إلا الإرهاق والكلال والملال.
" وإن خروج المرأة لتعمل كارثة على البيت قد تبيحها الضرورة. أما أن يتطوع بها الناس وهم قادرون على اجتنابها، فتلك هي اللعنة التي تصيب الأرواح والضمائر والعقول، في عصور الانتكاس والشرور والضلال ".
فأما خروج المرأة لغير العمل. خروجها للاختلاط ومزاولة الملاهي. والتسكع في النوادي والمجتمعات... فذلك هو الارتكاس في الحمأة الذي يرد البشر إلى مراتع الحيوان !
ولقد كان النساء على عهد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يخرجن للصلاة غير ممنوعات شرعا من هذا. ولكنه كان زمان فيه عفة، وفيه تقوى، وكانت المرأة تخرج إلى الصلاة متلفعة لا يعرفها أحد، ولا يبرز من مفاتنها شيء. ومع هذا فقد كرهت عائشة لهن أن يخرجن بعد وفاة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] !
في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت : كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس.
وفي الصحيحين أيضا أنها قالت : لو أدرك رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل !
فماذا أحدث النساء في حياة عائشة - رضي الله عنها - ؟ وماذا كان يمكن أن يحدثن حتى ترى أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] كان مانعهن من الصلاة ؟ ! ماذا بالقياس إلى ما نراه في هذه الأيام ؟ !
( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى )..
ذلك حين الاضطرار إلى الخروج، بعد الأمر بالقرار في البيوت. ولقد كانت المرأة في الجاهلية تتبرج. ولكن جميع الصور التي تروى عن تبرج الجاهلية الأولى تبدو ساذجة أو محتشمة حين تقاس إلى تبرج أيامنا هذه في جاهليتنا الحاضرة !
قال مجاهد : كانت المرأة تخرج تمشي بين الرجال. فذلك تبرج الجاهلية !
وقال قتادة : وكانت لهن مشية تكسر وتغنج. فنهى الله تعالى عن ذلك !
وقال مقاتل بن حيان : والتبرج أنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده فيداري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها. وذلك التبرج !
وقال ابن كثير في التفسير : كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء ؛ وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها. فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن.
هذه هي صور التبرج في الجاهلية التي عالجها القرآن الكريم. ليطهر المجتمع الإسلامي من آثارها ويبعد عنه عوامل الفتنة، ودواعي الغواية ؛ ويرفع آدابه وتصوراته ومشاعره وذوقه كذلك !
ونقول : ذوقه.. فالذوق الإنساني الذي يعجب بمفاتن الجسد العاري ذوق بدائي غليظ. وهو من غير شك أحط من الذوق الذي يعجب بجمال الحشمة الهادئ، وما يشي به من جمال الروح، وجمال العفة، وجمال المشاعر.
وهذا المقياس لا يخطئ في معرفة ارتفاع المستوى الإنساني وتقدمه. فالحشمة جميلة جمالا حقيقيا رفيعا. ولكن هذا الجمال الراقي لا يدركه أصحاب الذوق الجاهلي الغليظ، الذي لا يرى إلا جمال اللحم العاري، ولا يسمع إلا هتاف اللحم الجاهر !
ويشير النص القرآني إلى تبرج الجاهلية، فيوحي بأن هذا التبرج من مخلفات الجاهلية. التي يرتفع عنها من تجاوز عصر الجاهلية، وارتفعت تصوراته ومثله ومشاعره عن تصورات الجاهلية ومثلها ومشاعرها.
والجاهلية ليست فترة معينة من الزمان. إنما هي حالة اجتماعية معينة، ذات تصورات معينة للحياة. ويمكن أن توجد هذه الحالة، وأن يوجد هذا التصور في أي زمان وفي أي مكان، فيكون دليلا على الجاهلية حيث كان !
وبهذا المقياس نجد أننا نعيش الآن في فترة جاهلية عمياء، غليظة الحس، حيوانية التصور، هابطة في درك البشرية إلى حضيض مهين. وندرك أنه لا طهارة ولا زكاة ولا بركة في مجتمع يحيا هذه الحياة ؛ ولا يأخذ بوسائل التطهر والنظافة التي جعلها الله سبيل البشرية إلى التطهر من الرجس، والتخلص من الجاهلية الأولى ؛ وأخذ بها، أول من أخذ، أهل بيت النبي [ صلى الله عليه وسلم ] على طهارته ووضاءته ونظافته.
والقرآن الكريم يوجه نساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] إلى تلك الوسائل ؛ ثم يربط قلوبهن بالله، ويرفع أبصارهن إلى الأفق الوضيء الذي يستمددن منه النور، والعون على التدرج في مراقي ذلك الأفق الوضيء :
( وأقمن الصلاة، وآتين الزكاة، وأطعن الله ورسوله )..
وعبادة الله ليست بمعزل عن السلوك الاجتماعي أو الأخلاقي في الحياة ؛ إنما هي الطريق للإرتفاع إلى ذلك المستوى ؛ والزاد الذي يقطع به السالك الطريق. فلا بد من صلة بالله يأتي منها المدد والزاد. ولا بد من صلة بالله تطهر القلب وتزكيه. ولا بد من صلة بالله يرتفع بها الفرد على عرف الناس وتقاليد المجتمع وضغط البيئة ؛ ويشعر أنه أهدى وأعلى من الناس والمجتمع والبيئة. وأنه حري أن يقود الآخرين إلى النور الذي يراه ؛ لا أن يقوده الآخرون إلى الظلمات وإلى الجاهلية التي تغرق فيها الحياة، كلما انحرفت عن طريق الله.
والإسلام وحدة تجمع الشعائر والآداب والأخلاق والتشريعات والنظم.. كلها في نطاق العقيدة. ولكل منها دور تؤديه في تحقيق هذه العقيدة ؛ وتتناسق كلها في اتجاه واحد ؛ ومن هذا التجمع والتناسق يقوم الكيان العام لهذا الدين. وبدونهما لا يقوم هذا الكيان.
ومن ثم كان الأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله، هو خاتمة التوجيهات الشعورية والأخلاقية والسلوكية لأهل البيت الكريم. لأنه لا يقوم شيء من تلك التوجيهات بغير العبادة والطاعة.. وكل ذلك لحكمة وقصد وهدف :
( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا )..
وفي التعبير إيحاءات كثيرة، كلها رفاف، رفيق، حنون..
فهو يسميهم ( أهل البيت )بدون وصف للبيت ولا إضافة. كأنما هذا البيت هو( البيت )الواحد في هذا العالم، المستحق لهذه الصفة. فإذا قيل( البيت )فقد عرف وحدد ووصف. ومثل هذا قيل عن الكعبة. بيت الله. فسميت البيت. والبيت الحرام. فالتعبير عن بيت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] كذلك تكريم وتشريف واختصاص عظيم.
وهو يقول :( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس - أهل البيت - ويطهركم تطهيرا ).. وفي العبارة تلطف ببيان علة التكليف وغايته. تلطف يشي بأن الله سبحانه - يشعرهم بأنه بذاته العلية - يتولى تطهيرهم وإذهاب الرجس عنهم. وهي رعاية علوية مباشرة بأهل هذا البيت. وحين نتصور من هو القائل - سبحانه وتعالى - رب هذا الكون. الذي قال للكون : كن. فكان. الله ذو الجلال والإكرام. المهيمن العزيز الجبار المتكبر.. حين نتصور من هو القائل - جل وعلا - ندرك مدى هذا التكريم العظيم.
وهو - سبحانه - يقول هذا في كتابه الذي يتلى في الملأ الأعلى، ويتلى في هذه الأرض، في كل بقعة وفي كل أوان ؛ وتتعبد به ملايين القلوب، وتتحرك به ملايين الشفاه.
وأخيرا فإنه يجعل تلك الأوامر والتوجيهات وسيلة لإذهاب الرجس وتطهير البيت. فالتطهير من التطهر، وإذهاب الرجس يتم بوسائل يأخذ الناس بها أنفسهم، ويحققونها في واقع الحياة العملي. وهذا هو طريق الإسلام.. شعور وتقوى في الضمير. وسلوك وعمل في الحياة. يتم بهما معا تمام الإسلام، وتتحقق بهما أهدافه واتجاهاته في الحياة.
( وقرن في بيوتكن )..
من وقر. يقر. أي ثقل واستقر. وليس معنى هذا الأمر ملازمة البيوت فلا يبرحنها إطلاقا. إنما هي إيماءة لطيفة إلى أن يكون البيت هو الأصل في حياتهن، وهو المقر وما عداه استثناء طارئا لا يثقلن فيه ولا يستقررن. إنما هي الحاجة تقضى، وبقدرها.
والبيت هو مثابة المرأة التي تجد فيها نفسها على حقيقتها كما أرادها الله تعالى. غير مشوهة ولا منحرفة ولا ملوثة، ولا مكدودة في غير وظيفتها التي هيأها الله لها بالفطرة.
" ولكي يهيئ الإسلام للبيت جوه ويهيىء للفراخ الناشئة فيه رعايتها، أوجب على الرجل النفقة، وجعلهافريضة، كي يتاح للأم من الجهد، ومن الوقت، ومن هدوء البال، ما تشرف به على هذه الفراخ الزغب، وما تهيئ به للمثابة نظامها وعطرها وبشاشتها. فالأم المكدودة بالعمل للكسب، المرهقة بمقتضيات العمل، المقيدة بمواعيده، المستغرقة الطاقة فيه.. لا يمكن أن تهب للبيت جوه وعطره، ولا يمكن أن تمنح الطفولة النابتة فيه حقها ورعايتها. وبيوت الموظفات والعاملات ما تزيد على جو الفنادق والخانات ؛ وما يشيع فيها ذلك الأرج الذي يشيع في البيت. فحقيقة البيت لا توجد إلا أن تخلقها امرأة، وأرج البيت لا يفوح إلا أن تطلقه زوجة، وحنان البيت لا يشيع إلا أن تتولاه أم. والمرأة أو الزوجة أو الأم التي تقضي وقتها وجهدها وطاقتها الروحية في العمل لن تطلق في جو البيت إلا الإرهاق والكلال والملال.
" وإن خروج المرأة لتعمل كارثة على البيت قد تبيحها الضرورة. أما أن يتطوع بها الناس وهم قادرون على اجتنابها، فتلك هي اللعنة التي تصيب الأرواح والضمائر والعقول، في عصور الانتكاس والشرور والضلال ".
فأما خروج المرأة لغير العمل. خروجها للاختلاط ومزاولة الملاهي. والتسكع في النوادي والمجتمعات... فذلك هو الارتكاس في الحمأة الذي يرد البشر إلى مراتع الحيوان !
ولقد كان النساء على عهد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يخرجن للصلاة غير ممنوعات شرعا من هذا. ولكنه كان زمان فيه عفة، وفيه تقوى، وكانت المرأة تخرج إلى الصلاة متلفعة لا يعرفها أحد، ولا يبرز من مفاتنها شيء. ومع هذا فقد كرهت عائشة لهن أن يخرجن بعد وفاة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] !
في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت : كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس.
وفي الصحيحين أيضا أنها قالت : لو أدرك رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل !
فماذا أحدث النساء في حياة عائشة - رضي الله عنها - ؟ وماذا كان يمكن أن يحدثن حتى ترى أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] كان مانعهن من الصلاة ؟ ! ماذا بالقياس إلى ما نراه في هذه الأيام ؟ !
( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى )..
ذلك حين الاضطرار إلى الخروج، بعد الأمر بالقرار في البيوت. ولقد كانت المرأة في الجاهلية تتبرج. ولكن جميع الصور التي تروى عن تبرج الجاهلية الأولى تبدو ساذجة أو محتشمة حين تقاس إلى تبرج أيامنا هذه في جاهليتنا الحاضرة !
قال مجاهد : كانت المرأة تخرج تمشي بين الرجال. فذلك تبرج الجاهلية !
وقال قتادة : وكانت لهن مشية تكسر وتغنج. فنهى الله تعالى عن ذلك !
وقال مقاتل بن حيان : والتبرج أنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده فيداري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها. وذلك التبرج !
وقال ابن كثير في التفسير : كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء ؛ وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها. فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن.
هذه هي صور التبرج في الجاهلية التي عالجها القرآن الكريم. ليطهر المجتمع الإسلامي من آثارها ويبعد عنه عوامل الفتنة، ودواعي الغواية ؛ ويرفع آدابه وتصوراته ومشاعره وذوقه كذلك !
ونقول : ذوقه.. فالذوق الإنساني الذي يعجب بمفاتن الجسد العاري ذوق بدائي غليظ. وهو من غير شك أحط من الذوق الذي يعجب بجمال الحشمة الهادئ، وما يشي به من جمال الروح، وجمال العفة، وجمال المشاعر.
وهذا المقياس لا يخطئ في معرفة ارتفاع المستوى الإنساني وتقدمه. فالحشمة جميلة جمالا حقيقيا رفيعا. ولكن هذا الجمال الراقي لا يدركه أصحاب الذوق الجاهلي الغليظ، الذي لا يرى إلا جمال اللحم العاري، ولا يسمع إلا هتاف اللحم الجاهر !
ويشير النص القرآني إلى تبرج الجاهلية، فيوحي بأن هذا التبرج من مخلفات الجاهلية. التي يرتفع عنها من تجاوز عصر الجاهلية، وارتفعت تصوراته ومثله ومشاعره عن تصورات الجاهلية ومثلها ومشاعرها.
والجاهلية ليست فترة معينة من الزمان. إنما هي حالة اجتماعية معينة، ذات تصورات معينة للحياة. ويمكن أن توجد هذه الحالة، وأن يوجد هذا التصور في أي زمان وفي أي مكان، فيكون دليلا على الجاهلية حيث كان !
وبهذا المقياس نجد أننا نعيش الآن في فترة جاهلية عمياء، غليظة الحس، حيوانية التصور، هابطة في درك البشرية إلى حضيض مهين. وندرك أنه لا طهارة ولا زكاة ولا بركة في مجتمع يحيا هذه الحياة ؛ ولا يأخذ بوسائل التطهر والنظافة التي جعلها الله سبيل البشرية إلى التطهر من الرجس، والتخلص من الجاهلية الأولى ؛ وأخذ بها، أول من أخذ، أهل بيت النبي [ صلى الله عليه وسلم ] على طهارته ووضاءته ونظافته.
والقرآن الكريم يوجه نساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] إلى تلك الوسائل ؛ ثم يربط قلوبهن بالله، ويرفع أبصارهن إلى الأفق الوضيء الذي يستمددن منه النور، والعون على التدرج في مراقي ذلك الأفق الوضيء :
( وأقمن الصلاة، وآتين الزكاة، وأطعن الله ورسوله )..
وعبادة الله ليست بمعزل عن السلوك الاجتماعي أو الأخلاقي في الحياة ؛ إنما هي الطريق للإرتفاع إلى ذلك المستوى ؛ والزاد الذي يقطع به السالك الطريق. فلا بد من صلة بالله يأتي منها المدد والزاد. ولا بد من صلة بالله تطهر القلب وتزكيه. ولا بد من صلة بالله يرتفع بها الفرد على عرف الناس وتقاليد المجتمع وضغط البيئة ؛ ويشعر أنه أهدى وأعلى من الناس والمجتمع والبيئة. وأنه حري أن يقود الآخرين إلى النور الذي يراه ؛ لا أن يقوده الآخرون إلى الظلمات وإلى الجاهلية التي تغرق فيها الحياة، كلما انحرفت عن طريق الله.
والإسلام وحدة تجمع الشعائر والآداب والأخلاق والتشريعات والنظم.. كلها في نطاق العقيدة. ولكل منها دور تؤديه في تحقيق هذه العقيدة ؛ وتتناسق كلها في اتجاه واحد ؛ ومن هذا التجمع والتناسق يقوم الكيان العام لهذا الدين. وبدونهما لا يقوم هذا الكيان.
ومن ثم كان الأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله، هو خاتمة التوجيهات الشعورية والأخلاقية والسلوكية لأهل البيت الكريم. لأنه لا يقوم شيء من تلك التوجيهات بغير العبادة والطاعة.. وكل ذلك لحكمة وقصد وهدف :
( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا )..
وفي التعبير إيحاءات كثيرة، كلها رفاف، رفيق، حنون..
فهو يسميهم ( أهل البيت )بدون وصف للبيت ولا إضافة. كأنما هذا البيت هو( البيت )الواحد في هذا العالم، المستحق لهذه الصفة. فإذا قيل( البيت )فقد عرف وحدد ووصف. ومثل هذا قيل عن الكعبة. بيت الله. فسميت البيت. والبيت الحرام. فالتعبير عن بيت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] كذلك تكريم وتشريف واختصاص عظيم.
وهو يقول :( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس - أهل البيت - ويطهركم تطهيرا ).. وفي العبارة تلطف ببيان علة التكليف وغايته. تلطف يشي بأن الله سبحانه - يشعرهم بأنه بذاته العلية - يتولى تطهيرهم وإذهاب الرجس عنهم. وهي رعاية علوية مباشرة بأهل هذا البيت. وحين نتصور من هو القائل - سبحانه وتعالى - رب هذا الكون. الذي قال للكون : كن. فكان. الله ذو الجلال والإكرام. المهيمن العزيز الجبار المتكبر.. حين نتصور من هو القائل - جل وعلا - ندرك مدى هذا التكريم العظيم.
وهو - سبحانه - يقول هذا في كتابه الذي يتلى في الملأ الأعلى، ويتلى في هذه الأرض، في كل بقعة وفي كل أوان ؛ وتتعبد به ملايين القلوب، وتتحرك به ملايين الشفاه.
وأخيرا فإنه يجعل تلك الأوامر والتوجيهات وسيلة لإذهاب الرجس وتطهير البيت. فالتطهير من التطهر، وإذهاب الرجس يتم بوسائل يأخذ الناس بها أنفسهم، ويحققونها في واقع الحياة العملي. وهذا هو طريق الإسلام.. شعور وتقوى في الضمير. وسلوك وعمل في الحياة. يتم بهما معا تمام الإسلام، وتتحقق بهما أهدافه واتجاهاته في الحياة.
آية رقم ٣٤
هذا الدرس الثالث في سورة الأحزاب خاص بأزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فيما عدا الاستطراد الأخير لبيان جزاء المسلمين كافة والمسلمات - ولقد سبق في أوائل السورة تسميتهن ( أمهات المؤمنين ). ولهذه الأمومة تكاليفها. و للمرتبة السامية التي استحققن بها هذه الصفة تكاليفها. و لمكانتهن من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] تكاليفها. وفي هذا الدرس بيان لشيء من هذه التكاليف ؛ وإقرار للقيم التي أراد الله لبيت النبوة الطاهر أن يمثلها، وأن يقوم عليها، وأن يكون فيها منارة يهتدي بها السالكون.
ويختم هذه التوجيهات لنساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بمثل ما بدأها به.. بتذكيرهن بعلو مكانتهن، وامتيازهن على النساء، بمكانهن من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وبما أنعم الله عليهن فجعل بيوتهن مهبط القرآن ومنزل الحكمة، ومشرق النور والهدى والإيمان :
( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة. إن الله كان لطيفا خبيرا )..
وإنه لحظ عظيم يكفي التذكير به، لتحس النفس جلالة قدره، ولطيف صنع الله فيه، وجزالة النعمة التي لا يعدلها نعيم.
وهذا التذكير يجيء كذلك في ختام الخطاب الذي بدأ بتخيير نساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بين متاع الحياة الدنيا وزينتها، وإيثار الله ورسوله والدار الآخرة. فتبدو جزالة النعمة التي ميزهن الله بها ؛ وضآلة الحياة الدنيا بمتاعها كله وزينتها..
ويختم هذه التوجيهات لنساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بمثل ما بدأها به.. بتذكيرهن بعلو مكانتهن، وامتيازهن على النساء، بمكانهن من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وبما أنعم الله عليهن فجعل بيوتهن مهبط القرآن ومنزل الحكمة، ومشرق النور والهدى والإيمان :
( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة. إن الله كان لطيفا خبيرا )..
وإنه لحظ عظيم يكفي التذكير به، لتحس النفس جلالة قدره، ولطيف صنع الله فيه، وجزالة النعمة التي لا يعدلها نعيم.
وهذا التذكير يجيء كذلك في ختام الخطاب الذي بدأ بتخيير نساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بين متاع الحياة الدنيا وزينتها، وإيثار الله ورسوله والدار الآخرة. فتبدو جزالة النعمة التي ميزهن الله بها ؛ وضآلة الحياة الدنيا بمتاعها كله وزينتها..
آية رقم ٣٥
هذا الدرس الثالث في سورة الأحزاب خاص بأزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فيما عدا الاستطراد الأخير لبيان جزاء المسلمين كافة والمسلمات - ولقد سبق في أوائل السورة تسميتهن ( أمهات المؤمنين ). ولهذه الأمومة تكاليفها. و للمرتبة السامية التي استحققن بها هذه الصفة تكاليفها. و لمكانتهن من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] تكاليفها. وفي هذا الدرس بيان لشيء من هذه التكاليف ؛ وإقرار للقيم التي أراد الله لبيت النبوة الطاهر أن يمثلها، وأن يقوم عليها، وأن يكون فيها منارة يهتدي بها السالكون.
وفي صدد تطهير الجماعة الإسلامية، وإقامة حياتها على القيم التي جاء بها الإسلام. الرجال والنساء في هذا سواء. لأنهم في هذ المجال سواء.. يذكر الصفات التي تحقق تلك القيم في دقة وإسهاب وتفصيل :
( إن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والقانتين والقانتات، والصادقين والصادقات، والصابرين والصابرات، والخاشعين والخاشعات، والمتصدقين والمتصدقات، والصائمين والصائمات، والحافظين فروجهم والحافظات، والذاكرين الله كثيرا والذاكرات.. أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما )...
وهذه الصفات الكثيرة التي جمعت في هذه الآية تتعاون في تكوين النفس المسلمة. فهي الإسلام، والإيمان، والقنوت، والصدق، والصبر، والخشوع، والتصدق، والصوم، وحفظ الفروج، وذكر الله كثيرا.. ولكل منها قيمته في بناء الشخصية المسلمة.
والإسلام : الاستسلام، والإيمان التصديق. وبينهما صلة وثيقة أو أن أحدهما هو الوجه الثاني للآخر. فالاستسلام إنما هو مقتضى التصديق. والتصديق الحق ينشأ عنه الاستسلام.
والقنوت : الطاعة الناشئة من الإسلام والإيمان، عن رضى داخلي لا عن إكراه خارجي.
والصدق : هو الصفة التي يخرج من لا يتصف بها من صفوف الأمة المسلمة لقوله تعالى :( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله )فالكاذب مطرود من الصف. صف هذه الأمة الصادقة.
والصبر : هو الصفة التي لا يستطيع المسلم حمل عقيدته والقيام بتكاليفها إلا بها. وهي تحتاج إلى الصبر في كل خطوة من خطواتها. الصبر على شهوات النفس، وعلى مشاق الدعوة، وعلى أذى الناس. وعلى التواء النفوس وضعفها وانحرافها وتلونها. وعلى الابتلاء والامتحان والفتنة. وعلى السراء والضراء، والصبر على كلتيهما شاق عسير.
والخشوع : صفة القلب والجوارح، الدالة على تأثر القلب بجلال الله، واستشعار هيبته وتقواه.
والتصدق : وهو دلالة التطهر من شح النفس، والشعور بمرحمة الناس، والتكافل في الجماعة المسلمة. والوفاء بحق المال. وشكر المنعم على العطاء.
والصوم : والنص يجعله صفة من الصفات إشارة إلى اطراده وانتظامه. وهو استعلاء على الضرورات، وصبر عن الحاجات الأولية للحياة. وتقرير للإرادة، وتوكيد لغلبة الإنسان في هذا الكائن البشري على الحيوان.
وحفظ الفرج : وما فيه من تطهر، وضبط لأعنف ميل وأعمقه في تركيب كيان الإنسان، وسيطرة على الدفعة التي لا يسيطر عليها إلا تقي يدركه عون الله. وتنظيم للعلاقات، واستهداف لما هو أرفع من فورة اللحم والدم في التقاء الرجل والمرأة، وإخضاع هذا الالتقاء لشريعة الله، وللحكمة العليا من خلق الجنسين في عمارة الأرض وترقية الحياة.
وذكر الله كثيرا : وهو حلقة الاتصال بين نشاط الإنسان كله وعقيدته في الله. واستشعار القلب لله في كل لحظة ؛ فلا ينفصل بخاطر ولا حركة عن العروة الوثقى. وإشراق القلب ببشاشة الذكر، الذي يسكب فيه النور والحياة.
هؤلاء الذين تتجمع فيهم هذه الصفات، المتعاونة في بناء الشخصية المسلمة الكاملة.. هؤلاء ( أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما )..
وهكذا يعمم النص في الحديث عن صفة المسلم والمسلمة ومقومات شخصيتهما، بعدما خصص نساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في أول هذا الشوط من السورة. وتذكر المرأة في الآية بجانب الرجل كطرف من عمل الإسلام في رفع قيمة المرأة، وترقية النظرة إليها في المجتمع، وإعطائها مكانها إلى جانب الرجل فيما هما فيه سواء من العلاقة بالله ؛ ومن تكاليف هذه العقيدة في التطهر والعبادة والسلوك القويم في الحياة..
وفي صدد تطهير الجماعة الإسلامية، وإقامة حياتها على القيم التي جاء بها الإسلام. الرجال والنساء في هذا سواء. لأنهم في هذ المجال سواء.. يذكر الصفات التي تحقق تلك القيم في دقة وإسهاب وتفصيل :
( إن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والقانتين والقانتات، والصادقين والصادقات، والصابرين والصابرات، والخاشعين والخاشعات، والمتصدقين والمتصدقات، والصائمين والصائمات، والحافظين فروجهم والحافظات، والذاكرين الله كثيرا والذاكرات.. أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما )...
وهذه الصفات الكثيرة التي جمعت في هذه الآية تتعاون في تكوين النفس المسلمة. فهي الإسلام، والإيمان، والقنوت، والصدق، والصبر، والخشوع، والتصدق، والصوم، وحفظ الفروج، وذكر الله كثيرا.. ولكل منها قيمته في بناء الشخصية المسلمة.
والإسلام : الاستسلام، والإيمان التصديق. وبينهما صلة وثيقة أو أن أحدهما هو الوجه الثاني للآخر. فالاستسلام إنما هو مقتضى التصديق. والتصديق الحق ينشأ عنه الاستسلام.
والقنوت : الطاعة الناشئة من الإسلام والإيمان، عن رضى داخلي لا عن إكراه خارجي.
والصدق : هو الصفة التي يخرج من لا يتصف بها من صفوف الأمة المسلمة لقوله تعالى :( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله )فالكاذب مطرود من الصف. صف هذه الأمة الصادقة.
والصبر : هو الصفة التي لا يستطيع المسلم حمل عقيدته والقيام بتكاليفها إلا بها. وهي تحتاج إلى الصبر في كل خطوة من خطواتها. الصبر على شهوات النفس، وعلى مشاق الدعوة، وعلى أذى الناس. وعلى التواء النفوس وضعفها وانحرافها وتلونها. وعلى الابتلاء والامتحان والفتنة. وعلى السراء والضراء، والصبر على كلتيهما شاق عسير.
والخشوع : صفة القلب والجوارح، الدالة على تأثر القلب بجلال الله، واستشعار هيبته وتقواه.
والتصدق : وهو دلالة التطهر من شح النفس، والشعور بمرحمة الناس، والتكافل في الجماعة المسلمة. والوفاء بحق المال. وشكر المنعم على العطاء.
والصوم : والنص يجعله صفة من الصفات إشارة إلى اطراده وانتظامه. وهو استعلاء على الضرورات، وصبر عن الحاجات الأولية للحياة. وتقرير للإرادة، وتوكيد لغلبة الإنسان في هذا الكائن البشري على الحيوان.
وحفظ الفرج : وما فيه من تطهر، وضبط لأعنف ميل وأعمقه في تركيب كيان الإنسان، وسيطرة على الدفعة التي لا يسيطر عليها إلا تقي يدركه عون الله. وتنظيم للعلاقات، واستهداف لما هو أرفع من فورة اللحم والدم في التقاء الرجل والمرأة، وإخضاع هذا الالتقاء لشريعة الله، وللحكمة العليا من خلق الجنسين في عمارة الأرض وترقية الحياة.
وذكر الله كثيرا : وهو حلقة الاتصال بين نشاط الإنسان كله وعقيدته في الله. واستشعار القلب لله في كل لحظة ؛ فلا ينفصل بخاطر ولا حركة عن العروة الوثقى. وإشراق القلب ببشاشة الذكر، الذي يسكب فيه النور والحياة.
هؤلاء الذين تتجمع فيهم هذه الصفات، المتعاونة في بناء الشخصية المسلمة الكاملة.. هؤلاء ( أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما )..
وهكذا يعمم النص في الحديث عن صفة المسلم والمسلمة ومقومات شخصيتهما، بعدما خصص نساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في أول هذا الشوط من السورة. وتذكر المرأة في الآية بجانب الرجل كطرف من عمل الإسلام في رفع قيمة المرأة، وترقية النظرة إليها في المجتمع، وإعطائها مكانها إلى جانب الرجل فيما هما فيه سواء من العلاقة بالله ؛ ومن تكاليف هذه العقيدة في التطهر والعبادة والسلوك القويم في الحياة..
آية رقم ٣٦
هذا الدرس شوط جديد في إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. وهو يختص ابتداء بإبطال نظام التبني الذي ورد الحديث عنه في أول السورة. وقد شاء الله أن ينتدب لإبطال هذا التقليد من الناحية العملية رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد كانت العرب تحرم مطلقة الابن بالتبني حرمة مطلقة الابن من النسب ؛ وما كانت تطيق أن تحل مطلقات الأدعياء عملا، إلا أن توجد سابقة تقرر هذه القاعدة الجديدة. فانتدب الله رسوله ليحمل هذا العبء فيما يحمل من أعباء الرسالة. وسنرى من موقف النبي [ صلى الله عليه وسلم ] من هذه التجربة أنه ما كان سواه قادرا على احتمال هذا العبء الجسيم، ومواجهة المجتمع بمثل هذه الخارقة لمألوفه العميق ! وسنرى كذلك أن التعقيب على الحادث كان تعقيبا طويلا لربط النفوس بالله ولبيان علاقه المسلمين بالله وعلاقتهم بنبيهم، ووظيفة النبي بينهم.. كل ذلك لتيسير الأمر على النفوس، وتطييب القلوب لتقبل أمرالله في هذا التنظيم بالرضى والتسليم.
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
آية رقم ٣٧
هذا الدرس شوط جديد في إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. وهو يختص ابتداء بإبطال نظام التبني الذي ورد الحديث عنه في أول السورة. وقد شاء الله أن ينتدب لإبطال هذا التقليد من الناحية العملية رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد كانت العرب تحرم مطلقة الابن بالتبني حرمة مطلقة الابن من النسب ؛ وما كانت تطيق أن تحل مطلقات الأدعياء عملا، إلا أن توجد سابقة تقرر هذه القاعدة الجديدة. فانتدب الله رسوله ليحمل هذا العبء فيما يحمل من أعباء الرسالة. وسنرى من موقف النبي [ صلى الله عليه وسلم ] من هذه التجربة أنه ما كان سواه قادرا على احتمال هذا العبء الجسيم، ومواجهة المجتمع بمثل هذه الخارقة لمألوفه العميق ! وسنرى كذلك أن التعقيب على الحادث كان تعقيبا طويلا لربط النفوس بالله ولبيان علاقه المسلمين بالله وعلاقتهم بنبيهم، ووظيفة النبي بينهم.. كل ذلك لتيسير الأمر على النفوس، وتطييب القلوب لتقبل أمرالله في هذا التنظيم بالرضى والتسليم.
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
ثم يجيء الحديث عن حادث زواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] من زينب بنت جحش، وما سبقه وما تلاه من أحكام وتوجيهات :
وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه : أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه ؛ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه. فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا. وكان أمر الله مفعولا. ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له. سنة الله في الذين خلوا من قبل. وكان أمر الله قدرا مقدورا. الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله. وكفى بالله حسيبا. ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين، وكان الله بكل شيء عليما..
مضى في أول السورة إبطال تقليد التبني ؛ ورد الأدعياء إلى آبائهم، وإقامة العلاقات العائلية على أساسها الطبيعي : وما جعل أدعياءكم أبناءكم. ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله. فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم. وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم، وكان الله غفورا رحيما....
ولكن نظام التبني كانت له آثار واقعية في حياة الجماعة العربية ؛ ولم يكن إبطال هذه الآثار الواقعية في حياة المجتمع ليمضي بالسهولة التي يمضي بها إبطال تقليد التبني ذاته. فالتقاليد الاجتماعية أعمق أثرا في النفوس. ولا بد من سوابق عملية مضادة. ولا بد أن تستقبل هذه السوابق أول أمرها بالاستنكار ؛ وأن تكون شديدة الوقع على الكثيرين.
وقد مضى أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] زوج زيد بن حارثة - الذي كان متبناه، وكان يدعى زيد ابن محمد ثم دعى إلى أبيه - من زينب بنت جحش، ابنة عمة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ليحطم بهذا الزواج فوارق الطبقات الموروثة، ويحقق معنى قوله تعالى :( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )ويقرر هذه القيمة الإسلامية الجديدة بفعل عملي واقعي.
ثم شاء الله أن يحمل نبيه بعد ذلك - فيما يحمل من أعباء الرسالة - مؤنة إزالة آثار نظام التبني ؛ فيتزوج من مطلقة متبناه زيد بن حارثة. ويواجه المجتمع بهذا العمل، الذي لا يستطيع أحد أن يواجه المجتمع به، على الرغم من إبطال عادة التبني في ذاتها !
وألهم الله نبيه [ صلى الله عليه وسلم ] أن زيدا سيطلق زينب ؛ وأنه هو سيتزوجها، للحكمة التي قضى الله بها. وكانت العلاقات بين زيد وزينب قد اضطربت، وعادت توحي بأن حياتهما لن تستقيم طويلا.
وجاء زيد مرة بعد مرة يشكو إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] اضطراب حياته مع زينب ؛ وعدم استطاعته المضي معها. والرسول - صلوات الله وسلامه عليه - على شجاعته في مواجهة قومه في أمر العقيدة دون لجلجة ولا خشية - يحس ثقل التبعة فيما ألهمه الله من أمر زينب ؛ ويتردد في مواجهة القوم بتحطيم ذلك التقليد العميق ؛ فيقول لزيد [ الذي أنعم الله عليه بالإسلام وبالقرب من رسوله وبحب الرسول له، ذلك الحب الذي يتقدم به في قلبه على كل أحد بلا استثناء. والذي أنعم عليه الرسول بالعتق والتربية والحب ].. يقول له :( أمسك عليك زوجك واتق الله ).. ويؤخر بهذا مواجهة الأمر العظيم الذي يتردد في الخروج به على الناس. كما قال الله تعالى :( وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ! ).. وهذا الذي أخفاه النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في نفسه، وهو يعلم أن الله مبديه، هو ما ألهمه الله أن سيفعله. ولم يكن أمرا صريحا من الله. وإلا ما تردد فيه ولا أخره ولا حاول تأجيله. ولجهر به في حينه مهما كانت العواقب التي يتوقعها من إعلانه. ولكنه [ صلى الله عليه وسلم ] كان أمام إلهام يجده في نفسه، ويتوجس في الوقت ذاته من مواجهته، ومواجهة الناس به. حتى أذن الله بكونه. فطلق زيد زوجه في النهاية. وهو لا يفكر لا هو ولا زينب، فيما سيكون بعد. لأن العرف السائد كان يعد زينب مطلقة ابن لمحمد لا تحل له. حتى بعد إبطال عادة التبني في ذاتها. ولم يكن قد نزل بعد إحلال مطلقات الأدعياء. إنما كان حادث زواج النبي بها فيما بعد هو الذي قرر هذه القاعدة. بعدما قوبل هذا القرار بالدهشة والمفاجأة والاستنكار.
وفي هذا ما يهدم كل الروايات التي رويت عن هذا الحادث ؛ والتي تشبث بها أعداء الإسلام قديما وحديثا، وصاغوا حولها الأساطير والمفتريات !
إنما كان الأمر كما قال الله تعالى :( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها، لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ).. وكانت هذه إحدى ضرائب الرسالة الباهظة حملها رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فيما حمل ؛ وواجه بها المجتمع الكاره لها كل الكراهية. حتى ليتردد في مواجهته بها وهو الذي لم يتردد في مواجهته بعقيدة التوحيد، وذم الآلهة والشركاء ؛ وتخطئة الآباء والأجداد !
( وكان أمر الله مفعولا ).. لا مرد له، ولا مفر منه. واقعا محققا لا سبيل إلى تخلفه ولا إلى الحيدة عنه. وكان زواجه [ صلى الله عليه وسلم ] من زينب - رضي الله عنها - بعد انقضاء عدتها. أرسل إليها زيدا زوجها السابق. وأحب خلق الله إليه. أرسله إليها ليخطبها عليه.
عن أنس - رضي الله عنه - قال : لما انقضت عدة زينب - رضي الله عنها - قال رسول الله[ صلى الله عليه وسلم ] لزيد بن حارثة. " اذهب فاذكرها علي " فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها. قال : فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، وأقول : إن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ذكرها ! فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، وقلت : يا زينب. أبشري. أرسلني رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بذكرك. قالت : ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي عز وجل. فقامت إلى مسجدها. ونزل القرآن. وجاء رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فدخل عليها بغير إذن...
وقد روى البخاري - رحمه الله - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : إن زينب بنت جحش - رضي الله عنها - كانت تفخر على أزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فتقول : زوجكن أهاليكن، وزوجني الله - تعالى - من فوق سبع سماوات.
ولم تمر المسألة سهلة، فلقد فوجئ بها المجتمع الإسلامي كله ؛ كما انطلقت ألسنة المنافقين تقول : تزوج حليلة ابنه !
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
ثم يجيء الحديث عن حادث زواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] من زينب بنت جحش، وما سبقه وما تلاه من أحكام وتوجيهات :
وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه : أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه ؛ وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه. فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا. وكان أمر الله مفعولا. ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له. سنة الله في الذين خلوا من قبل. وكان أمر الله قدرا مقدورا. الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله. وكفى بالله حسيبا. ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين، وكان الله بكل شيء عليما..
مضى في أول السورة إبطال تقليد التبني ؛ ورد الأدعياء إلى آبائهم، وإقامة العلاقات العائلية على أساسها الطبيعي : وما جعل أدعياءكم أبناءكم. ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله. فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم. وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم، وكان الله غفورا رحيما....
ولكن نظام التبني كانت له آثار واقعية في حياة الجماعة العربية ؛ ولم يكن إبطال هذه الآثار الواقعية في حياة المجتمع ليمضي بالسهولة التي يمضي بها إبطال تقليد التبني ذاته. فالتقاليد الاجتماعية أعمق أثرا في النفوس. ولا بد من سوابق عملية مضادة. ولا بد أن تستقبل هذه السوابق أول أمرها بالاستنكار ؛ وأن تكون شديدة الوقع على الكثيرين.
وقد مضى أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] زوج زيد بن حارثة - الذي كان متبناه، وكان يدعى زيد ابن محمد ثم دعى إلى أبيه - من زينب بنت جحش، ابنة عمة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ليحطم بهذا الزواج فوارق الطبقات الموروثة، ويحقق معنى قوله تعالى :( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )ويقرر هذه القيمة الإسلامية الجديدة بفعل عملي واقعي.
ثم شاء الله أن يحمل نبيه بعد ذلك - فيما يحمل من أعباء الرسالة - مؤنة إزالة آثار نظام التبني ؛ فيتزوج من مطلقة متبناه زيد بن حارثة. ويواجه المجتمع بهذا العمل، الذي لا يستطيع أحد أن يواجه المجتمع به، على الرغم من إبطال عادة التبني في ذاتها !
وألهم الله نبيه [ صلى الله عليه وسلم ] أن زيدا سيطلق زينب ؛ وأنه هو سيتزوجها، للحكمة التي قضى الله بها. وكانت العلاقات بين زيد وزينب قد اضطربت، وعادت توحي بأن حياتهما لن تستقيم طويلا.
وجاء زيد مرة بعد مرة يشكو إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] اضطراب حياته مع زينب ؛ وعدم استطاعته المضي معها. والرسول - صلوات الله وسلامه عليه - على شجاعته في مواجهة قومه في أمر العقيدة دون لجلجة ولا خشية - يحس ثقل التبعة فيما ألهمه الله من أمر زينب ؛ ويتردد في مواجهة القوم بتحطيم ذلك التقليد العميق ؛ فيقول لزيد [ الذي أنعم الله عليه بالإسلام وبالقرب من رسوله وبحب الرسول له، ذلك الحب الذي يتقدم به في قلبه على كل أحد بلا استثناء. والذي أنعم عليه الرسول بالعتق والتربية والحب ].. يقول له :( أمسك عليك زوجك واتق الله ).. ويؤخر بهذا مواجهة الأمر العظيم الذي يتردد في الخروج به على الناس. كما قال الله تعالى :( وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ! ).. وهذا الذي أخفاه النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في نفسه، وهو يعلم أن الله مبديه، هو ما ألهمه الله أن سيفعله. ولم يكن أمرا صريحا من الله. وإلا ما تردد فيه ولا أخره ولا حاول تأجيله. ولجهر به في حينه مهما كانت العواقب التي يتوقعها من إعلانه. ولكنه [ صلى الله عليه وسلم ] كان أمام إلهام يجده في نفسه، ويتوجس في الوقت ذاته من مواجهته، ومواجهة الناس به. حتى أذن الله بكونه. فطلق زيد زوجه في النهاية. وهو لا يفكر لا هو ولا زينب، فيما سيكون بعد. لأن العرف السائد كان يعد زينب مطلقة ابن لمحمد لا تحل له. حتى بعد إبطال عادة التبني في ذاتها. ولم يكن قد نزل بعد إحلال مطلقات الأدعياء. إنما كان حادث زواج النبي بها فيما بعد هو الذي قرر هذه القاعدة. بعدما قوبل هذا القرار بالدهشة والمفاجأة والاستنكار.
وفي هذا ما يهدم كل الروايات التي رويت عن هذا الحادث ؛ والتي تشبث بها أعداء الإسلام قديما وحديثا، وصاغوا حولها الأساطير والمفتريات !
إنما كان الأمر كما قال الله تعالى :( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها، لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ).. وكانت هذه إحدى ضرائب الرسالة الباهظة حملها رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فيما حمل ؛ وواجه بها المجتمع الكاره لها كل الكراهية. حتى ليتردد في مواجهته بها وهو الذي لم يتردد في مواجهته بعقيدة التوحيد، وذم الآلهة والشركاء ؛ وتخطئة الآباء والأجداد !
( وكان أمر الله مفعولا ).. لا مرد له، ولا مفر منه. واقعا محققا لا سبيل إلى تخلفه ولا إلى الحيدة عنه. وكان زواجه [ صلى الله عليه وسلم ] من زينب - رضي الله عنها - بعد انقضاء عدتها. أرسل إليها زيدا زوجها السابق. وأحب خلق الله إليه. أرسله إليها ليخطبها عليه.
عن أنس - رضي الله عنه - قال : لما انقضت عدة زينب - رضي الله عنها - قال رسول الله[ صلى الله عليه وسلم ] لزيد بن حارثة. " اذهب فاذكرها علي " فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها. قال : فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، وأقول : إن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ذكرها ! فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، وقلت : يا زينب. أبشري. أرسلني رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بذكرك. قالت : ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي عز وجل. فقامت إلى مسجدها. ونزل القرآن. وجاء رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فدخل عليها بغير إذن...
وقد روى البخاري - رحمه الله - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : إن زينب بنت جحش - رضي الله عنها - كانت تفخر على أزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فتقول : زوجكن أهاليكن، وزوجني الله - تعالى - من فوق سبع سماوات.
ولم تمر المسألة سهلة، فلقد فوجئ بها المجتمع الإسلامي كله ؛ كما انطلقت ألسنة المنافقين تقول : تزوج حليلة ابنه !
آية رقم ٣٨
هذا الدرس شوط جديد في إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. وهو يختص ابتداء بإبطال نظام التبني الذي ورد الحديث عنه في أول السورة. وقد شاء الله أن ينتدب لإبطال هذا التقليد من الناحية العملية رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد كانت العرب تحرم مطلقة الابن بالتبني حرمة مطلقة الابن من النسب ؛ وما كانت تطيق أن تحل مطلقات الأدعياء عملا، إلا أن توجد سابقة تقرر هذه القاعدة الجديدة. فانتدب الله رسوله ليحمل هذا العبء فيما يحمل من أعباء الرسالة. وسنرى من موقف النبي [ صلى الله عليه وسلم ] من هذه التجربة أنه ما كان سواه قادرا على احتمال هذا العبء الجسيم، ومواجهة المجتمع بمثل هذه الخارقة لمألوفه العميق ! وسنرى كذلك أن التعقيب على الحادث كان تعقيبا طويلا لربط النفوس بالله ولبيان علاقه المسلمين بالله وعلاقتهم بنبيهم، ووظيفة النبي بينهم.. كل ذلك لتيسير الأمر على النفوس، وتطييب القلوب لتقبل أمرالله في هذا التنظيم بالرضى والتسليم.
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
ولما كانت المسألة مسألة تقرير مبدأ جديد فقد مضى القرآن يوكدها ؛ ويزيل عنصر الغرابة فيها، ويردها إلى أصولها البسيطة المنطقية التاريخية :
( ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له )..
فقد فرض له أن يتزوج زينب، وأن يبطل عادة العرب في تحريم أزواج الأدعياء. وإذن فلا حرج في هذا الأمر، وليس النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فيه بدعا من الرسل.
( سنة الله في الذين خلوا من قبل )..
فهو أمر يمضي وفق سنة الله التي لا تتبدل. والتي تتعلق بحقائق الأشياء، لا بما يحوطها من تصورات وتقاليد مصطنعة لا تقوم على أساس.
( وكان أمر الله قدرا مقدورا )..
فهو نافذ مفعول، لا يقف في وجهه شيء ولا أحد. وهو مقدر بحكمة وخبرة ووزن، منظور فيه إلى الغاية التي يريدها الله منه. و يعلم ضرورتها وقدرها وزمانها ومكانها. وقد أمر الله رسوله أن يبطل تلك العادة ويمحو آثارها عمليا، ويقرر بنفسه السابقة الواقعية. ولم يكن بد من نفاذ أمر الله.
وسنة الله هذه قد مضت في الذين خلوا من قبل من الرسل :
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
ولما كانت المسألة مسألة تقرير مبدأ جديد فقد مضى القرآن يوكدها ؛ ويزيل عنصر الغرابة فيها، ويردها إلى أصولها البسيطة المنطقية التاريخية :
( ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له )..
فقد فرض له أن يتزوج زينب، وأن يبطل عادة العرب في تحريم أزواج الأدعياء. وإذن فلا حرج في هذا الأمر، وليس النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فيه بدعا من الرسل.
( سنة الله في الذين خلوا من قبل )..
فهو أمر يمضي وفق سنة الله التي لا تتبدل. والتي تتعلق بحقائق الأشياء، لا بما يحوطها من تصورات وتقاليد مصطنعة لا تقوم على أساس.
( وكان أمر الله قدرا مقدورا )..
فهو نافذ مفعول، لا يقف في وجهه شيء ولا أحد. وهو مقدر بحكمة وخبرة ووزن، منظور فيه إلى الغاية التي يريدها الله منه. و يعلم ضرورتها وقدرها وزمانها ومكانها. وقد أمر الله رسوله أن يبطل تلك العادة ويمحو آثارها عمليا، ويقرر بنفسه السابقة الواقعية. ولم يكن بد من نفاذ أمر الله.
وسنة الله هذه قد مضت في الذين خلوا من قبل من الرسل :
آية رقم ٣٩
هذا الدرس شوط جديد في إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. وهو يختص ابتداء بإبطال نظام التبني الذي ورد الحديث عنه في أول السورة. وقد شاء الله أن ينتدب لإبطال هذا التقليد من الناحية العملية رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد كانت العرب تحرم مطلقة الابن بالتبني حرمة مطلقة الابن من النسب ؛ وما كانت تطيق أن تحل مطلقات الأدعياء عملا، إلا أن توجد سابقة تقرر هذه القاعدة الجديدة. فانتدب الله رسوله ليحمل هذا العبء فيما يحمل من أعباء الرسالة. وسنرى من موقف النبي [ صلى الله عليه وسلم ] من هذه التجربة أنه ما كان سواه قادرا على احتمال هذا العبء الجسيم، ومواجهة المجتمع بمثل هذه الخارقة لمألوفه العميق ! وسنرى كذلك أن التعقيب على الحادث كان تعقيبا طويلا لربط النفوس بالله ولبيان علاقه المسلمين بالله وعلاقتهم بنبيهم، ووظيفة النبي بينهم.. كل ذلك لتيسير الأمر على النفوس، وتطييب القلوب لتقبل أمرالله في هذا التنظيم بالرضى والتسليم.
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله )..
فلا يحسبون للخلق حسابا فيما يكلفهم الله به من أمور الرسالة، ولا يخشون أحدا إلا الله الذي أرسلهم للتبليغ والعمل والتنفيذ.
( وكفى بالله حسيبا )..
فهو وحده الذي يحاسبهم، وليس للناس عليهم من حساب.
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله )..
فلا يحسبون للخلق حسابا فيما يكلفهم الله به من أمور الرسالة، ولا يخشون أحدا إلا الله الذي أرسلهم للتبليغ والعمل والتنفيذ.
( وكفى بالله حسيبا )..
فهو وحده الذي يحاسبهم، وليس للناس عليهم من حساب.
آية رقم ٤٠
هذا الدرس شوط جديد في إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. وهو يختص ابتداء بإبطال نظام التبني الذي ورد الحديث عنه في أول السورة. وقد شاء الله أن ينتدب لإبطال هذا التقليد من الناحية العملية رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد كانت العرب تحرم مطلقة الابن بالتبني حرمة مطلقة الابن من النسب ؛ وما كانت تطيق أن تحل مطلقات الأدعياء عملا، إلا أن توجد سابقة تقرر هذه القاعدة الجديدة. فانتدب الله رسوله ليحمل هذا العبء فيما يحمل من أعباء الرسالة. وسنرى من موقف النبي [ صلى الله عليه وسلم ] من هذه التجربة أنه ما كان سواه قادرا على احتمال هذا العبء الجسيم، ومواجهة المجتمع بمثل هذه الخارقة لمألوفه العميق ! وسنرى كذلك أن التعقيب على الحادث كان تعقيبا طويلا لربط النفوس بالله ولبيان علاقه المسلمين بالله وعلاقتهم بنبيهم، ووظيفة النبي بينهم.. كل ذلك لتيسير الأمر على النفوس، وتطييب القلوب لتقبل أمرالله في هذا التنظيم بالرضى والتسليم.
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم )فزينب ليست حليلة ابنه، وزيد ليس ابن محمد. إنما هو ابن حارثة. ولا حرج إذن في الأمر حين ينظر إليه بعين الحقيقة الواقعة.
والعلاقة بين محمد [ صلى الله عليه وسلم ] وبين جميع المسلمين - ومنهم زيد بن حارثة - هي علاقة النبي بقومه، وليس هو أبا لأحد منهم :
( ولكن رسول الله وخاتم النبيين )..
ومن ثم فهو يشرع الشرائع الباقية، لتسير عليها البشرية ؛ وفق آخر رسالة السماء إلى الأرض، التي لا تبديل فيها بعد ذلك ولا تغيير.
( وكان الله بكل شيء عليما )..
فهو الذي يعلم ما يصلح لهذه البشرية، وما يصلحها ؛ وهو الذي فرض على النبي ما فرض، واختار له ما اختار. ليحل للناس أزواج أدعيائهم، إذا ما قضوا منهن وطرا، وانتهت حاجتهم منهن، وأطلقوا سراحهن.. قضى الله هذا وفق علمه بكل شيء. ومعرفته بالأصلح والأوفق من النظم والشرائع والقوانين ؛ ووفق رحمته وتخيره للمؤمنين.
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم )فزينب ليست حليلة ابنه، وزيد ليس ابن محمد. إنما هو ابن حارثة. ولا حرج إذن في الأمر حين ينظر إليه بعين الحقيقة الواقعة.
والعلاقة بين محمد [ صلى الله عليه وسلم ] وبين جميع المسلمين - ومنهم زيد بن حارثة - هي علاقة النبي بقومه، وليس هو أبا لأحد منهم :
( ولكن رسول الله وخاتم النبيين )..
ومن ثم فهو يشرع الشرائع الباقية، لتسير عليها البشرية ؛ وفق آخر رسالة السماء إلى الأرض، التي لا تبديل فيها بعد ذلك ولا تغيير.
( وكان الله بكل شيء عليما )..
فهو الذي يعلم ما يصلح لهذه البشرية، وما يصلحها ؛ وهو الذي فرض على النبي ما فرض، واختار له ما اختار. ليحل للناس أزواج أدعيائهم، إذا ما قضوا منهن وطرا، وانتهت حاجتهم منهن، وأطلقوا سراحهن.. قضى الله هذا وفق علمه بكل شيء. ومعرفته بالأصلح والأوفق من النظم والشرائع والقوانين ؛ ووفق رحمته وتخيره للمؤمنين.
آية رقم ٤١
هذا الدرس شوط جديد في إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. وهو يختص ابتداء بإبطال نظام التبني الذي ورد الحديث عنه في أول السورة. وقد شاء الله أن ينتدب لإبطال هذا التقليد من الناحية العملية رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد كانت العرب تحرم مطلقة الابن بالتبني حرمة مطلقة الابن من النسب ؛ وما كانت تطيق أن تحل مطلقات الأدعياء عملا، إلا أن توجد سابقة تقرر هذه القاعدة الجديدة. فانتدب الله رسوله ليحمل هذا العبء فيما يحمل من أعباء الرسالة. وسنرى من موقف النبي [ صلى الله عليه وسلم ] من هذه التجربة أنه ما كان سواه قادرا على احتمال هذا العبء الجسيم، ومواجهة المجتمع بمثل هذه الخارقة لمألوفه العميق ! وسنرى كذلك أن التعقيب على الحادث كان تعقيبا طويلا لربط النفوس بالله ولبيان علاقه المسلمين بالله وعلاقتهم بنبيهم، ووظيفة النبي بينهم.. كل ذلك لتيسير الأمر على النفوس، وتطييب القلوب لتقبل أمرالله في هذا التنظيم بالرضى والتسليم.
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
ثم يمضي السياق القرآني في ربط القلوب بهذا المعنى الأخير، ووصلهم بالله الذي فرض على رسوله ما فرض، واختار للأمة المسلمة ما اختار ؛ يريد بها الخير، والخروج من الظلمات إلى النور :
( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا، وسبحوه بكرة وأصيلا. هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور، وكان بالمؤمنين رحيما. تحيتهم يوم يلقونه سلام. وأعد لهم أجرا كريما )..
وذكر الله اتصال القلب به، والاشتغال بمراقبته ؛ وليس هو مجرد تحريك اللسان. و إقامة الصلاة ذكر لله. بل إنه وردت آثار تكاد تخصص الذكر بالصلاة :
روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث الأعمش عن الأغر أبي مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قال :" إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين، كانا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات "..
وإن كان ذكر الله أشمل من الصلاة. فهو يشمل كل صورة يتذكر فيها العبد ربه، ويتصل به قلبه. سواء جهر بلسانه بهذا الذكر أم لم يجهر. والمقصود هو الاتصال المحرك الموحي على أية حال.
وإن القلب ليظل فارغا أو لاهيا أو حائرا حتى يتصل بالله ويذكره ويأنس به. فإذا هو مليء جاد، قار، يعرف طريقه، ويعرف منهجه، ويعرف من أين وإلى أين ينقل خطاه !
ومن هنا يحض القرآن كثيرا، وتحض السنة كثيرا، على ذكر الله.
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
ثم يمضي السياق القرآني في ربط القلوب بهذا المعنى الأخير، ووصلهم بالله الذي فرض على رسوله ما فرض، واختار للأمة المسلمة ما اختار ؛ يريد بها الخير، والخروج من الظلمات إلى النور :
( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا، وسبحوه بكرة وأصيلا. هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور، وكان بالمؤمنين رحيما. تحيتهم يوم يلقونه سلام. وأعد لهم أجرا كريما )..
وذكر الله اتصال القلب به، والاشتغال بمراقبته ؛ وليس هو مجرد تحريك اللسان. و إقامة الصلاة ذكر لله. بل إنه وردت آثار تكاد تخصص الذكر بالصلاة :
روى أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث الأعمش عن الأغر أبي مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قال :" إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين، كانا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات "..
وإن كان ذكر الله أشمل من الصلاة. فهو يشمل كل صورة يتذكر فيها العبد ربه، ويتصل به قلبه. سواء جهر بلسانه بهذا الذكر أم لم يجهر. والمقصود هو الاتصال المحرك الموحي على أية حال.
وإن القلب ليظل فارغا أو لاهيا أو حائرا حتى يتصل بالله ويذكره ويأنس به. فإذا هو مليء جاد، قار، يعرف طريقه، ويعرف منهجه، ويعرف من أين وإلى أين ينقل خطاه !
ومن هنا يحض القرآن كثيرا، وتحض السنة كثيرا، على ذكر الله.
آية رقم ٤٢
ﰂﰃﰄ
ﰅ
هذا الدرس شوط جديد في إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. وهو يختص ابتداء بإبطال نظام التبني الذي ورد الحديث عنه في أول السورة. وقد شاء الله أن ينتدب لإبطال هذا التقليد من الناحية العملية رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد كانت العرب تحرم مطلقة الابن بالتبني حرمة مطلقة الابن من النسب ؛ وما كانت تطيق أن تحل مطلقات الأدعياء عملا، إلا أن توجد سابقة تقرر هذه القاعدة الجديدة. فانتدب الله رسوله ليحمل هذا العبء فيما يحمل من أعباء الرسالة. وسنرى من موقف النبي [ صلى الله عليه وسلم ] من هذه التجربة أنه ما كان سواه قادرا على احتمال هذا العبء الجسيم، ومواجهة المجتمع بمثل هذه الخارقة لمألوفه العميق ! وسنرى كذلك أن التعقيب على الحادث كان تعقيبا طويلا لربط النفوس بالله ولبيان علاقه المسلمين بالله وعلاقتهم بنبيهم، ووظيفة النبي بينهم.. كل ذلك لتيسير الأمر على النفوس، وتطييب القلوب لتقبل أمرالله في هذا التنظيم بالرضى والتسليم.
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
ويربط القرآن بين هذا الذكر وبين الأوقات والأحوال التي يمر بها الإنسان، لتكون الأوقات والأحوال مذكرة بذكر الله ومنبهة إلى الاتصال به حتى لا يغفل القلب ولا ينسى :
( وسبحوه بكرة وأصيلا )..
وفي البكرة والأصيل خاصة ما يستجيش القلوب إلى الاتصال بالله، مغير الأحوال، ومبدل الظلال ؛ وهو باق لا يتغير ولا يتبدل، ولا يحول ولا يزول. وكل شيء سواه يتغير ويتبدل، ويدركه التحول والزوال
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
ويربط القرآن بين هذا الذكر وبين الأوقات والأحوال التي يمر بها الإنسان، لتكون الأوقات والأحوال مذكرة بذكر الله ومنبهة إلى الاتصال به حتى لا يغفل القلب ولا ينسى :
( وسبحوه بكرة وأصيلا )..
وفي البكرة والأصيل خاصة ما يستجيش القلوب إلى الاتصال بالله، مغير الأحوال، ومبدل الظلال ؛ وهو باق لا يتغير ولا يتبدل، ولا يحول ولا يزول. وكل شيء سواه يتغير ويتبدل، ويدركه التحول والزوال
آية رقم ٤٣
هذا الدرس شوط جديد في إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. وهو يختص ابتداء بإبطال نظام التبني الذي ورد الحديث عنه في أول السورة. وقد شاء الله أن ينتدب لإبطال هذا التقليد من الناحية العملية رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد كانت العرب تحرم مطلقة الابن بالتبني حرمة مطلقة الابن من النسب ؛ وما كانت تطيق أن تحل مطلقات الأدعياء عملا، إلا أن توجد سابقة تقرر هذه القاعدة الجديدة. فانتدب الله رسوله ليحمل هذا العبء فيما يحمل من أعباء الرسالة. وسنرى من موقف النبي [ صلى الله عليه وسلم ] من هذه التجربة أنه ما كان سواه قادرا على احتمال هذا العبء الجسيم، ومواجهة المجتمع بمثل هذه الخارقة لمألوفه العميق ! وسنرى كذلك أن التعقيب على الحادث كان تعقيبا طويلا لربط النفوس بالله ولبيان علاقه المسلمين بالله وعلاقتهم بنبيهم، ووظيفة النبي بينهم.. كل ذلك لتيسير الأمر على النفوس، وتطييب القلوب لتقبل أمرالله في هذا التنظيم بالرضى والتسليم.
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
وإلى جانب الأمر بذكر الله وتسبيحه، إشعار القلوب برحمة الله ورعايته، وعنايته بأمر الخلق وإرادة الخير لهم ؛ وهو الغني عنهم، وهم الفقراء المحاويج، لرعايته وفضله :
( هو الذي يصلي عليكم وملائكته، ليخرجكم من الظلمات إلى النور. وكان بالمؤمنين رحيما )..
وتعالى الله وجلت نعمته، وعظم فضله، وتضاعفت منته ؛ وهو يذكر هؤلاء العباد الضعاف المحاويج الفانين، الذين لا حول لهم ولا قوة، ولا بقاء لهم ولا قرار. يذكرهم، ويعني بهم، ويصلي عليهم هو وملائكته، ويذكرهم بالخير في الملأ الأعلى فيتجاوب الوجود كله بذكرهم، كما قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" يقول الله تعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه "..
ألا إنها لعظيمة لا يكاد الإدراك يتصورها. وهو يعلم أن هذه الأرض ومن عليها وما عليها إن هي إلا ذرة صغيرة زهيدة بالقياس إلى تلك الأفلاك الهائلة. وما الأفلاك وما فيها ومن فيها إلا بعض ملك الله الذي قال له : كن. فان !
( هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور )..
ونور الله واحد متصل شامل ؛ وما عداه ظلمات تتعدد وتختلف. وما يخرج الناس من نور الله إلا ليعيشوا في ظلما من الظلمات، أو في الظلمات مجتمعة ؛ وما ينقذهم من الظلام إلا نور الله الذي يشرق في قلوبهم، ويغمر أرواحهم، ويهديهم إلى فطرتهم. وهي فطرة هذا الوجود. ورحمة الله بهم وصلاة الملائكة ودعاؤها لهم، هي التي تخرجهم من الظلمات إلى النور حين تتفتح قلوبهم للإيمان :( وكان بالمؤمنين رحيما )..
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
وإلى جانب الأمر بذكر الله وتسبيحه، إشعار القلوب برحمة الله ورعايته، وعنايته بأمر الخلق وإرادة الخير لهم ؛ وهو الغني عنهم، وهم الفقراء المحاويج، لرعايته وفضله :
( هو الذي يصلي عليكم وملائكته، ليخرجكم من الظلمات إلى النور. وكان بالمؤمنين رحيما )..
وتعالى الله وجلت نعمته، وعظم فضله، وتضاعفت منته ؛ وهو يذكر هؤلاء العباد الضعاف المحاويج الفانين، الذين لا حول لهم ولا قوة، ولا بقاء لهم ولا قرار. يذكرهم، ويعني بهم، ويصلي عليهم هو وملائكته، ويذكرهم بالخير في الملأ الأعلى فيتجاوب الوجود كله بذكرهم، كما قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" يقول الله تعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه "..
ألا إنها لعظيمة لا يكاد الإدراك يتصورها. وهو يعلم أن هذه الأرض ومن عليها وما عليها إن هي إلا ذرة صغيرة زهيدة بالقياس إلى تلك الأفلاك الهائلة. وما الأفلاك وما فيها ومن فيها إلا بعض ملك الله الذي قال له : كن. فان !
( هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور )..
ونور الله واحد متصل شامل ؛ وما عداه ظلمات تتعدد وتختلف. وما يخرج الناس من نور الله إلا ليعيشوا في ظلما من الظلمات، أو في الظلمات مجتمعة ؛ وما ينقذهم من الظلام إلا نور الله الذي يشرق في قلوبهم، ويغمر أرواحهم، ويهديهم إلى فطرتهم. وهي فطرة هذا الوجود. ورحمة الله بهم وصلاة الملائكة ودعاؤها لهم، هي التي تخرجهم من الظلمات إلى النور حين تتفتح قلوبهم للإيمان :( وكان بالمؤمنين رحيما )..
آية رقم ٤٤
هذا الدرس شوط جديد في إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. وهو يختص ابتداء بإبطال نظام التبني الذي ورد الحديث عنه في أول السورة. وقد شاء الله أن ينتدب لإبطال هذا التقليد من الناحية العملية رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد كانت العرب تحرم مطلقة الابن بالتبني حرمة مطلقة الابن من النسب ؛ وما كانت تطيق أن تحل مطلقات الأدعياء عملا، إلا أن توجد سابقة تقرر هذه القاعدة الجديدة. فانتدب الله رسوله ليحمل هذا العبء فيما يحمل من أعباء الرسالة. وسنرى من موقف النبي [ صلى الله عليه وسلم ] من هذه التجربة أنه ما كان سواه قادرا على احتمال هذا العبء الجسيم، ومواجهة المجتمع بمثل هذه الخارقة لمألوفه العميق ! وسنرى كذلك أن التعقيب على الحادث كان تعقيبا طويلا لربط النفوس بالله ولبيان علاقه المسلمين بالله وعلاقتهم بنبيهم، ووظيفة النبي بينهم.. كل ذلك لتيسير الأمر على النفوس، وتطييب القلوب لتقبل أمرالله في هذا التنظيم بالرضى والتسليم.
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
ذلك أمرهم في الدنيا دار العمل. فأما أمرهم في الآخرة دار الجزاء، فإن فضل الله لا يتخلى عنهم، ورحمته لا تتركهم ؛ ولهم فيها الكرامة والحفاوة والأجر الكريم :
( تحيتهم يوم يلقونه سلام، وأعد لهم أجرا كريما )..
سلام من كل خوف، ومن كل تعب، ومن كل كد.. سلام يتلقونه من الله تحمله إليهم الملائكة. وهم يدخلون عليهم من كل باب، يبلغونهم التحية العلوية. إلى جانب ما أعد لهم من أجر كريم.. فيا له من تكريم !
فهذا هو ربهم الذي يشرع لهم ويختار. فمن ذا الذي يكره هذا الاختيار ؟ !
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
ذلك أمرهم في الدنيا دار العمل. فأما أمرهم في الآخرة دار الجزاء، فإن فضل الله لا يتخلى عنهم، ورحمته لا تتركهم ؛ ولهم فيها الكرامة والحفاوة والأجر الكريم :
( تحيتهم يوم يلقونه سلام، وأعد لهم أجرا كريما )..
سلام من كل خوف، ومن كل تعب، ومن كل كد.. سلام يتلقونه من الله تحمله إليهم الملائكة. وهم يدخلون عليهم من كل باب، يبلغونهم التحية العلوية. إلى جانب ما أعد لهم من أجر كريم.. فيا له من تكريم !
فهذا هو ربهم الذي يشرع لهم ويختار. فمن ذا الذي يكره هذا الاختيار ؟ !
آية رقم ٤٥
هذا الدرس شوط جديد في إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. وهو يختص ابتداء بإبطال نظام التبني الذي ورد الحديث عنه في أول السورة. وقد شاء الله أن ينتدب لإبطال هذا التقليد من الناحية العملية رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد كانت العرب تحرم مطلقة الابن بالتبني حرمة مطلقة الابن من النسب ؛ وما كانت تطيق أن تحل مطلقات الأدعياء عملا، إلا أن توجد سابقة تقرر هذه القاعدة الجديدة. فانتدب الله رسوله ليحمل هذا العبء فيما يحمل من أعباء الرسالة. وسنرى من موقف النبي [ صلى الله عليه وسلم ] من هذه التجربة أنه ما كان سواه قادرا على احتمال هذا العبء الجسيم، ومواجهة المجتمع بمثل هذه الخارقة لمألوفه العميق ! وسنرى كذلك أن التعقيب على الحادث كان تعقيبا طويلا لربط النفوس بالله ولبيان علاقه المسلمين بالله وعلاقتهم بنبيهم، ووظيفة النبي بينهم.. كل ذلك لتيسير الأمر على النفوس، وتطييب القلوب لتقبل أمرالله في هذا التنظيم بالرضى والتسليم.
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
فأما النبي الذي يبلغهم اختيار الله لهم ؛ ويحقق بسنته العملية ما اختاره الله وشرعه للعباد، فيلتفت السياق التفاتة كذلك إلى بيان وظيفته وفضله على المؤمنين في هذا المقام :
يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا. ولا نطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم، وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا..
فوظيفة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فيهم أن يكون( شاهدا )، عليهم. فليعملوا بما يحسن هذه الشهادة التي لا تكذب ولا تزور، ولا تبدل، ولا تغير. وأن يكون( مبشرا )لهم بما ينتظر العاملين من رحمة وغفران، ومن فضل وتكريم. وأن يكون( نذيرا )للغافلين بما ينتظر المسيئين من عذاب ونكال، فلا يؤخذوا على غرة، ولا يعذبوا إلا بعد إنذار.
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
فأما النبي الذي يبلغهم اختيار الله لهم ؛ ويحقق بسنته العملية ما اختاره الله وشرعه للعباد، فيلتفت السياق التفاتة كذلك إلى بيان وظيفته وفضله على المؤمنين في هذا المقام :
يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا. ولا نطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم، وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا..
فوظيفة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فيهم أن يكون( شاهدا )، عليهم. فليعملوا بما يحسن هذه الشهادة التي لا تكذب ولا تزور، ولا تبدل، ولا تغير. وأن يكون( مبشرا )لهم بما ينتظر العاملين من رحمة وغفران، ومن فضل وتكريم. وأن يكون( نذيرا )للغافلين بما ينتظر المسيئين من عذاب ونكال، فلا يؤخذوا على غرة، ولا يعذبوا إلا بعد إنذار.
آية رقم ٤٦
ﭣﭤﭥﭦﭧﭨ
ﭩ
هذا الدرس شوط جديد في إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. وهو يختص ابتداء بإبطال نظام التبني الذي ورد الحديث عنه في أول السورة. وقد شاء الله أن ينتدب لإبطال هذا التقليد من الناحية العملية رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد كانت العرب تحرم مطلقة الابن بالتبني حرمة مطلقة الابن من النسب ؛ وما كانت تطيق أن تحل مطلقات الأدعياء عملا، إلا أن توجد سابقة تقرر هذه القاعدة الجديدة. فانتدب الله رسوله ليحمل هذا العبء فيما يحمل من أعباء الرسالة. وسنرى من موقف النبي [ صلى الله عليه وسلم ] من هذه التجربة أنه ما كان سواه قادرا على احتمال هذا العبء الجسيم، ومواجهة المجتمع بمثل هذه الخارقة لمألوفه العميق ! وسنرى كذلك أن التعقيب على الحادث كان تعقيبا طويلا لربط النفوس بالله ولبيان علاقه المسلمين بالله وعلاقتهم بنبيهم، ووظيفة النبي بينهم.. كل ذلك لتيسير الأمر على النفوس، وتطييب القلوب لتقبل أمرالله في هذا التنظيم بالرضى والتسليم.
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
( وداعيا إلى الله ).. لا إلى دنيا، ولا إلى مجد، ولا إلى عزة قومية، ولا إلى عصبية جاهلية، ولا إلى مغنم، ولا إلى سلطان أو جاه. ولكن داعيا إلى الله. في طريق واحد يصل إلى الله( بإذنه ).. فما هو بمبتدع، ولا بمتطوع، ولا بقائل من عنده شيئا. إنما هو إذن الله له وأمره لا يتعداه. ( وسراجا منيرا ).. يجلو الظلمات، ويكشف الشبهات، وينير الطريق، نورا هادئا هاديا كالسراج المنير في الظلمات.
وهكذا كان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما جاء به من النور. جاء بالتصور الواضح البين النير لهذا الوجود، ولعلاقة الوجود بالخالق، ولمكان الكائن الإنساني من هذا الوجود وخالقه، وللقيم التي يقوم عليها الوجود كله، ويقوم عليها وجود هذا الإنسان فيه ؛ وللمنشأ والمصير، والهدف والغاية، والطريق والوسيلة. في قول فصل لا شبهة فيه ولا غموض. وفي أسلوب يخاطب الفطرة خطابا مباشرا وينفذ إليها من أقرب السبل وأوسع الأبواب وأعمق المسالك والدروب !
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
( وداعيا إلى الله ).. لا إلى دنيا، ولا إلى مجد، ولا إلى عزة قومية، ولا إلى عصبية جاهلية، ولا إلى مغنم، ولا إلى سلطان أو جاه. ولكن داعيا إلى الله. في طريق واحد يصل إلى الله( بإذنه ).. فما هو بمبتدع، ولا بمتطوع، ولا بقائل من عنده شيئا. إنما هو إذن الله له وأمره لا يتعداه. ( وسراجا منيرا ).. يجلو الظلمات، ويكشف الشبهات، وينير الطريق، نورا هادئا هاديا كالسراج المنير في الظلمات.
وهكذا كان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وما جاء به من النور. جاء بالتصور الواضح البين النير لهذا الوجود، ولعلاقة الوجود بالخالق، ولمكان الكائن الإنساني من هذا الوجود وخالقه، وللقيم التي يقوم عليها الوجود كله، ويقوم عليها وجود هذا الإنسان فيه ؛ وللمنشأ والمصير، والهدف والغاية، والطريق والوسيلة. في قول فصل لا شبهة فيه ولا غموض. وفي أسلوب يخاطب الفطرة خطابا مباشرا وينفذ إليها من أقرب السبل وأوسع الأبواب وأعمق المسالك والدروب !
آية رقم ٤٧
هذا الدرس شوط جديد في إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. وهو يختص ابتداء بإبطال نظام التبني الذي ورد الحديث عنه في أول السورة. وقد شاء الله أن ينتدب لإبطال هذا التقليد من الناحية العملية رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد كانت العرب تحرم مطلقة الابن بالتبني حرمة مطلقة الابن من النسب ؛ وما كانت تطيق أن تحل مطلقات الأدعياء عملا، إلا أن توجد سابقة تقرر هذه القاعدة الجديدة. فانتدب الله رسوله ليحمل هذا العبء فيما يحمل من أعباء الرسالة. وسنرى من موقف النبي [ صلى الله عليه وسلم ] من هذه التجربة أنه ما كان سواه قادرا على احتمال هذا العبء الجسيم، ومواجهة المجتمع بمثل هذه الخارقة لمألوفه العميق ! وسنرى كذلك أن التعقيب على الحادث كان تعقيبا طويلا لربط النفوس بالله ولبيان علاقه المسلمين بالله وعلاقتهم بنبيهم، ووظيفة النبي بينهم.. كل ذلك لتيسير الأمر على النفوس، وتطييب القلوب لتقبل أمرالله في هذا التنظيم بالرضى والتسليم.
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
ويكرر ويفصل في وظيفة الرسول مسألة تبشير المؤمنين :( وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ).. بعدما أجملها في قوله :( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ).. زيادة في بيان فضل الله ومنته على المؤمنين، الذين يشرع لهم على يدي هذا النبي، ما يؤول بهم إلى البشرى والفضل الكبير.
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
ويكرر ويفصل في وظيفة الرسول مسألة تبشير المؤمنين :( وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ).. بعدما أجملها في قوله :( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ).. زيادة في بيان فضل الله ومنته على المؤمنين، الذين يشرع لهم على يدي هذا النبي، ما يؤول بهم إلى البشرى والفضل الكبير.
آية رقم ٤٨
هذا الدرس شوط جديد في إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. وهو يختص ابتداء بإبطال نظام التبني الذي ورد الحديث عنه في أول السورة. وقد شاء الله أن ينتدب لإبطال هذا التقليد من الناحية العملية رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد كانت العرب تحرم مطلقة الابن بالتبني حرمة مطلقة الابن من النسب ؛ وما كانت تطيق أن تحل مطلقات الأدعياء عملا، إلا أن توجد سابقة تقرر هذه القاعدة الجديدة. فانتدب الله رسوله ليحمل هذا العبء فيما يحمل من أعباء الرسالة. وسنرى من موقف النبي [ صلى الله عليه وسلم ] من هذه التجربة أنه ما كان سواه قادرا على احتمال هذا العبء الجسيم، ومواجهة المجتمع بمثل هذه الخارقة لمألوفه العميق ! وسنرى كذلك أن التعقيب على الحادث كان تعقيبا طويلا لربط النفوس بالله ولبيان علاقه المسلمين بالله وعلاقتهم بنبيهم، ووظيفة النبي بينهم.. كل ذلك لتيسير الأمر على النفوس، وتطييب القلوب لتقبل أمرالله في هذا التنظيم بالرضى والتسليم.
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
وينهي هذا الخطاب للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] بألا يطيع الكافرين والمنافقين، وألا يحفل أذاهم له وللمؤمنين، وأن يتوكل على الله وحده وهو بنصره كفيل :
( ولا تطع الكافرين والمنافقين، ودع أذاهم، وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا )..
وهو ذات الخطاب الوارد في أول السورة، قبل ابتداء التشريع والتوجيه، والتنظيم الاجتماعي الجديد. بزيادة توجيه النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ألا يحفل أذى الكافرين والمنافقين ؛ وألا يتقيه بطاعتهم في شيء أو الاعتماد عليهم في شيء. فالله وحده هو الوكيل ( وكفى بالله وكيلا )..
وهكذا يطول التقديم والتعقيب على حادث زينب وزيد، وإحلال أزواج الأدعياء، والمثل الواقعي الذي كلفه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] مما يشي بصعوبة هذا الأمر، وحاجة النفوس فيه إلى تثبيت الله وبيانه، وإلى الصلة بالله والشعور بما في توجيهه من رحمة ورعاية. كي تتلقى ذلك الأمر بالرضى والقبول والتسليم..
ولقد سبق الحديث عن الحادث تقرير قاعدة أن الأمر لله ورسوله، وأنه( ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ). مما يوحي كذلك بصعوبة هذا الأمر الشاق المخالف لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة.
وينهي هذا الخطاب للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] بألا يطيع الكافرين والمنافقين، وألا يحفل أذاهم له وللمؤمنين، وأن يتوكل على الله وحده وهو بنصره كفيل :
( ولا تطع الكافرين والمنافقين، ودع أذاهم، وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا )..
وهو ذات الخطاب الوارد في أول السورة، قبل ابتداء التشريع والتوجيه، والتنظيم الاجتماعي الجديد. بزيادة توجيه النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ألا يحفل أذى الكافرين والمنافقين ؛ وألا يتقيه بطاعتهم في شيء أو الاعتماد عليهم في شيء. فالله وحده هو الوكيل ( وكفى بالله وكيلا )..
وهكذا يطول التقديم والتعقيب على حادث زينب وزيد، وإحلال أزواج الأدعياء، والمثل الواقعي الذي كلفه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] مما يشي بصعوبة هذا الأمر، وحاجة النفوس فيه إلى تثبيت الله وبيانه، وإلى الصلة بالله والشعور بما في توجيهه من رحمة ورعاية. كي تتلقى ذلك الأمر بالرضى والقبول والتسليم..
آية رقم ٤٩
هذا الشوط من السورة يتضمن في أوله حكما عاما من أحكام القرآن التشريعية في تنظيم شؤون الأسرة. ذلك حكم المطلقات قبل الدخول. يجيء بعده أحكام خاصة لتنظيم حياة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] حياته الزوجية الخاصة مع نسائه وعلاقات نسائه كذلك ببقية الرجال، وعلاقة المسلمين ببيت الرسول. وكرامة الرسول وبيته على الله وعلى ملائكته والملأ الأعلى.. وينتهي بحكم عام يشترك فيه نساء النبي وبناته ونساء المؤمنين، يأمرهن فيه بإرخاء جلابيبهن عند الخروج لقضاء الحاجة حتى يتميزن بهذا الزي السابغ ويعرفن، فلا يتعرض لهن ذوو السيرة السيئة من المنافقين والمرجفين والفساق الذين كانوا يتعرضون للنساء في المدينة ! ويختم بتهديد هؤلاء المنافقين والمرجفين بالإجلاء عن المدينة ما لم ينتهوا عن إيذاء المؤمنات وإشاعة الفساد..
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
هذا الشوط من السورة يتضمن في أوله حكما عاما من أحكام القرآن التشريعية في تنظيم شؤون الأسرة. ذلك حكم المطلقات قبل الدخول. يجيء بعده أحكام خاصة لتنظيم حياة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] حياته الزوجية الخاصة مع نسائه وعلاقات نسائه كذلك ببقية الرجال، وعلاقة المسلمين ببيت الرسول. وكرامة الرسول وبيته على الله وعلى ملائكته والملأ الأعلى.. وينتهي بحكم عام يشترك فيه نساء النبي وبناته ونساء المؤمنين، يأمرهن فيه بإرخاء جلابيبهن عند الخروج لقضاء الحاجة حتى يتميزن بهذا الزي السابغ ويعرفن، فلا يتعرض لهن ذوو السيرة السيئة من المنافقين والمرجفين والفساق الذين كانوا يتعرضون للنساء في المدينة ! ويختم بتهديد هؤلاء المنافقين والمرجفين بالإجلاء عن المدينة ما لم ينتهوا عن إيذاء المؤمنات وإشاعة الفساد..
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
بعد ذلك يبين الله لرسوله [ صلى الله عليه وسلم ] ما يحل له من النساء، وما في ذلك من خصوصية لشخصه ولأهل بيته، بعدما نزلت آية سورة النساء التي تجعل الحد الأقصى للأزواج أربعا :( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع )..
وكان في عصمة النبي في هذا الوقت تسع نساء، تزوج بكل منهن لمعنى خاص. عائشة وحفصة ابنتا صاحبيه أبي بكر وعمر. وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة، وسودة بنت زمعة، وزينب بنت خزيمة من المهاجرات اللواتي فقدن أزواجهن وأراد النبي [ صلى الله عليه وسلم ] تكريمهن، ولم يكن ذوات جمال ولا شباب، إنما كان معنى التكريم لهن خالصا في هذا الزواج. وزينب بنت جحش وقد علمنا قصة زواجها، وقد كان هناك تعويض لها كذلك عن طلاقها من زيد الذي زوجها رسول الله منه فلم تفلح الزيجة لأمر قضاه الله تعالى، وعرفناه في قصتها. ثم جويرية بنت الحارث من بني المصطلق، وصفية بنت حيي بن أخطب. وكانتا من السبي فأعتقهما رسول الله وتزوج بهما الواحدة تلو الأخرى، توثيقا لعلاقته بالقبائل، وتكريما لهما، وقد أسلمتا بعدما نزل بأهلهما من الشدة.
وكن قد أصبحن ( أمهات المؤمنين )ونلن شرف القرب من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واخترن الله ورسوله والدار الآخرة بعد نزول آيتي التخيير. فكان صعبا على نفوسهن أن يفارقهن رسول الله بعد تحديد عدد النساء. وقد نظر الله إليهن، فاستثنى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من ذلك القيد، وأحل له استبقاء نسائه جميعا في عصمته، وجعلهن كلهن حلا له، ثم نزل القرآن بعد ذلك بألا يزيد عليهن أحدا، ولا يستبدل بواحدة منهن أخرى. فإنما هذه الميزة لهؤلاء اللواتي ارتبطن به وحدهن، كي لا يحرمن شرف النسبة إليه، بعدما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة.. وحول هذه المبادئ تدور هذه الآيات :
يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن، وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك، وبنات عمك وبنات عماتك، وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها، خالصة لك من دون المؤمنين، قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم، لكي لا يكون عليك حرج، وكان الله غفورا رحيما. ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء، ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك. ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن، والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما. لا يحل لك النساء من بعد، ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن - إلا ما ملكت يمينك - وكان الله على كل شيء رقيبا..
ففي الآية يحل الله للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] أنواع النساء المذكورات فيها - ولو كن فوق الأربع - مما هو محرم على غيره. وهذه الأنواع هي : الأزواج اللواتي أمهرهن. وما ملكت يمينه إطلاقا من الفيء، وبنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته ممن هاجرن معه دون غيرهن ممن لم يهاجرن - إكراما للمهاجرات - وأيما امرأة وهبت نفسها للنبي بلا مهر ولا ولي. إن أراد النبي نكاحها [ وقد تضاربت الروايات حول ما إذا كان النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قد تزوج واحدة من هذا الصنف من النساء أم لم يتزوج، والأرجح أنه زوج اللواتي عرضن أنفسهن عليه من رجال آخرين ] وقد جعل الله هذه خصوصية للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] بما أنه ولي المؤمنين والمؤمنات جميعا. فأما الآخرون فهم خاضعون لما بينه الله وفرضه عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم. ذلك كي لا يكون على النبي حرج في استبقاء أزواجه وفي الاستجابة للظروف الخاصة المحيطة بشخصه.
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
بعد ذلك يبين الله لرسوله [ صلى الله عليه وسلم ] ما يحل له من النساء، وما في ذلك من خصوصية لشخصه ولأهل بيته، بعدما نزلت آية سورة النساء التي تجعل الحد الأقصى للأزواج أربعا :( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع )..
وكان في عصمة النبي في هذا الوقت تسع نساء، تزوج بكل منهن لمعنى خاص. عائشة وحفصة ابنتا صاحبيه أبي بكر وعمر. وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة، وسودة بنت زمعة، وزينب بنت خزيمة من المهاجرات اللواتي فقدن أزواجهن وأراد النبي [ صلى الله عليه وسلم ] تكريمهن، ولم يكن ذوات جمال ولا شباب، إنما كان معنى التكريم لهن خالصا في هذا الزواج. وزينب بنت جحش وقد علمنا قصة زواجها، وقد كان هناك تعويض لها كذلك عن طلاقها من زيد الذي زوجها رسول الله منه فلم تفلح الزيجة لأمر قضاه الله تعالى، وعرفناه في قصتها. ثم جويرية بنت الحارث من بني المصطلق، وصفية بنت حيي بن أخطب. وكانتا من السبي فأعتقهما رسول الله وتزوج بهما الواحدة تلو الأخرى، توثيقا لعلاقته بالقبائل، وتكريما لهما، وقد أسلمتا بعدما نزل بأهلهما من الشدة.
وكن قد أصبحن ( أمهات المؤمنين )ونلن شرف القرب من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] واخترن الله ورسوله والدار الآخرة بعد نزول آيتي التخيير. فكان صعبا على نفوسهن أن يفارقهن رسول الله بعد تحديد عدد النساء. وقد نظر الله إليهن، فاستثنى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من ذلك القيد، وأحل له استبقاء نسائه جميعا في عصمته، وجعلهن كلهن حلا له، ثم نزل القرآن بعد ذلك بألا يزيد عليهن أحدا، ولا يستبدل بواحدة منهن أخرى. فإنما هذه الميزة لهؤلاء اللواتي ارتبطن به وحدهن، كي لا يحرمن شرف النسبة إليه، بعدما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة.. وحول هذه المبادئ تدور هذه الآيات :
يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن، وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك، وبنات عمك وبنات عماتك، وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها، خالصة لك من دون المؤمنين، قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم، لكي لا يكون عليك حرج، وكان الله غفورا رحيما. ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء، ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك. ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن، والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما. لا يحل لك النساء من بعد، ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن - إلا ما ملكت يمينك - وكان الله على كل شيء رقيبا..
ففي الآية يحل الله للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] أنواع النساء المذكورات فيها - ولو كن فوق الأربع - مما هو محرم على غيره. وهذه الأنواع هي : الأزواج اللواتي أمهرهن. وما ملكت يمينه إطلاقا من الفيء، وبنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته ممن هاجرن معه دون غيرهن ممن لم يهاجرن - إكراما للمهاجرات - وأيما امرأة وهبت نفسها للنبي بلا مهر ولا ولي. إن أراد النبي نكاحها [ وقد تضاربت الروايات حول ما إذا كان النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قد تزوج واحدة من هذا الصنف من النساء أم لم يتزوج، والأرجح أنه زوج اللواتي عرضن أنفسهن عليه من رجال آخرين ] وقد جعل الله هذه خصوصية للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] بما أنه ولي المؤمنين والمؤمنات جميعا. فأما الآخرون فهم خاضعون لما بينه الله وفرضه عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم. ذلك كي لا يكون على النبي حرج في استبقاء أزواجه وفي الاستجابة للظروف الخاصة المحيطة بشخصه.
آية رقم ٥١
هذا الشوط من السورة يتضمن في أوله حكما عاما من أحكام القرآن التشريعية في تنظيم شؤون الأسرة. ذلك حكم المطلقات قبل الدخول. يجيء بعده أحكام خاصة لتنظيم حياة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] حياته الزوجية الخاصة مع نسائه وعلاقات نسائه كذلك ببقية الرجال، وعلاقة المسلمين ببيت الرسول. وكرامة الرسول وبيته على الله وعلى ملائكته والملأ الأعلى.. وينتهي بحكم عام يشترك فيه نساء النبي وبناته ونساء المؤمنين، يأمرهن فيه بإرخاء جلابيبهن عند الخروج لقضاء الحاجة حتى يتميزن بهذا الزي السابغ ويعرفن، فلا يتعرض لهن ذوو السيرة السيئة من المنافقين والمرجفين والفساق الذين كانوا يتعرضون للنساء في المدينة ! ويختم بتهديد هؤلاء المنافقين والمرجفين بالإجلاء عن المدينة ما لم ينتهوا عن إيذاء المؤمنات وإشاعة الفساد..
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
ثم ترك الخيار له [ صلى الله عليه وسلم ] في أن يضم إلى عصمته من شاء ممن يعرضن أنفسهن عليه، أو يؤجل ذلك. ومن أرجأهن فله أن يعود إليهن حين يشاء.. وله أن يباشر من نسائه من يريد ويرجئ من يريد. ثم يعود.. ( ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن ).. فهي مراعاة الظروف الخاصة المحيطة بشخص الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] والرغبات الموجهة إليه، والحرص على شرف الاتصال به، مما يعلمه الله ويدبره بعلمه وحلمه. ( والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما ).
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
ثم ترك الخيار له [ صلى الله عليه وسلم ] في أن يضم إلى عصمته من شاء ممن يعرضن أنفسهن عليه، أو يؤجل ذلك. ومن أرجأهن فله أن يعود إليهن حين يشاء.. وله أن يباشر من نسائه من يريد ويرجئ من يريد. ثم يعود.. ( ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن ).. فهي مراعاة الظروف الخاصة المحيطة بشخص الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] والرغبات الموجهة إليه، والحرص على شرف الاتصال به، مما يعلمه الله ويدبره بعلمه وحلمه. ( والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما ).
آية رقم ٥٢
هذا الشوط من السورة يتضمن في أوله حكما عاما من أحكام القرآن التشريعية في تنظيم شؤون الأسرة. ذلك حكم المطلقات قبل الدخول. يجيء بعده أحكام خاصة لتنظيم حياة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] حياته الزوجية الخاصة مع نسائه وعلاقات نسائه كذلك ببقية الرجال، وعلاقة المسلمين ببيت الرسول. وكرامة الرسول وبيته على الله وعلى ملائكته والملأ الأعلى.. وينتهي بحكم عام يشترك فيه نساء النبي وبناته ونساء المؤمنين، يأمرهن فيه بإرخاء جلابيبهن عند الخروج لقضاء الحاجة حتى يتميزن بهذا الزي السابغ ويعرفن، فلا يتعرض لهن ذوو السيرة السيئة من المنافقين والمرجفين والفساق الذين كانوا يتعرضون للنساء في المدينة ! ويختم بتهديد هؤلاء المنافقين والمرجفين بالإجلاء عن المدينة ما لم ينتهوا عن إيذاء المؤمنات وإشاعة الفساد..
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
ثم أنزل الله تحريم من عدا نسائه اللواتي في عصمته فعلا، لا من ناحية العدد، ولكن هن بذواتهن لا يستبدل بهن غيرهن ؛ ولم يعرف أن رسول الله قد زاد عليهن قبل التحريم :
( لا يحل لك النساء من بعد، ولا أن تبدل بهن من أزواج - ولو أعجبك حسنهن )لا يستثني من ذلك - ( إلا ما ملكت يمينك ).. فله منهن ما يشاء.. ( وكان الله على كل شيء رقيبا ).. والأمر موكول إلى هذه الرقابة واستقرارها في القلوب.
وقد روت عائشة - رضي الله عنها - أن هذا التحريم قد ألغي قبل وفاة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وتركت له حرية الزواج. ولكنه [ صلى الله عليه وسلم ] لم يتزوج كذلك غيرهن بعد هذه الإباحة. فكن هن أمهات المؤمنين..
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
ثم أنزل الله تحريم من عدا نسائه اللواتي في عصمته فعلا، لا من ناحية العدد، ولكن هن بذواتهن لا يستبدل بهن غيرهن ؛ ولم يعرف أن رسول الله قد زاد عليهن قبل التحريم :
( لا يحل لك النساء من بعد، ولا أن تبدل بهن من أزواج - ولو أعجبك حسنهن )لا يستثني من ذلك - ( إلا ما ملكت يمينك ).. فله منهن ما يشاء.. ( وكان الله على كل شيء رقيبا ).. والأمر موكول إلى هذه الرقابة واستقرارها في القلوب.
وقد روت عائشة - رضي الله عنها - أن هذا التحريم قد ألغي قبل وفاة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وتركت له حرية الزواج. ولكنه [ صلى الله عليه وسلم ] لم يتزوج كذلك غيرهن بعد هذه الإباحة. فكن هن أمهات المؤمنين..
هذا الشوط من السورة يتضمن في أوله حكما عاما من أحكام القرآن التشريعية في تنظيم شؤون الأسرة. ذلك حكم المطلقات قبل الدخول. يجيء بعده أحكام خاصة لتنظيم حياة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] حياته الزوجية الخاصة مع نسائه وعلاقات نسائه كذلك ببقية الرجال، وعلاقة المسلمين ببيت الرسول. وكرامة الرسول وبيته على الله وعلى ملائكته والملأ الأعلى.. وينتهي بحكم عام يشترك فيه نساء النبي وبناته ونساء المؤمنين، يأمرهن فيه بإرخاء جلابيبهن عند الخروج لقضاء الحاجة حتى يتميزن بهذا الزي السابغ ويعرفن، فلا يتعرض لهن ذوو السيرة السيئة من المنافقين والمرجفين والفساق الذين كانوا يتعرضون للنساء في المدينة ! ويختم بتهديد هؤلاء المنافقين والمرجفين بالإجلاء عن المدينة ما لم ينتهوا عن إيذاء المؤمنات وإشاعة الفساد..
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
بعد ذلك ينظم القرآن علاقة المسلمين ببيوت النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وبنسائه - أمهات المؤمنين - في حياته وبعد وفاته كذلك. ويواجه حالة كانت واقعة، إذ كان بعض المنافقين والذين في قلوبهم مرض يؤذون النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في بيوته وفي نسائه. فيحذرهم تحذيرا شديدا، ويريهم شناعة جرمهم عند الله وبشاعته. و يهددهم بعلم الله لما يخفون في صدورهم من كيد وشر :
( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام - غير ناظرين إناه - ولكن إذا دعيتم فادخلوا، فإذا طعمتم فانتشروا. ولا مستأنسين لحديث. إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق. وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب. ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن. وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله، ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا. إن ذلكم كان عند الله عظيما. إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما )..
روى البخاري - بإسناده - عن أنس بن مالك قال : بنى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بزينب بنت جحش بخبز ولحم. فأرسلت على الطعام داعيا. فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون. ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون. فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه. فقلت : يا رسول الله ما أجد أحدا أدعوه. قال :" ارفعوا طعامكم ". وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت. فخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فانطلق إلى حجرة عائشة - رضي الله عنها - فقال " السلام عليكم - أهل البيت - ورحمة الله وبركاته ". قالت : وعليك السلام ورحمة الله. كيف وجدت أهلك يا رسول الله ؟ " بارك الله لك ". فتقرى حجر نسائه، كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن كما قالت عائشة. ثم رجع النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فإذا ثلاثة رهط في البيت يتحدثون. وكان النبي [ صلى الله عليه وسلم ] شديد الحياء. فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة. فما أدري أخبرته أم أخبر أن القوم خرجوا. فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب داخله والأخرى خارجه. أرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب.
والآية تتضمن آدابا لم تكن تعرفها الجاهلية في دخول البيوت، حتى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان الناس يدخلون البيوت بلا إذن من أصحابها - كما جاء في شرح آيات سورة النور الخاصة بالاستئذان - وربما كان هذا الحال أظهر في بيوت النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بعد أن أصبحت هذه البيوت مهبط العلم والحكمة وكان بعضهم يدخل وحين يرى طعاما يوقد عليه يجلس في انتظار نضج هذا الطعام ليأكل بدون دعوة إلى الطعام ! وكان بعضهم يجلس بعد الطعام - سواء كان قد دعي إليه أو هجم هو عليه دون دعوة - ويأخذ في الحديث والسمر غير شاعر بما يسببه هذا من إزعاج للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] وأهله. وفي رواية أن أولئك الثلاثة الرهط الذين كانوا يسمرون كانوا يفعلون هذا وعروس النبي - زينب بنت جحش - جالسة وجهها إلى الحائط ! والنبي [ صلى الله عليه وسلم ] يستحيي أن ينبههم إلى ثقلة مقامهم عنده حياء منه، ورغبة في ألا يواجه زواره بما يخجلهم ! حتى تولى الله - سبحانه - عنه الجهر بالحق ( والله لا يستحيي من الحق ).
ومما يذكر أن عمر - رضي الله عنه - بحساسيته المرهفة كان يقترح على النبي [ صلى الله عليه وسلم ] الحجاب ؛ وكان يتمناه على ربه. حتى نزل القرآن الكريم مصدقا لاقتراحه مجيبا لحساسيته !
من رواية للبخاري - بإسناده - عن أنس بن مالك. قال : قال عمر بن الخطاب : يا رسول الله. يدخل عليك البر والفاجر. فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب. فأنزل الله آية الحجاب... ؛
وجاءت هذه الآية تعلم الناس ألا يدخلوا بيوت النبي بغير إذن.. فإذا دعوا إلى الطعام دخلوا. فأما إذا لميدعوا فلا يدخلون يرتقبون نضجه ! ثم إذا طعموا خرجوا، ولم يبقوا بعد الطعام للسمر والأخذ بأطراف الحديث. وما أحوج المسلمين اليوم إلى هذا الأدب الذي يجافيه الكثيرون. فإن المدعوين إلى الطعام يتخلفون بعده، بل إنهم ليتخلفون على المائدة، ويطول بهم الحديث ؛ وأهل البيت - الذين يحتفظون ببقية من أمر الإسلام بالاحتجاب - متأذون محتبسون، والأضياف ماضون في حديثهم وفي سمرهم لا يشعرون ! وفي الأدب الإسلامي غناء وكفاء لكل حالة، لو كنا نأخذ بهذا الأدب الإلهي القويم.
ثم تقرر الآية الحجاب بين نساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] والرجال :
( وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب )..
وتقرر أن هذا الحجاب أطهر لقلوب الجميع :
( ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن )..
فلا يقل أحد غير ما قال الله. لا يقل أحد إن الاختلاط، وإزالة الحجب، والترخص في الحديث واللقاء والجلوس والمشاركة بين الجنسين أطهر للقلوب، وأعف للضمائر، وأعون على تصريف الغريزة المكبوتة، وعلى إشعار الجنسين بالأدب وترقيق المشاعر والسلوك.. إلى آخر ما يقوله نفر من خلق الله الضعاف المهازيل الجهال المحجوبين. لا يقل أحد شيئا من هذا والله يقول :( وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ).. يقول هذا عن نساء النبي الطاهرات. أمهات المؤمنين. وعن رجال الصدر الأول من صحابة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ممن لا تتطاول إليهن وإليهم الأعناق ! وحين يقول الله قولا. ويقول خلق من خلقه قولا. فالقول لله - سبحانه - وكل قول آخر هراء، لا يردده إلا من يجرؤ على القول بأن العبيد الفانين أعلم بالنفس البشرية من الخالق الباقي الذي خلق هؤلاء العبيد !
والواقع العملي الملموس يهتف بصدق الله، وكذب المدعين غير ما يقوله الله. والتجارب المعروضة اليوم في العالم مصدقة لما نقول. وهي في البلاد التي بلغ الاختلاط الحر فيها أقصاه أظهر في هذا وأقطع من كل دليل. [ وأمريكا أول هذه البلاد التي آتى الاختلاط فيها أبشع الثمار ].
وقد ذكرت الآية أن مجيئهم للطعام منتظرين نضجه من غير دعوة ؛ وبقاءهم بعد الطعام مستأنسين للحديث.. كان يؤذي النبي فيستحيي منهم. وفي ختامها تقرر أنه ما يكون للمسلمين أن يؤذوا رسول الله. وكذلك ما يكون لهم أن يتزوجوا أزواجه من بعده ؛ وهن بمنزلة أمهاتهم. ومكانهن الخاص من رسول الله يحرم أن ينكحهن أحد من بعده، احتفاظا بحرمة هذا البيت وجلاله وتفرده :
( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله، ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا )..
وقد ورد أن بعض المنافقين قال : إنه ينتظر أن يتزوج من عائشة !
( إن ذلكم كان عند الله عظيما )..
وما أهول ما يكون عند الله عظيما !
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
بعد ذلك ينظم القرآن علاقة المسلمين ببيوت النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وبنسائه - أمهات المؤمنين - في حياته وبعد وفاته كذلك. ويواجه حالة كانت واقعة، إذ كان بعض المنافقين والذين في قلوبهم مرض يؤذون النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في بيوته وفي نسائه. فيحذرهم تحذيرا شديدا، ويريهم شناعة جرمهم عند الله وبشاعته. و يهددهم بعلم الله لما يخفون في صدورهم من كيد وشر :
( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام - غير ناظرين إناه - ولكن إذا دعيتم فادخلوا، فإذا طعمتم فانتشروا. ولا مستأنسين لحديث. إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق. وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب. ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن. وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله، ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا. إن ذلكم كان عند الله عظيما. إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما )..
روى البخاري - بإسناده - عن أنس بن مالك قال : بنى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بزينب بنت جحش بخبز ولحم. فأرسلت على الطعام داعيا. فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون. ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون. فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه. فقلت : يا رسول الله ما أجد أحدا أدعوه. قال :" ارفعوا طعامكم ". وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت. فخرج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فانطلق إلى حجرة عائشة - رضي الله عنها - فقال " السلام عليكم - أهل البيت - ورحمة الله وبركاته ". قالت : وعليك السلام ورحمة الله. كيف وجدت أهلك يا رسول الله ؟ " بارك الله لك ". فتقرى حجر نسائه، كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن كما قالت عائشة. ثم رجع النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فإذا ثلاثة رهط في البيت يتحدثون. وكان النبي [ صلى الله عليه وسلم ] شديد الحياء. فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة. فما أدري أخبرته أم أخبر أن القوم خرجوا. فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب داخله والأخرى خارجه. أرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب.
والآية تتضمن آدابا لم تكن تعرفها الجاهلية في دخول البيوت، حتى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان الناس يدخلون البيوت بلا إذن من أصحابها - كما جاء في شرح آيات سورة النور الخاصة بالاستئذان - وربما كان هذا الحال أظهر في بيوت النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بعد أن أصبحت هذه البيوت مهبط العلم والحكمة وكان بعضهم يدخل وحين يرى طعاما يوقد عليه يجلس في انتظار نضج هذا الطعام ليأكل بدون دعوة إلى الطعام ! وكان بعضهم يجلس بعد الطعام - سواء كان قد دعي إليه أو هجم هو عليه دون دعوة - ويأخذ في الحديث والسمر غير شاعر بما يسببه هذا من إزعاج للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] وأهله. وفي رواية أن أولئك الثلاثة الرهط الذين كانوا يسمرون كانوا يفعلون هذا وعروس النبي - زينب بنت جحش - جالسة وجهها إلى الحائط ! والنبي [ صلى الله عليه وسلم ] يستحيي أن ينبههم إلى ثقلة مقامهم عنده حياء منه، ورغبة في ألا يواجه زواره بما يخجلهم ! حتى تولى الله - سبحانه - عنه الجهر بالحق ( والله لا يستحيي من الحق ).
ومما يذكر أن عمر - رضي الله عنه - بحساسيته المرهفة كان يقترح على النبي [ صلى الله عليه وسلم ] الحجاب ؛ وكان يتمناه على ربه. حتى نزل القرآن الكريم مصدقا لاقتراحه مجيبا لحساسيته !
من رواية للبخاري - بإسناده - عن أنس بن مالك. قال : قال عمر بن الخطاب : يا رسول الله. يدخل عليك البر والفاجر. فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب. فأنزل الله آية الحجاب... ؛
وجاءت هذه الآية تعلم الناس ألا يدخلوا بيوت النبي بغير إذن.. فإذا دعوا إلى الطعام دخلوا. فأما إذا لميدعوا فلا يدخلون يرتقبون نضجه ! ثم إذا طعموا خرجوا، ولم يبقوا بعد الطعام للسمر والأخذ بأطراف الحديث. وما أحوج المسلمين اليوم إلى هذا الأدب الذي يجافيه الكثيرون. فإن المدعوين إلى الطعام يتخلفون بعده، بل إنهم ليتخلفون على المائدة، ويطول بهم الحديث ؛ وأهل البيت - الذين يحتفظون ببقية من أمر الإسلام بالاحتجاب - متأذون محتبسون، والأضياف ماضون في حديثهم وفي سمرهم لا يشعرون ! وفي الأدب الإسلامي غناء وكفاء لكل حالة، لو كنا نأخذ بهذا الأدب الإلهي القويم.
ثم تقرر الآية الحجاب بين نساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] والرجال :
( وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب )..
وتقرر أن هذا الحجاب أطهر لقلوب الجميع :
( ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن )..
فلا يقل أحد غير ما قال الله. لا يقل أحد إن الاختلاط، وإزالة الحجب، والترخص في الحديث واللقاء والجلوس والمشاركة بين الجنسين أطهر للقلوب، وأعف للضمائر، وأعون على تصريف الغريزة المكبوتة، وعلى إشعار الجنسين بالأدب وترقيق المشاعر والسلوك.. إلى آخر ما يقوله نفر من خلق الله الضعاف المهازيل الجهال المحجوبين. لا يقل أحد شيئا من هذا والله يقول :( وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ).. يقول هذا عن نساء النبي الطاهرات. أمهات المؤمنين. وعن رجال الصدر الأول من صحابة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ممن لا تتطاول إليهن وإليهم الأعناق ! وحين يقول الله قولا. ويقول خلق من خلقه قولا. فالقول لله - سبحانه - وكل قول آخر هراء، لا يردده إلا من يجرؤ على القول بأن العبيد الفانين أعلم بالنفس البشرية من الخالق الباقي الذي خلق هؤلاء العبيد !
والواقع العملي الملموس يهتف بصدق الله، وكذب المدعين غير ما يقوله الله. والتجارب المعروضة اليوم في العالم مصدقة لما نقول. وهي في البلاد التي بلغ الاختلاط الحر فيها أقصاه أظهر في هذا وأقطع من كل دليل. [ وأمريكا أول هذه البلاد التي آتى الاختلاط فيها أبشع الثمار ].
وقد ذكرت الآية أن مجيئهم للطعام منتظرين نضجه من غير دعوة ؛ وبقاءهم بعد الطعام مستأنسين للحديث.. كان يؤذي النبي فيستحيي منهم. وفي ختامها تقرر أنه ما يكون للمسلمين أن يؤذوا رسول الله. وكذلك ما يكون لهم أن يتزوجوا أزواجه من بعده ؛ وهن بمنزلة أمهاتهم. ومكانهن الخاص من رسول الله يحرم أن ينكحهن أحد من بعده، احتفاظا بحرمة هذا البيت وجلاله وتفرده :
( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله، ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا )..
وقد ورد أن بعض المنافقين قال : إنه ينتظر أن يتزوج من عائشة !
( إن ذلكم كان عند الله عظيما )..
وما أهول ما يكون عند الله عظيما !
آية رقم ٥٤
هذا الشوط من السورة يتضمن في أوله حكما عاما من أحكام القرآن التشريعية في تنظيم شؤون الأسرة. ذلك حكم المطلقات قبل الدخول. يجيء بعده أحكام خاصة لتنظيم حياة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] حياته الزوجية الخاصة مع نسائه وعلاقات نسائه كذلك ببقية الرجال، وعلاقة المسلمين ببيت الرسول. وكرامة الرسول وبيته على الله وعلى ملائكته والملأ الأعلى.. وينتهي بحكم عام يشترك فيه نساء النبي وبناته ونساء المؤمنين، يأمرهن فيه بإرخاء جلابيبهن عند الخروج لقضاء الحاجة حتى يتميزن بهذا الزي السابغ ويعرفن، فلا يتعرض لهن ذوو السيرة السيئة من المنافقين والمرجفين والفساق الذين كانوا يتعرضون للنساء في المدينة ! ويختم بتهديد هؤلاء المنافقين والمرجفين بالإجلاء عن المدينة ما لم ينتهوا عن إيذاء المؤمنات وإشاعة الفساد..
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
ولا يقف السياق عند هذا الإنذار الهائل، بل يستطرد إلى تهديد آخر هائل :
( إن تبدوا شيئا أو تخفوه، فإن الله كان بكل شيء عليما )..
وإذن فالله هو الذي يتولى الأمر. وهو عالم بما يبدو وما يخفى، مطلع على كل تفكير وكل تدبير. والأمر عنده عظيم. ومن شاء فليتعرض. فإنما يتعرض لبأس الله الساحق الهائل العظيم.
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
ولا يقف السياق عند هذا الإنذار الهائل، بل يستطرد إلى تهديد آخر هائل :
( إن تبدوا شيئا أو تخفوه، فإن الله كان بكل شيء عليما )..
وإذن فالله هو الذي يتولى الأمر. وهو عالم بما يبدو وما يخفى، مطلع على كل تفكير وكل تدبير. والأمر عنده عظيم. ومن شاء فليتعرض. فإنما يتعرض لبأس الله الساحق الهائل العظيم.
آية رقم ٥٥
هذا الشوط من السورة يتضمن في أوله حكما عاما من أحكام القرآن التشريعية في تنظيم شؤون الأسرة. ذلك حكم المطلقات قبل الدخول. يجيء بعده أحكام خاصة لتنظيم حياة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] حياته الزوجية الخاصة مع نسائه وعلاقات نسائه كذلك ببقية الرجال، وعلاقة المسلمين ببيت الرسول. وكرامة الرسول وبيته على الله وعلى ملائكته والملأ الأعلى.. وينتهي بحكم عام يشترك فيه نساء النبي وبناته ونساء المؤمنين، يأمرهن فيه بإرخاء جلابيبهن عند الخروج لقضاء الحاجة حتى يتميزن بهذا الزي السابغ ويعرفن، فلا يتعرض لهن ذوو السيرة السيئة من المنافقين والمرجفين والفساق الذين كانوا يتعرضون للنساء في المدينة ! ويختم بتهديد هؤلاء المنافقين والمرجفين بالإجلاء عن المدينة ما لم ينتهوا عن إيذاء المؤمنات وإشاعة الفساد..
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
وبعد الإنذار والتهديد يعود السياق إلى استثناء بعض المحارم الذين لا حرج على نساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في أن يظهرن عليهم :
( لا جناح عليهن في آبائهن، ولا أبنائهن، ولا إخوانهن، ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن، ولا نسائهن، ولا ما ملكت أيمانهن. واتقين الله. إن الله كان على كل شيء شهيدا )..
وهؤلاء المحارم هم الذين أبيح لنساء المسلمين عامة أن يظهرن عليهم.. ولم أستطع أن أتحقق أي الآيات كان أسبق في النزول ؛ الآية الخاصة بنساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] هنا، أم الآية العامة لنساء المسلمين جميعا في سورة النور. والأرجح أن الأمر كان خاصا بنساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ثم عمم. فذلك هو الأقرب إلى طبيعة التكليف. و لا يفوتنا أن نلحظ هذا التوجيه إلى تقوى الله، والإشارة إلى اطلاعه على كل شيء :( واتقين الله، إن الله كان على كل شيء شهيدا ). فالإيحاء بالتقوى ومراقبة الله يطرد في مثل هذه المواضع، لأن التقوى هي الضمان الأول والأخير، وهي الرقيب اليقظ الساهر على القلوب.
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
وبعد الإنذار والتهديد يعود السياق إلى استثناء بعض المحارم الذين لا حرج على نساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في أن يظهرن عليهم :
( لا جناح عليهن في آبائهن، ولا أبنائهن، ولا إخوانهن، ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن، ولا نسائهن، ولا ما ملكت أيمانهن. واتقين الله. إن الله كان على كل شيء شهيدا )..
وهؤلاء المحارم هم الذين أبيح لنساء المسلمين عامة أن يظهرن عليهم.. ولم أستطع أن أتحقق أي الآيات كان أسبق في النزول ؛ الآية الخاصة بنساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] هنا، أم الآية العامة لنساء المسلمين جميعا في سورة النور. والأرجح أن الأمر كان خاصا بنساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ثم عمم. فذلك هو الأقرب إلى طبيعة التكليف. و لا يفوتنا أن نلحظ هذا التوجيه إلى تقوى الله، والإشارة إلى اطلاعه على كل شيء :( واتقين الله، إن الله كان على كل شيء شهيدا ). فالإيحاء بالتقوى ومراقبة الله يطرد في مثل هذه المواضع، لأن التقوى هي الضمان الأول والأخير، وهي الرقيب اليقظ الساهر على القلوب.
آية رقم ٥٦
هذا الشوط من السورة يتضمن في أوله حكما عاما من أحكام القرآن التشريعية في تنظيم شؤون الأسرة. ذلك حكم المطلقات قبل الدخول. يجيء بعده أحكام خاصة لتنظيم حياة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] حياته الزوجية الخاصة مع نسائه وعلاقات نسائه كذلك ببقية الرجال، وعلاقة المسلمين ببيت الرسول. وكرامة الرسول وبيته على الله وعلى ملائكته والملأ الأعلى.. وينتهي بحكم عام يشترك فيه نساء النبي وبناته ونساء المؤمنين، يأمرهن فيه بإرخاء جلابيبهن عند الخروج لقضاء الحاجة حتى يتميزن بهذا الزي السابغ ويعرفن، فلا يتعرض لهن ذوو السيرة السيئة من المنافقين والمرجفين والفساق الذين كانوا يتعرضون للنساء في المدينة ! ويختم بتهديد هؤلاء المنافقين والمرجفين بالإجلاء عن المدينة ما لم ينتهوا عن إيذاء المؤمنات وإشاعة الفساد..
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
ويستمر السياق في تحذير الذين يؤذون النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في نفسه أو في أهله ؛ وفي تفظيع الفعلة التي يقدمون عليها.. وذلك عن طريقين : الطريق الأولى تمجيد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وبيان مكانته عند ربه وفي الملأ الأعلى. والطريق الثانية تقرير أن إيذاءه إيذاء لله - سبحانه - وجزاؤه عند الله الطرد من رحمته في الدنيا والآخرة، والعذاب الذي يناسب الفعلة الشنيعة :( إن الله وملائكته يصلون على النبي. يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما. إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا )..
وصلاة الله على النبي ذكره بالثناء في الملأ الأعلى ؛ وصلاة ملائكته دعاؤهم له عند الله سبحانه وتعالى. ويا لها من مرتبة سنية حيث تردد جنبات الوجود ثناء الله على نبيه ؛ ويشرق به الكون كله وتتجاوب به أرجاؤه. ويثبت في كيان الوجود ذلك الثناء الأزلي القديم الأبدي الباقي. وما من نعمة ولا تكريم بعد هذه النعمة وهذا التكريم. وأين تذهب صلاة البشر وتسليمهم بعد صلاة الله العلي وتسليمه، وصلاة الملائكة في الملأ الأعلى وتسليمهم ؛ إنما يشاء الله تشريف المؤمنين بأن يقرن صلاتهم إلى صلاته وتسليمهم إلى تسليمه ؛ وأن يصلهم عن هذا الطريق بالأفق العلوي الكريم الأزلي القديم.
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
ويستمر السياق في تحذير الذين يؤذون النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في نفسه أو في أهله ؛ وفي تفظيع الفعلة التي يقدمون عليها.. وذلك عن طريقين : الطريق الأولى تمجيد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وبيان مكانته عند ربه وفي الملأ الأعلى. والطريق الثانية تقرير أن إيذاءه إيذاء لله - سبحانه - وجزاؤه عند الله الطرد من رحمته في الدنيا والآخرة، والعذاب الذي يناسب الفعلة الشنيعة :( إن الله وملائكته يصلون على النبي. يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما. إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا )..
وصلاة الله على النبي ذكره بالثناء في الملأ الأعلى ؛ وصلاة ملائكته دعاؤهم له عند الله سبحانه وتعالى. ويا لها من مرتبة سنية حيث تردد جنبات الوجود ثناء الله على نبيه ؛ ويشرق به الكون كله وتتجاوب به أرجاؤه. ويثبت في كيان الوجود ذلك الثناء الأزلي القديم الأبدي الباقي. وما من نعمة ولا تكريم بعد هذه النعمة وهذا التكريم. وأين تذهب صلاة البشر وتسليمهم بعد صلاة الله العلي وتسليمه، وصلاة الملائكة في الملأ الأعلى وتسليمهم ؛ إنما يشاء الله تشريف المؤمنين بأن يقرن صلاتهم إلى صلاته وتسليمهم إلى تسليمه ؛ وأن يصلهم عن هذا الطريق بالأفق العلوي الكريم الأزلي القديم.
آية رقم ٥٧
هذا الشوط من السورة يتضمن في أوله حكما عاما من أحكام القرآن التشريعية في تنظيم شؤون الأسرة. ذلك حكم المطلقات قبل الدخول. يجيء بعده أحكام خاصة لتنظيم حياة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] حياته الزوجية الخاصة مع نسائه وعلاقات نسائه كذلك ببقية الرجال، وعلاقة المسلمين ببيت الرسول. وكرامة الرسول وبيته على الله وعلى ملائكته والملأ الأعلى.. وينتهي بحكم عام يشترك فيه نساء النبي وبناته ونساء المؤمنين، يأمرهن فيه بإرخاء جلابيبهن عند الخروج لقضاء الحاجة حتى يتميزن بهذا الزي السابغ ويعرفن، فلا يتعرض لهن ذوو السيرة السيئة من المنافقين والمرجفين والفساق الذين كانوا يتعرضون للنساء في المدينة ! ويختم بتهديد هؤلاء المنافقين والمرجفين بالإجلاء عن المدينة ما لم ينتهوا عن إيذاء المؤمنات وإشاعة الفساد..
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
وفي ظل هذا التمجيد الإلهي يبدو إيذاء الناس للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] بشعا شنيعا ملعونا قبيحا :( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة، وأعد لهم عذابا مهينا ).. ويزيده بشاعة وشناعة أنه إيذاء لله من عبيده ومخاليقه. وهم لا يبلغون أن يؤذوا الله. إنما هذا التعبير يصور الحساسية بإيذاء رسوله، وكأنما هو إيذاء لذاته جل وعلا. فما أفظع ! وما أبشع ! وما أشنع !
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
وفي ظل هذا التمجيد الإلهي يبدو إيذاء الناس للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] بشعا شنيعا ملعونا قبيحا :( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة، وأعد لهم عذابا مهينا ).. ويزيده بشاعة وشناعة أنه إيذاء لله من عبيده ومخاليقه. وهم لا يبلغون أن يؤذوا الله. إنما هذا التعبير يصور الحساسية بإيذاء رسوله، وكأنما هو إيذاء لذاته جل وعلا. فما أفظع ! وما أبشع ! وما أشنع !
آية رقم ٥٨
هذا الشوط من السورة يتضمن في أوله حكما عاما من أحكام القرآن التشريعية في تنظيم شؤون الأسرة. ذلك حكم المطلقات قبل الدخول. يجيء بعده أحكام خاصة لتنظيم حياة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] حياته الزوجية الخاصة مع نسائه وعلاقات نسائه كذلك ببقية الرجال، وعلاقة المسلمين ببيت الرسول. وكرامة الرسول وبيته على الله وعلى ملائكته والملأ الأعلى.. وينتهي بحكم عام يشترك فيه نساء النبي وبناته ونساء المؤمنين، يأمرهن فيه بإرخاء جلابيبهن عند الخروج لقضاء الحاجة حتى يتميزن بهذا الزي السابغ ويعرفن، فلا يتعرض لهن ذوو السيرة السيئة من المنافقين والمرجفين والفساق الذين كانوا يتعرضون للنساء في المدينة ! ويختم بتهديد هؤلاء المنافقين والمرجفين بالإجلاء عن المدينة ما لم ينتهوا عن إيذاء المؤمنات وإشاعة الفساد..
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
ويستطرد كذلك إلى إيذاء المؤمنين والمؤمنات عامة. إيذاؤهم كذبا وبهتانا، بنسبة ما ليس فيهم إليهم من النقائص والعيوب :
( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا )..
وهذا التشديد يشي بأنه كان في المدينة يومذاك فريق يتولى هذا الكيد للمؤمنين والمؤمنات، بنشر قالة السوء عنهم، وتدبير المؤامرات لهم، وإشاعة التهم ضدهم. وهو عام في كل زمان وفي كل مكان. والمؤمنون والمؤمنات عرضة لمثل هذا الكيد في كل بيئة من الأشرار المنحرفين، والمنافقين، والذين في قلوبهم مرض. والله يتولى عنهم الرد على ذلك الكيد، ويصم أعداءهم بالإثم والبهتان. وهو أصدق القائلين.
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
ويستطرد كذلك إلى إيذاء المؤمنين والمؤمنات عامة. إيذاؤهم كذبا وبهتانا، بنسبة ما ليس فيهم إليهم من النقائص والعيوب :
( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا، فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا )..
وهذا التشديد يشي بأنه كان في المدينة يومذاك فريق يتولى هذا الكيد للمؤمنين والمؤمنات، بنشر قالة السوء عنهم، وتدبير المؤامرات لهم، وإشاعة التهم ضدهم. وهو عام في كل زمان وفي كل مكان. والمؤمنون والمؤمنات عرضة لمثل هذا الكيد في كل بيئة من الأشرار المنحرفين، والمنافقين، والذين في قلوبهم مرض. والله يتولى عنهم الرد على ذلك الكيد، ويصم أعداءهم بالإثم والبهتان. وهو أصدق القائلين.
آية رقم ٥٩
هذا الشوط من السورة يتضمن في أوله حكما عاما من أحكام القرآن التشريعية في تنظيم شؤون الأسرة. ذلك حكم المطلقات قبل الدخول. يجيء بعده أحكام خاصة لتنظيم حياة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] حياته الزوجية الخاصة مع نسائه وعلاقات نسائه كذلك ببقية الرجال، وعلاقة المسلمين ببيت الرسول. وكرامة الرسول وبيته على الله وعلى ملائكته والملأ الأعلى.. وينتهي بحكم عام يشترك فيه نساء النبي وبناته ونساء المؤمنين، يأمرهن فيه بإرخاء جلابيبهن عند الخروج لقضاء الحاجة حتى يتميزن بهذا الزي السابغ ويعرفن، فلا يتعرض لهن ذوو السيرة السيئة من المنافقين والمرجفين والفساق الذين كانوا يتعرضون للنساء في المدينة ! ويختم بتهديد هؤلاء المنافقين والمرجفين بالإجلاء عن المدينة ما لم ينتهوا عن إيذاء المؤمنات وإشاعة الفساد..
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
ثم أمر الله نبيه [ صلى الله عليه وسلم ] أن يأمر نساءه وبناته ونساء المؤمنين عامة - إذا خرجن لحاجتهن أن يغطين أجسامهن ورؤوسهن وجيوبهن - وهي فتحة الصدر من الثوب - بجلباب كاس. فيميزهن هذا الزي، ويجعلهن في مأمن من معابثة الفساق. فإن معرفتهن وحشمتهن معا تلقيان الخجل والتحرج في نفوس الذين كانوا يتتبعون النساء لمعابثتهن :( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن. ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين. وكان الله غفورا رحيما )..
قال السدي في هذه الآية : كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طريق المدينة فيعرضون للنساء. وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة، فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطريق يقضين حاجتهن، فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن. فإذا رأوا المرأة عليها جلباب. قالوا : هذه حرة. فكفوا عنها. وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب قالوا : هذه أمة فوثبوا عليها..
وقال مجاهد : يتجلببن فيعلم أنهن حرائر، فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة. وقوله تعالى :( وكان الله غفورا رحيما )أي لما سلف في أيام الجاهلية حيث لم يكن عندهن علم بذلك.
ومن ذلك نرى الجهد المستمر في تطهير البيئة العربية، والتوجيه المطرد لإزالة كل أسباب الفتنة والفوضى، وحصرها في أضيق نطاق، ريثما تسيطر التقاليد الإسلامية على الجماعة كلها وتحكمها.
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
ثم أمر الله نبيه [ صلى الله عليه وسلم ] أن يأمر نساءه وبناته ونساء المؤمنين عامة - إذا خرجن لحاجتهن أن يغطين أجسامهن ورؤوسهن وجيوبهن - وهي فتحة الصدر من الثوب - بجلباب كاس. فيميزهن هذا الزي، ويجعلهن في مأمن من معابثة الفساق. فإن معرفتهن وحشمتهن معا تلقيان الخجل والتحرج في نفوس الذين كانوا يتتبعون النساء لمعابثتهن :( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن. ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين. وكان الله غفورا رحيما )..
قال السدي في هذه الآية : كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طريق المدينة فيعرضون للنساء. وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة، فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطريق يقضين حاجتهن، فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن. فإذا رأوا المرأة عليها جلباب. قالوا : هذه حرة. فكفوا عنها. وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب قالوا : هذه أمة فوثبوا عليها..
وقال مجاهد : يتجلببن فيعلم أنهن حرائر، فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة. وقوله تعالى :( وكان الله غفورا رحيما )أي لما سلف في أيام الجاهلية حيث لم يكن عندهن علم بذلك.
ومن ذلك نرى الجهد المستمر في تطهير البيئة العربية، والتوجيه المطرد لإزالة كل أسباب الفتنة والفوضى، وحصرها في أضيق نطاق، ريثما تسيطر التقاليد الإسلامية على الجماعة كلها وتحكمها.
آية رقم ٦٠
هذا الشوط من السورة يتضمن في أوله حكما عاما من أحكام القرآن التشريعية في تنظيم شؤون الأسرة. ذلك حكم المطلقات قبل الدخول. يجيء بعده أحكام خاصة لتنظيم حياة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] حياته الزوجية الخاصة مع نسائه وعلاقات نسائه كذلك ببقية الرجال، وعلاقة المسلمين ببيت الرسول. وكرامة الرسول وبيته على الله وعلى ملائكته والملأ الأعلى.. وينتهي بحكم عام يشترك فيه نساء النبي وبناته ونساء المؤمنين، يأمرهن فيه بإرخاء جلابيبهن عند الخروج لقضاء الحاجة حتى يتميزن بهذا الزي السابغ ويعرفن، فلا يتعرض لهن ذوو السيرة السيئة من المنافقين والمرجفين والفساق الذين كانوا يتعرضون للنساء في المدينة ! ويختم بتهديد هؤلاء المنافقين والمرجفين بالإجلاء عن المدينة ما لم ينتهوا عن إيذاء المؤمنات وإشاعة الفساد..
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
وفي النهاية يأتي تهديد المنافقين ومرضى القلوب والمرجفين الذي ينشرون الشائعات المزلزلة في صفوف الجماعة المسلمة.. تهديدهم القوي الحاسم، بأنهم إذا لم يرتدعوا عما يأتونه من هذا كله، وينتهوا عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات، والجماعة المسلمة كلها، أن يسلط الله عليهم نبيه، كما سلطه على اليهود من قبل، فيطهر منهم جو المدينة، ويطاردهم من الأرض ؛ و يبيح دمهم فحيثما وجدوا أخذوا وقتلوا. كما جرت سنة الله فيمن قبلهم من اليهود على يد النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وغير اليهود من المفسدين في الأرض في القرون الخالية :
( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم، ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ؛ ملعونين، أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا. سنة الله في الذين خلوا من قبل. ولن تجد لسنة الله تبديلا )..
ومن هذا التهديد الحاسم ندرك مدى قوة المسلمين في المدينة بعد بني قريظة، ومدى سيطرة الدولة الإسلامية عليها. وانزواء المنافقين إلا فيما يدبرونه من كيد خفي، لا يقدرون على الظهور ؛ إلا وهم مهددون خائفون.
وهذه التشريعات والتوجيهات طرف من إعادة تنظيم الجماعة المسلمة على أساس التصور الإسلامي. فأما ما يختص بحياة الرسول الشخصية، فقد شاء الله أن يجعل حياة هذا البيت صفحة معروضة للأجيال، فضمنها هذا القرآن الباقي، المتلو في كل زمان ومكان ؛ وهي في الوقت ذاته آية تكريم الله - سبحانه - لهذا البيت، الذي يتولى بذاته العلية أمره، ويعرضه للبشرية كافة في قرآنه الخالد على الزمان..
وفي النهاية يأتي تهديد المنافقين ومرضى القلوب والمرجفين الذي ينشرون الشائعات المزلزلة في صفوف الجماعة المسلمة.. تهديدهم القوي الحاسم، بأنهم إذا لم يرتدعوا عما يأتونه من هذا كله، وينتهوا عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات، والجماعة المسلمة كلها، أن يسلط الله عليهم نبيه، كما سلطه على اليهود من قبل، فيطهر منهم جو المدينة، ويطاردهم من الأرض ؛ و يبيح دمهم فحيثما وجدوا أخذوا وقتلوا. كما جرت سنة الله فيمن قبلهم من اليهود على يد النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وغير اليهود من المفسدين في الأرض في القرون الخالية :
( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم، ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ؛ ملعونين، أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا. سنة الله في الذين خلوا من قبل. ولن تجد لسنة الله تبديلا )..
ومن هذا التهديد الحاسم ندرك مدى قوة المسلمين في المدينة بعد بني قريظة، ومدى سيطرة الدولة الإسلامية عليها. وانزواء المنافقين إلا فيما يدبرونه من كيد خفي، لا يقدرون على الظهور ؛ إلا وهم مهددون خائفون.
آية رقم ٦١
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٠:م٤٩
وفي النهاية يأتي تهديد المنافقين ومرضى القلوب والمرجفين الذي ينشرون الشائعات المزلزلة في صفوف الجماعة المسلمة.. تهديدهم القوي الحاسم، بأنهم إذا لم يرتدعوا عما يأتونه من هذا كله، وينتهوا عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات، والجماعة المسلمة كلها، أن يسلط الله عليهم نبيه، كما سلطه على اليهود من قبل، فيطهر منهم جو المدينة، ويطاردهم من الأرض ؛ و يبيح دمهم فحيثما وجدوا أخذوا وقتلوا. كما جرت سنة الله فيمن قبلهم من اليهود على يد النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وغير اليهود من المفسدين في الأرض في القرون الخالية :
( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم، ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ؛ ملعونين، أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا. سنة الله في الذين خلوا من قبل. ولن تجد لسنة الله تبديلا )..
ومن هذا التهديد الحاسم ندرك مدى قوة المسلمين في المدينة بعد بني قريظة، ومدى سيطرة الدولة الإسلامية عليها. وانزواء المنافقين إلا فيما يدبرونه من كيد خفي، لا يقدرون على الظهور ؛ إلا وهم مهددون خائفون.
وفي النهاية يأتي تهديد المنافقين ومرضى القلوب والمرجفين الذي ينشرون الشائعات المزلزلة في صفوف الجماعة المسلمة.. تهديدهم القوي الحاسم، بأنهم إذا لم يرتدعوا عما يأتونه من هذا كله، وينتهوا عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات، والجماعة المسلمة كلها، أن يسلط الله عليهم نبيه، كما سلطه على اليهود من قبل، فيطهر منهم جو المدينة، ويطاردهم من الأرض ؛ و يبيح دمهم فحيثما وجدوا أخذوا وقتلوا. كما جرت سنة الله فيمن قبلهم من اليهود على يد النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وغير اليهود من المفسدين في الأرض في القرون الخالية :
( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم، ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ؛ ملعونين، أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا. سنة الله في الذين خلوا من قبل. ولن تجد لسنة الله تبديلا )..
ومن هذا التهديد الحاسم ندرك مدى قوة المسلمين في المدينة بعد بني قريظة، ومدى سيطرة الدولة الإسلامية عليها. وانزواء المنافقين إلا فيما يدبرونه من كيد خفي، لا يقدرون على الظهور ؛ إلا وهم مهددون خائفون.
آية رقم ٦٢
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٠:م٤٩
وفي النهاية يأتي تهديد المنافقين ومرضى القلوب والمرجفين الذي ينشرون الشائعات المزلزلة في صفوف الجماعة المسلمة.. تهديدهم القوي الحاسم، بأنهم إذا لم يرتدعوا عما يأتونه من هذا كله، وينتهوا عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات، والجماعة المسلمة كلها، أن يسلط الله عليهم نبيه، كما سلطه على اليهود من قبل، فيطهر منهم جو المدينة، ويطاردهم من الأرض ؛ و يبيح دمهم فحيثما وجدوا أخذوا وقتلوا. كما جرت سنة الله فيمن قبلهم من اليهود على يد النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وغير اليهود من المفسدين في الأرض في القرون الخالية :
( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم، ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ؛ ملعونين، أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا. سنة الله في الذين خلوا من قبل. ولن تجد لسنة الله تبديلا )..
ومن هذا التهديد الحاسم ندرك مدى قوة المسلمين في المدينة بعد بني قريظة، ومدى سيطرة الدولة الإسلامية عليها. وانزواء المنافقين إلا فيما يدبرونه من كيد خفي، لا يقدرون على الظهور ؛ إلا وهم مهددون خائفون.
وفي النهاية يأتي تهديد المنافقين ومرضى القلوب والمرجفين الذي ينشرون الشائعات المزلزلة في صفوف الجماعة المسلمة.. تهديدهم القوي الحاسم، بأنهم إذا لم يرتدعوا عما يأتونه من هذا كله، وينتهوا عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات، والجماعة المسلمة كلها، أن يسلط الله عليهم نبيه، كما سلطه على اليهود من قبل، فيطهر منهم جو المدينة، ويطاردهم من الأرض ؛ و يبيح دمهم فحيثما وجدوا أخذوا وقتلوا. كما جرت سنة الله فيمن قبلهم من اليهود على يد النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وغير اليهود من المفسدين في الأرض في القرون الخالية :
( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم، ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ؛ ملعونين، أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا. سنة الله في الذين خلوا من قبل. ولن تجد لسنة الله تبديلا )..
ومن هذا التهديد الحاسم ندرك مدى قوة المسلمين في المدينة بعد بني قريظة، ومدى سيطرة الدولة الإسلامية عليها. وانزواء المنافقين إلا فيما يدبرونه من كيد خفي، لا يقدرون على الظهور ؛ إلا وهم مهددون خائفون.
آية رقم ٦٣
في هذا الدرس الأخير من السورة حديث عن سؤال الناس عن الساعة، واستعجالهم بها، وشكهم فيها. وجواب عن هذا السؤال يدع أمرها إلى الله، مع تحذيرهم من قربها، واحتمال أن تأخذهم على غرة أخذا سريعا. ثم يعرض السياق مشهدا من مشاهد الساعة لا يسر المستعجلين بها، يوم تقلب وجوههم في النار. ويوم يندمون على عدم طاعة الله ورسوله. ويوم يطلبون لسادتهم وكبرائهم ضعفين من العذاب. وهو مشهد مفجع لا يستعجل به مستعجل.. ثم يعود بهم من هذا المشهد في الاخرة إلى هذه الأرض مرة أخرى ! يعود ليحذر الذين آمنوا أن يكونوا كقوم موسى الذين آذوه واتهموه فبرأه الله مما قالوا - ويبدو أن هذا كان ردا على أمر واقع. ربما كان هو حديث بعضهم عن زواج الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بزينب، ومخالفته لمألوف العرب - ويدعو المؤمنين أن يقولوا قولا سديدا بعيدا عن اللمز والعيب. ليصلح الله لهم أعمالهم ويغفر لهم ذنوبهم. ويحببهم في طاعة الله ورسوله ويعدهم عليها الفوز العظيم.
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
آية رقم ٦٤
في هذا الدرس الأخير من السورة حديث عن سؤال الناس عن الساعة، واستعجالهم بها، وشكهم فيها. وجواب عن هذا السؤال يدع أمرها إلى الله، مع تحذيرهم من قربها، واحتمال أن تأخذهم على غرة أخذا سريعا. ثم يعرض السياق مشهدا من مشاهد الساعة لا يسر المستعجلين بها، يوم تقلب وجوههم في النار. ويوم يندمون على عدم طاعة الله ورسوله. ويوم يطلبون لسادتهم وكبرائهم ضعفين من العذاب. وهو مشهد مفجع لا يستعجل به مستعجل.. ثم يعود بهم من هذا المشهد في الاخرة إلى هذه الأرض مرة أخرى ! يعود ليحذر الذين آمنوا أن يكونوا كقوم موسى الذين آذوه واتهموه فبرأه الله مما قالوا - ويبدو أن هذا كان ردا على أمر واقع. ربما كان هو حديث بعضهم عن زواج الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بزينب، ومخالفته لمألوف العرب - ويدعو المؤمنين أن يقولوا قولا سديدا بعيدا عن اللمز والعيب. ليصلح الله لهم أعمالهم ويغفر لهم ذنوبهم. ويحببهم في طاعة الله ورسوله ويعدهم عليها الفوز العظيم.
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا، خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا، يوم تقلب وجوهم في النار، يقولون : يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا. وقالوا : ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا، فأضلونا السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا..
إنهم يسألون عن الساعة. فهذا مشهد من مشاهد الساعة :
( إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا )..
إن الله طرد الكافرين من رحمته، وهيأ لهم نارا مسعرة متوقدة، فهي معدة جاهزة حاضرة.
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا، خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا، يوم تقلب وجوهم في النار، يقولون : يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا. وقالوا : ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا، فأضلونا السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا..
إنهم يسألون عن الساعة. فهذا مشهد من مشاهد الساعة :
( إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا )..
إن الله طرد الكافرين من رحمته، وهيأ لهم نارا مسعرة متوقدة، فهي معدة جاهزة حاضرة.
آية رقم ٦٥
في هذا الدرس الأخير من السورة حديث عن سؤال الناس عن الساعة، واستعجالهم بها، وشكهم فيها. وجواب عن هذا السؤال يدع أمرها إلى الله، مع تحذيرهم من قربها، واحتمال أن تأخذهم على غرة أخذا سريعا. ثم يعرض السياق مشهدا من مشاهد الساعة لا يسر المستعجلين بها، يوم تقلب وجوههم في النار. ويوم يندمون على عدم طاعة الله ورسوله. ويوم يطلبون لسادتهم وكبرائهم ضعفين من العذاب. وهو مشهد مفجع لا يستعجل به مستعجل.. ثم يعود بهم من هذا المشهد في الاخرة إلى هذه الأرض مرة أخرى ! يعود ليحذر الذين آمنوا أن يكونوا كقوم موسى الذين آذوه واتهموه فبرأه الله مما قالوا - ويبدو أن هذا كان ردا على أمر واقع. ربما كان هو حديث بعضهم عن زواج الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بزينب، ومخالفته لمألوف العرب - ويدعو المؤمنين أن يقولوا قولا سديدا بعيدا عن اللمز والعيب. ليصلح الله لهم أعمالهم ويغفر لهم ذنوبهم. ويحببهم في طاعة الله ورسوله ويعدهم عليها الفوز العظيم.
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
( خالدين فيها أبدا )..
باقين فيها عهدا طويلا، لا يعلم مداه إلا الله ؛ ولا نهاية له إلا في علم الله، حيث يشاء الله. وهم مجردون من كل عون، محرومون من كل نصير، فلا أمل في الخلاص من هذا السعير، بمعونة من ولي ولا نصير :
( لا يجدون وليا ولا نصيرا )..
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
( خالدين فيها أبدا )..
باقين فيها عهدا طويلا، لا يعلم مداه إلا الله ؛ ولا نهاية له إلا في علم الله، حيث يشاء الله. وهم مجردون من كل عون، محرومون من كل نصير، فلا أمل في الخلاص من هذا السعير، بمعونة من ولي ولا نصير :
( لا يجدون وليا ولا نصيرا )..
آية رقم ٦٦
في هذا الدرس الأخير من السورة حديث عن سؤال الناس عن الساعة، واستعجالهم بها، وشكهم فيها. وجواب عن هذا السؤال يدع أمرها إلى الله، مع تحذيرهم من قربها، واحتمال أن تأخذهم على غرة أخذا سريعا. ثم يعرض السياق مشهدا من مشاهد الساعة لا يسر المستعجلين بها، يوم تقلب وجوههم في النار. ويوم يندمون على عدم طاعة الله ورسوله. ويوم يطلبون لسادتهم وكبرائهم ضعفين من العذاب. وهو مشهد مفجع لا يستعجل به مستعجل.. ثم يعود بهم من هذا المشهد في الاخرة إلى هذه الأرض مرة أخرى ! يعود ليحذر الذين آمنوا أن يكونوا كقوم موسى الذين آذوه واتهموه فبرأه الله مما قالوا - ويبدو أن هذا كان ردا على أمر واقع. ربما كان هو حديث بعضهم عن زواج الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بزينب، ومخالفته لمألوف العرب - ويدعو المؤمنين أن يقولوا قولا سديدا بعيدا عن اللمز والعيب. ليصلح الله لهم أعمالهم ويغفر لهم ذنوبهم. ويحببهم في طاعة الله ورسوله ويعدهم عليها الفوز العظيم.
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
أما مشهدهم في هذا العذاب فهو مشهد بائس أليم :
( يوم تقلب وجوههم في النار )..
والنار تغشاهم من كل جهة، فالتعبير على هذا النحو يراد به تصوير الحركة وتجسيمها، والحرص على أن تصل النار إلى كل صفحة من صفحات وجوههم زيادة في النكال !
( يقولون : يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا )..
وهي أمنية ضائعة، لا موضع لها ولا استجابة، فقد فات الأوان. إنما هي الحسرة على ما كان !
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
أما مشهدهم في هذا العذاب فهو مشهد بائس أليم :
( يوم تقلب وجوههم في النار )..
والنار تغشاهم من كل جهة، فالتعبير على هذا النحو يراد به تصوير الحركة وتجسيمها، والحرص على أن تصل النار إلى كل صفحة من صفحات وجوههم زيادة في النكال !
( يقولون : يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا )..
وهي أمنية ضائعة، لا موضع لها ولا استجابة، فقد فات الأوان. إنما هي الحسرة على ما كان !
آية رقم ٦٧
في هذا الدرس الأخير من السورة حديث عن سؤال الناس عن الساعة، واستعجالهم بها، وشكهم فيها. وجواب عن هذا السؤال يدع أمرها إلى الله، مع تحذيرهم من قربها، واحتمال أن تأخذهم على غرة أخذا سريعا. ثم يعرض السياق مشهدا من مشاهد الساعة لا يسر المستعجلين بها، يوم تقلب وجوههم في النار. ويوم يندمون على عدم طاعة الله ورسوله. ويوم يطلبون لسادتهم وكبرائهم ضعفين من العذاب. وهو مشهد مفجع لا يستعجل به مستعجل.. ثم يعود بهم من هذا المشهد في الاخرة إلى هذه الأرض مرة أخرى ! يعود ليحذر الذين آمنوا أن يكونوا كقوم موسى الذين آذوه واتهموه فبرأه الله مما قالوا - ويبدو أن هذا كان ردا على أمر واقع. ربما كان هو حديث بعضهم عن زواج الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بزينب، ومخالفته لمألوف العرب - ويدعو المؤمنين أن يقولوا قولا سديدا بعيدا عن اللمز والعيب. ليصلح الله لهم أعمالهم ويغفر لهم ذنوبهم. ويحببهم في طاعة الله ورسوله ويعدهم عليها الفوز العظيم.
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
ثم تنطلق من نفوسهم النقمة على سادتهم وكبرائهم، الذين أضلوهم، وبالإنابة إلى الله وحده، حيث لا تنفع الإنابة :
( وقالوا : ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ).. هذه هي الساعة. ففيم السؤال عنها ؟ إن العمل لها هو المخلص الوحيد من ذا المصير المشؤوم فيها !
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
ثم تنطلق من نفوسهم النقمة على سادتهم وكبرائهم، الذين أضلوهم، وبالإنابة إلى الله وحده، حيث لا تنفع الإنابة :
( وقالوا : ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ).. هذه هي الساعة. ففيم السؤال عنها ؟ إن العمل لها هو المخلص الوحيد من ذا المصير المشؤوم فيها !
آية رقم ٦٨
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٧:م٦٣
ثم تنطلق من نفوسهم النقمة على سادتهم وكبرائهم، الذين أضلوهم، وبالإنابة إلى الله وحده، حيث لا تنفع الإنابة :
( وقالوا : ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ).. هذه هي الساعة. ففيم السؤال عنها ؟ إن العمل لها هو المخلص الوحيد من ذا المصير المشؤوم فيها !
ثم تنطلق من نفوسهم النقمة على سادتهم وكبرائهم، الذين أضلوهم، وبالإنابة إلى الله وحده، حيث لا تنفع الإنابة :
( وقالوا : ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ).. هذه هي الساعة. ففيم السؤال عنها ؟ إن العمل لها هو المخلص الوحيد من ذا المصير المشؤوم فيها !
آية رقم ٦٩
في هذا الدرس الأخير من السورة حديث عن سؤال الناس عن الساعة، واستعجالهم بها، وشكهم فيها. وجواب عن هذا السؤال يدع أمرها إلى الله، مع تحذيرهم من قربها، واحتمال أن تأخذهم على غرة أخذا سريعا. ثم يعرض السياق مشهدا من مشاهد الساعة لا يسر المستعجلين بها، يوم تقلب وجوههم في النار. ويوم يندمون على عدم طاعة الله ورسوله. ويوم يطلبون لسادتهم وكبرائهم ضعفين من العذاب. وهو مشهد مفجع لا يستعجل به مستعجل.. ثم يعود بهم من هذا المشهد في الاخرة إلى هذه الأرض مرة أخرى ! يعود ليحذر الذين آمنوا أن يكونوا كقوم موسى الذين آذوه واتهموه فبرأه الله مما قالوا - ويبدو أن هذا كان ردا على أمر واقع. ربما كان هو حديث بعضهم عن زواج الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بزينب، ومخالفته لمألوف العرب - ويدعو المؤمنين أن يقولوا قولا سديدا بعيدا عن اللمز والعيب. ليصلح الله لهم أعمالهم ويغفر لهم ذنوبهم. ويحببهم في طاعة الله ورسوله ويعدهم عليها الفوز العظيم.
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
ويبدو أن زواج الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] من زينب بنت جحش - رضي الله عنها - مخالفا في ذلك عرف الجاهلية الذي تعمد الإسلام أن يبطله بهذه السابقة العملية. يبدو أن هذا الزواج لم يمر بسهولة ويسر ؛ وأنه قد انطلقت ألسنة كثيرة من المنافقين ومرضى القلوب، وغير المتثبتين الذين لم يتضح في نفوسهم التصور الإسلامي الناصع البسيط، انطلقت تغمز وتلمز، وتؤول وتعترض، وتهمس وتوسوس. وتقول قولا عظيما !
والمنافقون والمرجفون لم يكونوا يسكتون. فقد كانوا ينتهزون كل فرصة لبث سمومهم. كالذي رأينا في غزوة الأحزاب. وفي حديث الإفك. وفي قسمة الفيء. وفي كل مناسبة تعرض لإيذاء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بغير حق.
وفي هذا الوقت - بعد إجلاء بني قريظة وسائر اليهود من قبل - لم يكن في المدينة من هو ظاهر بالكفر. فقد أصبح أهلها كلهم مسلمين، إما صادقين في إسلامهم وإما منافقين. وكان المنافقون هم الذين يروجون الشائعات، وينشرون الأكاذيب، وكان بعض المؤمنين يقع في حبائلهم، ويسايرهم في بعض ما يروجون. فجاء القرآن يحذرهم إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم كما آذى بنو إسرائيل نبيهم موسى - عليه السلام - ويوجههم إلى تسديد القول، وعدم إلقائه على عواهنه، بغير ضبط ولا دقة ؛ ويحببهم في طاعة الله ورسوله وما وراءها من فوز عظيم :( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا. وكان عند الله وجيها. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم، ويغفر لكم ذنوبكم. ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما )..
ولم يحدد القرآن نوع الإيذاء لموسى ؛ ولكن وردت روايات تعينه. ونحن لا نرى بنا من حاجة للخوض في هذا الذي أجمله القرآن. فإنما أراد الله تحذير الذين آمنوا من كل ما يؤذي النبي [ صلى الله عليه وسلم ]
وقد ضرب بني إسرائيل مثلا للالتواء والانحراف في مواضع من القرآن كثيرة. فيكفي أن يشير إلى إيذائهم لنبيهم. وتحذير المسلمين من متابعتهم فيه، لينفر حس كل مؤمن من أن يكون كهؤلاء المنحرفين الملتوين الذين يضربهم القرآن مثلا صارخا للانحراف والالتواء.
وقد برأ الله موسى مما رماه به قومه، ( وكان عند الله وجيها )ذا وجاهة وذا مكانة. والله مبرئ رسله من كل ما يرمون به كذبا وبهتانا. ومحمد [ صلى الله عليه وسلم ] أفضل الرسل أولاهم بتبرئة الله له والدفاع عنه.
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
ويبدو أن زواج الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] من زينب بنت جحش - رضي الله عنها - مخالفا في ذلك عرف الجاهلية الذي تعمد الإسلام أن يبطله بهذه السابقة العملية. يبدو أن هذا الزواج لم يمر بسهولة ويسر ؛ وأنه قد انطلقت ألسنة كثيرة من المنافقين ومرضى القلوب، وغير المتثبتين الذين لم يتضح في نفوسهم التصور الإسلامي الناصع البسيط، انطلقت تغمز وتلمز، وتؤول وتعترض، وتهمس وتوسوس. وتقول قولا عظيما !
والمنافقون والمرجفون لم يكونوا يسكتون. فقد كانوا ينتهزون كل فرصة لبث سمومهم. كالذي رأينا في غزوة الأحزاب. وفي حديث الإفك. وفي قسمة الفيء. وفي كل مناسبة تعرض لإيذاء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بغير حق.
وفي هذا الوقت - بعد إجلاء بني قريظة وسائر اليهود من قبل - لم يكن في المدينة من هو ظاهر بالكفر. فقد أصبح أهلها كلهم مسلمين، إما صادقين في إسلامهم وإما منافقين. وكان المنافقون هم الذين يروجون الشائعات، وينشرون الأكاذيب، وكان بعض المؤمنين يقع في حبائلهم، ويسايرهم في بعض ما يروجون. فجاء القرآن يحذرهم إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم كما آذى بنو إسرائيل نبيهم موسى - عليه السلام - ويوجههم إلى تسديد القول، وعدم إلقائه على عواهنه، بغير ضبط ولا دقة ؛ ويحببهم في طاعة الله ورسوله وما وراءها من فوز عظيم :( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا. وكان عند الله وجيها. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم، ويغفر لكم ذنوبكم. ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما )..
ولم يحدد القرآن نوع الإيذاء لموسى ؛ ولكن وردت روايات تعينه. ونحن لا نرى بنا من حاجة للخوض في هذا الذي أجمله القرآن. فإنما أراد الله تحذير الذين آمنوا من كل ما يؤذي النبي [ صلى الله عليه وسلم ]
وقد ضرب بني إسرائيل مثلا للالتواء والانحراف في مواضع من القرآن كثيرة. فيكفي أن يشير إلى إيذائهم لنبيهم. وتحذير المسلمين من متابعتهم فيه، لينفر حس كل مؤمن من أن يكون كهؤلاء المنحرفين الملتوين الذين يضربهم القرآن مثلا صارخا للانحراف والالتواء.
وقد برأ الله موسى مما رماه به قومه، ( وكان عند الله وجيها )ذا وجاهة وذا مكانة. والله مبرئ رسله من كل ما يرمون به كذبا وبهتانا. ومحمد [ صلى الله عليه وسلم ] أفضل الرسل أولاهم بتبرئة الله له والدفاع عنه.
آية رقم ٧٠
في هذا الدرس الأخير من السورة حديث عن سؤال الناس عن الساعة، واستعجالهم بها، وشكهم فيها. وجواب عن هذا السؤال يدع أمرها إلى الله، مع تحذيرهم من قربها، واحتمال أن تأخذهم على غرة أخذا سريعا. ثم يعرض السياق مشهدا من مشاهد الساعة لا يسر المستعجلين بها، يوم تقلب وجوههم في النار. ويوم يندمون على عدم طاعة الله ورسوله. ويوم يطلبون لسادتهم وكبرائهم ضعفين من العذاب. وهو مشهد مفجع لا يستعجل به مستعجل.. ثم يعود بهم من هذا المشهد في الاخرة إلى هذه الأرض مرة أخرى ! يعود ليحذر الذين آمنوا أن يكونوا كقوم موسى الذين آذوه واتهموه فبرأه الله مما قالوا - ويبدو أن هذا كان ردا على أمر واقع. ربما كان هو حديث بعضهم عن زواج الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بزينب، ومخالفته لمألوف العرب - ويدعو المؤمنين أن يقولوا قولا سديدا بعيدا عن اللمز والعيب. ليصلح الله لهم أعمالهم ويغفر لهم ذنوبهم. ويحببهم في طاعة الله ورسوله ويعدهم عليها الفوز العظيم.
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
ويوجه القرآن المؤمنين إلى تسديد القول وإحكامه والتدقيق فيه، ومعرفة هدفه واتجاهه، قبل أن يتابعوا المنافقين والمرجفين فيه ؛ وقبل أن يستمعوا في نبيهم ومرشدهم ووليهم إلى قول طائش ضال أو مغرض خبيث.
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
ويوجه القرآن المؤمنين إلى تسديد القول وإحكامه والتدقيق فيه، ومعرفة هدفه واتجاهه، قبل أن يتابعوا المنافقين والمرجفين فيه ؛ وقبل أن يستمعوا في نبيهم ومرشدهم ووليهم إلى قول طائش ضال أو مغرض خبيث.
آية رقم ٧١
في هذا الدرس الأخير من السورة حديث عن سؤال الناس عن الساعة، واستعجالهم بها، وشكهم فيها. وجواب عن هذا السؤال يدع أمرها إلى الله، مع تحذيرهم من قربها، واحتمال أن تأخذهم على غرة أخذا سريعا. ثم يعرض السياق مشهدا من مشاهد الساعة لا يسر المستعجلين بها، يوم تقلب وجوههم في النار. ويوم يندمون على عدم طاعة الله ورسوله. ويوم يطلبون لسادتهم وكبرائهم ضعفين من العذاب. وهو مشهد مفجع لا يستعجل به مستعجل.. ثم يعود بهم من هذا المشهد في الاخرة إلى هذه الأرض مرة أخرى ! يعود ليحذر الذين آمنوا أن يكونوا كقوم موسى الذين آذوه واتهموه فبرأه الله مما قالوا - ويبدو أن هذا كان ردا على أمر واقع. ربما كان هو حديث بعضهم عن زواج الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بزينب، ومخالفته لمألوف العرب - ويدعو المؤمنين أن يقولوا قولا سديدا بعيدا عن اللمز والعيب. ليصلح الله لهم أعمالهم ويغفر لهم ذنوبهم. ويحببهم في طاعة الله ورسوله ويعدهم عليها الفوز العظيم.
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
ويوجههم إلى القول الصالح الذي يقود إلى العمل الصالح. فالله يرعى المسددين ويقود خطاهم ويصلح لهم أعمالهم جزاء التصويب والتسديد. والله يغفر لذوي الكلمة الطيبة والعمل الصالح ؛ ويكفر عن السيئة التي لا ينجو منها الآدميون الخطاءون. ولا ينقذهم منها إلا المغفرة والتكفير.
( ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما )..
والطاعة بذاتها فوز عظيم. فهي استقامة على نهج الله. والاستقامة على نهج الله مريحة مطمئنة. والاهتداء إلى الطريق المستقيم الواضح الواصل سعادة بذاته، ولو لم يكن وراءه جزاء سواه. وليس الذي يسير في الطريق الممهود المنير وكل ما حوله من خلق الله يتجاوب معه ويتعاون كالذي يسير في الطريق المقلقل المظلم وكل ما حوله من خلق الله يعاديه ويصادمه ويؤذيه ! فطاعة الله ورسوله تحمل جزاءها في ذاتها ؛ وهي الفوز العظيم، قبل يوم الحساب وقبل الفوز بالنعيم. أما نعيم الآخرة فهو فضل زائد على جزاء الطاعة. فضل من كرم الله وفيضه بلا مقابل. والله يرزق من يشاء بغير حساب
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
ويوجههم إلى القول الصالح الذي يقود إلى العمل الصالح. فالله يرعى المسددين ويقود خطاهم ويصلح لهم أعمالهم جزاء التصويب والتسديد. والله يغفر لذوي الكلمة الطيبة والعمل الصالح ؛ ويكفر عن السيئة التي لا ينجو منها الآدميون الخطاءون. ولا ينقذهم منها إلا المغفرة والتكفير.
( ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما )..
والطاعة بذاتها فوز عظيم. فهي استقامة على نهج الله. والاستقامة على نهج الله مريحة مطمئنة. والاهتداء إلى الطريق المستقيم الواضح الواصل سعادة بذاته، ولو لم يكن وراءه جزاء سواه. وليس الذي يسير في الطريق الممهود المنير وكل ما حوله من خلق الله يتجاوب معه ويتعاون كالذي يسير في الطريق المقلقل المظلم وكل ما حوله من خلق الله يعاديه ويصادمه ويؤذيه ! فطاعة الله ورسوله تحمل جزاءها في ذاتها ؛ وهي الفوز العظيم، قبل يوم الحساب وقبل الفوز بالنعيم. أما نعيم الآخرة فهو فضل زائد على جزاء الطاعة. فضل من كرم الله وفيضه بلا مقابل. والله يرزق من يشاء بغير حساب
آية رقم ٧٢
في هذا الدرس الأخير من السورة حديث عن سؤال الناس عن الساعة، واستعجالهم بها، وشكهم فيها. وجواب عن هذا السؤال يدع أمرها إلى الله، مع تحذيرهم من قربها، واحتمال أن تأخذهم على غرة أخذا سريعا. ثم يعرض السياق مشهدا من مشاهد الساعة لا يسر المستعجلين بها، يوم تقلب وجوههم في النار. ويوم يندمون على عدم طاعة الله ورسوله. ويوم يطلبون لسادتهم وكبرائهم ضعفين من العذاب. وهو مشهد مفجع لا يستعجل به مستعجل.. ثم يعود بهم من هذا المشهد في الاخرة إلى هذه الأرض مرة أخرى ! يعود ليحذر الذين آمنوا أن يكونوا كقوم موسى الذين آذوه واتهموه فبرأه الله مما قالوا - ويبدو أن هذا كان ردا على أمر واقع. ربما كان هو حديث بعضهم عن زواج الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بزينب، ومخالفته لمألوف العرب - ويدعو المؤمنين أن يقولوا قولا سديدا بعيدا عن اللمز والعيب. ليصلح الله لهم أعمالهم ويغفر لهم ذنوبهم. ويحببهم في طاعة الله ورسوله ويعدهم عليها الفوز العظيم.
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
ولعله فضل نظر الله فيه إلى ضعف هذا الإنسان، وإلى ضخامة التبعة التي يحملها على عاتقه. وإلى حمله للأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال. والتي أخذها على عاتقه، وتعهد بحملها وحده، وهو على ما هو عليه من الضعف وضغط الشهوات والميول والنزعات، وقصور العلم، وقصر العمر، وحواجز الزمان والمكان، دون المعرفة الكاملة ورؤية ما وراء الحواجز والآماد :
( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ؛ وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا )..
إن السماوات والأرض والجبال - التي اختارها القرآن ليحدث عنها - هذه الخلائق الضخمة الهائلة، التي يعيش الإنسان فيها أو حيالها فيبدو شيئا صغيرا ضئيلا. هذه الخلائق تعرف بارئها بلا محاولة، وتهتدي إلى ناموسه الذي يحكمها بخلقتها وتكوينها ونظامها ؛ وتطيع ناموس الخالق طاعة مباشرة بلا تدبر ولا واسطة. وتجري وفق هذا الناموس دائبة لا تني ولا تتخلف دورتها جزءا من ثانية ؛ وتؤدي وظيفتها بحكم خلقتها وطبيعتها غير شاعرة ولا مختارة.
هذه الشمس تدور في فلكها دورتها المنتظمة التي لا تختل أبدا. وترسل بأشعتها فتؤدي وظيفتها التي قدرها الله لها ؛ وتجذب توابعها بلا إرادة منها ؛ فتؤدي دورها الكوني أداء كاملا..
وهذه الأرض تدور دورتها، وتخرج زرعها، وتقوت أبناءها، وتواري موتاها، وتتفجر ينابيعها. وفق سنة الله بلا إرادة منها.
وهذا القمر. وهذه النجوم والكواكب، وهذه الرياح والسحب. وهذا الهواء وهذا الماء.. وهذه الجبال. وهذه الوهاد.. كلها.. كلها.. تمضي لشأنها، بإذن ربها، وتعرف بارئها، وتخضع لمشيئته بلا جهد منها ولا كد ولا محاولة.. لقد أشفقت من أمانة التبعة. أمانة الإرادة. أمانة المعرفة الذاتية. أمانة المحاولة الخاصة.
( وحملها الإنسان )..
الإنسان الذي يعرف الله بإدراكه وشعوره. ويهتدي إلى ناموسه بتدبره وبصره. ويعمل وفق هذا الناموس بمحاولته وجهده. ويطيع الله بإرادته وحمله لنفسه، ومقاومة انحرافاته ونزغاته، ومجاهدة ميوله وشهواته.. وهو في كل خطوة من هذه الخطوات مريد. مدرك. يختار طريقه وهو عارف إلى أين يؤدي به هذا الطريق !
إنها أمانة ضخمة حملها هذا المخلوق الصغير الحجم، القليل القوة، الضعيف الحول، المحدود العمر ؛ الذي تناوشه الشهوات والنزعات والميول والأطماع..
وإنها لمخاطرة أن يأخذ على عاتقه هذه التبعة الثقيلة. ومن ثم ( كان ظلوما )لنفسه( جهولا )لطاقته. هذا بالقياس إلى ضخامة ما زج بنفسه لحمله. فأما حين ينهض بالتبعة. حين يصل إلى المعرفة الواصلة إلى بارئه، والاهتداء المباشر لناموسه، والطاعة الكاملة لإرادة ربه. المعرفة والاهتداء والطاعة التي تصل في طبيعتها وفي آثارها إلى مثل ما وصلت إليه من سهولة ويسر وكمال في السماوات والأرض والجبال.. الخلائق التي تعرف مباشرة، وتهتدي مباشرة، وتطيع مباشرة، ولا تحول بينها وبين بارئها وناموسه وإرادته الحوائل. ولا تقعد بها المثبطات عن الانقياد والطاعة والأداء.. حين يصل الإنسان إلى هذه الدرجة وهو واع مدرك مريد. فإنه يصل حقا إلى مقام كريم، ومكان بين خلق الله فريد.
إنها الإرادة والإدراك والمحاولة وحمل التبعة.. هي هي ميزة هذا الإنسان على كثير من خلق الله. وهي هي مناط التكريم الذي أعلنه الله في الملأ الأعلى، وهو يسجد الملائكة لآدم. وأعلنه في قرآنه الباقي وهو يقول :( ولقد كرمنا بني آدم ).. فليعرف الإنسان مناط تكريمه عند الله. ولينهض بالأمانة التي اختارها ؛ والتي عرضت على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها... !
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
ولعله فضل نظر الله فيه إلى ضعف هذا الإنسان، وإلى ضخامة التبعة التي يحملها على عاتقه. وإلى حمله للأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال. والتي أخذها على عاتقه، وتعهد بحملها وحده، وهو على ما هو عليه من الضعف وضغط الشهوات والميول والنزعات، وقصور العلم، وقصر العمر، وحواجز الزمان والمكان، دون المعرفة الكاملة ورؤية ما وراء الحواجز والآماد :
( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ؛ وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا )..
إن السماوات والأرض والجبال - التي اختارها القرآن ليحدث عنها - هذه الخلائق الضخمة الهائلة، التي يعيش الإنسان فيها أو حيالها فيبدو شيئا صغيرا ضئيلا. هذه الخلائق تعرف بارئها بلا محاولة، وتهتدي إلى ناموسه الذي يحكمها بخلقتها وتكوينها ونظامها ؛ وتطيع ناموس الخالق طاعة مباشرة بلا تدبر ولا واسطة. وتجري وفق هذا الناموس دائبة لا تني ولا تتخلف دورتها جزءا من ثانية ؛ وتؤدي وظيفتها بحكم خلقتها وطبيعتها غير شاعرة ولا مختارة.
هذه الشمس تدور في فلكها دورتها المنتظمة التي لا تختل أبدا. وترسل بأشعتها فتؤدي وظيفتها التي قدرها الله لها ؛ وتجذب توابعها بلا إرادة منها ؛ فتؤدي دورها الكوني أداء كاملا..
وهذه الأرض تدور دورتها، وتخرج زرعها، وتقوت أبناءها، وتواري موتاها، وتتفجر ينابيعها. وفق سنة الله بلا إرادة منها.
وهذا القمر. وهذه النجوم والكواكب، وهذه الرياح والسحب. وهذا الهواء وهذا الماء.. وهذه الجبال. وهذه الوهاد.. كلها.. كلها.. تمضي لشأنها، بإذن ربها، وتعرف بارئها، وتخضع لمشيئته بلا جهد منها ولا كد ولا محاولة.. لقد أشفقت من أمانة التبعة. أمانة الإرادة. أمانة المعرفة الذاتية. أمانة المحاولة الخاصة.
( وحملها الإنسان )..
الإنسان الذي يعرف الله بإدراكه وشعوره. ويهتدي إلى ناموسه بتدبره وبصره. ويعمل وفق هذا الناموس بمحاولته وجهده. ويطيع الله بإرادته وحمله لنفسه، ومقاومة انحرافاته ونزغاته، ومجاهدة ميوله وشهواته.. وهو في كل خطوة من هذه الخطوات مريد. مدرك. يختار طريقه وهو عارف إلى أين يؤدي به هذا الطريق !
إنها أمانة ضخمة حملها هذا المخلوق الصغير الحجم، القليل القوة، الضعيف الحول، المحدود العمر ؛ الذي تناوشه الشهوات والنزعات والميول والأطماع..
وإنها لمخاطرة أن يأخذ على عاتقه هذه التبعة الثقيلة. ومن ثم ( كان ظلوما )لنفسه( جهولا )لطاقته. هذا بالقياس إلى ضخامة ما زج بنفسه لحمله. فأما حين ينهض بالتبعة. حين يصل إلى المعرفة الواصلة إلى بارئه، والاهتداء المباشر لناموسه، والطاعة الكاملة لإرادة ربه. المعرفة والاهتداء والطاعة التي تصل في طبيعتها وفي آثارها إلى مثل ما وصلت إليه من سهولة ويسر وكمال في السماوات والأرض والجبال.. الخلائق التي تعرف مباشرة، وتهتدي مباشرة، وتطيع مباشرة، ولا تحول بينها وبين بارئها وناموسه وإرادته الحوائل. ولا تقعد بها المثبطات عن الانقياد والطاعة والأداء.. حين يصل الإنسان إلى هذه الدرجة وهو واع مدرك مريد. فإنه يصل حقا إلى مقام كريم، ومكان بين خلق الله فريد.
إنها الإرادة والإدراك والمحاولة وحمل التبعة.. هي هي ميزة هذا الإنسان على كثير من خلق الله. وهي هي مناط التكريم الذي أعلنه الله في الملأ الأعلى، وهو يسجد الملائكة لآدم. وأعلنه في قرآنه الباقي وهو يقول :( ولقد كرمنا بني آدم ).. فليعرف الإنسان مناط تكريمه عند الله. ولينهض بالأمانة التي اختارها ؛ والتي عرضت على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها... !
آية رقم ٧٣
في هذا الدرس الأخير من السورة حديث عن سؤال الناس عن الساعة، واستعجالهم بها، وشكهم فيها. وجواب عن هذا السؤال يدع أمرها إلى الله، مع تحذيرهم من قربها، واحتمال أن تأخذهم على غرة أخذا سريعا. ثم يعرض السياق مشهدا من مشاهد الساعة لا يسر المستعجلين بها، يوم تقلب وجوههم في النار. ويوم يندمون على عدم طاعة الله ورسوله. ويوم يطلبون لسادتهم وكبرائهم ضعفين من العذاب. وهو مشهد مفجع لا يستعجل به مستعجل.. ثم يعود بهم من هذا المشهد في الاخرة إلى هذه الأرض مرة أخرى ! يعود ليحذر الذين آمنوا أن يكونوا كقوم موسى الذين آذوه واتهموه فبرأه الله مما قالوا - ويبدو أن هذا كان ردا على أمر واقع. ربما كان هو حديث بعضهم عن زواج الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بزينب، ومخالفته لمألوف العرب - ويدعو المؤمنين أن يقولوا قولا سديدا بعيدا عن اللمز والعيب. ليصلح الله لهم أعمالهم ويغفر لهم ذنوبهم. ويحببهم في طاعة الله ورسوله ويعدهم عليها الفوز العظيم.
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
ذلك كان.. ( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات. وكان الله غفورا رحيما )..
فاختصاص الإنسان بحمل الأمانة ؛ وأخذه على عاتقه أن يعرف بنفسه، ويهتدي بنفسه، ويعمل بنفسه، ويصل بنفسه.. هذا كان ليحتمل عاقبة اختياره، وليكون جزاؤه من عمله. وليحق العذاب على المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات. وليمد الله يد العون للمؤمنين والمؤمنات، فيتوب عليهم مما يقعون فيه تحت ضغط ما ركب فيهم من نقص وضعف، وما يقف في طريقهم من حواجز وموانع، وما يشدهم من جواذب وأثقال.. فذلك فضل الله وعونه. وهو أقرب إلى المغفرة والرحمة بعباده :( وكان الله غفورا رحيما )..
وبهذا الإيقاع الهائل العميق تختم السورة التي بدأت بتوجيه الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] إلى طاعة الله وعصيان الكافرين والمنافقين، واتباع وحي الله، والتوكل عليه وحده دون سواه. والتي تضمنت توجيهات وتشريعات يقوم عليها نظام المجتمع الإسلامي، خالصا لله، متوجها له، مطيعا لتوجيهاته.
بهذا الإيقاع الذي يصور جسامة التبعة وضخامة الأمانة. ويحدد موضع الجسامة ومنشأ الضخامة. ويحصرها كلها في نهوض الإنسان بمعرفة الله والاهتداء إلى ناموسه، والخضوع لمشيئته..
بهذا الإيقاع تختم السورة، فيتناسق بدؤها وختامها، مع موضوعها واتجاهها. ذلك التناسق المعجز، الدال بذاته على مصدر هذا الكتاب
ويختم السورة بالإيقاع الهائل العميق. عن الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وحملها الإنسان، وهي ضخمة هائلة ساحقة. ذلك ليتم تدبير الله في ترتيب الجزاء على العمل، ومحاسبة الإنسان على ما رضي لنفسه واختار :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما )..
ذلك كان.. ( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات. وكان الله غفورا رحيما )..
فاختصاص الإنسان بحمل الأمانة ؛ وأخذه على عاتقه أن يعرف بنفسه، ويهتدي بنفسه، ويعمل بنفسه، ويصل بنفسه.. هذا كان ليحتمل عاقبة اختياره، وليكون جزاؤه من عمله. وليحق العذاب على المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات. وليمد الله يد العون للمؤمنين والمؤمنات، فيتوب عليهم مما يقعون فيه تحت ضغط ما ركب فيهم من نقص وضعف، وما يقف في طريقهم من حواجز وموانع، وما يشدهم من جواذب وأثقال.. فذلك فضل الله وعونه. وهو أقرب إلى المغفرة والرحمة بعباده :( وكان الله غفورا رحيما )..
وبهذا الإيقاع الهائل العميق تختم السورة التي بدأت بتوجيه الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] إلى طاعة الله وعصيان الكافرين والمنافقين، واتباع وحي الله، والتوكل عليه وحده دون سواه. والتي تضمنت توجيهات وتشريعات يقوم عليها نظام المجتمع الإسلامي، خالصا لله، متوجها له، مطيعا لتوجيهاته.
بهذا الإيقاع الذي يصور جسامة التبعة وضخامة الأمانة. ويحدد موضع الجسامة ومنشأ الضخامة. ويحصرها كلها في نهوض الإنسان بمعرفة الله والاهتداء إلى ناموسه، والخضوع لمشيئته..
بهذا الإيقاع تختم السورة، فيتناسق بدؤها وختامها، مع موضوعها واتجاهها. ذلك التناسق المعجز، الدال بذاته على مصدر هذا الكتاب
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
73 مقطع من التفسير