تفسير سورة سورة الأعراف

في ظلال القرآن

مقدمة التفسير
سورة الأعراف مكية وآياتها ست ومائتان

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه سورة مكية - كسورة الأنعام - موضوعها الأساسي هو موضوع القرآن المكي.. العقيدة.. ولكن ما أشد اختلاف المجالين اللذين تتحرك فيهما السورتان في معالجة هذا الموضوع الواحد، وهذه القضية الكبيرة !
إن كل سورة من سور القرآن ذات شخصية متفردة، وذات ملامح متميزة، وذات منهج خاص، وذات أسلوب معين، وذات مجال متخصص في علاج هذا الموضوع الواحد، وهذه القضية الكبيرة.
إنها كلها تتجمع على الموضوع والغاية، ثم تأخذ بعد ذلك سماتها المستقلة، وطرائقها المتميزة ومجالها المتخصص في علاج هذا الموضوع، وتحقيق هذه الغاية.
إن الشأن في سور القرآن - من هذه الوجهة - كالشأن في نماذج البشر التي جعلها الله متميزة.. كلهم إنسان، وكلهم له خصائص الإنسانية، وكلهم له التكوين العضوي والوظيفي الإنساني.. ولكنهم بعد ذلك نماذج منوعة أشد التنويع. نماذج فيها الأشباه القريبة الملامح، وفيها الأغيار التي لا تجمعها إلا الخصائص الإنسانية العامة !
هكذا عدت أتصور سور القرآن. وهكذا عدت أحسها، وهكذا عدت أتعامل معها. بعد طول الصحبة، وطول الألفة، وطول التعامل مع كل منها وفق طباعه واتجاهاته، وملامحه وسماته !
وأنا أجد في سور القرآن - تبعا لهذا - وفرة بسبب تنوع النماذج، وأنسا بسبب التعامل الشخصي الوثيق ؛ ومتاعا بسبب اختلاف الملامح والطباع، والاتجاهات والمطالع !
إنها أصدقاء.. كلها صديق.. وكلها أليف.. وكلها حبيب.. وكلها ممتع.. وكلها يجد القلب عنده ألواناً من الاهتمامات طريفة، وألواناً من المتاع جديدة، وألواناً من الإيقاعات، وألواناً من المؤثرات، تجهل لها مذاقاً خاصاً، وجواً متفرداً.
ومصاحبة السورة من أولها إلى آخرها رحلة.. رحلة في عوالم ومشاهد، ورؤى وحقائق، وتقريرات وموحيات، وغوص في أعماق النفوس، واستجلاء لمشاهد الوجود.. ولكنها كذلك رحلة متميزة المعالم في كل سورة ومع كل سورة.
إن موضوع سورة الأنعام هو العقيدة. وموضوع سورة الأعراف هو العقيدة.. ولكن بينما سورة الأنعام تعالج العقيدة في ذاتها ؛ وتعرض موضوع العقيدة وحقيقتها ؛ وتواجه الجاهلية العربية في حينها - وكل جاهلية أخرى كذلك - مواجهة صاحب الحق الذي يصدع بالحق ؛ وتستصحب معها في هذه المواجهة تلك المؤثرات العميقة العنيفة الكثيرة الموفورة التي تحدثنا عنها إجمالاً وتفصيلاً ونحن نقدم السورة ونستعرضها - في الجزء السابع وفي هذا الجزء أيضاً - ووقفنا أمامها ما شاء الله أن نقف.. بينما سورة الأنعام تتخذ هذا المنهج، وتسلك ذلك الطريق.. نجد سورة الأعراف - وهي تعالج موضوع العقيدة كذلك - تأخذ طريقاً آخر، وتعرض موضوعها في مجال آخر.. إنها تعرضه في مجال التاريخ البشري.. في مجال رحلة البشرية كلها مبتدئة بالجنة والملأ الأعلى، وعائدة إلى النقطة التي انطلقت منها.. وفي هذا المدى المتطاول تعرض " موكب الإيمان " من لدن آدم - عليه السلام - إلى محمد - [ ص ] - تعرض هذا الموكب الكريم يحمل هذه العقيدة ويمضي بها على مدار التاريخ. يواجه بها البشرية جيلاً بعد جيل، وقبيلاً بعد قبيل.. ويرسم سياق السورة في تتابعه : كيف استقبلت البشرية هذا الموكب وما معه من الهدى ؟ كيف خاطبها هذا الموكب وكيف جاوبته ؟ كيف وقف الملأ منها لهذا الموكب بالمرصاد وكيف تخطى هذا الموكب أرصادها ومضى في طريقه إلى الله ؟ وكيف كانت عاقبة المكذبين وعاقبة المؤمنين في الدنيا وفي الآخرة..
إنها رحلة طويلة طويلة.. ولكن السورة تقطعها مرحلة مرحلة، وتقف منها عند معظم المعالم البارزة، في الطريق المرسوم. ملامحه واضحة، ومعالمه قائمة، ومبدؤه معلوم، ونهايته مرسومة.. والبشرية تخطو فيه بجموعها الحاشدة. ثم تقطعه راجعة.. إلى حيث بدأت رحلتها في الملأ الأعلى..
لقد انطلقت هذه البشرية من نقطة البدء، ممثلة في شخصين اثنين.. آدم وزوجه.. أبوي البشر.. وانطلق معهما الشيطان. مأذونا من الله في غوايتهما وغواية ذراريهما ومأخوذاً عليهما عهد الله وعلى ذراريهما كذلك. ومبتلي كلاهما وذراريهما معهما بقدر من الاختيار ؛ ليأخذوا عهد الله بقوة أو ليركنوا إلى الشيطان عدوهم وعدو أبويهم الذي أخرجهما من الجنة ؛ وليسمعوا الآيات التي يحملها إليهم ذلك الرهط الكريم من الرسل على مدار التاريخ، أو يسمعوا غواية الشيطان الذي لا يني يجلب عليهم بخيله ورجله، ويأتيهم عن أيمانهم وعن شمائلهم !
انطلقت البشرية من هناك.. من عند ربها سبحانه.. انطلقت إلى الأرض. تعمل وتسعى، وتكد وتشقى، وتصلح وتفسد، وتعمر وتخرب، وتتنافس وتتقاتل، وتكدح الكدح الذي لا ينجو منه شقي ولا سعيد.. ثم ها هي ذي تؤوب ! ها هي ذي راجعة إلى ربها الذي أطلقها في هذا المجال.. ها هي ذي تحمل ما كسبت طوال الرحلة المرسومة.. من ورد وشوك. ومن غال ورخيص، ومن ثمين وزهيد، ومن خير وشر، ومن حسنات وسيئات. ها هي ذي تعود في أصيل اليوم.. فقد انطلقت في مطلعه !.. وها نحن أولاء نلمحها من خلال السياق في السورة موقورة الظهور بالأحمال - أيا كانت هذه الأحمال - ها هي ذي عائدة إلى ربها بما معها. تظلع في الطريق، وقد بلغ منها الجهد وأضناها المسير. حتى إذا عادت إلى نقطة المنطلق وضع كل منها حمله أمام الميزان، ووقف يرتقب في خشية ووجل.. إن كل فرد قد عاد بحصيلته فرداً.. وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ! وكل فرد على حدة يلاقي حسابه، ويلقى جزاءه.. ويظل سياق السورة يتابع أفواج البشرية، فوجاً فوجاً. إلى جنة أو إلى نار. حتى تغلق الأبواب التي فتحت لاستقبال المغتربين العائدين. فقد كانوا هنالك في هذه الأرض مغتربين :( كمابدأكم تعودون. فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة، إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، ويحسبون أنهم مهتدون )..
وبين الغدو والرواح تعرض معارك الحق والباطل. معارك الهدى والضلال. معارك الرهط الكريم من الرسل والموكب الكريم من المؤمنين، مع الملأ المستكبرين والأتباع المستخفين. ويعرض الصراع المتكرر ؛ والمصائر المتشابهة. وتتجلي صحائف الإيمان في إشراقها ووضاءتها ؛ وصحائف الضلال في انطماسها وعتامتها. وتعرض مصارع المكذبين بين الحين والحين. حيث يقف السياق عليها للتذكير والتحذير.. وهذه الوقفات تجيء وفق نظام ملحوظ في سياق السورة. فبعد كل مرحلة هامة يبدو كما لو كان السياق يتوقف عندها ليقول كلمة ! كلمة تعقيب. للإنذار والتذكير.. ثم يمضي.
إنها قصة البشرية بجملتها في رحلتها ذهاباً وإياباً. تتمثل فيها حركة هذه العقيدة في تاريخ البشرية، ونتائج هذه الحركة في مداها المتطاول.. حتى تنتهي إلى غايتها الأخيرة في نقطة المنطلق الأولى.. وهي وجهة أخرى في عرض موضوع العقيدة غير وجهة سورة الأنعام - وإن تلاقت السورتان أحيانا في عرض مشاهد المكذبين وعرض مشاهد القيامة ومشاهد الوجود - وهو مجال آخر للعرض غير مجال الأنعام، واضح التميز، مختلف الحدود.
ذلك إلى طبيعة التعبير في السورتين. فالتعبير في كل سورة يناسب منهجها في عرض الموضوع. وبينما يمضي السياق في الأنعام في موجات متدافعة ؛ وبينما تبلغ المشاهد دائما درجة اللألاء والتوهج والالتماع، وتبلغ الإيقاعات درجة الرنين والسرعة القاصفة والاندفاع.. إذا السياق في الأعراف يمضي هادئ الخطو، سهل الإيقاع، تقريري الأسلوب. وكأنما هو الوصف المصاحب للقافلة في سيرها المديد، خطوة خطوة، ومرحلة مرحلة، حتى تؤوب ! وقد يشتد الإيقاع أحياناً في مواقف التعقيب ؛ ولكنه سرعان ما يعود إلى الخطو الوئيد الرتيب !
.. وهما - بعد - سورتان مكيتان من القرآن.. ! ! !
ولعله يحسن هنا أن نستعرض منهج السورة في معالجة موضوع العقيدة في صورة حركة لهذه العقيدة في تيار التاريخ البشري..
إن السورة لا تعرض قصة هذه العقيدة في التاريخ البشري، ولا تعرض رحلة البشرية منذ نشأتها الأولى إلى عودتها الأخيرة.. مجرد عرض في أسلوب قصصي.. إنما هي تعرضها في صورة معركة مع الجاهلية.. ومن ثم فإنها تعرضها في مشاهد ومواقف ؛ وتواجه بهذه المشاهد والمواقف ناساً أحياء كانوا يواجهون هذا القرآن ؛ فيواجههم هذا القرآن بتلك القصة الطويلة ؛ ويخاطبهم بما فيها من عبر ؛ مذكرا ومنذرا ؛ ويخوض معهم معركة حقيقية حية.. ومن ثم تجيء التعقيبات في السياق عقب كل مرحلة أساسية ؛ موجهة لأولئك الأحياء الذين كان القرآن يخوض معهم المعركة ؛ وموجهة كذلك إلى أمثالهم ممن يتخذون موقفهم على مدار التاريخ.
إن القرآن لا يقص قصة إلا ليواجه بها حالة. ولا يقرر حقيقة إلا ليغير بها باطلا.. إنه يتحرك حركة واقعية حية في وسط واقعي حي. إنه لا يقرر حقائقه للنظر المجرد، ولا يقص قصصه لمجرد المتاع الفني !
ويركز السياق على التذكير والإنذار في وقفاته للتعقيب. كما يركز على نقطة الانطلاق، وعلى نقطة المآب. وبينهما يمر بقصص قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب. ثم يركز تركيزاً شديداً على قصة قوم موسى.
وفي هذه التقدمة للسورة لا نملك إلا أن نعرض نماذج مجملة لمواضع التركيز في السورة :
تبدأ السورة على هذا النحو :
آلمص. كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به، وذكرى للمؤمنين. اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء. قليلا ما تذكرون..
فهي منذ اللحظة الأولى خطاب لرسول الله [ ص ] وخطاب لقومه الذين يجاهدهم بهذا القرآن.. وكل ما يجيء في السورة بعد ذلك من قصص، ومن وصف لرحلة البشرية الطويلة، وعودتها من الرحلة المرسومة، وكل ما يعرض من مشاهد في صفحة الكون وفي يوم القيامة.. إنما هو خطاب غير مباشر، - وأحيانا مباشر - للنبي [ ص ] وقومه للإنذار والتذكير، كما يشير هذا المطلع القصير.
وقول الله - سبحانه - لرسوله [ ص ] :
( كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه )..
يصور حالة واقعية لا يمكن أن يدركها اليوم إلا الذي يعيش في جاهلية وهو يدعو إلى الإسلام ؛ ويعلم أنه إنما يستهدف أمراً هائلاً ثقيلاً، دونه صعاب جسام.. يستهدف إنشاء عقيدة وتصور، وقيم وموازين، وأوضاع وأحوال مغايرة تمام المغايرة لما هو كائن في دنيا الناس. ويجد من رواسب الجاهلية في النفوس، ومن تصورات الجاهلية في العقول، ومن قيم الجاهلية في الحياة، ومن ضغوطها في الأوضاع والأعصاب، ما يحس معه أن كلمة الحقيقة التي يحملها، غريبة على البيئة، ثقيلة على النفوس ؛ مستنكرة في القلوب.. كلمة ذات تكاليف بقدر ما تعنيه من الانقلاب الكامل لكل ما يعهده الناس في جاهليتهم من التصورات والأفكار، والقيم والموازين، والشرائع والقوانين، والعادات والتقاليد، والأوضاع والارتباطات.. ومن ثم يجد في صدره هذا الحرج من مواجهة الناس بذلك الحق الثقيل، الحرج الذي يدعو الله - سبحانه - نبيه [ ص ] ألا يكون في صدره من هذا الكتاب شيء منه ؛ وأن يمضي به ينذر ويذكر ؛ ولا يحفل ما تواجهه كلمة الحق من دهشة واستنكار، ومن مقاومة كذلك وحرب وعناء..
ولأن ال
آية رقم ١
( آلمص ).. ألف. لام. ميم. صاد..
هذا المطلع من الحروف المقطعة سبق الكلام عن نظائره في أول سورة البقرة وفي أول سورة آل عمران. وقد اخترنا في تفسيرها الرأي القائل، بأنها حروف مقطعة يشير بها إلى أن هذا القرآن مؤلف من جنس هذه الأحرف العربية التي يستخدمها البشر، ثم يعجزهم أن يؤلفوا منها كلاماً كهذا القرآن. وأن هذا بذاته برهان أن هذا القرآن ليس من صنع البشر، فقد كانت أمامهم الأحرف والكلمات التي صيغ منها، فلم يستطيعوا أن يصوغوا منها قرآنا مثله. فلا بد من سر آخر وراء الأحرف والكلمات.. وهو رأي نختاره على وجه الترجيح لا الجزم. والله أعلم بمراده.
وعلى ذلك يصح القول بأن ( المص ) مبتدأ خبره :( كتاب أنزل إليك ).. بمعنى أن هذه الأحرف وما تألف منها هي الكتاب.. كما يصح القول بأن ( المص ) مجرد إشارة للتنبيه على ذلك المعنى الذي رجحناه. و( كتاب )خبر مبتدأ محذوف تقديره : هو كتاب : أو هذا كتاب..
( كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به، وذكرى للمؤمنين )..
كتاب أنزل إليك للإنذار به والتذكير.. كتاب للصدع بما فيه من الحق ولمواجهة الناس بما لا يحبون ؛ ولمجابهة عقائد وتقاليد وارتباطات ؛ ولمعارضة نظم وأوضاع ومجتمعات. فالحرج في طريقه كثير، والمشقة في الإنذار به قائمة.. لا يدرك ذلك - كما قلنا في التعريف بالسورة - إلا من يقف بهذا الكتاب هذا الموقف ؛ وإلا من يعاني من الصدع به هذه المعاناة ؛ وإلا من يستهدف من التغيير الكامل الشامل في قواعد الحياة البشرية وجذورها، وفي مظاهرها وفروعها، ما كان يستهدفه حامل هذا الكتاب أول مرة [ ص ] ليواجه به الجاهلية الطاغية في الجزيرة العربية وفي الأرض كلها..
وهذا الموقف ليس مقصوراً على ما كان في الجزيرة العربية يومذاك، وما كان في الأرض من حولها.. إن الإسلام ليس حادثاً تاريخياً، وقع مرة، ثم مضى التاريخ وخلفة وراءه !.. إن الإسلام مواجهة دائمة لهذه البشرية إلى يوم القيامة.. وهو يواجهها كما واجهها أول مرة، كلما انحرفت هي وارتدت إلى مثل ما كانت فيه أول مرة !.. إن البشرية تنتكس بين فترة وأخرى وترجع إلى جاهليتها - وهذه هي " الرجعية " البائسة المرذولة - وعندئذ يتقدم الإسلام مرة أخرى ليؤدي دوره في انتشالها من هذه " الرجعية " مرة أخرى كذلك ؛ والأخذ بيدها في طريق التقدم والحضارة ؛ ويتعرض حامل دعوته والمنذر بكتابه للحرج الذي تعرض له الداعية الأول [ ص ] وهو يواجه البشرية بغير ما استكانت إليه من الارتكاس في وحل الجاهلية ؛ والغيبوبة في ظلامها الطاغي ! ظلام التصورات. وظلام الشهوات. وظلام الطغيان والذل. وظلام العبودية للهوى الذاتي ولأهواء العبيد أيضاً ! ويتذوق من يتعرض لمثل هذا الحرج، وهو يتحرك لاستنقاذ البشرية من مستنقع الجاهلية، طعم هذا التوجيه الإلهي للنبي [ ص ] :
( كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به وذكرى للمؤمنين )..
ويعلم - من طبيعة الواقع - من هم المؤمنون الذين لهم الذكرى، ومن هم غير المؤمنين الذين لهم الإنذار. ويعود هذا القرآن عنده كتابا حيا يتنزل اللحظة، في مواجهة واقع يجاهده هو بهذا القرآن جهاداً كبيراً..
والبشرية اليوم في موقف كهذا الذي كانت فيه يوم جاءها محمد رسول الله [ ص ] بهذا الكتاب، مأموراً من ربه أن ينذر به ويذكر ؛ وألا يكون في صدره حرج منه، وهو يواجه الجاهلية، ويستهدف تغييرها من الجذور والأعماق..
لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاءها هذا الدين، وانتكست البشرية إلى جاهلية كاملة شاملة للأصول والفروع والبواطن والظواهر، والسطوح والأعماق !
انتكست البشرية في تصوراتها الاعتقادية ابتداء - حتى الذين كان آباؤهم وأجدادهم من المؤمنين بهذا الدين، المسلمين لله المخلصين له الدين - فإن صورة العقيدة قد مسخت في تصورهم ومفهومهم لها في الأعماق..
لقد جاء هذا الدين ليغير وجه العالم، وليقيم عالماً آخر، يقر فيه سلطان الله وحده، ويبطل سلطان الطواغيت. عالماً يعبد فيه الله وحده - بمعني " العبادة " الشامل - ولا يعبد معه أحد من العبيد. عالماً يخرج الله فيه - من شاء - من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. عالماً يولد فيه " الإنسان " الحر الكريم النظيف.. المتحرر من شهوته وهواه، تحرره من العبودية لغير الله.
جاء هذا الدين ليقيم قاعدة :" أشهد أن لا إله إلا الله " التي جاء بها كل نبي إلى قومه على مدار التاريخ البشري - كما تقرر هذه السورة وغيرها من سور القرآن الكريم - وشهادة أن لا إله إلا الله ليس لها مدلولإلا أن تكون الحاكمية العليا لله في حياة البشر، كما أن له الحاكمية العليا في نظام الكون سواء. فهو المتحكم في الكون والعباد بقضائه وقدره، وهو المتحكم في حياة العباد بمنهجه وشريعته.. وبناء على هذه القاعدة لا يعتقد المسلم أن لله شريكاً في خلق الكون وتدبيره وتصريفه ؛ ولا يتقدم المسلم بالشعائر التعبدية إلاّ لله وحده. ولا يتلقى الشرائع والقوانين، والقيم والموازين، والعقائد والتصورات إلا من الله، ولا يسمح لطاغوت من العبيد أن يدعي حق الحاكمية في شيء من هذا كله مع الله.
هذه هي قاعدة هذا الدين من ناحية الاعتقاد.. فأين منها البشرية كلها اليوم ؟
إن البشرية تنقسم شيعاً كلها جاهلية.
شيعة ملحدة تنكر وجود الله أصلا وهم الملحدون.. فأمرهم ظاهر لا يحتاج إلى بيان !
وشيعة وثنية تعترف بوجود إله، ولكنها تشرك من دونه آلهة أخرى وأرباباً كثيرة. كما في الهند، وفي أواسط إفريقية، وفي أجزاء متفرقة من العالم.
وشيعة " أهل كتاب " من اليهود والنصارى. وهؤلاء أشركوا قديماً بنسبة الولد إلى الله. كما أشركوا باتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله - لأنهم قبلوا منهم ادعاء حق الحاكمية وقبلوا منهم الشرائع. وإن كانوا لم يصلوا لهم ولم يسجدوا ولم يركعوا أصلاً !.. ثم هم اليوم يقصون حاكمية الله بجملتها من حياتهم ويقيمون لأنفسهم أنظمة يسمونها " الرأسمالية " و " الاشتراكية ".. وما إليها. ويقيمون لأنفسهم أوضاعاً للحكم يسمونها " الديمقراطية " و " الديكتاتورية "... وما إليها. ويخرجون بذلك عن قاعدة دين الله كله، إلى مثل جاهلية الإغريق والرومان وغيرهم، في اصطناع أنظمة وأوضاع للحياة من عند أنفسهم. وشيعة تسمي نفسها " مسلمة " ! وهي تتبع مناهج أهل الكتاب هذه - حذوك النعل بالنعل ! - خارجة من دين الله إلى دين العباد. فدين الله هو منهجه وشرعه ونظامه الذي يضعه للحياة وقانونه. ودين العباد هو منهجهم للحياة وشرعهم ونظامهم الذي يضعونه للحياة وقوانينهم !
لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين للبشرية ؛ وانتكست البشرية بجملتها إلى الجاهلية.. شيعها جميعاً لا تتبع دين الله أصلاً.. وعاد هذا القرآن يواجه البشرية كما واجهها أول مرة، يستهدف منها نفس ما استهدفه في المرة الأولى من إدخالها في الإسلام ابتداء من ناحية العقيدة والتصور. ثم إدخالها في دين الله بعد ذلك من ناحية النظام والواقع.. وعاد حامل هذا الكتاب يواجه الحرج الذي كان يواجهه رسول الله [ ص ] وهو يواجه البشرية الغارقة في مستنقع الجاهلية، المستنيمة للمستنقع الآسن، الضالة في تيه الجاهلية، المستسلمة لاستهواء الشيطان في التيه !.. وهو يستهدف ابتداء إنشاء عقيدة وتصور في قلوب الناس وعقولهم تقوم على قاعدة : أشهد أن لا إله إلا الله. وإنشاء واقع في الأرض آخر يعبد فيه الله وحده، ولا يعبد معه سواه. وتحقيق ميلاد للإنسان جديد، يتحرر فيه الإنسان من عبادة العبيد، ومن عبادة هواه !
إن الإسلام ليس حادثاً تاريخياً، وقع مرة، ثم مضى التاريخ وخلفه وراءه.. إنه اليوم مدعو لأداء دوره الذي أداه مرة ؛ في مثل الظروف والملابسات والأوضاع والأنظمة والتصورات والعقائد والقيم والموازين والتقاليد... التي واجهها أول مرة.
إن الجاهلية حالة ووضع ؛ وليست فترة تاريخية زمنية.. والجاهلية اليوم ضاربة أطنابها في كل أرجاء الأرض، وفي كل شيع المعتقدات والمذاهب والأنظمة والأوضاع.. إنها تقوم ابتداء على قاعدة :" حاكمية العباد للعباد "، ورفض حاكمية الله المطلقة للعباد.. تقوم على أساس أن يكون " هوى الإنسان " في أيةصورة من صوره هو الإله المتحكم، ورفض أن تكون " شريعة الله " هي القانون المحكم.. ثم تختلف أشكالها ومظاهرها، وراياتها وشاراتها، وأسماؤها وأوصافها، وشيعها ومذاهبها.. غير أنها كلها تعود إلى هذه القاعدة المميزة المحددة لطبيعتها وحقيقتها..
وبهذا المقياس الأساسي يتضح أن وجه الأرض اليوم تغمره الجاهلية. وأن حياة البشرية اليوم تحكمها الجاهلية. وأن الإسلام اليوم متوقف عن " الوجود " مجرد الوجود ! وأن الدعاة إليه اليوم يستهدفون ما كان يستهدفه محمد رسول الله [ ص ] تماماً ؛ ويواجهون ما كان يواجهه [ ص ] تماماً، وأنهم مدعوون إلى التأسي به في قول الله - سبحانه - له :
( كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به وذكرى للمؤمنين )..
ولتوكيد هذه الحقيقة وجلائها نستطرد إلى شيء قليل من التفصيل :
إن المجتمعات البشرية اليوم - بجملتها - مجتمعات جاهلية. وهي من ثم مجتمعات " متخلفة " أو " رجعية " ! بمعنى أنها " رجعت " إلى الجاهلية، بعد أن أخذ الإسلام بيدها فاستنقذها منها. والإسلام اليوم مدعو لاستنقاذها من التخلف والرجعية الجاهلية، وقيادتها في طريق التقدم و " الحضارة " بقيمها وموازينها الربانية.
إنه حين تكون الحاكمية العليا لله وحده في مجتمع - متمثلة في سيادة شريعته الربانية - تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحرراً حقيقياً كاملاً من العبودية للهوى البشري ومن العبودية للعبيد. وتكون هذه هي الصورة الوحيدة للإسلام أو للحضارة - كما هي في ميزان الله - لأن الحضارة التي يريدها الله للناس تقوم على قاعدة أساسية من الكرامة والتحرر لكل فرد. ولا كرامة ولا تحرر مع العبودية لعبد.. لا كرامة ولا تحرر في مجتمع بعضه أرباب يشرعون ويزاولون حق الحاكمية العليا ؛ وبعضهم عبيد يخضعون ويتبعون هؤلاء الأرباب ! والتشريع لا ينحصر في الأحكام القانونية. فالقيم والموازين والأخلاق والتقاليد.. كلها تشريع يخضع الأفراد لضغطه شاعرين أو غير شاعرين !.. ومجتمع هذه صفته هو مجتمع رجعي متخلف.. أو بالاصطلاح الإسلامي :" مجتمع جاهلي مشرك " !
وحين تكون آصرة التجمع في مجتمع هي العقيدة والتصور والفكر ومنهج الحياة. ويكون هذا كله صادراً من الله، لا من هوى فرد، ولا من إرادة عبد. فإن هذا المجتمع يكون مجتمعاً متحضراً متقدماً. أو بالاصطلاح الإسلامي : مجتمعاً ربانياً مسلماً.. لأن التجمع حينئذ يكون ممثلاً لأعلى ما في " الإنسان " من خصائص - خصائص الروح والفكر - فأما حين تكون آصرة التجمع هي الجنس واللون والقوم والأرض... وما إلى ذلك من الروابط.. فإنه يكون مجتمعاً رجعياً متخلفاً.. أو بالاصطلاح الإسلامي : مجتمعاً جاهلياً مشركاً.. ذلك أن الجنس واللون والقوم والأرض.... وما إلى ذلك من الروابط لا تمثل الحقيقة العليا في " الإنسان ". فالإنسان يبقى إنساناً بعد الجنس واللون والقوم والأرض. ولكنه لا يبقى إنساناً بعد الروح والفكر !
ثم هو يملك بإرادته الإنسانية الحرة - وهي أسمى ما أكرمه الله به - أن يغير عقيدته وتصوره وفكره ومنهج حياته من ضلال إلى هدى عن طريق الإدراك والفهم والاقتناع والاتجاه. ولكنه لا يملك أبداً أن يغير جنسه، ولا لونه، ولا قومه. لا يملك أن يحدد سلفاً مولده في جنس ولا لون ؛ كما لا يمكنه أن يحدد سلفا مولده في قوم أو أرض.. فالمجتمع الذي يتجمع فيه الناس على أمر يتعلق بإرادتهم الحرة هو بدون شك أرقى وأمثل وأقوم من المجتمع الذي يتجمع فيه الناس على أمور خارجة عن إرادتهم ولا يد لهم فيها !
وحين تكون " إنسانية الإنسان " هي القيمة العليا في مجتمع ؛ وتكون " الخصائص الإنسانية " فيه موضعالتكريم والرعاية، يكون هذا المجتمع متحضرا متقدماً.. أو بالاصطلاح الإسلامي : ربانياً مسلماً.. فأما حين تكون " المادة " - في أية ص
وفي الوقت الذي وجه الله - سبحانه - هذا التكليف إلى رسوله، وجه إلى قومه المخاطبين بهذا القرآن أول مرة - وإلى كل قوم يواجههم الإسلام ليخرجهم من الجاهلية - الأمر باتباع ما أنزل في هذا الكتاب، والنهي عن اتباع الأولياء من دون الله. ذلك أن القضية في صميمها هي قضية " الاتباع ".. من يتبع البشر في حياتهم ؟ يتبعون أمر الله فهم مسلمون. أم يتبعون أمر غيره فهم مشركون ؟ إنهما موقفان مختلفان لا يجتمعان :
( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، ولا تتبعوا من دونه أولياء. قليلا ما تذكرون ).
هذه هي قضية هذا الدين الأساسية.. إنه إما اتباع لما أنزل الله فهو الإسلام لله، والاعتراف له بالربوبية، وإفراده بالحاكمية التي تأمر فتطاع، ويتبع أمرها ونهيها دون سواه.. وإما اتباع للأولياء من دونه فهو الشرك، وهو رفض الاعتراف لله بالربوبية الخالصة.. وكيف والحاكمية ليست خالصة له سبحانه ؟ !
وفي الخطاب للرسول [ ص ] كان الكتاب منزلاً إليه بشخصه :( كتاب أنزل إليك ).. وفي الخطاب للبشر كان الكتاب كذلك منزلاً إليهم من ربهم :( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ).. فأما الرسول [ ص ] فالكتاب منزل إليه ليؤمن به ولينذر ويذكر. وأما البشر فالكتاب منزل إليهم من ربهم ليؤمنوا به ويتبعوه، ولا يتبعوا أمر أحد غيره.. والإسناد في كلتا الحالتين للاختصاص والتكريم والتحضيض والاستجاشة. فالذي ينزل له ربه كتاباً، ويختاره لهذا الأمر، ويتفضل عليه بهذا الخير، جدير بأن يتذكر وأن يشكر ؛ وأن يأخذ الأمر بقوة ولا يستحسر..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

ولأن المحاولة ضخمة.. وهي تعني التغيير الأساسي الكامل الشامل للجاهلية : تصوراتها وأفكارها، وقيمها وأخلاقها، وعاداتها وتقاليدها، ونظمها، وأوضاعها، واجتماعها واقتصادها، وروابطها بالله، وبالكون، وبالناس..
لأن المحاولة ضخمة على هذا النحو ؛ يمضي السياق فيهز الضمائر هزاً عنيفاً ؛ ويوقظ الأعصاب إيقاظاً شديداً ؛ ويرج الجبلات السادرة في الجاهلية، المستغرقة في تصوراتها وأوضاعها رجاً ويدفعها دفعاً.. وذلك بأن يعرض عليها مصارع الغابرين من المكذبين في الدنيا، ومصائرهم كذلك في الآخرة :
( كم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون. فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا : إنا كنا ظالمين.. فلنسألن الذين أرسل إليهم، ولنسألن المرسلين. فلنقصن عليهم بعلم، وما كنا غائبين. والوزن يومئذ الحق، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون. ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون )..
إن مصارع الغابرين خير مذكر، وخير منذر.. والقرآن يستصحب هذه الحقائق، فيجعلها مؤثرات موحية، ومطارق موقظة، للقلوب البشرية الغافلة.
إنها كثيرة تلك القرى التي أهلكت بسبب تكذيبها. أهلكت وهي غارة غافلة. في الليل وفي ساعة القيلولة، حيث يسترخي الناس للنوم، ويستسلمون للأمن :
( وكم من قرية أهلكناها، فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون ).
وكلتاهما.. البيات والقيلولة.. ساعة غرّة واسترخاء وأمان ! والأخذ فيهما أشد ترويعاً وأعنف وقعا. وأدعى كذلك إلى التذكر والحذر والتوقي والاحتياط !
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

ثم ما الذي حدث ؟ إنه لم يكن لهؤلاء المأخوذين في غرتهم إلا الاعتراف ! ولم يكن لهم دعوى يدعونها إلا الإقرار !
( فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا : إنا كنا ظالمين )..
والإنسان يدعي كل شيء إلا الاعتراف والإقرار ! ولكنهم في موقف لا يملكون أن يدعوا إلا هذه الدعوى ! ( إنا كنا ظالمين ).. فياله من موقف مذهل رعيب مخيف، ذلك الذي يكون أقصى المحاولة فيه هو الاعتراف بالذنب والإقرار بالشرك !
إن الظلم الذي يعنونه هنا هو الشرك. فهذا هو المدلول الغالب على هذا التعبير في القرآن.. فالشرك هو الظلم. والظلم هو الشرك. وهل أظلم ممن يشرك بربه وهو خلقه ؟ !
وبينما المشهد معروض في الدنيا، وقد أخذ الله المكذبين ببأسه، فاعترفوا وهم يعاينون بأس الله أنهم كانوا ظالمين ؛ وتكشف لهم الحق فعرفوه، ولكن حيث لا تجدي معرفة ولا اعتراف، ولا يكف بأس الله عنهم ندم ولا توبة. فإن الندم قد فات موعده، والتوبة قد انقطعت طريقها بحلول العذاب..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

آية رقم ٦
بينما المشهد هكذا معروضاً في الدنيا إذا السياق ينتقل، وينقل معه السامعين من فوره إلى ساحة الآخرة. بلا توقف ولا فاصل. فالشريط المعروض موصول المشاهد، والنقلة تتخطى الزمان والمكان، وتصل الدنيا بالآخرة، وتلحق عذاب الدنيا بعذاب الآخرة ؛ وإذا الموقف هناك في لمحة خاطفة :
( فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين. فلنقصن عليهم بعلم، وما كنا غائبين. والوزن يومئذ الحق. فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون. ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون )..
إن التعبير على هذا النحو المصور الموحي، خاصية من خواص القرآن.. إن الرحلة في الأرض كلها تطوى في لمحة. وفي سطر من كتاب. لتلتحم الدنيا بالآخرة ؛ ويتصل البدء بالختام !
فإذا وقف هؤلاء الذين تعرضوا لبأس الله في هذه الأرض وقفتهم هناك للسؤال والحساب والجزاء، فإنه لا يكتفى باعترافهم ذاك حين واجهوا بأس الله الذي أخذهم وهم غارون :( إنا كنا ظالمين )..
ولكنه السؤال الجديد، والتشهير بهم على الملأ الحاشد في ذلك اليوم المشهود :
( فلنسألن الذين أرسل إليهم، ولنسألن المرسلين. فلنقصن عليهم بعلم - وما كنا غائبين )
فهو السؤال الدقيق الوافي، يشمل المرسل إليهم ويشمل المرسلين.. وتعرض فيه القصة كلها على الملأ الحاشد ؛ وتفصل فيه الخفايا والدقائق !.. يسأل الذين جاءهم الرسل فيعترفون. ويسأل الرسل فيجيبون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

آية رقم ٧
ثم يقص عليهم العليم الخبير كل شيء أحصاه الله ونسوه ! يقصه عليهم - سبحانه - بعلم فقد كان حاضراً كل شيء. وما كان - سبحانه - غائباً عن شيء.. وهي لمسة عميقة التأثير والتذكير والتحذير !
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

( والوزن يومئذ الحق )..
إنه لا مجال هنا للمغالطة في الوزن ؛ ولا التلبيس في الحكم ؛ ولا الجدل الذي يذهب بصحة الأحكام والموازين..
( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون )..
فقد ثقلت في ميزان الله الذي يزن بالحق. وجزاؤها إذن هو الفلاح.. وأي فلاح بعد النجاة من النار، والعودة إلى الجنة، في نهاية الرحلة المديدة، وفي ختام المطاف الطويل ؟
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

( ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون )..
فقد خفت في ميزان الله الذي لا يظلم ولا يخطئ. وقد خسروا أنفسهم. فماذا يكسبون بعد ؟ إن المرء ليحاول أن يجمع لنفسه. فإذا خسر ذات نفسه فما الذي يبقى له ؟
لقد خسروا أنفسهم بكفرهم بآيات الله :( بما كانوا بآياتنا يظلمون ) والظلم - كما أسلفنا - يطلق في التعبير القرآني ويراد به الشرك أو الكفر :( إن الشرك لظلم عظيم ).
ولا ندخل هنا في طبيعة الوزن وحقيقة الميزان - كما دخل فيه المتجادلون بعقلية غير إسلامية في تاريخ الفكر " الإسلامي " !.... فكيفيات أفعال الله كلها خارجة عن الشبية والمثيل. مذ كان الله سبحانه ليس كمثله شيء.. وحسبنا تقرير الحقيقة التي يقصد إليها السياق.. من أن الحساب يومئذ بالحق، وأنه لا يظلم أحد مثقال ذرة، وأن عملاً لا يبخس ولا يغفل ولا يضيع.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

من هنا تبدأ الرحلة الكبرى.. تبدأ بتمهيد عن تمكين الله للجنس البشري في الأرض، كحقيقة مطلقة، وذلك قبل أن تبدأ قصة البشرية تفصيلاً.
( ولقد مكناكم في الأرض، وجعلنا لكم فيها معايش، قليلاً ما تشكرون ) :
إن خالق الأرض وخالق الناس، هو الذي مكن لهذا الجنس البشري في الأرض. هو الذي أودع الأرض هذه الخصائص والموافقات الكثيرة التي تسمح بحياة هذا الجنس وتقوته وتعوله، بما فيها من أسباب الرزق والمعايش..
هو الذي جعلها مقراً صالحاً لنشأته بجوها وتركيبها وحجمها وبعدها عن الشمس والقمر، ودورتها حول الشمس، وميلها على محورها، وسرعة دورتها.. إلى آخر هذه الموافقات التي تسمح بحياة هذا الجنس عليها. وهو الذي أودع هذه الأرض من الأقوات والأرزاق ومن القوى والطاقات ما يسمح بنشأة هذا الجنس وحياته، وبنمو هذه الحياة ورقيها معا.. وهو الذي جعل هذا الجنس سيد مخلوقات هذه الأرض، قادراً على تطويعها واستخدامها ؛ بما أودعه الله من خصائص واستعدادات للتعرف إلى بعض نواميس هذا الكون وتسخيرها في حاجته..
ولولا تمكين الله للإنسان في الأرض بهذا وذلك، ما استطاع هذا المخلوق الضعيف القوة أن " يقهر الطبيعة " كما يعبر أهل الجاهلية قديماً وحديثاً ! ولا كان بقوته الذاتية قادراً على مواجهة القوى الكونية الهائلة الساحقة !
إن التصورات الجاهلية الإغريقية والرومانية هي التي تطبع تصورات الجاهلية الحديثة.. هي التي تصور الكون عدواً للإنسان ؛ وتصور القوى الكونية مضادة لوجوده وحركته ؛ وتصور الإنسان في معركة مع هذهالقوى - بجهده وحده - وتصور كل تعرف إلى النواميس الكونية، وكل تسخير لها " قهراً للطبيعة " في المعركة بينها وبين الجنس الإنساني !
إنها تصورات سخيفة، فوق أنها تصورات خبيثة !
لو كانت النواميس الكونية مضادة للإنسان، عدوة له، تتربص به، وتعاكس اتجاهه، وليس وراءها إرادة مدبرة - كما يزعمون - ما نشأ هذا الإنسان أصلاً ! وإلا فكيف كان ينشأ ؟ كيف ينشأ في كون معاد بلا إرادة وراءه ؟ ولما استطاع المضي في الحياة على فرض أنه وجد ! وإلا فكيف يمضي والقوى الكونية الهائلة تعاكس اتجاهه ؟ وهي - بزعمهم - التي تصرف نفسها ولا سلطان وراء سلطانها ؟
إن التصور الإسلامي وحده هو الذي يمضي وراء هذه الجزئيات ليربطها كلها بأصل شامل متناسق.. إن الله هو الذي خلق الكون، وهو الذي خلق الإنسان. وقد اقتضت مشيئته وحكمته أن يجعل طبيعة هذا الكون بحيث تسمح بنشأة هذا الإنسان، وأودع الإنسان من الاستعدادات ما يسمح له بالتعرف إلى بعض نواميس الكون واستخدامها في حاجته.. وهذا التناسق الملحوظ هو الجدير بصنعة الله الذي أحسن كل شيء خلقه. ولم يجعل خلائقه متعاكسة متعادية متدابرة !
وفي ظل هذا التصور يعيش " الإنسان " في كون مأنوس صديق ؛ وفي رعاية قوة حكيمة مدبرة.. يعيش مطمئن القلب، مستروح النفس، ثابت الخطو، ينهض بالخلافة عن الله في الأرض في اطمئنان الواثق بأنه معانٌ على الخلافة ؛ ويتعامل مع الكون بروح المودة والصداقة ؛ ويشكر الله كلما اهتدى إلى سر من أسرار الوجود ؛ وكلما تعرف إلى قانون من قوانينه التي تعينه في خلافته ؛ وتيسر له قدراً جديداً من الرقي والراحة والمتاع.
إن هذا التصور لا يكفه عن الحركة لاستطلاع أسرار الوجود والتعرف إلى نواميسه.. على العكس، هو يشجعه ويملأ قلبه ثقة وطمأنينة.. إنه يتحرك في مواجهة كون صديق لا يبخل عليه بأسراره، ولا يمنع عنه مدده وعونه.. وليس في مواجهة كون عدو يتربص به ويعاكس اتجاهاته ويسحق أحلامه وآماله !
إن مأساة " الوجودية " الكبرى هي هذا التصور النكد الخبيث.. تصور الوجود الكوني - بل الوجود الجماعي للبشرية ذاتها - معاكساً في طبيعته للوجود الفردي الإنساني، متجهاً بثقله الساحق إلى سحق هذا الوجود الإنساني ! إنه تصور بائس لا بد أن ينشىء حالة من الانزواء والانكماش والعدمية ! أو ينشىء حالة من الاستهتار والتمرد والفردية ! وفي كلتا الحالتين لا يكون إلا القلق المضني ! والبؤس النفسي والعقلي، والشرود في التيه : تيه التمرد، أو تيه العدم.. وهما سواء..
وهي ليست مأساة " الوجودية " وحدها من مذاهب الفكر الأوربي. إنها مأساة الفكر الأوربي كله - بكل مذاهبه واتجاهاته - بل مأساة الجاهلية كلها في جميع أزمانها وبيئاتها. المأساة التي يضع الإسلام حداً لها بعقيدته الشاملة، التي تنشىء في الإدراك البشري تصوراً صحيحاً لهذا الوجود، وما وراءه من قوة مدبرة.
إن " الإنسان " هو ابن هذه الأرض ؛ وهو ابن هذا الكون. لقد أنشأه الله من هذه الأرض، ومكنه فيها، وجعل له فيها أرزاقا ومعايش، ويسر له المعرفة التي تسلمه مفاتيحها ؛ وجعل نواميسها موافقة لوجود هذا الإنسان، تساعده - حين يتعرف إليها على بصيرة - وتيسر حياته.. ولكن الناس قليلاً ما يشكرون.. ذلك أنهم في جاهليتهم لا يعلمون.. وحتى الذين يعلمون لا يملكونأن يوفوا نعمة الله عليهم حقها من الشكر، وأنى لهم الوفاء ؟ لولا أن الله يقبل منهم ما يطيقون : وهؤلاء وهؤلاء ينطبق عليهم بهذين الاعتبارين قوله تعالى :
( قليلاً ما تشكرون ).
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

بعد ذلك تبدأ قصة البشرية بأحداثها المثيرة.. تبدأ بإعلان ميلاد الإنسان في احتفال مهيب، في رحاب الملأ الأعلى.. يعلنه الملك العزيز الجليل العظيم ؛ زيادة في الحفاوة والتكريم. وتحتشد له الملائكة - وفي زمرتهم وإن لم يكن منهم إبليس - وتشهده السماوات والأرض ؛ وما خلق الله من شيء.. إنه أمر هائل وحدث عظيم في تاريخ هذا الوجود :
( ولقد خلقناكم، ثم صورناكم، ثم قلنا للملائكة : اسجدوا لآدم. فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين. قال : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ؟ قال : أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين. قال : فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها، فاخرج إنك من الصاغرين. قال : أنظرني إلى يوم يبعثون. قال : إنك من المنظرين. قال : فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين. قال اخرج منها مذؤوماً مدحوراً، لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين )..
هذا هو المشهد الأول.. وهو مشهد مثير.. ومشهد خطير.. ونحن نؤثر استعراض مشاهد هذه القصة ابتداء ؛ ونرجىء التعليق عليها، واستلهام إيحاءاتها إلى أن نفرغ من استعراضها..
( ولقد خلقناكم، ثم صورناكم، ثم قلنا للملائكة : اسجدوا لآدم. فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين )
إن الخلق قد يكون معناه : الإنشاء. والتصوير قد يكون معناه : إعطاء الصورة والخصائص.. وهما مرتبتان في النشأة لا مرحلتان.. فإن ( ثم ) قد لا تكون للترتيب الزمني، ولكن للترقي المعنوي. والتصوير أرقى مرتبة من مجرد الوجود. فالوجود يكون للمادة الخامة ؛ ولكن التصوير - بمعنى إعطاء الصورة الإنسانية والخصائص - يكون درجة أرقى من درجات الوجود. فكأنه قال : إننا لم نمنحكم مجرد الوجود ولكن جعلناه وجوداً ذا خصائص راقية. وذلك كقوله تعالى :( الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ).
فإن كان شيء أعطي خصائصه ووظائفه وهُدي إلى أدائها عند خلقه. ولم تكن هناك فترة زمنية بين الخلق وإعطاء الخصائص والوظائف والهداية إلى أدائها. والمعنى لا يختلف إذا كان معنى( هَدى ) : هداه إلى ربه. فإنه هُدي إلى ربه عند خلقه. وكذلك آدم صور وأعطي خصائصه الإنسانية عند خلقه.. ( وثم ).. للترقي في الرتبة، لا للتراخي في الزمن. كما نرجح.
وعلى أية حال فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحباً لخلقه. وأن الترقي في تاريخ الإنسان كان ترقياً في بروز هذه الخصائص ونموها وتدريبها واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقياً في " وجود " الإنسان. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان. كما تقول الداروينية.
ووجود أطوار مترقية من الحيوان تتبع ترتيباً زمنياً - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظناً ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان في أزمان متوالية بعضها أرقى من بعض ؛ بفعل الظروف السائدة في الأرض، ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة حياتها، ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطوراً " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا.. لا تستطيع أن تثبت - في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعاً أرقى من النوع الذي قبله زمنياً.. وهذا يمكن تعليله كما قلنا.. بأن الظروف السائدة في الأرض كانت تسمح بوجود هذا النوع. فلما تغيرت صارت صالحة لنشأة نوع آخر فنشأ. ومساعدة على انقراض النوع الذي كان عائشاً من قبل في الظروف الأخرى فانقرض.
وعندئذ تكون نشأة النوع الإنساني نشأة مستقلة، في الزمن الذي علم الله أن ظروف الأرض تسمح بالحياة والنمو والترقي لهذا النوع، وهذا ما ترجحه مجموعة النصوص القرآنية في نشأة البشرية.
وتفرد " الإنسان " من الناحية البيولوجية والفسيولوجية والعقلية والروحية. هذا التفرد الذي اضطر الداروينيون المحدثون - وفيهم الملحدون بالله كلية - للاعتراف به، دليل مرجح على تفرد النشأة الإنسانية، وعدم تداخلها مع الأنواع الأخرى في تطور عضوي !
على أية حال لقد أعلن الله بذاته العلية الجليلة ميلاد هذا الكائن الإنساني ؛ في حفل حافل من الملأ الأعلى :
( ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم. فسجدوا. إلا إبليس لم يكن من الساجدين )..
والملائكة خلق آخر من خلق الله لهم خصائصهم ووظائفهم ؛ لا نعلم عنهم إلا ما أنبأنا الله من أمرهم - وقد أجملنا ما علمنا الله من أمرهم في موضع سابق من هذه الظلال - وكذلك إبليس فهو خلق غير الملائكة. لقوله تعالى : إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه.. والجن خلق غير الملائكة، لا نعلم عنه كذلك إلا ما نبأنا الله من أمره - وقد أجملنا ما أنبأنا الله به من أمرهم في موضع من هذا الجزء أيضاً - وسيأتي في هذه السورة أن إبليس خلق من نار. فهو من غير الملائكة قطعاً. وإن كان قد أمر بالسجود لآدم في زمرة الملائكة. في ذلك الحفل العظيم الذي أعلن فيه الملك الجليل، ميلاد هذا الكائن الفريد..
فأما الملائكة - وهم الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون - فقد سجدوا مطيعين منفذين لأمر الله، لا يترددون ولا يستكبرون ولا يفكرون في معصية لأي سبب ولأي تصور ولأي تفكير.. هذه طبيعتهم، وهذه خصائصهم : وهذه وظيفتهم.. وإلى هنا تتمثل كرامة هذا الكائن الإنساني على الله، كما تتمثل الطاعة المطلقة في ذلك الخلق المسمى بالملائكة من عباد الله.
وأما إبليس فقد امتنع عن تنفيذ أمر الله - سبحانه - وعصاه. وسنعلم : ما الذي حاك في صدره، وما التصور الذي سيطر عليه فمنعه من طاعة ربه. وهو يعرف أنه ربه وخالقه، ومالك أمره وأمر الوجود كله ؛ لا يشك في شيء من هذا كله !
وكذلك نجد في المشهد ثلاثة نماذج من خلق الله : نموذج الطاعة المطلقة والتسليم العميق. ونموذج العصيان المطلق والاستكبار المقيت.. وطبيعة ثالثة هي الطبيعة البشرية. وسنعلم خصائصها وصفاتها المزدوجة فيما سيجيء. فأما الطبيعة الأولى فهي خالصة لله، وقد انتهى دورها في هذا الموقف بهذا التسليم المطلق. وأما الطبيعتان الأخريان، فسنعرف كيف تتجهان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

( قال : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ؟ قال : أنا خير منه، خلقتني من نار، وخلقته من طين )
لقد جعل إبليس له رأيا مع النص. وجعل لنفسه حقا في أن يحكم نفسه وفق ما يرى هو من سبب وعلة مع وجود الأمر.. وحين يوجد النص القاطع والأمر الجازم ينقطع النظر، ويبطل التفكر ؛ وتتعين الطاعة، ويتحتم التنفيذ.. وهذا إبليس - لعنه الله - لم يكن ينقصه أن يعلم أن الله هو الخالق المالك الرازق المدبر الذي لا يقع في هذا الوجود شيء إلا بإذنه وقدره.. ولكنه لم يطع الأمر كما صدر إليه ولم ينفذه.. بمنطق من عند نفسه :
( قال : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين )..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

فكان الجزاء العاجل الذي تلقاه لتوه :
( قال : فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها، فاخرج إنك من الصاغرين )..
إن علمه بالله لم ينفعه، واعتقاده بوجوده وصفاته لم ينفعه.. وكذلك كل من يتلقى أمر الله ؛ ثم يجعل لنفسه نظراً في هذا الأمر يترتب عليه قبوله أو رفضه ؛ وحاكمية في قضية قضى الله فيها من قبل ؛ يرد بها قضاء الله في هذه القضية.. إنه الكفر إذن مع العلم ومع الاعتقاد. فإبليس لم يكن ينقصه العلم ؛ ولم يكن ينقصه الاعتقاد !
لقد طرد من الجنة، وطرد من رحمة الله، وحقت عليه اللعنة، وكتب عليه الصغار.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

آية رقم ١٤
ولكن الشرير العنيد لا ينسى أن آدم هو سبب الطرد والغضب ؛ ولا يستسلم لمصيره البائس دون أن ينتقم. ثم ليؤدي وظيفته وفق طبيعة الشر التي تمحضت فيه :
( قال : أنظرني إلى يوم يبعثون. قال : إنك من المنظرين. قال : فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين ).. فهو الإصرار المطلق على الشر، والتصميم المطلق على الغواية.. وبذلك تتكشف هذه الطبيعة عن خصائصها الأولى.. شر ليس عارضاً ولا وقتياً. إنما هو الشر الأصيل العامد القاصد العنيد..
ثم هو التصوير المشخص للمعاني العقلية والحركات النفسية، في مشاهد شاخصة حية :
لقد سأل إبليس ربه أن ينظره إلى يوم البعث. وهو يعلم أن هذا الذي يطلبه لا يقع إلاّ بإرادة الله وقدره.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

آية رقم ١٥
ولقد أجابه الله إلى طلبه في الإنظار، ولكن إلى ( يوم الوقت المعلوم ) كما جاء في السورة الأخرى. وقد وردت الروايات : أنه يوم النفخة الأولى التي يصعق فيها من في السماوات والأرض - إلا من شاء الله - لا يوم يبعثون..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

آية رقم ١٦
وهنا يعلن إبليس في تبجح خبيث - وقد حصل على قضاء بالبقاء الطويل - أنه سيرد على تقدير الله له الغواية وإنزالها به، بسبب معصيته وتبجحه ؛ بأن يغوي ذلك المخلوق الذي كرمه الله، والذي بسببه كانت مأساة إبليس ولعنه وطرده ! ويجسم هذا الإغواء بقوله الذي حكاه القرآن عنه :
( لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم )..
إنه سيقعد لآدم وذريته على صراط الله المستقيم، يصد عنه كل من يهم منهم باجتيازه - والطريق إلى الله لا يمكن أن يكون حساً، فالله سبحانه جل عن التحيز، فهو إذن طريق الإيمان والطاعات المؤدي إلى رضى الله –
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

وإنه سيأتي البشر من كل جهة :( من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ).. للحيلولة بينهم وبين الإيمان والطاعة.. وهو مشهد حي شاخص متحرك لإطباق إبليس على البشر في محاولته الدائبة لإغوائهم، فلا يعرفون الله ولا يشكرونه، اللهم إلا القليل الذي يفلت ويستجيب :
( ولا تجد أكثرهم شاكرين )..
ويجيء ذكر الشكر، تنسيقا مع ما سبق في مطلع السورة :( قليلاً ما تشكرون ).. لبيان السبب في قلة الشكر ؛ وكشف الدافع الحقيقي الخفي، من حيلولة إبليس دونه، وقعوده على الطريق إليه ! ليستيقظ البشر للعدو الكامن الذي يدفعهم عن الهدى ؛ وليأخذوا حذرهم حين يعرفون من أين هذه الآفة التي لا تجعل أكثرهم شاكرين !
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

لقد أجيب إبليس إلى ملتمسه. لأن مشيئة الله - سبحانه - اقتضت أن يترك الكائن البشري يشق طريقه ؛ بما ركب في فطرته من استعداد للخير والشر ؛ وبما وهبه من عقل مرجح ؛ وبما أمده من التذكير والتحذير على أيدي الرسل ؛ ومن الضبط والتقويم بهذا الدين. كما اقتضت أن يتلقى الهداية والغواية ؛ وأن يصطرع في كيانه الخير والشر ؛ وأن ينتهي إلى إحدى النهايتين، فتحق عليه سنة الله وتتحقق مشيئته بالابتلاء، سواء اهتدى أو ضل، فعلى سنة الله الجارية وفق مشيئته الطليقة، تحقق الهدى أو الضلال.
ولكن السياق هنا لا يصرح بترخيص الله - سبحانه - لإبليس - عليه اللعنة - في إيعاده هذا الأخير، كما صرح بإجابته في إنظاره. إنما يسكت عنه، ويعلن طرد إبليس طرداً لا معقب عليه. طرده مذموماً مقهوراً، وإبعاده بملء جهنم منه وممن يتبعه من البشر ويضل معه :
( قال : اخرج منها مذؤوماً مدحوراً. لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين )..
ومن يتبعه من البشر قد يتبعه في معرفته بالله واعتقاده بألوهيته، ثم في رفض حاكمية الله وقضائه، وادعاء أن له الحق في إعادة النظر في أوامر الله، وفي تحكيم منطقه هو في تنفيذها أو عدم تنفيذها.. كما أنه قد يتبعه ليضله عن الاهتداء إلى الله أصلا ً.. وهذا وذلك كلاهما اتباع للشيطان ؛ جزاؤه جهنم مع الشيطان !
لقد جعل الله - سبحانه - لإبليس وقبيله فرصة الإغواء. وجعل لآدم وذريته فرصة الاختيار تحقيقاً للابتلاء، الذي قضت مشيئته أن تأخذ به هذا الكائن ؛ وتجعله به خلقاً متفرداً في خصائصه، لا هو ملك ولا هو شيطان. لأن له دورا آخر في هذا الكون، ليس هو دور الملك ولا هو دور الشيطان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

وينتهي هذا المشهد، ليتلوه مشهد آخر في السياق :
ينظر الله - سبحانه - بعد طرد إبليس من الجنة هذه الطردة - إلى آدم وزوجه.. وهنا فقط نعرف أن له زوجا من جنسه، لاندري كيف جاءت. فالنص الذي معنا وأمثاله في القرآن الكريم لا تتحدث عن هذا الغيب بشيء. وكل الروايات التي جاءت عن خلقها من ضلعه مشوبة بالإسرائيليات لا نملك أن نعتمد عليها، والذي يمكن الجزم به هو فحسب أن الله خلق له زوجاً من جنسه، فصارا زوجين اثنين ؛ والسنة التي نعلمها عن كل خلق الله هي الزوجية :( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ).. فهي سنة جارية وهي قاعدة في كل خلق الله أصيلة. وإذا سرنا مع هذه السنة فإن لنا أن نرجح أن خلق حواء لم يمكث طويلاً بعد خلق آدم، وأنه تم على نفس الطريقة التي تم بها خلق آدم..
على أية حال يتجه الخطاب إلى آدم وزوجه، ليعهد إليهما ربهما بأمره في حياتهما ؛ ولتبدأ تربيته لهما وإعدادهما لدورهما الأساسي، الذي خلق الله له هذا الكائن. وهو دور الخلافة في الأرض - كما صرح بذلك في آية البقرة :( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة )..
( ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، فكلا من حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة، فتكونا من الظالمين )..
ويسكت القرآن عن تحديد ( هذه الشجرة ). لأن تحديد جنسها لا يريد شيئاً في حكمة حظرها. مما يرجح أن الحظر في ذاته هو المقصود.. لقد أذن الله لهما بالمتاع الحلال، ووصاهما بالامتناع عن المحظور. ولا بد من محظور يتعلم منه هذا الجنس أن يقف عند حد ؛ وأن يدرب المركوز في طبعه من الإرادة التي يضبط بها رغباته وشهواته ؛ ويستعلي بها على هذه الرغبات والشهوات، فيظل حاكماً لها لا محكوماً بها كالحيوان، فهذه هي خاصية " الانسان " التي يفترق بها عن الحيوان، ويتحقق بها فيه معنى " الإنسان ".
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

والآن يبدأ إبليس يؤدي دوره الذي تمحض له..
إن هذا الكائن المتفرد ؛ الذي كرمه الله كل هذا التكريم ؛ والذي أعلن ميلاده في الملأ الأعلى في ذلك الحفل المهيب ؛ والذي أسجد له الملائكة فسجدوا ؛ والذي أخرج بسببه إبليس من الجنة وطرده من الملأ الأعلى.. إن هذا الكائن مزدوج الطبيعة ؛ مستعد للاتجاهين على السواء. وفيه نقط ضعف معينة يقاد منها - ما لم يلتزم بأمر الله فيها - ومن هذه النقط تمكن إصابته، ويمكن الدخول إليه.. إن له شهوات معينة.. ومن شهواته يمكن أن يقاد !

وراح إبليس يداعب هذه الشهوات :

( فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ؛ وقال : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين، أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين )..
ووسوسة الشيطان لا ندري نحن كيف تتم ؛ لأننا لا ندري كنه الشيطان حتى ندرك كيفيات أفعاله، وكذا اتصاله بالإنسان وكيفية إغوائه. ولكننا نعلم - بالخبر الصادق وهو وحده المصدر المعتمد عندنا عن هذا الغيب - أن إغواء على الشر يقع في صورة من الصور ؛ وإيحاء بارتكاب المحظور يتم في هيئة من الهيئات. وأن هذا الإيحاء وذلك الإغواء يعتمدان على نقط الضعف الفطرية في الإنسان. وأن هذا الضعف يمكن إتقاؤه بالإيمان والذكر ؛ حتى ما يكون للشيطان سلطان على المؤمن الذاكر ؛ وما يكون لكيده الضعيف حينئذ من تأثير.. وهكذا وسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما.. فهذا كان هدفه.. لقد كانت لهما سوآت، ولكنها كانت مواراة عنهما لا يريانها - وسنعلم من السياق أنها سوآت حسية جسدية تحتاج إلى تغطية مادية، فكأنها عوراتهما - ولكنه لم يكشف لهما هدفه بطبيعة الحال ! إنما جاءهما من ناحية رغائبهما العميقة :
( وقال : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين )..
بذلك داعب رغائب " الإنسان " الكامنة.. إنه يحب أن يكون خالداً لا يموت أو معمرا أجلا طويلاً كالخلود ! ويحب أن يكون له ملك غير محدد بالعمر القصير المحدد..
وفي قراءة :( ملكين ) بكسر اللام. وهذه القراءة يعضدها النص الآخر في سورة طه : هل أدلكما على شجرة الخلد وملك لا يبلى.. وعلى هذه القراءة يكون الإغراء بالملك الخالد والعمر الخالد وهما أقوى شهوتين في الإنسان بحيث يمكن أن يقال : إن الشهوة الجنسية ذاتها إن هي إلا وسيلة لتحقيق شهوة الخلود بالامتداد في النسل جيلاً بعد جيل - وعلى قراءة( ملكين )بفتح اللام يكون الإغراء بالخلاص من قيود الجسد كالملائكة مع الخلود.. ولكن القراءة الأولى - وإن لم تكن هي المشهورة - أكثر اتفاقاً مع النص القرآني الآخر، ومع اتجاه الكيد الشيطاني وفق شهوات الإنسان الأصيلة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

آية رقم ٢١
ولما كان اللعين يعلم أن الله قد نهاهما عن هذه الشجرة ؛ وأن هذا النهي له ثقله في نفوسهما وقوته ؛ فقد استعان على زعزعته - إلى جانب مداعبة شهواتهما - بتأمينهما من هذه الناحية ؛ فحلف لهما بالله إنه لهما ناصح، وفي نصحه صادق :
( وقاسمهما : إني لكما لمن الناصحين ).. !
ونسي آدم وزوجه - تحت تأثير الشهوة الدافعة والقسم المخدر - أنه عدوهما الذي لا يمكن أن يدلهما على خير ! وأن الله أمرهما أمراً عليهما طاعته سواء عرفا علته أم لم يعرفاها ! وأنه لا يكون شيء إلا بقدر من الله، فإذا كان لم يقدر لهما الخلود والملك الذي لا يبلى فلن ينالاه !
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

نسيا هذا كله، واندفعا يستجيبان للإغراء !
( فدلاهما بغرور، فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ؛ وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة، وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ؟ )..
لقد تمت الخدعة وآتت ثمرتها المرة. لقد أنزلهما الشيطان بهذا الغرور من طاعة الله إلى معصيته، فأنزلهما إلى مرتبة دنيا :
( فدلاهما بغرور ) !
ولقد شعرا الآن أن لهما سوآت، تكشفت لهما بعد أن كانت مواراة عنهما. فراحا يجمعان من ورق الجنة ويشبكانه بعضه في بعض ( يخصفان ) ويضعان هذا الورق المشبك على سوآتهما - مما يوحي بأنها العورات الجسدية التي يخجل الإنسان فطرة من تعريها، ولا يتعرى ويتكشف إلا بفساد في هذه الفطرة من صنع الجاهلية !
( وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة، وأقل لكما : إن الشيطان لكما عدو مبين ؟ )
وسمعا هذا العتاب والتأنيب من ربهما على المعصية وعلى إغفال النصيحة.. أما كيف كان النداء وكيف سمعاه، فهو كما خاطبهما أول مرة. وكما خاطب الملائكة. وكما خاطب إبليس. كلها غيب لا ندري عنه إلا أنه وقع. وأن الله يفعل ما يشاء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

وأمام النداء العلوي يتكشف الجانب الآخر في طبيعة هذا الكائن المتفرد.. إنه ينسى ويخطئ. إن فيه ضعفاً يدخل منه الشيطان. إنه لا يلتزم دائماً ولا يستقيم دائماً.. ولكنه يدرك خطأه ؛ ويعرف زلته ؛ ويندم ويطلب العون من ربه والمغفرة.. إنه يثوب ويتوب ؛ ولا يلح كالشيطان في المعصية، ولا يكون طلبه من ربه هو العون على المعصية !
( قالا : ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين )..
إنها خصيصة " الإنسان " التي تصله بربه، وتفتح له الأبواب إليه.. الاعتراف، والندم، والاستغفار، والشعور بالضعف، والاستعانة به، وطلب رحمته. مع اليقين بأنه لا حول له ولا قوة إلا بعون الله ورحمته.. وإلا كان من الخاسرين..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

وهنا تكون التجربة الأولى قد تمت. وتكشف خصائص الإنسان الكبرى. وعرفها هو وذاقها. واستعد - بهذا التنبيه لخصائصه الكامنة - لمزاولة اختصاصه في الخلافة ؛ وللدخول في المعركة التي لا تهدأ أبداً مع عدوه..
( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين. قال : فيها تحيون، وفيها تموتون، ومنها تخرجون )..
وهبطوا جميعا.. هبطوا إلى هذه الأرض.. ولكن أين كانوا ؟ أين هي الجنة ؟.. هذا من الغيب الذي ليس عندنا من نبأ عنه إلا ما أخبرنا به من عنده مفاتح الغيب وحده.. وكل محاولة لمعرفة هذا الغيب بعد انقطاع الوحي هي محاولة فاشلة. وكل تكذيب كذلك يعتمد على مألوفات البشر اليوم و( علمهم ) الظني هو تبجح. فهذا " العلم " يتجاوز مجاله حين يحاول الخوض في هذا الغيب بغير أداة عنده ولا وسيلة. ويتبجح حين ينفي الغيب كله، والغيب محيط به في كل جانب، والمجهول في " المادة " التي هي مجاله أكثر كثيراً من المعلومات !
لقد هبطوا جميعاً إلى الأرض.. آدم وزوجه، وإبليس وقبيله. هبطوا ليصارع بعضهم بعضاً، وليعادي بعضهم بعضاً ؛ ولتدور المعركة بين طبيعتين وخليقتين : إحداهما ممحضة للشر، والأخرى مزدوجة الاستعداد للخير والشر ؛ وليتم الابتلاء ويجري قدر الله بما شاء.
وكتب على آدم وذريته أن يستقروا في الأرض ؛ ويمكنوا فيها، ويستمتعوا بما فيها إلى حين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال

آية رقم ٢٥
وبعد فإنها ليست قصة ! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير " مقومات التصور الإسلامي "..
وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "..
إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان ؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة.
والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا : إنه ليس من " المعقول " ! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد ؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون ! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معاد لنشأته ونشأة الحياة جملة !.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة !
وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها ! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل ؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هوالله ! هوالذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هوصاحب هذا الملك الكبير الذي لايقوم شيء منه إلا برعايته ؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علما ! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه ! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة ! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة !
يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب :" الكون الغامض " :
" ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها ؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها ؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر ؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم !.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله : أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول : إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة ؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية ؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها.
" هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه، فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة ".
وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل ! فضلا على أن يكون عقل عالم ! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدّرة ! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه ؟ ! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه ؟ ! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلا، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم ؟ !
إنها تصورات لا تستحق عناء النظر ! ولو أن هؤلاء " العلماء " يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات " الميتافيزيقية " التي لا تستند علىأساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم ! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير !
ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظر إلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز ! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارىء هذا الكون ؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه ؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته ؛ ولكننا لانفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة ؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين :
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلا ما تشكرون )..
والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية : هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية ؛ وضخامة دوره المنوط به ؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها ؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة ؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه !.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان ( إلهاً ) كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم.
لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه ؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه..
وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم !
والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لايعلمه إلا الله من الخلق ؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف. وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولا ).. وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل ! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدرالمقدرة على الظلم والجهل !.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده.
كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه ؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره.
هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة ؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها.
إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه ! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره ؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة ( وعلم آدم الأسماء كلها )- وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه ؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله.
ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك.
ويتعامل مع الجن : صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحيانا له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام.
كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله ؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها ! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص " إنسانيته " ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم ال
هذه وقفة من وقفات التعقيب في سياق السورة. وهي وقفة طويلة بعد المشهد الأول في قصة البشرية الكبرى. وفي سياق السورة وقفات كهذه عند كل مرحلة. كأنما ليقال : قفوا هنا نتدبر ما في هذه المرحلة من عبرة قبل أن نمضي قدماً في الرحلة الكبرى !
وهي وقفة في مواجهة المعركة التي بانت طلائعها بين الشيطان والبشرية. وقفة للتحذير من أساليب الشيطان ومداخله ؛ ولكشف خطته ما كان منها وما يكون متمثلاً في صور وأشكال شتى.
ولكن المنهج القرآني لا يعرض توجيهاً إلا لمواجهة حالة قائمة ؛ ولا يقص قصصاً إلا لأن له موقعاً في واقع الحركة الإسلامية.. إنه كما قلنا لا يعرض قصصاً لمجرد المتاع الفني ! ولا يقرر حقيقة لمجرد عرضها النظري.. إن واقعية الإسلام وجديته تجعلان توجيهاته وتقريراته، لمواجهة حالات واقعة بالفعل في مواجهة الحركة الإسلامية.
وقد كان واقع الجاهلية العربية هو الذي يواجهه التعقيب هنا عقب المرحلة الأولى من قصة البشرية الكبرى.. كانت قريش قد ابتدعت لنفسها حقوقاً على بقية مشركي العرب الذين يفدون لحج بيت الله - الذي جعلوه بيتاً للأصنام وسدنتها ! - وأقامت هذه الحقوق على تصورات اعتقادية زعمت أنها من دين الله ؛ وصاغتها في شرائع، زعمت أنها من شرع الله ! وذلك لتخضع لها أعناق المشركين ؛ كما يصنع السدنة والكهنة والرؤساء في كل جاهلية على وجه التقريب.. وكانت قريش سمت نفسها اسماً خاصاً وهو " الحُمس " وجعلوا لأنفسهم حقوقاً ليست لسائر العرب. ومن هذه الحقوق - فيما يختص بالطواف بالبيت - أنهم هم وحدهم لهم حق الطواف في ثيابهم. فأما بقية العرب فلا تطوف في ثياب لبستها من قبل. فلا بد أن تستعير من ثياب الحمس للطواف أو تستجد ثياباً لم تلبسها من قبل وإلا طافوا عرايا وفيهم النساء !
قال ابن كثير في التفسير :[ كانت العرب - ما عدا قريشاً - لايطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها ! وكانت قريش - وهم الحمس - يطوفون في ثيابهم. ومن أعاره أحمسي ثوباً طاف فيه ؛ ومن معه ثوب جديد طاف فيه. ثم يلقيه فلا يتملكه أحد ! ومن لم يجد ثوباً جديداً، ولا أعاره أحمسي ثوباً طاف عرياناً ! وربما كانت امرأة فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئاً ليستره بعض الستر... وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل. وكان هذا شيئاً قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع ؛ فأنكر الله تعالى عليهم ذلك فقال :( وإذا فعلوا فاحشة قالوا : وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ).. فقال تعالى رداً عليهم :( قل ). أي يا محمد لمن ادعى ذلك. ( إن الله لا يأمر بالفحشاء ) أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك. ( أتقولون على الله ما لا تعلمون ).. أي أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته. وقوله تعالى :( قل : أمر ربي بالقسط ).. أي بالعدل. والاستقامة :( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وادعوه مخلصين له الدين ).. أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وما جاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته. فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين :[ أي أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، وأن يكون خالصاً من الشرك ].
ففي مواجهة هذا الواقع الجاهلي في شؤون التشريع للعبادة والطواف واللباس - مضافاً إليه ما يختص بتقاليد كهذه في الطعام يزعمون أنها من شرع الله وليست من شرع الله - في مواجهة هذا الواقع جاءت تلك التعقيبات على قصة البشرية الأولى. وجاء ذكر الأكل من ثمر الجنة - إلا ما حرم الله - وجاء ذكر اللباس خاصة، ونزع الشيطان له عن آدم وزوجه بإغوائه لهما بتناول المحظور ؛ وجاء ذكر حيائهما الفطري من كشف السوآت، وخصفهما على سوآتهما من ورق الجنة..
فما ذكر من أحداث القصة، وما جاء في التعقيب الأول عليها، هو مواجهة واقعية لواقع معين في الجاهلية..
والقصة تذكر في مواضع أخرى من القرآن، في سور أخرى، لمواجهة حالات أخرى، فتذكر منها مواقف ومشاهد، وتذكر بعدها تقريرات وتعقيبات تواجه هذه الحالات الأخرى.. وكله حق.. ولكن تفصيل القرآن لمواجهة الواقع البشري هو الذي يقتضي هذا الاختيار والتناسق. بين حلقات القصص المعروض في كل معرض، وطبيعة الجو والموضوع في كل معرض.
هذه وقفة من وقفات التعقيب في سياق السورة. وهي وقفة طويلة بعد المشهد الأول في قصة البشرية الكبرى. وفي سياق السورة وقفات كهذه عند كل مرحلة. كأنما ليقال : قفوا هنا نتدبر ما في هذه المرحلة من عبرة قبل أن نمضي قدماً في الرحلة الكبرى !
وهي وقفة في مواجهة المعركة التي بانت طلائعها بين الشيطان والبشرية. وقفة للتحذير من أساليب الشيطان ومداخله ؛ ولكشف خطته ما كان منها وما يكون متمثلاً في صور وأشكال شتى.
ولكن المنهج القرآني لا يعرض توجيهاً إلا لمواجهة حالة قائمة ؛ ولا يقص قصصاً إلا لأن له موقعاً في واقع الحركة الإسلامية.. إنه كما قلنا لا يعرض قصصاً لمجرد المتاع الفني ! ولا يقرر حقيقة لمجرد عرضها النظري.. إن واقعية الإسلام وجديته تجعلان توجيهاته وتقريراته، لمواجهة حالات واقعة بالفعل في مواجهة الحركة الإسلامية.
وقد كان واقع الجاهلية العربية هو الذي يواجهه التعقيب هنا عقب المرحلة الأولى من قصة البشرية الكبرى.. كانت قريش قد ابتدعت لنفسها حقوقاً على بقية مشركي العرب الذين يفدون لحج بيت الله - الذي جعلوه بيتاً للأصنام وسدنتها ! - وأقامت هذه الحقوق على تصورات اعتقادية زعمت أنها من دين الله ؛ وصاغتها في شرائع، زعمت أنها من شرع الله ! وذلك لتخضع لها أعناق المشركين ؛ كما يصنع السدنة والكهنة والرؤساء في كل جاهلية على وجه التقريب.. وكانت قريش سمت نفسها اسماً خاصاً وهو " الحُمس " وجعلوا لأنفسهم حقوقاً ليست لسائر العرب. ومن هذه الحقوق - فيما يختص بالطواف بالبيت - أنهم هم وحدهم لهم حق الطواف في ثيابهم. فأما بقية العرب فلا تطوف في ثياب لبستها من قبل. فلا بد أن تستعير من ثياب الحمس للطواف أو تستجد ثياباً لم تلبسها من قبل وإلا طافوا عرايا وفيهم النساء !
قال ابن كثير في التفسير :[ كانت العرب - ما عدا قريشاً - لايطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها ! وكانت قريش - وهم الحمس - يطوفون في ثيابهم. ومن أعاره أحمسي ثوباً طاف فيه ؛ ومن معه ثوب جديد طاف فيه. ثم يلقيه فلا يتملكه أحد ! ومن لم يجد ثوباً جديداً، ولا أعاره أحمسي ثوباً طاف عرياناً ! وربما كانت امرأة فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئاً ليستره بعض الستر... وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل. وكان هذا شيئاً قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع ؛ فأنكر الله تعالى عليهم ذلك فقال :( وإذا فعلوا فاحشة قالوا : وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ).. فقال تعالى رداً عليهم :( قل ). أي يا محمد لمن ادعى ذلك. ( إن الله لا يأمر بالفحشاء ) أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك. ( أتقولون على الله ما لا تعلمون ).. أي أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته. وقوله تعالى :( قل : أمر ربي بالقسط ).. أي بالعدل. والاستقامة :( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وادعوه مخلصين له الدين ).. أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وما جاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته. فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين :[ أي أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، وأن يكون خالصاً من الشرك ].
ففي مواجهة هذا الواقع الجاهلي في شؤون التشريع للعبادة والطواف واللباس - مضافاً إليه ما يختص بتقاليد كهذه في الطعام يزعمون أنها من شرع الله وليست من شرع الله - في مواجهة هذا الواقع جاءت تلك التعقيبات على قصة البشرية الأولى. وجاء ذكر الأكل من ثمر الجنة - إلا ما حرم الله - وجاء ذكر اللباس خاصة، ونزع الشيطان له عن آدم وزوجه بإغوائه لهما بتناول المحظور ؛ وجاء ذكر حيائهما الفطري من كشف السوآت، وخصفهما على سوآتهما من ورق الجنة..
فما ذكر من أحداث القصة، وما جاء في التعقيب الأول عليها، هو مواجهة واقعية لواقع معين في الجاهلية..
والقصة تذكر في مواضع أخرى من القرآن، في سور أخرى، لمواجهة حالات أخرى، فتذكر منها مواقف ومشاهد، وتذكر بعدها تقريرات وتعقيبات تواجه هذه الحالات الأخرى.. وكله حق.. ولكن تفصيل القرآن لمواجهة الواقع البشري هو الذي يقتضي هذا الاختيار والتناسق. بين حلقات القصص المعروض في كل معرض، وطبيعة الجو والموضوع في كل معرض.
( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة، ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما، إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون. وإذا فعلوا فاحشة قالوا : وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها. قل : إن الله لا يأمر بالفحشاء، أتقولون على الله ما لا تعلمون ؟ قل : أمر ربي بالقسط، وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وادعوه مخلصين له الدين، كما بدأكم تعودون. فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة، إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، ويحسبون أنهم مهتدون )..
إنه النداء الثاني لبني آدم، في وقفة التعقيب على قصة أبويهم، وما جرى لهما مع الشيطان ؛ وعلى مشهد العري الذي أوقفهما فيه عدوهما، بسبب نسيانهما أمر ربهما والاستماع إلى وسوسة عدوهما.
وهذا النداء يصبح مفهوماً بما قدمناه من الحديث عن تقاليد الجاهلية العربية في حكاية العري عند الطواف بالبيت ؛ وزعمهم أن ما وجدوا عليه آباءهم هو من أمر الله وشرعه !
لقد كان النداء الأول تذكيراً لبني آدم بذلك المشهد الذي عاناه أبواهم ؛ وبنعمة الله في إنزال اللباس الذي يستر العورة والرياش الذي يتجمل به.. أما هذا النداء الثاني فهو التحذير لبني آدم عامة وللمشركين الذين يواجههم الإسلام في الطليعة. أن يستسلموا للشيطان، فيما يتخذونه لأنفسهم من مناهج وشرائع وتقاليد ؛ فيسلمهم إلى الفتنة - كما فعل مع أبويهم من قبل إذ أخرجهما من الجنة ونزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما - - فالعري والتكشف الذي يزاولونه - والذي هو طابع كل جاهلية قديماً وحديثاً - هو عمل من أعمال الفتنة الشيطانية، وتنفيذ لخطة عدوهم العنيدة في إغواء آدم وبنيه ؛ وهوطرف من المعركة التي لا تهدأ بين الإنسان وعدوه. فلا يدع بنو آدم لعدوهم أن يفتنهم ؛ وأن ينتصر في هذه المعركة، وأن يملأ منهم جهنم في نهاية المطاف ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ).
وزيادة في التحذير، واستثارة للحذر، ينبئهم ربهم أن الشيطان يراهم هو وقبيله من حيث لا يرونهم.
وإذن فهو أقدر على فتنتهم بوسائله الخفية ؛ وهم محتاجون إلى شدة الاحتياط، وإلى مضاعفة اليقظة، وإلى دوام الحذر، كي لا يأخذهم على غرة :
( إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم )..
ثم الإيقاع المؤثر الموحي بالتوقي.. إن الله قدر أن يجعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون.. ويا ويل من كان عدوه وليه ! إنه إذن يسيطر عليه ويستهويه ويقوده حيث شاء، بلا عون ولا نصير، ولا ولاية من الله :
( إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون )..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقبل أن نترك هذه الجولة نسجل ما لا حظناه من التشابه العجيب في مواجهة المنهج القرآني للجاهلية في شأن الذبائح والنذور والتحليل فيها والتحريم - في سورة الأنعام - ومواجهته للجاهلية - هنا في شأن اللباس والطعام..
ففي شأن الذبائح والنذور في الأنعام والثمار، بدأ أولاً بالحديث عما تزاوله الجاهلية فعلاً من هذه التقاليد ؛ وعما تزعمه - افتراء على الله - من أن هذا الذي تزاوله هو من شرع الله. ثم طلب إليهم الدليل الذي يستندون إليه في أن الله حرم هذا الذي يحرمونه، وأحل هذا الذي يحلونه :( أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا، فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم ؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ).. ثم واجه هروبهم من هذه المواجهة بإحالة الأمر إلى قدر الله وإلى أمره لهم بهذا الشرك الممثل في مزاولة الحاكمية وهي من خصائص الألوهية :( سيقول الذين أشركوا : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ! كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا. قل : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟ إن تتبعون إلا الظن، وإن أنتم إلا تخرصون : قل : فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين. قل : هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا. فإن شهدوا فلا تشهد معهم، ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ).. حتى إذا انتهى من تفنيد هذا الباطل الذي يدعونه ويفترونه، قال لهم : تعالوا لأبين لكم حقيقة ما حرم الله عليكم وحقيقة ما أمركم به : عن المصدر الصحيح الوحيد المعتمد في هذا الشأن ؛ والذي لا يجوز الأخذ عن غيره : قل : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئاً... الخ..
وهنا كذلك سار على نفس النسق، وعلى ذات الخطوات.. ذكر ما هم عليه من فاحشة العري ومن الشرك في مزاولة الحاكمية في التحريم والتحليل في اللباس والطعام. وحذرهم ما هم عليه من الفاحشة والشرك، وذكرهم مأساة العري التي واجهها أبواهما في الجنة بفعل الشيطان وكيده ؛ ونعمة الله عليهم في إنزال اللباس والرياش.. ثم استنكر دعواهم أن ما يزاولونه من التحريم والتحليل هو من شرع الله وأمره :( قل : من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. قل : هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا. خالصة يوم القيامة. كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ). مشيراً هنا إلى العلم اليقيني لا الظن والخرص الذي يبنون عليه دينهم وشعائرهم وعباداتهم وشرائعهم.. حتى إذا أبطل دعواهم فيما يزاولون عاد ليقرر لهم ما حرمه ربهم عليهم فعلاً :( قل إنما حرم ربي الفواحش - ما ظهر منها وما بطن - والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لمينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ).. كما أنه قد بين لهم من قبل حقيقة ما أمر الله به في شأن اللباس والطعام - لا مايدعونه هم وينسبونه( إلى الله - : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد..... وكلوا واشربوا ولاتسرفوا، إنه لا يحب المسرفين )..
وفي كلتا المواجهتين علق القضية كلها بقضية الإيمان والشرك. لأنها في صميمها هي قضية الحاكمية، ومن الذي يزاولها في حياة البشر. وقضية عبودية الناس ولمن تكون !
ذات القضية، وذات المنهج في مواجهتها. وذات الخطوات.. وصدق الله العظيم :( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) وهذه الوحدة في المنهج تبدو أهميتها ويزداد بروزها حين نذكر طبيعة سورة الأنعام وطبيعة سورة الأعراف والمجالين المختلفين اللذين تعالجان فيهما قضية العقيدة.. فإن اختلاف المجال لم يمنع وحدة المنهج في مواجهة الجاهلية في القضايا الأساسية.. وسبحان منزل هذا القرآن !..

هذه وقفة من وقفات التعقيب في سياق السورة. وهي وقفة طويلة بعد المشهد الأول في قصة البشرية الكبرى. وفي سياق السورة وقفات كهذه عند كل مرحلة. كأنما ليقال : قفوا هنا نتدبر ما في هذه المرحلة من عبرة قبل أن نمضي قدماً في الرحلة الكبرى !
وهي وقفة في مواجهة المعركة التي بانت طلائعها بين الشيطان والبشرية. وقفة للتحذير من أساليب الشيطان ومداخله ؛ ولكشف خطته ما كان منها وما يكون متمثلاً في صور وأشكال شتى.
ولكن المنهج القرآني لا يعرض توجيهاً إلا لمواجهة حالة قائمة ؛ ولا يقص قصصاً إلا لأن له موقعاً في واقع الحركة الإسلامية.. إنه كما قلنا لا يعرض قصصاً لمجرد المتاع الفني ! ولا يقرر حقيقة لمجرد عرضها النظري.. إن واقعية الإسلام وجديته تجعلان توجيهاته وتقريراته، لمواجهة حالات واقعة بالفعل في مواجهة الحركة الإسلامية.
وقد كان واقع الجاهلية العربية هو الذي يواجهه التعقيب هنا عقب المرحلة الأولى من قصة البشرية الكبرى.. كانت قريش قد ابتدعت لنفسها حقوقاً على بقية مشركي العرب الذين يفدون لحج بيت الله - الذي جعلوه بيتاً للأصنام وسدنتها ! - وأقامت هذه الحقوق على تصورات اعتقادية زعمت أنها من دين الله ؛ وصاغتها في شرائع، زعمت أنها من شرع الله ! وذلك لتخضع لها أعناق المشركين ؛ كما يصنع السدنة والكهنة والرؤساء في كل جاهلية على وجه التقريب.. وكانت قريش سمت نفسها اسماً خاصاً وهو " الحُمس " وجعلوا لأنفسهم حقوقاً ليست لسائر العرب. ومن هذه الحقوق - فيما يختص بالطواف بالبيت - أنهم هم وحدهم لهم حق الطواف في ثيابهم. فأما بقية العرب فلا تطوف في ثياب لبستها من قبل. فلا بد أن تستعير من ثياب الحمس للطواف أو تستجد ثياباً لم تلبسها من قبل وإلا طافوا عرايا وفيهم النساء !
قال ابن كثير في التفسير :[ كانت العرب - ما عدا قريشاً - لايطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها ! وكانت قريش - وهم الحمس - يطوفون في ثيابهم. ومن أعاره أحمسي ثوباً طاف فيه ؛ ومن معه ثوب جديد طاف فيه. ثم يلقيه فلا يتملكه أحد ! ومن لم يجد ثوباً جديداً، ولا أعاره أحمسي ثوباً طاف عرياناً ! وربما كانت امرأة فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئاً ليستره بعض الستر... وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل. وكان هذا شيئاً قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع ؛ فأنكر الله تعالى عليهم ذلك فقال :( وإذا فعلوا فاحشة قالوا : وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ).. فقال تعالى رداً عليهم :( قل ). أي يا محمد لمن ادعى ذلك. ( إن الله لا يأمر بالفحشاء ) أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك. ( أتقولون على الله ما لا تعلمون ).. أي أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته. وقوله تعالى :( قل : أمر ربي بالقسط ).. أي بالعدل. والاستقامة :( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وادعوه مخلصين له الدين ).. أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وما جاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته. فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين :[ أي أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، وأن يكون خالصاً من الشرك ].
ففي مواجهة هذا الواقع الجاهلي في شؤون التشريع للعبادة والطواف واللباس - مضافاً إليه ما يختص بتقاليد كهذه في الطعام يزعمون أنها من شرع الله وليست من شرع الله - في مواجهة هذا الواقع جاءت تلك التعقيبات على قصة البشرية الأولى. وجاء ذكر الأكل من ثمر الجنة - إلا ما حرم الله - وجاء ذكر اللباس خاصة، ونزع الشيطان له عن آدم وزوجه بإغوائه لهما بتناول المحظور ؛ وجاء ذكر حيائهما الفطري من كشف السوآت، وخصفهما على سوآتهما من ورق الجنة..
فما ذكر من أحداث القصة، وما جاء في التعقيب الأول عليها، هو مواجهة واقعية لواقع معين في الجاهلية..
والقصة تذكر في مواضع أخرى من القرآن، في سور أخرى، لمواجهة حالات أخرى، فتذكر منها مواقف ومشاهد، وتذكر بعدها تقريرات وتعقيبات تواجه هذه الحالات الأخرى.. وكله حق.. ولكن تفصيل القرآن لمواجهة الواقع البشري هو الذي يقتضي هذا الاختيار والتناسق. بين حلقات القصص المعروض في كل معرض، وطبيعة الجو والموضوع في كل معرض.
وإنها لحقيقة.. أن الشيطان ولي الذين لا يؤمنون، كما أن الله هو ولي المؤمنين.. وهي حقيقة رهيبة، ولها نتائجها الخطيرة.. وهي تذكر هكذا مطلقة ؛ ثم يواجه بها المشركون كحالة واقعة ؛ فنرى كيف تكون ولاية الشيطان ؛ وكيف تفعل في تصورات الناس وحياتهم.. وهذا نموذج منها :
( وإذا فعلوا فاحشة قالوا : وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها )..
وذلك ما كان يفعله ويقول به مشركو العرب ؛ وهم يزاولون فاحشة التعري في الطواف ببيت الله الحرام - وفيهم النساء ! - ثم يزعمون أن الله أمرهم بها. فقد كان أمر آباءهم بها ففعلوها، ثم هم ورثوها عن آبائهم ففعلوها !

وهم -
على شركهم - لم يكونوا يتبجحون تبجح الجاهليات الحديثة التي تقول : ما للدين وشؤون الحياة ؟ وتزعم أنها هي صاحبة الحق في اتخاذ الأوضاع والشرائع والقيم والموازين والعادات والتقاليد من دون الله ! إنما كانوا يفترون الفرية، ويشرعون الشريعة، ثم يقولون : الله أمرنا بها ! وقد تكون هذه خطة ألأم وأخبث، لأنها تخدع الذين في قلوبهم بقية من عاطفة دينية ؛ فتوهمهم أن هذه الشريعة من عند الله.. ولكنها على كل حال أقل تبجحاً ممن يزعم أن له الحق في التشريع للناس بما يراه أصلح لأحوالهم من دون الله !
والله - سبحانه - يأمر نبيه [ ص ] أن يواجههم بالتكذيب لهذا الافتراء على الله ؛ وبتقرير طبيعة شرع الله وكراهته للفاحشة، فليس من شأنه سبحانه أن يأمر بها :
( قل : إن الله لا يأمر بالفحشاء. أتقولون على الله ما لا تعلمون ؟ ) :
إن الله لا يأمر بالفحشاء إطلاقاً - والفاحشة : كل ما يفحش أي يتجاوز الحد - والعري من هذه الفاحشة، فالله لا يأمر به. وكيف يأمر الله بالاعتداء على حدوده ؟ والمخالفة عن أمره بالستر والحياء والتقوى ؟ ومن الذي أعلمهم بأمر الله ذاك ؟ إن أوامر الله وشرائعه ليست بالادعاء. إن أوامره وشرائعه واردة في كتبه على رسله. وليس هناك مصدر آخر يعلم منه قول الله وشرعه. وليس لإنسان أن يزعم عن أمر أنه من شريعة الله، إلا أن يستند إلى كتاب الله وإلى تبليغ رسول الله. فالعلم المستيقن بكلام الله هو الذي يستند إليه من يقول في دين الله.. وإلا فأي فوضى يمكن أن تكون إذا قدم كل إنسان هواه، وهو يزعم أنه دين الله ! !
إن الجاهلية هي الجاهلية. وهي دائماً تحتفظ بخصائصها الأصيلة. وفي كل مرة يرتد الناس إلى الجاهلية يقولون كلاماً متشابهاً ؛ وتسود فيهم تصورات متشابهة، على تباعد الزمان والمكان.. وفي هذه الجاهلية التي نعيش فيها اليوم لا يفتأ يطلع علينا كاذب مفتر يقول ما يمليه عليه هواه ثم يقول : شريعة الله ! ولا يفتأ يطلع علينا متبجح وقح ينكر أوامر الدين ونواهيه المنصوص عليها، وهو يقول : إن الدين لا يمكن أن يكون كذلك ! إن الدين لا يمكن أن يأمر بهذا ! إن الدين لا يمكن أن ينهى عن ذاك،.. وحجته هي هواه ! ! !
أتقولون على الله ما لا تعلمون ؟..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقبل أن نترك هذه الجولة نسجل ما لا حظناه من التشابه العجيب في مواجهة المنهج القرآني للجاهلية في شأن الذبائح والنذور والتحليل فيها والتحريم - في سورة الأنعام - ومواجهته للجاهلية - هنا في شأن اللباس والطعام..
ففي شأن الذبائح والنذور في الأنعام والثمار، بدأ أولاً بالحديث عما تزاوله الجاهلية فعلاً من هذه التقاليد ؛ وعما تزعمه - افتراء على الله - من أن هذا الذي تزاوله هو من شرع الله. ثم طلب إليهم الدليل الذي يستندون إليه في أن الله حرم هذا الذي يحرمونه، وأحل هذا الذي يحلونه :( أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا، فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم ؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ).. ثم واجه هروبهم من هذه المواجهة بإحالة الأمر إلى قدر الله وإلى أمره لهم بهذا الشرك الممثل في مزاولة الحاكمية وهي من خصائص الألوهية :( سيقول الذين أشركوا : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ! كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا. قل : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟ إن تتبعون إلا الظن، وإن أنتم إلا تخرصون : قل : فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين. قل : هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا. فإن شهدوا فلا تشهد معهم، ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ).. حتى إذا انتهى من تفنيد هذا الباطل الذي يدعونه ويفترونه، قال لهم : تعالوا لأبين لكم حقيقة ما حرم الله عليكم وحقيقة ما أمركم به : عن المصدر الصحيح الوحيد المعتمد في هذا الشأن ؛ والذي لا يجوز الأخذ عن غيره : قل : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئاً... الخ..
وهنا كذلك سار على نفس النسق، وعلى ذات الخطوات.. ذكر ما هم عليه من فاحشة العري ومن الشرك في مزاولة الحاكمية في التحريم والتحليل في اللباس والطعام. وحذرهم ما هم عليه من الفاحشة والشرك، وذكرهم مأساة العري التي واجهها أبواهما في الجنة بفعل الشيطان وكيده ؛ ونعمة الله عليهم في إنزال اللباس والرياش.. ثم استنكر دعواهم أن ما يزاولونه من التحريم والتحليل هو من شرع الله وأمره :( قل : من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. قل : هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا. خالصة يوم القيامة. كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ). مشيراً هنا إلى العلم اليقيني لا الظن والخرص الذي يبنون عليه دينهم وشعائرهم وعباداتهم وشرائعهم.. حتى إذا أبطل دعواهم فيما يزاولون عاد ليقرر لهم ما حرمه ربهم عليهم فعلاً :( قل إنما حرم ربي الفواحش - ما ظهر منها وما بطن - والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لمينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ).. كما أنه قد بين لهم من قبل حقيقة ما أمر الله به في شأن اللباس والطعام - لا مايدعونه هم وينسبونه( إلى الله - : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد..... وكلوا واشربوا ولاتسرفوا، إنه لا يحب المسرفين )..
وفي كلتا المواجهتين علق القضية كلها بقضية الإيمان والشرك. لأنها في صميمها هي قضية الحاكمية، ومن الذي يزاولها في حياة البشر. وقضية عبودية الناس ولمن تكون !
ذات القضية، وذات المنهج في مواجهتها. وذات الخطوات.. وصدق الله العظيم :( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) وهذه الوحدة في المنهج تبدو أهميتها ويزداد بروزها حين نذكر طبيعة سورة الأنعام وطبيعة سورة الأعراف والمجالين المختلفين اللذين تعالجان فيهما قضية العقيدة.. فإن اختلاف المجال لم يمنع وحدة المنهج في مواجهة الجاهلية في القضايا الأساسية.. وسبحان منزل هذا القرآن !..

هذه وقفة من وقفات التعقيب في سياق السورة. وهي وقفة طويلة بعد المشهد الأول في قصة البشرية الكبرى. وفي سياق السورة وقفات كهذه عند كل مرحلة. كأنما ليقال : قفوا هنا نتدبر ما في هذه المرحلة من عبرة قبل أن نمضي قدماً في الرحلة الكبرى !
وهي وقفة في مواجهة المعركة التي بانت طلائعها بين الشيطان والبشرية. وقفة للتحذير من أساليب الشيطان ومداخله ؛ ولكشف خطته ما كان منها وما يكون متمثلاً في صور وأشكال شتى.
ولكن المنهج القرآني لا يعرض توجيهاً إلا لمواجهة حالة قائمة ؛ ولا يقص قصصاً إلا لأن له موقعاً في واقع الحركة الإسلامية.. إنه كما قلنا لا يعرض قصصاً لمجرد المتاع الفني ! ولا يقرر حقيقة لمجرد عرضها النظري.. إن واقعية الإسلام وجديته تجعلان توجيهاته وتقريراته، لمواجهة حالات واقعة بالفعل في مواجهة الحركة الإسلامية.
وقد كان واقع الجاهلية العربية هو الذي يواجهه التعقيب هنا عقب المرحلة الأولى من قصة البشرية الكبرى.. كانت قريش قد ابتدعت لنفسها حقوقاً على بقية مشركي العرب الذين يفدون لحج بيت الله - الذي جعلوه بيتاً للأصنام وسدنتها ! - وأقامت هذه الحقوق على تصورات اعتقادية زعمت أنها من دين الله ؛ وصاغتها في شرائع، زعمت أنها من شرع الله ! وذلك لتخضع لها أعناق المشركين ؛ كما يصنع السدنة والكهنة والرؤساء في كل جاهلية على وجه التقريب.. وكانت قريش سمت نفسها اسماً خاصاً وهو " الحُمس " وجعلوا لأنفسهم حقوقاً ليست لسائر العرب. ومن هذه الحقوق - فيما يختص بالطواف بالبيت - أنهم هم وحدهم لهم حق الطواف في ثيابهم. فأما بقية العرب فلا تطوف في ثياب لبستها من قبل. فلا بد أن تستعير من ثياب الحمس للطواف أو تستجد ثياباً لم تلبسها من قبل وإلا طافوا عرايا وفيهم النساء !
قال ابن كثير في التفسير :[ كانت العرب - ما عدا قريشاً - لايطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها ! وكانت قريش - وهم الحمس - يطوفون في ثيابهم. ومن أعاره أحمسي ثوباً طاف فيه ؛ ومن معه ثوب جديد طاف فيه. ثم يلقيه فلا يتملكه أحد ! ومن لم يجد ثوباً جديداً، ولا أعاره أحمسي ثوباً طاف عرياناً ! وربما كانت امرأة فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئاً ليستره بعض الستر... وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل. وكان هذا شيئاً قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع ؛ فأنكر الله تعالى عليهم ذلك فقال :( وإذا فعلوا فاحشة قالوا : وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ).. فقال تعالى رداً عليهم :( قل ). أي يا محمد لمن ادعى ذلك. ( إن الله لا يأمر بالفحشاء ) أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك. ( أتقولون على الله ما لا تعلمون ).. أي أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته. وقوله تعالى :( قل : أمر ربي بالقسط ).. أي بالعدل. والاستقامة :( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وادعوه مخلصين له الدين ).. أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وما جاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته. فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين :[ أي أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، وأن يكون خالصاً من الشرك ].
ففي مواجهة هذا الواقع الجاهلي في شؤون التشريع للعبادة والطواف واللباس - مضافاً إليه ما يختص بتقاليد كهذه في الطعام يزعمون أنها من شرع الله وليست من شرع الله - في مواجهة هذا الواقع جاءت تلك التعقيبات على قصة البشرية الأولى. وجاء ذكر الأكل من ثمر الجنة - إلا ما حرم الله - وجاء ذكر اللباس خاصة، ونزع الشيطان له عن آدم وزوجه بإغوائه لهما بتناول المحظور ؛ وجاء ذكر حيائهما الفطري من كشف السوآت، وخصفهما على سوآتهما من ورق الجنة..
فما ذكر من أحداث القصة، وما جاء في التعقيب الأول عليها، هو مواجهة واقعية لواقع معين في الجاهلية..
والقصة تذكر في مواضع أخرى من القرآن، في سور أخرى، لمواجهة حالات أخرى، فتذكر منها مواقف ومشاهد، وتذكر بعدها تقريرات وتعقيبات تواجه هذه الحالات الأخرى.. وكله حق.. ولكن تفصيل القرآن لمواجهة الواقع البشري هو الذي يقتضي هذا الاختيار والتناسق. بين حلقات القصص المعروض في كل معرض، وطبيعة الجو والموضوع في كل معرض.
وبعد أن ينكر عليهم دعواهم في أن الله أمرهم بهذه الفاحشة، يبين لهم أن أمر الله يجري في اتجاه مضاد.. لقد أمر الله بالعدل والاعتدال في الأمور كلها لا بالفحش والتجاوز. وأمر بالاستقامة على منهج الله في العبادة والشعائر، والاستمداد مما جاء في كتابه على رسوله [ ص ] ولم يجعل المسألة فوضى، يقول فيها كل إنسان بهواه، ثم يزعم أنه من الله. وأمر بأن تكون الدينونة خالصة له، والعبودية كاملة ؛ فلا يدين أحد لأحد لذاته ولا يخضع أحد لأمر أحد لذاته :
( قل أمر ربي بالقسط، وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وادعوه مخلصين له الدين )..
هذا ما أمر الله به، وهو يضاد ما هم عليه.. يضاد اتباعهم لآبائهم وللشرائع التي وضعها لهم عباد مثلهم، مع دعواهم أن الله أمرهم بها.. ويضاد العري والتكشف وقد امتن الله على بني آدم بأنه أنزل عليهم لباساً يواري سوآتهم وريشاً يتجملون به كذلك.. ويضاد هذا الشرك الذي يزاولونه، بازدواج مصادر التشريع لحياتهم ولعبادتهم..
وعند هذا المقطع من البيان يجيء التذكير والإنذار ؛ ويلوّح لهم بالمعاد إلى الله بعد انتهاء ما هم فيه من أجل مرسوم للابتلاء ؛ وبمشهدهم في العودة وهم فريقان : الفريق الذي اتبع أمر الله، والفريق الذي اتبع أمر الشيطان :
كما بدأكم تعودون : فريقا هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة، إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، ويحسبون أنهم مهتدون..
إنها لقطة واحدة عجيبة تجمع نقطة البدء في الرحلة الكبرى ونقطة النهاية. نقطة الانطلاق في البدء ونقطة المآب في الانتهاء :
( كما بدأكم تعودون )..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقبل أن نترك هذه الجولة نسجل ما لا حظناه من التشابه العجيب في مواجهة المنهج القرآني للجاهلية في شأن الذبائح والنذور والتحليل فيها والتحريم - في سورة الأنعام - ومواجهته للجاهلية - هنا في شأن اللباس والطعام..
ففي شأن الذبائح والنذور في الأنعام والثمار، بدأ أولاً بالحديث عما تزاوله الجاهلية فعلاً من هذه التقاليد ؛ وعما تزعمه - افتراء على الله - من أن هذا الذي تزاوله هو من شرع الله. ثم طلب إليهم الدليل الذي يستندون إليه في أن الله حرم هذا الذي يحرمونه، وأحل هذا الذي يحلونه :( أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا، فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم ؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ).. ثم واجه هروبهم من هذه المواجهة بإحالة الأمر إلى قدر الله وإلى أمره لهم بهذا الشرك الممثل في مزاولة الحاكمية وهي من خصائص الألوهية :( سيقول الذين أشركوا : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ! كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا. قل : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟ إن تتبعون إلا الظن، وإن أنتم إلا تخرصون : قل : فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين. قل : هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا. فإن شهدوا فلا تشهد معهم، ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ).. حتى إذا انتهى من تفنيد هذا الباطل الذي يدعونه ويفترونه، قال لهم : تعالوا لأبين لكم حقيقة ما حرم الله عليكم وحقيقة ما أمركم به : عن المصدر الصحيح الوحيد المعتمد في هذا الشأن ؛ والذي لا يجوز الأخذ عن غيره : قل : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئاً... الخ..
وهنا كذلك سار على نفس النسق، وعلى ذات الخطوات.. ذكر ما هم عليه من فاحشة العري ومن الشرك في مزاولة الحاكمية في التحريم والتحليل في اللباس والطعام. وحذرهم ما هم عليه من الفاحشة والشرك، وذكرهم مأساة العري التي واجهها أبواهما في الجنة بفعل الشيطان وكيده ؛ ونعمة الله عليهم في إنزال اللباس والرياش.. ثم استنكر دعواهم أن ما يزاولونه من التحريم والتحليل هو من شرع الله وأمره :( قل : من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. قل : هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا. خالصة يوم القيامة. كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ). مشيراً هنا إلى العلم اليقيني لا الظن والخرص الذي يبنون عليه دينهم وشعائرهم وعباداتهم وشرائعهم.. حتى إذا أبطل دعواهم فيما يزاولون عاد ليقرر لهم ما حرمه ربهم عليهم فعلاً :( قل إنما حرم ربي الفواحش - ما ظهر منها وما بطن - والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لمينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ).. كما أنه قد بين لهم من قبل حقيقة ما أمر الله به في شأن اللباس والطعام - لا مايدعونه هم وينسبونه( إلى الله - : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد..... وكلوا واشربوا ولاتسرفوا، إنه لا يحب المسرفين )..
وفي كلتا المواجهتين علق القضية كلها بقضية الإيمان والشرك. لأنها في صميمها هي قضية الحاكمية، ومن الذي يزاولها في حياة البشر. وقضية عبودية الناس ولمن تكون !
ذات القضية، وذات المنهج في مواجهتها. وذات الخطوات.. وصدق الله العظيم :( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) وهذه الوحدة في المنهج تبدو أهميتها ويزداد بروزها حين نذكر طبيعة سورة الأنعام وطبيعة سورة الأعراف والمجالين المختلفين اللذين تعالجان فيهما قضية العقيدة.. فإن اختلاف المجال لم يمنع وحدة المنهج في مواجهة الجاهلية في القضايا الأساسية.. وسبحان منزل هذا القرآن !..

هذه وقفة من وقفات التعقيب في سياق السورة. وهي وقفة طويلة بعد المشهد الأول في قصة البشرية الكبرى. وفي سياق السورة وقفات كهذه عند كل مرحلة. كأنما ليقال : قفوا هنا نتدبر ما في هذه المرحلة من عبرة قبل أن نمضي قدماً في الرحلة الكبرى !
وهي وقفة في مواجهة المعركة التي بانت طلائعها بين الشيطان والبشرية. وقفة للتحذير من أساليب الشيطان ومداخله ؛ ولكشف خطته ما كان منها وما يكون متمثلاً في صور وأشكال شتى.
ولكن المنهج القرآني لا يعرض توجيهاً إلا لمواجهة حالة قائمة ؛ ولا يقص قصصاً إلا لأن له موقعاً في واقع الحركة الإسلامية.. إنه كما قلنا لا يعرض قصصاً لمجرد المتاع الفني ! ولا يقرر حقيقة لمجرد عرضها النظري.. إن واقعية الإسلام وجديته تجعلان توجيهاته وتقريراته، لمواجهة حالات واقعة بالفعل في مواجهة الحركة الإسلامية.
وقد كان واقع الجاهلية العربية هو الذي يواجهه التعقيب هنا عقب المرحلة الأولى من قصة البشرية الكبرى.. كانت قريش قد ابتدعت لنفسها حقوقاً على بقية مشركي العرب الذين يفدون لحج بيت الله - الذي جعلوه بيتاً للأصنام وسدنتها ! - وأقامت هذه الحقوق على تصورات اعتقادية زعمت أنها من دين الله ؛ وصاغتها في شرائع، زعمت أنها من شرع الله ! وذلك لتخضع لها أعناق المشركين ؛ كما يصنع السدنة والكهنة والرؤساء في كل جاهلية على وجه التقريب.. وكانت قريش سمت نفسها اسماً خاصاً وهو " الحُمس " وجعلوا لأنفسهم حقوقاً ليست لسائر العرب. ومن هذه الحقوق - فيما يختص بالطواف بالبيت - أنهم هم وحدهم لهم حق الطواف في ثيابهم. فأما بقية العرب فلا تطوف في ثياب لبستها من قبل. فلا بد أن تستعير من ثياب الحمس للطواف أو تستجد ثياباً لم تلبسها من قبل وإلا طافوا عرايا وفيهم النساء !
قال ابن كثير في التفسير :[ كانت العرب - ما عدا قريشاً - لايطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها ! وكانت قريش - وهم الحمس - يطوفون في ثيابهم. ومن أعاره أحمسي ثوباً طاف فيه ؛ ومن معه ثوب جديد طاف فيه. ثم يلقيه فلا يتملكه أحد ! ومن لم يجد ثوباً جديداً، ولا أعاره أحمسي ثوباً طاف عرياناً ! وربما كانت امرأة فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئاً ليستره بعض الستر... وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل. وكان هذا شيئاً قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع ؛ فأنكر الله تعالى عليهم ذلك فقال :( وإذا فعلوا فاحشة قالوا : وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ).. فقال تعالى رداً عليهم :( قل ). أي يا محمد لمن ادعى ذلك. ( إن الله لا يأمر بالفحشاء ) أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك. ( أتقولون على الله ما لا تعلمون ).. أي أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته. وقوله تعالى :( قل : أمر ربي بالقسط ).. أي بالعدل. والاستقامة :( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وادعوه مخلصين له الدين ).. أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وما جاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته. فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين :[ أي أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، وأن يكون خالصاً من الشرك ].
ففي مواجهة هذا الواقع الجاهلي في شؤون التشريع للعبادة والطواف واللباس - مضافاً إليه ما يختص بتقاليد كهذه في الطعام يزعمون أنها من شرع الله وليست من شرع الله - في مواجهة هذا الواقع جاءت تلك التعقيبات على قصة البشرية الأولى. وجاء ذكر الأكل من ثمر الجنة - إلا ما حرم الله - وجاء ذكر اللباس خاصة، ونزع الشيطان له عن آدم وزوجه بإغوائه لهما بتناول المحظور ؛ وجاء ذكر حيائهما الفطري من كشف السوآت، وخصفهما على سوآتهما من ورق الجنة..
فما ذكر من أحداث القصة، وما جاء في التعقيب الأول عليها، هو مواجهة واقعية لواقع معين في الجاهلية..
والقصة تذكر في مواضع أخرى من القرآن، في سور أخرى، لمواجهة حالات أخرى، فتذكر منها مواقف ومشاهد، وتذكر بعدها تقريرات وتعقيبات تواجه هذه الحالات الأخرى.. وكله حق.. ولكن تفصيل القرآن لمواجهة الواقع البشري هو الذي يقتضي هذا الاختيار والتناسق. بين حلقات القصص المعروض في كل معرض، وطبيعة الجو والموضوع في كل معرض.
وقد بدأوا الرحلة فريقين : آدم وزوجه. والشيطان وقبيله.. وكذلك سيعودون.. الطائعون سيعودون فريقاً مع أبيهم آدم وأمهم حواء المسلمين المؤمنين بالله المتبعين لأمر الله.. والعصاة سيعودون مع إبليس وقبيله، يملأ الله منهم جهنم، بولائهم لإبليس وولايته لهم. وهم يحسبون أنهم مهتدون.
لقد هدى الله من جعل ولايته لله. وأضل من جعل ولايته للشيطان.. وهاهم أولاء عائدين فريقين :
( فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة. إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ). ها هم أولاء عائدين. في لمحة تضم طرفي الرحلة ! على طريقة القرآن، التي يتعذر أن تتحقق في غير أسلوب القرآن !
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقبل أن نترك هذه الجولة نسجل ما لا حظناه من التشابه العجيب في مواجهة المنهج القرآني للجاهلية في شأن الذبائح والنذور والتحليل فيها والتحريم - في سورة الأنعام - ومواجهته للجاهلية - هنا في شأن اللباس والطعام..
ففي شأن الذبائح والنذور في الأنعام والثمار، بدأ أولاً بالحديث عما تزاوله الجاهلية فعلاً من هذه التقاليد ؛ وعما تزعمه - افتراء على الله - من أن هذا الذي تزاوله هو من شرع الله. ثم طلب إليهم الدليل الذي يستندون إليه في أن الله حرم هذا الذي يحرمونه، وأحل هذا الذي يحلونه :( أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا، فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم ؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ).. ثم واجه هروبهم من هذه المواجهة بإحالة الأمر إلى قدر الله وإلى أمره لهم بهذا الشرك الممثل في مزاولة الحاكمية وهي من خصائص الألوهية :( سيقول الذين أشركوا : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ! كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا. قل : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟ إن تتبعون إلا الظن، وإن أنتم إلا تخرصون : قل : فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين. قل : هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا. فإن شهدوا فلا تشهد معهم، ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ).. حتى إذا انتهى من تفنيد هذا الباطل الذي يدعونه ويفترونه، قال لهم : تعالوا لأبين لكم حقيقة ما حرم الله عليكم وحقيقة ما أمركم به : عن المصدر الصحيح الوحيد المعتمد في هذا الشأن ؛ والذي لا يجوز الأخذ عن غيره : قل : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئاً... الخ..
وهنا كذلك سار على نفس النسق، وعلى ذات الخطوات.. ذكر ما هم عليه من فاحشة العري ومن الشرك في مزاولة الحاكمية في التحريم والتحليل في اللباس والطعام. وحذرهم ما هم عليه من الفاحشة والشرك، وذكرهم مأساة العري التي واجهها أبواهما في الجنة بفعل الشيطان وكيده ؛ ونعمة الله عليهم في إنزال اللباس والرياش.. ثم استنكر دعواهم أن ما يزاولونه من التحريم والتحليل هو من شرع الله وأمره :( قل : من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. قل : هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا. خالصة يوم القيامة. كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ). مشيراً هنا إلى العلم اليقيني لا الظن والخرص الذي يبنون عليه دينهم وشعائرهم وعباداتهم وشرائعهم.. حتى إذا أبطل دعواهم فيما يزاولون عاد ليقرر لهم ما حرمه ربهم عليهم فعلاً :( قل إنما حرم ربي الفواحش - ما ظهر منها وما بطن - والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لمينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ).. كما أنه قد بين لهم من قبل حقيقة ما أمر الله به في شأن اللباس والطعام - لا مايدعونه هم وينسبونه( إلى الله - : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد..... وكلوا واشربوا ولاتسرفوا، إنه لا يحب المسرفين )..
وفي كلتا المواجهتين علق القضية كلها بقضية الإيمان والشرك. لأنها في صميمها هي قضية الحاكمية، ومن الذي يزاولها في حياة البشر. وقضية عبودية الناس ولمن تكون !
ذات القضية، وذات المنهج في مواجهتها. وذات الخطوات.. وصدق الله العظيم :( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) وهذه الوحدة في المنهج تبدو أهميتها ويزداد بروزها حين نذكر طبيعة سورة الأنعام وطبيعة سورة الأعراف والمجالين المختلفين اللذين تعالجان فيهما قضية العقيدة.. فإن اختلاف المجال لم يمنع وحدة المنهج في مواجهة الجاهلية في القضايا الأساسية.. وسبحان منزل هذا القرآن !..

هذه وقفة من وقفات التعقيب في سياق السورة. وهي وقفة طويلة بعد المشهد الأول في قصة البشرية الكبرى. وفي سياق السورة وقفات كهذه عند كل مرحلة. كأنما ليقال : قفوا هنا نتدبر ما في هذه المرحلة من عبرة قبل أن نمضي قدماً في الرحلة الكبرى !
وهي وقفة في مواجهة المعركة التي بانت طلائعها بين الشيطان والبشرية. وقفة للتحذير من أساليب الشيطان ومداخله ؛ ولكشف خطته ما كان منها وما يكون متمثلاً في صور وأشكال شتى.
ولكن المنهج القرآني لا يعرض توجيهاً إلا لمواجهة حالة قائمة ؛ ولا يقص قصصاً إلا لأن له موقعاً في واقع الحركة الإسلامية.. إنه كما قلنا لا يعرض قصصاً لمجرد المتاع الفني ! ولا يقرر حقيقة لمجرد عرضها النظري.. إن واقعية الإسلام وجديته تجعلان توجيهاته وتقريراته، لمواجهة حالات واقعة بالفعل في مواجهة الحركة الإسلامية.
وقد كان واقع الجاهلية العربية هو الذي يواجهه التعقيب هنا عقب المرحلة الأولى من قصة البشرية الكبرى.. كانت قريش قد ابتدعت لنفسها حقوقاً على بقية مشركي العرب الذين يفدون لحج بيت الله - الذي جعلوه بيتاً للأصنام وسدنتها ! - وأقامت هذه الحقوق على تصورات اعتقادية زعمت أنها من دين الله ؛ وصاغتها في شرائع، زعمت أنها من شرع الله ! وذلك لتخضع لها أعناق المشركين ؛ كما يصنع السدنة والكهنة والرؤساء في كل جاهلية على وجه التقريب.. وكانت قريش سمت نفسها اسماً خاصاً وهو " الحُمس " وجعلوا لأنفسهم حقوقاً ليست لسائر العرب. ومن هذه الحقوق - فيما يختص بالطواف بالبيت - أنهم هم وحدهم لهم حق الطواف في ثيابهم. فأما بقية العرب فلا تطوف في ثياب لبستها من قبل. فلا بد أن تستعير من ثياب الحمس للطواف أو تستجد ثياباً لم تلبسها من قبل وإلا طافوا عرايا وفيهم النساء !
قال ابن كثير في التفسير :[ كانت العرب - ما عدا قريشاً - لايطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها ! وكانت قريش - وهم الحمس - يطوفون في ثيابهم. ومن أعاره أحمسي ثوباً طاف فيه ؛ ومن معه ثوب جديد طاف فيه. ثم يلقيه فلا يتملكه أحد ! ومن لم يجد ثوباً جديداً، ولا أعاره أحمسي ثوباً طاف عرياناً ! وربما كانت امرأة فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئاً ليستره بعض الستر... وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل. وكان هذا شيئاً قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع ؛ فأنكر الله تعالى عليهم ذلك فقال :( وإذا فعلوا فاحشة قالوا : وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ).. فقال تعالى رداً عليهم :( قل ). أي يا محمد لمن ادعى ذلك. ( إن الله لا يأمر بالفحشاء ) أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك. ( أتقولون على الله ما لا تعلمون ).. أي أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته. وقوله تعالى :( قل : أمر ربي بالقسط ).. أي بالعدل. والاستقامة :( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وادعوه مخلصين له الدين ).. أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وما جاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته. فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين :[ أي أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، وأن يكون خالصاً من الشرك ].
ففي مواجهة هذا الواقع الجاهلي في شؤون التشريع للعبادة والطواف واللباس - مضافاً إليه ما يختص بتقاليد كهذه في الطعام يزعمون أنها من شرع الله وليست من شرع الله - في مواجهة هذا الواقع جاءت تلك التعقيبات على قصة البشرية الأولى. وجاء ذكر الأكل من ثمر الجنة - إلا ما حرم الله - وجاء ذكر اللباس خاصة، ونزع الشيطان له عن آدم وزوجه بإغوائه لهما بتناول المحظور ؛ وجاء ذكر حيائهما الفطري من كشف السوآت، وخصفهما على سوآتهما من ورق الجنة..
فما ذكر من أحداث القصة، وما جاء في التعقيب الأول عليها، هو مواجهة واقعية لواقع معين في الجاهلية..
والقصة تذكر في مواضع أخرى من القرآن، في سور أخرى، لمواجهة حالات أخرى، فتذكر منها مواقف ومشاهد، وتذكر بعدها تقريرات وتعقيبات تواجه هذه الحالات الأخرى.. وكله حق.. ولكن تفصيل القرآن لمواجهة الواقع البشري هو الذي يقتضي هذا الاختيار والتناسق. بين حلقات القصص المعروض في كل معرض، وطبيعة الجو والموضوع في كل معرض.
ثم يتكرر النداء إلى ( بني آدم ) في هذه الوقفة كذلك ؛ قبل أن يتابع السياق الرحلة المديدة ؛ في الطريق المرسوم :
( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين. قل : من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ؟ قل : هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، خالصة يوم القيامة. كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون. قل : إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ؛ والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون )..
إنه التوكيد بعد التوكيد على الحقائق الأساسية للعقيدة، في مواجهة ما عليه المشركون العرب في الجاهلية ؛ وذلك في سياق النداء إلى بني آدم كافة، وفي مواجهة قصة البشرية الكبرى..
وأظهر هذه الحقائق هو الربط بين ما يحرمونه من الطيبات التي أخرجها الله لعباده دون إذن منه ولا شرع ؛ وبين الشرك الذي هو الوصف المباشر لمن يزاول هذا التحريم، ويقول على الله ما لا يعلم، ويزعم من ذلك ما يزعم.
إنه يناديهم أن يأخذوا زينتهم من اللباس الذي أنزله الله عليهم. وهو الرياش. عند كل عبادة ؛ ومنها الطواف الذي يزاولونه عرايا، ويحرمون اللباس الذي لم يحرمه الله، بل أنعم به على العباد. فأولى أن يعبدوه بطاعته فيما أنزل لهم، لا بخلعه ولا بالفحش الذي يزاولونه :
( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد )..
ويناديهم كذلك ليتمتعوا بالطيبات من الطعام والشراب دون إسراف :
( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا. إنه لا يحب المسرفين ).
وقد ورد أنه كان هناك تحريم في الطعام كالتحريم في الثياب. وكان هذا من مبتدعات قريش كذلك !
في صحيح مسلم عن هشام عن عروة عن أبيه قال :" كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس، والحمس قريش وما ولدت. كانوا يطوفون بالبيت عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثياباً، فيعطي الرجال الرجال، والنساء النساء. وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة ؛ وكان الناس يبلغون عرفات. ويقولون : نحن أهل الحرم، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا. فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوباً، ولا يسارٌ يستأجره به كان بين أحد أمرين : إما أن يطوف بالبيت عرياناً وإما أن يطوف في ثيابه، فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه فلم يمسه أحد. وكان ذلك الثوب يسمى اللقى "..
وجاء في تفسير القرطبي المسمى " أحكام القرآن " :" وقيل إن العرب في الجاهلية كانوا لا يأكلون دسماً في أيام حجهم، ويكتفون باليسير من الطعام، ويطوفون عراة. فقيل لهم :( خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا، ولا تسرفوا ) أي لا تسرفوا في تحريم ما لم يحرم عليكم ".. والإسراف يكون بتجاوز الحد، كما قد يكون بتحريم الحلال. كلاهما تجاوز للحد. هذا باعتبار، وذاك باعتبار.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقبل أن نترك هذه الجولة نسجل ما لا حظناه من التشابه العجيب في مواجهة المنهج القرآني للجاهلية في شأن الذبائح والنذور والتحليل فيها والتحريم - في سورة الأنعام - ومواجهته للجاهلية - هنا في شأن اللباس والطعام..
ففي شأن الذبائح والنذور في الأنعام والثمار، بدأ أولاً بالحديث عما تزاوله الجاهلية فعلاً من هذه التقاليد ؛ وعما تزعمه - افتراء على الله - من أن هذا الذي تزاوله هو من شرع الله. ثم طلب إليهم الدليل الذي يستندون إليه في أن الله حرم هذا الذي يحرمونه، وأحل هذا الذي يحلونه :( أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا، فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم ؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ).. ثم واجه هروبهم من هذه المواجهة بإحالة الأمر إلى قدر الله وإلى أمره لهم بهذا الشرك الممثل في مزاولة الحاكمية وهي من خصائص الألوهية :( سيقول الذين أشركوا : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ! كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا. قل : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟ إن تتبعون إلا الظن، وإن أنتم إلا تخرصون : قل : فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين. قل : هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا. فإن شهدوا فلا تشهد معهم، ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ).. حتى إذا انتهى من تفنيد هذا الباطل الذي يدعونه ويفترونه، قال لهم : تعالوا لأبين لكم حقيقة ما حرم الله عليكم وحقيقة ما أمركم به : عن المصدر الصحيح الوحيد المعتمد في هذا الشأن ؛ والذي لا يجوز الأخذ عن غيره : قل : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئاً... الخ..
وهنا كذلك سار على نفس النسق، وعلى ذات الخطوات.. ذكر ما هم عليه من فاحشة العري ومن الشرك في مزاولة الحاكمية في التحريم والتحليل في اللباس والطعام. وحذرهم ما هم عليه من الفاحشة والشرك، وذكرهم مأساة العري التي واجهها أبواهما في الجنة بفعل الشيطان وكيده ؛ ونعمة الله عليهم في إنزال اللباس والرياش.. ثم استنكر دعواهم أن ما يزاولونه من التحريم والتحليل هو من شرع الله وأمره :( قل : من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. قل : هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا. خالصة يوم القيامة. كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ). مشيراً هنا إلى العلم اليقيني لا الظن والخرص الذي يبنون عليه دينهم وشعائرهم وعباداتهم وشرائعهم.. حتى إذا أبطل دعواهم فيما يزاولون عاد ليقرر لهم ما حرمه ربهم عليهم فعلاً :( قل إنما حرم ربي الفواحش - ما ظهر منها وما بطن - والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لمينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ).. كما أنه قد بين لهم من قبل حقيقة ما أمر الله به في شأن اللباس والطعام - لا مايدعونه هم وينسبونه( إلى الله - : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد..... وكلوا واشربوا ولاتسرفوا، إنه لا يحب المسرفين )..
وفي كلتا المواجهتين علق القضية كلها بقضية الإيمان والشرك. لأنها في صميمها هي قضية الحاكمية، ومن الذي يزاولها في حياة البشر. وقضية عبودية الناس ولمن تكون !
ذات القضية، وذات المنهج في مواجهتها. وذات الخطوات.. وصدق الله العظيم :( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) وهذه الوحدة في المنهج تبدو أهميتها ويزداد بروزها حين نذكر طبيعة سورة الأنعام وطبيعة سورة الأعراف والمجالين المختلفين اللذين تعالجان فيهما قضية العقيدة.. فإن اختلاف المجال لم يمنع وحدة المنهج في مواجهة الجاهلية في القضايا الأساسية.. وسبحان منزل هذا القرآن !..

هذه وقفة من وقفات التعقيب في سياق السورة. وهي وقفة طويلة بعد المشهد الأول في قصة البشرية الكبرى. وفي سياق السورة وقفات كهذه عند كل مرحلة. كأنما ليقال : قفوا هنا نتدبر ما في هذه المرحلة من عبرة قبل أن نمضي قدماً في الرحلة الكبرى !
وهي وقفة في مواجهة المعركة التي بانت طلائعها بين الشيطان والبشرية. وقفة للتحذير من أساليب الشيطان ومداخله ؛ ولكشف خطته ما كان منها وما يكون متمثلاً في صور وأشكال شتى.
ولكن المنهج القرآني لا يعرض توجيهاً إلا لمواجهة حالة قائمة ؛ ولا يقص قصصاً إلا لأن له موقعاً في واقع الحركة الإسلامية.. إنه كما قلنا لا يعرض قصصاً لمجرد المتاع الفني ! ولا يقرر حقيقة لمجرد عرضها النظري.. إن واقعية الإسلام وجديته تجعلان توجيهاته وتقريراته، لمواجهة حالات واقعة بالفعل في مواجهة الحركة الإسلامية.
وقد كان واقع الجاهلية العربية هو الذي يواجهه التعقيب هنا عقب المرحلة الأولى من قصة البشرية الكبرى.. كانت قريش قد ابتدعت لنفسها حقوقاً على بقية مشركي العرب الذين يفدون لحج بيت الله - الذي جعلوه بيتاً للأصنام وسدنتها ! - وأقامت هذه الحقوق على تصورات اعتقادية زعمت أنها من دين الله ؛ وصاغتها في شرائع، زعمت أنها من شرع الله ! وذلك لتخضع لها أعناق المشركين ؛ كما يصنع السدنة والكهنة والرؤساء في كل جاهلية على وجه التقريب.. وكانت قريش سمت نفسها اسماً خاصاً وهو " الحُمس " وجعلوا لأنفسهم حقوقاً ليست لسائر العرب. ومن هذه الحقوق - فيما يختص بالطواف بالبيت - أنهم هم وحدهم لهم حق الطواف في ثيابهم. فأما بقية العرب فلا تطوف في ثياب لبستها من قبل. فلا بد أن تستعير من ثياب الحمس للطواف أو تستجد ثياباً لم تلبسها من قبل وإلا طافوا عرايا وفيهم النساء !
قال ابن كثير في التفسير :[ كانت العرب - ما عدا قريشاً - لايطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها ! وكانت قريش - وهم الحمس - يطوفون في ثيابهم. ومن أعاره أحمسي ثوباً طاف فيه ؛ ومن معه ثوب جديد طاف فيه. ثم يلقيه فلا يتملكه أحد ! ومن لم يجد ثوباً جديداً، ولا أعاره أحمسي ثوباً طاف عرياناً ! وربما كانت امرأة فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئاً ليستره بعض الستر... وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل. وكان هذا شيئاً قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع ؛ فأنكر الله تعالى عليهم ذلك فقال :( وإذا فعلوا فاحشة قالوا : وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ).. فقال تعالى رداً عليهم :( قل ). أي يا محمد لمن ادعى ذلك. ( إن الله لا يأمر بالفحشاء ) أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك. ( أتقولون على الله ما لا تعلمون ).. أي أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته. وقوله تعالى :( قل : أمر ربي بالقسط ).. أي بالعدل. والاستقامة :( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وادعوه مخلصين له الدين ).. أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وما جاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته. فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين :[ أي أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، وأن يكون خالصاً من الشرك ].
ففي مواجهة هذا الواقع الجاهلي في شؤون التشريع للعبادة والطواف واللباس - مضافاً إليه ما يختص بتقاليد كهذه في الطعام يزعمون أنها من شرع الله وليست من شرع الله - في مواجهة هذا الواقع جاءت تلك التعقيبات على قصة البشرية الأولى. وجاء ذكر الأكل من ثمر الجنة - إلا ما حرم الله - وجاء ذكر اللباس خاصة، ونزع الشيطان له عن آدم وزوجه بإغوائه لهما بتناول المحظور ؛ وجاء ذكر حيائهما الفطري من كشف السوآت، وخصفهما على سوآتهما من ورق الجنة..
فما ذكر من أحداث القصة، وما جاء في التعقيب الأول عليها، هو مواجهة واقعية لواقع معين في الجاهلية..
والقصة تذكر في مواضع أخرى من القرآن، في سور أخرى، لمواجهة حالات أخرى، فتذكر منها مواقف ومشاهد، وتذكر بعدها تقريرات وتعقيبات تواجه هذه الحالات الأخرى.. وكله حق.. ولكن تفصيل القرآن لمواجهة الواقع البشري هو الذي يقتضي هذا الاختيار والتناسق. بين حلقات القصص المعروض في كل معرض، وطبيعة الجو والموضوع في كل معرض.
ولا يكتفي السياق بالدعوة إلى اتخاذ الزينة عند كل مسجد، وإلى الاستمتاع بالطيب من الطعام والشراب. بل يستنكر تحريم هذه الزينة التي أخرجها الله لعباده، وتحريم الطيبات من الرزق. فمن المستنكر أن يحرم أحد - برأيه - ما أخرجه الله للناس من الزينة أو من الطيبات. فتحريم شيء أو تحليله لا يكون إلا بشرع من الله :
( قل : من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق )؟
ويتبع الاستنكار بتقرير أن هذه الزينة من اللباس، وهذه الطيبات من الرزق، هي حق للذين آمنوا - بحكم إيمانهم بربهم الذي أخرجها لهم - ولئن كان سواهم يشاركهم فيها في هذه الدنيا، فهي خالصة لهم يوم القيامة لا يشاركهم فيها الذين كفروا :
( قل : هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، خالصة يوم القيامة )..
ولن يكون الشأن كذلك، ثم تكون محرمة عليهم ؛ فما يخصهم الله في الآخرة بشيء هو حرام !
( كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ).
والذي ( يعلمون ) حقيقة هذا الدين هم الذين ينتفعون بهذا البيان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقبل أن نترك هذه الجولة نسجل ما لا حظناه من التشابه العجيب في مواجهة المنهج القرآني للجاهلية في شأن الذبائح والنذور والتحليل فيها والتحريم - في سورة الأنعام - ومواجهته للجاهلية - هنا في شأن اللباس والطعام..
ففي شأن الذبائح والنذور في الأنعام والثمار، بدأ أولاً بالحديث عما تزاوله الجاهلية فعلاً من هذه التقاليد ؛ وعما تزعمه - افتراء على الله - من أن هذا الذي تزاوله هو من شرع الله. ثم طلب إليهم الدليل الذي يستندون إليه في أن الله حرم هذا الذي يحرمونه، وأحل هذا الذي يحلونه :( أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا، فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم ؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ).. ثم واجه هروبهم من هذه المواجهة بإحالة الأمر إلى قدر الله وإلى أمره لهم بهذا الشرك الممثل في مزاولة الحاكمية وهي من خصائص الألوهية :( سيقول الذين أشركوا : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ! كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا. قل : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟ إن تتبعون إلا الظن، وإن أنتم إلا تخرصون : قل : فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين. قل : هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا. فإن شهدوا فلا تشهد معهم، ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ).. حتى إذا انتهى من تفنيد هذا الباطل الذي يدعونه ويفترونه، قال لهم : تعالوا لأبين لكم حقيقة ما حرم الله عليكم وحقيقة ما أمركم به : عن المصدر الصحيح الوحيد المعتمد في هذا الشأن ؛ والذي لا يجوز الأخذ عن غيره : قل : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئاً... الخ..
وهنا كذلك سار على نفس النسق، وعلى ذات الخطوات.. ذكر ما هم عليه من فاحشة العري ومن الشرك في مزاولة الحاكمية في التحريم والتحليل في اللباس والطعام. وحذرهم ما هم عليه من الفاحشة والشرك، وذكرهم مأساة العري التي واجهها أبواهما في الجنة بفعل الشيطان وكيده ؛ ونعمة الله عليهم في إنزال اللباس والرياش.. ثم استنكر دعواهم أن ما يزاولونه من التحريم والتحليل هو من شرع الله وأمره :( قل : من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. قل : هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا. خالصة يوم القيامة. كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ). مشيراً هنا إلى العلم اليقيني لا الظن والخرص الذي يبنون عليه دينهم وشعائرهم وعباداتهم وشرائعهم.. حتى إذا أبطل دعواهم فيما يزاولون عاد ليقرر لهم ما حرمه ربهم عليهم فعلاً :( قل إنما حرم ربي الفواحش - ما ظهر منها وما بطن - والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لمينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ).. كما أنه قد بين لهم من قبل حقيقة ما أمر الله به في شأن اللباس والطعام - لا مايدعونه هم وينسبونه( إلى الله - : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد..... وكلوا واشربوا ولاتسرفوا، إنه لا يحب المسرفين )..
وفي كلتا المواجهتين علق القضية كلها بقضية الإيمان والشرك. لأنها في صميمها هي قضية الحاكمية، ومن الذي يزاولها في حياة البشر. وقضية عبودية الناس ولمن تكون !
ذات القضية، وذات المنهج في مواجهتها. وذات الخطوات.. وصدق الله العظيم :( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) وهذه الوحدة في المنهج تبدو أهميتها ويزداد بروزها حين نذكر طبيعة سورة الأنعام وطبيعة سورة الأعراف والمجالين المختلفين اللذين تعالجان فيهما قضية العقيدة.. فإن اختلاف المجال لم يمنع وحدة المنهج في مواجهة الجاهلية في القضايا الأساسية.. وسبحان منزل هذا القرآن !..

هذه وقفة من وقفات التعقيب في سياق السورة. وهي وقفة طويلة بعد المشهد الأول في قصة البشرية الكبرى. وفي سياق السورة وقفات كهذه عند كل مرحلة. كأنما ليقال : قفوا هنا نتدبر ما في هذه المرحلة من عبرة قبل أن نمضي قدماً في الرحلة الكبرى !
وهي وقفة في مواجهة المعركة التي بانت طلائعها بين الشيطان والبشرية. وقفة للتحذير من أساليب الشيطان ومداخله ؛ ولكشف خطته ما كان منها وما يكون متمثلاً في صور وأشكال شتى.
ولكن المنهج القرآني لا يعرض توجيهاً إلا لمواجهة حالة قائمة ؛ ولا يقص قصصاً إلا لأن له موقعاً في واقع الحركة الإسلامية.. إنه كما قلنا لا يعرض قصصاً لمجرد المتاع الفني ! ولا يقرر حقيقة لمجرد عرضها النظري.. إن واقعية الإسلام وجديته تجعلان توجيهاته وتقريراته، لمواجهة حالات واقعة بالفعل في مواجهة الحركة الإسلامية.
وقد كان واقع الجاهلية العربية هو الذي يواجهه التعقيب هنا عقب المرحلة الأولى من قصة البشرية الكبرى.. كانت قريش قد ابتدعت لنفسها حقوقاً على بقية مشركي العرب الذين يفدون لحج بيت الله - الذي جعلوه بيتاً للأصنام وسدنتها ! - وأقامت هذه الحقوق على تصورات اعتقادية زعمت أنها من دين الله ؛ وصاغتها في شرائع، زعمت أنها من شرع الله ! وذلك لتخضع لها أعناق المشركين ؛ كما يصنع السدنة والكهنة والرؤساء في كل جاهلية على وجه التقريب.. وكانت قريش سمت نفسها اسماً خاصاً وهو " الحُمس " وجعلوا لأنفسهم حقوقاً ليست لسائر العرب. ومن هذه الحقوق - فيما يختص بالطواف بالبيت - أنهم هم وحدهم لهم حق الطواف في ثيابهم. فأما بقية العرب فلا تطوف في ثياب لبستها من قبل. فلا بد أن تستعير من ثياب الحمس للطواف أو تستجد ثياباً لم تلبسها من قبل وإلا طافوا عرايا وفيهم النساء !
قال ابن كثير في التفسير :[ كانت العرب - ما عدا قريشاً - لايطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها ! وكانت قريش - وهم الحمس - يطوفون في ثيابهم. ومن أعاره أحمسي ثوباً طاف فيه ؛ ومن معه ثوب جديد طاف فيه. ثم يلقيه فلا يتملكه أحد ! ومن لم يجد ثوباً جديداً، ولا أعاره أحمسي ثوباً طاف عرياناً ! وربما كانت امرأة فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئاً ليستره بعض الستر... وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل. وكان هذا شيئاً قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع ؛ فأنكر الله تعالى عليهم ذلك فقال :( وإذا فعلوا فاحشة قالوا : وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ).. فقال تعالى رداً عليهم :( قل ). أي يا محمد لمن ادعى ذلك. ( إن الله لا يأمر بالفحشاء ) أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك. ( أتقولون على الله ما لا تعلمون ).. أي أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته. وقوله تعالى :( قل : أمر ربي بالقسط ).. أي بالعدل. والاستقامة :( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وادعوه مخلصين له الدين ).. أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وما جاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته. فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين :[ أي أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، وأن يكون خالصاً من الشرك ].
ففي مواجهة هذا الواقع الجاهلي في شؤون التشريع للعبادة والطواف واللباس - مضافاً إليه ما يختص بتقاليد كهذه في الطعام يزعمون أنها من شرع الله وليست من شرع الله - في مواجهة هذا الواقع جاءت تلك التعقيبات على قصة البشرية الأولى. وجاء ذكر الأكل من ثمر الجنة - إلا ما حرم الله - وجاء ذكر اللباس خاصة، ونزع الشيطان له عن آدم وزوجه بإغوائه لهما بتناول المحظور ؛ وجاء ذكر حيائهما الفطري من كشف السوآت، وخصفهما على سوآتهما من ورق الجنة..
فما ذكر من أحداث القصة، وما جاء في التعقيب الأول عليها، هو مواجهة واقعية لواقع معين في الجاهلية..
والقصة تذكر في مواضع أخرى من القرآن، في سور أخرى، لمواجهة حالات أخرى، فتذكر منها مواقف ومشاهد، وتذكر بعدها تقريرات وتعقيبات تواجه هذه الحالات الأخرى.. وكله حق.. ولكن تفصيل القرآن لمواجهة الواقع البشري هو الذي يقتضي هذا الاختيار والتناسق. بين حلقات القصص المعروض في كل معرض، وطبيعة الجو والموضوع في كل معرض.
فأما الذي حرمه الله حقاً، فليس هو الزينة المعتدلة من اللباس، وليس هو الطيب من الطعام والشراب - في غير سرف ولا مخيلة - إنما الذي حرمه الله حقاً هو الذي يزاولونه فعلاً !
( قل : إنما حرم ربي الفواحش - ما ظهر منها وما بطن - والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون )..
هذا هو الذي حرمه الله. الفواحش من الأعمال المتجاوزة لحدود الله. ظاهرة للناس أوخافية. والإثم. وهو كل معصية لله على وجه الإجمال. والبغي بغير الحق. وهو الظلم الذي يخالف الحق والعدل - كما بينهما الله أيضاً - وإشراك ما لم يجعل الله به قوة ولا سلطاناً مع الله - سبحانه - في خصائصه. ومنه هذا الذي كان واقعاً في الجاهلية، وهو الواقع في كل جاهلية. من إشراك غير الله ليشرع للناس ؛ ويزاول خصائص الألوهية. وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون. كالذي كانوا يقولونه من التحليل والتحريم. ومن نسبتهم هذا إلى أمر الله بغير علم ولا يقين..
ومن عجيب ما روي من حال المشركين الذين خوطبوا بهذه الآيات أول مرة ؛ ووجه إليهم هذا الإستنكار الوارد في قوله تعالى :( قل : من حرم زينة الله التي أخرج لعباده.. ) ما رواه الكلبي قال :
" لما لبس المسلمون الثياب، وطافوا بالبيت عيرهم المشركون بها.. فنزلت الآية.. "
فانظر كيف تصنع الجاهلية بأهلها ! ناس يطوفون ببيت الله عرايا ؛ فسدت فطرتهم وانحرفت عن الفطرة السليمة التي يحكيها القرآن الكريم عن آدم وحواء في الجنة :( فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ).. فإذا رأوا المسلمين يطوفون بالبيت مكسوين، في زينة الله التي أنعم بها على البشر ؛ لإرادته بهم الكرامة والستر، ولتنمو فيهم خصائص فطرتهم الإنسانية في سلامتها وجمالها الفطري، وليتميزوا عن العري الحيواني.. الجسمي والنفسي.. إذا رأوا المسلمين يطوفون ببيت الله في زينة الله وفق فطرة الله " عيروهم " !
إنه هكذا تصنع الجاهلية بالناس.. هكذا تمسخ فطرهم وأذواقهم وتصوراتهم وقيمهم وموازينهم ! وماذا تصنع الجاهلية الحاضرة بالناس في هذا الأمر غير الذي فعلته بالناس في جاهلية المشركين العرب ؟ وجاهلية المشركين الإغريق ؟ وجاهلية المشركين الرومان ؟ وجاهلية المشركين الفرس ؟ وجاهلية المشركين في كل زمان وكل مكان ؟ !
ماذا تصنع الجاهلية الحاضرة بالناس إلا أن تعريهم من اللباس، وتعريهم من التقوى والحياء ؟ ثم تدعو هذا رقياً وحضارة وتجديداً ؛ ثم تعير الكاسيات من الحرائر العفيفات المسلمات، بأنهن " رجعيات ". " تقليديات ". " ريفيات " !
المسخ هوالمسخ. والانتكاس عن الفطرة هو الانتكاس. وانقلاب الموازين هو انقلاب الموازين. والتبجح بعد ذلك هو التبجح.. ( أتواصوا به ؟ بل هم قوم طاغون ! ).
وما الفرق كذلك في علاقة هذا العري، وهذا الانتكاس، وهذه البهيمية، وهذا التبجح، بالشرك، وبالأرباب التي تشرع للناس من دون الله ؟
لئن كان مشركو العرب قد تلقوا في شأن ذلك التعري من الأرباب الأرضية التي كانت تستغل جهالتهم وتستخف بعقولهم، لضمان السيادة لها في الجزيرة.. ومثلهم بقية الجاهليات القديمة التي تلقت من الكهنة والسدنة والرؤساء.. فإن مشركي اليوم ومشركاته يتلقون في هذا عن الأرباب الأرضية كذلك.. ولا يملكون لأمرهم رداً..
إن بيوت الأزياء ومصمميها، وأساتذة التجميل ودكاكينها، لهي الأرباب التي تكمن وراء هذا الخبل الذي لا تفيق منه نساء الجاهلية الحاضرة ولا رجالها كذلك ! إن هذه الأرباب تصدر أوامرها، فتطيعها القطعان والبهائم العارية في أرجاء الأرض طاعة مزرية ! وسواء كان الزي الجديد لهذا العام يناسب قوام أية امرأة أو لا يناسبه، وسواء كانت مراسم التجميل تصلح لها أو لا تصلح، فهي تطيع صاغرة.. تطيع تلك الأرباب. وإلا " عيرت " من بقية البهائم المغلوبة على أمرها !
ومن ذا الذي يقبع وراء بيوت الأزياء ؟ ووراء دكاكين التجميل ؟ ووراء سعار العري والتكشف ؟ ووراء الأفلام والصور والروايات والقصص، والمجلات والصحف، التي تقود هذه الحملة المسعورة.. وبعضها يبلغ في هذا إلى حد أن تصبح المجلة أو القصة ماخوراً متنقلاً للدعارة ؟ !
من الذي يقبع وراء هذا كله ؟
الذي يقبع وراء هذه الأجهزه كلها، في العالم كله.. يهود..
يهود يقومون بخصائص الربوبية على البهائم المغلوبة على أمرها ! ويبلغون أهدافهم كلها من إطلاق هذه الموجات المسعورة في كل مكان.. أهدافهم من تلهية العالم كله بهذا السعار ؛ وإشاعة الانحلال النفسي والخلقي من ورائه، وإفساد الفطرة البشرية، وجعلها ألعوبة في أيدي مصممي الأزياء والتجميل ! ثم تحقيق الأهداف الاقتصادية من وراء الإسراف في استهلاك الأقمشة وأدوات الزينة والتجميل وسائر الصناعات الكثيرة التي تقوم على هذا السعار وتغذيه !
إن قضية اللباس والأزياء ليست منفصلة عن شرع الله ومنهجه للحياة.. ومن ثم ذلك الربط بينها وبين قضية الإيمان والشرك في السياق.
أنها ترتبط بالعقيدة والشريعة بأسباب شتى :
إنها تتعلق قبل كل شيء بالربوبية، وتحديد الجهة التي تشرع للناس في هذه الأمور، ذات التأثير العميق في الأخلاق والاقتصاد وشتى جوانب الحياة.
كذلك تتعلق بإبراز خصائص " الإنسان " في الجنس البشري، وتغليب الطابع " الإنساني " في هذا الجنس على الطابع الحيواني.
والجاهلية تمسخ التصورات والأذواق والقيم والأخلاق. وتجعل العري - الحيواني - تقدماً ورقياً. والستر - الإنساني - تأخراً ورجعية ! وليس بعد ذلك مسخ لفطرة الإنسان وخصائص الإنسان.
وبعد ذلك عندنا جاهليون يقولون : ما للدين والزي ؟ ما للدين وملابس النساء ؟ ما للدين والتجميل ؟.. إنه المسخ الذي يصيب الناس في الجاهلية في كل زمان وفي كل مكان ! ! !
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقبل أن نترك هذه الجولة نسجل ما لا حظناه من التشابه العجيب في مواجهة المنهج القرآني للجاهلية في شأن الذبائح والنذور والتحليل فيها والتحريم - في سورة الأنعام - ومواجهته للجاهلية - هنا في شأن اللباس والطعام..
ففي شأن الذبائح والنذور في الأنعام والثمار، بدأ أولاً بالحديث عما تزاوله الجاهلية فعلاً من هذه التقاليد ؛ وعما تزعمه - افتراء على الله - من أن هذا الذي تزاوله هو من شرع الله. ثم طلب إليهم الدليل الذي يستندون إليه في أن الله حرم هذا الذي يحرمونه، وأحل هذا الذي يحلونه :( أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا، فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم ؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ).. ثم واجه هروبهم من هذه المواجهة بإحالة الأمر إلى قدر الله وإلى أمره لهم بهذا الشرك الممثل في مزاولة الحاكمية وهي من خصائص الألوهية :( سيقول الذين أشركوا : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ! كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا. قل : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟ إن تتبعون إلا الظن، وإن أنتم إلا تخرصون : قل : فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين. قل : هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا. فإن شهدوا فلا تشهد معهم، ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ).. حتى إذا انتهى من تفنيد هذا الباطل الذي يدعونه ويفترونه، قال لهم : تعالوا لأبين لكم حقيقة ما حرم الله عليكم وحقيقة ما أمركم به : عن المصدر الصحيح الوحيد المعتمد في هذا الشأن ؛ والذي لا يجوز الأخذ عن غيره : قل : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئاً... الخ..
وهنا كذلك سار على نفس النسق، وعلى ذات الخطوات.. ذكر ما هم عليه من فاحشة العري ومن الشرك في مزاولة الحاكمية في التحريم والتحليل في اللباس والطعام. وحذرهم ما هم عليه من الفاحشة والشرك، وذكرهم مأساة العري التي واجهها أبواهما في الجنة بفعل الشيطان وكيده ؛ ونعمة الله عليهم في إنزال اللباس والرياش.. ثم استنكر دعواهم أن ما يزاولونه من التحريم والتحليل هو من شرع الله وأمره :( قل : من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. قل : هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا. خالصة يوم القيامة. كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ). مشيراً هنا إلى العلم اليقيني لا الظن والخرص الذي يبنون عليه دينهم وشعائرهم وعباداتهم وشرائعهم.. حتى إذا أبطل دعواهم فيما يزاولون عاد ليقرر لهم ما حرمه ربهم عليهم فعلاً :( قل إنما حرم ربي الفواحش - ما ظهر منها وما بطن - والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لمينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ).. كما أنه قد بين لهم من قبل حقيقة ما أمر الله به في شأن اللباس والطعام - لا مايدعونه هم وينسبونه( إلى الله - : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد..... وكلوا واشربوا ولاتسرفوا، إنه لا يحب المسرفين )..
وفي كلتا المواجهتين علق القضية كلها بقضية الإيمان والشرك. لأنها في صميمها هي قضية الحاكمية، ومن الذي يزاولها في حياة البشر. وقضية عبودية الناس ولمن تكون !
ذات القضية، وذات المنهج في مواجهتها. وذات الخطوات.. وصدق الله العظيم :( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) وهذه الوحدة في المنهج تبدو أهميتها ويزداد بروزها حين نذكر طبيعة سورة الأنعام وطبيعة سورة الأعراف والمجالين المختلفين اللذين تعالجان فيهما قضية العقيدة.. فإن اختلاف المجال لم يمنع وحدة المنهج في مواجهة الجاهلية في القضايا الأساسية.. وسبحان منزل هذا القرآن !..

وقبل أن نترك هذه الجولة نسجل ما لا حظناه من التشابه العجيب في مواجهة المنهج القرآني للجاهلية في شأن الذبائح والنذور والتحليل فيها والتحريم - في سورة الأنعام - ومواجهته للجاهلية - هنا في شأن اللباس والطعام..
ففي شأن الذبائح والنذور في الأنعام والثمار، بدأ أولاً بالحديث عما تزاوله الجاهلية فعلاً من هذه التقاليد ؛ وعما تزعمه - افتراء على الله - من أن هذا الذي تزاوله هو من شرع الله. ثم طلب إليهم الدليل الذي يستندون إليه في أن الله حرم هذا الذي يحرمونه، وأحل هذا الذي يحلونه :( أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا، فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم ؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ).. ثم واجه هروبهم من هذه المواجهة بإحالة الأمر إلى قدر الله وإلى أمره لهم بهذا الشرك الممثل في مزاولة الحاكمية وهي من خصائص الألوهية :( سيقول الذين أشركوا : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ! كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا. قل : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟ إن تتبعون إلا الظن، وإن أنتم إلا تخرصون : قل : فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين. قل : هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا. فإن شهدوا فلا تشهد معهم، ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ).. حتى إذا انتهى من تفنيد هذا الباطل الذي يدعونه ويفترونه، قال لهم : تعالوا لأبين لكم حقيقة ما حرم الله عليكم وحقيقة ما أمركم به : عن المصدر الصحيح الوحيد المعتمد في هذا الشأن ؛ والذي لا يجوز الأخذ عن غيره : قل : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئاً... الخ..
وهنا كذلك سار على نفس النسق، وعلى ذات الخطوات.. ذكر ما هم عليه من فاحشة العري ومن الشرك في مزاولة الحاكمية في التحريم والتحليل في اللباس والطعام. وحذرهم ما هم عليه من الفاحشة والشرك، وذكرهم مأساة العري التي واجهها أبواهما في الجنة بفعل الشيطان وكيده ؛ ونعمة الله عليهم في إنزال اللباس والرياش.. ثم استنكر دعواهم أن ما يزاولونه من التحريم والتحليل هو من شرع الله وأمره :( قل : من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. قل : هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا. خالصة يوم القيامة. كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ). مشيراً هنا إلى العلم اليقيني لا الظن والخرص الذي يبنون عليه دينهم وشعائرهم وعباداتهم وشرائعهم.. حتى إذا أبطل دعواهم فيما يزاولون عاد ليقرر لهم ما حرمه ربهم عليهم فعلاً :( قل إنما حرم ربي الفواحش - ما ظهر منها وما بطن - والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لمينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ).. كما أنه قد بين لهم من قبل حقيقة ما أمر الله به في شأن اللباس والطعام - لا مايدعونه هم وينسبونه( إلى الله - : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد..... وكلوا واشربوا ولاتسرفوا، إنه لا يحب المسرفين )..
وفي كلتا المواجهتين علق القضية كلها بقضية الإيمان والشرك. لأنها في صميمها هي قضية الحاكمية، ومن الذي يزاولها في حياة البشر. وقضية عبودية الناس ولمن تكون !
ذات القضية، وذات المنهج في مواجهتها. وذات الخطوات.. وصدق الله العظيم :( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) وهذه الوحدة في المنهج تبدو أهميتها ويزداد بروزها حين نذكر طبيعة سورة الأنعام وطبيعة سورة الأعراف والمجالين المختلفين اللذين تعالجان فيهما قضية العقيدة.. فإن اختلاف المجال لم يمنع وحدة المنهج في مواجهة الجاهلية في القضايا الأساسية.. وسبحان منزل هذا القرآن !..
الآن بعد تلك الوقفة الطويلة للتعقيب على قصة النشأة الأولى ؛ ومواجهة واقع الجاهلية العربية - وواقع الجاهلية البشرية كلها من ورائها - في شأن ستر الجسم باللباس وستر الروح بالتقوى ؛ وعلاقة القضية كلها بقضية العقيدة الكبرى..
الآن يبدأ نداء جديد لبني آدم.. نداء بشأن القضية الكلية التي ربطت بها قضية اللباس في الوقفة السابقة.. قضية التلقي والاتباع في شعائر الدين وفي شرائعه، وفي أمر الحياة كلها وأوضاعها. وذلك لتحديد الجهة التي يتلقون منها.. إنها جهة الرسل المبلغين عن ربهم. وعلى أساس الاستجابة أو عدم الاستجابة للرسل يكون الحساب والجزاء، في نهاية الرحلة التي يعرضها السياق في هذه الجولة :
( يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي، فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ).
هذا هو عهد الله لآدم وبنيه، وهذا هو شرطه في الخلافة عنه - سبحانه - في أرضه التي خلقها وقدر فيها أقواتها، واستخلف فيها هذا الجنس، ومكنه فيها، ليؤدي دوره وفق هذا الشرط وذلك العهد ؛ وإلا فإن عمله رد في الدنيا لا يقبله ولا يمضيه مسلم لله ؛ وهو في الآخرة وزر جزاؤه جهنم لا يقبل الله من أصحابه صرفاً ولا عدلاً.
( فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ).
لأن التقوى تنأى بهم عن الآثام والفواحش - وأفحش الفواحش الشرك بالله واغتصاب سلطانه وادعاء خصائص ألوهيته - وتقودهم إلى الطيبات والطاعات ؛ وتنتهي بهم إلى الأمن من الخوف والرضى عن المصير.
( والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ).. لأن التكذيب والاستكبار عن الاستسلام لعهد الله وشرطه يلحق المستكبرين بوليهم إبليس في النار ؛ حيث يحق وعد الله :( لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين )..
ومن هنا يأخذ السياق في عرض مشهد الاحتضار - عند نهاية الأجل المشار إليه في نهاية الجولة الماضية :( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ثم مشهد الحشر والحساب. ومشهد الفصل والجزاء.. كأنها تفصيل لذلك الإجمال عن شأن المتقين والمستكبرين ؛ وتصوير لحال المتقين وحال المستكبرين ؛ بعد الأجل المعلوم. تصوير على طريقة القرآن الفريدة التي تستحضر المشهد حياً متحركاً يراه قارىء القرآن وسامعه ؛ ويشهده، بكل كينونته.
لقد عني المنهج القرآني بمشاهد القيامة.. البعث والحساب، والنعيم والعذاب.. عناية واضحة. فلم يعد ذلك العالم الذي وعده الله الناس، بعد هذا العالم الحاضر، موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولاح لهم من بعيد لفح النار، ورفت إليهم من الجنة أنسام ! ومن ثم باتوا يعرفون ذلك العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود.. والذي يراجع كلماتهم ومشاعرهم عن ذلك العالم يحس أنهم كانوا يعيشون فيه عيشة أعمق وأصدق من حياتهم في هذه الدار الدنيا ؛ وكانوا ينتقلون بحسهم كله إليه، كما ينتقل الإنسان من دار إلى دار، ومن أرض إلى أرض، في هذه الحياة المشهودة المحسوسة.. ولم يكن ذلك العالم مستقبلاً موعوداً في حسهم، وإنما كان واقعاً مشهوداً..
وربما كانت هذه المشاهد - المعروضة هنا - أطول مشاهد القيامة في القرآن، وأحفلها بالحركة، وبالمناظر المتتابعة، وبالحوار المتنوع، في حيوية فائضة يعجب الإنسان كيف تنقلها الألفاظ، حيث لا ينقلها للحس هكذا إلا المشاهدة !
وهي تجيء في السورة - كما أسلفنا - تعقيباً على قصة آدم، وخروجه من الجنة هو وزوجه بإغواء الشيطان لهما، وتحذير الله لبني آدم أن يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة، وتحذيرهم من اتباع عدوهمالقديم فيما يوحي به إليهم ويوسوس، وتهديدهم بتولية الشيطان لهم إن هم اختاروا اتباعه على اتباع ما سيرسل به الرسل إليهم من الهدى والشريعة.. ثم يأخذ في عرض مشهد الاحتضار، ومشاهد القيامة - وكأنها تالية له بلا فاصل من الزمان ! - فإذا الذي يقع فيها مصداق ما ينبىء به هؤلاء الرسل، وإذا الذين يطيعون الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة، وفتنوا عنها كما أخرج أبويهم منها. وإذا الذين خالفوا الشيطان فأطاعوا الله، قد ردوا إلى الجنة، ونودوا من الملأ الأعلى :( أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ).. فكأنما هي أوبة المهاجرين، وعودة المغتربين، إلى دار النعيم !
وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه. فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى، على مشهد من الملائكة - يوم أن خلق الله آدم وزوجه وأسكنهما الجنة، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة، وأخرجهما من الجنة - وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة.. فيتصل البدء بالنهاية. ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها. وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق.
والآن نأخذ في استعراض هذه المشاهد العجيبة :
ومن هنا يأخذ السياق في عرض مشهد الاحتضار - عند نهاية الأجل المشار إليه في نهاية الجولة الماضية :( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ثم مشهد الحشر والحساب. ومشهد الفصل والجزاء.. كأنها تفصيل لذلك الإجمال عن شأن المتقين والمستكبرين ؛ وتصوير لحال المتقين وحال المستكبرين ؛ بعد الأجل المعلوم. تصوير على طريقة القرآن الفريدة التي تستحضر المشهد حياً متحركاً يراه قارىء القرآن وسامعه ؛ ويشهده، بكل كينونته.
لقد عني المنهج القرآني بمشاهد القيامة.. البعث والحساب، والنعيم والعذاب.. عناية واضحة. فلم يعد ذلك العالم الذي وعده الله الناس، بعد هذا العالم الحاضر، موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولاح لهم من بعيد لفح النار، ورفت إليهم من الجنة أنسام ! ومن ثم باتوا يعرفون ذلك العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود.. والذي يراجع كلماتهم ومشاعرهم عن ذلك العالم يحس أنهم كانوا يعيشون فيه عيشة أعمق وأصدق من حياتهم في هذه الدار الدنيا ؛ وكانوا ينتقلون بحسهم كله إليه، كما ينتقل الإنسان من دار إلى دار، ومن أرض إلى أرض، في هذه الحياة المشهودة المحسوسة.. ولم يكن ذلك العالم مستقبلاً موعوداً في حسهم، وإنما كان واقعاً مشهوداً..
وربما كانت هذه المشاهد - المعروضة هنا - أطول مشاهد القيامة في القرآن، وأحفلها بالحركة، وبالمناظر المتتابعة، وبالحوار المتنوع، في حيوية فائضة يعجب الإنسان كيف تنقلها الألفاظ، حيث لا ينقلها للحس هكذا إلا المشاهدة !
وهي تجيء في السورة - كما أسلفنا - تعقيباً على قصة آدم، وخروجه من الجنة هو وزوجه بإغواء الشيطان لهما، وتحذير الله لبني آدم أن يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة، وتحذيرهم من اتباع عدوهمالقديم فيما يوحي به إليهم ويوسوس، وتهديدهم بتولية الشيطان لهم إن هم اختاروا اتباعه على اتباع ما سيرسل به الرسل إليهم من الهدى والشريعة.. ثم يأخذ في عرض مشهد الاحتضار، ومشاهد القيامة - وكأنها تالية له بلا فاصل من الزمان ! - فإذا الذي يقع فيها مصداق ما ينبىء به هؤلاء الرسل، وإذا الذين يطيعون الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة، وفتنوا عنها كما أخرج أبويهم منها. وإذا الذين خالفوا الشيطان فأطاعوا الله، قد ردوا إلى الجنة، ونودوا من الملأ الأعلى :( أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ).. فكأنما هي أوبة المهاجرين، وعودة المغتربين، إلى دار النعيم !
وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه. فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى، على مشهد من الملائكة - يوم أن خلق الله آدم وزوجه وأسكنهما الجنة، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة، وأخرجهما من الجنة - وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة.. فيتصل البدء بالنهاية. ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها. وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق.
والآن نأخذ في استعراض هذه المشاهد العجيبة :
فإذا انتهى مشهد الاحتضار، فنحن أمام المشهد التالي، وهؤلاء المحتضرون في النار !.. ويسكت السياق عما بينهما، ويسقط الفترة بين الموت والبعث والحشر. وكأنما يؤخذ هؤلاء المحتضرون من الدار إلى النار !
( قال : ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار، كلما دخلت أمة لعنت أختها، حتى إذا ادّاركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم : ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار. قال : لكل ضعف ولكن لا تعلمون. وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل، فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ).
( ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ).
انضموا إلى زملائكم وأوليائكم من الجن والإنس.. هنا في النار.. أليس إبليس هو الذي عصى ربه ؟ وهو الذي أخرج آدم من الجنة وزوجه ؟ وهو الذي أغوى من أغوى من أبنائه ؟ وهو الذي أوعده الله أن يكون هو ومن أغواهم في النار ؟.. فادخلوا إذن جميعاً.. ادخلوا سابقين ولاحقين.. فكلكم أولياء.. وكلكم سواء !
ولقد كانت هذه الأمم والجماعات والفرق في الدنيا من الولاء بحيث يتبع آخرها أولها ؛ ويملي متبوعها لتابعها.. فلننظر اليوم كيف تكون الأحقاد بينها، وكيف يكون التنابز فيها :
( كلما دخلت أمة لعنت أختها ) !
فما أبأسها نهاية تلك التي يلعن فيها الابن أباه ؛ ويتنكر فيها الولي لمولاه !
( حتى إذا اداركوا فيها جميعاً )..
وتلاحق آخرهم وأولهم، واجتمع قاصيهم بدانيهم، بدأ الخصام والجدال :
( قالت أخراهم لأولاهم، ربنا هؤلاء أضلونا، فآتهم عذاباً ضعفاً من النار )..
وهكذا تبدأ مهزلتهم أو مأساتهم ! ويكشف المشهد عن الأصفياء والأولياء، وهم متناكرون أعداء ؛ يتهم بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا، ويطلب له من( ربنا )شر الجزاء.. من( ربنا )الذي كانوا يفترون عليه ويكذبون بآياته ؛ وهم اليوم ينيبون إليه وحده ويتوجهون إليه بالدعاء ! فيكون الجواب استجابة للدعاء. ولكن أية استجابة ؟ !
( قال : لكل ضعف، ولكن لا تعلمون ).
لكم ولهم جميعاً ما طلبتم من مضاعفة العذاب !
ومن هنا يأخذ السياق في عرض مشهد الاحتضار - عند نهاية الأجل المشار إليه في نهاية الجولة الماضية :( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ثم مشهد الحشر والحساب. ومشهد الفصل والجزاء.. كأنها تفصيل لذلك الإجمال عن شأن المتقين والمستكبرين ؛ وتصوير لحال المتقين وحال المستكبرين ؛ بعد الأجل المعلوم. تصوير على طريقة القرآن الفريدة التي تستحضر المشهد حياً متحركاً يراه قارىء القرآن وسامعه ؛ ويشهده، بكل كينونته.
لقد عني المنهج القرآني بمشاهد القيامة.. البعث والحساب، والنعيم والعذاب.. عناية واضحة. فلم يعد ذلك العالم الذي وعده الله الناس، بعد هذا العالم الحاضر، موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولاح لهم من بعيد لفح النار، ورفت إليهم من الجنة أنسام ! ومن ثم باتوا يعرفون ذلك العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود.. والذي يراجع كلماتهم ومشاعرهم عن ذلك العالم يحس أنهم كانوا يعيشون فيه عيشة أعمق وأصدق من حياتهم في هذه الدار الدنيا ؛ وكانوا ينتقلون بحسهم كله إليه، كما ينتقل الإنسان من دار إلى دار، ومن أرض إلى أرض، في هذه الحياة المشهودة المحسوسة.. ولم يكن ذلك العالم مستقبلاً موعوداً في حسهم، وإنما كان واقعاً مشهوداً..
وربما كانت هذه المشاهد - المعروضة هنا - أطول مشاهد القيامة في القرآن، وأحفلها بالحركة، وبالمناظر المتتابعة، وبالحوار المتنوع، في حيوية فائضة يعجب الإنسان كيف تنقلها الألفاظ، حيث لا ينقلها للحس هكذا إلا المشاهدة !
وهي تجيء في السورة - كما أسلفنا - تعقيباً على قصة آدم، وخروجه من الجنة هو وزوجه بإغواء الشيطان لهما، وتحذير الله لبني آدم أن يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة، وتحذيرهم من اتباع عدوهمالقديم فيما يوحي به إليهم ويوسوس، وتهديدهم بتولية الشيطان لهم إن هم اختاروا اتباعه على اتباع ما سيرسل به الرسل إليهم من الهدى والشريعة.. ثم يأخذ في عرض مشهد الاحتضار، ومشاهد القيامة - وكأنها تالية له بلا فاصل من الزمان ! - فإذا الذي يقع فيها مصداق ما ينبىء به هؤلاء الرسل، وإذا الذين يطيعون الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة، وفتنوا عنها كما أخرج أبويهم منها. وإذا الذين خالفوا الشيطان فأطاعوا الله، قد ردوا إلى الجنة، ونودوا من الملأ الأعلى :( أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ).. فكأنما هي أوبة المهاجرين، وعودة المغتربين، إلى دار النعيم !
وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه. فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى، على مشهد من الملائكة - يوم أن خلق الله آدم وزوجه وأسكنهما الجنة، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة، وأخرجهما من الجنة - وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة.. فيتصل البدء بالنهاية. ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها. وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق.
والآن نأخذ في استعراض هذه المشاهد العجيبة :
وكأنما شمت المدعو عليهم بالداعين، حينما سمعوا جواب الدعاء، فإذا هم يتوجهون إليهم بالشماتة.. كلنا سواء.. في هذا الجزاء :
( وقالت أولاهم لأخراهم : فما كان لكم علينا من فضل. فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون )
ومن هنا يأخذ السياق في عرض مشهد الاحتضار - عند نهاية الأجل المشار إليه في نهاية الجولة الماضية :( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ثم مشهد الحشر والحساب. ومشهد الفصل والجزاء.. كأنها تفصيل لذلك الإجمال عن شأن المتقين والمستكبرين ؛ وتصوير لحال المتقين وحال المستكبرين ؛ بعد الأجل المعلوم. تصوير على طريقة القرآن الفريدة التي تستحضر المشهد حياً متحركاً يراه قارىء القرآن وسامعه ؛ ويشهده، بكل كينونته.
لقد عني المنهج القرآني بمشاهد القيامة.. البعث والحساب، والنعيم والعذاب.. عناية واضحة. فلم يعد ذلك العالم الذي وعده الله الناس، بعد هذا العالم الحاضر، موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولاح لهم من بعيد لفح النار، ورفت إليهم من الجنة أنسام ! ومن ثم باتوا يعرفون ذلك العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود.. والذي يراجع كلماتهم ومشاعرهم عن ذلك العالم يحس أنهم كانوا يعيشون فيه عيشة أعمق وأصدق من حياتهم في هذه الدار الدنيا ؛ وكانوا ينتقلون بحسهم كله إليه، كما ينتقل الإنسان من دار إلى دار، ومن أرض إلى أرض، في هذه الحياة المشهودة المحسوسة.. ولم يكن ذلك العالم مستقبلاً موعوداً في حسهم، وإنما كان واقعاً مشهوداً..
وربما كانت هذه المشاهد - المعروضة هنا - أطول مشاهد القيامة في القرآن، وأحفلها بالحركة، وبالمناظر المتتابعة، وبالحوار المتنوع، في حيوية فائضة يعجب الإنسان كيف تنقلها الألفاظ، حيث لا ينقلها للحس هكذا إلا المشاهدة !
وهي تجيء في السورة - كما أسلفنا - تعقيباً على قصة آدم، وخروجه من الجنة هو وزوجه بإغواء الشيطان لهما، وتحذير الله لبني آدم أن يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة، وتحذيرهم من اتباع عدوهمالقديم فيما يوحي به إليهم ويوسوس، وتهديدهم بتولية الشيطان لهم إن هم اختاروا اتباعه على اتباع ما سيرسل به الرسل إليهم من الهدى والشريعة.. ثم يأخذ في عرض مشهد الاحتضار، ومشاهد القيامة - وكأنها تالية له بلا فاصل من الزمان ! - فإذا الذي يقع فيها مصداق ما ينبىء به هؤلاء الرسل، وإذا الذين يطيعون الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة، وفتنوا عنها كما أخرج أبويهم منها. وإذا الذين خالفوا الشيطان فأطاعوا الله، قد ردوا إلى الجنة، ونودوا من الملأ الأعلى :( أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ).. فكأنما هي أوبة المهاجرين، وعودة المغتربين، إلى دار النعيم !
وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه. فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى، على مشهد من الملائكة - يوم أن خلق الله آدم وزوجه وأسكنهما الجنة، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة، وأخرجهما من الجنة - وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة.. فيتصل البدء بالنهاية. ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها. وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق.
والآن نأخذ في استعراض هذه المشاهد العجيبة :
وبهذا ينتهي ذلك المشهد الساخر الأليم، ليتبعه تقرير وتوكيد لهذا المصير الذي لن يتبدل - وذلك قبل عرض المشهد المقابل للمؤمنين في دار النعيم - :
( إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وكذلك نجزي المجرمين. لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش، وكذلك نجزي الظالمين )..
ودونك فقف بتصورك ما تشاء أمام هذا المشهد العجيب.. مشهد الجمل تجاه ثقب الإبرة. فحين يفتح ذلك الثقب الصغير لمرور الجمل الكبير، فانتظر حينئذ - وحينئذ فقط - أن تفتح أبواب السماء لهؤلاء المكذبين، فتقبل دعاءهم أو توبتهم - وقد فات الأوان - وأن يدخلوا إلى جنات النعيم ! أما الآن، وإلى أن يلج الجمل في سم الخياط، فهم هنا في النار، التي تداركوا فيها جميعاً وتلاحقوا ؛ وتلاوموا فيها وتلاعنوا، وطلب بعضهم لبعض سوء الجزاء، ونالوا جميعاً ما طلبه الأولياء للأولياء !
( وكذلك نجزي المجرمين )..
ومن هنا يأخذ السياق في عرض مشهد الاحتضار - عند نهاية الأجل المشار إليه في نهاية الجولة الماضية :( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ثم مشهد الحشر والحساب. ومشهد الفصل والجزاء.. كأنها تفصيل لذلك الإجمال عن شأن المتقين والمستكبرين ؛ وتصوير لحال المتقين وحال المستكبرين ؛ بعد الأجل المعلوم. تصوير على طريقة القرآن الفريدة التي تستحضر المشهد حياً متحركاً يراه قارىء القرآن وسامعه ؛ ويشهده، بكل كينونته.
لقد عني المنهج القرآني بمشاهد القيامة.. البعث والحساب، والنعيم والعذاب.. عناية واضحة. فلم يعد ذلك العالم الذي وعده الله الناس، بعد هذا العالم الحاضر، موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولاح لهم من بعيد لفح النار، ورفت إليهم من الجنة أنسام ! ومن ثم باتوا يعرفون ذلك العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود.. والذي يراجع كلماتهم ومشاعرهم عن ذلك العالم يحس أنهم كانوا يعيشون فيه عيشة أعمق وأصدق من حياتهم في هذه الدار الدنيا ؛ وكانوا ينتقلون بحسهم كله إليه، كما ينتقل الإنسان من دار إلى دار، ومن أرض إلى أرض، في هذه الحياة المشهودة المحسوسة.. ولم يكن ذلك العالم مستقبلاً موعوداً في حسهم، وإنما كان واقعاً مشهوداً..
وربما كانت هذه المشاهد - المعروضة هنا - أطول مشاهد القيامة في القرآن، وأحفلها بالحركة، وبالمناظر المتتابعة، وبالحوار المتنوع، في حيوية فائضة يعجب الإنسان كيف تنقلها الألفاظ، حيث لا ينقلها للحس هكذا إلا المشاهدة !
وهي تجيء في السورة - كما أسلفنا - تعقيباً على قصة آدم، وخروجه من الجنة هو وزوجه بإغواء الشيطان لهما، وتحذير الله لبني آدم أن يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة، وتحذيرهم من اتباع عدوهمالقديم فيما يوحي به إليهم ويوسوس، وتهديدهم بتولية الشيطان لهم إن هم اختاروا اتباعه على اتباع ما سيرسل به الرسل إليهم من الهدى والشريعة.. ثم يأخذ في عرض مشهد الاحتضار، ومشاهد القيامة - وكأنها تالية له بلا فاصل من الزمان ! - فإذا الذي يقع فيها مصداق ما ينبىء به هؤلاء الرسل، وإذا الذين يطيعون الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة، وفتنوا عنها كما أخرج أبويهم منها. وإذا الذين خالفوا الشيطان فأطاعوا الله، قد ردوا إلى الجنة، ونودوا من الملأ الأعلى :( أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ).. فكأنما هي أوبة المهاجرين، وعودة المغتربين، إلى دار النعيم !
وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه. فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى، على مشهد من الملائكة - يوم أن خلق الله آدم وزوجه وأسكنهما الجنة، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة، وأخرجهما من الجنة - وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة.. فيتصل البدء بالنهاية. ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها. وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق.
والآن نأخذ في استعراض هذه المشاهد العجيبة :

ثم إليك هيئتهم في النار :

( لهم من جهنم مهادٌ، ومن فوقهم غواشٍ )..
فلهم من نار جهنم من تحتهم فراش، يدعوه - للسخرية - مهاداً، وما هو مهد ولا لين ولا مريح ! - ولهم من نار جهنم أغطية تغشاهم من فوقهم !
( وكذلك نجزي الظالمين )..
والظالمون هم المجرمون. والظالمون هم المشركون المكذبون بآيات الله، المفترون الكذب على الله.. كلها أوصاف مترادفة في تعبير القرآن.
ومن هنا يأخذ السياق في عرض مشهد الاحتضار - عند نهاية الأجل المشار إليه في نهاية الجولة الماضية :( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ثم مشهد الحشر والحساب. ومشهد الفصل والجزاء.. كأنها تفصيل لذلك الإجمال عن شأن المتقين والمستكبرين ؛ وتصوير لحال المتقين وحال المستكبرين ؛ بعد الأجل المعلوم. تصوير على طريقة القرآن الفريدة التي تستحضر المشهد حياً متحركاً يراه قارىء القرآن وسامعه ؛ ويشهده، بكل كينونته.
لقد عني المنهج القرآني بمشاهد القيامة.. البعث والحساب، والنعيم والعذاب.. عناية واضحة. فلم يعد ذلك العالم الذي وعده الله الناس، بعد هذا العالم الحاضر، موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولاح لهم من بعيد لفح النار، ورفت إليهم من الجنة أنسام ! ومن ثم باتوا يعرفون ذلك العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود.. والذي يراجع كلماتهم ومشاعرهم عن ذلك العالم يحس أنهم كانوا يعيشون فيه عيشة أعمق وأصدق من حياتهم في هذه الدار الدنيا ؛ وكانوا ينتقلون بحسهم كله إليه، كما ينتقل الإنسان من دار إلى دار، ومن أرض إلى أرض، في هذه الحياة المشهودة المحسوسة.. ولم يكن ذلك العالم مستقبلاً موعوداً في حسهم، وإنما كان واقعاً مشهوداً..
وربما كانت هذه المشاهد - المعروضة هنا - أطول مشاهد القيامة في القرآن، وأحفلها بالحركة، وبالمناظر المتتابعة، وبالحوار المتنوع، في حيوية فائضة يعجب الإنسان كيف تنقلها الألفاظ، حيث لا ينقلها للحس هكذا إلا المشاهدة !
وهي تجيء في السورة - كما أسلفنا - تعقيباً على قصة آدم، وخروجه من الجنة هو وزوجه بإغواء الشيطان لهما، وتحذير الله لبني آدم أن يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة، وتحذيرهم من اتباع عدوهمالقديم فيما يوحي به إليهم ويوسوس، وتهديدهم بتولية الشيطان لهم إن هم اختاروا اتباعه على اتباع ما سيرسل به الرسل إليهم من الهدى والشريعة.. ثم يأخذ في عرض مشهد الاحتضار، ومشاهد القيامة - وكأنها تالية له بلا فاصل من الزمان ! - فإذا الذي يقع فيها مصداق ما ينبىء به هؤلاء الرسل، وإذا الذين يطيعون الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة، وفتنوا عنها كما أخرج أبويهم منها. وإذا الذين خالفوا الشيطان فأطاعوا الله، قد ردوا إلى الجنة، ونودوا من الملأ الأعلى :( أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ).. فكأنما هي أوبة المهاجرين، وعودة المغتربين، إلى دار النعيم !
وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه. فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى، على مشهد من الملائكة - يوم أن خلق الله آدم وزوجه وأسكنهما الجنة، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة، وأخرجهما من الجنة - وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة.. فيتصل البدء بالنهاية. ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها. وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق.
والآن نأخذ في استعراض هذه المشاهد العجيبة :

والآن فلننظر إلى المشهد المقابل :

( والذين آمنوا وعملوا الصالحات - لا نكلف نفساً إلا وسعها - أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. ونزعنا ما في صدورهم من غل، تجري من تحتهم الأنهار، وقالوا : الحمد لله الذي هدانا لهذا - وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله - لقد جاءت رسل ربنا بالحق. ونودوا : أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون )..
هؤلاء هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات قدر استطاعتهم، لا يكلفون إلا طاقتهم.. هؤلاء هم يعودون إلى جنتهم ! إنهم أصحابها - بإذن الله وفضله - ورثها لهم - برحمته - بعملهم الصالح مع الإيمان.. جزاء ما اتبعوا رسل الله وعصوا الشيطان. وجزاء ما أطاعوا أمر الله العظيم الرحيم، وعصوا وسوسة العدو اللئيم القديم ! ولولا رحمة الله ما كفى عملهم - في حدود طاقتهم - وقد قال رسول الله [ ص ] " لن يدخل أحداً منكم الجنة عمله ". قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال :" ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ". وليس هنالك تناقض ولا اختلاف بين قول الله سبحانه في هذا الشأن، وقول رسوله [ ص ] وهو لا ينطق عن الهوى.. وكل ما ثار من الجدل حول هذه القضية بين الفرق الإسلامية لم يقم على الفهم الصحيح لهذا الدين، إنما ثار عن الهوى ! فلقد علم الله من بني آدم ضعفهم وعجزهم وقصورهم عن أن تفي أعمالهم بحق الجنة. ولا بحق نعمة واحدة من نعمه عليهم في الدنيا. فكتب على نفسه الرحمة ؛ وقبل منهم جهد المقل القاصر الضعيف ؛ وكتب لهم به الجنة، فضلاً منه ورحمة، فاستحقوها بعملهم ولكن بهذه الرحمة..
ومن هنا يأخذ السياق في عرض مشهد الاحتضار - عند نهاية الأجل المشار إليه في نهاية الجولة الماضية :( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ثم مشهد الحشر والحساب. ومشهد الفصل والجزاء.. كأنها تفصيل لذلك الإجمال عن شأن المتقين والمستكبرين ؛ وتصوير لحال المتقين وحال المستكبرين ؛ بعد الأجل المعلوم. تصوير على طريقة القرآن الفريدة التي تستحضر المشهد حياً متحركاً يراه قارىء القرآن وسامعه ؛ ويشهده، بكل كينونته.
لقد عني المنهج القرآني بمشاهد القيامة.. البعث والحساب، والنعيم والعذاب.. عناية واضحة. فلم يعد ذلك العالم الذي وعده الله الناس، بعد هذا العالم الحاضر، موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولاح لهم من بعيد لفح النار، ورفت إليهم من الجنة أنسام ! ومن ثم باتوا يعرفون ذلك العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود.. والذي يراجع كلماتهم ومشاعرهم عن ذلك العالم يحس أنهم كانوا يعيشون فيه عيشة أعمق وأصدق من حياتهم في هذه الدار الدنيا ؛ وكانوا ينتقلون بحسهم كله إليه، كما ينتقل الإنسان من دار إلى دار، ومن أرض إلى أرض، في هذه الحياة المشهودة المحسوسة.. ولم يكن ذلك العالم مستقبلاً موعوداً في حسهم، وإنما كان واقعاً مشهوداً..
وربما كانت هذه المشاهد - المعروضة هنا - أطول مشاهد القيامة في القرآن، وأحفلها بالحركة، وبالمناظر المتتابعة، وبالحوار المتنوع، في حيوية فائضة يعجب الإنسان كيف تنقلها الألفاظ، حيث لا ينقلها للحس هكذا إلا المشاهدة !
وهي تجيء في السورة - كما أسلفنا - تعقيباً على قصة آدم، وخروجه من الجنة هو وزوجه بإغواء الشيطان لهما، وتحذير الله لبني آدم أن يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة، وتحذيرهم من اتباع عدوهمالقديم فيما يوحي به إليهم ويوسوس، وتهديدهم بتولية الشيطان لهم إن هم اختاروا اتباعه على اتباع ما سيرسل به الرسل إليهم من الهدى والشريعة.. ثم يأخذ في عرض مشهد الاحتضار، ومشاهد القيامة - وكأنها تالية له بلا فاصل من الزمان ! - فإذا الذي يقع فيها مصداق ما ينبىء به هؤلاء الرسل، وإذا الذين يطيعون الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة، وفتنوا عنها كما أخرج أبويهم منها. وإذا الذين خالفوا الشيطان فأطاعوا الله، قد ردوا إلى الجنة، ونودوا من الملأ الأعلى :( أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ).. فكأنما هي أوبة المهاجرين، وعودة المغتربين، إلى دار النعيم !
وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه. فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى، على مشهد من الملائكة - يوم أن خلق الله آدم وزوجه وأسكنهما الجنة، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة، وأخرجهما من الجنة - وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة.. فيتصل البدء بالنهاية. ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها. وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق.
والآن نأخذ في استعراض هذه المشاهد العجيبة :
وبعد، فإذا كان أولئك المفترون المكذبون المجرمون الظالمون الكافرون المشركون يتلاعنون في النار
ويتخاصمون، وتغلي صدورهم بالسخائم والأحقاد، بعد أن كانوا أصفياء أولياء.. فإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة إخوان متحابون متصافون متوادون، يرف عليهم السلام والولاء :
( ونزعنا ما في صدورهم من غل )..
فهم بشر. وهم عاشوا بشراً. وقد يثور بينهم في الحياة الدنيا غيظ يكظمونه، وغل يغالبونه ويغلبونه.. ولكن تبقى في القلب منه آثار.
قال القرطبي في تفسيره المسمى أحكام القرآن : قال رسول الله - [ ص ] :" الغل على أبواب الجنة كمبارك الإبل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين ".. وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال : أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم :( ونزعنا ما في صدورهم من غل )..
وإذا كان أهل النار يصطلون النار من تحتهم ومن فوقهم. فأهل الجنة تجري من تحتهم الأنهار ؛ فترف على الجو كله أنسام :
( تجري من تحتهم الأنهار )..
وإذا كان أولئك يشتغلون بالتنابز والخصام، فهؤلاء يشتغلون بالحمد والاعتراف :
( وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق ).. وإذا كان أولئك ينادون بالتحقير والتأنيب :( ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ).. فإن هؤلاء ينادون بالتأهيل والتكريم :
( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون )..
إنه التقابل التام بين أصحاب الجنة وأصحاب النار.
ومن هنا يأخذ السياق في عرض مشهد الاحتضار - عند نهاية الأجل المشار إليه في نهاية الجولة الماضية :( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ثم مشهد الحشر والحساب. ومشهد الفصل والجزاء.. كأنها تفصيل لذلك الإجمال عن شأن المتقين والمستكبرين ؛ وتصوير لحال المتقين وحال المستكبرين ؛ بعد الأجل المعلوم. تصوير على طريقة القرآن الفريدة التي تستحضر المشهد حياً متحركاً يراه قارىء القرآن وسامعه ؛ ويشهده، بكل كينونته.
لقد عني المنهج القرآني بمشاهد القيامة.. البعث والحساب، والنعيم والعذاب.. عناية واضحة. فلم يعد ذلك العالم الذي وعده الله الناس، بعد هذا العالم الحاضر، موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولاح لهم من بعيد لفح النار، ورفت إليهم من الجنة أنسام ! ومن ثم باتوا يعرفون ذلك العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود.. والذي يراجع كلماتهم ومشاعرهم عن ذلك العالم يحس أنهم كانوا يعيشون فيه عيشة أعمق وأصدق من حياتهم في هذه الدار الدنيا ؛ وكانوا ينتقلون بحسهم كله إليه، كما ينتقل الإنسان من دار إلى دار، ومن أرض إلى أرض، في هذه الحياة المشهودة المحسوسة.. ولم يكن ذلك العالم مستقبلاً موعوداً في حسهم، وإنما كان واقعاً مشهوداً..
وربما كانت هذه المشاهد - المعروضة هنا - أطول مشاهد القيامة في القرآن، وأحفلها بالحركة، وبالمناظر المتتابعة، وبالحوار المتنوع، في حيوية فائضة يعجب الإنسان كيف تنقلها الألفاظ، حيث لا ينقلها للحس هكذا إلا المشاهدة !
وهي تجيء في السورة - كما أسلفنا - تعقيباً على قصة آدم، وخروجه من الجنة هو وزوجه بإغواء الشيطان لهما، وتحذير الله لبني آدم أن يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة، وتحذيرهم من اتباع عدوهمالقديم فيما يوحي به إليهم ويوسوس، وتهديدهم بتولية الشيطان لهم إن هم اختاروا اتباعه على اتباع ما سيرسل به الرسل إليهم من الهدى والشريعة.. ثم يأخذ في عرض مشهد الاحتضار، ومشاهد القيامة - وكأنها تالية له بلا فاصل من الزمان ! - فإذا الذي يقع فيها مصداق ما ينبىء به هؤلاء الرسل، وإذا الذين يطيعون الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة، وفتنوا عنها كما أخرج أبويهم منها. وإذا الذين خالفوا الشيطان فأطاعوا الله، قد ردوا إلى الجنة، ونودوا من الملأ الأعلى :( أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ).. فكأنما هي أوبة المهاجرين، وعودة المغتربين، إلى دار النعيم !
وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه. فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى، على مشهد من الملائكة - يوم أن خلق الله آدم وزوجه وأسكنهما الجنة، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة، وأخرجهما من الجنة - وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة.. فيتصل البدء بالنهاية. ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها. وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق.
والآن نأخذ في استعراض هذه المشاهد العجيبة :
ثم يستمر العرض، فإذا نحن أمام مشهد لاحق للمشهد السابق.. لقد اطمأن أصحاب الجنة إلى دارهم ؛ واستيقن أصحاب النار من مصيرهم. وإذا الأولون ينادون الآخرين، يسألونهم عما وجدوه من وعد الله القديم :
( ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار : أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ؟ قالوا : نعم ! فأذن مؤذن بينهم : أن لعنة الله على الظالمين. الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً وهم بالآخرة كافرون )..
وفي هذا السؤال من السخرية المرة ما فيه.. إن المؤمنين على ثقة من تحقق وعيد الله كثقتهم من تحقق وعده. ولكنهم يسألون !
ويجيء الجواب في كلمة واحدة.. نعم.. !

وعندئذ ينتهي الجواب، ويقطع الحوار :

( فأذن مؤذن بينهم : أن لعنة الله على الظالمين ).
فيتحدد معنى ( الظالمين ) المقصود. وهو مرادف لمعنى ( الكافرين ).
ومن هنا يأخذ السياق في عرض مشهد الاحتضار - عند نهاية الأجل المشار إليه في نهاية الجولة الماضية :( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ثم مشهد الحشر والحساب. ومشهد الفصل والجزاء.. كأنها تفصيل لذلك الإجمال عن شأن المتقين والمستكبرين ؛ وتصوير لحال المتقين وحال المستكبرين ؛ بعد الأجل المعلوم. تصوير على طريقة القرآن الفريدة التي تستحضر المشهد حياً متحركاً يراه قارىء القرآن وسامعه ؛ ويشهده، بكل كينونته.
لقد عني المنهج القرآني بمشاهد القيامة.. البعث والحساب، والنعيم والعذاب.. عناية واضحة. فلم يعد ذلك العالم الذي وعده الله الناس، بعد هذا العالم الحاضر، موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولاح لهم من بعيد لفح النار، ورفت إليهم من الجنة أنسام ! ومن ثم باتوا يعرفون ذلك العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود.. والذي يراجع كلماتهم ومشاعرهم عن ذلك العالم يحس أنهم كانوا يعيشون فيه عيشة أعمق وأصدق من حياتهم في هذه الدار الدنيا ؛ وكانوا ينتقلون بحسهم كله إليه، كما ينتقل الإنسان من دار إلى دار، ومن أرض إلى أرض، في هذه الحياة المشهودة المحسوسة.. ولم يكن ذلك العالم مستقبلاً موعوداً في حسهم، وإنما كان واقعاً مشهوداً..
وربما كانت هذه المشاهد - المعروضة هنا - أطول مشاهد القيامة في القرآن، وأحفلها بالحركة، وبالمناظر المتتابعة، وبالحوار المتنوع، في حيوية فائضة يعجب الإنسان كيف تنقلها الألفاظ، حيث لا ينقلها للحس هكذا إلا المشاهدة !
وهي تجيء في السورة - كما أسلفنا - تعقيباً على قصة آدم، وخروجه من الجنة هو وزوجه بإغواء الشيطان لهما، وتحذير الله لبني آدم أن يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة، وتحذيرهم من اتباع عدوهمالقديم فيما يوحي به إليهم ويوسوس، وتهديدهم بتولية الشيطان لهم إن هم اختاروا اتباعه على اتباع ما سيرسل به الرسل إليهم من الهدى والشريعة.. ثم يأخذ في عرض مشهد الاحتضار، ومشاهد القيامة - وكأنها تالية له بلا فاصل من الزمان ! - فإذا الذي يقع فيها مصداق ما ينبىء به هؤلاء الرسل، وإذا الذين يطيعون الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة، وفتنوا عنها كما أخرج أبويهم منها. وإذا الذين خالفوا الشيطان فأطاعوا الله، قد ردوا إلى الجنة، ونودوا من الملأ الأعلى :( أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ).. فكأنما هي أوبة المهاجرين، وعودة المغتربين، إلى دار النعيم !
وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه. فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى، على مشهد من الملائكة - يوم أن خلق الله آدم وزوجه وأسكنهما الجنة، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة، وأخرجهما من الجنة - وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة.. فيتصل البدء بالنهاية. ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها. وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق.
والآن نأخذ في استعراض هذه المشاهد العجيبة :
( الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، وهم بالآخرة كافرون )..
فهم الذين يصدون عن سبيل الله، ويريدون الطريق عوجاً لا استقامة فيه، وهم بالآخرة كافرون
وفي هذا الوصف :( ويبغونها عوجاً ).. إيحاء بحقيقة ما يريده الذين يصدون عن سبيل الله. إنهم يريدون الطريق العوجاء ؛ ولا يريدون الطريق المستقيم. يريدون العوج ولا يريدون الاستقامة. فالاستقامة لها صورة واحدة : صورة المضي على طريق الله ونهجه وشرعه. وكل ما عداه فهو أعوج ؛ وهو إرادة للعوج. وهذه الإرادة تلتقي مع الكفر بالآخرة. فما يؤمن بالآخرة أحد، ويستيقن أنه راجع إلى ربه ؛ ثم يصد عن سبيل الله، ويحيد عن نهجه وشرعه.. وهذا هو التصوير الحقيقي لطبيعة النفوس التي تتبع شرعاً غير شرع الله. التصوير الذي يجلو حقيقة هذه النفوس ويصفها الوصف الداخلي الصحيح.
ومن هنا يأخذ السياق في عرض مشهد الاحتضار - عند نهاية الأجل المشار إليه في نهاية الجولة الماضية :( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ثم مشهد الحشر والحساب. ومشهد الفصل والجزاء.. كأنها تفصيل لذلك الإجمال عن شأن المتقين والمستكبرين ؛ وتصوير لحال المتقين وحال المستكبرين ؛ بعد الأجل المعلوم. تصوير على طريقة القرآن الفريدة التي تستحضر المشهد حياً متحركاً يراه قارىء القرآن وسامعه ؛ ويشهده، بكل كينونته.
لقد عني المنهج القرآني بمشاهد القيامة.. البعث والحساب، والنعيم والعذاب.. عناية واضحة. فلم يعد ذلك العالم الذي وعده الله الناس، بعد هذا العالم الحاضر، موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولاح لهم من بعيد لفح النار، ورفت إليهم من الجنة أنسام ! ومن ثم باتوا يعرفون ذلك العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود.. والذي يراجع كلماتهم ومشاعرهم عن ذلك العالم يحس أنهم كانوا يعيشون فيه عيشة أعمق وأصدق من حياتهم في هذه الدار الدنيا ؛ وكانوا ينتقلون بحسهم كله إليه، كما ينتقل الإنسان من دار إلى دار، ومن أرض إلى أرض، في هذه الحياة المشهودة المحسوسة.. ولم يكن ذلك العالم مستقبلاً موعوداً في حسهم، وإنما كان واقعاً مشهوداً..
وربما كانت هذه المشاهد - المعروضة هنا - أطول مشاهد القيامة في القرآن، وأحفلها بالحركة، وبالمناظر المتتابعة، وبالحوار المتنوع، في حيوية فائضة يعجب الإنسان كيف تنقلها الألفاظ، حيث لا ينقلها للحس هكذا إلا المشاهدة !
وهي تجيء في السورة - كما أسلفنا - تعقيباً على قصة آدم، وخروجه من الجنة هو وزوجه بإغواء الشيطان لهما، وتحذير الله لبني آدم أن يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة، وتحذيرهم من اتباع عدوهمالقديم فيما يوحي به إليهم ويوسوس، وتهديدهم بتولية الشيطان لهم إن هم اختاروا اتباعه على اتباع ما سيرسل به الرسل إليهم من الهدى والشريعة.. ثم يأخذ في عرض مشهد الاحتضار، ومشاهد القيامة - وكأنها تالية له بلا فاصل من الزمان ! - فإذا الذي يقع فيها مصداق ما ينبىء به هؤلاء الرسل، وإذا الذين يطيعون الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة، وفتنوا عنها كما أخرج أبويهم منها. وإذا الذين خالفوا الشيطان فأطاعوا الله، قد ردوا إلى الجنة، ونودوا من الملأ الأعلى :( أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ).. فكأنما هي أوبة المهاجرين، وعودة المغتربين، إلى دار النعيم !
وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه. فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى، على مشهد من الملائكة - يوم أن خلق الله آدم وزوجه وأسكنهما الجنة، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة، وأخرجهما من الجنة - وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة.. فيتصل البدء بالنهاية. ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها. وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق.
والآن نأخذ في استعراض هذه المشاهد العجيبة :
ثم يتوجه النظر إلى المشهد من ظاهره. فإذا هنالك حاجز يفصل بين الجنة والنار ؛ عليه رجال يعرفون اصحاب الجنة وأصحاب النار بسيماهم وعلاماتهم.. فلننظر من هؤلاء، وما شأنهم مع أصحاب الجنة وأصحاب النار ؟
( وبينهما حجاب، وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم. ونادوا أصحاب الجنة : أن سلام عليكم.. لم يدخلوها وهم يطمعون. وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا : ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم، قالوا : ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون. أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ؟ ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون )..
روي أن هؤلاء الرجال الذين يقفون على الأعراف - الحجاب الحاجز بين الجنة والنار - جماعة من البشر، تعادلت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تصل بهم تلك إلى الجنة مع أصحاب الجنة، ولم تؤد بهم هذه إلى النار مع أصحاب النار.. وهم بين بين، ينتظرون فضل الله ويرجون رحمته.. وهم يعرفون أهل الجنة بسيماهم - ربما ببياض الوجوه ونضرتها أو بالنور الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم - ويعرفون أهل النار بسيماهم - ربما بسواد الوجوه وقترتها، أو بالوسم الذي على أنوفهم التي كانوا يشمخون بها في الدنيا، كالذي جاء في سورة القلم :( سنسمه على الخرطوم ) ! وها هم أولاء يتوجهون إلى أهل الجنة بالسلام.. يقولونها وهم يطمعون أن يدخلهم الله الجنة معهم !...
ومن هنا يأخذ السياق في عرض مشهد الاحتضار - عند نهاية الأجل المشار إليه في نهاية الجولة الماضية :( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ثم مشهد الحشر والحساب. ومشهد الفصل والجزاء.. كأنها تفصيل لذلك الإجمال عن شأن المتقين والمستكبرين ؛ وتصوير لحال المتقين وحال المستكبرين ؛ بعد الأجل المعلوم. تصوير على طريقة القرآن الفريدة التي تستحضر المشهد حياً متحركاً يراه قارىء القرآن وسامعه ؛ ويشهده، بكل كينونته.
لقد عني المنهج القرآني بمشاهد القيامة.. البعث والحساب، والنعيم والعذاب.. عناية واضحة. فلم يعد ذلك العالم الذي وعده الله الناس، بعد هذا العالم الحاضر، موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولاح لهم من بعيد لفح النار، ورفت إليهم من الجنة أنسام ! ومن ثم باتوا يعرفون ذلك العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود.. والذي يراجع كلماتهم ومشاعرهم عن ذلك العالم يحس أنهم كانوا يعيشون فيه عيشة أعمق وأصدق من حياتهم في هذه الدار الدنيا ؛ وكانوا ينتقلون بحسهم كله إليه، كما ينتقل الإنسان من دار إلى دار، ومن أرض إلى أرض، في هذه الحياة المشهودة المحسوسة.. ولم يكن ذلك العالم مستقبلاً موعوداً في حسهم، وإنما كان واقعاً مشهوداً..
وربما كانت هذه المشاهد - المعروضة هنا - أطول مشاهد القيامة في القرآن، وأحفلها بالحركة، وبالمناظر المتتابعة، وبالحوار المتنوع، في حيوية فائضة يعجب الإنسان كيف تنقلها الألفاظ، حيث لا ينقلها للحس هكذا إلا المشاهدة !
وهي تجيء في السورة - كما أسلفنا - تعقيباً على قصة آدم، وخروجه من الجنة هو وزوجه بإغواء الشيطان لهما، وتحذير الله لبني آدم أن يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة، وتحذيرهم من اتباع عدوهمالقديم فيما يوحي به إليهم ويوسوس، وتهديدهم بتولية الشيطان لهم إن هم اختاروا اتباعه على اتباع ما سيرسل به الرسل إليهم من الهدى والشريعة.. ثم يأخذ في عرض مشهد الاحتضار، ومشاهد القيامة - وكأنها تالية له بلا فاصل من الزمان ! - فإذا الذي يقع فيها مصداق ما ينبىء به هؤلاء الرسل، وإذا الذين يطيعون الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة، وفتنوا عنها كما أخرج أبويهم منها. وإذا الذين خالفوا الشيطان فأطاعوا الله، قد ردوا إلى الجنة، ونودوا من الملأ الأعلى :( أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ).. فكأنما هي أوبة المهاجرين، وعودة المغتربين، إلى دار النعيم !
وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه. فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى، على مشهد من الملائكة - يوم أن خلق الله آدم وزوجه وأسكنهما الجنة، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة، وأخرجهما من الجنة - وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة.. فيتصل البدء بالنهاية. ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها. وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق.
والآن نأخذ في استعراض هذه المشاهد العجيبة :
فإذا وقعت أبصارهم على أصحاب النار - وكأنما يصرفون إليهم صرفاً لا عن إرادة منهم - استعاذوا بالله أن يكون مصيرهم معهم !
( وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين )..
ومن هنا يأخذ السياق في عرض مشهد الاحتضار - عند نهاية الأجل المشار إليه في نهاية الجولة الماضية :( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ثم مشهد الحشر والحساب. ومشهد الفصل والجزاء.. كأنها تفصيل لذلك الإجمال عن شأن المتقين والمستكبرين ؛ وتصوير لحال المتقين وحال المستكبرين ؛ بعد الأجل المعلوم. تصوير على طريقة القرآن الفريدة التي تستحضر المشهد حياً متحركاً يراه قارىء القرآن وسامعه ؛ ويشهده، بكل كينونته.
لقد عني المنهج القرآني بمشاهد القيامة.. البعث والحساب، والنعيم والعذاب.. عناية واضحة. فلم يعد ذلك العالم الذي وعده الله الناس، بعد هذا العالم الحاضر، موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولاح لهم من بعيد لفح النار، ورفت إليهم من الجنة أنسام ! ومن ثم باتوا يعرفون ذلك العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود.. والذي يراجع كلماتهم ومشاعرهم عن ذلك العالم يحس أنهم كانوا يعيشون فيه عيشة أعمق وأصدق من حياتهم في هذه الدار الدنيا ؛ وكانوا ينتقلون بحسهم كله إليه، كما ينتقل الإنسان من دار إلى دار، ومن أرض إلى أرض، في هذه الحياة المشهودة المحسوسة.. ولم يكن ذلك العالم مستقبلاً موعوداً في حسهم، وإنما كان واقعاً مشهوداً..
وربما كانت هذه المشاهد - المعروضة هنا - أطول مشاهد القيامة في القرآن، وأحفلها بالحركة، وبالمناظر المتتابعة، وبالحوار المتنوع، في حيوية فائضة يعجب الإنسان كيف تنقلها الألفاظ، حيث لا ينقلها للحس هكذا إلا المشاهدة !
وهي تجيء في السورة - كما أسلفنا - تعقيباً على قصة آدم، وخروجه من الجنة هو وزوجه بإغواء الشيطان لهما، وتحذير الله لبني آدم أن يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة، وتحذيرهم من اتباع عدوهمالقديم فيما يوحي به إليهم ويوسوس، وتهديدهم بتولية الشيطان لهم إن هم اختاروا اتباعه على اتباع ما سيرسل به الرسل إليهم من الهدى والشريعة.. ثم يأخذ في عرض مشهد الاحتضار، ومشاهد القيامة - وكأنها تالية له بلا فاصل من الزمان ! - فإذا الذي يقع فيها مصداق ما ينبىء به هؤلاء الرسل، وإذا الذين يطيعون الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة، وفتنوا عنها كما أخرج أبويهم منها. وإذا الذين خالفوا الشيطان فأطاعوا الله، قد ردوا إلى الجنة، ونودوا من الملأ الأعلى :( أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ).. فكأنما هي أوبة المهاجرين، وعودة المغتربين، إلى دار النعيم !
وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه. فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى، على مشهد من الملائكة - يوم أن خلق الله آدم وزوجه وأسكنهما الجنة، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة، وأخرجهما من الجنة - وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة.. فيتصل البدء بالنهاية. ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها. وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق.
والآن نأخذ في استعراض هذه المشاهد العجيبة :
ثم يبصرون برجال من كبار المجرمين معروفين لهم بسيماهم. فيتجهون إليهم بالتبكيت والتأنيب :( ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم، قالوا : ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون ) !
فها أنتم هؤلاء في النار، لا جمعكم نفعكم، ولا استكباركم أغنى عنكم !
ومن هنا يأخذ السياق في عرض مشهد الاحتضار - عند نهاية الأجل المشار إليه في نهاية الجولة الماضية :( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ثم مشهد الحشر والحساب. ومشهد الفصل والجزاء.. كأنها تفصيل لذلك الإجمال عن شأن المتقين والمستكبرين ؛ وتصوير لحال المتقين وحال المستكبرين ؛ بعد الأجل المعلوم. تصوير على طريقة القرآن الفريدة التي تستحضر المشهد حياً متحركاً يراه قارىء القرآن وسامعه ؛ ويشهده، بكل كينونته.
لقد عني المنهج القرآني بمشاهد القيامة.. البعث والحساب، والنعيم والعذاب.. عناية واضحة. فلم يعد ذلك العالم الذي وعده الله الناس، بعد هذا العالم الحاضر، موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولاح لهم من بعيد لفح النار، ورفت إليهم من الجنة أنسام ! ومن ثم باتوا يعرفون ذلك العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود.. والذي يراجع كلماتهم ومشاعرهم عن ذلك العالم يحس أنهم كانوا يعيشون فيه عيشة أعمق وأصدق من حياتهم في هذه الدار الدنيا ؛ وكانوا ينتقلون بحسهم كله إليه، كما ينتقل الإنسان من دار إلى دار، ومن أرض إلى أرض، في هذه الحياة المشهودة المحسوسة.. ولم يكن ذلك العالم مستقبلاً موعوداً في حسهم، وإنما كان واقعاً مشهوداً..
وربما كانت هذه المشاهد - المعروضة هنا - أطول مشاهد القيامة في القرآن، وأحفلها بالحركة، وبالمناظر المتتابعة، وبالحوار المتنوع، في حيوية فائضة يعجب الإنسان كيف تنقلها الألفاظ، حيث لا ينقلها للحس هكذا إلا المشاهدة !
وهي تجيء في السورة - كما أسلفنا - تعقيباً على قصة آدم، وخروجه من الجنة هو وزوجه بإغواء الشيطان لهما، وتحذير الله لبني آدم أن يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة، وتحذيرهم من اتباع عدوهمالقديم فيما يوحي به إليهم ويوسوس، وتهديدهم بتولية الشيطان لهم إن هم اختاروا اتباعه على اتباع ما سيرسل به الرسل إليهم من الهدى والشريعة.. ثم يأخذ في عرض مشهد الاحتضار، ومشاهد القيامة - وكأنها تالية له بلا فاصل من الزمان ! - فإذا الذي يقع فيها مصداق ما ينبىء به هؤلاء الرسل، وإذا الذين يطيعون الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة، وفتنوا عنها كما أخرج أبويهم منها. وإذا الذين خالفوا الشيطان فأطاعوا الله، قد ردوا إلى الجنة، ونودوا من الملأ الأعلى :( أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ).. فكأنما هي أوبة المهاجرين، وعودة المغتربين، إلى دار النعيم !
وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه. فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى، على مشهد من الملائكة - يوم أن خلق الله آدم وزوجه وأسكنهما الجنة، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة، وأخرجهما من الجنة - وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة.. فيتصل البدء بالنهاية. ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها. وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق.
والآن نأخذ في استعراض هذه المشاهد العجيبة :
ثم يذكرونهم بما كانوا يقولونه عن المؤمنين في الدنيا من أنهم ضالون، لا ينالهم الله برحمة :
( أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ! ) !

انظروا الآن أين هم ؟ وماذا قيل لهم :

( ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون )..
ومن هنا يأخذ السياق في عرض مشهد الاحتضار - عند نهاية الأجل المشار إليه في نهاية الجولة الماضية :( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ثم مشهد الحشر والحساب. ومشهد الفصل والجزاء.. كأنها تفصيل لذلك الإجمال عن شأن المتقين والمستكبرين ؛ وتصوير لحال المتقين وحال المستكبرين ؛ بعد الأجل المعلوم. تصوير على طريقة القرآن الفريدة التي تستحضر المشهد حياً متحركاً يراه قارىء القرآن وسامعه ؛ ويشهده، بكل كينونته.
لقد عني المنهج القرآني بمشاهد القيامة.. البعث والحساب، والنعيم والعذاب.. عناية واضحة. فلم يعد ذلك العالم الذي وعده الله الناس، بعد هذا العالم الحاضر، موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولاح لهم من بعيد لفح النار، ورفت إليهم من الجنة أنسام ! ومن ثم باتوا يعرفون ذلك العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود.. والذي يراجع كلماتهم ومشاعرهم عن ذلك العالم يحس أنهم كانوا يعيشون فيه عيشة أعمق وأصدق من حياتهم في هذه الدار الدنيا ؛ وكانوا ينتقلون بحسهم كله إليه، كما ينتقل الإنسان من دار إلى دار، ومن أرض إلى أرض، في هذه الحياة المشهودة المحسوسة.. ولم يكن ذلك العالم مستقبلاً موعوداً في حسهم، وإنما كان واقعاً مشهوداً..
وربما كانت هذه المشاهد - المعروضة هنا - أطول مشاهد القيامة في القرآن، وأحفلها بالحركة، وبالمناظر المتتابعة، وبالحوار المتنوع، في حيوية فائضة يعجب الإنسان كيف تنقلها الألفاظ، حيث لا ينقلها للحس هكذا إلا المشاهدة !
وهي تجيء في السورة - كما أسلفنا - تعقيباً على قصة آدم، وخروجه من الجنة هو وزوجه بإغواء الشيطان لهما، وتحذير الله لبني آدم أن يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة، وتحذيرهم من اتباع عدوهمالقديم فيما يوحي به إليهم ويوسوس، وتهديدهم بتولية الشيطان لهم إن هم اختاروا اتباعه على اتباع ما سيرسل به الرسل إليهم من الهدى والشريعة.. ثم يأخذ في عرض مشهد الاحتضار، ومشاهد القيامة - وكأنها تالية له بلا فاصل من الزمان ! - فإذا الذي يقع فيها مصداق ما ينبىء به هؤلاء الرسل، وإذا الذين يطيعون الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة، وفتنوا عنها كما أخرج أبويهم منها. وإذا الذين خالفوا الشيطان فأطاعوا الله، قد ردوا إلى الجنة، ونودوا من الملأ الأعلى :( أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ).. فكأنما هي أوبة المهاجرين، وعودة المغتربين، إلى دار النعيم !
وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه. فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى، على مشهد من الملائكة - يوم أن خلق الله آدم وزوجه وأسكنهما الجنة، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة، وأخرجهما من الجنة - وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة.. فيتصل البدء بالنهاية. ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها. وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق.
والآن نأخذ في استعراض هذه المشاهد العجيبة :
وأخيراً. ها نحن أولاء نسمع صوتاً آتياً من قبل النار، ملؤه الرجاء والاستجداء :
( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة : أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله ) !
وها نحن أولاء نلتفت إلى الجانب الآخر نسمع الجواب ملؤه التذكير الأليم المرير :
( قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين. الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا )..
ومن هنا يأخذ السياق في عرض مشهد الاحتضار - عند نهاية الأجل المشار إليه في نهاية الجولة الماضية :( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ثم مشهد الحشر والحساب. ومشهد الفصل والجزاء.. كأنها تفصيل لذلك الإجمال عن شأن المتقين والمستكبرين ؛ وتصوير لحال المتقين وحال المستكبرين ؛ بعد الأجل المعلوم. تصوير على طريقة القرآن الفريدة التي تستحضر المشهد حياً متحركاً يراه قارىء القرآن وسامعه ؛ ويشهده، بكل كينونته.
لقد عني المنهج القرآني بمشاهد القيامة.. البعث والحساب، والنعيم والعذاب.. عناية واضحة. فلم يعد ذلك العالم الذي وعده الله الناس، بعد هذا العالم الحاضر، موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسرى في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى، ولاح لهم من بعيد لفح النار، ورفت إليهم من الجنة أنسام ! ومن ثم باتوا يعرفون ذلك العالم تمام المعرفة قبل اليوم الموعود.. والذي يراجع كلماتهم ومشاعرهم عن ذلك العالم يحس أنهم كانوا يعيشون فيه عيشة أعمق وأصدق من حياتهم في هذه الدار الدنيا ؛ وكانوا ينتقلون بحسهم كله إليه، كما ينتقل الإنسان من دار إلى دار، ومن أرض إلى أرض، في هذه الحياة المشهودة المحسوسة.. ولم يكن ذلك العالم مستقبلاً موعوداً في حسهم، وإنما كان واقعاً مشهوداً..
وربما كانت هذه المشاهد - المعروضة هنا - أطول مشاهد القيامة في القرآن، وأحفلها بالحركة، وبالمناظر المتتابعة، وبالحوار المتنوع، في حيوية فائضة يعجب الإنسان كيف تنقلها الألفاظ، حيث لا ينقلها للحس هكذا إلا المشاهدة !
وهي تجيء في السورة - كما أسلفنا - تعقيباً على قصة آدم، وخروجه من الجنة هو وزوجه بإغواء الشيطان لهما، وتحذير الله لبني آدم أن يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة، وتحذيرهم من اتباع عدوهمالقديم فيما يوحي به إليهم ويوسوس، وتهديدهم بتولية الشيطان لهم إن هم اختاروا اتباعه على اتباع ما سيرسل به الرسل إليهم من الهدى والشريعة.. ثم يأخذ في عرض مشهد الاحتضار، ومشاهد القيامة - وكأنها تالية له بلا فاصل من الزمان ! - فإذا الذي يقع فيها مصداق ما ينبىء به هؤلاء الرسل، وإذا الذين يطيعون الشيطان قد حرموا العودة إلى الجنة، وفتنوا عنها كما أخرج أبويهم منها. وإذا الذين خالفوا الشيطان فأطاعوا الله، قد ردوا إلى الجنة، ونودوا من الملأ الأعلى :( أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ).. فكأنما هي أوبة المهاجرين، وعودة المغتربين، إلى دار النعيم !
وفي هذا التناسق بين القصة السابقة والتعقيبات عليها، ومشاهد القيامة اللاحقة من مبدئها إلى منتهاها من الجمال ما فيه. فهي قصة تبدأ في الملأ الأعلى، على مشهد من الملائكة - يوم أن خلق الله آدم وزوجه وأسكنهما الجنة، فدلاهما الشيطان عن مرتبة الطاعة والعبودية الكاملة الخالصة، وأخرجهما من الجنة - وتنتهي كذلك في الملأ الأعلى على مشهد من الملائكة.. فيتصل البدء بالنهاية. ويضمان بينهما فترة الحياة الدنيا ومشهد الاحتضار في نهايتها. وهو يتسق في الوسط مع البدء والنهاية كل الاتساق.
والآن نأخذ في استعراض هذه المشاهد العجيبة :
ثم إذا صوت البشر عامة يتوارى، لينطق رب العزة والجلالة، وصاحب الملك والحكم :
( فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا. وما كانوا بآياتنا يجحدون. ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم، هدى ورحمة لقوم يؤمنون. هل ينظرون إلا تأويله ؟ يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل : قد جاءت رسل ربنا بالحق، فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا، أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل. قد خسروا أنفسهم، وضل عنهم ما كانوا يفترون )..
وهكذا تتوالى صفحات المشهد جيئة وذهوباً.. لمحة في الآخرة ولمحة في الدنيا. لمحة مع المعذبين في النار، المنسيين كما نسوا لقاء يومهم هذا وكما جحدوا بآيات الله، وقد جاءهم بها كتاب مفصل مبين. فصله الله - سبحانه - على علم - فتركوه واتبعوا الأهواء والأوهام والظنون.. ولمحة معهم - وهم بعد في الدنيا - ينتظرون مآل هذا الكتاب وعاقبة ما جاءهم فيه من النذير ؛ وهم يُحذّرون أن يجيئهم هذا المآل. فالمآل هو مايرون في هذا المشهد من واقع الحال !
إنها خفقات عجيبة في صفحات المشهد المعروض ؛ لا يجليها هكذا إلا هذا الكتاب العجيب !
وهكذا ينتهي ذلك الاستعراض الكبير ؛ ويجيء التعقيب عليه متناسقاً مع الابتداء. تذكيراً بهذا اليوم ومشاهده، وتحذيراً من التكذيب بآيات الله ورسله، ومن انتظار تأويل هذا الكتاب فهذا هو تأويله، حيث لا فسحة لتوبة، ولا شفاعة في الشدة، ولا رجعة للعمل مرة أخرى.
نعم.. هكذا ينتهي الاستعراض العجيب. فنفيق منه كما نفيق من مشهد أخاذ كنا نراه.
ونعود منه إلى هذه الدنيا التي فيها نحن ! وقد قطعنا رحلة طويلة طويلة في الذهاب والمجيء !
إنها رحلة الحياة كلها، ورحلة الحشر والحساب والجزاء بعدها.. ومن قبل كنا مع البشرية في نشأتها الأولى، وفي هبوطها إلى الأرض وسيرها فيها !
وهكذا يرتاد القرآن الكريم بقلوب البشر هذه الآماد والأكوان والأزمان. يريها ما كان وما هو كائن وما سيكون.. كله في لمحات.. لعلها تتذكر، ولعلها تسمع للنذير :
( كتاب أنزل إليك، فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به وذكرى للمؤمنين. اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، ولا تتبعوا من دونه أولياء، قليلاً ما تذكرون )..
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥١:م٣٧
ثم إذا صوت البشر عامة يتوارى، لينطق رب العزة والجلالة، وصاحب الملك والحكم :
( فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا. وما كانوا بآياتنا يجحدون. ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم، هدى ورحمة لقوم يؤمنون. هل ينظرون إلا تأويله ؟ يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل : قد جاءت رسل ربنا بالحق، فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا، أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل. قد خسروا أنفسهم، وضل عنهم ما كانوا يفترون )..
وهكذا تتوالى صفحات المشهد جيئة وذهوباً.. لمحة في الآخرة ولمحة في الدنيا. لمحة مع المعذبين في النار، المنسيين كما نسوا لقاء يومهم هذا وكما جحدوا بآيات الله، وقد جاءهم بها كتاب مفصل مبين. فصله الله - سبحانه - على علم - فتركوه واتبعوا الأهواء والأوهام والظنون.. ولمحة معهم - وهم بعد في الدنيا - ينتظرون مآل هذا الكتاب وعاقبة ما جاءهم فيه من النذير ؛ وهم يُحذّرون أن يجيئهم هذا المآل. فالمآل هو مايرون في هذا المشهد من واقع الحال !
إنها خفقات عجيبة في صفحات المشهد المعروض ؛ لا يجليها هكذا إلا هذا الكتاب العجيب !
وهكذا ينتهي ذلك الاستعراض الكبير ؛ ويجيء التعقيب عليه متناسقاً مع الابتداء. تذكيراً بهذا اليوم ومشاهده، وتحذيراً من التكذيب بآيات الله ورسله، ومن انتظار تأويل هذا الكتاب فهذا هو تأويله، حيث لا فسحة لتوبة، ولا شفاعة في الشدة، ولا رجعة للعمل مرة أخرى.
نعم.. هكذا ينتهي الاستعراض العجيب. فنفيق منه كما نفيق من مشهد أخاذ كنا نراه.
ونعود منه إلى هذه الدنيا التي فيها نحن ! وقد قطعنا رحلة طويلة طويلة في الذهاب والمجيء !
إنها رحلة الحياة كلها، ورحلة الحشر والحساب والجزاء بعدها.. ومن قبل كنا مع البشرية في نشأتها الأولى، وفي هبوطها إلى الأرض وسيرها فيها !
وهكذا يرتاد القرآن الكريم بقلوب البشر هذه الآماد والأكوان والأزمان. يريها ما كان وما هو كائن وما سيكون.. كله في لمحات.. لعلها تتذكر، ولعلها تسمع للنذير :
( كتاب أنزل إليك، فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به وذكرى للمؤمنين. اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، ولا تتبعوا من دونه أولياء، قليلاً ما تذكرون )..

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥١:م٣٧
ثم إذا صوت البشر عامة يتوارى، لينطق رب العزة والجلالة، وصاحب الملك والحكم :
( فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا. وما كانوا بآياتنا يجحدون. ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم، هدى ورحمة لقوم يؤمنون. هل ينظرون إلا تأويله ؟ يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل : قد جاءت رسل ربنا بالحق، فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا، أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل. قد خسروا أنفسهم، وضل عنهم ما كانوا يفترون )..
وهكذا تتوالى صفحات المشهد جيئة وذهوباً.. لمحة في الآخرة ولمحة في الدنيا. لمحة مع المعذبين في النار، المنسيين كما نسوا لقاء يومهم هذا وكما جحدوا بآيات الله، وقد جاءهم بها كتاب مفصل مبين. فصله الله - سبحانه - على علم - فتركوه واتبعوا الأهواء والأوهام والظنون.. ولمحة معهم - وهم بعد في الدنيا - ينتظرون مآل هذا الكتاب وعاقبة ما جاءهم فيه من النذير ؛ وهم يُحذّرون أن يجيئهم هذا المآل. فالمآل هو مايرون في هذا المشهد من واقع الحال !
إنها خفقات عجيبة في صفحات المشهد المعروض ؛ لا يجليها هكذا إلا هذا الكتاب العجيب !
وهكذا ينتهي ذلك الاستعراض الكبير ؛ ويجيء التعقيب عليه متناسقاً مع الابتداء. تذكيراً بهذا اليوم ومشاهده، وتحذيراً من التكذيب بآيات الله ورسله، ومن انتظار تأويل هذا الكتاب فهذا هو تأويله، حيث لا فسحة لتوبة، ولا شفاعة في الشدة، ولا رجعة للعمل مرة أخرى.
نعم.. هكذا ينتهي الاستعراض العجيب. فنفيق منه كما نفيق من مشهد أخاذ كنا نراه.
ونعود منه إلى هذه الدنيا التي فيها نحن ! وقد قطعنا رحلة طويلة طويلة في الذهاب والمجيء !
إنها رحلة الحياة كلها، ورحلة الحشر والحساب والجزاء بعدها.. ومن قبل كنا مع البشرية في نشأتها الأولى، وفي هبوطها إلى الأرض وسيرها فيها !
وهكذا يرتاد القرآن الكريم بقلوب البشر هذه الآماد والأكوان والأزمان. يريها ما كان وما هو كائن وما سيكون.. كله في لمحات.. لعلها تتذكر، ولعلها تسمع للنذير :
( كتاب أنزل إليك، فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به وذكرى للمؤمنين. اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، ولا تتبعوا من دونه أولياء، قليلاً ما تذكرون )..

بعد تلك الرحلة الواسعة الآماد، من المنشأ إلى المعاد، يأخذ السياق بأيدي البشر إلى رحلة أخرى في ضمير الكون، وفي صفحته المعروضة للأنظار. فيعرض قصة خلق السماوات والأرض بعد قصة خلق الإنسان. ويوجه الأبصار والبصائر إلى مكنونات هذا الكون وأسراره، وإلى ظواهره وأحواله - إلى الليل الذي يطلب النهار في ذلك الفلك الدوار. وإلى الشمس والقمر والنجوم وهن مسخرات بأمر الله. وإلى الرياح الدائرة في الجواء، نقل السحاب إلى البلد الميت - بإذن الله - فإذا هو حي، وإذا الموات يؤتي من كل الثمرات.
هذه السبحات في ملكوت الله، يرتادها السياق بعد قصة النشأة الإنسانية ؛ وبعد تصوير طرفي الرحلة ؛ وبعد الحديث عن اتباع الشيطان والاستكبار عن اتباع رسل الله ؛ وبعد عرض التصورات الجاهلية والتقاليد التي يشرعها البشر لأنفسهم بلا إذن من الله ولا شرع.. يرتاد السياق هذه السبحات ليرد البشر إلى ربهم، الذي خلق هذا الوجود وسخره، والذي يحكمه بنواميسه ويصرفه بقدره، والذي له الخلق والأمر وحده..
إنه الإيقاع القوي العميق بعبودية الوجود كلها لبارئه، والذي يبدو استكبار الإنسان فيه عن هذه العبودية نشازاً في الوجود، يجعل الناشز غريباً شائهاً في الوجود.
وفي ظل تلك المشاهد ؛ وفي مواجهة هذا الإيقاع يدعوهم :
( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية، إنه لا يحب المعتدين، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، وادعوه خوفاً وطمعاً، إن رحمة الله قريب من المحسنين )..
إن إخلاص الدين لله، وتقرير عبودية البشر له، إن هي إلا فرع من إسلام الوجود كله، وعبودية الوجود كله لسلطانه.. وهذا هو الإيحاء الذي يستهدف المنهج القرآني تقريره وتعميقه في القلب البشري.. وأيما قلب أو عقل يتجه بوعي ويقظة إلى هذا الكون ونواميسه المستسرة، وظواهره الناطقة بتلك النواميس المستسرة.. لا بد يستشعر تأثيراً لا يرد سلطانه ؛ ولا بد يهتز من أعماقه بالشعور القاهر بوجود المدبر المقدر صاحب الخلق والأمر.. وهذه هي الخطوة الأولى لدفع هذا القلب إلى الاستجابة لداعي الله ؛ والاستسلام لسلطانه الذي يستسلم له هذا الوجود كله ولا يتخطاه.
ومن ثم يتخذ المنهج القرآني من هذا الوجود مجاله الأول لتجلية حقيقة الألوهية ؛ وتعبيد البشر لربهم وحده، وإشعار قلوبهم وكيانهم كله حقيقة العبودية، وتذوق طعمها الحقيقي في استسلام الواثق المطمئن ؛ الذي يستشعر أن كل ما حوله وكل من حوله من خلق الله، يتجاوب وإياه !
إنه ليس البرهان العقلي وحده هو الذي يستهدفه المنهج القرآني باستعراض عبودية الوجود لله، وتسخيره بأمره، واستسلام هذا الوجود في طواعية ويسر ودقة وعمق لأمره وحكمه.. إنما هو مذاق آخر – وراء البرهان العقلي ومع هذا البرهان العقلي - مذاق المشاركة مع الوجود والتجاوب. ومذاق الطمأنينة واليسر ؛ والانسياق مع موكب الايمان الشامل.
إنه مذاق العبودية الراضية، التي لا يسوقها القسر، ولا يحركها القهر.. إنما تحركها - قبل الأمر والتكليف - عاطفة الود والطمأنينة والتناسق مع الوجود كله.. فلا تفكر في التهرب من الأمر، ولا التفلت من القهر ؛ لأنها إنما تلبي حاجتها الفطرية في الاستسلام الجميل المريح.. الاستسلام لله الذي يرفع الجباه عن الدينونة لغيره أو العبودية لسواه. الاستسلام الرفيع الكريم لرب العالمين..
هذا الاستسلام هو الذي يمثل معنى الإيمان، ويعطيه طعمه ومذاقه.. وهذه العبودية هي التي تحقق معنى الإسلام، وتعطيه حيويته وروحه.. وهي هي القاعدة التي لا بد أن تقام وتستقر، قبل التكليف والأمر ؛ وقبل الشعائر والشرائع.. ومن ثم هذه العناية الكبرى بإنشائها وتقريرها وتعميقها وتثبيتها في المنهج القرآني الحكيم..
آية رقم ٥٥
بعد تلك الرحلة الواسعة الآماد، من المنشأ إلى المعاد، يأخذ السياق بأيدي البشر إلى رحلة أخرى في ضمير الكون، وفي صفحته المعروضة للأنظار. فيعرض قصة خلق السماوات والأرض بعد قصة خلق الإنسان. ويوجه الأبصار والبصائر إلى مكنونات هذا الكون وأسراره، وإلى ظواهره وأحواله - إلى الليل الذي يطلب النهار في ذلك الفلك الدوار. وإلى الشمس والقمر والنجوم وهن مسخرات بأمر الله. وإلى الرياح الدائرة في الجواء، نقل السحاب إلى البلد الميت - بإذن الله - فإذا هو حي، وإذا الموات يؤتي من كل الثمرات.
هذه السبحات في ملكوت الله، يرتادها السياق بعد قصة النشأة الإنسانية ؛ وبعد تصوير طرفي الرحلة ؛ وبعد الحديث عن اتباع الشيطان والاستكبار عن اتباع رسل الله ؛ وبعد عرض التصورات الجاهلية والتقاليد التي يشرعها البشر لأنفسهم بلا إذن من الله ولا شرع.. يرتاد السياق هذه السبحات ليرد البشر إلى ربهم، الذي خلق هذا الوجود وسخره، والذي يحكمه بنواميسه ويصرفه بقدره، والذي له الخلق والأمر وحده..
إنه الإيقاع القوي العميق بعبودية الوجود كلها لبارئه، والذي يبدو استكبار الإنسان فيه عن هذه العبودية نشازاً في الوجود، يجعل الناشز غريباً شائهاً في الوجود.
وفي ظل تلك المشاهد ؛ وفي مواجهة هذا الإيقاع يدعوهم :
( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية، إنه لا يحب المعتدين، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، وادعوه خوفاً وطمعاً، إن رحمة الله قريب من المحسنين )..
إن إخلاص الدين لله، وتقرير عبودية البشر له، إن هي إلا فرع من إسلام الوجود كله، وعبودية الوجود كله لسلطانه.. وهذا هو الإيحاء الذي يستهدف المنهج القرآني تقريره وتعميقه في القلب البشري.. وأيما قلب أو عقل يتجه بوعي ويقظة إلى هذا الكون ونواميسه المستسرة، وظواهره الناطقة بتلك النواميس المستسرة.. لا بد يستشعر تأثيراً لا يرد سلطانه ؛ ولا بد يهتز من أعماقه بالشعور القاهر بوجود المدبر المقدر صاحب الخلق والأمر.. وهذه هي الخطوة الأولى لدفع هذا القلب إلى الاستجابة لداعي الله ؛ والاستسلام لسلطانه الذي يستسلم له هذا الوجود كله ولا يتخطاه.
ومن ثم يتخذ المنهج القرآني من هذا الوجود مجاله الأول لتجلية حقيقة الألوهية ؛ وتعبيد البشر لربهم وحده، وإشعار قلوبهم وكيانهم كله حقيقة العبودية، وتذوق طعمها الحقيقي في استسلام الواثق المطمئن ؛ الذي يستشعر أن كل ما حوله وكل من حوله من خلق الله، يتجاوب وإياه !
إنه ليس البرهان العقلي وحده هو الذي يستهدفه المنهج القرآني باستعراض عبودية الوجود لله، وتسخيره بأمره، واستسلام هذا الوجود في طواعية ويسر ودقة وعمق لأمره وحكمه.. إنما هو مذاق آخر – وراء البرهان العقلي ومع هذا البرهان العقلي - مذاق المشاركة مع الوجود والتجاوب. ومذاق الطمأنينة واليسر ؛ والانسياق مع موكب الايمان الشامل.
إنه مذاق العبودية الراضية، التي لا يسوقها القسر، ولا يحركها القهر.. إنما تحركها - قبل الأمر والتكليف - عاطفة الود والطمأنينة والتناسق مع الوجود كله.. فلا تفكر في التهرب من الأمر، ولا التفلت من القهر ؛ لأنها إنما تلبي حاجتها الفطرية في الاستسلام الجميل المريح.. الاستسلام لله الذي يرفع الجباه عن الدينونة لغيره أو العبودية لسواه. الاستسلام الرفيع الكريم لرب العالمين..
هذا الاستسلام هو الذي يمثل معنى الإيمان، ويعطيه طعمه ومذاقه.. وهذه العبودية هي التي تحقق معنى الإسلام، وتعطيه حيويته وروحه.. وهي هي القاعدة التي لا بد أن تقام وتستقر، قبل التكليف والأمر ؛ وقبل الشعائر والشرائع.. ومن ثم هذه العناية الكبرى بإنشائها وتقريرها وتعميقها وتثبيتها في المنهج القرآني الحكيم..
وعندما يصل السياق إلى هذا المقطع، وقد ارتعش الوجدان البشري لمشاهد الكون الحية، التي كان يمر عليها في بلادة وغفلة. وقد تجلى له خضوع هذه الخلائق الهائلة وعبوديتها لسلطان الخالق وأمره.. عندئذ يوجه البشرَ إلى ربهم - الذي لا رب غيره - ليدعوه في إنابة وخشوع ؛ وليلتزموا بربوبيته لهم، فيلتزموا حدود عبوديتهم له ؛ لا يعتدون على سلطانه ؛ ولا يفسدون في الأرض بترك شرعه إلى هواهم، بعد أن أصلحها الله بمنهجه :
( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية، إنه لا يحب المعتدين، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها. وادعوه خوفاً وطمعاً، إن رحمة الله قريب من المحسنين ).
إنه التوجيه في أنسب حالة نفسية صالحة، إلى الدعاء والإنابة.. تضرعاً وتذللاً ؛ وخفية لا صياحاً وتصدية ! فالتضرع الخفي أنسب وأليق بجلال الله وبقرب الصلة بين العبد ومولاه.
أخرج مسلم - بإسناده عن أبي موسى - قال : كنا مع رسول الله [ ص ] في سفر - وفي رواية غزاة - فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال رسول الله [ ص ] :" أيها الناس أربعوا [ أي ارفقوا وهونوا ] على أنفسكم. إنكم لستم تدعون أصم ولا غائباً. إنكم تدعون سميعاً قريباً. وهو معكم "
فهذا الحس الإيماني بجلال الله وقربه معاً، هو الذي يؤكده المنهج القرآني هنا ويقرره في صورته الحركية الواقعية عند الدعاء. ذلك أن الذي يستشعر جلاله فعلاً يستحيي من الصياح في دعائه ؛ والذي يستشعر قرب الله حقاً لا يجد ما يدعو إلى هذا الصياح !
وفي ظل مشهد التضرع في الدعاء، وهيئة الخشوع والانكسار فيه لله، ينهى عن الاعتداء على سلطان الله، فيما يدعونه لأنفسهم - في الجاهلية - من الحاكمية التي لا تكون إلا لله.
بعد تلك الرحلة الواسعة الآماد، من المنشأ إلى المعاد، يأخذ السياق بأيدي البشر إلى رحلة أخرى في ضمير الكون، وفي صفحته المعروضة للأنظار. فيعرض قصة خلق السماوات والأرض بعد قصة خلق الإنسان. ويوجه الأبصار والبصائر إلى مكنونات هذا الكون وأسراره، وإلى ظواهره وأحواله - إلى الليل الذي يطلب النهار في ذلك الفلك الدوار. وإلى الشمس والقمر والنجوم وهن مسخرات بأمر الله. وإلى الرياح الدائرة في الجواء، نقل السحاب إلى البلد الميت - بإذن الله - فإذا هو حي، وإذا الموات يؤتي من كل الثمرات.
هذه السبحات في ملكوت الله، يرتادها السياق بعد قصة النشأة الإنسانية ؛ وبعد تصوير طرفي الرحلة ؛ وبعد الحديث عن اتباع الشيطان والاستكبار عن اتباع رسل الله ؛ وبعد عرض التصورات الجاهلية والتقاليد التي يشرعها البشر لأنفسهم بلا إذن من الله ولا شرع.. يرتاد السياق هذه السبحات ليرد البشر إلى ربهم، الذي خلق هذا الوجود وسخره، والذي يحكمه بنواميسه ويصرفه بقدره، والذي له الخلق والأمر وحده..
إنه الإيقاع القوي العميق بعبودية الوجود كلها لبارئه، والذي يبدو استكبار الإنسان فيه عن هذه العبودية نشازاً في الوجود، يجعل الناشز غريباً شائهاً في الوجود.
وفي ظل تلك المشاهد ؛ وفي مواجهة هذا الإيقاع يدعوهم :
( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية، إنه لا يحب المعتدين، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، وادعوه خوفاً وطمعاً، إن رحمة الله قريب من المحسنين )..
إن إخلاص الدين لله، وتقرير عبودية البشر له، إن هي إلا فرع من إسلام الوجود كله، وعبودية الوجود كله لسلطانه.. وهذا هو الإيحاء الذي يستهدف المنهج القرآني تقريره وتعميقه في القلب البشري.. وأيما قلب أو عقل يتجه بوعي ويقظة إلى هذا الكون ونواميسه المستسرة، وظواهره الناطقة بتلك النواميس المستسرة.. لا بد يستشعر تأثيراً لا يرد سلطانه ؛ ولا بد يهتز من أعماقه بالشعور القاهر بوجود المدبر المقدر صاحب الخلق والأمر.. وهذه هي الخطوة الأولى لدفع هذا القلب إلى الاستجابة لداعي الله ؛ والاستسلام لسلطانه الذي يستسلم له هذا الوجود كله ولا يتخطاه.
ومن ثم يتخذ المنهج القرآني من هذا الوجود مجاله الأول لتجلية حقيقة الألوهية ؛ وتعبيد البشر لربهم وحده، وإشعار قلوبهم وكيانهم كله حقيقة العبودية، وتذوق طعمها الحقيقي في استسلام الواثق المطمئن ؛ الذي يستشعر أن كل ما حوله وكل من حوله من خلق الله، يتجاوب وإياه !
إنه ليس البرهان العقلي وحده هو الذي يستهدفه المنهج القرآني باستعراض عبودية الوجود لله، وتسخيره بأمره، واستسلام هذا الوجود في طواعية ويسر ودقة وعمق لأمره وحكمه.. إنما هو مذاق آخر – وراء البرهان العقلي ومع هذا البرهان العقلي - مذاق المشاركة مع الوجود والتجاوب. ومذاق الطمأنينة واليسر ؛ والانسياق مع موكب الايمان الشامل.
إنه مذاق العبودية الراضية، التي لا يسوقها القسر، ولا يحركها القهر.. إنما تحركها - قبل الأمر والتكليف - عاطفة الود والطمأنينة والتناسق مع الوجود كله.. فلا تفكر في التهرب من الأمر، ولا التفلت من القهر ؛ لأنها إنما تلبي حاجتها الفطرية في الاستسلام الجميل المريح.. الاستسلام لله الذي يرفع الجباه عن الدينونة لغيره أو العبودية لسواه. الاستسلام الرفيع الكريم لرب العالمين..
هذا الاستسلام هو الذي يمثل معنى الإيمان، ويعطيه طعمه ومذاقه.. وهذه العبودية هي التي تحقق معنى الإسلام، وتعطيه حيويته وروحه.. وهي هي القاعدة التي لا بد أن تقام وتستقر، قبل التكليف والأمر ؛ وقبل الشعائر والشرائع.. ومن ثم هذه العناية الكبرى بإنشائها وتقريرها وتعميقها وتثبيتها في المنهج القرآني الحكيم..
( وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ )
كما ينهى عن الفساد في الأرض بالهوى، وقد أصلحها الله بالشريعة.. والنفس التي تتضرع وتخشع خفية للقريب المجيب، لا تعتدي كذلك ولا تفسد في الأرض بعد إصلاحها.. فبين الانفعالين اتصال داخلي وثيق في تكوين النفس والمشاعر. والمنهج القرآني يتبع خلجات القلوب وانفعالات النفوس. وهو منهج من خلق الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.
( وادعوه خوفاً وطمعاً )..
خوفاً من غضبه وعقابه. وطمعاً في رضوانه وثوابه.
( إن رحمة الله قريب من المحسنين )..
الذين يعبدون الله كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فهو يراهم.. كما جاء في الوصف النبوي للإحسان.
بعد تلك الرحلة الواسعة الآماد، من المنشأ إلى المعاد، يأخذ السياق بأيدي البشر إلى رحلة أخرى في ضمير الكون، وفي صفحته المعروضة للأنظار. فيعرض قصة خلق السماوات والأرض بعد قصة خلق الإنسان. ويوجه الأبصار والبصائر إلى مكنونات هذا الكون وأسراره، وإلى ظواهره وأحواله - إلى الليل الذي يطلب النهار في ذلك الفلك الدوار. وإلى الشمس والقمر والنجوم وهن مسخرات بأمر الله. وإلى الرياح الدائرة في الجواء، نقل السحاب إلى البلد الميت - بإذن الله - فإذا هو حي، وإذا الموات يؤتي من كل الثمرات.
هذه السبحات في ملكوت الله، يرتادها السياق بعد قصة النشأة الإنسانية ؛ وبعد تصوير طرفي الرحلة ؛ وبعد الحديث عن اتباع الشيطان والاستكبار عن اتباع رسل الله ؛ وبعد عرض التصورات الجاهلية والتقاليد التي يشرعها البشر لأنفسهم بلا إذن من الله ولا شرع.. يرتاد السياق هذه السبحات ليرد البشر إلى ربهم، الذي خلق هذا الوجود وسخره، والذي يحكمه بنواميسه ويصرفه بقدره، والذي له الخلق والأمر وحده..
إنه الإيقاع القوي العميق بعبودية الوجود كلها لبارئه، والذي يبدو استكبار الإنسان فيه عن هذه العبودية نشازاً في الوجود، يجعل الناشز غريباً شائهاً في الوجود.
وفي ظل تلك المشاهد ؛ وفي مواجهة هذا الإيقاع يدعوهم :
( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية، إنه لا يحب المعتدين، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، وادعوه خوفاً وطمعاً، إن رحمة الله قريب من المحسنين )..
إن إخلاص الدين لله، وتقرير عبودية البشر له، إن هي إلا فرع من إسلام الوجود كله، وعبودية الوجود كله لسلطانه.. وهذا هو الإيحاء الذي يستهدف المنهج القرآني تقريره وتعميقه في القلب البشري.. وأيما قلب أو عقل يتجه بوعي ويقظة إلى هذا الكون ونواميسه المستسرة، وظواهره الناطقة بتلك النواميس المستسرة.. لا بد يستشعر تأثيراً لا يرد سلطانه ؛ ولا بد يهتز من أعماقه بالشعور القاهر بوجود المدبر المقدر صاحب الخلق والأمر.. وهذه هي الخطوة الأولى لدفع هذا القلب إلى الاستجابة لداعي الله ؛ والاستسلام لسلطانه الذي يستسلم له هذا الوجود كله ولا يتخطاه.
ومن ثم يتخذ المنهج القرآني من هذا الوجود مجاله الأول لتجلية حقيقة الألوهية ؛ وتعبيد البشر لربهم وحده، وإشعار قلوبهم وكيانهم كله حقيقة العبودية، وتذوق طعمها الحقيقي في استسلام الواثق المطمئن ؛ الذي يستشعر أن كل ما حوله وكل من حوله من خلق الله، يتجاوب وإياه !
إنه ليس البرهان العقلي وحده هو الذي يستهدفه المنهج القرآني باستعراض عبودية الوجود لله، وتسخيره بأمره، واستسلام هذا الوجود في طواعية ويسر ودقة وعمق لأمره وحكمه.. إنما هو مذاق آخر – وراء البرهان العقلي ومع هذا البرهان العقلي - مذاق المشاركة مع الوجود والتجاوب. ومذاق الطمأنينة واليسر ؛ والانسياق مع موكب الايمان الشامل.
إنه مذاق العبودية الراضية، التي لا يسوقها القسر، ولا يحركها القهر.. إنما تحركها - قبل الأمر والتكليف - عاطفة الود والطمأنينة والتناسق مع الوجود كله.. فلا تفكر في التهرب من الأمر، ولا التفلت من القهر ؛ لأنها إنما تلبي حاجتها الفطرية في الاستسلام الجميل المريح.. الاستسلام لله الذي يرفع الجباه عن الدينونة لغيره أو العبودية لسواه. الاستسلام الرفيع الكريم لرب العالمين..
هذا الاستسلام هو الذي يمثل معنى الإيمان، ويعطيه طعمه ومذاقه.. وهذه العبودية هي التي تحقق معنى الإسلام، وتعطيه حيويته وروحه.. وهي هي القاعدة التي لا بد أن تقام وتستقر، قبل التكليف والأمر ؛ وقبل الشعائر والشرائع.. ومن ثم هذه العناية الكبرى بإنشائها وتقريرها وتعميقها وتثبيتها في المنهج القرآني الحكيم..
ومرة أخرى يفتح السياق للقلب البشري صفحة من صفحات الكون المعروضة للأنظار ؛ ولكن القلوب تمر بها غافلة بليدة ؛ لا تسمع نطقها، ولا تستشعر إيقاعها.. إنها صفحة يفتحها على ذكر رحمة الله في الآية السابقة ؛ نموذجاً لرحمة الله في صورة الماء الهاطل، والزرع النامي، والحياة النابضة بعد الموت والخمود :
( وهو الذي يرسل الرياح، بشراً بين يدي رحمته، حتى إذا أقلت سحاباً ثقالاً سقناه لبلد ميت، فأنزلنا به الماء، فأخرجنا به من كل الثمرات.. كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون )..
إنها آثار الربوبية في الكون. آثار الفاعلية والسلطان والتدبير والتقدير. وكلها من صنع الله ؛ الذي لا ينبغي أن يكون للناس رب سواه. وهو الخالق الرازق بهذه الأسباب التي ينشئها برحمته للعباد.
وفي كل لحظة تهب ريح. وفي كل وقت تحمل الريح سحاباً. وفي كل فترة ينزل من السحاب ماء.
ولكن ربط هذا كله بفعل الله - كما هو في الحقيقة - هو الجديد الذي يعرضه القرآن هذا العرض المرتسم في المشاهد المتحركة، كأن العين تراه.
إنه هو الذي يرسل الرياح مبشرات برحمته. والرياح تهب وفق النواميس الكونية التي أودعها الله هذا الكون - فما كان الكون لينشىء نفسه، ثم يضع لنفسه هذه النواميس التي تحكمه ! - ولكن التصور الإسلامي يقوم على اعتقاد أن كل حدث يجري في الكون - ولو أنه يجري وفق الناموس الذي قدره الله - إنما يقع ويتحقق - وفق الناموس - بقدر خاص ينشئه ويبرزه في عالم الواقع. وأن الأمر القديم بجريان السنة، لا يتعارض مع تعلق قدر الله بكل حادث فردي من الأحداث التي تجري وفق هذه السنة. فإرسال الرياح - وفق النواميس الإلهية في الكون - حدث من الأحداث، يقع بمفرده وفق قدر خاص.
وحمل الرياح للسحاب يجري وفق نواميس الله في الكون أيضاً. ولكنه يقع بقدر خاص. ثم يسوق الله السحاب - بقدر خاص منه - إلى ( بلد ميت ).. صحراء أو جدباء.. فينزل منه الماء - بقدر كذلك خاص - فيخرج من كل الثمرات - بقدر منه خاص - يجري كل أولئك وفق النواميس التي أودعها طبيعة الكون وطبيعة الحياة.
إن التصور الإسلامي في هذا الجانب ينفي العفوية والمصادفة في كل ما يجري في الكون. ابتداء من نشأته وبروزه، إلى كل حركة فيه وكل تغيير وكل تعديل. كما ينفي الجبرية الآلية، التي تتصور الكون كأنه آلة، فرغ صانعها منها، وأودعها القوانين التي تتحرك بها، ثم تركها تتحرك حركة آلية جبرية حتمية وفق هذه القوانين التي تصبح بذلك عمياء !
إنه يثبت الخلق بمشيئة وقدر. ثم يثبت الناموس الثابت والسنة الجارية. ولكنه يجعل معها القدر المصاحب لكل حركة من حركات الناموس ولكل مرة تتحقق فيها السنة. القدر الذي ينشىء الحركة ويحقق السنة، وفق المشيئة الطليقة من وراء السنن والنواميس الثابتة.
إنه تصور حي. ينفي عن القلب البلادة. بلادة الآلية والجبرية. ويدعها أبداً في يقظة وفي رقابة.. كلما حدث حدثٌ وفق سنة الله. وكلما تمت حركة وفق ناموس الله. انتفض هذا القلب، يرى قدر الله المنفذ، ويرى يد الله الفاعلة، ويسبح لله ويذكره ويراقبه، ولا يغفل عنه بالآلية الجبرية ولا ينساه !
هذا تصور يستحيي القلوب، ويستجيش العقول، ويعلقها جميعاً بفاعلية الخالق المتجددة ؛ وبتسبيح البارىء الحاضر في كل لحظة وفي كل حركة وفي كل حدث آناء الليل وأطراف النهار.
كذلك يربط السياق القرآني بين حقيقة الحياة الناشئة بإرادة الله وقدره في هذه الأرض، وبين النشأة الآخرة، التي تتحقق كذلك بمشيئة الله وقدره ؛ على المنهج الذي يراه الأحياء في نشأة هذه الحياة :
( كذلك نخرج الموتى، لعلكم تذكرون )..
إن معجزة الحياة ذات طبيعة واحدة، من وراء أشكالها وصورها وملابساتها.. هذا ما يوحي به هذا التعقيب.. وكما يخرج الله الحياة من الموات في هذه الأرض، فكذلك يخرج الحياة من الموتى في نهاية المطاف.. إن المشيئة التي تبث الحياة في صور الحياة وأشكالها في هذه الأرض، هي المشيئة التي ترد الحياة في الأموات. وإن القدر الذي يجري بإخراج الحياة من الموات في الدنيا، لهو ذاته القدر الذي يجري بجريان الحياة في الموتى مرة أخرى..
( لعلكم تذكرون )..
فالناس ينسون هذه الحقيقة المنظورة ؛ ويغرقون في الضلالات والأوهام !
بعد تلك الرحلة الواسعة الآماد، من المنشأ إلى المعاد، يأخذ السياق بأيدي البشر إلى رحلة أخرى في ضمير الكون، وفي صفحته المعروضة للأنظار. فيعرض قصة خلق السماوات والأرض بعد قصة خلق الإنسان. ويوجه الأبصار والبصائر إلى مكنونات هذا الكون وأسراره، وإلى ظواهره وأحواله - إلى الليل الذي يطلب النهار في ذلك الفلك الدوار. وإلى الشمس والقمر والنجوم وهن مسخرات بأمر الله. وإلى الرياح الدائرة في الجواء، نقل السحاب إلى البلد الميت - بإذن الله - فإذا هو حي، وإذا الموات يؤتي من كل الثمرات.
هذه السبحات في ملكوت الله، يرتادها السياق بعد قصة النشأة الإنسانية ؛ وبعد تصوير طرفي الرحلة ؛ وبعد الحديث عن اتباع الشيطان والاستكبار عن اتباع رسل الله ؛ وبعد عرض التصورات الجاهلية والتقاليد التي يشرعها البشر لأنفسهم بلا إذن من الله ولا شرع.. يرتاد السياق هذه السبحات ليرد البشر إلى ربهم، الذي خلق هذا الوجود وسخره، والذي يحكمه بنواميسه ويصرفه بقدره، والذي له الخلق والأمر وحده..
إنه الإيقاع القوي العميق بعبودية الوجود كلها لبارئه، والذي يبدو استكبار الإنسان فيه عن هذه العبودية نشازاً في الوجود، يجعل الناشز غريباً شائهاً في الوجود.
وفي ظل تلك المشاهد ؛ وفي مواجهة هذا الإيقاع يدعوهم :
( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية، إنه لا يحب المعتدين، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، وادعوه خوفاً وطمعاً، إن رحمة الله قريب من المحسنين )..
إن إخلاص الدين لله، وتقرير عبودية البشر له، إن هي إلا فرع من إسلام الوجود كله، وعبودية الوجود كله لسلطانه.. وهذا هو الإيحاء الذي يستهدف المنهج القرآني تقريره وتعميقه في القلب البشري.. وأيما قلب أو عقل يتجه بوعي ويقظة إلى هذا الكون ونواميسه المستسرة، وظواهره الناطقة بتلك النواميس المستسرة.. لا بد يستشعر تأثيراً لا يرد سلطانه ؛ ولا بد يهتز من أعماقه بالشعور القاهر بوجود المدبر المقدر صاحب الخلق والأمر.. وهذه هي الخطوة الأولى لدفع هذا القلب إلى الاستجابة لداعي الله ؛ والاستسلام لسلطانه الذي يستسلم له هذا الوجود كله ولا يتخطاه.
ومن ثم يتخذ المنهج القرآني من هذا الوجود مجاله الأول لتجلية حقيقة الألوهية ؛ وتعبيد البشر لربهم وحده، وإشعار قلوبهم وكيانهم كله حقيقة العبودية، وتذوق طعمها الحقيقي في استسلام الواثق المطمئن ؛ الذي يستشعر أن كل ما حوله وكل من حوله من خلق الله، يتجاوب وإياه !
إنه ليس البرهان العقلي وحده هو الذي يستهدفه المنهج القرآني باستعراض عبودية الوجود لله، وتسخيره بأمره، واستسلام هذا الوجود في طواعية ويسر ودقة وعمق لأمره وحكمه.. إنما هو مذاق آخر – وراء البرهان العقلي ومع هذا البرهان العقلي - مذاق المشاركة مع الوجود والتجاوب. ومذاق الطمأنينة واليسر ؛ والانسياق مع موكب الايمان الشامل.
إنه مذاق العبودية الراضية، التي لا يسوقها القسر، ولا يحركها القهر.. إنما تحركها - قبل الأمر والتكليف - عاطفة الود والطمأنينة والتناسق مع الوجود كله.. فلا تفكر في التهرب من الأمر، ولا التفلت من القهر ؛ لأنها إنما تلبي حاجتها الفطرية في الاستسلام الجميل المريح.. الاستسلام لله الذي يرفع الجباه عن الدينونة لغيره أو العبودية لسواه. الاستسلام الرفيع الكريم لرب العالمين..
هذا الاستسلام هو الذي يمثل معنى الإيمان، ويعطيه طعمه ومذاقه.. وهذه العبودية هي التي تحقق معنى الإسلام، وتعطيه حيويته وروحه.. وهي هي القاعدة التي لا بد أن تقام وتستقر، قبل التكليف والأمر ؛ وقبل الشعائر والشرائع.. ومن ثم هذه العناية الكبرى بإنشائها وتقريرها وتعميقها وتثبيتها في المنهج القرآني الحكيم..
ويختم السياق هذه الرحلة في أقطار الكون وأسرار الوجود، بمثل يضربه للطيب وللخبيث من القلوب. ينتزعه من جو المشهد المعروض، مراعاة للتناسق في المرائي والمشاهد، وفي الطبائع والحقائق :
( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكداً. كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون ).
والقلب الطيب يشبه في القرآن الكريم وفي حديث رسول الله [ ص ] بالأرض الطيبة، وبالتربة الطيبة. والقلب الخبيث يشبه بالأرض الخبيثة وبالتربة الخبيثة. فكلاهما.. القلب والتربة.. منبت زرع، ومأتى ثمر. القلب ينبت نوايا ومشاعر، وانفعالات واستجابات، واتجاهات وعزائم، وأعمالاً بعد ذلك وآثاراً في واقع الحياة. والأرض تنبت زرعاً وثمراً مختلفاً أكله وألوانه ومذاقاته وأنواعه..
( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه )..
طيباً خيراً، سهلاً ميسراً.
( والذي خبث لا يخرج إلا نكداً )..
في إيذاء وجفوة، وفي عسر ومشقة..
والهدى والآيات والموعظة والنصيحة تنزل على القلب كما ينزل الماء على التربة. فإن كان القلب طيباً كالبلد الطيب، تفتح واستقبل، وزكا وفاض بالخير. وإن كان فاسداً شريراً - كالذي خبث من البلاد والأماكن - استغلق وقسا، وفاض بالشر والنكر والفساد والضر. وأخرج الشوك والأذى، كما تخرج الأرض النكدة !
( كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون ).
والشكر ينبع من القلب الطيب، ويدل على الاستقبال الطيب، والانفعال الطيب. ولهؤلاء الشاكرين الذين يحسنون التلقي والاستجابة تصرف الآيات. فهم الذين ينتفعون بها، ويصلحون لها، ويصلحون بها..
والشكر هو لازمة هذه السورة التي يتكرر ذكرها فيها.. كالإنذار والتذكير. وقد صادفنا هذا التعبير فيما مضى من السياق، وسنصادفه فيما هو آت.. فهو من ملامح السورة المميزة في التعبير، كالإنذار والتذكير..
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
آية رقم ٦٠
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
فكيف كان استقبال المنحرفين الضالين من قوم نوح لهذه الدعوة الخالصة الواضحة المستقيمة ؟
( قال الملأ من قومه : إنا لنراك في ضلال مبين ) !
كما قال مشركو العرب لمحمد [ ص ] إنه صبأ، ورجع عن دين إبراهيم !
وهكذا يبلغ الضال من الضلال أن يحسب من يدعوه إلى الهدى هو الضال ! بل هكذا يبلغ التبجح الوقحبعدما يبلغ المسخ في الفطر !.. هكذا تنقلب الموازين، وتبطل الضوابط، ويحكم الهوى ؛ ما دام أن الميزان ليس هو ميزان الله الذي لا ينحرف ولا يميل.
وماذا تقول الجاهلية اليوم عن المهتدين بهدى الله ؟ إنها تسميهم الضالين، وتعد من يهتدي منهم ويرجع بالرضى والقبول !.. أجل من يهتدي إلى المستنقع الكريه، وإلى الوحل الذي تتمرغ الجاهلية فيه !
وماذا تقول الجاهلية اليوم للفتاة التي لا تكشف عن لحمها ؟ وماذا تقول للفتى الذي يستقذر اللحم الرخيص ؟ إنها تسمي ترفعهما هذا ونظافتهما وتطهرهما " رجعية " وتخلفاً وجموداً وريفية ! وتحاول الجاهلية بكل ما تملكه من وسائل التوجيه والإعلام أن تغرق ترفعهما ونظافتهما وتطهرهما في الوحل الذي تتمرغ فيه في المستنقع الكريه !
وماذا تقول الجاهلية لمن ترتفع اهتماماته عن جنون مباريات الكرة ؛ وجنون الأفلام والسينما والتليفزيون وما إليه ؛ وجنون الرقص والحفلات الفارغة والملاهي ؟ إنها تقول عنه : إنه " جامد ". ومغلق على نفسه، وتنقصه المرونة والثقافة ! وتحاول أن تجره إلى تفاهة من هذه ينفق فيها حياته..
إن الجاهلية هي الجاهلية.. فلا تتغير إلا الأشكال والظروف !
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
وينفي نوح عن نفسه الضلال، ويكشف لهم عن حقيقة دعوته ومنبعها، فهو لم يبتدعها من أوهامه وأهوائه. إنما هو رسول من رب العالمين. ( قال : يا قوم ليس بي ضلالة، ولكني رسول من رب العالمين ).
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
( أبلغكم رسالات ربي، وأنصح لكم، وأعلم من الله ما لا تعلمون ).
يحمل لهم الرسالة. ومعها النصح والأمانة. ويعلم من الله ما لا يعلمون. فهو يجده في نفسه، وهو موصول به، وهم عنه محجوبون :
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
ونلمح هنا فجوة في السياق.. فكأنما عجبوا أن يختار الله رسولاً من البشر من بينهم، يحمله رسالة إلى قومه، وأن يجد هذا الرسول في نفسه علماً عن ربه لا يجده الآخرون، الذين لم يختاروا هذا الاختيار.. هذه الفجوة في السياق يدل عليها ما بعدها :
( أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم، ولتتقوا، ولعلكم ترحمون ؟.. )
وما من عجب في هذا الاختيار. فهذا الكائن الإنساني شأنه كله عجيب.. إنه يتعامل مع العوالم كلها، ويتصل بربه بما ركب في طبيعته من نفخة الله فيه من روحه.. فإذا اختار الله من بينه رسوله - والله أعلم حيث يجعل رسالته - فإنما يتلقى هذا المختار عنه، بما أودع في كيانه من إمكانية الاتصال به والتلقي عنه، بذلك السر اللطيف الذي به معنى الإنسان، والذي هو مناط التكريم العلوي لهذا الكائن العجيب التكوين.

ويكشف لهم نوح عن هدف الرسالة :

( لينذركم، ولتتقوا، ولعلكم ترحمون )..
فهو الإنذار لتحريك القلوب بمشاعر التقوى، ليظفروا في النهاية برحمة الله.. ولا شيء وراء ذلك لنوح، ولا مصلحة، ولا هدف، إلا هذا الهدف السامي النبيل.
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
ولكن الفطرة حين تبلغ حداً معيناً من الفساد، لاتتفكر ولا تتدبر ولا تتذكر، ولا ينفع معها الإنذار ولا التذكير :
( فكذبوه، فأنجيناه والذين معه في الفلك، وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا، إنهم كانوا قوماً عمين )..
ولقد رأينا من عماهم عن الهدى والنصح المخلص والنذير.. فبعماهم هذا كذبوا.. وبعماهم لاقوا هذا المصير !
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
وتمضي عجلة التاريخ، ويمضي معها السياق، فإذا نحن أمام عاد قوم هود :
( وإلى عاد أخاهم هودا، قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، أفلا تتقون ؟ قال الملأ الذين كفروا من قومه : إنا لنراك في سفاهة، وإنا لنظنك من الكاذبين. قال : يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين. أبلغكم رسالات ربي، وأنا لكم ناصح أمين. أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ؟ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح، وزادكم في الخلق بسطة، فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون. قالوا : أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا ؟ فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. قال : قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب، أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان ؟ فانتظروا، إني معكم من المنتظرين. فأنجيناه والذين معه برحمة منا، وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا، وما كانوا مؤمنين ).
إنها نفس الرسالة، ونفس الحوار، ونفس العاقبة.. إنها السنة الماضية، والناموس الجاري، والقانون الواحد..
إن قوم عاد هؤلاء من ذراري نوح والذين نجوا معه في السفينة، وقيل : كان عددهم ثلاثة عشر.. وما من شك أن أبناء هؤلاء المؤمنين الناجين في السفينة كانوا على دين نوح عليه السلام - وهو الإسلام - كانوا يعبدون الله وحده، ما لهم من إله غيره، وكانوا يعتقدون أنه رب العالمين، فهكذا قال لهم نوح :( ولكني رسول من رب العالمين ).. فلما طال عليهم الأمد، وتفرقوا في الأرض، ولعب معهم الشيطان لعبة الغواية، وقادهم من شهواتهم - وفي أولها شهوة الملك وشهوات المتاع - وفق الهوى لا وفق شريعة الله، عاد قوم هود يستنكرون أن يدعوهم نبيهم إلى عبادة الله وحده من جديد :
( وإلى عاد أخاهم هودا، قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. أفلا تتقون ؟ )
القولة التي قالها نوح من قبله، والتي كذب بها قومه، فأصابهم ما أصابهم، واستخلف الله عادا من بعدهم - ولا يذكر هنا أين كان موطنهم، وفي سورة أخرى نعلم أنهم كانوا بالأحقاف، وهي الكثبان المرتفعة على حدود اليمن ما بين اليمامة وحضرموت - وقد ساروا في الطريق الذي سار فيه من قبل قوم نوح، فلم يتذكروا ولم يتدبروا ما حل بمن ساروا في هذا الطريق، لذلك يضيف هود في خطابه لهم قوله :( أفلا تتقون ؟ ) استنكاراً لقلة خوفهم من الله ومن ذلك المصير المرهوب.
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
وكأنما كبر على الملأ الكبراء من قومه أن يدعوهم واحد من قومهم إلى الهدى، وأن يستنكر منهم قلة التقوى ؛ ورأوا فيه سفاهة وحماقة، وتجاوزا للحد، وسوء تقدير للمقام ! فانطلقوا يتهمون نبيهم بالسفاهة وبالكذب جميعاً في غير تحرج ولا حياء :
( قال الملأ الذين كفروا من قومه : إنا لنراك في سفاهة، وإنا لنظنك من الكاذبين )..
هكذا جزافاً بلا تروّ ولا تدبر ولا دليل !
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
( قال : يا قوم ليس بي سفاهة، ولكني رسول من رب العالمين.
لقد نفى عن نفسه السفاهة في بساطة وصدق - كما نفى عن نفسه الضلالة - وقد كشف لهم - كما كشف نوح من قبل - عن مصدر رسالته وهدفها ؛
آية رقم ٦٨
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
( أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين )
وعن نصحه لهم فيها وأمانته في تبليغها. وقال لهم ذلك كله في مودة الناصح وفي صدق الأمين.
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
ولا بد أن يكون القوم قد عجبوا - كما عجب قوم نوح من قبل - من هذا الاختيار، ومن تلك الرسالة، فإذا هود يكرر لهم ما قاله نوح من قبل، كأنما كلاهما روح واحدة في شخصين :
( أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ؟ )..
ثم يزيد عليه ما يمليه واقعهم.. واقع استخلافهم في الأرض من بعد قوم نوح، وإعطائهم قوة في الأجسام وضخامة بحكم نشأتهم الجبلية، وإعطائهم كذلك السلطان والسيطرة :
( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح، وزادكم في الخلق بسطة. فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون ).. فلقد كان من حق هذا الاستخلاف، وهذه القوة والبسطة، أن تستوجب شكر النعمة، والحذر من البطر، واتقاء مصير الغابرين. وهم لم يأخذوا على الله عهداً : أن تتوقف سنته التي لا تتبدل، والتي تجري وفق الناموس المرسوم، بقدر معلوم. وذكر النعم يوحي بشكرها ؛ وشكر النعمة تتبعه المحافظة على أسبابها ؛ ومن ثم يكون الفلاح في الدنيا والآخرة.
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
ولكن الفطرة حين تنحرف لا تتفكر ولا تتدبر ولا تتذكر.. وهكذا أخذت الملأ العزة بالإثم، واختصروا الجدل، واستعجلوا العذاب استعجال من يستثقل النصح، ويهزأ بالإنذار :
( قالوا : أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا ؟ فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ).. لكأنما كان يدعوهم إلى أمر منكر لا يطيقون الاستماع إليه، ولا يصبرون على النظر فيه :
( أجئتنا لنعبد الله وحده، ونذر ما كان يعبد آباؤنا ؟ ) ؛
إنه مشهد بائس لاستعباد الواقع المألوف للقلوب والعقول. هذا الاستعباد الذي يسلب الإنسان خصائص الإنسان الأصيلة : حرية التدبر والنظر، وحرية التفكير والاعتقاد. ويدعه عبداً للعادة والتقليد، وعبداً للعرف والمألوف، وعبداً لما تفرضه عليه أهواؤه وأهواء العبيد من أمثاله، ويغلق عليه كل باب للمعرفة وكل نافذة للنور..
وهكذا استعجل القوم العذاب فراراً من مواجهة الحق، بل فراراً من تدبر تفاهة الباطل الذي هم له عبيد ؛ وقالوا لنبيهم الناصح الأمين :
( فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ) !
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
ومن ثم كان الجواب حاسماً وسريعاً في رد الرسول :
( قال : قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب. أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان ؟ فانتظروا، إني معكم من المنتظرين ).
لقد أبلغهم العاقبة التي أنبأه بها ربه، والتي قد حقت عليهم فلم يعد عنها محيص.. إنه العذاب الذي لا دافع له، وغضب الله المصاحب له.. ثم جعل بعد هذا التعجيل لهم بالعذاب الذي استعجلوه ؛ يكشف لهم عن سخافة معتقداتهم وتصوراتهم :
أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وأباؤكم ما نزل الله بها من سلطان ؟..
إن ما تعبدون مع الله ليس شيئاً ذا حقيقة ! إنها مجرد أسماء أطلقتموها أنتم وآباؤكم ؛ من عند أنفسكم، لم يشرعها الله ولم يأذن بها، فما لها إذن من سلطان ولا لكم عليها من برهان.
والتعبير المتكرر في القرآن :( ما نزل الله بها من سلطان ).. هو تعبير موح عن حقيقة أصيلة.. إن كل كلمة أو شرع أو عرف أو تصور لم ينزله الله، خفيف الوزن، قليل الأثر، سريع الزوال.. إن الفطرة تتلقى هذا كله في استخفاف، فإذا جاءت الكلمة من الله ثقلت واستقرت ونفذت إلى الأعماق، بما فيها من سلطان الله الذي يودعها إياه.
وكم من كلمات براقة، وكم من مذاهب ونظريات، وكم من تصورات مزوقة، وكم من أوضاع حشدت لها كل قوى التزيين والتمكين.. ولكنها تتذاوب أمام كلمة من الله، فيها من سلطانه - سبحانه - سلطان !
وفي ثقة المطمئن، وقوة المتمكن، يواجه هود قومه بالتحدي :
( فانتظروا، إني معكم من المنتظرين )..
إن هذه الثقة هي مناط القوة التي يستشعرها صاحب الدعوة إلى الله.. إنه على يقين من هزال الباطل وضعفه وخفة وزنه مهما انتفش ومهما استطال. كما أنه على يقين من سلطان الحق الذي معه وقوته بما فيه من سلطان الله.
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.

ولا يطول الإنتظار في السياق :

( فأنجيناه والذين معه برحمة منا، وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا، وما كانوا مؤمنين )
فهو المحق الكامل الذي لا يتخلف منه أحد. وهو ما عبر عنه بقطع الدابر. والدابر هو آخر واحد في الركب يتبع أدبار القوم !
وهكذا طويت صفحة أخرى من صحائف المكذبين. وتحقق النذير مرة أخرى بعد إذ لم ينفع التذكير.. ولا يفصل السياق هنا ما يفصله من أمر هذا الهلاك في السور الأخرى. فنقف نحن في ظلال النص الذي يهدف إلى الإستعراض السريع ؛ ولا نخوض في تفصيل له مواضعه في النصوص.
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
( وإلى ثمود أخاهم صالحاً، قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. قد جاءتكم بينة من ربكم، هذه ناقة الله لكم آية، فذروها تأكل في أرض الله، ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم. واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد، وبوأكم في الأرض، تتخذون من سهولها قصوراً، وتنحتون الجبال بيوتاً، فاذكروا آلاء الله، ولا تعثوا في الأرض مفسدين. قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا - لمن آمن منهم - : أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه ؟ قالوا : إنا بما أرسل به مؤمنون، قال الذين استكبروا : إنا بالذي آمنتم به كافرون. فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم، وقالوا : يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين. فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. فتولى عنهم وقال : يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، ولكن لا تحبون الناصحين )..
وهذه صفحة أخرى من صحائف قصة البشرية ؛ وهي تمضي في خضم التاريخ. وها هي ذي نكسة أخرى إلى الجاهلية ؛ ومشهد من مشاهد اللقاء بين الحق والباطل، ومصرع جديد من مصارع المكذبين.
( وإلى ثمود أخاهم صالحاً. قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )..
ذات الكلمة الواحدة التي بها بدأ هذا الخلق وإليها يعود. وذات المنهج الواحد في الاعتقاد والاتجاه والمواجهة والتبليغ..
ويزيد هنا تلك المعجزة التي صاحبت دعوة صالح، حين طلبها قومه للتصديق :
( قد جاءتكم بينة من ربكم، هذه ناقة الله لكم آية )..
والسياق هنا، لأنه يستهدف الاستعراض السريع للدعوة الواحدة، ولعاقبة الإيمان بها وعاقبة التكذيب، لا يذكر تفصيل طلبهم للخارقة، بل يعلن وجودها عقب الدعوة. وكذلك لا يذكر تفصيلاً عن الناقة أكثر من أنها بينة من ربهم، وأنها ناقة الله وفيها آية منه، ومن هذا الإسناد نستلهم أنها كانت ناقة غير عادية، أو أنها أخرجت لهم إخراجاً غير عادي. مما يجعلها بينة من ربهم، ومما يجعل نسبتها إلى الله ذات معنى، ويجعلها آية على صدق نبوته.. ولا نزيد على هذا شيئاً مما لم يرد ذكره من أمرها في هذا المصدر المستيقن - وفيما جاء في هذه الإشارة كفاية عن كل تفصيل آخر - فنمضي نحن مع النصوص ونعيش في ظلالها :
( فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم )..
إنها ناقة الله، فذروها تأكل في أرض الله، وإلا فهو النذير بسوء المصير..
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
وبعد عرض الآية والإنذار بالعاقبة، يأخذ صالح في النصح لقومه بالتدبر والتذكر، والنظر في مصائر الغابرين، والشكر على نعمة الاستخلاف بعد هؤلاء الغابرين :
( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد، وبوأكم في الأرض، تتخذون من سهولها قصوراً، وتنحتون الجبال بيوتاً. فاذكروا آلاء الله، ولا تعثوا في الأرض مفسدين ).
ولا يذكر السياق هنا أين كان موطن ثمود، ولكنه يذكر في سورة أخرى أنهم كانوا في الحجر - وهي بين الحجاز والشام.. ونلمح من تذكير صالح لهم، أثر النعمة والتمكين في الأرض لثمود، كما نلمح طبيعة المكان الذي كانوا يعيشون فيه. فهو سهل وجبل، وقد كانوا يتخذون في السهل القصور، وينحتون في الجبال البيوت. فهي حضارة عمرانية واضحة المعالم في هذا النص القصير.. وصالح يذكرهم استخلاف الله لهم من بعد عاد، وإن لم يكونوا في أرضهم ذاتها، ولكن يبدو أنهم كانوا أصحاب الحضارة العمرانية التالية في التاريخ لحضارة عاد، وأن سلطانهم امتد خارج الحجر أيضا. وبذلك صاروا خلفاء ممكنين في الأرض، محكمين فيها. وهو ينهاهم عن الانطلاق في الأرض بالفساد، اغتراراً بالقوة والتمكين، وأمامهم العبرة ماثلة في عاد الغابرين !
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
وهنا كذلك نلمح فجوة في السياق على سبيل الإيجاز والاختصار. فقد آمنت طائفة من قوم صالح، واستكبرت طائفة. والملأ هم آخر من يؤمن بدعوة تجردهم من السلطان في الأرض، وترده إلى إله واحد هو رب العالمين ! ولا بد أن يحاولوا فتنة المؤمنين الذين خلعوا ربقة الطاغوت من أعناقهم بعبوديتهم لله وحده، وتحرروا بذلك من العبودية للعبيد !
وهكذا نرى الملأ المستكبرين من قوم صالح يتجهون إلى من أمن من الضعفاء بالفتنة والتهديد :
( قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا - لمن آمن منهم - : أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه ؟ )..
وواضح أنه سؤال للتهديد والتخويف، ولاستنكار إيمانهم به، وللسخرية من تصديقهم له في دعواه الرسالة من ربه.
ولكن الضعاف لم يعودوا ضعافاً ! لقد سكب الإيمان بالله القوة في قلوبهم، والثقة في نفوسهم، والاطمئنان في منطقهم.. إنهم على يقين من أمرهم، فماذا يجدي التهديد والتخويف ؟ وماذا تجدي السخرية والاستنكار.. من الملأ المستكبرين ؟ :
( قالوا : إنا بما أرسل به مؤمنون ).
آية رقم ٧٦
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
ومن ثم يعلن الملأ عن موقفهم في صراحة تحمل طابع التهديد :
( إنا بالذي آمنتم به كافرون )..
على الرغم من البينة التي جاءهم بها صالح. والتي لا تدع ريبة لمستريب.. إنه ليست البينة هي التي تنقص الملأ للتصديق.. إنه السلطان المهدد بالدينونة للرب الواحد.. إنها عقدة الحاكمية والسلطان، إنها شهوة الملك العميقة في الإنسان ! إنه الشيطان الذي يقود الضالين من هذا الخطام !
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
وأتبعوا القول بالعمل، فاعتدوا على ناقة الله التي جاءتهم آية من عنده على صدق نبيه في دعواه ؛ والتي حذرهم نبيهم أن يمسوها بسوء فيأخذهم عذاب أليم :
( فعقروا الناقة، وعتوا عن أمر ربهم ؛ وقالوا : يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين )
إنه التبجح الذي يصاحب المعصية. ويعبر عن عصيانهم بقوله :( عتوا ) لإبراز سمة التبجح فيها، وليصور الشعور النفسي المصاحب لها. والذي يعبر عنه كذلك ذلك التحدي باستعجال العذاب والاستهتار بالنذير :
آية رقم ٧٨
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
ولا يستأني السياق في إعلان الخاتمة، ولا يفصل كذلك :
( فأخذتهم الرجفة، فأصبحوا في دارهم جاثمين )..
والرجفة والجثوم، جزاء مقابل للعتو والتبجح. فالرجفة يصاحبها الفزع، والجثوم مشهد للعجز عن الحراك. وما أجدر العاتي أن يرتجف، وما أجدر المعتدي أن يعجز. جزاء وفاقاً في المصير. وفي التعبير عن هذا المصير بالتصوير.
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
ويدعهم السياق على هيئتهم.. ( جاثمين ).. ليرسم لنا مشهد صالح الذي كذبوه وتحدوه :
( فتولى عنهم، وقال : يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، ولكن لا تحبون الناصحين )
إنه الإشهاد على أمانة التبليغ والنصح ؛ والبراءة من المصير الذي جلبوه لأنفسهم بالعتو والتكذيب
وهكذا تطوي صفحة أخرى من صحائف المكذبين. ويحق النذير بعد التذكير على المستهزئين.
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
وتمضي عجلة التاريخ، فيظلنا عهد إبراهيم - عليه السلام - ولكن السياق لا يتعرض هنا لقصة إبراهيم. ذلك أن السياق يتحرى مصارع المكذبين ؛ متناسقاً مع ما جاء في أول السورة :( وكم من قرية أهلكناها، فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون ).. وهذا القصص إنما هو تفصيل لهذا الإجمال في إهلاك القرى التي كذبت بالنذير.. وقوم إبراهيم لم يهلكوا لأن إبراهيم - عليه السلام - لم يطلب من ربه هلاكهم. بل اعتزلهم وما يدعون من دون الله.. إنما تجيء هنا قصة قوم لوط - ابن أخي إبراهيم - ومعاصره، بما فيها من إنذار وتكذيب وإهلاك. يتمشى مع ظلال السياق، على طريقة القرآن :
( ولوطا إذ قال لقومه : أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ؟ إنكم لتأتون الرجال - شهوة - من دون النساء. بل أنتم قوم مسرفون. وما كان جواب قومه إلا أن قالوا : أخرجوهم من قريتكم، إنهمأناس يتطهرون. فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين. وأمطرنا عليهم مطراً، فانظر كيف كان عاقبة المجرمين )
وتكشف لنا قصة قوم لوط عن لون خاص من انحراف الفطرة ؛ وعن قضية أخرى غير قضية الألوهية والتوحيد التي كانت مدار القصص السابق. ولكنها في الواقع ليست بعيدة عن قضية الألوهية والتوحيد.. إن الإعتقاد في الله الواحد يقود إلى الإسلام لسننه وشرعه. وقد شاءت سنة الله أن يخلق البشر ذكراً وأنثى، وأن يجعلهما شقين للنفس الواحدة تتكامل بهما، وأن يتم الامتداد في هذا الجنس عن طريق النسل ؛ وأن يكون النسل من التقاء ذكر وأنثى.. ومن ثم ركبهما وفق هذه السنة صالحين للالتقاء، صالحين للنسل عن طريق هذا الإلتقاء، مجهزين عضوياً ونفسياً لهذا الالتقاء.. وجعل اللذة التي ينالانها عندئذ عميقة، والرغبة في إتيانها أصيلة، وذلك لضمان أن يتلاقيا فيحققا مشيئة الله في امتداد الحياة ؛ ثم لتكون هذه الرغبة الأصيلة وتلك اللذة العميقة دافعاً في مقابل المتاعب التي يلقيانها بعد ذلك في الذرية. من حمل ووضع ورضاعة. ومن نفقة وتربية وكفالة.. ثم لتكون كذلك ضماناً لبقائهما ملتصقين في أسرة، تكفل الأطفال الناشئين، الذين تطول فترة حضانتهم أكثر من أطفال الحيوان، ويحتاجون إلى رعاية أطول من الجيل القديم !
هذه هي سنة الله التي يتصل إدراكها والعمل بمقتضاها بالاعتقاد في الله وحكمته ولطف تدبيره وتقديره. ومن ثم يكون الانحراف عنها متصلاً بالانحراف عن العقيدة، وعن منهج الله للحياة.
ويبدو انحراف الفطرة واضحاً في قصة قوم لوط، حتى أن لوطا ليجبههم بأنهم بدع دون خلق الله فيها، وأنهم في هذا الانحراف الشنيع غير مسبوقين :
( ولوطاً إذ قال لقومه : أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ؟ )
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
( إنكم لتأتون الرجال - شهوة - من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون )..
والإسراف الذي يدفعهم به لوط هو الإسراف في تجاوز منهج الله الممثل في الفطرة السوية. والإسراف في الطاقة التي وهبهم الله إياها، لأداء دورهم في امتداد البشرية ونمو الحياة، فإذا هم يريقونها ويبعثرونها في غير موضع الإخصاب. فهي مجرد ( شهوة ) شاذة. لأن الله جعل لذة ٩الفطرة الصادقة في تحقيق سنة الله الطبيعية. فإذا وجدت نفس لذتها في نقيض هذه السنة، فهو الشذوذ إذن والانحراف والفساد الفطري، قبل أن يكون فساد الأخلاق.. ولا فرق في الحقيقة. فالأخلاق الإسلامية هي الأخلاق الفطرية، بلا انحراف ولا فساد.
إن التكوين العضوي للأنثى - كالتكوين النفسي - هو الذي يحقق لذة الفطرة الصادقة للذكر في هذا الالتقاء، الذي لا يقصد به مجرد " الشهوة ". إنما هذه اللذة المصاحبة له رحمة من الله ونعمة، إذ يجعل القيام بتحقيق سنته ومشيئته في امتداد الحياة، مصحوباً بلذة تعادل مشقة التكليف ! فأما التكوين العضوي للذكر - بالنسبة للذكر - فلا يمكن أن يحقق لذة للفطرة السليمة ؛ بل إن شعور الاستقذار ليسبق، فيمنع مجرد الاتجاه عند الفطرة السليمة.
وطبيعة التصور الاعتقادي، ونظام الحياة الذي يقوم عليه، ذو أثر حاسم في هذا الشأن..
فهذه هي الجاهلية الحديثة في أوروبا وفي أمريكا ينتشر فيها هذا الانحراف الجنسي الشاذ انتشاراً ذريعاً. بغير ما مبرر إلا الانحراف عن الاعتقاد الصحيح، وعن منهج الحياة الذي يقوم عليه.
وقد كانت هناك دعوى عريضة من الأجهزة التي يوجهها اليهود في الأرض لتدمير الحياة الإنسانية لغير اليهود، بإشاعة الانحلال العقيدي والأخلاقي.. كانت هناك دعوى عريضة من هذه الأجهزة الموجهة بأناحتجاب المرأة هو الذي ينشر هذه الفاحشة الشاذة في المجتمعات ! ولكن شهادة الواقع تخرق العيون. ففي أوروبا وأمريكا لم يبق ضابط واحد للاختلاط الجنسي الكامل بين كل ذكر وكل انثى - كما في عالم البهائم ! - وهذه الفاحشة الشاذة يرتفع معدلها بارتفاع الاختلاط ولا ينقص ! ولا يقتصر على الشذوذ بين الرجال ؛ بل يتعداه إلى الشذوذ بين النساء.. ومن لا تخرق عينيه هذه الشهادة فليقرأ :" السلوك الجنسي عند الرجال " و " السلوك الجنسي عند النساء " في تقرير " كنزي " الأمريكي.. ولكن هذه الأجهزة الموجهة ما تزال تردد هذه الأكذوبة، وتسندها الى حجاب المرأة. لتؤدي ما تريده بروتوكولات صهيون، ووصايا مؤتمرات المبشرين !
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
ونعود إلى قوم لوط ! فيتجلى لنا الانحراف مرة أخرى في جوابهم لنبيهم :
( وما كان جواب قومه إلا أن قالوا : أخرجوهم من قريتكم، إنهم أناس يتطهرون ) !
يا عجباً ! أو من يتطهر يخرج من القرية إخراجاً، ليبقى فيها الملوثون المدنسون ؟ !
ولكن لماذا العجب ؟ وماذا تصنع الجاهلية الحديثة ؟ أليست تطارد الذين يتطهرون، فلا ينغمسون في الوحل الذي تنغمس فيه مجتمعات الجاهلية - وتسميه تقدمية وتحطيماً للأغلال عن المرأة وغير المرأة - أليست تطاردهم في أرزاقهم وأنفسهم وأموالهم وأفكارهم وتصوراتهم كذلك ؛ ولا تطيق أن تراهم يتطهرون ؛ لأنها لا تتسع ولا ترحب إلا بالملوثين الدنسين القذرين ؟ ! إنه منطق الجاهلية في كل حين ! !
آية رقم ٨٣
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
وتعرض الخاتمة سريعاً بلا تفصيل ولا تطويل كالذي يجيء في السياقات الأخرى :
( فأنجيناه وأهله - إلا امرأته كانت من الغابرين ) –
إنها النجاة لمن تهددهم العصاة. كما أنها هي الفصل بين القوم على أساس العقيدة والمنهج. فامرأته - وهي ألصق الناس به - لم تنج من الهلاك. لأن صلتها كانت بالغابرين المهلكين من قومه في المنهج والاعتقاد.
آية رقم ٨٤
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
( وأمطرنا عليهم مطراً، فانظر كيف كان عاقبة المجرمين )..
وقد أمطروا مطراً مهلكاً مع ما صاحبه من عواصف.. ترى كان هذا المطر المغرق، والماء الدافق، لتطهير الأرض من ذلك الدنس الذي كانوا فيه، والوحل الذي عاشوا وماتوا فيه ؟ !
على أية حال لقد طويت صفحة أخرى من صحائف المكذبين المجرمين !
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
ونأتي للصفحة الأخيرة من صحائف الأقوام المكذبة في تلك الحقبة من التاريخ.. صفحة مدين وأخيهم شعيب :
( وإلى مدين أخاهم شعيباً، قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم، فأوفوا الكيل والميزان، ولا تبخسوا الناس اشياءهم، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين. ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجاً، واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم، وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين.. وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين )..
( قال الملأ الذين استكبروا من قومه : لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا. قال : أو لو كنا كارهين ؟ قد افترينا على اللّه كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا اللّه منها، وما يكون لنا أن نعود فيها - إلا أن يشاء اللّه ربنا، وسع ربنا كل شيء علماً - على اللّه توكلنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الفاتحين. وقال الملأ الذين كفروا من قومه : لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون. فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها، الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين، فتولى عنهم وقال : يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فكيف آسى على قوم كافرين ؟ )..
إننا نجد شيئاً من الإطالة في هذه القصة، بالقياس إلى نظائرها في هذا الموضع، ذلك أنها تتضمن غير قضية العقيدة شيئاً عن المعاملات، وإن كانت القصة سائرة على منهج الاستعراض الإجمالي في هذا السياق.
( وإلى مدين أخاهم شعيباً، قال : يا قوم اعبدوا اللّه ما لكم من إله غيره ).
فهي قاعدة الدعوة التي لا تغيير فيها ولا تبديل.. ثم تبدأ بعدها بعض التفصيلات في رسالة النبي الجديد :
( قد جاءتكم بينة من ربكم )..
ولا يذكر السياق نوع هذه البينة - كما ذكرها في قصة صالح - ولا نعرف لها تحديداً من مواضع القصة في السور الأخرى. ولكن النص يشير إلى أنه كانت هناك بينة جاءهم بها، تثبت دعواه أنه مرسل من عند اللّه. ويرتب على هذه البينة ما يأمرهم به نبيهم من توفية الكيل والميزان، والنهي عن الإفساد في الأرض، والكف عن قطع الطريق على الناس، وعن فتنة المؤمنين عن دينهم الذي ارتضوه :
( فأوفوا الكيل والميزان، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين. ولا تقعدوا بكل صراط توعدون، وتصدون عن سبيل اللّه من آمن به، وتبغونها عوجاً، واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم، وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين )..
وندرك من هذا النهي أن قوم شعيب، كانوا قوماً مشركين لا يعبدون اللّه وحده، إنما يشركون معه عباده في سلطانه ؛ وأنهم ما كانوا يرجعون في معاملاتهم إلى شرع اللّه العادل ؛ إنما كانوا يتخذون لأنفسهم من عند أنفسهم قواعد للتعامل - ولعل شركهم إنما كان في هذه الخصلة - وأنهم - لذلك - كانوا سيئي المعاملة في البيع والشراء ؛ كما كانوا مفسدين في الأرض، يقطعون الطريق على سواهم. ظلمة يفتنون الذين يهتدون ويؤمنون عن دينهم، ويصدونهم عن سبيل اللّه المستقيم ؛ ويكرهون الاستقامة التي في سبيل اللّه ؛ ويريدون أن تكون الطريق عوجاء منحرفة، لا تمضي على استقامتها كما هي في منهج اللّه.
ويبدأ شعيب - عليه السلام - بدعوتهم إلى عبادة اللّه وحده وإفراده سبحانه بالألوهية، وإلى الدينونة له وحده وإفراده من ثم بالسلطان في أمر الحياة كله.
يبدأ شعيب - عليه السلام - في دعوتهم من هذه القاعدة ؛ التي يعلم أنه منها تنبثق كل مناهج الحياة وكل أوضاعها ؛ كما أن منها تنبثق قواعد السلوك والخلق والتعامل. ولا تستقيم كلها إلا إذا استقامت هذه القاعدة.
ويستصحب في دعوتهم إلى الدينونة للّه وحده، وإقامة حياتهم على منهجه المستقيم، وترك الإفساد في الأرض بالهوى بعدما أصلحها اللّه بالشريعة..
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٥:م٥٩
ونأتي للصفحة الأخيرة من صحائف الأقوام المكذبة في تلك الحقبة من التاريخ.. صفحة مدين وأخيهم شعيب :
( وإلى مدين أخاهم شعيباً، قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم، فأوفوا الكيل والميزان، ولا تبخسوا الناس اشياءهم، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين. ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجاً، واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم، وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين.. وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين )..
( قال الملأ الذين استكبروا من قومه : لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا. قال : أو لو كنا كارهين ؟ قد افترينا على اللّه كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا اللّه منها، وما يكون لنا أن نعود فيها - إلا أن يشاء اللّه ربنا، وسع ربنا كل شيء علماً - على اللّه توكلنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الفاتحين. وقال الملأ الذين كفروا من قومه : لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون. فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها، الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين، فتولى عنهم وقال : يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فكيف آسى على قوم كافرين ؟ )..
إننا نجد شيئاً من الإطالة في هذه القصة، بالقياس إلى نظائرها في هذا الموضع، ذلك أنها تتضمن غير قضية العقيدة شيئاً عن المعاملات، وإن كانت القصة سائرة على منهج الاستعراض الإجمالي في هذا السياق.
( وإلى مدين أخاهم شعيباً، قال : يا قوم اعبدوا اللّه ما لكم من إله غيره ).
فهي قاعدة الدعوة التي لا تغيير فيها ولا تبديل.. ثم تبدأ بعدها بعض التفصيلات في رسالة النبي الجديد :
( قد جاءتكم بينة من ربكم )..
ولا يذكر السياق نوع هذه البينة - كما ذكرها في قصة صالح - ولا نعرف لها تحديداً من مواضع القصة في السور الأخرى. ولكن النص يشير إلى أنه كانت هناك بينة جاءهم بها، تثبت دعواه أنه مرسل من عند اللّه. ويرتب على هذه البينة ما يأمرهم به نبيهم من توفية الكيل والميزان، والنهي عن الإفساد في الأرض، والكف عن قطع الطريق على الناس، وعن فتنة المؤمنين عن دينهم الذي ارتضوه :
( فأوفوا الكيل والميزان، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين. ولا تقعدوا بكل صراط توعدون، وتصدون عن سبيل اللّه من آمن به، وتبغونها عوجاً، واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم، وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين )..
وندرك من هذا النهي أن قوم شعيب، كانوا قوماً مشركين لا يعبدون اللّه وحده، إنما يشركون معه عباده في سلطانه ؛ وأنهم ما كانوا يرجعون في معاملاتهم إلى شرع اللّه العادل ؛ إنما كانوا يتخذون لأنفسهم من عند أنفسهم قواعد للتعامل - ولعل شركهم إنما كان في هذه الخصلة - وأنهم - لذلك - كانوا سيئي المعاملة في البيع والشراء ؛ كما كانوا مفسدين في الأرض، يقطعون الطريق على سواهم. ظلمة يفتنون الذين يهتدون ويؤمنون عن دينهم، ويصدونهم عن سبيل اللّه المستقيم ؛ ويكرهون الاستقامة التي في سبيل اللّه ؛ ويريدون أن تكون الطريق عوجاء منحرفة، لا تمضي على استقامتها كما هي في منهج اللّه.
ويبدأ شعيب - عليه السلام - بدعوتهم إلى عبادة اللّه وحده وإفراده سبحانه بالألوهية، وإلى الدينونة له وحده وإفراده من ثم بالسلطان في أمر الحياة كله.
يبدأ شعيب - عليه السلام - في دعوتهم من هذه القاعدة ؛ التي يعلم أنه منها تنبثق كل مناهج الحياة وكل أوضاعها ؛ كما أن منها تنبثق قواعد السلوك والخلق والتعامل. ولا تستقيم كلها إلا إذا استقامت هذه القاعدة.
ويستصحب في دعوتهم إلى الدينونة للّه وحده، وإقامة حياتهم على منهجه المستقيم، وترك الإفساد في الأرض بالهوى بعدما أصلحها اللّه بالشريعة..


يستصحب في دعوتهم إلى هذا كله بعض المؤثرات الموحية.. يذكرهم نعمة اللّه عليهم :
( واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم ).

ويخوفهم عاقبة المفسدين من قبلهم :

( وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين )..
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
كذلك يريد منهم أن يأخذوا أنفسهم بشيء من العدل وسعة الصدر ؛ فلا يفتنوا المؤمنين الذين هداهم اللّه إليه عن دينهم، ولا يقعدوا لهم بكل صراط، ولا يأخذوا عليهم كل سبيل، مهددين لهم موعدين. وأن ينتظروا حكم اللّه بين الفريقين. إن كانوا هم لا يريدون أن يكونوا مؤمنين :
( وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا، فاصبروا حتى يحكم اللّه بيننا، وهو خير الحاكمين )..
لقد دعاهم إلى أعدل خطة. ولقد وقف عند آخر نقطة لا يملك أن يتراجع وراءها خطوة.. نقطة الانتظار والتريث والتعايش بغير أذى، وترك كلًّ وما اعتنق من دين، حتى يحكم اللّه وهو خير الحاكمين.
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
ولكن الطواغيت لا يرضيهم أن يكون للإيمان في الأرض وجود ممثل في جماعة من الناس لا تدين للطاغوت.. إن وجود جماعة مسلمة في الأرض، لا تدين إلا للّه، ولا تعترف بسلطان إلا سلطانه، ولا تحكم في حياتها شرعاً إلا شرعه، ولا تتبع في حياتها منهجاً إلا منهجه.. إن وجود جماعة مسلمة كهذه يهدد سلطان الطواغيت - حتى لو انعزلت هذه الجماعة في نفسها، وتركت الطواغيت لحكم اللّه حين يأتي موعده.
إن الطاغوت يفرض المعركة فرضاً على الجماعة المسلمة - حتى لو آثرت هي ألا تخوض معه المعركة - إن وجود الحق في ذاته يزعج الباطل. وهذا الوجود ذاته هو الذي يفرض عليه المعركة مع الباطل.. إنها سنة اللّه لا بد أن تجري..
( قال الملأ الذين استكبروا من قومه : لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا، أو لتعودن في ملتنا ).
هكذا في تبجح سافر، وفي إصرار على المعركة لا يقبل المهادنة والتعايش !
إلا أن قوة العقيدة لا تتلعثم ولا تتزعزع أمام التهديد والوعيد.. لقد وقف شعيب عليه السلام عند النقطة التي لا يملك أن يتزحزح وراءها خطوة.. نقطة المسالمة والتعايش - على أن يترك لمن شاء أن يدخل في العقيدة التي يشاء ؛ وأن يدين للسلطان الذي يشاء : في انتظار فتح اللّه وحكمه بين الفريقين - وما يملك صاحب دعوة أن يتراجع خطوة واحدة وراء هذه النقطة، تحت أي ضغط أو أي تهديد من الطواغيت.. وإلا تنازل كلية عن الحق الذي يمثله وخانه.. فلما أن تلقى الملأ المستكبرون عرضه هذا بالتهديد بالإخراج من قريتهم أو العودة في ملتهم، صدع شعيب بالحق، مستمسكاً بملته، كارهاً أن يعود في الملة الخاسرة التي أنجاه اللّه منها، واتجه إلى ربه وملجئه ومولاه يدعوه ويستنصره ويسأله وعده بنصرة الحق وأهله :
قال : أو لو كنا كارهين ؟ قد افترينا على اللّه كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا اللّه منها. وما يكون لنا أن نعود فيها - إلا أن يشاء اللّه ربنا، وسع ربنا كل شيء علماً - على اللّه توكلنا. ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الفاتحين..
وفي هذه الكلمات القلائل تتجلى طبيعة الإيمان، ومذاقه في نفوس أهله، كما تتجلى طبيعة الجاهلية ومذاقها الكريه. كذلك نشهد في قلب الرسول ذلك المشهد الرائع.. مشهد الحقيقة الإلهية في ذلك القلب وكيف تتجلى فيه.
قال : أو لو كنا كارهين ؟
يستنكر تلك القولة الفاجرة :( لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ).. يقول لهم : أتجبروننا على ما نكره من ملتكم التي نجانا اللّه منها ؟ !
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
( قد افترينا على اللّه كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا اللّه منها )..
إن الذي يعود إلى ملة الطاغوت و الجاهلية، التي لا يخلص فيها الناس الدينونة والطاعة للّه وحده، والتي يتخذ الناس فيها أرباباً من دون اللّه يقرون لهم بسلطان اللّه.. إن الذي يعود إلى هذه الملة - بعد إذ قسم اللّه له الخير وكشف له الطريق، وهداه إلى الحق، وأنقذه من العبودية للعبيد - إنما يؤدي شهادة كاذبة على اللّه ودينه. شهادة مؤداها أنه لم يجد في ملة اللّه خيراً فتركها وعاد إلى ملة الطاغوت ! أو مؤداها - على الأقل - أن لملة الطاغوت حقاً في الوجود، وشرعية في السلطان ؛ وأن وجودها لا يتنافى مع الإيمان باللّه. فهو يعود إليها ويعترف بها بعد أن آمن باللّه.. وهي شهادة خطيرة أخطر من شهادة من لم يعرف الهدى، ولم يرفع راية الإسلام. شهادة الاعتراف براية الطغيان. ولا طغيان وراء اغتصاب سلطان اللّه في الحياة !
وكذلك يستنكر شعيب - عليه السلام - ما يتهدده به الطغاة من إعادته هو والذين آمنوا معه إلى الملة التي أنجاهم اللّه منها :
( وما يكون لنا أن نعود فيها )..
وما من شأننا أصلاً ؛ وما ينبغي لنا قطعاً أن نعود فيها.. يقولها وأمامه التهديد الذي يزاوله الطاغوت في كل أرض مع الجماعة المسلمة، التي تعلن خروجها عن سلطانه، ودينونتها للّه وحده بلا شريك معه أو من دونه.
إن تكاليف الخروج من العبودية للطاغوت والدينونة للّه وحده - مهما عظمت وشقت - أقل وأهون من تكاليف العبودية للطواغيت ! إن تكاليف العبودية للطواغيت فاحشة - مهما لاح فيها من السلامة والأمن والطمأنينة على الحياة والمقام والرزق ! - إنها تكاليف بطيئة طويلة مديدة ! تكاليف في إنسانية الإنسان ذاته فهذه " الإنسانية " لا توجد، والإنسان عبد للإنسان - وأي عبودية شر من خضوع الإنسان لما يشرعه له إنسان ؟ !.. وأي عبودية شر من تعلق قلب إنسان بإرادة إنسان آخر به، ورضاه أو غضبه عليه ؟ !.. وأي عبودية شر من أن تتعلق مصائر إنسان بهوى إنسان مثله ورغباته وشهواته ؟ ! وأي عبودية شر من أن يكون للإنسان خطام أو لجام يقوده منه كيفما شاء إنسان ؟ !
على أن الأمر لا يقف عند حد هذه المعاني الرفيعة.. إنه يهبط ويهبط حتى يكلف الناس - في حكم الطواغيت - أموالهم التي لا يحميها شرع ولا يحوطها سياج. كما يكلفهم أولادهم إذ ينشئهم الطاغوت كما شاء على ما شاء من التصورات والأفكار والمفهومات والأخلاق والتقاليد والعادات. فوق ما يتحكم في أرواحهم وفي حياتهم ذاتها، فيذبحهم على مذبح هواه، ويقيم من جماجمهم وأشلائهم أعلام المجد لذاته والجاه ! ثم يكلفهم أعراضهم في النهاية.. حيث لا يملك أب أن يمنع فتاته من الدعارة التي يريدها بها الطواغيت، سواء في صورة الغصب المباشر - كما يقع على نطاق واسع على مدار التاريخ - أو في صورة تنشئتهن على تصورات ومفاهيم تجعلهن نهباً مباحاً للشهوات تحت أي شعار ! وتمهد لهن الدعارة والفجور تحت أي ستار.. والذي يتصور أنه ينجو بماله وعرضه وحياته وحياة أبنائه وبناته في حكم الطواغيت من دون اللّه. إنما يعيش في وهم، أو يفقد الإحساس بالواقع !
إن عبادة الطاغوت عظيمة التكاليف في النفس والعرض والمال.. ومهما تكن تكاليف العبودية للّه، فهيأربح وأقوم حتى بميزان هذه الحياة. فضلاً على وزنها في ميزان اللّه..
يقول السيد أبو الأعلى المودودي في كتاب :" الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية " :
"... وكل من له أدنى بصيرة بمسائل الحياة الإنسانية، لا يخفى عليه أن المسألة - التي تتوقف عليها قضية صلاح الشؤون البشرية وفسادها - إنما هي مسألة زعامة الشؤون البشرية ومن بيده زمام أمرها. وذلك كما تشاهد في القطار أنه لا يجري إلا إلى الجهة التي يوجهه إليها سائقه، وأنه لا بد للركاب أن يسافروا - طوعاً أو كرهاً - إلى تلك الجهة نفسها. فكذلك لا يجري قطار المدنية الإنسانية إلا إلى جهة يوجهه إليها من بأيديهم زمام أمر تلك المدنية. ومن الظاهر البين أن الإنسانية بمجموعها لا تستطيع بحال من الأحوال أن تأبى السير على تلك الخطة التي رسمها لهم الذين بأيديهم وسائل الأرض وأسبابها طراً، ولهم الهيمنة كل الهيمنة على أزمة الأمر، وبيدهم السلطة المطلقة في تدبير شؤون الإنسانية، وتتعلق بأذيالهم نفوس الجماهير وآمالهم، وهم يملكون أدوات تكوين الأفكار والنظريات وصوغها في قوالب يحبونها، وإليهم المرجع في تنشئة الطباع الفردية، وإنشاء النظام الجماعي، وتحديد القيم الخلقية. فإذا كان هؤلاء الزعماء والقواد ممن يؤمنون باللّه ويرجون حسابه.. فلا بد لنظام الحياة بأسره أن يسير على طريق من الخير والرشد والصلاح، وأن يعود الخبثاء الأشرار إلى كنف الدين ويصلحوا شؤونهم. وكذلك تنمو الحسنات ويزكو غراسها، وأقل ما يكون من تأثير المجتمع في السيئات أنها لا تربو. إن لم تمحق وتنقرض آثارها. وأما إذا كانت هذه السلطة - سلطة الزعامة والقيادة والإمامة - بأيدي رجال انحرفوا عن اللّه ورسوله، واتبعوا الشهوات، وانغمسوا في الفجور والطغيان، فلا محالة أن يسير نظام الحياة بقضه وقضيضه على البغي والعدوان والفحشاء، ويدب دبيب الفساد والفوضى في الأفكار والنظريات والعلوم والآداب والسياسة والمدنية والثقافة والعمران والأخلاق والمعاملات والعدالة والقانون برمتها، وتنمو السيئات ويستفحل أمرها... "
... " والظاهر أن أول ما يطالب به دين اللّه عباده، أن يدخلوا في عبودية الحق كافة مخلصين له الطاعة والانقياد، حتى لا يبقى في اعناقهم قلادة من قلائد العبودية لغير اللّه تعالى. ثم يتطلب منهم ألا يكون لحياتهم قانون إلا ما أنزله اللّه تعالى، وجاء به الرسول الأمي الكريم - [ ص ] - ثم إن الإسلام يطالبهم أن ينعدم من الأرض الفساد، وتستأصل شأفة السيئات والمنكرات الجالبة على العباد غضب اللّه تعالى وسخطه. وهذه الغايات السامية لا يمكن أن يتحقق منها شيء ما دامت قيادة أبناء البشر وتسيير شؤونهم في الأرض بأيدي أئمة الكفر والضلال ؛ ولا يكون من أمر أتباع الدين الحق وأنصاره إلا أن يستسلموا لأمر هؤلاء وينقادوا لجبروتهم، يذكرون اللّه قابعين في زواياهم، منقطعين عن الدنيا وشؤونها، مغتنمين ما يتصدق به هؤلاء الجبابرة عليهم من المسامحات والضمانات ! ومن هنا يظهر ما للإمامة الصالحة وإقامة نظام الحق من أهمية خطيرة تجعلها من غايات الدين وأسسه. والحق أن الإنسان لا يمكنه أن يبلغ رضي اللّه تعالى بأي عمل من أعماله إذا تناسى هذه الفريضة وتقاعس عن القيام بها.. ألم تروا ما جاء في الكتاب والسنة من ذكر الجماعة ولزومها والسمع والطاعة، حتى إن الإنسان ليستوجب القتل إذا خرج من الجماعة - ولو قيد شعرة - وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم. وهل لذلك من سبب سوى أن غرض الدين الحقيقي وهدفه إنما هو إقامة نظام الحق، والإمامة الراشدة وتوطيد دعائمه في الأرض. وكل ذلك يتوقف تحققه على القوة الجماعية، والذي يضعضع القوة الجماعية ويفت في عضدها، يجني على الإسلام وأهله جناية لا يمكن جبرها وتلافيها بالصلاة ولا بالإقرار بكلمة التوحيد.. ثم انظروا إلى ما كسب " الجهاد " من المنزلة العالية والمكانة الرفيعة في الدين، حتى إنالقرآن ليحكم " بالنفاق " على الذين ينكلون عنه ويثاقلون إلى الأرض. ذلك أن " الجهاد " هو السعي المتواصل والكفاح المستمر في سبيل إقامة نظام الحق، ليس غير. وهذا الجهاد هو الذي يجعله القرآن ميزاناً يوزن به إيمان الرجل وإخلاصه للدين. وبعبارة أخرى أنه من كان يؤمن باللّه ورسوله لا يمكنه أن يرضى بتسلط النظام الباطل، أو يقعد عن بذل نفسه وماله في سبيل إقامة نظام الحق.. فكل من يبدو في أعماله شيء من الضعف والاستكانة في هذا الباب، فاعلم أنه مدخول في إيمانه، مرتاب في أمره، فكيف ينفعه عمل من أعماله بعد ذلك ؟ "...
... " إن إقامة الإمامة الصالحة في أرض اللّه لها أهمية جوهرية وخطورة بالغة في نظام الإسلام. فكل من يؤمن باللّه ورسوله ويدين دين الحق، لا ينتهي عمله بأن يبذل الجهد المستطاع لإفراغ حياته في قالب الإسلام، ولا تبرأ ذمته من ذلك فحسب، بل يلزمه بمقتضى ذلك الإيمان أن يستنفد جميع قواه ومساعيه في انتزاع زمام الأمر من أيدي الكافرين والفجرة والظالمين حتى يتسلمه رجال ذوو صلاح ممن يتقون اللّه، ويرجون حسابه، ويقوم في الأرض ذلك النظام الحق المرضيّ عند اللّه الذي به صلاح أمور الدنيا وقوام شؤونها "..
إن الإسلام حين يدعو الناس إلى انتزاع السلطان من أيدي غاصبيه من البشر ورده كله للّه، إنما يدعوهم لإنقاذ إنسانيتهم وتحرير رقابهم من العبودية للعبيد ؛ كما يدعوهم إلى إنقاذ أرواحهم وأموالهم من هوى الطواغيت وشهواتهم.. إنه يكلفهم أعباء المعركة مع الطاغوت - تحت رايته - بكل ما فيها من تضحيات ؛ ولكنه ينقذهم من تضحيات أكبر وأطول، كما أنها أذل وأحقر !.. إنه يدعوهم للكرامة، وللسلامة، في آن..
لذلك قالها شعيب عليه السلام مدوية حاسمة :
( قد افترينا على اللّه كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا اللّه منها، وما يكون لنا أن نعود فيها )
ولكن شعيباً بقدر ما يرفع رأسه، وبقدر ما يرفع صوته، في مواجهة طواغيت البشر من الملأ الذين استكبروا من قومه.. بقدر ما يخفض هامته، ويسلم وجهه في مواجهة ربه الجليل، الذي وسع كل شيء علماً. فهو في مواجهة ربه، لا يتألى عليه ولا يجزم بشيء أمام قدره، ويدع له قياده وزمامه، ويعلن خضوعه واستسلامه :
( إلا أن يشاء اللّه ربنا، وسع ربنا كل شيء علماً )..
إنه يفوض الأمر للّه ربه، في مستقبل ما يكون من أمره وأمر المؤمنين معه.. إنه يملك رفض ما يفرضه عليه الطواغيت، من العودة في ملتهم ؛ ويعلن تصميمه والمؤمنين معه على عدم العودة ؛ ويعلن الاستنكار المطلق للمبدأ ذاته.. ولكنه لا يجزم بشيء عن مشيئة اللّه به وبهم.. فالأمر موكول إلى هذه المشيئة، وهو والذين آمنوا معه لا يعلمون، وربهم وسع كل شيء علماً. فإلى علمه ومشيئته تفويضهم واستسلامهم.
إنه أدب ولي اللّه مع اللّه. الأدب الذي يلتزم به أمره، ثم لا يتألى بعد ذلك على مشيئته وقدره. ولا يتأبى على شيء يريده به ويقدره عليه.
وهنا يدع شعيب طواغيت قومه وتهديدهم ووعيدهم، ويتجه إلى وليه بالتوكل الواثق، يدعوه أن يفصل بينه وبين قومه بالحق :
( على اللّه توكلنا. ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق. وأنت خير الفاتحين )..
وهنا نشهد ذلك المشهد الباهر : مشهد تجلي حقيقة " الألوهية " في نفس ولي اللّه ونبيه..
إنه يعرف مصدر القوة، وملجأ الأمان. ويعلم أن ربه هو الذي يفصل بالحق بين الإيمان والطغيان. ويتوكل على ربه وحده في خوض المعركة المفروضة عليه وعلى المؤمنين معه، والتي ليس منها مفر. إلا بفتح من ربه ونصر.
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
عندئذ يتوجه الملأ الكفار من قومه إلى المؤمنين به يخوفونهم ويهددونهم. ليفتنوهم عن دينهم :( وقال الملأ الذين كفروا من قومه : لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون )
إنها ملامح المعركة التي تتكرر ولا تتغير.. إن الطواغيت يتوجهون أولاً إلى الداعية ليكف عن الدعوة. فإذا استعصم بإيمانه وثقته بربه، واستمسك بأمانة التبليغ وتبعته، ولم يرهبه التخويف بالذي يملكه الطغاة من الوسائل.. تحولوا إلى الذين اتبعوه يفتنونهم عن دينهم بالوعيد والتهديد، ثم بالبطش والعذاب.. إنهم لا يملكون حجة على باطلهم، ولكن يملكون أدوات البطش والإرهاب ؛ ولا يستطيعون إقناع القلوب بجاهليتهم - وبخاصة تلك التي عرفت الحق فما عادت تستخف بالباطل - ولكنهم يستطيعون البطش بالمصرين على الإيمان، الذي أخلصوا الدينونة للّه فأخلصوا له السلطان.
آية رقم ٩١
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
ولكنه من سنة اللّه الجارية أنه عندما يتمحض الحق والباطل، ويقفان وجهاً لوجه في مفاصلة كاملة تجري سنة اللّه التي لا تتخلف.. وهكذا كان..
( فأخذتهم الرجفة، فأصبحوا في دارهم جاثمين )..
الرجفة والجثوم، جزاء التهديد والاستطالة، وبسط الأيدي بالأذى والفتنة..
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
ويرد السياق على قولتهم :( لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون ).. وهي التي قالوها مهددين متوعدين للمؤمنين بالخسارة ! فيقرر - في تهكم واضح - أن الخسران لم يكن من نصيب الذين اتبعوا شعيباً، إنما كان من نصيب قوم آخرين :
( الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها. الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين )
ففي ومضة ها نحن أولاء نراهم في دارهم جاثمين. لا حياة ولا حراك. كأن لم يعمروا هذه الدار، وكأن لم يكن لهم فيها آثار !
نحن مع موكب الإيمان.. هذه أعلامه.. وهذه علائمه.. وهذه هي معالم طريقه.. وهو يواجه البشرية في رحلتها الطويلة على هذا الكوكب الأرضي.. يواجهها كلما التوت بها الطريق ؛ وكلما انحرفت عن صراطالله المستقيم ؛ وكلما تفرقت بها السبل. تحت ضغط الشهوات، التي يقودها الشيطان من خطامها، محاولاً أن يرضي حقده ؛ وأن ينفذ وعيده، وأن يمضي ببني آدم من خطام هذه الشهوات إلى جهنم ؛ فإذا الموكب الكريم يواجه البشرية بالهدى، ويلوّح لها بالنور، ويستروح بها ريح الجنة، ويحذرها لفحات السموم، ونزغات الشيطان الرجيم، عدوها القديم..
.. إنه مشهد رائع.. مشهد الصراع العميق، في خضم الحياة، على طول الطريق..
إن التاريخ البشري يمضي في تشابك معقد كل التعقيد.. إن هذا الكائن المزدوج الطبيعة، المعقد التركيب.. الذي يتألف كيانه من أبعد عنصرين تؤلف بينهما قدرة الله وقدره.. عنصر الطين الذي نشأ منه، وعنصر النفخة من روح الله، التي جعلت من هذا الطين إنساناً.. إن هذا الكائن ليمضي في تاريخه مع عوامل متشابكة كل التشابك، معقدة كل التعقيد.. يمضي بطبيعته هذه يتعامل مع تلك الأفاق والعوالم التي أسلفنا في قصة آدم الحديث عنها.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية : مشيئتها وقدرها، وقدرتها وجبروتها، ورحمتها وفضلها.. الخ... ويتعامل مع الملأ الأعلى وملائكته.. ويتعامل مع إبليس وقبيله.. ويتعامل مع هذا الكون المشهود ونواميسه وسنن الله فيه.. ويتعامل مع الأحياء في هذه الأرض.. ويتعامل مع بعضه البعض.. يتعامل مع هذه الآفاق وهذه العوالم بطبيعته تلك، وباستعداداته المتوافقة والمتعارضة مع هذه الآفاق والعوالم..
وفي هذا الخضم المتشابك من العلاقات والروابط، يجري تاريخه.. ومن القوة في كيانه والضعف. ومن التقوى والهدى. ومن الالتقاء بعالم الغيب وعالم الشهود. ومن التعامل مع العناصر المادية في الكون والقوى الروحية، ومن التعامل مع قدر الله في النهاية.. من هذا كله يتكون تاريخه.. وفي ضوء هذا التعقيد الشديد يفسر تاريخه.
والذين يفسرون التاريخ الإنساني تفسيراً " اقتصادياً " أو " سياسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " بيولوجياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " روحياً " أو " نفسياً ". والذين يفسرونه تفسيراً " عقلياً "... كل أولئك ينظرون نظرة ساذجة إلى جانب واحد من جوانب العوامل المتشابكة، والعوالم المتباعدة، التي يتعامل معها الإنسان ؛ ويتألف من تعامله معها تاريخه.. والتفسير الإسلامي للتاريخ هو وحده الذي يلم بهذا الخضم الواسع، ويحيط به ؛ وينظر إلى التاريخ الإنساني من خلاله.
ونحن هنا أمام مشاهد صادقة من هذا الخضم.. لقد شهدنا مشهد النشأة البشرية ؛ وقد تجمعت في المشهد كل العوالم والآفاق والعناصر - الظاهرة والخفية - التي يتعامل معها هذا الكائن منذ اللحظة الأولى.. ولقد شهدنا هذا الكائن باستعداداته الأساسية.. شهدنا تكريمه في الملأ الأعلى وإسجاد الملائكة له ؛ والبارىء العظيم يعلن ميلاده.. وشهدنا ضعفه بعد ذلك وكيف قاده منه عدوه.. وشهدنا مهبطه إلى الأرض.. وانطلاقه في التعامل مع عناصرها ونواميسها الكونية
ولقد شهدناه يهبط إلى هذه الأرض مؤمناً بربه ؛ مستغفراً لذنبه ؛ مأخوذاً عليه عهد الخلافة : أن يتبع ما يأتيه من ربه ولا يتبع الشيطان ولا الهوى، مزوداً بتلك التجربة الأولى في حياته..
ثم مضى به الزمن ؛ وتقاذفته الأمواج في الخضم ؛ وتفاعلت تلك العوامل المعقدة المتشابكة في كيانه ذاته وفي الوجود من حوله. تفاعلت في واقعه وفي ضميره. ثم ها نحن أولاء في هذا الدرس نشهد كيف صارت به هذه العوامل المعقدة المتشابكة إلى الجاهلية ! ! !
إنه ينسى.. وقد نسي.. إنه يضعف.. إنه ضعف.. وقد الشيطان يغلبه.. وقد غلبه.. ولا بد من الإنقاذ مرة أخرى ! ! !
لقد هبط إلى هذه الأرض مهتدياً تائباً موحداً.. ولكن ها نحن أولاء نلتقي به ضالاً مفترياً مشركاً ! ! ! لقد تقاذفته الأمواج في الخضم.. ولكن هنالك معلماً في طريقه.. هنالك الرسالة ترده إلى ربه. فمن رحمة ربه به أن لا يتركه وحده !
وها نحن أولاء في هذه السورة نلتقي بموكب الإيمان، يرفع أعلامه رسل الله الكرام : نوح. وهود. وصالح. ولوط. وشعيب. وموسى. ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً.. ونشهد كيف يحاول هذا الرهط الكريم - بتوجيه الله وتعليمه - إنقاذ الركب البشري من الهاوية التي يقوده إليها الشيطان، وأعوانه من شياطين الإنس المستكبرين عن الحق في كل زمان. كما نشهد مواقف الصراع بين الهدى والضلال. وبين الحق والباطل، وبين الرسل الكرام وشياطين الجن والإنس.. ثم نشهد مصارع المكذبين في نهاية كل مرحلة، ونجاة المؤمنين، بعد الإنذار والتذكير..
والقصص في القرآن لا يتبع دائماً ذلك الخط التاريخي. ولكنه في هذه السورة يتبع هذا الخط. ذلك أنه يعرض سير الركب البشري منذ النشأة الأولى، ويعرض موكب الإيمان وهو يحاول هداية هذا الركب واستنقاذه كلما ضل تماماً عن معالم الطريق، وقاده الشيطان كلية إلى المهلكة ليسلمه في نهايتها إلى الجحيم !
وفي وقفتنا أمام المشهد الكلي الرائع نلمح جملة معالم نلخصها هنا قبل مواجهة النصوص :
إن البشرية تبدأ طريقها مهتدية مؤمنة موحدة.. ثم تنحرف إلى جاهلية ضالة مشركة - بفعل العوامل المتشابكة المعقدة في تركيب الإنسان ذاته، وفي العوالم والعناصر التي يتعامل معها.. وهنا يأتيها رسول بذات الحقيقة التي كانت عليها قبل أن تضل وتشرك. فيهلك من يهلك، ويحيا من يحيا. والذين يحيون هم الذين آبوا إلى الحقيقة الإيمانية الواحدة. هم الذين علموا أن لهم إلهاً واحداً، واستسلموا بكليتهم إلى هذا الإله الواحد. هم الذين سمعوا قول رسولهم لهم :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. فهي حقيقة واحدة يقوم عليها دين الله كله، ويتعاقب بها الرسل جميعا على مدار التاريخ.. فكل رسول يجيء إنما يقول هذه الكلمة لقومه الذين اجتالهم الشيطان عنها، فنسوها وضلوا عنها، وأشركوا مع الله آلهة أخرى - على اختلاف هذه الآلهة في الجاهليات المختلفة - وعلى أساسها تدور المعركة بين الحق والباطل.. وعلى أساسها يأخذ الله المكذبين بها وينجي المؤمنين.. والسياق القرآني يوحد الألفاظ التي عبر بها جميع الرسل - صلوات الله عليهم - مع اختلاف لغاتهم.. يوحد حكاية ما قالوه، ويوحد ترجمته في نص واحد :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وذلك لتحقيق معني وحدة العقيدة السماوية - على مدار التاريخ - حتى في صورتها اللفظية ! لأن هذه العبارة دقيقة في التعبير عن حقيقة العقيدة، ولأن عرضها في السياق بذاتها يصور وحدة العقيدة تصويراً حسياً.. ولهذا كله دلالته في تقرير المنهج القرآني عن تاريخ العقيدة..
وفي ضوء هذا التقرير يتبين مدى مفارقة منهج " الأديان المقارنة " مع المنهج القرآني.. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج ولا " تطور " في مفهوم العقيدة الأساسي، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله، وأن الذين يتحدثون عن " تطور " المعتقدات وتدرجها ؛ ويدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج " والتطور " يقولونغير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة - كما نرى في القرآن الكريم - جاءت دائماً بحقيقة واحدة. وحكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره )وهذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو ( رب العالمين ).. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم.. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة، أو رب أمة، أو رب جنس.. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى إلهين اثنين أو آلهة متعددة.. وكذلك لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية، أو نجمية، أو " أرواحية ! " أو صنمية ! ولم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر.. كما يزعم من يسمونهم " علماء الأديان " وهم يستعرضون الجاهليات المختلفة، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان، دون غيرها !
لقد جاءت الرسل - رسولاً بعد رسول - بالتوحيد الخالص، وبربوبية رب العالمين ! وبالحساب في يوم الدين.. ولكن الانحرافات في خط الاعتقاد، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته وفي العوالم التي يتعامل معها.. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية.. هي هذه التي يدرسها " علماء الأديان ! " ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات وتطورها !
وعلى أية حال فهذا هو قول الله - سبحانه - وهو أحق أن يتبع، وبخاصة ممن يكتبون عن هذا الموضوع في صدد عرض العقيدة الإسلامية، أو صدد الدفاع عنها ! أما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، فهم وما هم فيه..
والله يقص الحق وهو خير الفاصلين..
إن كل رسول من الرسل - صلوات الله عليهم جميعاً - قد جاء إلى قومه، بعد انحرافهم عن التوحيد الذي تركهم عليه رسولهم الذي سبقه.. فبنو آدم الأوائل نشأوا موحدين لرب العالمين - كما كانت عقيدة آدم وزوجه - ثم انحرفوا بفعل العوامل التي أسلفنا - حتى إذا جاء نوح - عليه السلام - دعاهم إلى توحيد رب العالمين مرة أخرى. ثم جاء الطوفان فهلك المكذبون ونجا المؤمنون. وعمرت الأرض بهؤلاء الموحدين لرب العالمين - كما علمهم نوح - وبذراريهم. حتى إذا طال عليهم الأمد انحرفوا إلى الجاهلية كما انحرف من كان قبلهم.. حتى إذا جاء هود أهلك المكذبون بالريح العقيم.. ثم تكررت القصة.. وهكذا..
ولقد أرسل كل رسول من هؤلاء إلى قومه. فقال :( يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ).. وقال كل رسول لقومه : إني لكم ناصح أمين، معبراً عن ثقل التبعة ؛ وخطورة ما يعلمه من عاقبة ما هم فيه من الجاهلية في الدنيا والآخرة ؛ ورغبته في هداية قومه، وهو منهم وهم منه.. وفي كل مرة وقف " الملأ " من عليه القوم وكبرائهم في وجه كلمة الحق هذه ؛ ورفضوا الاستسلام لله رب العالمين. وأبوا أن تكون العبودية والدينونة لله وحده - وهي القضية التي قامت عليها الرسالات كلها وقام عليها دين الله كله - وهنا يصدع كل رسول بالحق في وجه الطاغوت.. ثم ينقسم قومه إلى أمتين متفاصلتين على أساس العقيدة. وتنبتٌ وشيجة القومية ووشيجة القرابة العائلية ؛ لتقوم وشيجة العقيدة وحدها. وإذا " القوم " الواحد، أمتان متفاصلتان لا قربى بينهما ولا علاقة !.. وعندئذ يجيء الفتح.. ويفصل الله بين الأمة المهتدية والأمة الضالة، ويأخذ المكذبين المستكبرين، وينجي الطائعين المستسلمين.. وما جرت سنة الله قط بفتح ولا فصل قبل أن ينقسم القوم الواحد إلى أمتين على أساس العقيدة، وقبل أن يجهر أصحاب العقيدة بعبوديتهم لله وحده. وقبل أن يثبتوا في وجه الطاغوت بإيمانهم. وقبل أن يعلنوا مفاصلتهم لقومهم.. وهذا ما يشهد به تاريخ دعوة الله على مدار التاريخ.
إن التركيز في كل رسالة كان على أمر واحد : هوتعبيد الناس كلهم لربهم وحده - رب العالمين - ذلك أن هذه العبودية لله الواحد، ونزع السلطان كله من الطواغيت التي تدعيه، هو القاعدة التي لا يقوم شيء صالح بدونها في حياة البشر.
ويطوي صفحتهم مشيعة بالتبكيت والإهمال، والمفارقة والانفصال، من رسولهم الذي كان أخاهم، ثم افترق طريقه عن طريقهم، فافترق مصيره عن مصيرهم، حتى لم يعد يأسى على مصيرهم الأليم، وعلى ضيعتهم في الغابرين :
( فتولى عنهم، وقال : يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فكيف آسى على قوم كافرين ؟ ).
إنه من ملة وهم من ملة. فهو أمة وهم أمة. أما صلة الأنساب والأقوام، فلا اعتبار لها في هذا الدين، ولا وزن لها في ميزان اللّه.. فالوشيجة الباقية هي وشيجة هذا الدين، والارتباط بين الناس إنما يكون في حبل اللّه المتين..
انتهى الجزء الثامن ويليه الجزء التاسع مبدوءاً بقوله تعالى :( قال الملأ الذين استكبروا )
هذه وقفة في سياق السورة للتعقيب على ما مضى من قصص قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب.. وقفة لبيان سنة الله التي جرت بها مشيئته وحققها قدره بالمكذبين في كل قرية - والقرية هي المدينة الكبيرة أو الحاضرة المركزية - -وهي سنة واحدة يأخذ الله بها المكذبين ؛ ويتشكل بها تاريخ الإنسان في جانب منه أصيل.. أن يأخذ الله المكذبين بالبأساء والضراء ؛ لعل قلوبهم ترق وتلين وتتجه إلى الله، وتعرف حقيقة ألوهيته وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية القاهرة. فإذا لم يستجيبوا أخذهم بالنعماء والسراء، وفتح عليهم الأبواب، وتركهم ينمون ويكثرون ويستمتعون.. كل ذلك للابتلاء.. حتى إذا انتهى بهم اليسر والعافية إلى الاستهتار والترخص، وإلى الغفلة وقلة المبالاة، وحسبوا أن الأمور تمضي جزافاً بلا قصد ولا غاية، وأن السراء تعقب الضراء من غير حكمة ولا ابتلاء، وأنه إنما أصابهم ما أصاب آباءهم من قبل لأن الأمور تمضي هكذا بلا تدبير :( وقالوا : قد مس آباءنا الضراء والسراء ) ! أخذهم الله بغتة، وهم سادرون في هذه الغفلة. لم يدركوا حكمة الله في الابتلاء بالضراء والسراء، ولم يتدبروا حكمته في تقلب الأمور بالعباد، ولم يتقوا غضبه على المستهترين الغافلين، وعاشوا كالأنعام بل أضل حتى جاءهم بأس الله.. ولو أنهم آمنوا بالله واتقوه لتبدلت الحال، ولحلت عليهم البركات، ولأفاض الله عليهم من رزقه في السماء والأرض، ولأنعم عليهم نعيمه المبارك الذي تطمئن به الحياة، ولا يعقبه النكال والبوار..
ثم يحذر الله الذين يرثون الأرض من بعد أهلها.. يحذرهم الغفلة والغرة، ويدعوهم إلى اليقظة والتقوى، ويلفتهم إلى العبرة في مصارع الغابرين الذين ورثوا هم الأرض من بعدهم، فإنما تنتظرهم سنة الله التي لا تتبدل، والتي يتكيف بها تاريخ البشر على مدارج القرون.
وتنتهي الوقفة بتوجيه الخطاب إلى الرسول [ ص ] :( تلك القرى نقص عليك من أنبائها.. ) لإظهاره على سنة الله فيها، وعلى حقيقة هذه القرى وأهلها :( وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ).. فهذا الرسول الأخير وأمته هم الوارثون لحصيلة رسالة الله كلها، وهم الذين يفيدون من أنبائها وعظاتها..
هذه وقفة في سياق السورة للتعقيب على ما مضى من قصص قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب.. وقفة لبيان سنة الله التي جرت بها مشيئته وحققها قدره بالمكذبين في كل قرية - والقرية هي المدينة الكبيرة أو الحاضرة المركزية - -وهي سنة واحدة يأخذ الله بها المكذبين ؛ ويتشكل بها تاريخ الإنسان في جانب منه أصيل.. أن يأخذ الله المكذبين بالبأساء والضراء ؛ لعل قلوبهم ترق وتلين وتتجه إلى الله، وتعرف حقيقة ألوهيته وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية القاهرة. فإذا لم يستجيبوا أخذهم بالنعماء والسراء، وفتح عليهم الأبواب، وتركهم ينمون ويكثرون ويستمتعون.. كل ذلك للابتلاء.. حتى إذا انتهى بهم اليسر والعافية إلى الاستهتار والترخص، وإلى الغفلة وقلة المبالاة، وحسبوا أن الأمور تمضي جزافاً بلا قصد ولا غاية، وأن السراء تعقب الضراء من غير حكمة ولا ابتلاء، وأنه إنما أصابهم ما أصاب آباءهم من قبل لأن الأمور تمضي هكذا بلا تدبير :( وقالوا : قد مس آباءنا الضراء والسراء ) ! أخذهم الله بغتة، وهم سادرون في هذه الغفلة. لم يدركوا حكمة الله في الابتلاء بالضراء والسراء، ولم يتدبروا حكمته في تقلب الأمور بالعباد، ولم يتقوا غضبه على المستهترين الغافلين، وعاشوا كالأنعام بل أضل حتى جاءهم بأس الله.. ولو أنهم آمنوا بالله واتقوه لتبدلت الحال، ولحلت عليهم البركات، ولأفاض الله عليهم من رزقه في السماء والأرض، ولأنعم عليهم نعيمه المبارك الذي تطمئن به الحياة، ولا يعقبه النكال والبوار..
ثم يحذر الله الذين يرثون الأرض من بعد أهلها.. يحذرهم الغفلة والغرة، ويدعوهم إلى اليقظة والتقوى، ويلفتهم إلى العبرة في مصارع الغابرين الذين ورثوا هم الأرض من بعدهم، فإنما تنتظرهم سنة الله التي لا تتبدل، والتي يتكيف بها تاريخ البشر على مدارج القرون.
وتنتهي الوقفة بتوجيه الخطاب إلى الرسول [ ص ] :( تلك القرى نقص عليك من أنبائها.. ) لإظهاره على سنة الله فيها، وعلى حقيقة هذه القرى وأهلها :( وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ).. فهذا الرسول الأخير وأمته هم الوارثون لحصيلة رسالة الله كلها، وهم الذين يفيدون من أنبائها وعظاتها..
( ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة )..
فإذا الرخاء مكان الشدة، واليسر مكان العسر، والنعمة مكان الشظف، والعافية مكان الضر، والذرية مكان العقر، والكثرة مكان القلة، والأمن مكان الخوف. وإذا هو متاع ورخاء، وهينة ونعماء، وكثرة وامتلاء.. وإنما هو في الحقيقة اختبار وابتلاء..
والابتلاء بالشدة قد يصبر عليه الكثيرون، ويحتمل مشقاته الكثيرون. فالشدة تستثير عناصر المقاومة. وقد تذكر صاحبها بالله - إن كان فيه خير - فيتجه إليه ويتضرع بين يديه، ويجد في ظله طمأنينة، وفي رحابه فسحة، وفي فرجه أملاً، وفي وعده بشرى.. فأما الابتلاء بالرخاء فالذين يصبرون عليه قليلون. فالرخاء ينسي، والمتاع يلهي، والثراء يطغي. فلا يصبر عليه إلا الأقلون من عباد الله.
( ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا، وقالوا : قد مس آباءنا الضراء والسراء )..
أي حتى كثروا وانتشروا، واستسهلوا العيش، واستيسروا الحياة : ولم يعودوا يجدون في أنفسهم تحرجاً من شيء يعملونه، ولا تخوفاً من أمر يصنعونه.. والتعبير :( عفوا )- إلى جانب دلالته على الكثرة - يوحي بحالة نفسية خاصة : حالة قلة المبالاة. حالة الاستخفاف والاستهتار. حالة استسهال كل أمر، واتباع عفو الخاطر في الشعور والسلوك سواء.. وهي حالة مشاهدة في أهل الرخاء واليسار والنعمة، حين يطول بهم العهد في اليسار والنعمة والرخاء - أفراداً وأمماً - كأن حساسية نفوسهم قد ترهلت فلم تعد تحفل شيئاً، أو تحسب حساباً لشيء. فهم ينفقون في يسر ويلتذون في يسر، ويلهون في يسر، ويبطشون كذلك في استهتار ! ويقترفون كل كبيرة تقشعر لها الأبدان ويرتعش لها الوجدان، في يسر واطمئنان ! وهم لا يتقون غضب الله، ولا لوم الناس، فكل شيء يصدر منهم عفواً بلا تحرج ولا مبالاة. وهم لا يفطنون لسنة الله في الكون، ولا يتدبرون اختباراته وابتلاءاته للناس. ومن ثم يحسبونها تمضي هكذا جزافاً، بلا سبب معلوم، وبلا قصد مرسوم :
( وقالوا : قد مس آباءنا الضراء والسراء )..
وقد أخذنا دورنا في الضراء وجاء دورنا في السراء ! وها هي ذي ماضية بلا عاقبة، فهي تمضي هكذا خبط عشواء !
عندئذ.. وفي ساعة الغفلة السادرة، وثمرة للنسيان واللهو والطغيان، تجيء العاقبة وفق السنة الجارية :( فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون )..
جزاء بما نسوا واغتروا وبعدوا عن الله ؛ وأطلقوا لشهواتهم العنان، فما عادوا يتحرجون من فعل، وما عادت التقوى تخطر لهم ببال !
هذه وقفة في سياق السورة للتعقيب على ما مضى من قصص قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب.. وقفة لبيان سنة الله التي جرت بها مشيئته وحققها قدره بالمكذبين في كل قرية - والقرية هي المدينة الكبيرة أو الحاضرة المركزية - -وهي سنة واحدة يأخذ الله بها المكذبين ؛ ويتشكل بها تاريخ الإنسان في جانب منه أصيل.. أن يأخذ الله المكذبين بالبأساء والضراء ؛ لعل قلوبهم ترق وتلين وتتجه إلى الله، وتعرف حقيقة ألوهيته وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية القاهرة. فإذا لم يستجيبوا أخذهم بالنعماء والسراء، وفتح عليهم الأبواب، وتركهم ينمون ويكثرون ويستمتعون.. كل ذلك للابتلاء.. حتى إذا انتهى بهم اليسر والعافية إلى الاستهتار والترخص، وإلى الغفلة وقلة المبالاة، وحسبوا أن الأمور تمضي جزافاً بلا قصد ولا غاية، وأن السراء تعقب الضراء من غير حكمة ولا ابتلاء، وأنه إنما أصابهم ما أصاب آباءهم من قبل لأن الأمور تمضي هكذا بلا تدبير :( وقالوا : قد مس آباءنا الضراء والسراء ) ! أخذهم الله بغتة، وهم سادرون في هذه الغفلة. لم يدركوا حكمة الله في الابتلاء بالضراء والسراء، ولم يتدبروا حكمته في تقلب الأمور بالعباد، ولم يتقوا غضبه على المستهترين الغافلين، وعاشوا كالأنعام بل أضل حتى جاءهم بأس الله.. ولو أنهم آمنوا بالله واتقوه لتبدلت الحال، ولحلت عليهم البركات، ولأفاض الله عليهم من رزقه في السماء والأرض، ولأنعم عليهم نعيمه المبارك الذي تطمئن به الحياة، ولا يعقبه النكال والبوار..
ثم يحذر الله الذين يرثون الأرض من بعد أهلها.. يحذرهم الغفلة والغرة، ويدعوهم إلى اليقظة والتقوى، ويلفتهم إلى العبرة في مصارع الغابرين الذين ورثوا هم الأرض من بعدهم، فإنما تنتظرهم سنة الله التي لا تتبدل، والتي يتكيف بها تاريخ البشر على مدارج القرون.
وتنتهي الوقفة بتوجيه الخطاب إلى الرسول [ ص ] :( تلك القرى نقص عليك من أنبائها.. ) لإظهاره على سنة الله فيها، وعلى حقيقة هذه القرى وأهلها :( وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ).. فهذا الرسول الأخير وأمته هم الوارثون لحصيلة رسالة الله كلها، وهم الذين يفيدون من أنبائها وعظاتها..
هكذا تمضي سنة الله أبداً. وفق مشيئته في عباده. وهكذا يتحرك التاريخ الإنساني بإرادة الإنسان وعمله - في إطار سنة الله ومشيئته - وها هو ذا القرآن الكريم يكشف للناس عن السنة ؛ ويحذرهم الفتنة.. فتنة الاختبار والابتلاء بالضراء والسراء.. وينبه فيهم دواعي الحرص واليقظة، واتقاء العاقبة التي لا تتخلف، جزاء وفاقاً على اتجاههم وكسبهم. فمن لم يتيقظ، ومن لم يتحرج، ومن لم يتق، فهو الذي يظلم نفسه، ويعرضها لبأس الله الذي لا يرد. ولن تظلم نفس شيئاً.
( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فاخذناهم بما كانوا يكسبون )..
فذلك هو الطرف الآخر لسنة الله الجارية. فلو أن أهل القرى آمنوا بدل التكذيب، واتقوا بدل الاستهتار ؛ لفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض.. هكذا.. ( بركات من السماء والأرض ) مفتوحة بلا حساب. من فوقهم ومن تحت أرجلهم. والتعبير القرآني بعمومه وشموله يلقي ظلال الفيض الغامر، الذي لا يتخصص بما يعهده البشر من الأرزاق والأقوات..
وأمام هذا النص - والنص الذي قبله - نقف أمام حقيقة من حقائق العقيدة وحقائق الحياة البشرية والكونية سواء. وأمام عامل من العوامل المؤثرة في تاريخ الإنسان، تغفل عنه المذاهب الوضعية وتغفله كل الإغفال. بل تنكره كل الإنكار !..
إن العقيدة الإيمانية في الله، وتقواه، ليست مسألة منعزلة عن واقع الحياة، وعن خط تاريخ الإنسان. إن الإيمان بالله، وتقواه، ليؤهلان لفيض من بركات السماء والأرض. وعدا من الله. ومن أوفى بعهده من الله ؟
ونحن - المؤمنين بالله - نتلقى هذا الوعد بقلب المؤمن، فنصدقه ابتداء، لا نسأل عن علله وأسبابه ؛ ولا نتردد لحظة في توقع مدلوله.. نحن نؤمن بالله - بالغيب - ونصدق بوعده بمقتضى هذا الإيمان..
ثم ننظر إلى وعد الله نظرة التدبر - كما يأمرنا إيماننا كذلك - فنجد علته وسببه !
إن إلايمان بالله دليل على حيوية في الفطرة ؛ وسلامة في أجهزة الاستقبال الفطرية ؛ وصدق في الإدراك الإنساني، وحيوية في البنية البشرية، ورحابة في مجال الإحساس بحقائق الوجود.. وهذه كلها من مؤهلات النجاح في الحياة الواقعية.
والإيمان بالله قوة دافعة دافقة، تجمع جوانب الكينونة البشرية كلها، وتتجه بها إلى وجهة واحدة، وتطلقها تستمد من قوة الله، وتعمل لتحقيق مشيئته في خلافة الأرض وعمارتها، وفي دفع الفساد والفتنة عنها، وفي ترقية الحياة ونمائها.. وهذه كذلك من مؤهلات النجاح في الحياة الواقعية.
والإيمان بالله تحرر من العبودية للهوى ومن العبودية للعبيد. وما من شك أن الإنسان المتحرر بالعبودية لله، أقدر على الخلافة في الأرض خلافة راشدة صاعدة. من العبيد للهوى ولبعضهم بعضاً !
وتقوى الله يقظة واعية تصون من الاندفاع والتهور والشطط والغرور، في دفعة الحركة ودفعة الحياة.. وتوجه الجهد البشري في حذر وتحرج، فلا يعتدي، ولا يتهور، ولا يتجاوز حدود النشاط الصالح.
وحين تسير الحياة متناسقة بين الدوافع والكوابح، عاملة في الأرض، متطلعة إلى السماء، متحررة من الهوى والطغيان البشري، عابدة خاشعة لله.. تسير سيرة صالحة منتجة تستحق مدد الله بعد رضاه. فلا جرم تحفها البركة، ويعمها الخير، ويظلها الفلاح.. - والمسألة - من هذا الجانب - مسألة واقع منظور - إلى جانب لطف الله المستور - واقع له علله وأسبابه الظاهرة، إلى جانب قدر الله الغيبي الموعود..
والبركات التي يعد الله بها الذين يؤمنون ويتقون، في توكيد ويقين، ألوان شتى لا يفصلها النص ولا يحددها. وإيحاء النص القرآني يصور الفيض الهابط من كل مكان، النابع من كل مكان، بلا تحديد ولا تفصيل ولا بيان. فهي البركات بكل أنواعها وألوانها، وبكل صورها وأشكالها، ما يعهده الناس وما يتخيلونه، وما لم يتهيأ لهم في واقع ولا خيال !
والذين يتصورون الإيمان بالله وتقواه مسألة تعبدية بحتة، لا صلة لها بواقع الناس في الأرض، لا يعرفون الإيمان ولا يعرفون الحياة ! وما أجدرهم أن ينظروا هذه الصلة قائمة يشهد بها الله - سبحانه - وكفى بالله شهيداً. ويحققها النظر بأسبابها التي يعرفها الناس :
( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض. ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون )..
ولقد ينظر بعض الناس فيرى أمماً - يقولون : إنهم مسلمون - مضيقاً عليهم في الرزق، لا يجدون إلا الجدب والمحق !.. ويرى أمماً لا يؤمنون ولا يتقون، مفتوحاً عليهم في الرزق والقوة والنفوذ.. فيتساءل : وأين إذن هي السنة التي لا تتخلف ؟
ولكن هذا وذلك وهم تخيله ظواهر الأحوال !
إن اولئك الذين يقولون : إنهم مسلمون.. لا مؤمنون ولا متقون ! إنهم لا يخلصون عبوديتهم لله، ولا يحققون في واقعهم شهادة أن لا إله إلا الله ! إنهم يسلمون رقابهم لعبيد منهم، يتألهون عليهم، ويشرعون لهم - سواء القوانين أو القيم والتقاليد - وما أولئك بالمؤمنين.. فالمؤمن لا يدع عبداً من العبيد يتأله عليه، ولا يجعل عبداً من العبيد ربه الذي يصرف حياته بشرعه وأمره.. ويوم كان أسلاف هؤلاء الذين يزعمون الإيمان مسلمين حقاً. دانت لهم الدنيا، وفاضت عليهم بركات من السماء والأرض، وتحقق لهم وعد الله.
فأما أولئك المفتوح عليهم في الرزق.. فهذه هي السنة :( ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا، وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء ) ! فهو الابتلاء بالنعمة الذي مر ذكره. وهو أخطر من الابتلاء بالشدة.. وفرق بينه وبين البركات التي يعدها الله من يؤمنون ويتقون. فالبركة قد تكون مع القليل إذا أحسن الانتفاع به، وكان معه الصلاح والأمن والرضى والارتياح.. وكم من أمة غنية قوية ولكنها تعيش في شقوة، مهددة في أمنها، مقطعة الأواصر بينها، يسود الناس فيها القلق وينتظرها الانحلال. فهي قوة بلا أمن. وهو متاع بلا رضى. وهي وفرة بلا صلاح. وهو حاضر زاه يترقبه مستقبل نكد. وهو الابتلاء الذي يعقبه النكال..
إن البركات الحاصلة مع الإيمان والتقوى، بركات في الأشياء، وبركات في النفوس، وبركات في المشاعر، وبركات في طيبات الحياة.. بركات تنمي الحياة وترفعها في آن. وليست مجرد وفرة مع الشقوة والتردي والانحلال.
آية رقم ٩٧
هذه وقفة في سياق السورة للتعقيب على ما مضى من قصص قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب.. وقفة لبيان سنة الله التي جرت بها مشيئته وحققها قدره بالمكذبين في كل قرية - والقرية هي المدينة الكبيرة أو الحاضرة المركزية - -وهي سنة واحدة يأخذ الله بها المكذبين ؛ ويتشكل بها تاريخ الإنسان في جانب منه أصيل.. أن يأخذ الله المكذبين بالبأساء والضراء ؛ لعل قلوبهم ترق وتلين وتتجه إلى الله، وتعرف حقيقة ألوهيته وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية القاهرة. فإذا لم يستجيبوا أخذهم بالنعماء والسراء، وفتح عليهم الأبواب، وتركهم ينمون ويكثرون ويستمتعون.. كل ذلك للابتلاء.. حتى إذا انتهى بهم اليسر والعافية إلى الاستهتار والترخص، وإلى الغفلة وقلة المبالاة، وحسبوا أن الأمور تمضي جزافاً بلا قصد ولا غاية، وأن السراء تعقب الضراء من غير حكمة ولا ابتلاء، وأنه إنما أصابهم ما أصاب آباءهم من قبل لأن الأمور تمضي هكذا بلا تدبير :( وقالوا : قد مس آباءنا الضراء والسراء ) ! أخذهم الله بغتة، وهم سادرون في هذه الغفلة. لم يدركوا حكمة الله في الابتلاء بالضراء والسراء، ولم يتدبروا حكمته في تقلب الأمور بالعباد، ولم يتقوا غضبه على المستهترين الغافلين، وعاشوا كالأنعام بل أضل حتى جاءهم بأس الله.. ولو أنهم آمنوا بالله واتقوه لتبدلت الحال، ولحلت عليهم البركات، ولأفاض الله عليهم من رزقه في السماء والأرض، ولأنعم عليهم نعيمه المبارك الذي تطمئن به الحياة، ولا يعقبه النكال والبوار..
ثم يحذر الله الذين يرثون الأرض من بعد أهلها.. يحذرهم الغفلة والغرة، ويدعوهم إلى اليقظة والتقوى، ويلفتهم إلى العبرة في مصارع الغابرين الذين ورثوا هم الأرض من بعدهم، فإنما تنتظرهم سنة الله التي لا تتبدل، والتي يتكيف بها تاريخ البشر على مدارج القرون.
وتنتهي الوقفة بتوجيه الخطاب إلى الرسول [ ص ] :( تلك القرى نقص عليك من أنبائها.. ) لإظهاره على سنة الله فيها، وعلى حقيقة هذه القرى وأهلها :( وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ).. فهذا الرسول الأخير وأمته هم الوارثون لحصيلة رسالة الله كلها، وهم الذين يفيدون من أنبائها وعظاتها..
وبعد أن يقرر السياق القرآني تلك السنة الجارية. التي يشهد بها تاريخ القرى الخالية. وفي اللحظة التي تنتفض فيها المشاعر، ويرتعش فيها الوجدان، على مصارع المكذبين الذين لم يؤمنوا ولم يتقوا ؛ وغرهم ما كانوا فيه من رخاء ونعماء، فغفلوا عن حكمة الله في الابتلاء.. في هذه اللحظة يتجه إلى الغافلين السادرين، يوقظ فيهم مشاعر الترقب أن يأتيهم بأس الله في أية لحظة من ليل أو نهار، وهم سادرون في النوم واللهو والمتاع :
( أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون ؟ أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ؟ أفأمنوا مكر الله ؟ فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم، ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون )..
أفأمن أهل القرى - وتلك سنة الله في الابتلاء بالضراء والسراء، والبأساء والنعماء، وتلك مصارع المكذبين السادرين، الذين كانوا قبلهم يعمرون هذه القرى ثم تركوها فخلفوهم فيها - أفأمنوا أن يأتيهم بأس الله في غفلة من غفلاتهم، وغرة من غراتهم ؟ أفأمنوا أن يأتيهم بأس الله بالهلاك والدمار.. بياتاً وهم نائمون.. والإنسان في نومه مسلوب الإرادة، مسلوب القوة، لا يملك أن يحتاط ولا يملك أن يدفع عادية من حشرة صغيرة.. فكيف ببأس الله الجبار ؟ الذي لا يقف له الإنسان في أشد ساعات صحوه واحتياطه وقوته ؟
آية رقم ٩٨
هذه وقفة في سياق السورة للتعقيب على ما مضى من قصص قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب.. وقفة لبيان سنة الله التي جرت بها مشيئته وحققها قدره بالمكذبين في كل قرية - والقرية هي المدينة الكبيرة أو الحاضرة المركزية - -وهي سنة واحدة يأخذ الله بها المكذبين ؛ ويتشكل بها تاريخ الإنسان في جانب منه أصيل.. أن يأخذ الله المكذبين بالبأساء والضراء ؛ لعل قلوبهم ترق وتلين وتتجه إلى الله، وتعرف حقيقة ألوهيته وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية القاهرة. فإذا لم يستجيبوا أخذهم بالنعماء والسراء، وفتح عليهم الأبواب، وتركهم ينمون ويكثرون ويستمتعون.. كل ذلك للابتلاء.. حتى إذا انتهى بهم اليسر والعافية إلى الاستهتار والترخص، وإلى الغفلة وقلة المبالاة، وحسبوا أن الأمور تمضي جزافاً بلا قصد ولا غاية، وأن السراء تعقب الضراء من غير حكمة ولا ابتلاء، وأنه إنما أصابهم ما أصاب آباءهم من قبل لأن الأمور تمضي هكذا بلا تدبير :( وقالوا : قد مس آباءنا الضراء والسراء ) ! أخذهم الله بغتة، وهم سادرون في هذه الغفلة. لم يدركوا حكمة الله في الابتلاء بالضراء والسراء، ولم يتدبروا حكمته في تقلب الأمور بالعباد، ولم يتقوا غضبه على المستهترين الغافلين، وعاشوا كالأنعام بل أضل حتى جاءهم بأس الله.. ولو أنهم آمنوا بالله واتقوه لتبدلت الحال، ولحلت عليهم البركات، ولأفاض الله عليهم من رزقه في السماء والأرض، ولأنعم عليهم نعيمه المبارك الذي تطمئن به الحياة، ولا يعقبه النكال والبوار..
ثم يحذر الله الذين يرثون الأرض من بعد أهلها.. يحذرهم الغفلة والغرة، ويدعوهم إلى اليقظة والتقوى، ويلفتهم إلى العبرة في مصارع الغابرين الذين ورثوا هم الأرض من بعدهم، فإنما تنتظرهم سنة الله التي لا تتبدل، والتي يتكيف بها تاريخ البشر على مدارج القرون.
وتنتهي الوقفة بتوجيه الخطاب إلى الرسول [ ص ] :( تلك القرى نقص عليك من أنبائها.. ) لإظهاره على سنة الله فيها، وعلى حقيقة هذه القرى وأهلها :( وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ).. فهذا الرسول الأخير وأمته هم الوارثون لحصيلة رسالة الله كلها، وهم الذين يفيدون من أنبائها وعظاتها..
( أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ )
أفأمنوا أن ياتيهم بأس الله.. ضحى وهم يلعبون.. واللعب يستغرق اليقظة والتحفز، ويلهي عن الأهبة والاحتياط : فلا يملك الإنسان، وهو غار في لعبه، أن يدفع عن نفسه مغيراً. فكيف بغارة الله التي لا يقف لها الإنسان وهو في اشد ساعات جده وتأهبه للدفاع ؟
وإن بأس الله لأشد من أن يقفوا له نائمين أم صاحين. لاعبين أم جادين. ولكن السياق القرآني يعرض لحظات الضعف الإنساني، ليلمس الوجدان البشري بقوة، ويثير حذره وانتباهه، حين يترقب الغارة الطامة الغامرة، في لحظة من لحظات الضعف والغرة والفجاءة. وما هو بناج في يقظة أو غرة. فهذه كتلك أمام بأس الله سواء !
هذه وقفة في سياق السورة للتعقيب على ما مضى من قصص قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب.. وقفة لبيان سنة الله التي جرت بها مشيئته وحققها قدره بالمكذبين في كل قرية - والقرية هي المدينة الكبيرة أو الحاضرة المركزية - -وهي سنة واحدة يأخذ الله بها المكذبين ؛ ويتشكل بها تاريخ الإنسان في جانب منه أصيل.. أن يأخذ الله المكذبين بالبأساء والضراء ؛ لعل قلوبهم ترق وتلين وتتجه إلى الله، وتعرف حقيقة ألوهيته وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية القاهرة. فإذا لم يستجيبوا أخذهم بالنعماء والسراء، وفتح عليهم الأبواب، وتركهم ينمون ويكثرون ويستمتعون.. كل ذلك للابتلاء.. حتى إذا انتهى بهم اليسر والعافية إلى الاستهتار والترخص، وإلى الغفلة وقلة المبالاة، وحسبوا أن الأمور تمضي جزافاً بلا قصد ولا غاية، وأن السراء تعقب الضراء من غير حكمة ولا ابتلاء، وأنه إنما أصابهم ما أصاب آباءهم من قبل لأن الأمور تمضي هكذا بلا تدبير :( وقالوا : قد مس آباءنا الضراء والسراء ) ! أخذهم الله بغتة، وهم سادرون في هذه الغفلة. لم يدركوا حكمة الله في الابتلاء بالضراء والسراء، ولم يتدبروا حكمته في تقلب الأمور بالعباد، ولم يتقوا غضبه على المستهترين الغافلين، وعاشوا كالأنعام بل أضل حتى جاءهم بأس الله.. ولو أنهم آمنوا بالله واتقوه لتبدلت الحال، ولحلت عليهم البركات، ولأفاض الله عليهم من رزقه في السماء والأرض، ولأنعم عليهم نعيمه المبارك الذي تطمئن به الحياة، ولا يعقبه النكال والبوار..
ثم يحذر الله الذين يرثون الأرض من بعد أهلها.. يحذرهم الغفلة والغرة، ويدعوهم إلى اليقظة والتقوى، ويلفتهم إلى العبرة في مصارع الغابرين الذين ورثوا هم الأرض من بعدهم، فإنما تنتظرهم سنة الله التي لا تتبدل، والتي يتكيف بها تاريخ البشر على مدارج القرون.
وتنتهي الوقفة بتوجيه الخطاب إلى الرسول [ ص ] :( تلك القرى نقص عليك من أنبائها.. ) لإظهاره على سنة الله فيها، وعلى حقيقة هذه القرى وأهلها :( وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ).. فهذا الرسول الأخير وأمته هم الوارثون لحصيلة رسالة الله كلها، وهم الذين يفيدون من أنبائها وعظاتها..
( أفأمنوا مكر الله ؟ ).
وتدبيره الخفي المغيب على البشر.. ليتقوه ويحذروه..
( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون )..
فما وراء الأمن والغفلة والاستهتار إلا الخسار. وما يغفل عن مكر الله هكذا إلا الذين يستحقون هذا الخسار ! أفأمنوا مكر الله ؛ وهم يرثون الأرض من بعد أهلها الذاهبين، الذين هلكوا بذنوبهم، وجنت عليهم غفلتهم ؟ أما كانت مصارع الغابرين تهديهم وتنير لهم طريقهم ؟
هذه وقفة في سياق السورة للتعقيب على ما مضى من قصص قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب.. وقفة لبيان سنة الله التي جرت بها مشيئته وحققها قدره بالمكذبين في كل قرية - والقرية هي المدينة الكبيرة أو الحاضرة المركزية - -وهي سنة واحدة يأخذ الله بها المكذبين ؛ ويتشكل بها تاريخ الإنسان في جانب منه أصيل.. أن يأخذ الله المكذبين بالبأساء والضراء ؛ لعل قلوبهم ترق وتلين وتتجه إلى الله، وتعرف حقيقة ألوهيته وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية القاهرة. فإذا لم يستجيبوا أخذهم بالنعماء والسراء، وفتح عليهم الأبواب، وتركهم ينمون ويكثرون ويستمتعون.. كل ذلك للابتلاء.. حتى إذا انتهى بهم اليسر والعافية إلى الاستهتار والترخص، وإلى الغفلة وقلة المبالاة، وحسبوا أن الأمور تمضي جزافاً بلا قصد ولا غاية، وأن السراء تعقب الضراء من غير حكمة ولا ابتلاء، وأنه إنما أصابهم ما أصاب آباءهم من قبل لأن الأمور تمضي هكذا بلا تدبير :( وقالوا : قد مس آباءنا الضراء والسراء ) ! أخذهم الله بغتة، وهم سادرون في هذه الغفلة. لم يدركوا حكمة الله في الابتلاء بالضراء والسراء، ولم يتدبروا حكمته في تقلب الأمور بالعباد، ولم يتقوا غضبه على المستهترين الغافلين، وعاشوا كالأنعام بل أضل حتى جاءهم بأس الله.. ولو أنهم آمنوا بالله واتقوه لتبدلت الحال، ولحلت عليهم البركات، ولأفاض الله عليهم من رزقه في السماء والأرض، ولأنعم عليهم نعيمه المبارك الذي تطمئن به الحياة، ولا يعقبه النكال والبوار..
ثم يحذر الله الذين يرثون الأرض من بعد أهلها.. يحذرهم الغفلة والغرة، ويدعوهم إلى اليقظة والتقوى، ويلفتهم إلى العبرة في مصارع الغابرين الذين ورثوا هم الأرض من بعدهم، فإنما تنتظرهم سنة الله التي لا تتبدل، والتي يتكيف بها تاريخ البشر على مدارج القرون.
وتنتهي الوقفة بتوجيه الخطاب إلى الرسول [ ص ] :( تلك القرى نقص عليك من أنبائها.. ) لإظهاره على سنة الله فيها، وعلى حقيقة هذه القرى وأهلها :( وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ).. فهذا الرسول الأخير وأمته هم الوارثون لحصيلة رسالة الله كلها، وهم الذين يفيدون من أنبائها وعظاتها..
( أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم، ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون )..
إن سنة الله لا تتخلف ؛ ومشيئة الله لا تتوقف. فما الذي يؤمنهم أن يأخذهم الله بذنوبهم كما أخذ من قبلهم ؟
وأن يطبع على قلوبهم فلا يهتدوا بعد ذلك، بل لا يستمعوا إلى دلائل الهدى، ثم ينالهم جزاء الضلال في الدنيا والآخرة.. ألا إن مصارع الخالين قبلهم، ووراثتهم لهم، وسنة الله الجارية.. كل أولئك كان نذيراً لهم أن يتقوا ويحذروا ؛ وأن يطرحوا عنهم الأمن الكاذب، والاستهتار السادر، والغفلة المردية، وأن يعتبروا بما كان في الذين خلوا من قبلهم. عسى ألا يكون فيهم. لو كانوا يسمعون !
وما يريد الله للناس بهذا التحذير في القرآن أن يعيشوا مفزعين قلقين ؛ يرتجفون من الهلاك والدمار أن يأخذهم في لحظة من ليل أو نهار. فالفزع الدائم من المجهول، والقلق الدائم من المستقبل، وتوقع الدمار في كل لحظة.. قد تشل طاقة البشر وتشتتها ؛ وقد تنتهي بهم إلى اليأس من العمل والنتاج وتنمية الحياة وعمارة الأرض.. إنما يريد الله منهم اليقظة والحساسية والتقوى، ومراقبة النفس، والعظة بتجارب البشر، ورؤية محركات التاريخ الإنساني، وإدامة الاتصال بالله، وعدم الاغترار بطراءة العيش ورخاء الحياة.
والله يعد الناس الأمن والطمأنينة والرضوان والفلاح في الدنيا والآخرة، إذا هم أرهفوا حساسيتهم به، وإذا هم أخلصوا العبودية له ؛ وإذا هم اتقوه فاتقوا كل ما يلوث الحياة. فهو يدعوهم إلى الأمن في جوار الله لا في جوار النعيم المادي المغري. وإلى الثقة بقوة الله لا بقوتهم المادية الزائلة. وإلى الركون إلى ما عند الله لا إلى ما يملكون من عرض الحياة.
ولقد سلف من المؤمنين بالله المتقين لله سلف ما كان يأمن مكر الله. وما كان يركن إلى سواه. وكان بهذا وذاك عامر القلب بالإيمان، مطمئناً بذكر الله، قوياً على الشيطان وعلى هواه، مصلحاً في الأرض بهدى الله، لا يخشى الناس والله أحق أن يخشاه.
وهكذا ينبغي أن نفهم ذلك التخويف الدائم من بأس الله الذي لا يدفع، ومن مكر الله الذي لا يدرك. لندرك أنه لا يدعو إلى القلق إنما يدعو إلى اليقظة، ولا يؤدي إلى الفزع إنما يؤدي إلى الحساسية، ولا يعطل الحياة إنما يحرسها من الاستهتار والطغيان.
والمنهج القرآني - مع ذلك - إنما يعالج أطوار النفوس والقلوب المتقلبة، وأطوار الأمم والجماعات المتنوعة، ويطب لكل منها بالطب المناسب في الوقت الملائم. فيعطيها جرعة من الأمن والثقة والطمأنينة إلى جوار الله، حين تخشى قوى الأرض وملابسات الحياة. ويعطيها جرعة من الخوف والحذر والترقب لبأس الله، حين تركن إلى قوى الأرض ومغريات الحياة. وربك أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير..
هذه وقفة في سياق السورة للتعقيب على ما مضى من قصص قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب.. وقفة لبيان سنة الله التي جرت بها مشيئته وحققها قدره بالمكذبين في كل قرية - والقرية هي المدينة الكبيرة أو الحاضرة المركزية - -وهي سنة واحدة يأخذ الله بها المكذبين ؛ ويتشكل بها تاريخ الإنسان في جانب منه أصيل.. أن يأخذ الله المكذبين بالبأساء والضراء ؛ لعل قلوبهم ترق وتلين وتتجه إلى الله، وتعرف حقيقة ألوهيته وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية القاهرة. فإذا لم يستجيبوا أخذهم بالنعماء والسراء، وفتح عليهم الأبواب، وتركهم ينمون ويكثرون ويستمتعون.. كل ذلك للابتلاء.. حتى إذا انتهى بهم اليسر والعافية إلى الاستهتار والترخص، وإلى الغفلة وقلة المبالاة، وحسبوا أن الأمور تمضي جزافاً بلا قصد ولا غاية، وأن السراء تعقب الضراء من غير حكمة ولا ابتلاء، وأنه إنما أصابهم ما أصاب آباءهم من قبل لأن الأمور تمضي هكذا بلا تدبير :( وقالوا : قد مس آباءنا الضراء والسراء ) ! أخذهم الله بغتة، وهم سادرون في هذه الغفلة. لم يدركوا حكمة الله في الابتلاء بالضراء والسراء، ولم يتدبروا حكمته في تقلب الأمور بالعباد، ولم يتقوا غضبه على المستهترين الغافلين، وعاشوا كالأنعام بل أضل حتى جاءهم بأس الله.. ولو أنهم آمنوا بالله واتقوه لتبدلت الحال، ولحلت عليهم البركات، ولأفاض الله عليهم من رزقه في السماء والأرض، ولأنعم عليهم نعيمه المبارك الذي تطمئن به الحياة، ولا يعقبه النكال والبوار..
ثم يحذر الله الذين يرثون الأرض من بعد أهلها.. يحذرهم الغفلة والغرة، ويدعوهم إلى اليقظة والتقوى، ويلفتهم إلى العبرة في مصارع الغابرين الذين ورثوا هم الأرض من بعدهم، فإنما تنتظرهم سنة الله التي لا تتبدل، والتي يتكيف بها تاريخ البشر على مدارج القرون.
وتنتهي الوقفة بتوجيه الخطاب إلى الرسول [ ص ] :( تلك القرى نقص عليك من أنبائها.. ) لإظهاره على سنة الله فيها، وعلى حقيقة هذه القرى وأهلها :( وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ).. فهذا الرسول الأخير وأمته هم الوارثون لحصيلة رسالة الله كلها، وهم الذين يفيدون من أنبائها وعظاتها..
والآن - وقد انتهى السياق من بيان السنة الجارية، ولمس بها الوجدان البشري تلك اللمسات الموحية - يتجه بالخطاب إلى رسول الله [ ص ] يطلعه على العاقبة الشاملة لابتلاء تلك القرى، وما تكشف عنه من حقائق عن طبيعة الكفر وطبيعة الإيمان، ثم عن طبيعة البشر الغالبة كما تجلت في هذه الأقوام :
( تلك القرى نقص عليك من أنبائها، ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات، فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل. كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين. وما وجدنا لأكثرهم من عهد، وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين )..
فهو قصص من عند الله، ما كان للرسول [ ص ] به من علم، إنما هو وحي الله وتعليمه.
( ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات )..
فلم تنفعهم البينات. وظلوا يكذبون بعدها، كما كذبوا قبلها. ولم يؤمنوا بما كانوا قد كذبوا به من قبل أن تأتيهم البينة عليه. فالبينات لا تؤدي بالمكذبين الى الإيمان. وليس البينة هي ما كان ينقصهم ليؤمنوا. إنما كان ينقصهم القلب المفتوح، والحس المرهف والتوجه إلى الهدى. كان ينقصهم الفطرة الحية التي تستقبل وتنفعل وتستجيب. فلما لم يوجهوا قلوبهم إلى موحيات الهدى ودلائل الإيمان طبع الله على قلوبهم وأغلقها، فما عادت تتلقى ولا تنفعل ولا تستجيب :
( كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين )..
آية رقم ١٠٢
هذه وقفة في سياق السورة للتعقيب على ما مضى من قصص قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب.. وقفة لبيان سنة الله التي جرت بها مشيئته وحققها قدره بالمكذبين في كل قرية - والقرية هي المدينة الكبيرة أو الحاضرة المركزية - -وهي سنة واحدة يأخذ الله بها المكذبين ؛ ويتشكل بها تاريخ الإنسان في جانب منه أصيل.. أن يأخذ الله المكذبين بالبأساء والضراء ؛ لعل قلوبهم ترق وتلين وتتجه إلى الله، وتعرف حقيقة ألوهيته وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية وحقيقة عبودية البشر لهذه الألوهية القاهرة. فإذا لم يستجيبوا أخذهم بالنعماء والسراء، وفتح عليهم الأبواب، وتركهم ينمون ويكثرون ويستمتعون.. كل ذلك للابتلاء.. حتى إذا انتهى بهم اليسر والعافية إلى الاستهتار والترخص، وإلى الغفلة وقلة المبالاة، وحسبوا أن الأمور تمضي جزافاً بلا قصد ولا غاية، وأن السراء تعقب الضراء من غير حكمة ولا ابتلاء، وأنه إنما أصابهم ما أصاب آباءهم من قبل لأن الأمور تمضي هكذا بلا تدبير :( وقالوا : قد مس آباءنا الضراء والسراء ) ! أخذهم الله بغتة، وهم سادرون في هذه الغفلة. لم يدركوا حكمة الله في الابتلاء بالضراء والسراء، ولم يتدبروا حكمته في تقلب الأمور بالعباد، ولم يتقوا غضبه على المستهترين الغافلين، وعاشوا كالأنعام بل أضل حتى جاءهم بأس الله.. ولو أنهم آمنوا بالله واتقوه لتبدلت الحال، ولحلت عليهم البركات، ولأفاض الله عليهم من رزقه في السماء والأرض، ولأنعم عليهم نعيمه المبارك الذي تطمئن به الحياة، ولا يعقبه النكال والبوار..
ثم يحذر الله الذين يرثون الأرض من بعد أهلها.. يحذرهم الغفلة والغرة، ويدعوهم إلى اليقظة والتقوى، ويلفتهم إلى العبرة في مصارع الغابرين الذين ورثوا هم الأرض من بعدهم، فإنما تنتظرهم سنة الله التي لا تتبدل، والتي يتكيف بها تاريخ البشر على مدارج القرون.
وتنتهي الوقفة بتوجيه الخطاب إلى الرسول [ ص ] :( تلك القرى نقص عليك من أنبائها.. ) لإظهاره على سنة الله فيها، وعلى حقيقة هذه القرى وأهلها :( وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ).. فهذا الرسول الأخير وأمته هم الوارثون لحصيلة رسالة الله كلها، وهم الذين يفيدون من أنبائها وعظاتها..
ولقد تكشفت تلك التجارب عن طبيعة غالبة :
( وما وجدنا لأكثرهم من عهد، وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين )..
والعهد الذي يشار إليه هنا قد يكون هو عهد الله على فطرة البشر، الذي ورد ذكره في أواخر السورة :( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى شهدنا )..
وقد يكون هو عهد الإيمان الذي أعطاه أسلافهم الذين آمنوا بالرسل. ثم انحرفت الخلائف. كما يقع في كل جاهلية. إذ تظل الأجيال تنحرف شيئاً فشيئاً حتى تخرج من عهد الإيمان، وترتد الى الجاهلية.
وأياً كان العهد فقد تبين أن أهل هذه القرى لا عهد لأكثرهم يستمسكون به، ويثبتون عليه. إنما هو الهوى المتقلب، والطبيعة التي لا تصبر على تكاليف العهد ولا تستقيم.
( وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين )..
منحرفين عن دين الله وعهده القديم.. وهذه ثمرة التقلب، ونقض العهد، واتباع الهوى.. ومن لم يمسك نفسه على عهده مع الله، مستقيماً على طريقته، مسترشداً بهداه. فلا بد أن تتفرق به السبل، ولا بد أن ينحرف، ولا بد أن يفسق.. وكذلك كان أهل تلك القرى. وكذلك انتهى بهم المطاف..
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
آية رقم ١٠٤
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
وافتتاح القصة على ذلك النحو هو طريقة من طرق العرض القرآنية للقصص. وهذه الطريقة هي المناسبة هنا لسياق السورة، وللمحور الذي تدور حوله. لأنها تعجل بالعاقبة منذ اللحظة الأولى - تحقيقاً للهدف من سياقتها - ثم تأخذ في التفصيل بعد الإجمال، فنرى كيف سارت الأحداث إلى نهايتها.
فما الذي كان بين موسى وفرعون وملئه ؟

هنا يبدأ المشهد الأول بينهما :

( وقال موسى : يا فرعون إني رسول من رب العالمين. حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق. قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل. قال : إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين. فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين. قال الملأ من قوم فرعون : إن هذا لساحر عليم، يريد أن يخرجكم من أرضكم، فماذا تأمرون ؟ قالوا : أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين. يأتوك بكل ساحر عليم )..
إنه مشهد اللقاء الأول بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر.. مشهد اللقاء الأول بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطاغوت الذي يدعي ويزاول الربوبية من دون رب العالمين !
وقال موسى : يا فرعون، إني رسول من رب العالمين. حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق. قد جئتكم ببينة من ربكم، فأرسل معي بني إسرائيل..
( يا فرعون ).. لم يقل له : يا مولاي ! كما يقول الذين لا يعرفون من هو المولى الحق ! ولكن ناداه بلقبه في أدب واعتزاز.. ناداه ليقرر له حقيقة أمره، كما يقرر له أضخم حقائق الوجود :
( إني رسول من رب العالمين )..
لقد جاء موسى - عليه السلام - بهذه الحقيقة التي جاء بها كل رسول قبله. حقيقة ربوبية الله الواحد للعالمين جميعاً.. ألوهية واحدة وعبودية شاملة.. لا كما يقول الخابطون في الظلام من " علماء الأديان " ومن يتبعهم في زعمهم عن " تطور العقيدة " إطلاقاً، وبدون استثناء لما جاء به الرسل من ربهم أجمعين !.. إن العقيدة التي جاء بها الرسل جميعا عقيدة واحدة ثابتة ؛ تقرر ألوهية واحدة للعوالم جميعها. ولا تتطور من الآلهة المتعددة، إلى التثنية، إلى الوحدانية في نهاية المطاف.. فأما جاهليات البشر - حين ينحرفون عن العقيدة الربانية - فلا حد لتخبطها بين الطواطم والأرواح والآلهة المتعددة والعبادات الشمسية والتثنية والتوحيد المشوب برواسب الوثنية.. وسائر أنواع العقائد الجاهلية.. ولا يجوز الخلط بين العقائد السماوية التي جاءت كلها بالتوحيد الصحيح، الذي يقرر إلهاً واحداً للعالمين ؛ وتلك التخبطات المنحرفة عن دين الله الصحيح.
ولقد واجه موسى - عليه السلام - فرعون وملأه بهذه الحقيقة الواحدة، التي واجه بها كل نبي - قبله او بعده - عقائد الجاهلية الفاسدة.. واجهه بها وهو يعلم أنها تعني الثورة على فرعون وملئه ودولته ونظام حكمه.. إن ربوبية الله للعالمين تعني - أول ما تعني - إبطال شرعية كل حكم يزاول السلطان على الناس بغير شريعة الله وأمره ؛ وتنحية كل طاغوت عن تعبيد الناس له - من دون الله - بإخضاعهم لشرعه هو وأمره.. واجهه بهذه الحقيقة الهائلة بوصفه رسولاً من رب العالمين.. ملزماً ومأخوذاً بقول الحق على ربه الذي أرسله.
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
( حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق )..
فما كان الرسول الذي يعلم حقيقة الله، ليقول عليه إلا الحق، وهو يعلم قدره ؛ ويجد حقيقته - سبحانه - في نفسه..
( قد جئتكم ببينة من ربكم )..
تدلكم على صدق قولي : إني رسول من رب العالمين.
وباسم تلك الحقيقة الكبيرة.. حقيقة الربوبية الشاملة للعالمين.. طلب موسى من فرعون أن يطلق معه بني إسرائيل..
إن بني إسرائيل عبيد لله وحده ؛ فما ينبغي أن يعبدهم فرعون لنفسه ! إن الإنسان لا يخدم سيدين، ولا يعبد إلهين. فمن كان عبداً لله، فما يمكن أن يكون عبداً لسواه. وإذ كان فرعون إنما يعبد بني إسرائيل لهواه ؛ فقد أعلن له موسى أن رب العالمين هو الله. وإعلان هذه الحقيقة ينهي شرعية ما يزاوله فرعون من تعبيد بني إسرائيل !
إن إعلان ربوبية الله للعالمين هي بذاتها إعلان تحرير الإنسان. تحريره من الخضوع والطاعة والتبعية والعبودية لغير الله. تحريره من شرع البشر، ومن هوى البشر، ومن تقاليد البشر، ومن حكم البشر.
وإعلان ربوبية الله للعالمين لا يجتمع مع خضوع أحد من العالمين لغير الله ؛ ولا يجتمع مع حاكمية أحد بشريعة من عنده للناس.. والذين يظنون أنهم مسلمون بينما هم خاضعون لشريعة من صنع البشر - أي لربوبية غير ربوبية الله - واهمون إذا ظنوا لحظة واحدة أنهم مسلمون ! إنهم لا يكونون في دين الله لحظة واحدة وحاكمهم غير الله، وقانونهم غير شريعة الله. إنما هم في دين حاكمهم ذاك. في دين الملك لا في دين الله !
وعلى هذه الحقيقة أمر موسى - عليه السلام - أن يبني طلبه من فرعون إطلاق بني إسرائيل :
( يا فرعون إني رسول من رب العالمين )... ( فأرسل معي بني إسرائيل )...
مقدمة ونتيجة.. تتلازمان ولا تفترقان..
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
ولم تغب على فرعون وملئه دلالة هذا الإعلان. إعلان ربوبية الله للعالمين.. لم يغب عنهم أن هذا الإعلان يحمل في طياته هدم ملك فرعون. وقلب نظام حكمه، وإنكار شرعيته، وكشف عدوانه وطغيانه.. ولكن كان أمام فرعون وملئه فرصة أن يظهروا موسى بمظهر الكاذب الذي يزعم أنه رسول من رب العالمين بلا بينة ولا دليل :
( قال : إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين )..
ذلك أنه إذا اتضح أن هذا الداعية إلى ربوبية رب العالمين كاذب في دعواه ؛ سقطت دعوته، وهان أمره ؛ ولم يعد لهذه الدعوة الخطيرة من خطر - وصاحبها دعي لا بينة عنده ولا دليل !
آية رقم ١٠٧
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.

ولكن موسى يجيب :

( فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين )..
إنها المفاجأة ! إن العصا تنقلب ثعباناً لا شك في ثعبانيته.. ( مبين ).. وكما قيل في سورة أخرى :( فإذا هي حية تسعى )..
آية رقم ١٠٨
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
( وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ )
ثم إن يده السمراء - وقد كان موسى عليه السلام " آدم " أي مائلاً إلى السمرة - يخرجها من جيبه فإذا هي بيضاء من غير سوء، بيضاء ليست عن مرض، ولكنها المعجزة، فإذا أعادها إلى جيبه عادت سمراء !
هذه هي البينة والآية على الدعوى التي جاء بها موسى.. إني رسول من رب العالمين.
ولكن هل يستسلم فرعون وملؤه لهذه الدعوى الخطيرة ؟ هل يستسلمون لربوبية رب العالمين ؟ وعلام إذن يقوم عرش فرعون وتاجه وملكه وحكمه ؟ وعلام يقوم الملأ من قومه ومراكزهم التي هي من عطاء فرعون ورسمه وحكمه ؟
علام يقوم هذا كله إن كان الله هو ( رب العالمين )؟
إنه إن كان الله هو ( رب العالمين ) فلا حكم إلا لشريعة الله، ولا طاعة إلا لأمر الله.. فأين يذهب شرع فرعون وأمره إذن، وهو لا يقوم على شريعة الله ولا يرتكن إلى أمره ؟.. إن الناس لا يكون لهم( رب )آخر يعبدهم لحكمه وشرعه وأمره، إن كان الله هو ربهم.. إنما يخضع الناس لشرع فرعون وأمره حين يكون ربهم هو فرعون. فالحاكم - بأمره وشرعه - هو رب الناس. وهم في دينه أياً كان !
آية رقم ١٠٩
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
كلا ! إن الطاغوت لا يستسلم هكذا من قريب. ولا يسلم ببطلان حكمه وعدم شرعية سلطانه بمثل هذه السهولة !
وفرعون وملؤه يخطئون فهم مدلول هذه الحقيقة الهائلة التي يعلنها موسى. بل إنهم ليعلنونها صريحة. ولكن مع تحويل الأنظار عن دلالتها الخطيرة، باتهام موسى بأنه ساحر عليم :
( قال الملأ من قوم فرعون : إن هذا لساحر عليم ).
آية رقم ١١٠
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
( يريد أن يخرجكم من أرضكم. فماذا تأمرون ؟ )
إنهم يصرحون بالنتيجة الهائلة التي تتقرر من إعلان تلك الحقيقة. إنها الخروج من الأرض.. إنها ذهاب السلطان.. إنها إبطال شرعية الحكم.. أو.. محاولة قلب نظام الحكم !.. بالتعبير العصري الحديث !
إن الأرض لله. والعباد لله. فإذا ردت الحاكمية في أرض لله، فقد خرج منها الطغاة، الحاكمون بغير شرع الله ! أو خرج منها الأرباب المتألهون الذين يزاولون خصائص الألوهية بتعبيد الناس لشريعتهم وأمرهم. وخرج منها الملأ الذين يوليهم الأرباب المناصب والوظائف الكبرى، فيعبدون الناس لهذه الأرباب !
هكذا أدرك فرعون وملؤه خطورة هذه الدعوة.. وكذلك يدركها الطواغيت في كل مرة.. لقد قال الرجل العربي - بفطرته وسليقته - حين سمع رسول الله [ ص ] يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله :" هذا أمر تكرهه الملوك ! ". وقال له رجل آخر من العرب بفطرته وسليقته :" إذن تحاربك العرب والعجم ".. لقد كان هذا العربي وذاك يفهم مدلولات لغته. كان يفهم أن شهادة أن لا إله إلا الله ثورة على الحاكمين بغير شرع الله عرباً كانوا أم عجماً ! كانت لشهادة أن لا إله إلا الله جديتها في حس هؤلاء العرب، لأنهم كانوا يفهمون مدلول لغتهم جيداً. فما كان أحد منهم يفهم أنه يمكن أن تجتمع في قلب واحد، ولا في أرض واحدة. شهادة أن لا إله إلا الله، مع الحكم بغير شرع الله ! فيكون هناك آلهة مع الله ! ما كان أحد منهم يفهم شهادة أن لا إله إلا الله كما يفهمها اليوم من يدعون أنفسهم " مسلمين ".. ذلك الفهم الباهت التافه الهزيل !
وهكذا قال الملأ من قوم فرعون، يتشاورون مع فرعون :
( إن هذا لساحر عليم. يريد أن يخرجكم من أرضكم. فماذا تأمرون ؟ ).
آية رقم ١١١
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.

واستقر رأيهم على أمر :

( قالوا : أرجه وأخاه، وأرسل في المدائن حاشرين )،
آية رقم ١١٢
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
( يأتوك بكل ساحر عليم )..
وكانت أرض مصر تموج بالكهنة في شتى المعابد. وكان الكهنة هم الذين يزاولون أعمال السحر. ففي الوثنيات كلها تقريباً يقترن الدين بالسحر ؛ ويزاول السحر كهنة الديانات وسدنة الآلهة ! وهذه الظاهرة هي التي يلتقطها " علماء الأديان ! " فيتحدث بعضهم عن السحر كمرحلة من مراحل تطور العقيدة ! ويقول الملحدون منهم : إن الدين سيبطل كما بطل السحر ! وإن العلم سينهي عهد الدين كما أنهى عهد السحر !.. إلى آخر هذا الخبط الذي يسمونه :" العلم " !
وقد استقر رأي الملأ من قوم فرعون، على أن يرجىء فرعون موسى إلى موعد. وأن يرسل في أنحاء البلاد من يجمع له كبار السحرة. ذلك ليواجهوا " سحر موسى " - بزعمهم - بسحر مثله.
وعلى كل ما عرف من طغيان فرعون، فقد كان في تصرفه هذا أقل طغياناً من طواغيت كثيرة في القرن العشرين ؛ في مواجهة دعوة الدعاة إلى ربوبية رب العالمين ! وتهديد السلطان الباطل بهذه الدعوة الخطيرة !
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
ويطوي السياق القرآني إجراء فرعون وملئه في جمع السحرة من المدائن ؛ ويسدل الستار على المشهد الأول، ليرفعه على المشهد التالي.. وذلك من بدائع العرض القرآني للقصص، كأنه واقع منظور، لا حكاية تروى !
( وجاء السحرة فرعون، قالوا : إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين ؟ قال : نعم، وإنكم لمن المقربين ).
إنهم محترفون... يحترفون السحر كما يحترفون الكهانة ! والأجر هو هدف الاحتراف في هذا وذاك ! وخدمة السلطان الباطل والطاغوت الغالب هي وظيفة المحترفين من رجال الدين ! وكلما انحرفت الأوضاع عن إخلاص العبودية لله، وإفراده - سبحانه - بالحاكمية ؛ وقام سلطان الطاغوت مقام شريعة الله، احتاج الطاغوت إلى هؤلاء المحترفين، وكافأهم على الاحتراف، وتبادل وإياهم الصفقة : هم يقرون سلطانه باسم الدين ! وهو يعطيهم المال ويجعلهم من المقربين !
آية رقم ١١٤
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
( قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ )
ولقد أكد لهم فرعون أنهم مأجورون على حرفتهم، ووعدهم مع الأجر القربى منه، زيادة في الإغراء، وتشجيعاً على بذل غاية الجهد.. وهو وهم لا يعلمون أن الموقف ليس موقف الاحتراف والبراعة والتضليل ؛ إنما هو موقف المعجزة والرسالة والاتصال بالقوة القاهرة، التي لا يقف لها الساحرون ولا المتجبرون !
آية رقم ١١٥
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
ولقد اطمأن السحرة على الأجر، واشرأبت أعناقهم إلى القربى من فرعون، واستعدوا للحلبة.. ثم ها هم أولاء يتوجهون إلى موسى - عليه السلام - بالتحدي.. ثم يكون من أمرهم ما قسم الله لهم من الخير الذي لم يكونوا يحتسبون، ومن الأجر الذي لم يكونوا يتوقعون :
( قالوا : يا موسى، إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين.. قال : ألقوا )..
ويبدو التحدي واضحاً في تخييرهم لموسى. وتبدو كذلك ثقتهم بسحرهم وقدرتهم على الغلبة..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ولكننا نحن في هذه الظلال ينبغي أن نقف وقفة قصيرة أمام هذا المشهد الباهر الأخاذ...
نقف ابتداء أمام إدراك فرعون وملئه أن إيمان السحرة برب العالمين، رب موسى وهارون، يمثل خطراً على نظام ملكهم وحكمهم ؛ لتعارض القاعدة التي يقوم عليها هذا الإيمان، مع القاعدة التي يقوم عليها ذلك السلطان.. وقد عرضنا لهذا الأمر من قبل.. ونريد أن نقرر هذه الحقيقة ونؤكدها.. إنه لا يجتمع في قلب واحد، ولا في بلد واحد، ولا في نظام حكم واحد، أن يكون الله رب العالمين، وأن يكون السلطان في حياة الناس لعبد من العبيد، يباشره بتشريع من عنده وقوانين.. فهذا دين وذلك دين..
ونقف بعد ذلك أمام إدراك السحرة - بعد أن أشرق نور الإيمان في قلوبهم، وجعل لهم فرقاناً في تصورهم - أن المعركة بينهم وبين فرعون وملئه هي معركة العقيدة ؛ وأنه لا ينقم منهم إلا إيمانهم برب العالمين. فهذا الإيمان على هذا النحو يهدد عرش فرعون وملكه وسلطانه ؛ ويهدد مراكز الملأ من قومه وسلطانهم المستمد من سلطان فرعون.. أو بتعبير آخر مرادف : من ربوبية فرعون، ويهدد القيم التي يقوم عليها المجتمع الوثني كله.. وهذا الإدراك لطبيعة المعركة ضروري لكل من يتصدى للدعوة إلى ربوبية الله وحده. فهو وحده الذي أهل هؤلاء المؤمنين للاستهانة بما يلقونه في سبيله.. إنهم يقدمون على الموت مستهينين ليقينهم بأنهم هم المؤمنون برب العالمين ؛ وأن عدوهم على دين غير دينهم ؛ لأنه بمزاولته للسلطان وتعبيد الناس لأمره ينكر ربوبية رب العالمين.. فهو إذن من الكافرين.. وما يمكن أن يمضي المؤمنون في طريق الدعوة إلى رب العالمين - على ما ينتظرهم فيها من التعذيب والتنكيل - إلا بمثل هذا اليقين بشقيه : أنهم هم المؤمنون، وأن أعداءهم هم الكافرون، وأنهم إنما يحاربونهم على الدين، ولا ينقمون منهم إلا الدين.
ونقف بعد ذلك أمام الروعة الباهرة لانتصار العقيدة على الحياة. وانتصار العزيمة على الألم. وانتصار " الإنسان " على الشيطان. وهو مشهد بالغ الروعة.. نعترف أننا نعجز عن القول فيه. فندعه كما صوره النص القرآني الكريم !

يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
وفي الجانب الآخر تتجلى ثقة موسى - عليه السلام - واستهانته بالتحدي :( قال ألقوا.. ) فهذه الكلمة الواحدة تبدو فيها قلة المبالاة، وتلقي ظل الثقة الكامنة وراءها في نفس موسى. على طريقة القرآن الكريم في إلقاء الظلال، بالكلمة المفردة في كثير من الأحايين.
ولكن السياق يفاجئنا بما فوجىء به موسى - عليه السلام - وبينما نحن في ظلال الاستهانة وعدم المبالاة، إذا بنا أمام مظهر السحر البارع، الذي يرهب ويخيف :
( فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم، وجاءوا بسحر عظيم ).
وحسبنا أن يقرر القرآن أنه سحر عظيم، لندرك أي سحر كان. وحسبنا أن نعلم أنهم سحروا –( أعين الناس ) وأثاروا الرهبة في قلوبهم :( واسترهبوهم ) لنتصور أي سحر كان، ولفظ " استرهب " ذاته لفظ مصور. فهم استجاشوا إحساس الرهبة في الناس وقسروهم عليه قسراً. ثم حسبنا أن نعلم من النص القرآني الآخر في سورة طه، أن موسى عليه السلام قد أوجس في نفسه خيفة لنتصور حقيقة ما كان !
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ولكننا نحن في هذه الظلال ينبغي أن نقف وقفة قصيرة أمام هذا المشهد الباهر الأخاذ...
نقف ابتداء أمام إدراك فرعون وملئه أن إيمان السحرة برب العالمين، رب موسى وهارون، يمثل خطراً على نظام ملكهم وحكمهم ؛ لتعارض القاعدة التي يقوم عليها هذا الإيمان، مع القاعدة التي يقوم عليها ذلك السلطان.. وقد عرضنا لهذا الأمر من قبل.. ونريد أن نقرر هذه الحقيقة ونؤكدها.. إنه لا يجتمع في قلب واحد، ولا في بلد واحد، ولا في نظام حكم واحد، أن يكون الله رب العالمين، وأن يكون السلطان في حياة الناس لعبد من العبيد، يباشره بتشريع من عنده وقوانين.. فهذا دين وذلك دين..
ونقف بعد ذلك أمام إدراك السحرة - بعد أن أشرق نور الإيمان في قلوبهم، وجعل لهم فرقاناً في تصورهم - أن المعركة بينهم وبين فرعون وملئه هي معركة العقيدة ؛ وأنه لا ينقم منهم إلا إيمانهم برب العالمين. فهذا الإيمان على هذا النحو يهدد عرش فرعون وملكه وسلطانه ؛ ويهدد مراكز الملأ من قومه وسلطانهم المستمد من سلطان فرعون.. أو بتعبير آخر مرادف : من ربوبية فرعون، ويهدد القيم التي يقوم عليها المجتمع الوثني كله.. وهذا الإدراك لطبيعة المعركة ضروري لكل من يتصدى للدعوة إلى ربوبية الله وحده. فهو وحده الذي أهل هؤلاء المؤمنين للاستهانة بما يلقونه في سبيله.. إنهم يقدمون على الموت مستهينين ليقينهم بأنهم هم المؤمنون برب العالمين ؛ وأن عدوهم على دين غير دينهم ؛ لأنه بمزاولته للسلطان وتعبيد الناس لأمره ينكر ربوبية رب العالمين.. فهو إذن من الكافرين.. وما يمكن أن يمضي المؤمنون في طريق الدعوة إلى رب العالمين - على ما ينتظرهم فيها من التعذيب والتنكيل - إلا بمثل هذا اليقين بشقيه : أنهم هم المؤمنون، وأن أعداءهم هم الكافرون، وأنهم إنما يحاربونهم على الدين، ولا ينقمون منهم إلا الدين.
ونقف بعد ذلك أمام الروعة الباهرة لانتصار العقيدة على الحياة. وانتصار العزيمة على الألم. وانتصار " الإنسان " على الشيطان. وهو مشهد بالغ الروعة.. نعترف أننا نعجز عن القول فيه. فندعه كما صوره النص القرآني الكريم !

يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
ولكن مفاجأة أخرى تطالع فرعون وملأه، وتطالع السحرة الكهنة، وتطالع جماهير الناس في الساحة الكبرى التي شهدت ذلك السحر العظيم :
( وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك، فإذا هي تلقف ما يأفكون. فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون. فغلبوا هنالك، وانقلبوا صاغرين )..
إنه الباطل ينتفش، ويسحر العيون، ويسترهب القلوب، ويخيل إلى الكثيرين أنه غالب، وأنه جارف، وأنه مُحيق ! وما هو إلا أن يواجه الحق الهادىء الواثق حتى ينفثىء كالفقاعة، وينكمش كالقنفذ، وينطفئ كشعلة الهشيم !
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ولكننا نحن في هذه الظلال ينبغي أن نقف وقفة قصيرة أمام هذا المشهد الباهر الأخاذ...
نقف ابتداء أمام إدراك فرعون وملئه أن إيمان السحرة برب العالمين، رب موسى وهارون، يمثل خطراً على نظام ملكهم وحكمهم ؛ لتعارض القاعدة التي يقوم عليها هذا الإيمان، مع القاعدة التي يقوم عليها ذلك السلطان.. وقد عرضنا لهذا الأمر من قبل.. ونريد أن نقرر هذه الحقيقة ونؤكدها.. إنه لا يجتمع في قلب واحد، ولا في بلد واحد، ولا في نظام حكم واحد، أن يكون الله رب العالمين، وأن يكون السلطان في حياة الناس لعبد من العبيد، يباشره بتشريع من عنده وقوانين.. فهذا دين وذلك دين..
ونقف بعد ذلك أمام إدراك السحرة - بعد أن أشرق نور الإيمان في قلوبهم، وجعل لهم فرقاناً في تصورهم - أن المعركة بينهم وبين فرعون وملئه هي معركة العقيدة ؛ وأنه لا ينقم منهم إلا إيمانهم برب العالمين. فهذا الإيمان على هذا النحو يهدد عرش فرعون وملكه وسلطانه ؛ ويهدد مراكز الملأ من قومه وسلطانهم المستمد من سلطان فرعون.. أو بتعبير آخر مرادف : من ربوبية فرعون، ويهدد القيم التي يقوم عليها المجتمع الوثني كله.. وهذا الإدراك لطبيعة المعركة ضروري لكل من يتصدى للدعوة إلى ربوبية الله وحده. فهو وحده الذي أهل هؤلاء المؤمنين للاستهانة بما يلقونه في سبيله.. إنهم يقدمون على الموت مستهينين ليقينهم بأنهم هم المؤمنون برب العالمين ؛ وأن عدوهم على دين غير دينهم ؛ لأنه بمزاولته للسلطان وتعبيد الناس لأمره ينكر ربوبية رب العالمين.. فهو إذن من الكافرين.. وما يمكن أن يمضي المؤمنون في طريق الدعوة إلى رب العالمين - على ما ينتظرهم فيها من التعذيب والتنكيل - إلا بمثل هذا اليقين بشقيه : أنهم هم المؤمنون، وأن أعداءهم هم الكافرون، وأنهم إنما يحاربونهم على الدين، ولا ينقمون منهم إلا الدين.
ونقف بعد ذلك أمام الروعة الباهرة لانتصار العقيدة على الحياة. وانتصار العزيمة على الألم. وانتصار " الإنسان " على الشيطان. وهو مشهد بالغ الروعة.. نعترف أننا نعجز عن القول فيه. فندعه كما صوره النص القرآني الكريم !

آية رقم ١١٨
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
وإذا الحق راجح الوزن، ثابت القواعد، عميق الجذور.. والتعبير القرآني هنا يلقي هذه الظلال، وهو يصور الحق واقعاً ذا ثقل :( فوقع الحق ).. وثبت، واستقر.. وذهب ما عداه فلم يعد له وجود :( وبطل ما كانوا يعملون )..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ولكننا نحن في هذه الظلال ينبغي أن نقف وقفة قصيرة أمام هذا المشهد الباهر الأخاذ...
نقف ابتداء أمام إدراك فرعون وملئه أن إيمان السحرة برب العالمين، رب موسى وهارون، يمثل خطراً على نظام ملكهم وحكمهم ؛ لتعارض القاعدة التي يقوم عليها هذا الإيمان، مع القاعدة التي يقوم عليها ذلك السلطان.. وقد عرضنا لهذا الأمر من قبل.. ونريد أن نقرر هذه الحقيقة ونؤكدها.. إنه لا يجتمع في قلب واحد، ولا في بلد واحد، ولا في نظام حكم واحد، أن يكون الله رب العالمين، وأن يكون السلطان في حياة الناس لعبد من العبيد، يباشره بتشريع من عنده وقوانين.. فهذا دين وذلك دين..
ونقف بعد ذلك أمام إدراك السحرة - بعد أن أشرق نور الإيمان في قلوبهم، وجعل لهم فرقاناً في تصورهم - أن المعركة بينهم وبين فرعون وملئه هي معركة العقيدة ؛ وأنه لا ينقم منهم إلا إيمانهم برب العالمين. فهذا الإيمان على هذا النحو يهدد عرش فرعون وملكه وسلطانه ؛ ويهدد مراكز الملأ من قومه وسلطانهم المستمد من سلطان فرعون.. أو بتعبير آخر مرادف : من ربوبية فرعون، ويهدد القيم التي يقوم عليها المجتمع الوثني كله.. وهذا الإدراك لطبيعة المعركة ضروري لكل من يتصدى للدعوة إلى ربوبية الله وحده. فهو وحده الذي أهل هؤلاء المؤمنين للاستهانة بما يلقونه في سبيله.. إنهم يقدمون على الموت مستهينين ليقينهم بأنهم هم المؤمنون برب العالمين ؛ وأن عدوهم على دين غير دينهم ؛ لأنه بمزاولته للسلطان وتعبيد الناس لأمره ينكر ربوبية رب العالمين.. فهو إذن من الكافرين.. وما يمكن أن يمضي المؤمنون في طريق الدعوة إلى رب العالمين - على ما ينتظرهم فيها من التعذيب والتنكيل - إلا بمثل هذا اليقين بشقيه : أنهم هم المؤمنون، وأن أعداءهم هم الكافرون، وأنهم إنما يحاربونهم على الدين، ولا ينقمون منهم إلا الدين.
ونقف بعد ذلك أمام الروعة الباهرة لانتصار العقيدة على الحياة. وانتصار العزيمة على الألم. وانتصار " الإنسان " على الشيطان. وهو مشهد بالغ الروعة.. نعترف أننا نعجز عن القول فيه. فندعه كما صوره النص القرآني الكريم !

آية رقم ١١٩
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
وغلب الباطل والمبطلون وذلوا وصغروا وانكمشوا بعد الزهو الذي كان يبهر العيون :
( فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين )..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ولكننا نحن في هذه الظلال ينبغي أن نقف وقفة قصيرة أمام هذا المشهد الباهر الأخاذ...
نقف ابتداء أمام إدراك فرعون وملئه أن إيمان السحرة برب العالمين، رب موسى وهارون، يمثل خطراً على نظام ملكهم وحكمهم ؛ لتعارض القاعدة التي يقوم عليها هذا الإيمان، مع القاعدة التي يقوم عليها ذلك السلطان.. وقد عرضنا لهذا الأمر من قبل.. ونريد أن نقرر هذه الحقيقة ونؤكدها.. إنه لا يجتمع في قلب واحد، ولا في بلد واحد، ولا في نظام حكم واحد، أن يكون الله رب العالمين، وأن يكون السلطان في حياة الناس لعبد من العبيد، يباشره بتشريع من عنده وقوانين.. فهذا دين وذلك دين..
ونقف بعد ذلك أمام إدراك السحرة - بعد أن أشرق نور الإيمان في قلوبهم، وجعل لهم فرقاناً في تصورهم - أن المعركة بينهم وبين فرعون وملئه هي معركة العقيدة ؛ وأنه لا ينقم منهم إلا إيمانهم برب العالمين. فهذا الإيمان على هذا النحو يهدد عرش فرعون وملكه وسلطانه ؛ ويهدد مراكز الملأ من قومه وسلطانهم المستمد من سلطان فرعون.. أو بتعبير آخر مرادف : من ربوبية فرعون، ويهدد القيم التي يقوم عليها المجتمع الوثني كله.. وهذا الإدراك لطبيعة المعركة ضروري لكل من يتصدى للدعوة إلى ربوبية الله وحده. فهو وحده الذي أهل هؤلاء المؤمنين للاستهانة بما يلقونه في سبيله.. إنهم يقدمون على الموت مستهينين ليقينهم بأنهم هم المؤمنون برب العالمين ؛ وأن عدوهم على دين غير دينهم ؛ لأنه بمزاولته للسلطان وتعبيد الناس لأمره ينكر ربوبية رب العالمين.. فهو إذن من الكافرين.. وما يمكن أن يمضي المؤمنون في طريق الدعوة إلى رب العالمين - على ما ينتظرهم فيها من التعذيب والتنكيل - إلا بمثل هذا اليقين بشقيه : أنهم هم المؤمنون، وأن أعداءهم هم الكافرون، وأنهم إنما يحاربونهم على الدين، ولا ينقمون منهم إلا الدين.
ونقف بعد ذلك أمام الروعة الباهرة لانتصار العقيدة على الحياة. وانتصار العزيمة على الألم. وانتصار " الإنسان " على الشيطان. وهو مشهد بالغ الروعة.. نعترف أننا نعجز عن القول فيه. فندعه كما صوره النص القرآني الكريم !

آية رقم ١٢٠
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
ولكن المفاجأة لم تختم بعد. والمشهد ما يزال يحمل مفاجأة أخرى.. مفاجأة كبرى..
( وألقى السحرة ساجدين. قالوا : آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون )..
إنها صولة الحق في الضمائر. ونور الحق في المشاعر، ولمسة الحق للقلوب المهيأة لتلقي الحق والنور واليقين.. إن السحرة هم أعلم الناس بحقيقة فنهم، ومدى ما يمكن أن يبلغ إليه. وهم أعرف الناس بالذي جاء به موسى إن كان من السحر والبشر، أم من القدرة التي وراء مقدور البشر والسحر. والعالم في فنه هو أكثر الناس استعداداً للتسليم بالحقيقة فيه حين تتكشف له، لأنه أقرب إدراكاً لهذه الحقيقة، ممن لا يعرفون في هذا الفن إلا القشور..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ولكننا نحن في هذه الظلال ينبغي أن نقف وقفة قصيرة أمام هذا المشهد الباهر الأخاذ...
نقف ابتداء أمام إدراك فرعون وملئه أن إيمان السحرة برب العالمين، رب موسى وهارون، يمثل خطراً على نظام ملكهم وحكمهم ؛ لتعارض القاعدة التي يقوم عليها هذا الإيمان، مع القاعدة التي يقوم عليها ذلك السلطان.. وقد عرضنا لهذا الأمر من قبل.. ونريد أن نقرر هذه الحقيقة ونؤكدها.. إنه لا يجتمع في قلب واحد، ولا في بلد واحد، ولا في نظام حكم واحد، أن يكون الله رب العالمين، وأن يكون السلطان في حياة الناس لعبد من العبيد، يباشره بتشريع من عنده وقوانين.. فهذا دين وذلك دين..
ونقف بعد ذلك أمام إدراك السحرة - بعد أن أشرق نور الإيمان في قلوبهم، وجعل لهم فرقاناً في تصورهم - أن المعركة بينهم وبين فرعون وملئه هي معركة العقيدة ؛ وأنه لا ينقم منهم إلا إيمانهم برب العالمين. فهذا الإيمان على هذا النحو يهدد عرش فرعون وملكه وسلطانه ؛ ويهدد مراكز الملأ من قومه وسلطانهم المستمد من سلطان فرعون.. أو بتعبير آخر مرادف : من ربوبية فرعون، ويهدد القيم التي يقوم عليها المجتمع الوثني كله.. وهذا الإدراك لطبيعة المعركة ضروري لكل من يتصدى للدعوة إلى ربوبية الله وحده. فهو وحده الذي أهل هؤلاء المؤمنين للاستهانة بما يلقونه في سبيله.. إنهم يقدمون على الموت مستهينين ليقينهم بأنهم هم المؤمنون برب العالمين ؛ وأن عدوهم على دين غير دينهم ؛ لأنه بمزاولته للسلطان وتعبيد الناس لأمره ينكر ربوبية رب العالمين.. فهو إذن من الكافرين.. وما يمكن أن يمضي المؤمنون في طريق الدعوة إلى رب العالمين - على ما ينتظرهم فيها من التعذيب والتنكيل - إلا بمثل هذا اليقين بشقيه : أنهم هم المؤمنون، وأن أعداءهم هم الكافرون، وأنهم إنما يحاربونهم على الدين، ولا ينقمون منهم إلا الدين.
ونقف بعد ذلك أمام الروعة الباهرة لانتصار العقيدة على الحياة. وانتصار العزيمة على الألم. وانتصار " الإنسان " على الشيطان. وهو مشهد بالغ الروعة.. نعترف أننا نعجز عن القول فيه. فندعه كما صوره النص القرآني الكريم !

آية رقم ١٢١
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
( قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ )
ومن هنا تحول السحرة من التحدي السافر إلى التسليم المطلق، الذي يجدون برهانه في أنفسهم عن يقين..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ولكننا نحن في هذه الظلال ينبغي أن نقف وقفة قصيرة أمام هذا المشهد الباهر الأخاذ...
نقف ابتداء أمام إدراك فرعون وملئه أن إيمان السحرة برب العالمين، رب موسى وهارون، يمثل خطراً على نظام ملكهم وحكمهم ؛ لتعارض القاعدة التي يقوم عليها هذا الإيمان، مع القاعدة التي يقوم عليها ذلك السلطان.. وقد عرضنا لهذا الأمر من قبل.. ونريد أن نقرر هذه الحقيقة ونؤكدها.. إنه لا يجتمع في قلب واحد، ولا في بلد واحد، ولا في نظام حكم واحد، أن يكون الله رب العالمين، وأن يكون السلطان في حياة الناس لعبد من العبيد، يباشره بتشريع من عنده وقوانين.. فهذا دين وذلك دين..
ونقف بعد ذلك أمام إدراك السحرة - بعد أن أشرق نور الإيمان في قلوبهم، وجعل لهم فرقاناً في تصورهم - أن المعركة بينهم وبين فرعون وملئه هي معركة العقيدة ؛ وأنه لا ينقم منهم إلا إيمانهم برب العالمين. فهذا الإيمان على هذا النحو يهدد عرش فرعون وملكه وسلطانه ؛ ويهدد مراكز الملأ من قومه وسلطانهم المستمد من سلطان فرعون.. أو بتعبير آخر مرادف : من ربوبية فرعون، ويهدد القيم التي يقوم عليها المجتمع الوثني كله.. وهذا الإدراك لطبيعة المعركة ضروري لكل من يتصدى للدعوة إلى ربوبية الله وحده. فهو وحده الذي أهل هؤلاء المؤمنين للاستهانة بما يلقونه في سبيله.. إنهم يقدمون على الموت مستهينين ليقينهم بأنهم هم المؤمنون برب العالمين ؛ وأن عدوهم على دين غير دينهم ؛ لأنه بمزاولته للسلطان وتعبيد الناس لأمره ينكر ربوبية رب العالمين.. فهو إذن من الكافرين.. وما يمكن أن يمضي المؤمنون في طريق الدعوة إلى رب العالمين - على ما ينتظرهم فيها من التعذيب والتنكيل - إلا بمثل هذا اليقين بشقيه : أنهم هم المؤمنون، وأن أعداءهم هم الكافرون، وأنهم إنما يحاربونهم على الدين، ولا ينقمون منهم إلا الدين.
ونقف بعد ذلك أمام الروعة الباهرة لانتصار العقيدة على الحياة. وانتصار العزيمة على الألم. وانتصار " الإنسان " على الشيطان. وهو مشهد بالغ الروعة.. نعترف أننا نعجز عن القول فيه. فندعه كما صوره النص القرآني الكريم !

آية رقم ١٢٢
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٢١:م١٠٣
( قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ )
ومن هنا تحول السحرة من التحدي السافر إلى التسليم المطلق، الذي يجدون برهانه في أنفسهم عن يقين..
خ١٢٦

يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
ولكن الطواغيت المتجبرين لا يدركون كيف يتسرب النور إلى قلوب البشر ؛ ولا كيف تمازجها بشاشة الإيمان ؛ ولا كيف تلمسها حرارة اليقين. فهم لطول ما استعبدوا الناس يحسبون أنهم يملكون تصريف الأرواح وتقليب القلوب - وهي بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء -.. ومن ثم فوجىء فرعون بهذا الإيمان المفاجىء الذي لم يدرك دبيبه في القلوب ولم يتابع خطاه في النفوس ؛ ولم يفطن إلى مداخله في شعاب الضمائر.. ثم هزته المفاجأة الخطيرة التي تزلزل العرش من تحته : مفاجأة استسلام السحرة - وهم من كهنة المعابد - لرب العالمين. رب موسى وهارون. بعد أن كانوا مجموعين لإبطال دعوة موسى وهارون إلى رب العالمين !.. والعرش والسلطان هما كل شيء في حياة الطواغيت.. وكل جريمة يمكن أن يرتكبوها بلا تحرج في سبيل المحافظة على الطاغوت :
( قال فرعون : آمنتم به قبل أن آذن لكم ! إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها. فسوف تعلمون. لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، ثم لأصلبنكم أجمعين )..
هكذا.. ( آمنتم به قبل أن آذن لكم ! ).. كأنما كان عليهم أن يستأذنوه في أن تنتفض قلوبهم للحق - وهم أنفسهم لاسلطان لهم عليها - أو يستأذنوه في أن ترتعش وجداناتهم - وهم أنفسهم لا يملكون من أمرها شيئاً - أو يستأذنوه في أن تشرق أرواحهم - وهم أنفسهم لا يمسكون مداخلها. أو كأنما كان عليهم أن يدفعوا اليقين وهو ينبت من الأعماق. أو أن يطمسوا الإيمان وهو يترقرق من الأغوار. أو أن يحجبوا النور وهو ينبعث من شعاب اليقين !
ولكنه الطاغوت جاهل غبي مطموس ؛ وهو في الوقت ذاته متعجرف متكبر مغرور !
ثم إنه الفزع على العرش المهدد والسلطان المهزوز :
( إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها )..
وفي نص آخر :( إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ) !
والمسألة واضحة المعالم.. إنها دعوة موسى إلى ( رب العالمين ).. هي التي تزعج وتخيف.. إنه لا بقاء ولا قرار لحكم الطواغيت مع الدعوة إلى رب العالمين. وهم إنما يقوم ملكهم على تنحية ربوبية الله للبشر بتنحية شريعته. وإقامة أنفسهم أرباباً من دون الله يشرعون للناس ما يشاءون، ويعبدون الناس لما يشرعون !.. إنهما منهجان لا يجتمعان... أو هما دينان لا يجتمعان.. أو هما ربان لا يجتمعان.. وفرعون كان يعرف وملؤه كانوا يعرفون.. ولقد فزعوا للدعوة من موسى وهارون إلى رب العالمين. فأولى أن يفزعوا الأن وقد ألقي السحرة ساجدين. قالوا : آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون ! والسحرة من كهنة الديانة الوثنية التي تؤله فرعون، وتمكنه من رقاب الناس باسم الدين !
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ولكننا نحن في هذه الظلال ينبغي أن نقف وقفة قصيرة أمام هذا المشهد الباهر الأخاذ...
نقف ابتداء أمام إدراك فرعون وملئه أن إيمان السحرة برب العالمين، رب موسى وهارون، يمثل خطراً على نظام ملكهم وحكمهم ؛ لتعارض القاعدة التي يقوم عليها هذا الإيمان، مع القاعدة التي يقوم عليها ذلك السلطان.. وقد عرضنا لهذا الأمر من قبل.. ونريد أن نقرر هذه الحقيقة ونؤكدها.. إنه لا يجتمع في قلب واحد، ولا في بلد واحد، ولا في نظام حكم واحد، أن يكون الله رب العالمين، وأن يكون السلطان في حياة الناس لعبد من العبيد، يباشره بتشريع من عنده وقوانين.. فهذا دين وذلك دين..
ونقف بعد ذلك أمام إدراك السحرة - بعد أن أشرق نور الإيمان في قلوبهم، وجعل لهم فرقاناً في تصورهم - أن المعركة بينهم وبين فرعون وملئه هي معركة العقيدة ؛ وأنه لا ينقم منهم إلا إيمانهم برب العالمين. فهذا الإيمان على هذا النحو يهدد عرش فرعون وملكه وسلطانه ؛ ويهدد مراكز الملأ من قومه وسلطانهم المستمد من سلطان فرعون.. أو بتعبير آخر مرادف : من ربوبية فرعون، ويهدد القيم التي يقوم عليها المجتمع الوثني كله.. وهذا الإدراك لطبيعة المعركة ضروري لكل من يتصدى للدعوة إلى ربوبية الله وحده. فهو وحده الذي أهل هؤلاء المؤمنين للاستهانة بما يلقونه في سبيله.. إنهم يقدمون على الموت مستهينين ليقينهم بأنهم هم المؤمنون برب العالمين ؛ وأن عدوهم على دين غير دينهم ؛ لأنه بمزاولته للسلطان وتعبيد الناس لأمره ينكر ربوبية رب العالمين.. فهو إذن من الكافرين.. وما يمكن أن يمضي المؤمنون في طريق الدعوة إلى رب العالمين - على ما ينتظرهم فيها من التعذيب والتنكيل - إلا بمثل هذا اليقين بشقيه : أنهم هم المؤمنون، وأن أعداءهم هم الكافرون، وأنهم إنما يحاربونهم على الدين، ولا ينقمون منهم إلا الدين.
ونقف بعد ذلك أمام الروعة الباهرة لانتصار العقيدة على الحياة. وانتصار العزيمة على الألم. وانتصار " الإنسان " على الشيطان. وهو مشهد بالغ الروعة.. نعترف أننا نعجز عن القول فيه. فندعه كما صوره النص القرآني الكريم !

آية رقم ١٢٤
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
وهكذا أطلق فرعون ذلك التوعد الوحشي الفظيع :
( فسوف تعلمون. لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، ثم لأصلبنكم أجمعين )..
إنه التعذيب والتشوية والتنكيل.. وسيلة الطواغيت في مواجهة الحق، الذي لا يملكون دفعه بالحجة والبرهان.. وعدة الباطل في وجه الحق الصريح..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ولكننا نحن في هذه الظلال ينبغي أن نقف وقفة قصيرة أمام هذا المشهد الباهر الأخاذ...
نقف ابتداء أمام إدراك فرعون وملئه أن إيمان السحرة برب العالمين، رب موسى وهارون، يمثل خطراً على نظام ملكهم وحكمهم ؛ لتعارض القاعدة التي يقوم عليها هذا الإيمان، مع القاعدة التي يقوم عليها ذلك السلطان.. وقد عرضنا لهذا الأمر من قبل.. ونريد أن نقرر هذه الحقيقة ونؤكدها.. إنه لا يجتمع في قلب واحد، ولا في بلد واحد، ولا في نظام حكم واحد، أن يكون الله رب العالمين، وأن يكون السلطان في حياة الناس لعبد من العبيد، يباشره بتشريع من عنده وقوانين.. فهذا دين وذلك دين..
ونقف بعد ذلك أمام إدراك السحرة - بعد أن أشرق نور الإيمان في قلوبهم، وجعل لهم فرقاناً في تصورهم - أن المعركة بينهم وبين فرعون وملئه هي معركة العقيدة ؛ وأنه لا ينقم منهم إلا إيمانهم برب العالمين. فهذا الإيمان على هذا النحو يهدد عرش فرعون وملكه وسلطانه ؛ ويهدد مراكز الملأ من قومه وسلطانهم المستمد من سلطان فرعون.. أو بتعبير آخر مرادف : من ربوبية فرعون، ويهدد القيم التي يقوم عليها المجتمع الوثني كله.. وهذا الإدراك لطبيعة المعركة ضروري لكل من يتصدى للدعوة إلى ربوبية الله وحده. فهو وحده الذي أهل هؤلاء المؤمنين للاستهانة بما يلقونه في سبيله.. إنهم يقدمون على الموت مستهينين ليقينهم بأنهم هم المؤمنون برب العالمين ؛ وأن عدوهم على دين غير دينهم ؛ لأنه بمزاولته للسلطان وتعبيد الناس لأمره ينكر ربوبية رب العالمين.. فهو إذن من الكافرين.. وما يمكن أن يمضي المؤمنون في طريق الدعوة إلى رب العالمين - على ما ينتظرهم فيها من التعذيب والتنكيل - إلا بمثل هذا اليقين بشقيه : أنهم هم المؤمنون، وأن أعداءهم هم الكافرون، وأنهم إنما يحاربونهم على الدين، ولا ينقمون منهم إلا الدين.
ونقف بعد ذلك أمام الروعة الباهرة لانتصار العقيدة على الحياة. وانتصار العزيمة على الألم. وانتصار " الإنسان " على الشيطان. وهو مشهد بالغ الروعة.. نعترف أننا نعجز عن القول فيه. فندعه كما صوره النص القرآني الكريم !

آية رقم ١٢٥
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
ولكن النفس البشرية حين تستعلن فيها حقيقة الإيمان ؛ تستعلى على قوة الأرض، وتستهين ببأس الطغاة ؛ وتنتصر فيها العقيدة على الحياة، وتحتقر الفناء الزائل إلى جوار الخلود المقيم. إنها لا تقف لتسأل : ماذا ستأخذ وماذا ستدع ؟ ماذا ستقبض وماذا ستدفع ؟ ماذا ستخسر وماذا ستكسب ؟ وماذا ستلقى في الطريق من صعاب وأشواك وتضحيات ؟.. لأن الأفق المشرق الوضيء أمامها هناك، فهي لا تنظر إلى شيء في الطريق. ( قالوا : إنا إلى ربنا منقلبون. وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا. ربنا أفرغ علينا صبراً، وتوفنا مسلمين )..
إنه الإيمان الذي لا يفزع ولا يتزعزع. كما أنه لا يخضع أو يخنع. الإيمان الذي يطمئن إلى النهاية فيرضاها، ويستيقن من الرجعة إلى ربه فيطمئن إلى جواره :
( قالوا : إنا إلى ربنا منقلبون )..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ولكننا نحن في هذه الظلال ينبغي أن نقف وقفة قصيرة أمام هذا المشهد الباهر الأخاذ...
نقف ابتداء أمام إدراك فرعون وملئه أن إيمان السحرة برب العالمين، رب موسى وهارون، يمثل خطراً على نظام ملكهم وحكمهم ؛ لتعارض القاعدة التي يقوم عليها هذا الإيمان، مع القاعدة التي يقوم عليها ذلك السلطان.. وقد عرضنا لهذا الأمر من قبل.. ونريد أن نقرر هذه الحقيقة ونؤكدها.. إنه لا يجتمع في قلب واحد، ولا في بلد واحد، ولا في نظام حكم واحد، أن يكون الله رب العالمين، وأن يكون السلطان في حياة الناس لعبد من العبيد، يباشره بتشريع من عنده وقوانين.. فهذا دين وذلك دين..
ونقف بعد ذلك أمام إدراك السحرة - بعد أن أشرق نور الإيمان في قلوبهم، وجعل لهم فرقاناً في تصورهم - أن المعركة بينهم وبين فرعون وملئه هي معركة العقيدة ؛ وأنه لا ينقم منهم إلا إيمانهم برب العالمين. فهذا الإيمان على هذا النحو يهدد عرش فرعون وملكه وسلطانه ؛ ويهدد مراكز الملأ من قومه وسلطانهم المستمد من سلطان فرعون.. أو بتعبير آخر مرادف : من ربوبية فرعون، ويهدد القيم التي يقوم عليها المجتمع الوثني كله.. وهذا الإدراك لطبيعة المعركة ضروري لكل من يتصدى للدعوة إلى ربوبية الله وحده. فهو وحده الذي أهل هؤلاء المؤمنين للاستهانة بما يلقونه في سبيله.. إنهم يقدمون على الموت مستهينين ليقينهم بأنهم هم المؤمنون برب العالمين ؛ وأن عدوهم على دين غير دينهم ؛ لأنه بمزاولته للسلطان وتعبيد الناس لأمره ينكر ربوبية رب العالمين.. فهو إذن من الكافرين.. وما يمكن أن يمضي المؤمنون في طريق الدعوة إلى رب العالمين - على ما ينتظرهم فيها من التعذيب والتنكيل - إلا بمثل هذا اليقين بشقيه : أنهم هم المؤمنون، وأن أعداءهم هم الكافرون، وأنهم إنما يحاربونهم على الدين، ولا ينقمون منهم إلا الدين.
ونقف بعد ذلك أمام الروعة الباهرة لانتصار العقيدة على الحياة. وانتصار العزيمة على الألم. وانتصار " الإنسان " على الشيطان. وهو مشهد بالغ الروعة.. نعترف أننا نعجز عن القول فيه. فندعه كما صوره النص القرآني الكريم !

ولكننا نحن في هذه الظلال ينبغي أن نقف وقفة قصيرة أمام هذا المشهد الباهر الأخاذ...
نقف ابتداء أمام إدراك فرعون وملئه أن إيمان السحرة برب العالمين، رب موسى وهارون، يمثل خطراً على نظام ملكهم وحكمهم ؛ لتعارض القاعدة التي يقوم عليها هذا الإيمان، مع القاعدة التي يقوم عليها ذلك السلطان.. وقد عرضنا لهذا الأمر من قبل.. ونريد أن نقرر هذه الحقيقة ونؤكدها.. إنه لا يجتمع في قلب واحد، ولا في بلد واحد، ولا في نظام حكم واحد، أن يكون الله رب العالمين، وأن يكون السلطان في حياة الناس لعبد من العبيد، يباشره بتشريع من عنده وقوانين.. فهذا دين وذلك دين..
ونقف بعد ذلك أمام إدراك السحرة - بعد أن أشرق نور الإيمان في قلوبهم، وجعل لهم فرقاناً في تصورهم - أن المعركة بينهم وبين فرعون وملئه هي معركة العقيدة ؛ وأنه لا ينقم منهم إلا إيمانهم برب العالمين. فهذا الإيمان على هذا النحو يهدد عرش فرعون وملكه وسلطانه ؛ ويهدد مراكز الملأ من قومه وسلطانهم المستمد من سلطان فرعون.. أو بتعبير آخر مرادف : من ربوبية فرعون، ويهدد القيم التي يقوم عليها المجتمع الوثني كله.. وهذا الإدراك لطبيعة المعركة ضروري لكل من يتصدى للدعوة إلى ربوبية الله وحده. فهو وحده الذي أهل هؤلاء المؤمنين للاستهانة بما يلقونه في سبيله.. إنهم يقدمون على الموت مستهينين ليقينهم بأنهم هم المؤمنون برب العالمين ؛ وأن عدوهم على دين غير دينهم ؛ لأنه بمزاولته للسلطان وتعبيد الناس لأمره ينكر ربوبية رب العالمين.. فهو إذن من الكافرين.. وما يمكن أن يمضي المؤمنون في طريق الدعوة إلى رب العالمين - على ما ينتظرهم فيها من التعذيب والتنكيل - إلا بمثل هذا اليقين بشقيه : أنهم هم المؤمنون، وأن أعداءهم هم الكافرون، وأنهم إنما يحاربونهم على الدين، ولا ينقمون منهم إلا الدين.
ونقف بعد ذلك أمام الروعة الباهرة لانتصار العقيدة على الحياة. وانتصار العزيمة على الألم. وانتصار " الإنسان " على الشيطان. وهو مشهد بالغ الروعة.. نعترف أننا نعجز عن القول فيه. فندعه كما صوره النص القرآني الكريم !
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
ثم نعود إلى سياق القصة القرآني.. حيث يرفع الستار عن مشهد رابع جديد.. إنه مشهد التآمر والتناجي بالإثم والتحريض. بعد الهزيمة والخذلان في معركة الإيمان والطغيان. مشهد الملأ من قوم فرعون يكبر عليهم أن يذهب موسى ناجياً والذين آمنوا معه - وما آمن له إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم. كما جاء في موضع آخر من القرآن - فإذا الملأ يتناجون بالشر والإثم، وهم يهيجون فرعون على موسى ومن معه ؛ ويخوفونه عاقبة التهاون في أمرهم ؛ من ضياع الهيبة والسلطان ؛ باستشراء العقيدة الجديدة، في ربوبية الله للعالمين. فإذا هو هائج مائج، مهدد متوعد، مستعز بالقوة الغاشمة التي بين يديه، وبالسلطان المادي الذي يرتكن إليه !
( وقال الملأ من قوم فرعون : أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك ؟ قال : سنقتل أبناءهم، ونستحيي نساءهم، وإنا فوقهم قاهرون )..
إن فرعون لم يكن يدعي الألوهية بمعنى أنه هو خالق هذا الكون ومدبره ؛ أو أن له سلطاناً في عالم الأسباب الكونية. إنما كان يدعي الألوهية على شعبه المستذل ! بمعنى أنه هو حاكم هذا الشعب بشريعته وقانونه ؛ وأنه بإرادته وأمره تمضي الشئون وتقضى الأمور. وهذا ما يدعيه كل حاكم يحكم بشريعته وقانونه، وتمضي الشؤون وتقضى الأمور بإرادته وأمره - وهذه هي الربوبية بمعناها اللغوي والواقعي - كذلك لم يكن الناس في مصر يعبدون فرعون بمعنى تقديم الشعائر التعبدية له - فقد كانت لهم آلهتهم وكان لفرعون آلهته التي يعبدها كذلك، كما هو ظاهر من قول الملأ له :( ويذرك وآلهتك ) وكما يثبت المعروف من تاريخ مصر الفرعونية. إنما هم كانوا يعبدونه بمعنى أنهم خاضعون لما يريده بهم، لا يعصون له أمراً، ولا ينقضون له شرعاً.. وهذا هو المعنى اللغوي والواقعي والاصطلاحي للعبادة.. فأيما ناس تلقوا التشريع من بشر وأطاعوه فقد عبدوه، وذلك هو تفسير رسول الله [ ص ] لقوله تعالى عن اليهود والنصارى : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله... الآية عندما سمعها منه عدي بن حاتم - وكان نصرانياً جاء ليسلم - فقال : يا رسول الله ماعبدوهم. فقال له رسول الله [ ص ] :" بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال ؛ فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم "... [ أخرجه الترمذي ].
أما قول فرعون لقومه :( ما علمت لكم من إله غيري ).. فيفسره قوله الذي حكاه القرآن عنه : أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي، أفلا تبصرون ؟ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين. ولا يكاد يبين ؟ فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين ؟.. وظاهر أنه كان يوازن بين ما هو فيه من ملك ومن أسورة الذهب التي يحلى بها الملوك، وبين ما فيه موسى من تجرد من السلطان والزينة !. وما قصد بقوله :( ما علمت لكم من إله غيري ) إلا أنه هو الحاكم المسيطر الذي يسيرهم كما يشاء ؛ والذي يتبعون كلمته بلا معارض ! والحاكمية على هذا النحو ألوهية كما يفيد المدلول اللغوي ! وهي في الواقع ألوهية. فالإله هو الذي يشرع للناس وينفذ حكمه فيهم ! سواء قالها أم لم يقلها ! وعلى ضوء هذا البيان نملك أن نفهم مدلول قول ملأ فرعون :
( أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض، ويذرك وآلهتك ؟ )..
فالإفساد في الأرض - من وجهة نظرهم - هو الدعوة إلى ربوبية الله وحده ؛ حيث يترتب عليها تلقائياً بطلان شرعية حكم فرعون ونظامه كله. إذ أن هذا النظام قائم على أساس حاكمية فرعون بأمره - أو بتعبير مرادف على أساس ربوبية فرعون لقومه - وإذن فهو - بزعمهم - الإفساد في الأرض، بقلب نظام الحكم، وتغيير الأوضاع القائمة على ربوبية البشر للبشر، وإنشاء وضع آخر مخالف تماماً لهذه الأوضاع، الربوبية فيه لله لا للبشر. ومن ثم قرنوا الإفساد في الأرض بترك موسى وقومه لفرعون ولآلهته التي يعبدها هو وقومه..
ولقد كان فرعون إنما يستمد هيبته وسلطانه من الديانة التي تعبد فيها هذه الآلهة.. بزعم أنه الابن الحبيب لهذه الآلهة ! وهي بنوة ليست حسية ! فلقد كان الناس يعرفون جيداً أن الفرعون مولود من أب وأم بشريين. إنما كانت بنوة رمزية يستمد منها سلطانه وحاكميته. فإذا عبد موسى وقومه رب العالمين. وتركوا هذه الآلهة التي يعبدها المصريون، فمعنى هذا هو تحطيم الأساس الذي يستمد منه فرعون سلطانه الروحي على شعبه المستخف ؛ الذي إنما يطيعه لأنه هو كذلك فاسق عن دين الله الصحيح.. وذلك كما يقول الله سبحانه :( فاستخف قومه فأطاعوه.. إنهم كانوا قوماً فاسقين ) فهذا هو التفسير الصحيح للتاريخ.. وما كان فرعون بقادر على أن يستخف قومه فيطيعوه، لو لم يكونوا فاسقين عن دين الله.. فالمؤمن بالله لا يستخفه الطاغوت، ولا يمكن أن يطيع له امراً، وهو يعلم أن هذا الأمر ليس من شرع الله.. ومن هنا كان يجيء التهديد لنظام حكم فرعون كله بدعوة موسى - عليه السلام - إلى ( رب العالمين )وإيمان السحرة بهذا الدين، وإيمان طائفة من قوم موسى كذلك وعبادتهم لرب العالمين.. ومن هنا يجيء التهديد لكل وضع يقوم على ربوبية البشر للبشر من الدعوة إلى ربوبية الله وحده.. أو من شهادة أن لا إله إلا الله.. حين تؤخذ بمدلولها الجدي الذي كان الناس يدخلون به في الإسلام. لا بمدلولها الباهت الهزيل الذي صار لها في هذه الأيام !
ومن هنا كذلك استثارت هذه الكلمات فرعون، وأشعرته بالخطر الحقيقي على نظامه كله فانطلق يعلن عزمه الوحشي البشع :
( قال : سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون ) :
وكان بنو إسرائيل قد عانوا من قبل - في إبان مولد موسى - مثل هذا التنكيل الوحشي من فرعون وملئه كما يقول الله تعالى في سورة القصص :( إن فرعون علا في الأرض، وجعل أهلها شيعاً، يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين )..
إنه الطغيان في كل مكان وفي كل زمان. لا فرق بين وسائله اليوم ووسائله قبل عشرات القرون والأعوام.. !
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
ويدع السياق فرعون وملأه يتآمرون، ويسدل الستار على مشهد التآمر والوعيد، ليرفعه على مشهد خامس من مشاهد القصة ندرك منه أن فرعون قد مضى ينفذ الوعيد.. إنه مشهد النبي موسى - عليه السلام - مع قومه، يحدثهم بقلب النبي ولغته، ومعرفته بحقيقة ربه ؛ وبسنته وقدره، فيوصيهم باحتمال الفتنة، والصبر على البلية، والاستعانة بالله عليها. ويعرفهم بحقيقة الواقع الكوني. فالأرض لله يورثها من يشاء من عباده. والعاقبة لمن يتقون الله ولا يخشون أحداً سواه.. فإذا شكوا إليه أن هذا العذاب الذي يحل بهم قد حل بهم من قبل أن يأتيهم، وهو يحل بهم كذلك بعدما جاءهم، حيث لا تبدو له نهاية، ولا يلوح له آخر ! أعلن لهم رجاءه في ربه أن يهلك عدوهم، ويستخلفهم في الأرض ليبتليهم في أمانة الخلافة :
( قال موسى لقومه : استعينوا بالله واصبروا، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين. قالوا : أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا. قال : عسى ربكم أن يهلك عدوكم، ويستخلفكم في الأرض، فينظر كيف تعملون ).
إنها رؤية " النبي " لحقيقة الألوهية وإشراقها في قلبه. ولحقيقة الواقع الكوني والقوى التي تعمل فيه. ولحقيقة السنة الإلهية وما يرجوه منها الصابرون..
إنه ليس لأصحاب الدعوة إلى رب العالمين إلا ملاذ واحد، وهو الملاذ الحصين الأمين، وإلا ولي واحد وهو الولي القوي المتين. وعليهم أن يصبروا حتى يأذن الولي بالنصرة في الوقت الذي يقدره بحكمته وعلمه. وألا يعجلوا، فهم لا يطلعون الغيب، ولا يعلمون الخير..
وإن الأرض لله. وما فرعون وقومه إلا نزلاء فيها. والله يورثها من يشاء من عباده - وفق سنته وحكمته - فلا ينظر الداعون إلى رب العالمين، إلى شيء من ظواهر الأمور التي تخيل للناظرين أن الطاغوت مكين في الأرض غير مزحزح عنها.. فصاحب الأرض ومالكها هو الذي يقرر متى يطردهم منها !
وإن العاقبة للمتقين.. طال الزمن أم قصر.. فلا يخالج قلوب الداعين إلى رب العالمين قلق على المصير. ولا يخايل لهم تقلب الذين كفروا في البلاد، فيحسبونهم باقين..
إنها رؤية " النبي " لحقائق الوجود الكبير..
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
ولكن إسرائيل هي إسرائيل !
( قالوا : أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ) :
إنها كلمات ذات ظل ! وإنها لتشي بما وراءها من تبرم ! أوذينا قبل مجيئك وما تغير شيء بمجيئك. وطال هذا الأذى حتى ما تبدو له نهاية !
ويمضي النبي الكريم على نهجه. يذكرهم بالله، ويعلق رجاءهم به، ويلوح لهم بالأمل في هلاك عدوهم. واستخلافهم في الأرض. مع التحذير من فتنة الاستخلاف.
( قال : عسى ربكم أن يهلك عدوكم، ويستخلفكم في الأرض، فينظر كيف تعملون ).
إنه ينظر بقلب النبي فيرى سنة الله، تجري وفق وعده، للصابرين، وللجاحدين ! ويرى من خلال سنة الله هلاك الطاغوت وأهله، واستخلاف الصابرين المستعينين بالله وحده. فيدفع قومه دفعاُ إلى الطريق لتجري بهم سنة الله إلى ما يريد.. وهو يعلمهم - منذ البدء - أن استخلاف الله لهم إنما هو ابتلاء لهم. ليس أنهم أبناء الله وأحباؤه - كما زعموا - فلا يعذبهم بذنوبهم ! وليس جزافاً بلا غاية. وليس خلوداً بلا توقيت. إنه استخلاف للامتحان :( فينظر كيف تعملون ).. وهو سبحانه يعلم ماذا سيكون قبل أن يكون. ولكنها سنة الله وعدله ألا يحاسب البشر حتى يقع منهم في العيان، ما هو مكشوف من الغيب لعلمه القديم.
آية رقم ١٣٠
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
ويدع السياق موسى وقومه ؛ ويسدل عليهم الستار، ليرفعه من الجانب الآخر على مشهد سادس : مشهد فرعون وآله، يأخذهم الله بعاقبة الظلم والطغيان ؛ ويحقق وعد موسى لقومه، ورجاءه في ربه ؛ ويصدق النذير الذي يظلل جو السورة، وتساق القصة كلها لتصديقه.
ويبدأ المشهد هوناً ؛ ولكن العاصفة تتمشى فيه شيئاً فشيئاً، فإذا كان قبيل إسدال الستار دمدمت العاصفة، فدمرت كل شيء، وعصفت بكل شيء، وخلا وجه الأرض من الطاغية وذيول الطاغية، وعلمنا أن بني إسرائيل قد صبروا فلقوا جزاء صبرهم الحسنى، وأن فرعون وآله فجروا فلقوا جزاء فجورهم الدمار وصدق وعد الله ووعيده ؛ وجرت سنة الله في أخذ المكذبين بالهلاك بعد أخذهم بالضراء والسراء :
( ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون. فإذا جاءتهم الحسنة قالوا : لنا هذه ! وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه. ألا إنما طائرهم عند الله، ولكن أكثرهم لا يعلمون. وقالوا : مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين. فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.. آيات مفصلات.. فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين. ولما وقع عليهم الرجز قالوا : يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل. فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون. فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين. وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ؛ وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل.. بما صبروا.. ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون )..
لقد مضى فرعون وملؤه إذن في جبروتهم ؛ ونفذ فرعون وعيده وتهديده، فقتل الرجال واستحيا النساء. ولقد مضى موسى وقومه يحتملون العذاب، ويرجون فرج الله، ويصبرون على الابتلاء.. وعندئذ.. عندما نمحص الموقف : إيمان يقابله الكفر. وطغيان يقابله الصبر. وقوة أرضية تتحدى الله.. عندئذ أخذت القوة الكبرى تتدخل سافرة بين المتجبرين والصابرين :
( ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون )..
إنها إشارة التحذير الأولى.. الجدب ونقص الثمرات.. و( السنين ) تطلق في اللغة على سني الجدب والشدة والقحط. وهي في أرض مصر، المخصبة المثمرة المعطاء، تبدو ظاهرة تلفت النظر، وتهز القلب، وتثير القلق، وتدعو إلى اليقظة والتفكر ؛ لولا أن الطاغوت والذين يستخفهم الطاغوت - بفسقهم عن دين الله - فيطيعونه، لا يريدون أن يتدبروا ولا أن يتفكروا ؛ ولا يريدون أن يروا يد الله في جدب الأرض ونقص الثمرات ؛ ولا يريدون أن يتذكروا سنن الله ووعده ووعيده ؛ ولا يريدون أن يعترفوا بأن هناك علاقة وثيقة بين القيم الإيمانية وواقعيات الحياة العملية.. لأن هذه العلاقة من عالم الغيب.. وهم أغلظ حساً وأجهل قلباً من أن يروا وراء الواقع المحسوس - الذي تراه البهائم وتحسه ولا ترى غيره ولا تحسه - شيئاً ! وإذا رأوا شيئاً من عالم الغيب لم يتفطنوا إلى سنة الله الجارية وفق المشيئة الطليقة ؛ وإنما نسبوه إلى المصادفات العابرة، التي لا علاقة لها بنواميس الوجود الدائرة.
وكذلك لم ينتبه آل فرعون إلى اللمسة الموقظة الدالة على رحمة الله بعباده - حتى وهم يكفرون ويفجرون. كانت الوثنية وخرافاتها قد أفسدت فطرتهم ؛ وقطعت ما بينهم وبين إدراك النواميس الدقيقة الصحيحة التي تصرف هذا الكون، كما تصرف حياة الناس ؛ والتي لا يراها ولا يدركها على حقيقتها إلا المؤمنون بالله إيماناً صحيحاً.. الذين يدركون أن هذا الوجود لم يخلق سدى، ولا يمضي عبثاً، إنما تحكمه قوانين صارمة صادقة.. وهذه هي " العقلية العلمية " الحقيقية. وهي عقلية لا تنكر " غيب الله " لأنه لا تعارض بين " العلمية " الحقيقية و " الغيبية " ؛ ولا تنكر العلاقة بين القيم الإيمانية وواقعيات الحياة، لأن وراءها الله الفعال لما يريد ؛ الذي يريد من عباده الإيمان وهو يريد منهم الخلافة في الأرض، والذي يسن لهم من شريعته ما يتناسق مع القوانين الكونية ليقع التناسق بين حركة قلوبهم وحركتهم في الأرض..
لم ينتبه آل فرعون إلى العلاقة بين كفرهم وفسقهم عن دين الله، وبغيهم وظلمهم لعباد الله.. وبين أخذهم بالجدب ونقص الثمرات.. في مصر التي تفيض بالخصب والعطاء، ولا تنقص غلتها عن إعالة أهلها إلا لفسوق أهلها وأخذهم بالابتلاء لعلهم يتذكرون !
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
لم ينتبهوا لهذه الظاهرة التي شاءت رحمة الله بعباده أن تبرزها لأعينهم. ولكنهم كانوا إذا أصابتهم الحسنة والرخاء حسبوها حقاً طبيعياً لهم ! وإذا أصابتهم السيئة والجدب نسبوا هذا إلى شؤم موسى ومن معه عليهم.
( فإذا جاءتهم الحسنة قالوا : لنا هذه ! وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه )..
وحين تنحرف الفطرة عن الإيمان بالله، فإنها لا ترى يده - سبحانه - في تصريف هذا الوجود ؛ ولا ترى قدره الذي تنشأ به الأشياء والأحداث. وعندئذ تفقد إدراكها وحساسيتها بالنواميس الكونية الثابتة النافذة. فتفسر الحوادث تفسيرات منفصلة منعزلة. لا صلة بينها ولا قاعدة ولا ترابط ؛ وتهيم مع الخرافة في دروب ملتوية متفرقة ؛ لا تلتقي عند قاعدة، ولا تجتمع وفق نظام - وذلك كالذي قاله خروشوف صاحب الاشتراكية " العلمية ! " عن معاكسة " الطبيعة ! " لهم في تعليل نقص الثمرات والغلات ! وكما يقول الذين يمضون مع هذه " العلمية " المدعاة في تعليل مثل هذه الأحداث.. وهم ينكرون قدر الله.. وفيهم من يدعي بعد استنكار غيب الله وقدر الله أنه " مسلم " وهو ينكر أصول الإيمان بالله !
وهكذا مضى فرعون وآله يعللون الأحداث. الحسنة التي تصيبهم هي من حسن حظهم وهم يستحقونها. والسيئة التي تصيبهم هي بشؤم موسى ومن معه عليهم، ومن تحت رأسهم !
وأصل " التطير " في لغة العرب ما كان الجاهليون في وثنيتهم وشركهم وبعدهم عن إدراك سنن الله وقدره يزاولونه.. فقد كان الرجل منهم إذا أراد أمرا، جاء إلى عش طائر فهيجه عنه، فإذا طار عن يمينه - وهو السانح - استبشر بذلك ومضى في الأمر الذي يريده. وإذا طار الطائر عن شماله - وهو البارح - تشاءم به ورجع عما عزم عليه ! فأبطل الإسلام هذا التفكير الخرافي ؛ وأحل محله التفكير " العلمي " - العلمي الصحيح - وأرجع الأمور إلى سنن الله الثابتة في الوجود ؛ وإلى قدر الله الذي يحقق هذه السنن في كل مرة تتحقق فيها ؛ وأقام الأمور على أسس " علمية " يحسب فيها نية الإنسان وعمله وحركته وجهده ؛ وتوضع في موضعها الصحيح، في إطار المشيئة الإلهية الطليقة، وقدره النافذ المحيط :
( ألا إنما طائرهم عند الله ؛ ولكن أكثرهم لا يعلمون )..
إن ما يقع لهم مصدره كله واحد.. إنه من أمر الله.. ومن هذا المصدر تصيبهم الحسنة للابتلاء.. وتصيبهم السيئة للابتلاء :( ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ).. ويصيبهم النكال للجزاء.. ولكن أكثرهم لا يعلمون.. كالذين ينكرون غيب الله وقدره في هذه الأيام باسم " العقلية العلمية " ! وكالذين ينسبون إلى الطبيعة المعاكسة باسم " الاشتراكية العلمية " كذلك ! ! ! وكلهم جهال.. وكلهم لا يعلمون !
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
ويمضي آل فرعون في عتوهم، تأخذهم العزة بالإثم ؛ ويزيدهم الابتلاء شماساً وعناداُ :
( وقالوا : مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين )..
فهو الجموح الذي لا تروضه تذكرة ؛ ولا يرده برهان ؛ ولا يريد أن ينظر ولا أن يتدبر، لأنه يعلن الإصرار على التكذيب قبل أن يواجه البرهان - قطعاً للطريق على البرهان ! - وهي حالة نفسية تصيب المتجبرين حين يدمغهم الحق ؛ وتجبههم البينة، ويطاردهم الدليل.. بينما هواهم ومصلحتهم وملكهم وسلطانهم.. كله في جانب آخر غير جانب الحق والبينة والدليل !
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
عندئذ تتدخل القوة الكبرى سافرة بوسائلها الجبارة :
( فأرسلنا عليهم الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع والدم.. آيات مفصلات )
للإنذار والابتلاء.. آيات مفصلات.. واضحة الدلالة، منسقة الخطوات، تتبع الواحدة منها الأخرى، وتصدق اللاحقة منها السابقة.
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
ولقد جمع السياق هنا تلك الآيات المفصلة، التي جاءتهم مفرقة. واحدة واحدة. وهم في كل مرة يطلبون إلى موسى تحت ضغط البلية أن يدعو لهم ربه لينقذهم منها ؛ ويعدونه أن يرسلوا معه بني إسرائيل إذا أنجاهم منها، وإذا رفع عنهم هذا( الرجز )، أي العذاب، الذي لا قبل لهم بدفعه :
( ولما وقع عليهم الرجز قالوا : يا موسى ادع لنا ربك - بما عهد عندك - لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك، ولنرسلن معك بني إسرائيل )..
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
وفي كل مرة ينقضون عهدهم، ويعودون إلى ما كانوا فيه قبل رفع العذاب عنهم وفق قدر الله في تأجيلهم إلى أجلهم المقدور لهم :
( فلما كشفنا عنهم الرجز - إلى أجل هم بالغوه - إذا هم ينكثون )..
جمع السياق الآيات كلها، كأنما جاءتهم مرة واحدة. وكأنما وقع النكث منهم مرة واحدة. ذلك أن التجارب كلها كانت واحدة، وكانت نهايتها واحدة كذلك. وهي طريقة من طرق العرض القرآني للقصص يجمع فيها البدايات لتماثلها ؛ ويجمع فيه النهايات لتماثلها كذلك.. ذلك أن القلب المغلق المطموس يتلقى التجارب المنوعة وكأنها واحدة ؛ لايفيد منها شيئاً، ولا يجد فيها عبرة..
فأما كيف وقعت هذه الآيات، فليس لنا وراء النص القرآني شيء. ولم نجد في الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله [ ص ] عنها شيئاً. ونحن على طريقتنا في هذه " الظلال " نقف عند حدود النص القرآني في مثل هذه المواضع. لا سبيل لنا إلى شيء منها إلا من طريق الكتاب أو السنة الصحيحة. وذلك تحرزاًمن الإسرائيليات والأقوال والروايات التي لا أصل لها ؛ والتي تسربت - مع الأسف - إلى التفاسير القديمة كلها، حتى ما ينجو منها تفسير واحد من هذه التفاسير ؛ وحتى إن تفسير الإمام ابن جرير الطبري - على نفاسة قيمته - وتفسير ابن كثير كذلك - على عظيم قدره - لم ينجوا من هذه الظاهرة الخطيرة..
وقد وردت روايات شتى في شأن هذه الآيات عن ابن عباس، وعن سعيد بن جبير، وعن قتادة، وعن ابن إسحاق.. رواها أبو جعفر ابن جرير الطبري في تاريخه وفي تفسيره. وهذه واحدة منها :
" حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن المغيرة، عن سعيد بن جبير قال : لما أتى موسى فرعون قال له : أرسل معي بني إسرائيل، فأبى عليه، فأرسل الله عليهم الطوفان - وهو المطر - فصب عليهم منه شيئاً، فخافوا أن يكون عذاباً، فقالوا لموسى : ادع لنا ربك أن يكشف عنا المطر فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل ! فدعا ربه، فلم يؤمنوا، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل ؛ فأنبت لهم في تلك السنة شيئاً لم ينبته قبل ذلك من الزرع والثمر والكلأ. فقالوا : هذا ما كنا نتمنى ! فأرسل الله عليهم الجراد فسلطه على الكلأ، فلما رأوا أثره في الكلأ عرفوا أنه لايبقي الزرع. فقالوا : يا موسى ادع لنا ربك فيكشف عنا الجراد فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل ! فدعا ربه، فكشف عنهم الجراد، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل ! فداسوا وأحرزوا في البيوت، فقالوا : قد أحرزنا ! فأرسل الله عليهم القمل - وهو السوس الذي يخرج منه - فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها ثلاثة أقفزة. فقالوا : ياموسى ادع لنا ربك يكشف عنا القمل، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل ! فدعا ربه فكشف عنهم، فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل. فبينما هو جالس عند فرعون، إذ سمع نقيق ضفدع فقال لفرعون : ما تلقى أنت وقومك من هذا ! فقال : وما عسى أن يكون كيد هذا ؟ ! فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع، ويهم أن يتكلم فتثب الضفادع في فيه. فقالوا لموسى : ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل ! فكشف عنهم فلم يؤمنوا. فأرسل الله عليهم الدم، فكانوا ما استقوا من الأنهار والآبار، أو ما كان في أوعيتهم، وجدوه دماً عبيطاً. فشكوا إلى فرعون فقالوا : إنا قد ابتلينا بالدم، وليس لنا شراب ! فقال : إنه قد سحركم ! فقالوا : من أين سحرنا، ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئاً من الماء إلا وجدناه دماً عبيطاً ؟ فأتوه فقالوا : يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم، فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل ! فدعا ربه، فكشف عنهم، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل ".
والله أعلم أي ذلك كان.. والصورة التي جاءت بها هذه الآيات لا يؤثر اختلافها في طبيعة هذه الآيات. فالله - سبحانه - أرسلها بقدره، في وقت معين، ابتلاء لقوم معينين ؛ وفق سنته في أخذ المكذبين بالضراء لعلهم يتضرعون.
ولقد كان قوم فرعون على وثنيتهم وجاهليتهم ؛ وعلى استخفاف فرعون بهم لفسقهم، يلجأون إلى موسى - عليه السلام - ليدعو ربه بما عهد عنده، ليكشف عنهم البلاء.. وإن كانت السلطات الحاكمة بعد ذلك تنكث ولا تستجيب. لأنها تقوم على ربوبية فرعون للبشر ؛ وتفزع من ربوبية الله لهم. إذ أن ذلك معناه هدم نظام الحكم الذي يقوم على حاكمية فرعون لا حاكمية الله !.. أما أهل الجاهلية الحديثة فإن الله يسلطالآفات على زروعهم، فلا يريدون أن يرجعوا إلى الله البتة ! وإذا أحس أصحاب الزروع من الفلاحين بيد الله في هذه الآفات، - وهو الشعور الفطري حتى في النفوس الكافرة في ساعات الخطر والشدة ! - واتجهوا إلى الله بالدعاء أن يكشف عنهم البلاء، قال لهم أصحاب " العلمية ! " الكاذبة : هذا الاتجاه خرافة " غيبية ! " وتندروا عليهم وسخروا منهم ! ليردوهم إلى كفر أشد وأشنع من كفر الوثنيين !
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
ثم تجيء الخاتمة - وفق سنة الله في أخذ المكذبين بعد الابتلاء بالضراء والسراء - وتقع الواقعة. ويدمر الله على فرعون وملئه - بعد إذ أمهلهم وأجلهم إلى أجل هم بالغوه - ويحقق وعده للمستضعفين الصابرين، بعد إهلاك الطغاة المتجبرين :
( فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم، بأنهم كذبوا بآياتنا، وكانوا عنها غافلين. وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا، ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه، وما كانوا يعرشون )..
والسياق يختصر هنا في حادث الإغراق، ولا يفصل أحداثه كما يفصلها في مواضع أخرى من السور. ذلك أن الجو هنا هو جو الأخذ الحاسم بعد الإمهال الطويل ؛ فلا يعرض لشيء من التفصيل.. إن الحسم السريع هنا أوقع في النفس وأرهب للحس !
فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم..
ضربة واحدة، فإذا هم هالكون. ومن التعالي والتطاول والاستكبار، إلى الهويّ في الأعماق والأغوار، جزاء وفاقاً :
( بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين )..
فيربط بين التكذيب بالآيات والغفلة عنها، وبين هذا المصير المقدور. ويقرر أن الأحداث لا تجري مصادفة، ولا تمضي فلتات عابرة، كما يظن الغافلون !
يتضمن هذا الدرس قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.. لتعقبها فتنة الرخاء..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درساً ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى - عليه السلام - مع قومه بعد ذلك درساً يليه لاختلاف طبيعة القطاعين، واختلاف مجالهما كذلك
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة :
( ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فظلموا بها، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين )..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع.. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين.. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية، وتصورها تفصيلاً.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية، تموج بالحركة وبالحوار، وتزخر بالانفعالات والسمات، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى ( رب العالمين ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله، المدعية للربوبية من دون الله، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن، فلا تخشى سلطان الطواغيت، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد.
وتنسيقاً للجو الحاسم يعجل السياق كذلك بعرض الصفحة الأخرى - صفحة استخلاف المستضعفين - ذلك أن استخلاف بني إسرائيل - في الفترة التي كانوا أقرب ما يكونون فيها إلى الصلاح وقبل أن يزيغوا فيكتب عليهم الذل والتشرد - لم يكن في مصر، ولم يكن في مكان فرعون وآله. إنما كان في أرض الشام، وبعد عشرات السنوات من حادث إغراق فرعون - بعد وفاة موسى عليه السلام وبعد التيه أربعين سنة كما جاء في السورة الأخرى - ولكن السياق يطوي الزمان والأحداث، ويعجل بعرض الاستخلاف هنا تنسيقاً لصفحتي المشهد المتقابلتين :
( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها "... " وتمت كلمة ربك السنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه، وما كانوا يعرشون )..
على أننا نحن البشر - الفانين المقيدين بالزمان - إنما نقول " قبل " و " بعد " لأننا نؤرخ للأحداث بوقت مرورها بنا وإدراكنا لها ! لذلك نقول : إن استخلاف القوم الذين كانوا يستضعفون، كان متأخراً عن حادث الإغراق.. ذلك إدراكنا البشري.. فأما الوجود المطلق والعلم المطلق فما " قبل " عنده وما " بعد " ؟ ! والصفحة كلها معروضة له سواء، مكشوفة لا يحجبها زمان ولا مكان.. ولله المثل الأعلى. وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً..
وهكذا يسدل الستار على مشهد الهلاك والدمار في جانب ؛ وعلى مشهد الاستخلاف والعمار في الجانب الآخر.. وإذا فرعون الطاغية المتجبر وقومه مغرقون، وإذا كل ما كانوا يصنعون للحياة، وما كانوا يقيمون من عمائر فخمة قائمة على عمد وأركان، وما كانوا يعرشون من كروم وثمار.. إذا هذا كله حطام، في ومضة عين، أو في بضع كلمات قصار !
مثل يضربه الله للقلة المؤمنة في مكة، المطاردة من الشرك وأهله ؛ ورؤيا في الأفق لكل عصبة مسلمة تلقى من مثل فرعون وطاغوته، ما لقيه الذين كانوا يستضعفون في الأرض، فأورثهم الله مشارق الأرض ومغاربها المباركة - بما صبروا - لينظر كيف يعملون !
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
آية رقم ١٣٩
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
ويمضي موسى - عليه السلام - يكشف لقومه عن سوء المغبة فيما يطلبون، بالكشف عن سوء عقبى القوم الذين رأوهم يعكفون على أصنام لهم، فأرادوا أن يقلدوهم :
( إن هؤلاء متبر ما هم فيه، وباطل ما كانوا يعملون )..
إن ما هم فيه من شرك، وعكوف على الآلهة، وحياة تقوم على هذا الشرك، وتتعدد فيها الأرباب، ومن يقوم وراء الأرباب من السدنة والكهنة، ومن حكام يستمدون سلطانهم من هذا الخليط.. إلى آخر ما يتبع الانحراف عن الألوهية الواحدة من فساد في التصورات وفساد في الحياة.. إن هذا كله هالك باطل ؛ ينتظره ما ينتظر كل باطل من الهلاك والدمار في نهاية المطاف !
آية رقم ١٤٠
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
ثم ترتفع نغمة الغيرة في كلمات موسى - عليه السلام - على ربه والغضب له - سبحانه - والتعجب من نسيان قومه لنعمة الله عليهم - وهي حاضرة ظاهرة - :
( قال : أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين ؟ )..
والتفضيل على العالمين - في زمانهم يتجلى في اختيارهم لرسالة التوحيد من بين المشركين. وليس وراء ذلك فضل ولا منة. فهذا ما لا يعدله فضل ولا منة. كما أنه اختارهم ليورثهم الأرض المقدسة - التي كانت إذ ذاك في أيد مشركة - فكيف بعد هذا كله يطلبون إلى نبيهم أن يطلب لهم إلهاً غير الله ؛ وهم في نعمته وفضله يتقلبون ؟ !
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
وعلى طريقة القرآن الكريم في وصل ما يحكيه عن أولياء الله بما يحكيه عن الله - سبحانه - يستطرد السياق بخطاب من الله تعالى موصول بكلام موسى - عليه السلام - موجه كذلك لقومه :
( وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم. وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم )..
وفي مثل هذا الوصل في القرآن الكريم، بين كلام الله - سبحانه - وما يحكيه من كلام أوليائه، تكريم أي تكريم لهؤلاء الأولياء لا ريب فيه !
وهذه المنة التي يمتنها الله على بني إسرائيل - في هذا الموضع - كانت حاضرة في أذهانهم وأعصابهم. ولقد كانت هذه المنة وحدها كفيلة بأن تذكر وتشكر.. والله سبحانه وتعالى يوجه قلوبهم لما في ذلك الابتلاء من عبرة.. ابتلاء العذاب وابتلاء النجاة. الابتلاء بالشدة والابتلاء بالرخاء..
( وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم )..
فما كان شيء من ذلك كله جزافا بلا تقدير. ولكنه الابتلاء للموعظة وللتذكير. وللتمحيص والتدريب. وللإعذار قبل الأخذ الشديد. إن لم يفلح الابتلاء في استصلاح القلوب !
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
وينتهي هذا المشهد بين موسى وقومه، ليبدأ المشهد الثامن الذي يليه.. مشهد تهيؤ موسى - عليه السلام - للقاء ربه العظيم ؛ واستعداده للموقف الهائل بين يديه في هذه الحياة الدنيا ؛ ووصيته لأخيه هارون - عليه السلام - قبل ذهابه لهذا اللقاء العظيم :
( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة، وأتممناها بعشر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة.. وقال موسى لأخيه هارون : اخلفني في قومي، وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين )..
لقد انتهت المرحلة الأولى من مهمة موسى التي أرسل لها. انتهت مرحلة تخليص بني إسرائيل من حياة الذل والهوان والنكال والتعذيب بين فرعون وملئه ؛ وإنقاذهم من أرض الذل والقهر إلى الصحراء الطليقة، في طريقهم إلى الأرض المقدسة.. ولكن القوم لم يكونوا بعد على استعداد لهذه المهمة الكبرى.. مهمة الخلافة في الأرض بدين الله.. ولقد رأينا كيف اشرأبت نفوسهم إلى الوثنية والشرك بمجرد أن رأوا قوماً يعكفون على أصنام لهم ؛ وتخلخلت عقيدة التوحيد التي جاءهم بها موسى - عليه السلام - ولم يمض إلا القليل ! فلم يكن بد من رسالة مفصلة لتربية هؤلاء القوم ؛ وإعدادهم لما هم مقبلون عليه من الأمر العظيم.. ومن أجل هذه الرسالة المفصلة كانت مواعدة الله لعبده موسى ليلقاه ويتلقى عنه. وكانت هذه المواعدة إعداداً لموسى لنفسه، كي يتهيأ في هذه الليالي للموقف الهائل العظيم، ويستعد لتلقيه.
وكانت فترة الإعداد ثلاثين ليلة، أضيفت إليها عشر، فبلغت عدتها أربعين ليلة، يروض موسى فيها نفسه على اللقاء الموعود ؛ وينعزل فيها عن شواغل الأرض ليستغرق في هواتف السماء ؛ ويعتكف فيها عن الخلق ليستغرق فيها في الخالق الجليل ؛ وتصفو روحه وتشف وتستضيء ؛ وتتقوى عزيمته على مواجهة الموقف المرتقب وحمل الرسالة الموعودة..
وألقى موسى إلى أخيه هارون - قبل مغادرته لقومه واعتزاله واعتكافه - بوصيته تلك :
( وقال موسى لأخيه هارون : اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين )..
ذلك وموسى يعلم أن هارون نبي مرسل من ربه معه. ولكن المسلم للمسلم ناصح. والنصيحة حق وواجب للمسلم على المسلم.. ثم إن موسى يقدر ثقل التبعة، وهو يعرف طبيعة قومه بني إسرائيل !.. وقد تلقى هارون النصيحة. لم تثقل على نفسه ! فالنصيحة إنما تثقل على نفوس الأشرار لأنها تقيدهم بما يريدون أن ينطلقوا منه ؛ وتثقل على نفوس المتكبرين الصغار، الذين يحسون في النصيحة تنقصاً لأقدارهم !.. إن الصغير هو الذي يبعد عنه يدك التي تمتد لتسانده ؛ ليظهر أنه كبير ! ! !
فأما قصة الليالي الثلاثين وإتهامها بالعشر الليالي فقال عنها ابن كثير في التفسير :" فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة ؛ قال المفسرون : فصامها موسى - عليه السلام - وطواها، فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة، فأمره الله تعالى أن يكمل العشرة أربعين "..
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
ثم يأتي السياق للمشهد التاسع. المشهد الفذ الذي اختص الله به نبيه موسى - عليه السلام - مشهد الخطاب المباشر بين الجليل - سبحانه - وعبد من عباده. المشهد الذي تتصل فيه الذرة المحدودة الفانية بالوجود الأزلي الأبدي بلا وساطة ؛ ويطيق الكائن البشري أن يتلقى عن الخالق الأبدي، وهو بعد على هذه الأرض.. ولا ندري نحن كيف.. لا ندري كيف كان كلام الله - سبحانه - لعبده موسى. ولا ندري بأية حاسة أو جارحة أو أداة تلقى موسى كلمات الله. فتصوير هذا على وجه الحقيقة متعذر علينا نحن البشر المحكومين في تصوراتنا بنصيبنا المحدود من الطاقة المدركة ؛ وبرصيدنا المحدود من التجارب الواقعة. ولكننا نملك بالسر اللطيف المستمد من روح الله الذي في كياننا أن نستروح وأن نستشرف هذا الأفق السامق الوضيء. ثم نقف عند هذا الاستشراف لا نحاول أن نفسده بسؤالنا عن الكيفية، نريد أن نتصورها بإدراكنا القريب المحدود !
( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه، قال : رب أرني أنظر إليك. قال : لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني. فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً، وخر موسى صعقاً. فلما أفاق قال : سبحانك ! تبت إليك وأنا أول المؤمنين. قال : يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي. فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين. وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء، فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها. سأريكم دار الفاسقين. سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً، ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين. والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم. هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ؟ )
إننا لفي حاجة إلى استحضار ذلك الموقف الفريد في خيالنا وفي أعصابنا وفي كياننا كله.. في حاجة إلى استحضاره لنستشرف ونحاول الاقتراب من تصوره ؛ ولنشعر بشيء من مشاعر موسى عليه السلام فيه..
( ولما جاء موسى لميقاتنا، وكلمه ربه، قال : رب أرني أنظر إليك )..
إنها الوهلة المذهلة وموسى يتلقى كلمات ربه ؛ وروحه تتشوف وتستشرف وتشتاق إلى ما يشوق ! فينسى من هو، وينسى ما هو، ويطلب ما لا يكون لبشر في هذه الأرض، وما لا يطيقه بشر في هذه الأرض.. يطلب الرؤية الكبرى وهو مدفوع في زحمة الشوق ودفعة الرجاء ولهفة الحب ورغبة الشهود.. حتى تنبهه الكلمة الحاسمة الجازمة :
( قال : لن تراني )..
ثم يترفق به الرب العظيم الجليل، فيعلمه لماذا لن يراه.. إنه لا يطيق..
( ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني )..
والجبل أمكن وأثبت. والجبل مع تمكنه وثباته أقل تأثراً واستجابة من الكيان البشري.. ومع ذلك فماذا ؟
( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً )..
فكيف كان هذا التجلي ؟ نحن لا نملك أن نصفه، ولا نملك أن ندركه. ولا نملك أن نستشرفه إلا بتلك اللطيفة التي تصلنا بالله، حين تشف أرواحنا وتصفو، وتتجه بكليتها إلى مصدرها. فأما الألفاظ المجردة فلا تملك أن تنقل شيئاً.. لذلك لا نحاول بالألفاظ أن نصور هذا التجلي.. ونحن أميل إلى اطراح كل الروايات التي وردت في تفسيره ؛ وليس منها رواية عن المعصوم [ ص ] والقرآن الكريم لم يقل عن ذلك شيئاً.
( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً )..
وقد ساخت نتوءاته فبدا مسًّوى بالأرض مدكوكاً.. وأدركت موسى رهبة الموقف، وسرت في كيانه البشري الضعيف :
( وخر موسى صعقاً ).
مغشياً عليه، غائباً عن وعيه.
( فلما أفاق )..
وثاب إلى نفسه، وأدرك مدى طاقته، واستشعر أنه تجاوز المدى في سؤاله :
( قال : سبحانك ! )..
تنزهت وتعاليت عن أن ترى بالأبصار وتدرك.
( تبت إليك )..
عن تجاوزي للمدى في سؤالك !
( وأنا أول المؤمنين )..
والرسل دائماً هم أول المؤمنين بعظمة ربهم و جلاله، وبما ينزله عليهم من كلماته.. وربهم يأمرهم أن يعلنوا هذا، والقرآن الكريم يحكي عنهم هذا الإعلان في مواضع منه شتى.
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
وأدركت موسى رحمة الله مرة أخرى ؛ فإذا هو يتلقى منه البشرى.. بشرى الاصطفاء، مع التوجيه له بالرسالة إلى قومه بعد الخلاص.. وكانت رسالته إلى فرعون وملئه من أجل هذا الخلاص :
( قال : يا موسى، إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين )
ونفهم من قول الله سبحانه لموسى - عليه السلام - ( اني اصطفيتك على الناس برسالاتي ) أن المقصود بالناس الذين اصطفاه عليهم هم أهل زمانه - فالرسل كانوا قبل موسى وبعده - فهو الاصطفاء على جيل من الناس بحكم هذه القرينة. أما الكلام فهو الذي تفرد به موسى - عليه السلام - أما أمر الله تعالى لموسى بأخذ ما آتاه، والشكر على الاصطفاء والعطاء، فهو أمر التعليم والتوجيه لما ينبغي أن تقابل به نعمة الله. والرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - قدوة للناس ؛ وللناس فيهم أسوة ؛ وعلى الناس أن يأخذوا ما آتاهم الله بالقبول والشكر استزادة من النعمة ؛ وإصلاحاً للقلب ؛ وتحرزا من البطر ؛ واتصالاً بالله..
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
ثم يبين السياق ماذا كان مضمون الرسالة، وكيف أوتيها موسى :
( وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء )..
وتختلف الروايات والمفسرون في شأن هذه الألواح ؛ ويصفها بعضهم أوصافاً مفصلة - نحسب أنها منقولة عن الإسرائيليات التي تسربت إلى التفسير - ولا نجد في هذا كله شيئاً عن رسول الله [ ص ] فنكتفي بالوقوف عند النص القرآني الصادق لا نتعداه. وما تزيد تلك الأوصاف شيئاً أو تنقص من حقيقة هذه الألواح. أما ما هي وكيف كتبت فلا يعنينا هذا في شيء بما أنه لم يرد عنها من النصوص الصحيحة شيء. والمهم هو ما في هذه الألواح. إن فيها من كل شيء يختص بموضوع الرسالة وغايتها من بيان الله وشريعته والتوجيهات المطلوبة لإصلاح حال هذه الأمة وطبيعتها التي أفسدها الذل وطول الأمد سواء !
( فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها )..
والأمر الإلهي الجليل لموسى - عليه السلام - أن يأخذ الألواح بقوة وعزم وأن يأمر قومة أن يأخذوا بما فيها من التكاليف الشاقة بوصفه الأحسن لهم والأصلح لحالهم.. هذا الأمر على هذا النحو فضلاً على أنه يشي بضرورة هذا الأسلوب في أخذ هذه الطبيعة الإسرائيلية، التي أفسدها الذل وطول الأمد، بالعزم والجد، لتحمل تكاليف الرسالة والخلافة، فإنه - كذلك - يوحي بالمنهج الواجب في أخذ كل أمة لكل عقيدة تأتيها..
إن العقيدة أمر هائل عند الله - سبحانه - وأمر هائل في حساب هذا الكون، وقدر الله الذي يصرفه، وأمر هائل في تاريخ " الإنسان " وحياته في هذه الأرض وفي الدار الآخرة كذلك.. والمنهج الذي تشرعه العقيدة في وحدانية الله - سبحانه - وعبودية البشر لربوبيته وحده، منهج يغير أسلوب الحياة البشرية بجملتها، ويقيم هذه الحياة على أسلوب آخر غير الذي تجري عليه في الجاهلية، حيث تقوم ربوبية غير ربوبية الله سبحانه، ذات منهج للحياة كلها غير منهج الله الذي ينبثق من تلك العقيدة..
وأمر له هذه الخطورة عند الله، وفي حساب الكون، وفي طبيعة الحياة وفي تاريخ " الإنسان ".. يجب أن يؤخذ بقوة، وأن تكون له جديته في النفس، وصراحته وحسمه. ولا ينبغي أن يؤخذ في رخاوة، ولا في تميع، و لا في ترخص، ذلك أنه أمر هائل في ذاته، فضلاً على أن تكاليفه باهظة لا يصبر عليها من طبيعته الرخاوة والتميع والترخص، أو من يأخذ الأمر بمثل هذه المشاعر..
وليس معنى هذا - بطبيعة الحال - هو التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض ! فهذا ليس من طبيعة دين الله.. ولكن معناه الجد والهمة والحسم والصراحة.. وهي صفات أخرى ومشاعر أخرى غير مشاعر التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض !
ولقد كانت طبيعة بني إسرائيل - بصفة خاصة - بعدما أفسدها طول الذل والعبودية في مصر، تحتاج إلى هذا التوجيه. لذلك نلحظ أن كل الأوامر لبني إسرائيل كانت مصحوبة بمثل هذا التشديد وهذا التوكيد، تربية لهذه الطبيعة الرخوة الملتوية المنحرفة الخاوية، على الاستقامة والجد والوضوح والصراحة..
ومثل طبيعة بني إسرائيل كل طبيعة تعرضت لمثل ما تعرضوا له من طول العبودية والذل، والخضوعللإرهاب والتعبد للطواغيت، فبدت عليها أعراض الالتواء والاحتيال، والأخذ بالأسهل تجنباً للمشقة.. كما هو الملحوظ في واقع كثير من الجماعات البشرية التي نطالعها في زماننا هذا، والتي تهرب من العقيدة لتهرب من تكاليفها، وتسير مع القطيع ؛ لأن السير مع القطيع لا يكلفها شيئاً !
وفي مقابل أخذ هذا الأمر بقوة يعد الله موسى وقومه أن يمكن لهم في الأرض، ويورثهم دار الفاسقين عن دينه :
( سأريكم دار الفاسقين )..
والأقرب أنها إشارة إلى الأرض المقدسة التي كانت - في ذلك الزمان - في قبضة الوثنيين، وأنها بشارة لهم بدخولها.. وإن كان بنو إسرائيل لم يدخلوها في عهد موسى - عليه السلام - لأن تربيتهم لم تكن قد استكملت، وطبيعتهم تلك لم تكن قد قوّمت، فوقفوا أمام الأرض المقدسة يقولون لنبيهم :( يا موسى إن فيها قوماً جبارين. وإنا لن ندخلها ً حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ! ).. ثم لما ألح عليهم الرجلان المؤمنان فيهم اللذان يخافان الله، في الدخول والاقتحام ! أجابوا موسى بتوقح الجبان - كالدابة التي ترفس سائقها ! - : إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون !.. مما يصور تلك الطبيعة الخائرة المفككة الملتوية التي كانت تعالجها العقيدة والشريعة التي جاء بها موسى عليه السلام، وأمر هذا الأمر الألهي الجليل أن يأخذها بقوة، وأن يأمر قومه بحمل تكاليفها الشاقة..
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
وفي نهاية المشهد والتكليم يجيء بيان لعاقبة الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، ويعرضون عن آيات الله وتوجيهاته، يتضمن تصويراً دقيقاً لطبيعة هذا الصنف من الناس، في نصاعة وجمال التصوير القرآني الفريد لأنماط الطبائع ونماذج النفوس :
( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً. ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين. والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم. هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ؟ )..
إن الله تعالى يعلن عن مشيئته في شأن أولئك الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً.. إنه سيصرفهم عن آياته فلا ينتفعون بها ولا يستجيبون لها.. آياته في كتاب الكون المنظور، وآياته في كتبه المنزلة على رسله.. ذلك بسبب أنهم كذبوا بآياته سبحانه وكانوا عنها غافلين.
وإن هذا النموذج من الناس ليرتسم من خلال الكلمات القرآنية، كأنما نراه بسماته وحركاته !
( الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق )..
وما يتكبر عبد من عبيد الله في أرضه بالحق أبداً. فالكبرياء صفة الله وحده. لا يقبل فيها شريكاً. وحيثما تكبر إنسان في الأرض كان ذلك تكبراً بغير الحق ! وشر التكبر ادعاء حق الربوبية في الأرض على عباد الله هذا الحق بالتشريع لهم من دون الله ؛ وتعبيدهم لهذا التشريع الباطل، ومن هذا التكبر تنشأ سائر ألوان التكبر. فهو أساس الشر كله ومنه ينبعث. ومن ثم تجيء بقية الملامح :
( وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً )..
فهي جبلة تجنح عن سبيل الرشد حيثما رأته، وتجنح الى سبيل الغي حيثما لاح لها، كأنما بآلية في تركيبها لا تتخلف ! وهذه هي السمة التي يرسمها التعبير، ويطبع بها هذا النموذج المتكبر، الذي قضت مشيئة الله أن يجازيه على التكذيب بآيات الله والغفلة عنها بصرفه عن هذه الآيات أبداً !
وإن الانسان ليصادف هذا الصنف من الخلق بوصفه هذا وسمته وملامحه، فيرى كأنما يتجنب الرشد ويتبع الغي دون جهد منه، ودون تفكير ولا تدبير ! فهو يعمى عن طريق الرشد ويتجنبه، وينشرح لطريق الغي ويتبعه ! وهو في الوقت ذاته مصروف عن آيات الله لا يراها ولا يتدبرها ولا تلتقط أجهزته إيحاءاتها وإيقاعاتها ! وسبحان الله ! فمن خلال اللمسات السريعة في العبارة القرآنية العجيبة ينتفض هذا النموذج من الخلق شاخصاً بارزاً حتى ليكاد القارئ يصيح لتوه : نعم. نعم. أعرف هذا الصنف من الخلق.. إنه فلان ! ! ! وإنه للمعنيّ الموصوف بهذه الكلمات.
وما يظلم الله هذا الصنف من الخلق بهذا الجزاء المردي المؤدي الى الهلاك في الدنيا والآخرة.. إنما هو الجزاء الحق لمن يكذب بآيات الله ويغفل عنها، ويتكبر في الأرض بغير الحق، ويتجنب سبيل الرشد حيثما رآه، ويهرع الى سبيل الغي حيثما لاح له ! فإنما بعمله جوزي ؛ وبسلوكه أورد موارد الهلاك.
( ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين )..
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
( والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم. هل يجزون إلا ما كانوا يعملون )
وحبوط الأعمال مأخوذ من قولهم : حبطت الناقة.. إذا رعت نباتاً ساماً، فانتفخ بطنها ثم نفقت.. وهو وصف ملحوظ فيه طبيعة الباطل الذي يصدر من المكذبين بآيات الله ولقاء الآخرة. فهو ينتفخ حتى يظنه الناس من عظمة وقوة ! ثم ينفق كما تنفق الناقة التي رعت ذلك النبات السام !
وإنه لجزاء كذلك حق أن تحبط وتهلك أعمال الذين كذبوا بآيات الله ولقاء الآخرة.. ولكن كيف تحبط هذه الأعمال ؟
من ناحية الاعتقاد.. نحن نؤمن بصدق وعيد الله لا محالة، أياً كانت الظواهر التي تخالف هذه العاقبة المحتومة. فحيثما كذب أحد بآيات الله ولقائه في الآخرة حبط عمله وبطل، وهلك في النهاية وذهب كأن لم يكن..
ومن ناحية النظر.. نحن نجد السبب واضحاً في حياة البشر.. إن الذي يكذب بآيات الله المبثوثة في صفحات هذا الكون المنشور، أو آياته المصاحبة للرسالات، أو التي يحملها الرسل ؛ ويكذب تبعاً لهذا بلقاء الله في اليوم الآخر.. إن هذا الكائن المسيخ روح ضالة شاردة عن طبيعة هذا الكون المؤمن المسلم ونواميسه.. لا تربطه بهذا الكون رابطة. وهو منقطع عن دوافع الحركة الصادقة الموصولة بغاية الوجود واتجاهه. وكل عمل يصدر عن مثل هذا المسخ المقطوع هو عمل حابط ضائع، ولو بدا أنه قائم وناجح. لأنه لا ينبعث عن البواعث الأصيلة العميقة في بنية هذا الوجود ؛ ولا يتجه الى الغاية الكبيرة التي يتجه اليها الكون كله. شأنه شأن الجدول الذي ينقطع عن النبع الأول ؛ فمآله الى الجفاف والضياع في يوم قريب أو بعيد !
والذين لا يرون العلاقة الوثيقة بين تلك القيم الإيمانية وحركة التاريخ الإنساني ؛ والذين يغفلون عن قدر الله الذي يجري بعاقبة الذين يتنكرون لهذه القيم.. هؤلاء إنما هم الغافلون الذين أعلن الله - سبحانه - عن مشيئته في أمرهم، بصرفهم عن رؤية آياته، وتدبر سننه.. وقدر الله يتربص بهم وهم عنه غافلون..
والذين يخدعهم ما يرونه في الأمد القصير المحدود، من فلاح بعض الذين يغفلون عن تلك القيم الإيمانية ونجاحهم ؛ إنما يخدعهم الانتفاخ الذي يصيب الدابة وقد رعت النبت السام ؛ فيحسبونه شحماً وسمنة وعافية وصحة.. والهلاك يترصدها بعد الانتفاخ والحبوط !
والأمم التي خلت شاهد واقع. ولكن الذين سكنوا مساكنهم من بعدهم، لا يأخذون منهم عبرة، ولا يرون سنة الله التي تعمل ولا تتخلف ؛ وقدر الله الذي يجري ولا يتوقف.. والله من ورائهم محيط..
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
وبينما كان موسى - عليه السلام - في حضرة ربه، في ذلك الموقف الفريد، الذي تستشرفه البصائر وتقصر عنه الأبصار ؛ وتدركه الأرواح وتحار فيه الأفكار.. كان قوم موسى من بعده يرتكسون وينتكسون، ويتخذون لهم عجلاً جسداً له خوار - لا حياة فيه - يعبدونه من دون الله !
ويفاجئنا السياق القرآني بنقلة بعيدة من المشهد التاسع الى المشهد العاشر. نقلة هائلة من الجو العلوي السامق المشرق بسبحاته وأشواقه وابتهالاته وكلماته الى الجو الهابط المتردي بانحرافاته وخرافاته وارتكاساته وانتكاساته :
( واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار. ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً ؟ اتخذوه وكانوا ظالمين. ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا : لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين )..
إنها طبيعة إسرائيل التي ما تكاد تستقيم خطوة حتى تلتوي عن الطريق ؛ والتي ما تكاد ترتفع عن مدى الرؤية الحسية في التصور والاعتقاد ؛ والتي يسهل انتكاسها كلما فتر عنها التوجيه والتسديد
ولقد راودوا نبيهم من قبل أن يجعل لهم إلهاً يعكفون عليه بمجرد رؤيتهم لقوم وثنيين يعكفون على أصنام لهم ! فصدهم نبيهم عن ذلك الخاطر وردهم رداً شديداً. فلما خلوا الى أنفسهم، ورأوا عجلاً جسداً من الذهب - لا حياة فيه كما تفيد كلمة جسد - صنعه لهم السامري - رجل من السامرة كما يجيء تفصيل قصته في سورة طه - واستطاع أن يجعله بهيئة بحيث يخرج صوتاً كصوت خوار الثيران.. لما رأوا ذلك العجل الجسد طاروا إليه، وتهافتوا عليه حين قال لهم السامري :" هذا إلهكم وإله موسى " الذي خرج موسى لميقاته معه ؛ فنسي موسى موعده معه - ربما لزيادة الليالي العشر الأخيرة في الميقات التي لم يكن القوم يعلمونها، فلما زاد عن الثلاثين ولم يرجع قال لهم السامري : لقد نسي موسى موعده مع إلهه فهذا إلهه - ولم يتذكروا وصية نبيهم لهم من قبل بعبادة ربهم الذي لا تراه الأبصار - رب العالمين - ولم يتدبروا حقيقة هذا العجل الذي صنعه لهم واحد منهم !.. وإنها لصورة زرية للبشرية تلك التي كان يمثلها القوم. صورة يعجب منها القرآن الكريم ؛ وهو يعرضها على المشركين في مكة وهم يعبدون الأصنام !
( ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً ؟ اتخذوه وكانوا ظالمين ! )..
وهل أظلم ممن يعبد خلقاً من صنع أيدي البشر. والله خلقهم وما يصنعون ؟ !
وكان فيهم هارون - عليه السلام - فلم يملك لهم رداً عن هذا الضلال السخيف. وكان فيهم بعض عقلائهم فلم يملكوا زمام الجماهير الضالة المتدافعة على العجل الجسد - وبخاصة أنه من الذهب معبود إسرائيل الأصيل !
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
وأخيراً هدأت الهيجة، وانكشفت الحقيقة، وتبين السخف، ووضح الضلال، وجاءت نوبة الندم والإقرار :
( ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا، قالوا : لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين )..
يقال : سقط في يده إذا عدم الحيلة في دفع ما هو بصدده من أمر.. ولما رأى بنو إسرائيل أنهم صاروا - بهذه النكسة - الى موقف لا يملكون دفعه فقد وقع منهم وانتهى ! قالوا قولتهم هذه :
( لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين )..
وهذه القولة تدل على أنه كان فيهم - إلى ذلك الحين - بقية من استعداد صالح. فلم تكن قلوبهم قد قست كما قست من بعد - فهي كالحجارة أو أشد قسوة كما يصفهم من هو أعلم بهم ! - فلما أن تبين لهم ضلالهم ندموا وعرفوا أنه لا ينقذهم من عاقبة ما أتوا إلا أن تدركهم رحمة ربهم ومغفرته.. وهذه علامة طيبة على بقية من استعداد في الفطرة للصلاح..
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
كل ذلك وموسى - عليه السلام - بين يدي ربه، في مناجاة وكلام، لا يدري ما أحدث القوم بعده.. إلا أن ينبئه ربه.. وهنا يرفع الستار عن المشهد الحادي عشر :
( ولما رجع موسى الى قومه غضبان أسفاً. قال : بئسما خلفتموني من بعدي ! أعجلتم أمر ربكم ؟ وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه. قال : ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني. فلا تشمت بي الأعداء، ولا تجعلني مع القوم الظالمين. قال : رب اغفر لي ولأخي، وأدخلنا في رحمتك، وأنت أرحم الراحمين )..
لقد عاد موسى الى قومه غضبان أشد الغضب. يبدو انفعال الغضب في قوله وفعله.. يبدو في قوله لقومه :
( بئسما خلفتموني من بعدي ! أعجلتم أمر ربكم ؟ )..
ويبدو في فعله إذ يأخذ برأس أخيه يجره إليه ويعنفه.
( وأخذ برأس أخيه يجره إليه ! )..
وحق لموسى عليه السلام أن يغضب فالمفاجأة قاسية. والنقلة بعيدة :
( بئسما خلفتموني من بعدي )..
تركتكم على الهدى فخلفتموني بالضلال، وتركتكم على عبادة الله فخلفتموني بعبادة عجل جسد له خوار !
( أعجلتم أمر ربكم ؟ )..
أي استعجلتم قضاءه وعقابه ! أو ربما كان يعني : استعجلتم موعده وميقاته !
( وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه )..
وهي حركة تدل على شدة الانفعال.. فهذه الألواح هي التي كانت تحمل كلمات ربه. وهو لا يلقيها إلا وقد أفقده الغضب زمام نفسه. وكذلك أخذه برأس أخيه يجره إليه. وأخوه هو هارون العبد الصالح الطيب !
فأما هارون فيستجيش في نفس موسى عاطفة الأخوة الرحيمة، ليسكن من غضبه، ويكشف له عن طبيعة موقفه، وأنه لم يقصر في نصح القوم ومحاولة هدايتهم :
( قال : ابن أم، إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ! )..
وهنا ندرك كيف كان القوم في هياجهم واندفاعهم الى العجل الذهب ؛ حتى لهموا بهارون إذ حاول ردهم عن التردي والانتكاس :
ابن أم.. بهذا النداء الرقيق وبهذه الوشيجة الرحيمة.
( إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ).. بهذا البيان المصور لحقيقة موقفه.
( فلا تشمت بي الأعداء ).. وهذه أخرى يستجيش بها هارون وجدان الأخوة الناصرة المعينة، حين يكون هناك الأعداء الذين يشمتون !
( ولا تجعلني مع القوم الظالمين )..
القوم الذين ضلوا وكفروا بربهم الحق، فأنا لم أضل ولم أكفر معهم، وأنا بريء منهم !
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
عندئذ تهدأ ثائرة موسى أمام هذه الوداعة وأمام هذا البيان. وعندئذ يتوجه الى ربه، يطلب المغفرة له ولأخيه، ويطلب الرحمة من أرحم الراحمين :
( قال : رب اغفر لي ولأخي، وأدخلنا في رحمتك، وأنت أرحم الراحمين )..
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
وهنا يجيء الحكم الفاصل ممن يملكه سبحانه ! ويتصل كلام الله سبحانه بما يحكيه القرآن الكريم من كلام عبده موسى، على النسق الذي يتكرر في السياق القرآني :
( إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا. وكذلك نجزي المفترين. والذين عملوا السيئات، ثم تابوا من بعدها وآمنوا، إن ربك من بعدها لغفور رحيم )..
إنه حكم ووعد.. إن القوم الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا.. ذلك مع قيام القاعدة الدائمة : إن الذين يعملون السيئات ثم يتوبون يغفر الله لهم برحمته.. وإذن فقد علم الله أن الذين اتخذوا العجل لن يتوبوا توبة موصولة ؛ وأنهم سيرتكبون ما يخرجهم من تلك القاعدة.. وهكذا كان. فقد ظل بنو إسرائيل يرتكبون الخطيئة بعد الخطيئة ؛ ويسامحهم الله المرة بعد المرة. حتى انتهوا الى الغضب الدائم واللعنة الأخيرة :
( وكذلك نجزي المفترين )..
كل المفترين الى يوم الدين.. فهو جزاء متكرر كلما تكررت جريمة الافتراء على الله، من بني إسرائيل، ومن غير بني إسرائيل..
ووعد الله صادق لا محالة. وقد كتب على الذين اتخذوا العجل الغضب والذلة. وكان آخر ما كتب الله عليهم أن يبعث عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب. فإذا بدا في فترة من فترات التاريخ أنهم يطغون في الأرض ؛ ويستعلون بنفوذهم على الأمميين - أو كما يقولون عنهم في التلمود :" الجوييم " ! - وأنهم يملكون سلطان المال، وسلطان أجهزة الإعلام ؛ وأنهم يقيمون الأوضاع الحاكمة التي تنفذ لهم ما يريدون ؛ وأنهم يستذلون بعض عباد الله ويطردونهم من أرضهم وديارهم في وحشية ؛ والدول الضالة تساندهم وتؤيدهم... إلى آخر ما نراه في هذا الزمان.. فليس هذا بناقض لوعيد الله لهم، ولا لما كتبه عليهم.. فهم بصفاتهم هذه وأفعالهم يختزنون النقمة في قلوب البشر ؛ ويهيئون الرصيد الذي يدمرهم من السخط والغضب.. إنما هم يستطيلون على الناس في فلسطين مثلا لأن الناس لم يعد لهم دين ! ولم يعودوا مسلمين !.. إنهم يتفرقون ويتجمعون تحت رايات قومية جنسية ؛ ولا يتجمعون تحت راية العقيدة الاسلامية ! وهم من ثم يخيبون ويفشلون ؛ وتأكلهم إسرائيل ! غير أن هذه حال لن تدوم ! إنها فترة الغيبوبة عن السلاح الوحيد، والمنهج الوحيد، والراية الوحيدة، التي غلبوا بها ألف عام، والتي بها يغلبون، وبغيرها يغلبون ! إنها فترة الغيبوبة بحكم السموم التي بثتها اليهودية والصليبية في كيان الأمة " الاسلامية " ! والتي تحرسها بالأوضاع التي تقيمها في هذه الأرض " الاسلامية ".. ولكن هذا كله لن يدوم.. ستجيء الصحوة من هذه الغيبوبة.. وسيفيء أخلاف المسلمين إلى سلاح أسلافهم المسلمين.. ومن يدري فقد تصحو البشرية كلها يوماً على طغيان اليهود ! لتحقق وعيد الله لهم، وتردهم إلى الذلة التي كتبها الله عليهم.. فإن لم تصح البشرية فسيصحوا أخلاف المسلمين.. هذا عندنا يقين..
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
وكانت هذه وقفة للتعقيب على مصير الذين اتخذوا العجل وافتروا على الله، تتوسط المشهد ثم يمضي السياق يكمل المشهد :
( ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح، وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون )
والتعبير القرآني يشخص الغضب، فكأنما هو حي، وكأنما هو مسلط على موسى، يدفعه ويحركه.. حتى إذا( سكت )عنه، وتركه لشأنه ! عاد موسى إلى نفسه، فأخذ الألواح التي كان قد ألقاها بسبب دفع الغضب له وسيطرته عليه.. ثم يقرر السياق مرة أخرى أن في هذه الألواح هدى، وأن فيها رحمة، لمن يخشون ربهم ويرهبونه ؛ فتتفتح قلوبهم للهدى، وينالون به الرحمة.. والهدى ذاته رحمة. فليس أشقى من القلب الضال، الذي لا يجد النور. وليس أشقى من الروح الشارد الحائر الذي لا يجد الهدى ولا يجد اليقين.. ورهبة الله وخشيته هي التي تفتح القلوب للهدى ؛ وتوقظها من الغفلة، وتهيئها للاستجابة والاستقامة.. إن الله خالق هذه القلوب هو الذي يقرر هذه الحقيقة. ومن أعلم بالقلوب من رب القلوب ؟
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
ويمضي السياق بالقصة، فإذا نحن أمام مشهد جديد. المشهد الثاني عشر. مشهد موسى وسبعين من قومه مختارين للقاء ربه :
( واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا. فلما أخذتهم الرجفة قال : رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي. أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ؟ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء. أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا، وأنت خير الغافرين. واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة، إنا هدنا إليك. قال : عذابي أصيب به من أشاء، ورحمتي وسعت كل شيء، فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم. فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون )..
وتختلف الروايات في سبب هذا الميقات. وربما كان لإعلان التوبة، وطلب المغفرة لبني إسرائيل مما وقعوا فيه من الكفر والخطيئة - وفي سورة البقرة أن التكفير الذي فرض على بني إسرائيل هو : أن يقتلوا أنفسهم، فيقتل المطيع منهم من عصى ؛ وقد فعلوا حتى أذن لهم الله بالكف عن ذلك ؛ وقبل كفارتهم - وهؤلاء السبعون كانوا من شيوخهم ومن خيرتهم. أو كانوا هم خلاصتهم التي تمثلهم، فصيغة العبارة :( واختار موسى قومه سبعين رجلاً.. لميقاتنا ). تجعلهم بدلاً من القوم جميعاً في الاختيار..
ومع هذا فما الذي كان من هؤلاء المختارين ؟ لقد أخذتهم الرجفة فصعقوا. ذلك أنهم - كما ورد في السورة الأخرى طلبوا إلى موسى أن يروا الله جهرة، ليصدقوه فيما جاءهم به من الفرائض في الألواح.. وهي شاهدة بطبيعة بني إسرائيل، التي تشمل خيارهم وشرارهم، ولا يتفاوتون فيها إلا بمقدار. وأعجب شيء أن يقولوها وهم في مقام التوبة والاستغفار !
فأما موسى - عليه السلام - فقد توجه الى ربه، يتوسل اليه، ويطلب المغفرة والرحمة، ويعلن الخضوع والاعتراف بالقدرة :
( فلما أخذتهم الرجفة قال : رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي )..
فهو التسليم المطلق للقدرة المطلقة من قبل ومن بعد، يقدمه موسى بين يدي دعائه لربه أن يكشف عن القوم غضبه ؛ وأن يرد عنهم فتنته، وألا يهلكهم بفعلة السفهاء منهم :
( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ؟ )..
وقد جاء الرجاء بصيغة الاستفهام. زيادة في طلب استبعاد الهلاك.. أي : رب إنه لمستبعد على رحمتك أن تهلكنا بما فعل السفهاء منا.
( إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء )..
يعلن موسى - عليه السلام - إدراكه لطبيعة ما يقع ؛ ومعرفته أنها الفتنة والابتلاء ؛ فما هو بغافل عن مشيئة ربه وفعله كالغافلين !. وهذا هو الشأن في كل فتنة : أن يهدي الله بها من يدركون طبيعتها ويأخذونها على أنها ابتلاء من ربهم وامتحان يجتازونه صاحين عارفين. وأن يضل بها من لا يدركون هذه الحقيقة ومن يمرون بها غافلين، ويخرجون منها ضالين.. وموسى - عليه السلام - يقرر هذا الأصل تمهيداً لطلب العون من الله على اجتياز الابتلاء :
( أنت ولينا )..
فامنحنا عونك ومددك لاجتياز فتنتك، ونيل مغفرتك ورحمتك :
( فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين )..
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
( واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة، إنا هدنا إليك ).
رجعنا إليك، والتجأنا إلى حماك، وطلبنا نصرتك.
وهكذا قدم موسى - عليه السلام - لطلب المغفرة والرحمة، بالتسليم لله والاعتراف بحكمة ابتلائه، وختمه بإعلان الرجعة إلى الله والالتجاء إلى رحابه. فكان دعاؤه نموذجاً لأدب العبد الصالح في حق الرب الكريم ؛ ونموذجاً لأدب الدعاء في البدء والختام.

ثم يجيئه الجواب :

( قال : عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء )..
تقريراً لطلاقة المشيئة، التي تضع الناموس اختياراً، وتجريه اختياراً : وإن كانت لا تجريه إلا بالعدل والحق على سبيل الاختيار أيضاً، لأن العدل صفة من صفاته تعالى لا تتخلف في كل ما تجري به مشيئته، لأنه هكذا أراد.. فالعذاب يصيب به من يستحق عنده العذاب.. وبذلك تجري مشيئته.. أما رحمته فقد وسعت كل شيء ؛ وهي تنال من يستحقها عنده كذلك.. وبذلك تجري مشيئته، ولا تجري مشيئته - سبحانه - بالعذاب أو بالرحمة جزافاً أو مصادفة. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وبعد تقرير القاعدة يطلع الله نبيه موسى على طرف من الغيب المقبل، إذ يطلعه على نبأ الملة الأخيرة التي سيكتب الله لها رحمته التي وسعت كل شيء.. بهذا التعبير الذي يجعل رحمة الله أوسع من ذلك الكون الهائل الذي خلقه، والذي لا يدرك البشر مداه.. فيالها من رحمة لا يدرك مداها إلا الله !
( فسأكتبها للذين يتقون، ويؤتون الزكاة، والذين هم بآياتنا يؤمنون ).
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ؛ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم. فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ).
وإنه لنبأ عظيم، يشهد بأن بني إسرائيل قد جاءهم الخبر اليقين بالنبي الأمي، على يدي نبيهم موسى ونبيهم عيسى - عليهما السلام - منذ أمد بعيد. جاءهم الخبر اليقين ببعثه، وبصفاته، وبمنهج رسالته، وبخصائص ملته. فهو ( النبي الأمي )، وهو يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهو يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، وهو يضع عمن يؤمنون به من بني إسرائيل الأثقال والأغلال التي علم الله أنها ستفرض عليهم بسبب معصيتهم، فيرفعها عنهم النبي الأمي حين يؤمنون به. وأتباع هذا النبي يتقون ربهم، ويخرجون زكاة أموالهم، ويؤمنون بآيات الله.. وجاءهم الخبر اليقين بأن الذين يؤمنون بهذا النبي الأمي ؛ ويعظمونه ويوقرونه، وينصرونه ويؤيدونه، ويتبعون النور الهادي الذي معه ( أولئك هم المفلحون )..
وبذلك البلاغ المبكر لبني إسرائيل - على يد نبيهم موسى عليه السلام - كشف الله سبحانه عن مستقبل دينه، وعن حامل رايته، وعن طريق أتباعه، وعن مستقر رحمته.. فلم يبق عذر لأتباع سائر الديانات السابقة، بعد ذلك البلاغ المبكر بالخبر اليقين.
وهذا الخبر اليقين من رب العالمين لموسى عليه السلام - وهو والسبعون المختارون من قومه في ميقات ربه - يكشف كذلك عن مدى جريمة بني إسرائيل في استقبالهم لهذا النبي الأمي وللدين الذي جاء به. وفيه التخفيف عنهم والتيسير، إلى جانب ما فيه من البشارة بالفلاح للمؤمنين !
إنها الجريمة عن علم وعن بينة ! والجريمة التي لم يألوا فيها جهداً.. فقد سجل التاريخ أن بني إسرائيل كانوا هم ألأم خلق وقف لهذا النبي وللدين الذي جاء به.. اليهود أولاً والصليبيون أخيراً.. وأن الحرب التي شنوها على هذا النبي ودينه وأهل دينه كانت حرباً خبيثة ماكرة لئيمة قاسية ؛ وأنهم أصروا عليها ودأبوا ؛ وما يزالون يصرون ويدأبون !
والذي يراجع - فقط - ما حكاه القرآن الكريم من حرب أهل الكتاب للإسلام والمسلمين - وقد سبق منه في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ما سبق - يطلع على المدى الواسع المتطاول الذي أداروا فيه المعركة مع هذا الدين في عناد لئيم !
والذي يراجع التاريخ بعد ذلك - منذ اليوم الذي استعلن فيه الإسلام بالمدينة، وقامت له دولة - إلى اللحظة الحاضرة، يدرك كذلك مدى الإصرار العنيد على الوقوف لهذا الدين وإرادة محوه من الوجود !
ولقد استخدمت الصهيونية والصليبية في العصر الحديث من ألوان الحرب والكيد والمكر أضعاف ما استخدمته طوال القرون الماضية.. وهي في هذه الفترة بالذات تعالج إزالة هذا الدين بجملته ؛ وتحسب أنها تدخل معه في المعركة الأخيرة الفاصلة.. لذلك تستخدم جميع الأساليب التي جربتها في القرون الماضية كلها - بالإضافة إلى ما استحدثته منها - جملة واحدة !
ذلك في الوقت الذي يقوم ممن ينتسبون إلى الإسلام ناس يدعون في غرارة ساذجة إلى التعاون بين أهل الإسلام وأهل بقية الأديان للوقوف في وجه تيار المادية والإلحاد ! أهل بقية الأديان الذين يذبحون من ينتسبون إلى الإسلام في كل مكان ؛ ويشنون عليهم حرباً تتسم بكل بشاعة الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش في الأندلس - سواء عن طريق أجهزتهم المباشرة في المستعمرات في آسيا وإفريقية أو عن طريق الأوضاع التي يقيمونها ويسندونها في البلاد [ المستقلة ! ] لتحل محل الإسلام عقائد ومذاهب علمانية ! تنكر " الغيبية " لأنها " علمية ! " و " تطوّر " الأخلاق لتصبح هي أخلاق البهائم التي ينزو بعضها على بعض في " حرية ! "، و " تطوّر " كذلك الفقه الإسلامي، وتقيم له مؤتمرات المستشرقين لتطويره. كيما يحل الربا والاختلاط الجنسي وسائر المحرمات الإسلامية ! !
إنها المعركة الوحشية الضارية يخوضها أهل الكتاب مع هذا الدين، الذي بشروا به وبنبيه منذ ذلك الأمد البعيد. ولكنهم تلقوه هذا التلقي اللئيم الخبيث العنيد !
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
وقبل أن يمضي السياق إلى مشهد جديد من مشاهد القصة، يقف عند هذا البلاغ المبكر، يوجه الخطاب إلى النبي الأمي [ ص ] يأمره بإعلان الدعوة إلى الناس جميعاً، تصديقاً لوعد الله القديم :
( قل : يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً، الذي له ملك السماوات والأرض، لا إله إلا هو يحيي ويميت. فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، واتبعوه لعلكم تهتدون ).
إنها الرسالة الأخيرة، فهي الرسالة الشاملة، التي لا تختص بقوم ولا أرض ولاجيل.. ولقد كانت الرسالات قبلها رسالات محلية قومية محدودة بفترة من الزمان - ما بين عهدي رسولين - وكانت البشرية تخطو على هدى هذه الرسالات خطوات محدودة، تأهيلاً لها للرسالة الأخيرة. وكانت كل رسالة تتضمن تعديلاً وتحويراً في الشريعة يناسب تدرج البشرية. حتى إذا جاءت الرسالة الأخيرة جاءت كاملة في أصولها، قابلة للتطبيق المتجدد في فروعها، وجاءت للبشر جميعاً، لأنه ليست هنالك رسالات بعدها للأقوام والأجيال في كل مكان. وجاءت وفق الفطرة الإنسانية التي يلتقي عندها الناس جميعاً. ومن ثم حملها النبي الأمي الذي لم يدخل على فطرته الصافية - كما خرجت من يد الله - إلا تعليم الله. فلم تشب هذه الفطرة شائبة من تعليم الأرض ومن أفكار الناس ! ليحمل رسالة الفطرة إلى فطرة الناس جميعاً :
( قل : يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً )..
وهذه الآية التي يؤمر فيها رسول الله [ ص ] أن يواجه برسالته الناس جميعاً، هي آية مكية في سورة مكية.. وهي تجبه المزورين من أهل الكتاب، الذين يزعمون أن محمداً [ ص ] لم يكن يدور في خلده وهو في مكة أن يمد بصره برسالته إلى غير أهلها، وأنه إنمابدأ يفكر في أن يتجاوز بها قريشاً، ثم يجاوز بها العرب إلى دعوة أهل الكتاب، ثم يجاوز بها الجزيرة العربية إلى ما وراءها.. كل أولئك بعد أن أغراه النجاح الذي ساقته إليه الظروف ! وإن هي إلا فرية من ذيول الحرب التي شنوها قديماً على هذا الدين وأهله. وما يزالون ماضين فيها !
وليست البلية في أن يرصد أهل الكتاب كيدهم كله لهذا الدين وأهله. وأن يكون " المستشرقون " الذين يكتبون مثل هذا الكذب هم طليعة الهجوم على هذا الدين وأهله.. إنما البلية الكبرى أن كثيراً من السذج الأغرار ممن يسمون أنفسهم بالمسلمين يتخذون من هؤلاء المزوّرين على نبيهم ودينهم، المحاربين لهم ولعقيدتهم، أساتذة لهم، يتلقون عنهم في هذا الدين نفسه، ويستشهدون بما يكتبونه عن تاريخ هذا الدين وحقائقه، ثم يزعم هؤلاء السذج الأغرار لأنفسهم أنهم " مثقفون ! ". ونعود إلى السياق القرآني بعد تكليف الرسول [ ص ] أن يعلن رسالته للناس جميعاً. فنجد بقية التكليف هي تعريف الناس جميعا بربهم الحق سبحانه :
( الذي له ملك السماوات والأرض، لا إله إلا هو. يحيي ويميت )..
إنه [ ص ] رسول للناس جميعاً من ربهم الذي يملك هذا الوجود كله - وهم من هذا الوجود - والذي يتفرد بالألوهية وحده، فالكل له عبيد. والذي تتجلى قدرته وألوهيته في أنه الذي يحيي ويميت..
والذي يملك الوجود كله، والذي له الألوهية على الخلائق وحده، والذي يملك الحياة والموت للناس جميعاً. هو الذي يستحق أن يدين الناس بدينه، الذي يبلغه إليهم رسوله.. فهو تعريف للناس بحقيقة ربهم، لتقوم على هذا التعريف عبوديتهم له، وطاعتهم لرسوله :
( فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، واتبعوه لعلكم تهتدون )
وهذا النداء الأخير في هذا التعقيب يتضمن لفتات دقيقة ينبغي أن نقف أمامها لحظات :
إنه يتضمن ابتداء ذلك الأمر بالإيمان بالله ورسوله.. وهو ما تتضمنه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، في صورة أخرى من صور هذا المضمون الذي لا يقوم بدونه إيمان ولا إسلام.. ذلك أن هذا الأمر بالإيمان بالله سبقه في الآية التعريف بصفاته تعالى :( الذي له ملك السماوات والأرض، لا إله إلا هو، يحيي ويميت ) فالأمر بالإيمان هو أمر بالإيمان بالله الذي هذه صفاته الحقة. كما سبقه التعريف برسالة النبي [ ص ] إلى الناس جميعاً.
ثم يتضمن ثانية أن النبي الأمي - صلوات الله وسلامه عليه - يؤمن بالله وكلماته.. ومع أن هذه بديهية، إلا أن هذه اللفتة لها مكانها ولها قيمتها. فالدعوة لا بد أن يسبقها إيمان الداعي بحقيقة ما يدعو إليه، ووضوحه في نفسه، ويقينه منه. لذلك يجيء وصف النبي المرسل إلى الناس جميعاً بأنه ( الذي يؤمن بالله وكلماته ).. وهو نفس ما يدعو الناس إليه ونصه..
ثم يتضمن أخيراً لفتة إلى مقتضى هذا الإيمان الذي يدعوهم إليه. وهو اتباعه فيما يأمر به ويشرعه، واتباعه كذلك في سنته وعمله. وهو ما يقرره قول الله سبحانه : واتبعوه لعلكم تهتدون.. فليس هناك رجاء في أن يهتدي الناس بما يدعوهم إليه رسول الله [ ص ] إلا باتباعه فيه. ولا يكفي أن يؤمنوا به في قلوبهم ما لم يتبع الإيمان الاتباع العملي.. وهو الإسلام..
إن هذا الدين يعلن عن طبيعته وعن حقيقته في كل مناسبة.. إنه ليس مجرد عقيدة تستكن في الضمير.. كما أنه كذلك ليس مجرد شعائر تؤدى وطقوس.. إنما هو الاتباع الكامل لرسول الله [ ص ] فيما يبلغه عن ربه، وفيما يشرعه ويسنه.. والرسول لم يأمر الناس بالإيمان بالله ورسوله فحسب. ولم يأمرهم كذلك بالشعائر التعبدية فحسب. ولكنه أبلغهم شريعة الله في قوله وفعله. ولا رجاء في أن يهتدي الناس إلا إذا اتبعوه في هذا كله.. فهذا هو دين الله.. وليس لهذا الدين من صورة أخرى إلا هذه الصورة التي تشير إليها هذه اللفتة :( واتبعوه لعلكم تهتدون ) بعد الأمر بالإيمان بالله ورسوله.. ولو كان الأمر في هذا الدين أمر اعتقاد وكفى، لكان في قوله :( فآمنوا بالله ورسوله ) الكفاية !
آية رقم ١٥٩
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
ثم تمضي القصة في سياقها بعد الرجفة التي أخذت رجالات بني إسرائيل.. ولا يذكر السياق هنا ماذا كان من أمرهم بعد دعوات موسى - عليه السلام - وابتهالاته. ولكنا نعرف من سياق القصة في سور أخرى أن الله أحياهم بعد الرجفة، فعادوا إلى قومهم مؤمنين. وقبل أن يمضي السياق هنا في حلقة جديدة، يقرر حقيقة عن قوم موسى.. أنهم لم يكونوا جميعاً ضالين :
( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون )..
هكذا كانوا على عهد موسى ؛ وهكذا كانت منهم طائفة تهدي بالحق وتحكم بالعدل من بعد موسى.. ومن هؤلاء من استقبلوا رسالة النبي الأمي في آخر الزمان بالقبول والاستسلام، لما يعرفونه عنها في التوراة التي كانت بين أيديهم على مبعث رسول الله [ ص ] وفي أولهم الصحابي الجليل : عبدالله بن سلام رضي الله عنه. الذي كان يواجه يهود زمانه بما عندهم في التوراة عن النبي الأمي، وما عندهم كذلك من شرائع تصدقها شرائع الإسلام.
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
وبعد تقرير تلك الحقيقة تمضي القصة في أحداثها بعد الرجفة :
( وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً ؛ وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه : أن اضرب بعصاك الحجر، فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً. قد علم كل أناس مشربهم. وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى. كلوا من طيبات ما رزقناكم. وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون )..
إنها رعاية الله ما زالت تظلل موسى وقومه - بعد أن كفروا فعبدوا العجل، ثم كفروا عن الخطيئة كما أمرهم الله، فتاب عليهم. وبعد أن طلبوا رؤية الله جهرة، فأخذتهم الرجفة، ثم استجاب الله لدعاء موسى فأحياهم.. تتجلى هذه الرعاية في تنظيمهم حسب فروعهم في اثنتي عشرة أمة - أي جماعة كبيرة - ترجع كل جماعة منها إلى حفيد من حفداء جدهم يعقوب - وهو إسرائيل - وقد كانوا محتفظين بأنسابهم على الطريقة القبلية :
( وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً )..
وتبدو في تخصيص عين تشرب منها كل جماعة وتعيينها لهم، فلا يعتدي بعضهم على بعض.
( وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه : أن اضرب بعصاك الحجر، فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً. قد علم كل أناس مشربهم.. )
وتبدو في تظليل الغمام لهم من شمس هذه الصحراء المحرقة ؛ وإنزال المن - وهو نوع من العسل البري - والسلوى، وهو طائر السماني ؛ وتيسيره لهم ضماناً لطعامهم بعد ضمان شرابهم :
( وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى )..
وتبدو في إباحة كل هذه الطيبات لهم، حيث لم يكن قد حرم عليهم بعد شيء بسبب عصيانهم :
( كلوا من طيبات ما رزقناكم )..
والرعاية واضحة في هذا كله ؛ ولكن هذه الجبلة ما تزال بعد عصية على الهدى والإستقامة كما يبدو من ختام هذه الآية التي تذكر كل هذه النعم وكل هذه الخوارق : من تفجير العيون لهم من الصخر بضربة من عصا موسى. ومن تظليل الغمام لهم في الصحراء الجافة. ومن تيسير الطعام الفاخر من المن والسلوى :
( وما ظلمونا، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون )..
وسيعرض السياق نماذج من ظلمهم لأنفسهم ؛ بالمعصية عن أمر الله والإلتواء عن طريقه.. وما يبلغون بهذا الإلتواء وتلك المعصية أن يظلموا الله - سبحانه - فالله غني عنهم وعن العالمين أجمعين. وما ينقص من ملكه أن يجتمعوا هم والعالمون على معصيته ؛ وما يزيد في ملكه أن يجتمعوا هم والعالمون على طاعته. إنما هم يؤذون أنفسهم ويظلمونها بالمعصية والإلتواء، في الدنيا وفي الآخرة سواء.
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
والآن فلننظر كيف تلقى بنو إسرائيل رعاية الله لهم ؛ وكيف سارت خطواتهم الملتوية على طول الطريق :
( وإذ قيل لهم : اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا : حطة، وأدخلوا الباب سجداً، نغفر لكم خطيئاتكم، سنزيد المحسنين. فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم، فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون )..
لقد عفا الله عنهم بعد اتخاذهم العجل ؛ وعفا عنهم بعد الرجفة على الجبل. ولقد أنعم عليهم بكل تلك النعم.. ثم ها هم أولاء تلتوي بهم طبيعتهم عن استقامة الطريق ! ها هم أولاء يعصون الأمر، ويبدلون القول ! ها هم أولاء يؤمرون بدخول قرية بعينها - أي مدينة كبيرة - لا يعين القرآن اسمها - لأنه لايزيد في مغزى القصة شيئاً - وتباح لهم خيراتها جميعاً، على أن يقولوا دعاء بعينه وهم يدخلونها ؛ وعلى أن يدخلوا بابها سجداً، إعلان للخضوع لله في ساعة النصر والاستعلاء - وذلك كما دخل رسول الله [ ص ] مكة في عام الفتح ساجداً على ظهر دابته - وفي مقابل طاعة الأمر يعدهم الله أن يغفر لهم خطيئاتهم وأن يزيد للمحسنين في حسناتهم..
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
فإذا فريق منهم يبدلون صيغة الدعاء التي أمروا بها، ويبدلون الهيئة التي كلفوا أن يدخلوا عليها.. لماذا ؟ تلبية للانحراف الذي يلوي نفوسهم عن الاستقامة :
( فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم )..
عندئذ يرسل الله عليهم من السماء عذاباً.. السماء التي تنزل عليهم منها المن والسلوى وظللهم فيها الغمام !..
( فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون )..
وهكذا كان ظلم فريق منهم - أي كفرهم - ظلماً لأنفسهم بما أصابهم من عذاب الله..
ولا يفصل القرآن نوع العذاب الذي أصابهم في هذه المرة. لأن غرض القصة يتم بدون تعيينه. فالغرض هو بيان عاقبة المعصية عن أمر الله، وتحقيق النذر، ووقوع الجزاء العادل الذي لا يفلت منه العصاة.
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
ومرة أخرى يقع القوم في المعصية والخطيئة.. وهم في هذه المرة لا يخالفون الأمر جهرة ولكنهم يحتالون على النصوص ليفلتوا منها ! ويأتيهم الابتلاء فلا يصبرون عليه، لأن الصبر على الابتلاء يحتاج إلى طبيعة متماسكة في تملك الارتفاع عن الأهواء والأطماع :
( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر، إذ يعدون في السبت، إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم. كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون. وإذ قالت أمة منهم : لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً ؟ قالوا : معذرة إلى ربكم، ولعلهم يتقون. فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء، وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون. فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم : كونوا قردة خاسئين. وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم )..
يعدل السياق هنا عن أسلوب الحكاية عن ماضي بني إسرائيل، إلى أسلوب المواجهة لذراريهم التي كانت تواجه رسول الله [ ص ] في المدينة.. والآيات من هنا إلى قوله تعالى :( وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة )آيات مدنية. نزلت في المدينة لمواجهة اليهود فيها ؛ وضمت إلى هذه السورة المكية في هذا الموضع، تكملة للحديث عما ورد فيها من قصة بني إسرائيل مع نبيهم موسى..
يأمر الله سبحانه رسوله [ ص ] أن يسأل اليهود عن هذه الواقعة المعلومة لهم في تاريخ أسلافهم. وهو يواجههم بهذا التاريخ بوصفهم أمة متصلة الأجيال ؛ ويذكرهم بعصيانهم القديم، وما جره على فريق منهم من المسخ في الدنيا ؛ وما جره عليهم جميعاً من كتابة الذل عليهم والغضب أبداً.. اللهم إلا الذين يتبعون الرسول النبي، فيرفع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.
ولا يذكر اسم القرية التي كانت حاضرة البحر ؛ فهي معروفة للمخاطبين ! فأما الواقعة ذاتها فقد كان أبطالها جماعة من بني إسرائيل يسكنون مدينة ساحلية.. وكان بنو إسرائيل قد طلبوا أن يجعل لهم يوم راحة يتخذونه عيداً للعبادة ؛ ولا يشتغلون فيه بشؤون المعاش، فجعل لهم السبت.. ثم كان الابتلاء ليربيهم الله ويعلمهم كيف تقوى إرادتهم على المغريات والأطماع ؛ وكيف ينهضون بعهودهم حين تصطدم بهذه المغريات والأطماع.. وكان ذلك ضرورياً لبني إسرائيل الذين تخلخلت شخصياتهم وطباعهم بسبب الذل الذي عاشوا فيه طويلاً ؛ ولا بد من تحرير الإرادة بعد الذل والعبودية، لتعتاد الصمود والثبات. فضلاً على أن هذا ضروري لكل من يحملون دعوة الله ؛ ويؤهلون لأمانة الخلافة في الأرض.. وقد كان اختبار الإرادة والاستعلاء على الإغراء هو أول اختبار وجه من قبل إلى آدم وحواء.. فلم يصمدا له واستمعا لإغراء الشيطان بشجرة الخلد وملك لا يبلى ! ثم ظل هو الاختبار الذي لا بد أن تجتازه كل جماعة قبل أن يأذن الله لها بأمانة الاستخلاف في الأرض.. إنما يختلف شكل الابتلاء، ولا تتغير فحواه !
ولم يصمد فريق من بني إسرائيل - في هذه المرة - للابتلاء الذي كتبه الله عليهم بسبب ما تكرر قبل ذلك من فسوقهم وانحرافهم.. لقد جعلت الحيتان في يوم السبت تتراءى لهم على الساحل، قريبة المأخذ، سهلة الصيد. فتفوتهم وتفلت من أيديهم بسبب حرمة السبت التي قطعوها على أنفسهم ! فإذا مضى السبت، وجاءتهم أيام الحل. لم يجدوا الحيتان قريبة ظاهرة، كما كانوا يجدونها يوم الحرم !.. وهذا ما أمر رسول الله [ ص ] أن يذكرهم به ؛ ويذكرهم ماذا فعلوا وماذا لاقوا :
( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر. إذ يعدون في السبت. إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم. كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون )
فأما كيف وقع لهم هذا، وكيف جعلت الأسماك تحاورهم هذه المحاورة، وتداورهم هذه المداورة.. فهي الخارقة التي تقع بإذن الله عندما يشاء الله.. والذين لا يعلمون ينكرون أن تجري مشيئة الله بغير ما يسمونه هم " قوانين الطبيعة " ! والأمر في التصور الإسلامي - وفي الواقع - ليس على هذا النحو.. إن الله سبحانه هو الذي خلق هذا الكون، وأودعه القوانين التي يسير عليها بمشيئته الطليقة. ولكن هذه المشيئة لم تعد حبيسة هذه القوانين لا تملك أن تجري إلا بها.. لقد ظلت طليقة بعد هذه القوانين كما كانت طليقة.. وهذا ما يغفل عنه الذين لا يعلمون.. وإذا كانت حكمة الله ورحمته بعباده المخاليق قد اقتضت ثبات هذه القوانين ؛ فإنه لم يكن معنى هذا تقيد هذه المشيئة وانحباسها داخل هذه القوانين.. فحيثما اقتضت الحكمة جريان أمر من الأمور مخالفاً لهذه القوانين الثابتة جرت المشيئة طليقة بهذا الأمر.. ثم إن جريان هذه القوانين الثابتة في كل مرة تجريفيها إنما يقع بقدر من الله خاص بهذه المرة. فهي لا تجري جرياناً آلياً لا تدخل لقدر الله فيه.. وهذا مع ثباتها في طريقها ما لم يشأ الله أن تجري بغير ذلك.. وعلى أساس أن كل ما يقع - سواء من جريان القوانين الثابتة أو جريان غيرها - إنما يقع بقدر من الله خاص، فإنه تستوي الخارقة والقانون الثابت في جريانه بهذا القدر.. ولا آلية في نظام الكون في مرة واحدة - كما يظن الذين لا يعلمون ! - ولقد بدأوا يدركون هذا في ربع القرن الأخير !
على أية حال، لقد وقع ذلك لأهل القرية التي كانت حاضرة البحر من بني إسرائيل.. فإذا جماعة منهم تهيج مطامعهم أمام هذا الإغراء، فتتهاوى عزائمهم، وينسون عهدهم مع ربهم وميثاقهم، فيحتالون الحيل - على طريقة اليهود - للصيد في يوم السبت ! وما أكثر الحيل عندما يلتوي القلب، وتقل التقوى، ويصبح التعامل مع مجرد النصوص، ويراد التفلت من ظاهر النصوص !.. إن القانون لا تحرسه نصوصه، ولا يحميه حراسه. إنما تحرسه القلوب التقية التي تستقر تقوى الله فيها وخشيته، فتحرس هي القانون وتحميه. وما من قانون تمكن حمايته أن يحتال الناس عليه ! ما من قانون تحرسه القوة المادية والحراسة الظاهرية ! ولن تستطيع الدولة - كائناً ما كان الإرهاب فيها - أن تضع على رأس كل فرد حارساً يلاحقه لتنفيذ القانون وصيانته ؛ ما لم تكن خشية الله في قلوب الناس، ومراقبتهم له في السر والعلن..
من أجل ذلك تفشل الأنظمة والأوضاع التي لا تقوم على حراسة القلوب التقية. وتفشل النظريات والمذاهب التي يضعها البشر للبشر ولا سلطان فيها من الله.. ومن أجل ذلك تعجز الأجهزة البشرية التي تقيمها الدول لحراسة القوانين وتنفيذها. وتعجز الملاحقة والمراقبة التي تتابع الأمور من سطوحها !
وهكذا راح فريق من سكان القرية التي كانت حاضرة البحر يحتالون على السبت، الذي حرم عليهم الصيد فيه.. وروي أنهم كانوا يقيمون الحواجيز على السمك ويحوّطون عليه في يوم السبت ؛ حتى إذا جاء الأحد سارعوا إليه فجمعوه ؛ وقالوا : إنهم لم يصطادوه في السبت، فقد كان في الماء - وراء الحواجيز - غير مصيد !
وراح فريق منهم آخر يرى ما يفعلون من الاحتيال على الله ! فيحذر الفريق العاصي مغبة احتياله ! وينكر عليه ما يزاوله من الاحتيال !
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
بينما مضى فريق ثالث يقول للآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر : ما فائدة ما تزاولونه مع هؤلاء العصاة، وهم لا يرجعون عما هم آخذون فيه ؟ وقد كتب الله عليهم الهلاك والعذاب ؟
( وإذ قالت أمة منهم : لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً ؟ ).
فلم تعد هناك جدوى من الوعظ لهم، ولم تعد هناك جدوى لتحذيرهم. بعدما كتب الله عليهم الهلاك أو العذاب الشديد ؛ بما اقترفوه من انتهاك لحرمات الله.
( قالوا : معذرة إلى ربكم، ولعلهم يتقون )..
فهو واجب لله نؤديه : واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتخويف من انتهاك الحرمات، لنبلغإلى الله عذرنا، ويعلم أن قد أدينا واجبنا. ثم لعل النصح يؤثر في تلك القلوب العاصية فيثير فيها وجدان التقوى.
وهكذا انقسم سكان الحاضرة إلى ثلاث فرق.. أو ثلاث أمم.. فالأمة في التعريف الإسلامي هي مجموعة الناس التي تدين بعقيدة واحدة وتصور واحد وتدين لقيادة واحدة، وليست كما هي في المفهوم الجاهلي القديم أو الحديث، مجموعة الناس التي تسكن في إقليم واحد من الأرض وتحكمها دولة واحدة ! فهذا مفهوم لا يعرفه الإسلام، إنما هي من مصطلحات الجاهلية القديمة أو الحديثة !
وقد انقسم سكان القرية الواحدة إلى ثلاث أمم : أمة عاصية محتالة. وأمة تقف في وجه المعصية والاحتيال وقفة إيجابية بالإنكار والتوجيه والنصيحة. وأمة تدع المنكر وأهله، وتقف موقف الإنكار السلبي ولا تدفعه بعمل إيجابي.. وهي طرائق متعددة من التصور والحركة، تجعل الفرق الثلاث أمماً ثلاثاً !
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
فلما لم يجد النصح، ولم تنفع العظة، وسدر السادرون في غيهم، حقت كلمة الله، وتحققت نذره. فإذا الذين كانوا ينهون عن السوء في نجوة من السوء. وإذا الأمة العاصية يحل بها العذاب الشديد الذي سيأتي بيانه. فأما الفرقة الثالثة - أوالأمة الثالثة - فقد سكت النص عنها.. ربما تهوينا لشأنها - وإن كانت لم تؤخذ بالعذاب - إذ أنها قعدت عن الإنكار الإيجابي، ووقفت عند حدود الإنكار السلبي. فاستحقت الإهمال وإن لم تستحق العذاب :
( فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء، وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون. فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم : كونوا قردة خاسئين )..
لقد كان العذاب البئيس - أي الشديد - الذي حل بالعصاة المحتالين، جزاء إمعانهم في المعصية - التي يعتبرها النص هي الكفر، الذي يعبر عنه بالظلم مرة وبالفسق مرة كما هو الغالب في التعبير القرآني عن الكفر والشرك بالظلم والفسق ؛ وهو تعبير يختلف عن المصطلح الفقهي المتأخر عن هذه الألفاظ إذ أن مدلولها القرآني ليس هو المدلول الذي جعل يشيع في التعبير الفقهي المتأخر –
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
( فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ )
كان ذلك العذاب البئيس هو المسخ عن الصورة الآدمية إلى الصورة القردية ! لقد تنازلوا هم عن آدميتهم، حين تنازلوا عن أخص خصائصها - وهو الإرادة التي تسيطر على الرغبة - وانتكسوا إلى عالم " الحيوان " حين تخلوا عن خصائص " الإنسان ". فقيل لهم أن يكونوا حيث أرادوا لأنفسهم من الانتكاس والهوان !
أما كيف صاروا قردة ؟ وكيف حدث لهم بعد أن صاروا قردة ؟ هل انقرضوا كما ينقرض كل ممسوخ يخرج عن جنسه ؟ أم تناسلوا وهم قردة ؟... إلى آخر هذه المسائل التي تتعدد فيها روايات التفسير... فهذا كله مسكوت عنه في القرآن الكريم ؛ وليس وراءه عن رسول الله [ ص ] شيء.. فلا حاجة بنا نحن إلى الخوض فيه.
لقد جرت كلمة الله التي يجري بها الخلق والتكوين ابتداء ؛ كما يجري بها التحوير والتغيير.. كلمة " كن ".
( قلنا لهم : كونوا قردة خاسئين )..
فكانوا قردة مهينين. كما جرى القول الذي لا راد له ؛ ولا يعجز قائله عن شيء سبحانه !
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
ثم كانت اللعنة الأبدية على الجميع - إلا الذين يؤمنون بالنبي الأمي ويتبعونه - بما انتهى إليه أمرهم بعد فترة من المعصية التي لا تنتهي ؛ وصدرت المشيئة الإلهية بالحكم الذي لا راد له ولا معقب عليه :
( وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب. إن ربك لسريع العقاب، وإنه لغفور رحيم )..
فهو إذن الأبد الذي تحقق منذ صدوره ؛ فبعث الله على اليهود في فترات من الزمان من يسومهم سوء العذاب. والذي سيظل نافذاً في عمومه، فيبعث الله عليهم بين آونة وأخرى من يسومهم سوء العذاب. وكلما انتعشوا وانتفشوا وطغوا في الأرض وبغوا، جاءتهم الضربة ممن يسلطهم الله من عباده على هذه الفئة الباغية النكدة، الناكثة العاصية، التي لا تخرج من معصية إلا لتقع في معصية ؛ ولا تثوب من انحراف حتى تجنح إلى انحراف..
ولقد يبدو أحياناً أن اللعنة قد توقفت، وأن يهود قد عزت واستطالت ! وإن هي إلا فترة عارضة من فترات التاريخ.. ولا يدري إلا الله من ذا الذي سيسلط عليهم في الجولة التالية، وما بعدها إلى يوم القيامة. لقد تأذن الله بهذا الأمر الدائم إلى يوم القيامة - كما أخبر الله نبيه في قرآنه - معقباً على هذا الأمر بتقرير صفة الله سبحانه في العذاب والرحمة :
( إن ربك لسريع العقاب، وإنه لغفور رحيم )..
فهو بسرعة عقابه يأخذ الذين حقت عليهم كلمته بالعذاب - كما أخذ القرية التي كانت حاضرة البحر - وهو بمغفرته ورحمته يقبل التوبة ممن يثوب من بني إسرائيل، ممن يتبعون الرسول النبي الذي يجدونه مكتوباً عندهم، في التوراة والإنجيل.. فليس عذابه - سبحانه - عن نقمة ولا إحنة. إنما هو الجزاء العادل لمن يستحقونه، ووراءه المغفرة والرحمة..
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
ثم تمضي خطوات القصة مع خطوات التاريخ، من بعد موسى وخلفائه، مع الأجيال التالية في بني إسرائيل إلى الجيل الذي كان يواجه الرسول [ ص ] والجماعة المسلمة في المدينة :
وقطعناهم في الأرض أمماً.. منهم الصالحون ومنهم دون ذلك.. وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون. فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب، يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون : سيغفر لنا. وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه. ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق، ودرسوا ما فيه، والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ! والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة، إنا لا نضيع أجر المصلحين..
وهذه بقية الآيات المدنية الواردة في هذا السياق تكملة لقصة بني إسرائيل من بعد موسى.. ذلك حين تفرق اليهود في الأرض ؛ جماعات مختلفة المذاهب والتصورات، مختلفة المشارب والمسالك. فكان منهم الصالحون وكان منهم من هم دون الصلاح. وظلت العناية الإلهية تواليهم بالابتلاءات. تارة بالنعماء وتارة بالبأساء لعلهم يرجعون إلى ربهم، ويثوبون إلى رشدهم، ويستقيمون على طريقهم ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون )..
والمتابعة بالابتلاء رحمة من الله بالعباد، وتذكير دائم لهم، ووقاية من النسيان المؤدي إلى الاغترار والبوار..
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى، ويقولون : سيغفر لنا. وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه )..
وصفة هذا الخلف الذي جاء بعد ذلك السلف من قوم موسى : أنهم ورثوا الكتاب ودرسوه.. ولكنهم لم يتكيفوا به ولم تتأثر به قلوبهم ولا سلوكهم.. شأن العقيدة حين تتحول إلى ثقافة تدرس وعلم يحفظ.. وكلما رأوا عرضاً من أعراض الحياة الدنيا تهافتوا عليه، ثم تأولوا وقالوا :( سيغفر لنا ).. وهكذا كلما عرض لهم من أعراض الدنيا جديد تهافتوا عليه من جديد !

ويسأل سؤال استنكار :

ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ؟ ودرسوا ما فيه ؟.
ألم يؤخذ عليهم ميثاق الله في الكتاب ألا يتأولوا ولا يحتالوا على النصوص، وألا يخبروا عن الله إلا بالحق.. فما بالهم يقولون :( سيغفر لنا )ويتهافتون على أعراض الحياة الدنيا ؟ ويبررون لأنفسهم هذا بالتقول على الله وتأكيد غفرانه لهم، وهم يعلمون أن الله إنما يغفر لمن يتوبون حقاً ؛ ويقلعون عن المعصية فعلاً ؛ وليس هذا حالهم، فهم يعودون كلما رأوا عرضاً من أعراض الحياة الدنيا ! وهم درسوا هذا الكتاب وعرفوا ما فيه ! بلى ! ولكن الدراسة لا تجدي مالم تخالط القلوب. وكم من دارسين للدين وقلوبهم عنه بعيد. إنما يدرسونه ليتأولوا ويحتالوا، ويحرفوا الكلم عن مواضعه، ويجدوا المخارج للفتاوى المغرضة التي تنيلهم عرض الحياة الدنيا.. وهل آفة الدين إلا الذين يدرسونه دراسة ؛ ولا يأخذونه عقيدة يتقون الله ولا يرهبونه ؟ !
( والدار الآخرة خير للذين يتقون. أفلا تعقلون ؟ ).
نعم ! إنها الدار الآخرة ! إن وزنها في قلوب الذين يتقون هو وحده الذي يرجح الكفة، وهو وحده الذي يعصم من فتنة العرض الأدنى القريب في هذه الدنيا.. نعم إنها هي التي لا يصلح قلب ولا تصلح حياة إلا بها ؛ ولا تستقيم نفس ولا تستقيم حياة إلا بملاحظتها.. وإلا فما الذي يعدل في النفس البشرية الرغبة الملحة في حيازة كل عرض يلوح لها من أعراض هذه الأرض ؟ وما الذي يحجزها عن الطمع ويكفها عن البغي ؟ وما الذي يهدىء فيها هياج الرغائب وسعار الشهوات وجنون المطامع ؟ وما الذي يطمئنها في صراع الحياة الدنيا على النصيب الذي لا يضيع بفوات الحياة الدنيا ؟ وما الذي يثبتها في المعركة بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وأعراض الأرض تفر من بين يديها وتنأى ؟ والشر يتبجح والباطل يطغى ؟
لا شيء يثبت على الغير والأحداث وتقلبات الأحوال في هذا الخضم الهائج وفي هذه المعركة الكبرى ؛ إلا اليقين في الآخرة، وأنها خير للذين يتقون، ويعفون، ويترفعون، ويثبتون على الحق والخير في وجه الزعازع والأعاصير والفتن، ويمضون في الطريق لا يتلفتون.. مطمئنين واثقين، ملء قلوبهم اليقين..
وهذه الدار الآخرة غيب من الغيب الذي يريد دعاة " الاشتراكية العلمية " أن يلغوه من قلوبنا ومن عقيدتنا ومن حياتنا ؛ ويحلوا محله تصوراً كافراً جاهلاً مطموساً يسمونه :" العلمية "..
ومن أجل هذه المحاولة البائسة تفسد الحياة، وتفسد النفوس ؛ وينطلق السعار المجنون الذي لا يكبحه إلاَّ ذلك اليقين.. ينطلق سعار الرشوة والفساد والطمع والطغيان. وينتشر داء الإهمال وقلة المبالاة والخيانة في كل مجال..
إن " العلمية " التي تناقض " الغيبية " جهالة من جهالات القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر. جهالة يرجع عنها " العلم البشري " ذاته، ولا يبقى يرددها في القرن العشرين إلا الجهال ! جهالة تناقض فطرة " الإنسان " ومن ثم تفسد " الحياة " ذلك الإفساد الذي يهدد البشرية بالدمار ! ولكنه المخطط الصهيوني الرهيب الذي يريد أن يسلب البشرية كلها قوام حياتها وصلاحها، ليسهل تطويعها لملك صهيون في نهاية المطاف ! والذي تردده الببغاوات هنا وهناك، بينما الأوضاع التي أقامتها الصهيونية وكفلتها في أنحاء الأرض تمضي عن علم في تنفيذ المخطط الرهيب هنا وهناك !
ولأن قضية الآخرة، وقضية التقوى قضيتان أساسيتان في العقيدة وفي الحياة، يحيل السياق القرآني المخاطبين الذين يتهافتون على عرض هذا الأدنى.. عرض الحياة الدنيا.. إلى العقل :
( والدار الآخرة خير للذين يتقون.. أفلا تعقلون ؟ )..
ولو كان العقل هو الذي يحكم لا الهوى.. ولو كان العلم الحق لا الجهالة التي تسمى العلم هوالذي يقضي.. لكانت الدار الآخرة خيراً من عرض هذا الأدنى. ولكانت التقوى زاداً للدين والدنيا جميعاً :
آية رقم ١٧٠
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
( والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة، إنا لا نضيع أجر المصلحين ).
وهو تعريض بالذين أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا مافيه ؛ ثم هم لا يتمسكون بالكتاب الذي درسوه، ولا يعملون به، ولا يحكمونه في تصوراتهم وحركاتهم ؛ ولا في سلوكهم وحياتهم.. غير أن الآية تبقى - من وراء ذلك التعريض - مطلقة، تعطي مدلولها كاملاً، لكل جيل ولكل حالة.
إن الصيغة اللفظية :( يمسكون ).. تصور مدلولاً يكاد يحس ويرى.. إنها صورة القبض على الكتاب بقوة وجد وصرامة.. الصورة التي يحب الله أن يؤخذ بها كتابه وما فيه.. في غير تعنت ولا تنطع ولا تزمت.. فالجد والقوة والصرامة شيء والتعنت والتنطع والتزمت شيء آخر.. إن الجد والقوة والصرامة لا تنافي اليسر ولكنها تنافي التميع ! ولا تنافي سعة الأفق ولكنها تنافي الاستهتار ! ولا تنافي مراعاة الواقع ولكنها تنافي أن يكون " الواقع " هو الحكم في شريعة الله ! فهو الذي يجب أن يظل محكوماً بشريعة الله !
والتمسك بالكتاب في جد وقوة وصرامة ؛ وإقامة الصلاة - أي شعائر العبادة - هما طرفا المنهج الرباني لصلاح الحياة.. والتمسك بالكتاب في هذه العبارة مقروناً إلى الشعائر يعني مدلولاً معيناً. إذ يعني تحكيم هذا الكتاب في حياة الناس لإصلاح هذه الحياة، مع إقامة شعائر العبادة لإصلاح قلوب الناس. فهما طرفان للمنهج الذي تصلح به الحياة والنفوس، ولا تصلح بسواه.. والإشارة إلى الإصلاح في الآية :
( إنا لا نضيع أجر المصلحين )..
يشير إلى هذه الحقيقة.. حقيقة أن الاستمساك الجاد بالكتاب عملاً، وإقامة الشعائر عبادة هما أداة الإصلاح الذي لا يضيع الله أجره على المصلحين.
وما تفسد الحياة كلها إلا بترك طرفي هذا المنهج الرباني.. ترك الاستمساك الجاد بالكتاب وتحكيمه في حياة الناس ؛ وترك العبادة التي تصلح القلوب فتطبق الشرائع دون احتيال على النصوص، كالذي كان يصنعه أهل الكتاب ؛ وكالذي يصنعه أهل كل كتاب، حين تفتر القلوب عن العبادة فتفتر عن تقوى الله..
إنه منهج متكامل. يقيم الحكم على أساس الكتاب ؛ ويقيم القلب على أساس العبادة.. ومن ثم تتوافى القلوب مع الكتاب ؛ فتصلح القلوب، وتصلح الحياة.
إنه منهج الله، لا يعدل عنه ولا يستبدل به منهجاً آخر، إلا الذين كتبت عليهم الشقوة وحق عليهم العذاب !
في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل ؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم ؛ وأغرق فرعون وملأه ؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه ؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع " النفس البشرية ! " يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس ؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل ؛ وملأها بالالتواء من ناحية ؛ وبالقسوة من ناحية ؛ وبالجبن من ناحية ؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً ؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء !
ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً ؛ عاشوا في ظل الإرهاب ؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نساءهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال.
وفسدت نفوسهم ؛ وفسدت طبيعتهم ؛ والتوت فطرتهم ؛ وانحرفت تصوراتهم ؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان..
لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها ؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس :" ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم ".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء ؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله..
ولقد ضربت أبشار بني إسرائيل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء ! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون ! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني ؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه ! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم ؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح.
عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل ؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية ؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل !
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها ؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلا، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلا، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره !
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلا لا روح فيه !
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات ؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة !
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل.
الثالث عشر : ١٧١ اشارة الى رفع الجبل فوق بني إسرائيل
وفي ختام حلقات القصة في هذه السورة يذكر كيف كان الله قد أخذ على بني إسرائيل الميثاق :
( وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم. خذوا ما آتيناكم بقوة، واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ).
إنه ميثاق لا ينسى.. فقد أخذ في ظرف لاينسى ! أخذ وقد نتق الله الجبل فوقهم كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم ! ولقد كانوا متقاعسين يومها عن إعطاء الميثاق ؛ فأعطوه في ظل خارقة هائلة كانت جديرة بأن تعصمهم بعد ذلك من الانتكاس. ولقد أمروا في ظل تلك الخارقة القوية أن يأخذوا ميثاقهم بقوة وجدية، وأن يستمسكوا به في شدة وصرامة، وألا يتخاذلوا ولا يتهاونوا ولا يتراجعوا في ميثاقهم الوثيق. وأن يظلوا ذاكرين لما فيه، لعل قلوبهم تخشع وتتقي. وتظل موصولة بالله لا تنساه !
ولكن إسرائيل هي إسرائيل ! نقضت الميثاق، ونسيت الله، ولجت في المعصية، حتى استحقت غضب الله ولعنته. وحق عليها القول، بعدما اختارها الله على العالمين في زمانها، وأفاء عليها من عطاياه. فلم تشكر النعمة، ولم ترع العهد، ولم تذكر الميثاق.. وما ربك بظلام للعبيد..
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
( أو تقولوا : إنما أشرك آباؤنا )... [ الآية ].
أما الأحاديث التي أشار إليها في أول هذه الفقرة فهي : في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله [ ص ]. " كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية. " على هذه الملة " - فابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تولد بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ".
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال : قال رسول الله - [ ص ] :" يقول الله إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ".
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير - رحمه الله - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني السري بن يحيى، أن الحسن بن أبي الحسن حدثهم عن الأسود بن سريع من بني سعد قال : غزوت مع رسول الله [ ص ] أربع غزوات، قال : فتناول القوم الذرية بعدما قتلوا المقاتلة، فبلغ ذلك رسول الله [ ص ] فاشتد عليه، ثم قال :" ما بال أقوام يتناولون الذرية ؟ ". فقال رجل : يا رسول الله. أليسوا أبناء المشركين ؟ فقال :" إن خياركم أبناء المشركين ! ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها، فأبواها يهودانها وينصرانها ".. قال الحسن : لقد قال في كتابه :( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم )... الآية.
ونحن لا نستبعد أن يكون قول الله تعالى : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم.. الآيات على وجهه لا على سبيل الحال. لأنه في تصورنا يقع كما أخبر عنه الله سبحانه. وليس هناك ما يمنع أن يقع حين يشاؤه.. ولكنا كذلك لا نستبعد هذا التأويل الذي اختاره ابن كثير، وذكره الحسن البصري واستشهد له بالآية.. والله أعلم أي ذلك كان..
وفي أي من الحالين يخلص لنا أن هناك عهداً من الله على فطرة البشر أن توحده. وأن حقيقة التوحيد مركوزة في هذه الفطرة ؛ يخرج بها كل مولود إلى الوجود ؛ فلا يميل عنها إلا أن يفسد فطرته عامل خارجي عنها ! عامل يستغل الاستعداد البشري للهدى وللضلال. وهو استعداد كذلك كامن تخرجه إلى حيز الوجود ملابسات وظروف.
إن حقيقة التوحيد ليست مركوزة في فطرة " الإنسان " وحده ؛ ولكنها كذلك مركوزة في فطرة هذا الوجود من حوله - وما الفطرة البشرية إلا قطاع من فطرة الوجود كله. موصولة به غير منقطعة عنه، محكومة بذات الناموس الذي يحكمه - بينما هي تتلقى كذلك أصداءه وإيقاعاته المعبرة عن تأثره واعترافه بتلك الحقيقة الكونية الكبيرة..
إن ناموس التوحيد الذي يحكم هذا الوجود، واضح الأثر في شكل الكون، وتنسيقه، وتناسق أجزائه، وانتظام حركته، واطراد قوانينه، وتصرفه المطرد وفق هذه القوانين.. وأخيراً - حسب العلم القليل الذي وصل إليه البشر - وحدة الجوهر الذي تتألف منه ذراته، وهو الإشعاع الذي تنتهي إليه المواد جميعاً عند تحطيم ذراتها وإطلاق شحناتها..
ويوماً بعد يوم يكشف البشر أطرافاً من ناموس الوحدة في طبيعة هذا الكون، وطبيعة قوانينه التي تحكم تصرفاته - في غير آلية حتمية ولكن بقدر من الله مطرد متجدد وفق مشيئة الله الطليقة - ولكننا نحن لا نعتمد على هذا الذي يكشفه علم البشر الظني - الذي لا يمكن أن يكون يقينياً بحكم وسائله البشرية - في تقرير هذا الناموس. إنما نحن نستأنس به مجرد استئناس. واعتمادنا الأول في تقرير أية حقيقة كونية مطلقة، على ما قرره لنا الخالق العليم بما خلق. والقرآن الكريم لا يدع مجالاً للشك في أن الناموس الذي يحكم هذا الكون هو ناموس الوحدة، الذي أنشأته المشيئة الواحدة للخالق الواحد سبحانه. كما أنه لايدع مجالاً للشك في عبودية هذا الكون لربه، واعترافه بوحدانيته، وعبادته له بالكيفية التي يعلمها الله ولا نعرف عنها إلا ما يخبرنا به ؛ وما نراه من آثارها في انتظامه ودأبه واطراده.
هذا الناموس الذي يصرف الكون كله - بقدر الله المطرد المتجدد وفق مشيئة الله الطليقة - سارٍ كذلك في كيان الإنسان - بوصفه من كائنات هذا الكون - مستقر في فطرته، لا يحتاج إلى وعي عقلي للإحساس به ؛ فهو مدرك بالفطرة، مستقر في صميمها، تستشعره بذاتها، وتتصرف وفقه، ما لم يطرأ عليها الخلل والفساد، فتنحرف عن إدراكها الذاتي له، وتدع للأهواء العارضة أن تسيرها، بدلاً من أن تسير وفق قانونها الداخلي القويم.
هذا الناموس - بذاته - هو ميثاق معقود بين الفطرة وخالقها. ميثاق مودع في كيانها. مودع في كل خلية حية منذ نشأتها. وهو ميثاق أقدم من الرسل والرسالات. وفيه تشهد كل خلية بربوبية الله الواحد، ذي المشيئة الواحدة، المنشئة للناموس الواحد الذي يحكمها ويصرفها. فلا سبيل إلى الاحتجاج بعد ميثاق الفطرة وشهادتها - سواء أكان بلسان الحال هذا أم بلسان المقال كما في بعض الآثار - لا سبيل إلى أن يقول أحد : إنه غفل عن كتاب الله الهادي إلى التوحيد، وعن رسالات الله التي دعت إلى هذا التوحيد. أو يقول : إنني خرجت إلى هذا الوجود، فوجدت آبائي قد أشركوا فلم يكن أمامي سبيل لمعرفة التوحيد إنما ضل آبائي فضللت فهم المسؤولون وحدهم ولست بالمسؤول ! ومن ثم جاء هذا التعقيب على تلك الشهادة :
أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا : إنما أشرك آباؤنا من قبل، وكنا ذرية من بعدهم. أفتهلكنا بما فعل المبطلون ؟.
آية رقم ١٧٤
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
ولكن الله - سبحانه - رحمة منه بعباده، لما يعلمه من أن في استعدادهم أن يضلوا إذا أضلوا، وأن فطرتهم هذه تتعرض لعوامل الإنحراف - كما قال رسول الله [ ص ] بفعل شياطين الجن والإنس ؛ الذين يعتمدون على ما في التكوين البشري من نقط الضعف !..
رحمة من الله بعباده قدر ألا يحاسبهم على عهد الفطرة هذا ؛ كما أنه لا يحاسبهم على ما أعطاهم من عقل يميزون به ؛ حتى يرسل إليهم الرسل، ويفصل لهم الآيات، لاستنقاذ فطرتهم من الركام والتعطل والانحراف، واستنقاذ عقلهم من ضغط الهوى والضعف والشهوات. ولو كان الله يعلم أن الفطر والعقول تكفي وحدها للهدى دون رسل ولا رسالات ؛ ودون تذكير وتفصيل للآيات لأخذ الله عباده بها. ولكنه رحمهم بعلمه فجعل الحجة عليهم هي الرسالة :
( وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون )..
يرجعون إلى فطرتهم وعهدها مع الله ؛ وإلى ما أودعه الله كينونتهم من قوى البصيرة والإدراك. فالرجعة إلى هذه المكنونات كفيلة بانتفاض حقيقة التوحيد في القلوب ؛ وردها إلى بارئها الوحيد، الذي فطرها على عقيدة التوحيد. ثم رحمها فأرسل إليها الرسل بالآيات للتذكير والتحذير.
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
وكمثل للانحراف عن سواء الفطرة، ونقض لعهد الله المأخوذ عليها، ونكوص عن آيات الله بعد رؤيتها والعلم بها.. ذلك الذي آتاه الله آياته، فكانت في متناول نظره وفكره ؛ ولكنه انسلخ منها، وتعرى عنها ولصق بالأرض، واتبع الهوى ؛ فلم يستمسك بالميثاق الأول، ولا بالآيات الهادية ؛ فاستولى عليه الشيطان ؛ وأمسى مطروداً من حمى الله، لا يهدأ ولا يطمئن ولا يسكن إلى قرار.
ولكن البيان القرآني المعجز لا يصوغ المثل هذه الصياغة ! إنما يصوره في مشهد حي متحرك، عنيف الحركة، شاخص السمات، بارز الملامح، واضح الانفعالات ؛ يحمل كل إيقاعات الحياة الواقعة، إلى جانب إيقاعات العبارة الموحية :
( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان، فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فمثله كمثل الكلب.. إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث.. ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون. ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون ! )..
إنه مشهد من المشاهد العجيبة، الجديدة كل الجدة على ذخيرة هذه اللغة من التصورات والتصويرات.. إنسان يؤتيه الله آياته، ويخلع عليه من فضله، ويكسوه من علمه، ويعطيه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع.. ولكن ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخاً. ينسلخ كأنما الآيات أديم له متلبس بلحمه ؛ فهو ينسلخ منها بعنف وجهد ومشقة، انسلاخ الحي من أديمه اللاصق بكيانه.. أو ليست الكينونة البشرية متلبسة بالإيمان بالله تلبس الجلد بالكيان ؟.. ها هو ذا ينسلخ من آيات الله ؛ ويتجرد من الغطاء الواقي، والدرع الحامي ؛ وينحرف عن الهدي ليتبع الهوى ؛ ويهبط من الأفق المشرق فيلتصق بالطين المعتم ؛ فيصبح غرضاً للشيطان لا يقيه منه واق، ولا يحميه منه حام ؛ فيتبعه ويلزمه ويستحوذ عليه..
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
ثم إذا نحن أولاء أمام مشهد مفزع بائس نكد.. إذا نحن بهذا المخلوق، لاصقا بالأرض، ملوثا بالطين. ثم إذا هو مسخ في هيئة الكلب، يلهث إن طورد ويلهث إن لم يطارد.. كل هذه المشاهد المتحركة تتتابع وتتوالى ؛ والخيال شاخص يتبعها في انفعال وانبهار وتأثر.. فإذا انتهى إلى المشهد الأخير منها.. مشهد اللهاث الذي لا ينقطع. سمع التعليق المرهوب الموحي، على المشهد كله :
( ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون. ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون )..
ذلك مثلهم ! فلقد كانت آيات الهدى وموحيات الإيمان متلبسة بفطرتهم وكيانهم وبالوجود كله من حولهم. ثم إذا هم ينسلخون منها انسلاخاً. ثم إذا هم أمساخ شائهو الكيان، هابطون عن مكان " الإنسان " إلى مكان الحيوان.. مكان الكلب الذي يتمرغ في الطين.. وكان لهم من الإيمان جناح يرفون به إلى عليين ؛ وكانوا من فطرتهم الأولى في أحسن تقويم، فإذا هم ينحطون منها إلى أسفل سافلين !
آية رقم ١٧٧
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
( ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون ! )..
وهل أسوأ من هذا المثل مثلاً ؟ وهل أسوأ من الانسلاخ والتعري من الهدى ؟ وهل أسوأ من اللصوق بالأرض واتباع الهوى ؟ وهل يظلم إنسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذا ؟ من يعريها من الغطاء الواقي والدرع الحامي، ويدعها غرضاً للشيطان يلزمها ويركبها، ويهبط بها إلى عالم الحيوان اللاصق بالأرض، الحائر القلق، اللاهث لهاث الكلب أبداً ! ! !
وهل يبلغ قول قائل في وصف هذه الحالة وتصويرها على هذا النحو العجيب الفريد ؛ إلا هذا القرآن العجيب الفريد ! !
وبعد.. فهل هو نبأ يتلى ؟ أم أنه مثل يضرب في صورة النبأ لأنه يقع كثيراً. فهو من هذا الجانب خبر يروى ؟
تذكر بعض الروايات أنه نبأ رجل كان صالحاً في فلسطين - قبل دخول بني إسرائيل - وتروي بالتفصيل الطويل قصة انحرافه وانهياره ؛ على نحو لا يأمن الذي تمرس بالإسرائيليات الكثيرة المدسوسة في كتب التفاسير، أن يكون واحدة منها ؛ ولا يطمئن على الأقل لكل تفصيلاته التي ورد فيها ؛ ثم إن في هذه الروايات من الاختلاف والاضطراب ما يدعو إلى زيادة الحذر.. فقد روي أن الرجل من بني إسرائيل [ بلعام بن باعوراء ]، وروي أنه كان من أهل فلسطين الجبابرة. وروي أنه كان من العرب [ أمية بن الصلت ]. وروي أنه كان من المعاصرين لبعثة الرسول [ ص ] [ أبو عامر الفاسق ] وروي أنه كان معاصراً لموسى عليه السلام. وروي أنه كان بعده على عهد يوشع بن نون الذي حارب الجبارين ببني إسرائيل بعد تيه الأربعين سنة على إثر رفض بني إسرائيل الدخول، وقولهم لموسى - عليه السلام - ما حكاه القرآن الكريم : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون.. كذلك روي في تفسير الآيات التي أعطيها أنه كان [ اسم الله العظيم ] الذي يدعو به فيجاب ؛ كما روي أنه كتاب منزل وأنه كان نبياً.. ثم اختلفت تفصيلات النبأ بعد ذلك اختلافات شتى..
لذلك رأينا - على منهجنا في ظلال القرآن - ألا ندخل في شيء من هذا كله. بما أنه ليس في النص القرآني منه شيء. ولم يرد من المرفوع إلى رسول الله [ ص ] عنه شيء. وأن نأخذ من النبأ ما وراءه. فهو يمثل حال الذين يكذبون بآيات الله بعد أن تبين لهم فيعرفوها ثم لا يستقيموا عليها.. وما أكثر ما يتكرر هذا النبأ في حياة البشر ؛ ما أكثر الذين يعطون علم دين الله، ثم لا يهتدون به، إنما يتخذون هذا العلم وسيلةلتحريف الكلم عن مواضعه. واتباع الهوى به.. هواهم وهوى المتسلطين الذين يملكون لهم - في وهمهم - عرض الحياة الدنيا.
وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين الله ثم يزيغ عنها. ويعلن غيرها. ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة، والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزائل ! يحاول أن يثبت بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله وحرماته في الأرض جميعاً !
لقد رأينا من هؤلاء من يعلم ويقول : إن التشريع حق من حقوق الله - سبحانه - من ادعاه فقد ادعى الألوهية. ومن ادعى الألوهية فقد كفر. ومن أقر له بهذا الحق وتابعه عليه فقد كفر أيضاً !.. ومع ذلك.. مع علمه بهذه الحقيقة، التي يعلمها من الدين بالضرورة، فإنه يدعو للطواغيت الذين يدّعون حق التشريع، ويدّعون الألوهية بادعاء هذا الحق.. ممن حكم عليهم هو بالكفر ! ويسميهم " المسلمين " ! ويسمي ما يزاولونه إسلاما لا إسلام بعده !.. ولقد رأينا من هؤلاء من يكتب في تحريم الربا كله عاماً ؛ ثم يكتب في حله كذلك عاماً آخر.. ورأينا منهم من يبارك الفجور وإشاعة الفاحشة بين الناس، ويخلع على هذا الوحل رداء الدين وشاراته وعناوينه
فماذا يكون هذا إلا أن يكون مصداقاً لنبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ؟ وماذا يكون هذا إلا أن يكون المسخ الذي يحكيه الله سبحانه عن صاحب النبأ :( ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه. فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ! ).. ولو شاء الله لرفعه بما آتاه من العلم بآياته. ولكنه - سبحانه - لم يشأ، لأن ذلك الذي علم الآيات أخلد إلى الأرض واتبع هواه، ولم يتبع الآيات..
إنه مثل لكل من آتاه الله من علم الله ؛ فلم ينتفع بهذا العلم ؛ ولم يستقم على طريق الإيمان. وانسلخ من نعمة الله. ليصبح تابعاً ذليلاً للشيطان. ولينتهي إلى المسخ في مرتبة الحيوان !
ثم ما هذا اللهاث الذي لا ينقطع ؟

إنه -
في حسنا كما توحيه إيقاعات النبأ وتصوير مشاهده في القرآن - ذلك اللهاث وراء أعراض هذه الحياة الدنيا التي من أجلها ينسلخ الذين يؤتيهم الله آياته فينسلخون منها. ذلك اللهاث القلق الذي لا يطمئن أبداً. والذي لا يتركه صاحبه سواء وعظته أم لم تعظه ؛ فهو منطلق فيه أبداً !
والحياة البشرية ما تني تطلع علينا بهذا المثل في كل مكان وفي كل زمان وفي كل بيئة.. حتى إنه لتمر فترات كثيرة، وما تكاد العين تقع على عالم إلا وهذا مثله. فيما عدا الندرة النادرة ممن عصم الله، ممن لا ينسلخون من آيات الله، ولا يخلدون إلى الأرض ؛ ولا يتبعون الهوى ؛ ولا يستذلهم الشيطان ؛ ولا يلهثون وراء الحطام الذي يملكه أصحاب السلطان !.. فهو مثل لا ينقطع وروده ووجوده ؛ وما هو بمحصور في قصة وقعت، في جيل من الزمان !
وقد أمر الله رسوله [ ص ] أن يتلوه على قومه الذين كانت تتنزل عليهم آيات الله، كي لا ينسلخوا منها وقد أوتوها. ثم ليبقى من بعده ومن بعدهم يتلى، ليحذر الذين يعلمون من علم الله شيئاً أن ينتهوا إلى هذه النهاية البائسة ؛ وأن يصيروا إلى هذا اللهاث الذي لا ينقطع أبداً ؛ وأن يظلموا أنفسهم ذلك الظلم الذي لا يظلمه عدو لعدو. فإنهم لا يظلمون إلا أنفسهم بهذه النهاية النكدة !
ولقد رأينا من هؤلاء - والعياذ بالله - في زماننا هذا من كان كأنما يحرص على ظلم نفسه ؛ أو كمن يعضبالنواجذ على مكان له في قعر جهنم يخشى أن ينازعه إياه أحد من المتسابقين معه في الحلبة ! فهو ما يني يقدم كل صباح ما يثبت به مكانه هذا في جهنم ! وما يني يلهث وراء هذا المطمع لهاثاً لا ينقطع حتى يفارق هذه الحياة الدنيا !
اللهم اعصمنا، وثبت أقدامنا، وأفرغ علينا صبراً، وتوفنا مسلمين..
ثم نقف أمام هذا النبأ والتعبير القرآني عنه وقفة أخرى..
إنه مثل للعلم الذي لا يعصم صاحبه أن تثقل به شهواته ورغباته فيخلد إلى الأرض لا ينطلق من ثقلتها وجاذبيتها ؛ وأن يتبع هواه فيتبعه الشيطان ويلزمه ويقوده من خطام هذا الهوى..
ومن أجل أن العلم لا يعصم يجعل المنهج القرآني طريقه لتكوين النفوس المسلمة والحياة الإسلامية، ليس العلم وحده لمجرد المعرفة ؛ ولكن يجعل العلم عقيدة حارة دافعة متحركة لتحقيق مدلولها في عالم الضمير وفي عالم الحياة أيضاً..
إن المنهج القرآني لا يقدم العقيدة في صورة " نظرية " للدراسة.. فهذا مجرد علم لا ينشىء في عالم الضمير ولا في عالم الحياة شيئاً.. إنه علم بارد لا يعصم من الهوى، ولا يرفع من ثقلة الشهوات شيئاً. ولا يدفع الشيطان بل ربما ذلل له الطريق وعبدها !
كذلك هو لا يقدم هذا الدين دراسات في " النظام الإسلامي " ولا في " الفقه الإسلامي " ولا في " الاقتصاد الإسلامي " ولا في " العلوم الكونية " ولا في " العلوم النفسية " ولا في أية صورة من صور الدراسة المعرفية !
إنما يقدم هذا الدين عقيدة دافعة دافقة محيية موقظة رافعة مستعلية ؛ تدفع إلى الحركة لتحقيق مدلولها العملي فور استقرارها في القلب والعقل ؛ وتحيي موات القلب فينبض ويتحرك ويتطلع ؛ وتوقظ أجهزة الاستقبال والاستجابة في الفطرة فترجع إلى عهد الله الأول ؛ وترفع الاهتمامات والغايات فلا تثقلها جاذبية الطين ولا تخلد إلى الأرض أبداً.
ويقدمه منهجاً للنظر والتدبر ؛ يتميز ويتفرد دون مناهج البشر في النظر، لأنه إنما جاء لينقذ البشر من قصور مناهجهم وأخطائها وانحرافها تحت لعب الأهواء، وثقلة الأبدان، وإغواء الشيطان !
ويقدمه ميزانا للحق تنضبط به عقول الناس ومداركهم، وتقاس به وتوزن اتجاهاتهم وحركاتهم وتصوراتهم ؛ فما قبله منها هذا الميزان كان صحيحاً لتمضي فيه ؛ وما رفضه هذا الميزان كان خاطئا يجب الإقلاع عنه.
ويقدمه منهجا للحركة يقود البشرية خطوة خطوة في الطريق الصاعد إلى القمة السامقة. وفق خطاه هو ووفق تقديراته.. وفي أثناء الحركة الواقعية يصوغ للناس نظام حياتهم، وأصول شريعتهم، وقواعد اقتصادهم واجتماعهم وسياستهم. ثم يصوغ الناس بعقولهم المنضبطة به تشريعاتهم القانونية الفقهية، وعلومهم الكونية والنفسية، وسائر ما تتطلبه حياتهم العملية الواقعية.. يصوغونها وفي نفوسهم حرارة العقيدة ودفعتها، وجدية الشريعة وواقعيتها ؛ واحتياجات الحياة الواقعية وتوجيهاتها.
هذا هو المنهج القرآني في صياغة النفوس المسلمة والحياة الإسلامية.. أما الدراسة النظرية لمجرد الدراسة، فهذا هو العلم الذي لا يعصم من ثقلة الأرض ودفعة الهوى وإغواء الشيطان ؛ ولا يقدم للحياة البشرية خيرا !
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
ويقف السياق وقفة قصيرة للتعقيب على ذلك المثل الشاخص في ذلك المشهد، للذي آتاه الله آياته فانسلخ منها، بأن الهدى هدى الله. فمن هداه الله فهو المهتدي حقاً ؛ ومن أضله الله فهو الخاسر الذي لا يربح شيئاً :
( من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون )..
والله سبحانه يهدي من يجاهد ليهتدي، كما قال تعالى في السورة الأخرى :( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ).. وكما قال :( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ).. وكما قال :( ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها )..
كذلك يضل الله من يبغي الضلال لنفسه ويعرض عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان، ويغلق قلبه وسمعه وبصره دونها. وذلك كما جاء في الآية التالية في السياق :( ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون ).. وكما قال تعالى :( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً ).. وكما قال :( إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم، ولا ليهديهم طريقاً، إلا طريق جهنم خالدين فيها )
ومن مراجعة مجموعة النصوص التي تذكر الهدى والضلال، والتنسيق بين مدلولاتها جميعاً يخلص لنا طريق واحد بعيد عن ذلك الجدل الذي أثاره المتكلمون من الفرق الإسلامية، والذي أثاره اللاهوت المسيحي والفلسفات المتعددة حول قضية القضاء والقدر عموماً..
إن مشيئة الله سبحانه التي يجري بها قدره في الكائن الإنساني، هي أن يخلق هذا الكائن باستعداد مزدوج للهدى والضلال.. وذلك مع إيداع فطرته إدراك حقيقة الربوبية الواحدة والاتجاه إليها. ومع إعطائه العقل المميز للضلال والهدى. ومع إرسال الرسل بالبينات لإيقاظ الفطرة إذا تعطلت وهداية العقل إذا ضل.. ولكن يبقى بعد ذلك كله ذلك الاستعداد المزدوج للهدى والضلال الذي خلق الإنسان به، وفق مشيئة الله التي جرى بها قدره.
كذلك اقتضت هذه المشيئة أن يجري قدر اللّه بهداية من يجاهد للهدى. وأن يجري قدر اللّه كذلك بإضلال من لا يستخدم ما أودعه اللّه من عقل وما أعطاه من أجهزه الرؤية والسمع في إدراك الآيات المبثوثة في صفحات الكون، وفي رسالات الرسل، الموحية بالهدى.
وفي كل الحالات تتحقق مشيئة اللّه ولا يتحقق سواها، ويقع ما يقع بقدر اللّه لا بقوة سواه. وما كان الأمر ليكون هكذا إلا أن اللّه شاءه هكذا. وما كان شيء ليقع إلا أن يوقعه قدر اللّه. فليس في هذا الوجود مشيئة أخرى تجري وفقها الأمور، كما أنه ليس هناك قوة إلا قدر اللّه ينشىء الأحداث.. وفي إطار هذه الحقيقة الكبيرة يتحرك الإنسان بنفسه، ويقع له ما يقع من الهدى والضلال أيضاً..
وهذا هو التصور الإسلامي الذي تنشئه مجموعة النصوص القرآنية مقارنة متناسقة، حين لا تؤخذ فرادى وفق أهواء الفرق والنحل، وحين لا يوضع بعضها في مواجهة البعض الآخر، على سبيل الاحتجاج والجدل !

وفي هذا النص الذي يواجهنا هنا :

( من يهد اللّه فهو المهتدي، ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ).
يقرر أن من يهديه الله - وفق سنته التي صورناها في الفقرة السابقة - فهو المهتدي حقاً، الواصل يقيناً، الذي يعرف الطريق، ويسير على الصراط، ويصل إلى الفلاح في الآخرة.. وأن الذي يضله الله - وفق سنته تلك - فهو الخاسر الذي خسر كل شيء ولم يربح شيئاً.. مهما ملك، ومهما أخذ ؛ فكل ذلك هباء أو هواء ! وإنه لكذلك إذا نظرنا إليه من زاوية أن هذا الضال قد خسر نفسه. وماذا يأخذ وماذا يكسب من خسر نفسه ؟ !
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
ويؤيد ما ذهبنا إليه في فهم الآية السابقة وأخواتها نص الآية التالية :
ولقد ذرانا لجهنم كثيراً من الجن والإنس. لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها.. أولئك كالأنعام، بل هم أضل.. أولئك هم الغافلون..
إن هؤلاء الكثيرين من الجن والإنس مخلوقون لجهنم ! وهم مهيأون لها ! فما بالهم كذلك ؟

هنالك اعتباران :

الاعتبار الأول : أنه مكشوف لعلم الله الأزلي أن هؤلاء الخلق صائرون إلى جهنم.. وهذا لا يحتاج إلى بروز العمل الذي يستحقون به جهنم إلى عالم الواقع الفعلي لهم. فعلم الله سبحانه شامل محيط غير متوقف على زمان ولا على حركة ينشأ بعدها الفعل في عالم العباد الحادث.
والاعتبار الثاني : أن هذا العلم الأزلي - الذي لا يتعلق بزمان ولا حركة في عالم العباد الحادث - ليس هو الذي يدفع هذه الخلائق إلى الضلال الذي تستحق به جهنم. إنما هم كما تنص الآية :
( لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها )..
فهم لم يفتحوا القلوب التي أعطوها ليفقهوا - ودلائل الإيمان والهدى حاضرة في الوجود وفي الرسالات تدركها القلوب المفتوحة والبصائر المكشوفة - وهم لم يفتحوا أعينهم ليبصروا آيات الله الكونية. ولم يفتحوا آذانهم ليسمعوا آيات الله المتلوة. لقد عطلوا هذه الأجهزة التي وهبوها ولم يستخدموها.. لقد عاشوا غافلين لا يتدبرون :
( أولئك كالأنعام، بل هم أضل، أولئك هم الغافلون )..
والذين يغفلون عما حولهم من آيات الله في الكون وفي الحياة ؛ والذين يغفلون عما يمر بهم من الأحداث والغير فلا يرون فيها يد الله.. أولئك كالأنعام بل هم أضل.. فللأنعام استعدادات فطرية تهديها. أما الجن والإنس فقد زودوا بالقلب الواعي والعين المبصرة والأذن الملتقطة. فإذا لم يفتحوا قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم ليدركوا. إذا مروا بالحياة غافلين لا تلتقط قلوبهم معانيها وغاياتها ؛ ولا تلتقط أعينهم مشاهدها ودلالاتها ؛ ولا تلتقط آذانهم إيقاعاتها وإيحاءاتها.. فإنهم يكونون أضل من الأنعام الموكولة إلى استعداداتها الفطرية الهادية.. ثم هم يكونون من ذرء جهنم ! يجري بهم قدر الله إليها وفق مشيئته حين فطرهم باستعداداتهم تلك، وجعل قانون جزائهم هذا. فكانوا - كما هم في علم الله القديم - حصب جهنم منذ كانوا !
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
وبعد استعراض مشهد الميثاق الكوني بالتوحيد ؛ واستعراض مثل المنحرف عن هذا الميثاق وعن آيات الله بعد إذ آتاه الله إياها.. يعقب بالتوجيه الآمر بإهمال المنحرفين - الذين كانوا يتمثلون في المشركين الذين كانوا يواجهون دعوة الإسلام بالشرك - الذين يلحدون في أسماء الله ويحرفونها، فيسمون بها الشركاء المزعومين :
( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، وذروا الذين يلحدون في أسمائه، سيجزون ما كانوا يعملون ).
والإلحاد هو الإنحراف أو التحريف.. وقد حرف المشركون في الجزيرة أسماء الله الحسنى، فسموا بها آلهتهم المدعاة.. حرفوا اسم( الله )فسموا به " اللات ". واسم( العزيز )فسموا به " العزى ".. فالآية تقرر أن هذه الأسماء الحسنى لله وحده. وتأمر أن يدعوه المؤمنون وحده بها، دون تحريف ولا ميل ؛ وأن يدعوا المحرفين المنحرفين ؛ فلا يحفلوهم ولا يأبهوا لما هم فيه من الإلحاد. فأمرهم موكول إلى الله ؛ وهم ملاقون جزاءهم الذي ينتظرهم منه.. وياله من وعيد !..
وهذا الأمر بإهمال شأن الذين يلحدون في أسماء الله ؛ لا يقتصر على تلك المناسبة التاريخية، ولا على الإلحاد في أسماء الله بتحريفها اللفظي إلى الآلهة المدعاة.. إنما هو ينسحب على كل ألوان الإلحاد في شتى صوره.. ينسحب على الذين يلحدون - أي يحرفون أو ينحرفون - في تصورهم لحقيقة الألوهية على الإطلاق. كالذين يدّعون له الولد. وكالذين يدّعون أن مشيئته - سبحانه - مقيدة بنواميس الطبيعة الكونية ! وكالذين يدعون له كيفيات أعمال تشبه كيفيات أعمال البشر - وهو سبحانه ليس كمثله شيء - وكذلك من يدعون أنه سبحانه إله في السماء، وفي تصريف نظام الكون، وفي حساب الناس في الآخرة. ولكنه ليس إلهاً في الأرض، ولا في حياة الناس، فليس له - في زعمهم - أن يشرع لحياة الناس ؛ إنما الناس هم الذين يشرعون لأنفسهم بعقولهم وتجاربهم ومصالحهم - كما يرونها هم - فالناس - في هذا - هم آلهة أنفسهم. أو بعضهم آلهة بعض !.. وكله إلحاد في الله وصفاته وخصائص ألوهيته.. والمسلمون مأمورون بالإعراض عن هذا كله وإهماله ؛ والملحدون موعدون بجزاء الله لهم على ما كانوا يعملون !
آية رقم ١٨١
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
ثم يمضي السياق يفصل صنوف الخلق.. بعدما ذكر منهم من قبل أولئك الذين ذرأهم الله لجهنم ( لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها... )ومنهم هؤلاء الذين يلحدون في أسماء الله ويحرفونها.. ثم إن منهم أمة يستمسكون بالحق، ويدعون الناس إليه، ويحكمون به ولا ينحرفون عنه.. وأمة - على الضد - ينكرون الحق، ويكذبون بآيات الله ! فأما الأولون فيقرر وجودهم في الأرض وجوداً ثابتاً لا شك فيه ؛ وهم حراس على الحق حين ينحرف عنه المنحرفون، ويزيغ عنه الزائغون ؛ وحين يكذب الناس بالحق وينبذونه يبقون هم عليه صامدين. وأما الآخرون فيكشف عن مصير لهم مخيف، وكيد لله إزاءهم متين :
( وممن خلقنا أمة يهدون بالحق، وبه يعدلون. والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. وأملي لهم إن كيدي متين )..
وما كانت البشرية لتستحق التكريم لو لم تكن فيها دائماً - وفي أحلك الظروف - تلك الجماعة - التي يسميها الله( أمة )بالمصطلح الإسلامي للأمة وهي : الجماعة التي تدين بعقيدة واحدة وتتجمع على آصرتها ؛ وتدين لقيادة واحدة قائمة على تلك العقيدة - فهذه الأمة الثابتة على الحق ؛ العاملة به في كل حين، هي الحارسة لأمانة الله في الأرض، الشاهدة بعهده على الناس، التي تقوم بها حجة الله على الضالين المتنكرين لعهده في كل جيل.

ونقف لحظة أمام صفة هذه الأمة :

( يهدون بالحق، وبه يعدلون )..
إن صفة هذه الأمة - التي لا ينقطع وجودها من الأرض أياً كان عددها - أنهم ( يهدون بالحق ).. فهم دعاة إلى الحق، لا يسكتون عن الدعوة به، وإليه، ولا يتقوقعون على أنفسهم ؛ ولا ينزوون بالحق الذي يعرفونه. ولكنهم يهدون به غيرهم. فلهم قيادة فيمن حولهم من الضالين عن هذا الحق، المتنكرين لذلك العهد ؛ ولهم عمل إيجابي لا يقتصر على معرفة الحق ؛ إنما يتجاوزه إلى الهداية به والدعوة إليه والقيادة باسمه.
( وبه يعدلون ).. فيتجاوزون معرفة الحق والهداية به إلى تحقيق هذا الحق في حياة الناس والحكم به بينهم، تحقيقاً للعدل الذي لا يقوم إلا بالحكم بهذا الحق.. فما جاء هذا الحق ليكون مجرد علم يعرف ويدرس. ولا مجرد وعظ يُهدى به ويعرّف ! إنما جاء هذا الحق ليحكم أمر الناس كله. يحكم تصوراتهم الاعتقادية فيصححها ويقيمها على وفقه. ويحكم شعائرهم التعبدية فيجعلها ترجمة عنه في صلة العبد بربه. ويحكم حياتهم الواقعية فيقيم نظامها وأوضاعها وفق منهجه ومبادئه ويقضي فيها بشريعته وقوانينه المستمدة من هذه الشريعة. ويحكم عاداتهم وتقاليدهم وأخلاقهم وسلوكهم فيقيمها كلها على التصورات الصحيحة المستمدة منه. ويحكم مناهج تفكيرهم وعلومهم وثقافاتهم كلها ويضبطها بموازينه... وبهذا كله يوجد هذا الحق في حياة الناس، ويقوم العدل الذي لا يقوم إلا بهذا الحق.. وهذا ما تزاوله تلك الأمة بعد التعريف بالحق والهداية به..
إن طبيعة هذا الدين واضحة لا تحتمل التلبيس ! صلبة لا تقبل التمييع ! والذين يلحدون في هذا الدين يجدون مشقة في تحويله عن طبيعته هذه الواضحة الصلبة.. وهم من أجل ذلك يوجهون إليه جهودا لا تكل، وحملات لا تنقطع، ويستخدمون في تحريفه عن وجهته وفي تمييع طبيعته، كل الوسائل وكل الأجهزة، وكل التجارب.. هم يسحقون سحقاً وحشياً كل طلائع البعث والحيوية الصلبة الصامدة في كل مكان على وجه الأرض عن طريق الأوضاع التي يقيمونها ويكفلونها في كل بقاع الأرض ! وهم يسلطون المحترفين من علماء هذا الدين عليه، يحرفون الكلم عن مواضعه، ويحلون ما حرم الله، ويميعون ما شرعه، ويباركون الفجور والفاحشة ويرفعون عليها رايات الدين وعناوينه ! وهم يزحلقون المخدوعين في الحضارات المادية، المأخوذين بنظرياتها وأوضاعها ليحاولوا زحلقة الإسلام في التشبه بهذه النظريات وهذه الأوضاع، ورفع شعاراتها، أو الاقتباس من نظرياتها وشرائعها ومناهجها ! وهم يصورون الإسلام الذي يحكم الحياة حادثاً تاريخياً مضى ولا تمكن إعادته، ويشيدون بعظمة هذا الماضي ليخدروا مشاعر المسلمين، ثم ليقولوا لهم - في ظل هذا التخدير - : إن الإسلام اليوم يجب أن يعيش في نفوس أهله عقيدة وعبادة، لا شريعة ونظاماً، وحسبه وحسبهم ذلك المجد التاريخي القديم ! هذا والإ فإن على هذا الدين أن " يتطور " فيصبح محكوماً بواقع البشر، يبصم لهم على كل ما يقدمونه له من تصورات وقوانين. وهم يضعون للأوضاع التي يقيمونها في العالم - الذي كان إسلامياً - نظريات تأخذ شكل العقيدة والدين، لتحل محل ذلك الدين القديم ! وينزّلون لها قرآناً يتلى ويدرس، ليحل محل ذلك القرآن القديم ! وهم يحاولون تغيير طبيعة المجتمعات - كما يحاولون تغيير طبيعة هذا الدين - كوسيلة أخيرة، حتى لا يجد هذا الدين قلوباً تصلح للهداية به ؛ فيحولون المجتمعات إلى فتات غارق في وحل الجنس والفاحشة والفجور، مشغول بلقمة العيش لا يجدها إلا بالكد والعسر والجهد، كي لا يفيق، بعد اللقمة والجنس، ليستمع إلى هدى، أو يفيء إلى دين !
إنها المعركة الضارية مع هذا الدين والأمة التي تهدي به وتحاول أن تعدل به.. المعركة التي تستخدم فيها جميع الأسلحة بلا تحرج، وجميع الوسائل بلا حساب ؛ والتي تجند لها القوى والكفايات وأجهزة الإعلام العالمية ؛ والتي تسخر لها الأجهزة والتشكيلات الدولية ؛ والتي تكفل من أجلها أوضاع ما كانت لتبقى يوماً واحداً لولا هذه الكفالة العالمية !
ولكن طبيعة هذا الدين الواضحة الصلبة ما تزال صامدة لهذه المعركة الضارية. والأمة المسلمة القائمة على هذا الحق - على قلة العدد وضعف العدة - ما تزال صامدة لعمليات السحق الوحشية.. والله غالب على أمره.
آية رقم ١٨٢
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
( والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون، وأملي لهم إن كيدي متين )..
وهذه هي القوة التي لا يحسبون حسابها وهم يشنون هذه المعركة الضارية ضد هذا الدين وضد الأمة المستمسكة به الملتقية عليه المتجمعة على آصرته.. هذه هي القوة التي يغفلها المكذبون بآيات الله.. إنهم لا يتصورون أبداً أنه استدراج الله لهم من حيث لا يعلمون. ولا يحسبون أنه إملاء الله لهم إلى حين.. فهم لا يؤمنون بأن كيد الله متين !.. إنهم يتولى بعضهم بعضاً ويرون قوة أوليائهم ظاهرة في الأرض فينسون القوة الكبرى !.. إنها سنة الله مع المكذبين.. يرخى لهم العنان،
آية رقم ١٨٣
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
ويملى لهم في العصيان والطغيان، استدراجاً لهم في طريق الهلكة، وإمعاناً في الكيد لهم والتدبير. ومن الذي يكيد ؟ إنه الجبار ذو القوة المتين ! ولكنهم غافلون ! والعاقبة للمتقين. الذين يهدون بالحق وبه يعدلون..
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
ولقد كان القرآن يواجه بذلك التهديد الرعيب قوماً من المكذبين بآيات الله في مكة - والنص القرآني دائماً أبعد مدى من المناسبة الخاصة - وكان يتوعدهم على موقفهم من الجماعة المسلمة - التي يسميها أمة وفق المصطلح الإسلامي - بالإملاء لهم والاستدراج والكيد المتين.. ثم كان يدعوهم - بعد هذا التهديد - إلى استخدام قلوبهم وعيونهم وآذانهم. فلا يكونوا من ذرء جهنم ولا يكونوا من الغافلين.. كان يدعوهم إلى التدبر في أمر رسولهم الذي يدعوهم إلى الحق ويهديهم به ؛ وإلى النظر في ملكوت السماوات والأرض وآيات الله المبثوثة في هذا الملكوت ؛ وكان يوقظهم إلى مرور الوقت وما يؤذن به من اقتراب الأجل المجهول، وهم غافلون :
( أو لم يتفكروا ؟ ما بصاحبهم من جنة، إن هو إلا نذير مبين. أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء ؟ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ؟ فبأي حديث بعده يؤمنون ؟.. )
إن القرآن يهزهم من غفوتهم، ويوقظهم من غفلتهم، ويستنقذ - من تحت الركام - فطرتهم وعقولهم ومشاعرهم.. إنه يخاطب كينونتهم البشرية كلها، بكل ما فيها من أجهزة الاستقبال والاستجابة.. إنه لا يوجه إليهم جدلاً ذهنيا باردا ؛ إنما هو يستنقذ كينونتهم كلها وينفضها من أعماقها :
( أو لم يتفكروا ؟ ما بصاحبهم من جنة، إن هو إلا نذير مبين.. )
لقد كانوا يقولون عن الرسول [ ص ] في حرب الدعاية التي يشنها ضده الملأ من قريش يخدعون بها الجماهير : إن محمداً به جنة. وهو من ثم ينطق بهذا الكلام الغريب، غير المعهود في أساليب البشر العاديين !
ولقد كان الملأ من قريش يعلمون أنهم كاذبون ! وقد تضافرت الروايات على أنهم كانوا يعرفون الحق في أمر رسول الله [ ص ] وأنهم ما كانوا يملكون أن يمنعوا أنفسهم عن الاستماع لهذا القرآن والتأثر به أعمق التأثر.. وقصة الأخنس بن شريق، وأبي سفيان بن حرب، وعمرو بن هشام - أبي جهل - في الاستماع لهذا القرآن خلسة، ليالي ثلاثاً، وما وجدوه في أنفسهم منه معروفة.. وكذلك قصة عتبة بن ربيعة وسماعه سورة فصلت من النبي [ ص ] وهزته أمام إيقاعاتها المزلزلة.. ومثلها قصة تآمرهم قبيل موسم الحج فيما يقولون للناس عن النبي [ ص ] وما معه من القرآن ؛ وانتهاء الوليد بن المغيرة إلى أن يقولوا للوفود : إنه سحر يؤثر.. كل هذه الروايات تثبت أنهم ما كانوا جاهلين لحقيقة هذا الأمر ؛ إنما هم كانوا يستكبرون عنه ؛ ويخشونه على سلطانهم الذي تهدده شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ؛ التي تسلب البشر حق تعبيد البشر لغير الله.. وتهدد كل طاغوت بشري علي العموم !
من ثم كانوا يستغلون تفرد هذا القرآن العجيب وتميزه عن قول البشر المعهود ؛ كما يستغلون الصورة التي كانت معهودة فيهم وفيمن قبلهم، عن الصلة بين التنبؤ والجنون ! والنطق بكلمات ورموز يؤولها المصاحبون لمن بهم جنة وفق ما يريدون ؛ ويزعمون أنها تأتيهم من عالم غير منظور !.. كانوا يستغلون هذه الرواسب في التمويه على الجماهير بأن الذي يقوله محمد، إنما يقوله عن جنة به ؛ وأنه يأتي بالغريب العجيب من القول، لأنه مجنون !
والقرآن يدعوهم إلى التفكر والتدبر في أمر صاحبهم الذي عرفوه من قبل وخبروه. فلم يعرفوا عنه من قبل خللاًعن السواء ؛ وشهدوا له بالأمانة والصدق، كما شهدوا له بالحكمة ؛ وحكموه في الحجر الأسود وارتضوا حكمه واتقوا بهذا الحكم فتنة بينهم كادت تثور. واستأمنوه على ودائعهم وظلت عنده حتى خرج مهاجراً فردها لهم عنه ابن عمه علي كرم الله وجهه !
القرآن يدعوهم إلى التفكر والتدبر في أمر صاحبهم هذا المعروف لهم ماضيه كله، المكشوف لهم أمره كله.. أفهذا به جنة ؟.. أفهذا قول مجنون وفعل مجنون ؟.. كلا :
( ما بصاحبهم من جنة.. إن هو إلا نذير مبين )..
لا اختلاط في عقله ولا في قوله. إنما هو منذر مفصح مبين. لا يلتبس قوله بقول المجانين، ولا تشتبه حاله بحال المجانين.
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
ثم ( أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء ؟ )..
وهي هزة أخرى أمام هذا الكون العجيب.. والنظر بالقلب المفتوح والعين المبصرة في هذا الملكوت الواسع الهائل العظيم، يكفي وحده لانتفاض الفطرة من تحت الركام ؛ وتفتح الكينونة البشرية لإدراك الحق الكامن فيه، والإبداع الذي يشهد به، والإعجاز الذي يدل على البارىء الواحد القدير.. والنظر إلى ما خلق الله من شيء - وكم في ملكوت السماوات والأرض من شيء - يدهش القلب ويحير الفكر، ويلجىء العقل إلى البحث عن مصدر هذا كله، وعن الإرادة التي أوجدت هذا الخلق على هذا النظام المقصود المشهور.
لماذا كانت الخلائق على هذا النحو الذي كانت به ؛ ولم تكن على أي نحو آخر من الإمكانيات التي لا حصر لها في الكينونة ؟ لماذا سارت في هذا الطريق ولم تسر في أي طريق آخر من الطرق الممكنة الأخرى ؟ لماذا استقامت على طريقها هذا ومن الذي يمسكها على نشأتها ؟ ما سر هذه الوحدة السارية في طبيعتها إن لم يكن هذا هو الناموس الواحد، الصادر عن الإرادة الواحدة، التي يجري بها قدر مطرد مقصود ؟
إن الجسم الحي. لا بل الخلية الحية. لمعجزة لا ينقضي منها العجب.. وجودها. تركيبها. تصرفها. عمليات التحول الدائمة التي تتم فيها كل لحظة مع محافظتها على وجودها ؛ وتضمنها كذلك لوسيلة التجدد في أنسال منها ؛ ومعرفتها لوظيفتها ولامتداد هذه الوظيفة في أنسالها !.. فمن ذا الذي ينظر إلى هذه الخلية الواحدة، ثم يطمئن عقله - بل فطرته وضميره - إلى أن هذا الكون بلا إله، أو أن هناك آلهة مع الله ؟
إن امتداد الحياة عن طريق الزوجية والنسل ليقوم شاهداً يهتف لكل قلب وكل عقل بتدبير الخالق الواحد المدبر.. وإلا فمن ذا الذي يضمن للحياة وجود الذكر والأنثى دائماً في نسلها بالمقادير التي يتم بها هذا التزاوج ؟ لماذا لا يأتي زمن على الحياة تنسل ذكوراً فقط أو إناثاً فقط.. ولو حدث هذا لا نقطع النسل عند هذا الجيل.. فمن ذا الذي يمسك بعجلة التوازن دائما في الأجيال جميعاً ؟
إن التوازن ملحوظ في ملكوت السماوات والأرض جميعاً -لا في هذه الظاهرة الحيوية وحدها - إنه ملحوظ في بناء الذرة كما هو ملحوظ في بناء المجرة ! وملحوظ في التوازن بين الأحياء وبين الأشياء سواء.. ولو اختل هذا التوازن شعرة ما ظل هذا الكون قائماً لحظة ! فمن الذي يمسك بعجلة التوازن الكبرى في السماوات والأرض جميعاً ؟
وعرب الجزيرة الذين كانوا يخاطبون بهذا القرآن أول مرة ما كانوا يدركون بعلومهم مدى هذا التوازن والتناسق في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء.. ولكن الفطرة الإنسانية بذاتها تلتقي مع هذا الكون في أعماقها ؛ وتتجاوب معه بلغة غير منطوقة إلا في هذه الأعماق. ويكفي أن ينظر الإنسان بالقلب المفتوح والعين المبصرة إلى هذا الكون حتى يتلقى إيقاعاته وإيحاءاته تلقياً موحياً هادياً.
ولقد اهتدى الإنسان بفطرته - وهو يتلقى إيقاعات هذا الوجود في حسه - إلى أن له إلهاً. ولم تغب عن حسه قط هذه الحقيقة. إنما كان يخطىء في تحديد صفة الإله الحق، حتى تهديه الرسالات إلى الرؤية الصحيحة.. فأما الملحدون الجدد - أصحاب " الاشتراكية العلمية " ! - فهم أمساخ شائهو الفطرة. بل إنهم إنما ينكرون الفطرة، ويعاندون ما يجدونه في أنفسهم من إلحاحها.. وعندما صعد أحدهم إلى الفضاء الجوي، ورأى ذلك المشهد الباهر - مشهد الأرض كرة معلقة في الفضاء - هتفت فطرته : ما الذي يمسكها هكذا في الفضاء ؟ ولكنه حين هبط إلى الأرض، وتذكر إرهاب الدولة، قال : إنه لم يجد الله هناك ! وكتم إلحاح فطرته وصراخها في أعماقه، أمام شيء من ملكوت السماوات والأرض !
إن الله الذي يخاطب الإنسان بهذا القرآن لهو الذي خلق هذا الإنسان، والذي يعلم فطرة هذا الإنسان !
وأخيراً يلمس قلوبهم بطائف الموت الذي قد يكون مخبأ لهم - من قريب - في عالم المجهول المغيب ؛ وهم عنه غافلون :
( وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم )..
فما يدريهم أن أجلهم قريب ؟ وما يبقيهم في غفلتهم سادرين ؛ وهم عن غيب الله محجوبون ؟ وهم في قبضته لا يفلتون ؟
إن هذه اللمسة بالأجل المغيب - الذي قد يكون قد اقترب - لتهز القلب البشري هزة عميقة ! لعله أنيستيقظ ويتفتح ويرى. والله منزل هذا القرآن وخالق هذا الإنسان يعلم أن هذه اللمسة لا تبقي قلباً غافلاً.. ولكن بعض القلوب قد يعاند بعد ذلك ويكابر !
( فبأي حديث بعده يؤمنون ؟ ) !
وما بعد هذا الحديث من حديث تهتز له القلوب أو تلين..
إن هذه اللمسات التي تعددت في الآية الواحدة ؛ لتكشف لنا عن منهج هذا القرآن في خطاب الكينونة البشرية.. إنه لا يدع جانباً واحداً منها لا يخاطبه، ولا يدع وتراً منها واحداً لا يوقع عليه ؛ إنه لا يخاطب الذهن ولكنه لا يهمله ؛ ففي الطريق - وهو يهز الكيان البشري كله - يلمسه ويوقظه. إنه لا يسلك إليه طريق الجدل البارد، ولكنه يستحييه لينظر ويتفكر وحرارة الحياة تسري فيه وتيارها الدافق.. وهكذا ينبغي أن يتجه منهج الدعوة إلى الله دائماً.. فالإنسان هو الإنسان لم يتبدل خلقاً آخر. والقرآن هو القرآن كلام الله الباقي، وخطاب الله لهذا الإنسان الذي لا يتغير.. مهما تعلم ومهما " تطور ! "..
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
وهنا يقف السياق وقفة قصيرة للتعقيب.. يقرر فيها سنة الله الجارية بالهدى والضلال ؛ وفق ما أرادته مشيئته من هداية من يطلب الهدى ويجاهد فيه ؛ وإضلال من يصرف قلبه عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان. وذلك بمناسبة ما عرضه السياق قبل ذلك من حال أولئك القوم الذين كانوا يخاطبون بهذا القرآن ؛ على طريقة القرآن الكريم في عرض القاعدة العامة بمناسبة المثل الفريد ؛ ومن بيان السنة الثابتة بمناسبة الحادث العابر :
( من يضلل الله فلا هادي له، ويذرهم في طغيانهم يعمهون ).
إن الذين يضلون، إنما يضلون لأنهم غافلون عن النظر والتدبر. ومن يغفل عن النظر في آيات الله وتدبرها يضله الله ؛ ومن يضله الله لا يهديه أحد من بعده :
( من يضلل الله فلا هادي له )..
ومن يكتب الله عليه الضلال - وفق سنته تلك - يظل في طغيانه عن الحق وعماه عنه أبداً :( ويذرهم في طغيانهم يعمهون )..
وما في تركهم في عماهم من ظلم، فهم الذين أغلقوا بصائرهم وأبصارهم، وهم الذين عطلوا قلوبهم وجوارحهم، وهم الذين غفلوا عن بدائع الخلق وأسرار الوجود، وشهادة الأشياء - التي يوجههم إليها في الآية السابقة - وحيثما امتد البصر في هذا الكون وجد عجيبة، وحيثما فتحت العين وقعت على آية، وحيثما التفت الإنسان إلى نفسه أو إلى ما يحيط به، لمس الإعجاز في تكوينه وفيما حوله من شيء. فإذا عمه - أي عمي - عن هذا كله، ترك في عماه، وإذا طغى بعد هذا كله وتجاوز الحق ترك في طغيانه حتى يسلمه إلى البوار :
( ويذرهم في طغيانهم يعمهون ).
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
هؤلاء الغافلون عما حولهم، العميُ عما يحيط بهم.. يسألون الرسول [ ص ] عن الساعة البعيدة المغيبة في المجهول. كالذي لا يرى ما تحت قدميه ويريد أن يرى ما في الأفق البعيد !
( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ؟ قل : إنما علمها عند ربي، لا يجليها لوقتها إلا هو، ثقلت في السماوات والأرض، لا تأتيكم إلا بغتة. يسألونك كأنك حفي عنها ! قل : إنما علمها عند الله، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. قل : لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله. ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء. إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون )..
لقد كانت عقيدة الآخرة، وما فيها من حساب وجزاء، تفاجىء المشركين في الجزيرة مفاجأة كاملة.. ومع أن هذه العقيدة أصيلة في دين إبراهيم - عليه السلام - وهو جد هؤلاء المشركين ؛ وفي دين إسماعيل أبيهم الكريم ؛ إلا أنه كان قد طال عليهم الأمد، وبعد ما بينهم وبين أصول الإسلام الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل. حتى لقد اندثرت عقيدة الآخرة تماماً من تصوراتهم ؛ فكانت أغرب شيء عليهم وأبعده عن تصورهم. حتى لقد كانوا يعجبون ويعجبون من رسول الله [ ص ] لأنه يحدثهم عن الحياة بعد الموت ؛ وعن البعث والنشور والحساب والجزاء ؛ كما حكى عنهم القرآن الكريم في السورة الأخرى : وقال الذين كفروا : هل ندلكم على رجل ينبئكم، إذا مزقتم كل ممزق، إنكم لفي خلق جديد ؟ أفترى على الله كذباً ؟ أم به جنة ؟ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد.. [ سبأ : ٧ - ٨ ].
ولقد علم الله أن أمة من الأمم لا تملك أن تقود البشرية وتشهد عليها - كما هي وظيفة الأمة المسلمة - إلا أن تكون عقيدة الآخرة واضحة لها راسخة في ضميرها.. فتصور الحياة على أنها هذه الفترة المحدودة بحدود هذه الحياة الدنيا، وحدود هذه الأرض الصغيرة، لا يمكن أن ينشىء أمة هذه صفتها وهذه وظيفتها !
إن العقيدة في الآخرة فسحة في التصور، وسعة في النفس، وامتداد في الحياة ضروري في تكوين النفس البشرية ذاتها، لتصلح أن تناط بها تلك الوظيفة الكبيرة.. كذلك هي ضرورية لضبط النفس عن شهواتها الصغيرة ومطامعها المحدودة ؛ ولفسحة مجال الحركة حتى لا تيئسها النتائج القريبة ولا تقعدها التضحيات الأليمة، عن المضي في التبشير بالخير، وفعل الخير والقيادة إلى الخير، على الرغم من النتائج القريبة، والتضحيات الأليمة.. وهي صفات ومشاعر ضرورية كذلك للنهوض بتلك الوظيفة الكبيرة..
والاعتقاد في الآخرة مفرق طريق بين فسحة الرؤية والتصور في نفس " الإنسان "، وضيق الرؤية واحتباسها في حدود الحس في إدراك " الحيوان " ! وما يصلح إدراك الحيوان لقيادة البشرية، والقيام بأمانة الله في الخلافة الراشدة !
لذلك كله كان التوكيد شديداً على عقيدة الآخرة في دين الله كله.. ثم بلغت صورة الآخرة في هذا الدين الأخير غايتها من السعة والعمق والوضوح.. حتى بات عالم الآخرة في حس الأمة المسلمة أثبت وأوضح وأعمق من عالم الدنيا الذي يعيشونه فعلاً.. وبهذا صلحت هذه الأمة لقيادة البشرية، تلك القيادة الراشدة التي وعاها التاريخ الإنساني !
ونحن في هذا الموضع من سياق سورة الأعراف أمام صورة من صور الاستغراب والاستنكار الذي يواجه به المشركون عقيدة الآخرة، تبدو في سؤالهم عن الساعة سؤال الساخر المستنكر المستهتر :
( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ؟ )
إن الساعة غيب، من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه.. ولكن المشركينيسألون الرسول عنها.. إما سؤال المختبر الممتحن ! وإما سؤال المتعجب المستغرب ! وإما سؤال المستهين المستهتر ! ( أيان مرساها ؟ ) أي متى موعدها الذي إليه تستقر وترسو ؟ !
والرسول [ ص ] بشر لا يدعي علم الغيب، مأمور أن يكل الغيب إلى صاحبه، وأن يعلمهم أنها من خصائص الألوهية، وأنه هو بشر لا يدعي شيئاً خارج بشريته ولا يتعدى حدودها، إنما يعلمه ربه ويوحي إليه ما يشاء :
( قل : إنما علمها عند ربي، لا يجليها لوقتها إلا هو ).

فهو -
سبحانه - مختص بعلمها، وهو لا يكشف عنها إلا في حينها، ولا يكشف غيره عنها.
ثم يلفتهم عن السؤال هكذا عن موعدها، إلى الاهتمام بطبيعتها وحقيقتها، وإلى الشعور بهولها وضخامتها... ألا وإن أمرها لعظيم، ألا وإن عبئها لثقيل. ألا وإنها لتثقل في السماوات والأرضين. وهي - بعد ذلك - لا تأتي إلا بغتة والغافلون عنها غافلون :
( ثقلت في السماوات والأرض، لا تأتيكم إلا بغتة )..
فأولى أن ينصرف الاهتمام للتهيؤ لها والاستعداد قبل أن تأتي بغتة ؛ فلا ينفع معها الحذر، ولا تجدي عندها الحيطة، ما لم يأخذوا حذرهم قبلها، وما لم يستعدوا لها، وفي الوقت متسع وفي العمر بقية. وما يدري أحد متى تجيء، فأولى أن يبادر اللحظة ويسارع، وألا يضيع بعد ساعة، قد تفجؤه بعدها الساعة !
ثم يعجب من أمر هؤلاء الذين يسألون الرسول [ ص ] عن الساعة.. إنهم لا يدركون طبيعة الرسالة وحقيقة الرسول ؛ ولا يعرفون حقيقة الألوهية، وأدب الرسول في جانب ربه العظيم.
( يسألونك كأنك حفي عنها ! )
أي كأنك دائم السؤال عنها ! مكلف أن تكشف عن موعدها ! ورسول الله [ ص ] لا يسأل ربه علم ما يعلم هو أنه مختص بعلمه :
( قل : إنما علمها عند الله )..
قد اختص سبحانه به ؛ ولم يطلع عليه أحداً من خلقه.
( ولكن أكثر الناس لا يعلمون )..
وليس الأمر أمر الساعة وحده. إنما هو أمر الغيب كله فلله وحده علم هذا الغيب. لا يطلع على شيء منه إلا من شاء، بالقدر الذي يشاء، في الوقت الذي يشاء.. لذلك لا يملك العباد لأنفسهم نفعاً ولا ضراً.. فقد يفعلون الأمر يريدون به جلب الخير لأنفسهم، ولكن عاقبته تكون هي الضر لهم. وقد يفعلون الأمر يريدون به رفع الضر عنهم، ولكن عاقبته المغيبة تجره عليهم ! وقد يفعلون الأمر يكرهونه فإذا عاقبته هي الخير ؛ ويفعلون الأمر يحبونه فإذا عاقبته هي الضر :( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم )..

والشاعر الذي يقول :

ألا من يريني غايتي قبل مذهبي ! % ومن أين والغايات بعد المذاهب
إنما يمثل موقف البشرية أمام الغيب المجهول. ومهما يعلم الإنسان ومهما يتعلم، فإن موقفه أمام باب الغيب الموصد، وأمام ستر الغيب المسدل، سيظل يذكره ببشريته المحجوبة أمام عالم الغيب المحجوب.
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
والرسول [ ص ] وهو من هو ؛ وقربه من ربه هو قربه، مأمور أن يعلن للناس أنه أمام غيب الله بشر من البشر، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، لأنه لا يطلع على الغيب، ولا يعرف الغايات قبل المذاهب، ولا يرى مآل أفعاله ؛ ومن ثم لا يملك أن يختار عاقبة فعله بحيث إن رأى العاقبة المغيبة خيراً أقدم، وإن رآها سوءاً أحجم. إنما هو يعمل، والعاقبة تجيء كما قدر الله في غيبه المكنون :
( قل : لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً - إلا ما شاء الله - ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء )..
وبهذا الإعلان تتم لعقيدة التوحيد الإسلامية كل خصائص التجريد المطلق، من الشرك في أية صورة من صوره. وتتفرد الذات الإلهية بخصائص لا يشاركها البشر في شيء منها. ولو كان هذا البشر محمداً رسول الله وحبيبه ومصطفاه - عليه صلوات الله وسلامه - فعند عتبة الغيب تقف الطاقة البشرية، ويقف العلم البشري. وعند حدود البشرية يقف شخص رسول الله [ ص ] وتتحدد وظيفته :
( إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون )..
والرسول [ ص ] نذير وبشير للناس أجمعين. ولكن الذين( يؤمنون )هم الذين ينتفعون بما معه من النذارة والبشارة ؛ فهم الذين يفقهون حقيقة ما معه ؛ وهم الذين يدركون ما وراء هذا الذي جاء به. ثم هم بعد ذلك خلاصة البشرية كلها، كما أنهم هم الذين يخلص بهم الرسول من الناس أجمعين..
إن الكلمة لا تعطي مدلولها الحقيقي إلا للقلب المفتوح لها، والعقل الذي يستشرفها ويتقبلها، وإن هذا القرآن لا يفتح كنوزه، ولا يكشف أسراره، ولا يعطي ثماره، إلا لقوم يؤمنون. ولقد ورد عن بعض صحابة رسول الله [ ص ] : كنا نؤتى الإيمان قبل أن نؤتى القرآن.. وهذا الإيمان هو الذي كان يجعلهم يتذوقون القرآن ذلك التذوق، ويدركون معانيه وأهدافه ذلك الإدراك، ويصنعون به تلك الخوارق التي صنعوها في أقصر وقت من الزمان.
لقد كان ذلك الجيل المتفرد يجد من حلاوة القرآن، ومن نوره، ومن فرقانه، ما لا يجده إلا الذين يؤمنون إيمان ذلك الجيل. ولئن كان القرآن هو الذي أخذ بأرواحهم إلى الإيمان، لقد كان الإيمان هو الذي فتح لهم في القرآن ما لا يفتحه إلا الإيمان !
لقد عاشوا بهذا القرآن، وعاشوا له كذلك.. ومن ثم كانوا ذلك الجيل المتفرد الذي لم يتكرر - بهذه الكثرة وبهذا التوافي على ذلك المستوى - في التاريخ كله.. اللهم إلا في صورة أفراد على مدار التاريخ يسيرون على أقدام ذلك الجيل السامق العجيب !
لقد خلصوا لهذا القرآن فترة طويلة من الزمان، فلم تشب نبعه الرائق شائبة من قول البشر، اللهم إلا قول رسول الله [ ص ] وهديه.. وقد كان من نبع القرآن ذاته كذلك.. ومن ثم كان ذلك الجيل المتفرد ما كان.
وما أجدر الذين يحاولون أداء ما أداه ذلك الجيل أن ينهجوا نهجه، فيعيشوا بهذا القرآن ولهذا القرآن فترة طويلة من الزمان، لا يخالط عقولهم وقلوبهم غيره من كلام البشر ليكونوا كما كان !
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
ثم جولة جديدة في قضية التوحيد. تأخذ في أولها صورة القصة، لتصوير خطوات الإنحراف من التوحيد إلى الشرك في النفس. وكأنما هي قصة انحراف هؤلاء المشركين عن دين أبيهم إبراهيم.. ثم تنتهي إلى مواجهتهم بالسخف الذي يزاولونه في عبادة آلهتهم التي كانوا يشركون بها، وهي ظاهرة البطلان لأول نظرة ولأول تفكير. وتختم بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم هم وهؤلاء الآلهة التي يعبدونها من دون الله، وأن يعلن التجاءه إلى الله وحده، وليه وناصره :
( هو الذي خلقكم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها ليسكن إليها، فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به، فلما أثقلت دعوا الله ربهما : لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين. فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما. فتعالى الله عما يشركون ! أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ؟ ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون ؟ )
( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم، سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون. إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم، فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين. ألهم أرجل يمشون بها ؟ أم لهم أيد يبطشون بها ؟ أم لهم أعين يبصرون بها ؟ أم لهم آذان يسمعون بها ؟ قل : ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون. إن وليي الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين. والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون. وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون )..
إنها جولة مع الجاهلية في تصوراتها التي متى انحرفت عن العبودية لله الواحد لم تقف عند حد من السخف والضلال ؛ ولم ترجع إلى تدبر ولا تفكير ! وتصوير لخطوات الانحراف في مدارجه الأولى ؛ وكيف ينتهي إلى ذلك الضلال البعيد !
( هو الذي خلقكم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها ليسكن إليها. فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به، فلما أثقلت دعوا الله ربهما : لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين )..
إنها الفطرة التي فطر الله الناس عليها.. أن يتوجهوا إلى الله ربهم، معترفين له بالربوبية الخالصة، عند الخوف وعند الطمع.. والمثل المضروب هنا للفطرة يبدأ من أصل الخليقة، وتركيب الزوجية وطبيعتها :
( هو الذي خلقكم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها ليسكن إليها )..
فهي نفس واحدة في طبيعة تكوينها، وإن اختلفت وظيفتها بين الذكر والأنثى. وإنما هذا الاختلاف ليسكن الزوج إلى زوجه ويستريح إليها.. وهذه هي نظرة الإسلام لحقيقة الإنسان. ووظيفة الزوجية في تكوينه. وهي نظرة كاملة وصادقة جاء بها هذا الدين منذ أربعة عشر قرناً. يوم أن كانت الديانات المحرفة تعد المرأة أصل البلاء الإنساني، وتعتبرها لعنة ونجساً وفخاً للغواية تحذر منه تحذيراً شديداً، ويوم أن كانت الوثنيات - ولا تزال - تعدها من سقط المتاع أو على الأكثر خادماً أدنى مرتبة من الرجل ولا حساب له في ذاته على الإطلاق.
والأصل في التقاء الزوجين هو السكن والاطمئنان والأنس والاستقرار. ليظلل السكون والأمن جو المحضن الذي تنمو فيه الفراخ الزغب، وينتج فيه المحصول البشري الثمين، ويؤهل فيه الجيل الناشئ لحمل تراث التمدن البشري والإضافة إليه. ولم يجعل هذا الالتقاء لمجرد اللذة العابرة والنزوة العارضة. كما أنه لم يجعله شقاقاً ونزاعاً، وتعارضاً بين الاختصاصات والوظائف، أو تكراراً للاختصاصات والوظائف ؛ كما تخبط الجاهليات في القديم والحديث سواء
وبعد ذلك تبدأ القصة.. تبدأ من المرحلة الأولى..
فلما تغشاها حملت حملاًخفيفا فمرت به..
والتعبير القرآني يلطف ويدق ويشف عند تصوير العلاقة الأولية بين الزوجين.. ( فلما تغشاها ).. تنسيقاً لصورة المباشرة مع جو السكن ؛ وترقيقاً لحاشية الفعل حتى ليبدو امتزاج طائفين لا التقاء جسدين. إيحاء " للإنسان " بالصورة " الإنسانية " في المباشرة. وافتراقها عن الصورة الحيوانية الغليظة !.. كذلك تصوير الحمل في أول أمره ( خفيفاً ).. تمر به الأم بلا ثقلة كأنها لا تحسه.

ثم تأتي المرحلة الثانية :

( فلما أثقلت دعوا الله ربهما : لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين )..
لقد تبين الحمل، وتعلقت به قلوب الزوجين، وجاء دور الطمع في أن يكون المولود سليماً صحيحاً صبوحاً.. إلى آخر ما يطمع الآباء والأمهات أن تكون عليه ذريتهم، وهي أجنة في ظلام البطون وظلام الغيوب.. وعند الطمع تستيقظ الفطرة، فتتوجه إلى الله، تعترف له بالربوبية وحده، وتطمع في فضله وحده، لإحساسها اللدني بمصدر القوة والنعمة والإفضال الوحيد في هذا الوجود. لذلك ( دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين )..
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
( فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما. فتعالى الله عما يشركون ! )..
إن بعض الروايات في التفسير تذكر هذه القصة على أنها قصة حقيقية وقعت لآدم وحواء.. إذ كان أبناؤهما يولدون مشوهين. فجاء إليهما الشيطان فأغرى حواء أن تسمي ما في بطنها " عبد الحارث ".. والحارث اسم لإبليس. ليولد صحيحاً ويعيش ؛ ففعلت وأغرت آدم معها ! وظاهر ما في هذه الرواية من طابع إسرائيلي.. ذلك أن التصور الإسرائيلي المسيحي - كما حرفوا ديانتهم - هو الذي يلقي عبء الغواية على حواء، وهو مخالف تماماً للتصور الإسلامي الصحيح.
ولا حاجة بنا إلى هذه الإسرائيليات لتفسير هذا النص القرآني.. فهو يصور مدارج الانحراف في النفس البشرية.. ولقد كان المشركون على عهد رسول الله [ ص ] وقبله، ينذرون بعض أبنائهم للآلهة، أو لخدمة معابد الآلهة ! تقرباً وزلفى إلى الله ! ومع توجههم في أول الأمر لله، فإنهم بعد دحرجة من قمة التوحيد إلى درك الوثنية كانوا ينذرون لهذه الآلهة أبناءهم لتعيش وتصح وتوقى المخاطر ! كما يجعل الناس اليوم نصيباً في أبدان أبنائهم للأولياء والقديسين. كأن يستبقوا شعر الغلام لا يحلق أول مرة إلا على ضريح ولي أو قديس. أو أن يستبقوه فلا ختان حتى يختن هناك. مع أن هؤلاء الناس اليوم يعترفون بالله الواحد. ثم يتبعون هذا الاعتراف بهذه الاتجاهات المشركة. والناس هم الناس !
( فتعالى الله عما يشركون ! ).
وتنزه عن الشرك الذي يعتقدون ويزاولون !
على أننا نرى في زماننا هذا صنوفاً وألواناً من الشرك ؛ ممن يزعمون أنهم يوحدون الله ويسلمون له، ترسم لنا صورة من مدارج الشرك التي ترسمها هذه النصوص.
إن الناس يقيمون لهم اليوم آلهة يسمونها " القوم " ويسمونها " الوطن "، ويسمونها " الشعب ".. إلى آخر ما يسمون. وهي لا تعدو أن تكون أصناماً غير مجسدة كالأصنام الساذجة التي كان يقيمها الوثنيون. ولا تعدو أن تكون آلهة تشارك الله - سبحانه - في خلقه، وينذر لها الأبناء كما كانوا ينذرون للآلهة القديمة ! ويضحون لها كالذبائح التي كانت تقدم في المعابد على نطاق واسع !
إن الناس يعترفون بالله ربا. ولكنهم ينبذون أوامره وشرائعه من ورائهم ظهرياً، بينما يجعلون أوامر هذه الآلهة ومطالبها " مقدسة ". تخالف في سبيلها أوامر الله وشرائعه، بل تنبذ نبذاً. فكيف تكون الآلهة ؟ وكيف يكون الشرك ؟ وكيف يكون نصيب الشركاء في الأبناء.. إن لم يكن هو هذا الذي تزاوله الجاهلية الحديثة ! !
ولقد كانت الجاهلية القديمة اكثر أدباً مع الله.. لقد كانت تتخذ من دونه آلهة تقدم لها هذه التقدمات من الشرك في الأبناء والثمار والذبائح لتقرب الناس من الله زلفى ! فكان الله في حسها هو الأعلى. فأما الجاهلية الحديثة فهي تجعل الآلهة الأخرى أعلى من الله عندها. فتقدس ما تأمر به هذه الآلهة وتنبذ ما يأمر به الله نبذاً !
إننا نخدع أنفسنا حين نقف بالوثنية عند الشكل الساذج للأصنام والآلهة القديمة، والشعائر التي كان الناس يزاولونها في عبادتها واتخاذها شفعاء عند الله.. إن شكل الأصنام والوثنية فقط هو الذي تغير. كما أن الشعائر هي التي تعقدت، واتخذت لها عنوانات جديدة.. أما طبيعة الشرك وحقيقته فهي القائمة من وراء الأشكال والشعائر المتغيرة..
وهذا ما ينبغي ألا يخدعنا عن الحقيقة !
إن الله - سبحانه - يأمر بالعفة والحشمة والفضيلة. ولكن " الوطن " أو " الإنتاج " يأمر بأن تخرج المرأة وتتبرج وتغري وتعمل مضيفة في الفنادق في صورة فتيات الجيشا في اليابان الوثنية ! فمن الإله الذي تتبع أوامره ؟ أهو الله سبحانه ؟ أم إنها الآلهة المدعاة ؟
إن الله - سبحانه - يأمر أن تكون رابطة التجمع هي العقيدة.. ولكن " القومية " أو " الوطن " يأمر باستبعاد العقيدة من قاعدة التجمع ؛ وأن يكون الجنس أو القوم هو القاعدة !.. فمن هو الإله الذي تتبع أوامره ؟ أهو الله - سبحانه - أم هي الآلهة المدعاة ؟ !
إن الله - سبحانه - يأمر أن تكون شريعته هي الحاكمة. ولكن عبداً من العبيد - أو مجموعة من " الشعب " - تقول : كلا ! إن العبيد هم الذين يشرعون وشريعتهم هي الحاكمة.. فمن هو الإله الذي تتبع اوامره ؟ أهو الله سبحانه أم هي الآلهة المدعاة ؟ !
إنها أمثلة لما يجري في الأرض كلها اليوم ؛ ولما تتعارف عليه البشرية الضالة.. أمثلة تكشف عن حقيقة الوثنية السائدة، وحقيقة الأصنام المعبودة، المقامة اليوم بديلاً من تلك الوثنية الصريحة، ومن تلك الأصنام المنظورة ! ويجب ألا تخدعنا الأشكال المتغيرة للوثنية والشرك عن حقيقتها الثابتة ! ! !
آية رقم ١٩١
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
ولقد كان القرآن يحاور أصحاب تلك الوثنية الساذجة ؛ وتلك الجاهلية الصريحة ؛ ويخاطب عقولهم البشرية لإيقاظها من تلك الغفلة التي لا تليق بالعقل البشري - أيّاً كانت طفولته - فيعقب على ذلك المثل الذي ضربه لهم، وصور فيه مدارج الشرك في النفس :
( أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ؟ ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون ؟ ).
إن الذي يخلق هو الذي يستحق أن يعبد ! وآلهتهم المدعاة - كلها - لا تخلق شيئاً بل هي تخلق ! فكيف يشركون بها ؟ كيف يجعلون لها شركاً مع الله في نفوسهم وفي أولادهم ؟
وإن الذي يملك أن ينصر عباده بقوته ويحميهم هو الذي ينبغي أن يعبد. فالقوة والقهر والسلطان هي خصائص الألوهية وموجبات العبادة والعبودية.. وآلهتهم المدعاة - كلها - لا قوة لها ولا سلطان ؛ فهم لا يستطيعون نصرهم، ولا نصر أنفسهم ! فكيف يجعلون لها شركاً مع الله في نفوسهم وفي أولادهم ؟
ومع أن برهان الخلق والقدرة هذا كان يوجه إلى أصحاب تلك الجاهلية الساذجة، فهو ما يزال هو هو الذي يحاج به أصحاب الجاهلية الحاضرة ! إنهم يقيمون لهم أصناماً أخرى يعبدونها ويتبعون ما تأمر به ؛ ويجعلون لها شركاً في أنفسهم وأبنائهم وأموالهم.. فمن منها يخلق من السماوات والأرض شيئاً ؟ ومن منها يملك لهم أو لنفسه نصراً ؟
إن العقل البشري - لو خلي بينه وبين هذا الواقع - لا يقره، ولا يرضاه ! ولكنها الشهوات والأهواء والتضليل والخداع.. هي التي تجعل البشرية بعد أربعة عشر قرناً من نزول هذا القرآن ترتد إلى هذه الجاهلية - في صورتها الجديدة - فتشرك ما لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون، ولا يملكون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون !
إن هذه البشرية لفي حاجة اليوم - كما كانت في حاجة بالأمس - إلى أن تخاطب بهذا القرآن مرة أخرى. في حاجة إلى من يقودها من الجاهلية إلى الإسلام ؛ ومن يخرجها من الظلمات إلى النور ؛ ومن ينقذ عقولها وقلوبها من هذه الوثنية الجديدة ؛ بل من هذا السخف الجديد الذي تلج فيه ؛ كما أنقذها هذا الدين أول مرة !
إن صيغة التعبير القرآنية توحي بأنه كان يعني كذلك تقريعهم على اتخاذ آلهة من البشر :
( أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ؟ ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون ؟ )
فهذه الواو والنون تشير إلى أن من بين هذه الآلهة على الأقل بشراً من " العقلاء " الذين يعبر عنهم بضمير " العاقل " !.. وما علمنا أن العرب في وثنيتهم كانوا يشركون بآلهة من البشر - بمعنى أنهم يعتقدون بألوهيتهم أو يقدمون الشعائر التعبدية لهم - إنما هم كانوا يشركون بأمثال هؤلاء من ناحية أنهم يتلقون منهم الشرائع الاجتماعية والأحكام في النزاعات - أي الحاكمية الأرضية - وأن القرآن يعبر عن هذا بالشرك، ويسوي بينه وبين شركهم الآخر بالأوثان والأصنام سواء. وهذا هو الاعتبار الإسلامي لهذا اللون من الشرك. فهو شرك كشرك الاعتقاد والشعائر لا فرق بينه وبينه، كما اعتبر الذين يتقبلون الشرائع والأحكام من الأحبار والرهبان مشركين. مع أنهم لم يكونوا يعتقدون بألوهيتهم ولم يكونوا يقدمون لهم الشعائر كذلك.. فكله شرك وخروج عن التوحيد الذي يقوم عليه دين الله ؛ والذي تعبر عنه شهادة أن لا إله إلا الله.. مما يتفق تماماً مع ما قررناه من شرك الجاهلية الحديثة !
آية رقم ١٩٢
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
ولما كان الحديث عن قصة الانحراف في النفس - ذلك المتمثل في قصة الزوجين - هو حديث كل شرك ! والمقصود به هو تنبيه أولئك الذين كانوا يخاطبون بهذا القرآن أول مرة، إلى سخف ما هم عليه من الشرك، واتخاذ تلك الآلهة التي لا تخلق شيئاً بل هي تخلق، ولا تنصر عبادها بل لا تملك لأنفسها نصرا، سواء أكانت من البشر أم من غيرهم، فهي كلها لا تخلق ولا تنصر - لما كان هذا هو اتجاه السياق القرآني، فإنه ينتقل من القصة ومن أسلوب الحكاية في الفقرة السابقة، إلى مواجهة مشركي العرب وإلى أسلوب الخطاب انتقالاً مباشراً، كأنه امتداد للحديث السابق عليه عن تلك الآلهة !
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم، سواء عليكم ادعوتموهم أم أنتم صامتون. إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم. فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين. ألهم أرجل يمشون بها ؟ أم لهم أيد يبطشون بها ؟ أم لهم أعين يبصرون بها ؟ أم لهم آذان يسمعون بها ؟ )
لقد كانت وثنية مشركي العرب وثنية ساذجة - كما أسلفنا - سخيفة في ميزان العقل البشري في أية مرحلة من مراحله ! ومن ثم كان القرآن ينبه فيهم هذا العقل ؛ وهو يواجههم بسخافة ما يزاولونه من الشرك بمثل هذه الآلهة.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٩٣:م١٧٢
( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم، سواء عليكم ادعوتموهم أم أنتم صامتون. إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم. فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين. ألهم أرجل يمشون بها ؟ أم لهم أيد يبطشون بها ؟ أم لهم أعين يبصرون بها ؟ أم لهم آذان يسمعون بها ؟ )
لقد كانت وثنية مشركي العرب وثنية ساذجة - كما أسلفنا - سخيفة في ميزان العقل البشري في أية مرحلة من مراحله ! ومن ثم كان القرآن ينبه فيهم هذا العقل ؛ وهو يواجههم بسخافة ما يزاولونه من الشرك بمثل هذه الآلهة.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٩٦:م١٧٢
وفي نهاية هذه المحاجة يوجه الله سبحانه رسوله [ ص ] : أن يتحداهم ويتحدى آلهتهم العاجزة - كلها - وأن يعلن عن عقيدته الناصعة في تولي الله - وحده - له :
( قل : ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون. إن وليي الله الذي نزل الكتاب، وهو يتولى الصالحين. والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون.. وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا، وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون )..
إنها كلمة صاحب الدعوة، في وجه الجاهلية.. ولقد قالها رسول الله [ ص ] كما أمره ربه ؛ وتحدى بها المشركين في زمانه وآلهتهم المدعاة :
( قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون )..
لقد قذف في وجوههم ووجوه آلهتهم المدعاة بهذا التحدي.. وقال لهم : ألا يألوا جهداً في جمع كيدهم وكيد آلهتهم ؛ بلا إمهال ولا إنظار ! وقالها في لهجة الواثق المطمئن إلى السند الذي يرتكن إليه، ويحتمي به من كيدهم جميعاً :
فأعلن بها عمن إليه يرتكن. إنه يرتكن إلى الله.. الذي نزل الكتاب.. فدل بتنزيله على إرادته - سبحانه - في أن يواجه رسوله الناس بالحق الذي فيه ؛ كما قدر أن يعلي هذا الحق على باطل المبطلين.. وأن يحمي عباده الصالحين الذين يبلغونه ويحملونه ويثقون فيه.
وإنها لكلمة صاحب الدعوة إلى الله - بعد رسول الله [ ص ] - في كل مكان وفي كل زمان :
( قل : ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ).. ( إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ).
إنه لا بد لصاحب الدعوة إلى الله أن يتجرد من أسناد الأرض ؛ وأن يستهين كذلك بأسناد الأرض
إنها في ذاتها واهية واهنة، مهما بدت قوية قادرة :( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له : إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه. ضعف الطالب والمطلوب ! ).. ( مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ! )..
وصاحب الدعوة إلى الله يرتكن إلى الله. فما هذه الأولياء والأسناد الأخرى إذن ؟ وماذا تساوي في حسه ؛ حتى لو قدرت على أذاه ؟ ! إنما تقدر على أذاه بإذن ربه الذي يتولاها. لا عجزاً من ربه عن حمايته من أذاها _ سبحانه وتعالى _ ولا تخلياً منه سبحانه عن نصرة أوليائه.. ولكن ابتلاء لعباده الصالحين للتربية والتمحيص والتدريب. واستدراجاً لعباده الطالحين للإعذار والإمهال والكيد المتين !
لقد كان أبو بكر - رضي الله عنه - يردد، والمشركون يتناولونه بالأذى ؛ ويضربون وجهه الكريم بالنعال المخصوفة يحرفونها إلى عينيه ووجهه، حتى تركوه وما يعرف له فم من عين !.. كان يردد طوال هذا الاعتداء المنكر الفاجر على أكرم من أقلت الأرض بعد رسول الله [ ص ] :" رب ما أحلمك ! رب ما أحلمك ! رب ما أحلمك !... " كان يعرف في قراره نفسه ما وراء هذا الأذى من حلم ربه ! لقد كان واثقاً أن ربه لا يعجز عن التدمير على أعدائه ؛ كما كان واثقاً أن ربه لا يتخلى عن أوليائه !
ولقد كان عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يقول، وقد تناوله المشركون بالأذى - لأنه أسمعهم القرآن في ناديهم إلى جوار الكعبة - حتى تركوه وهو يترنح لا يصلب قامته !.. كان يقول بعد هذا الأذى المنكر الفاجر الذي ناله :" والله ما كانوا أهون عليّ منهم حينذاك ! ".. كان يعرف أنهم يحادون الله - سبحانه - وكان يستيقن أن الذي يحاد الله مغلوب هين على الله. فينبغي أن يكون مهيناً عند أولياء الله.
ولقد كان عبد الله بن مظعون - رضي الله عنه - يقول، وقد خرج من جوار عتبة بن ربيعة المشرك، لأنه لم يستسغ لنفسه أن يحتمي بجوار مشرك فكيف عنه الأذى، وإخوان له في الله يؤذون في سبيل الله. وقد تجمع عليه المشركون - بعد خروجه من جوار عتبة - فآذوه حتى خسروا عينه.. كان يقول لعتبة وهو يراه في هذه الحال فيدعوه أن يعود إلى جواره :" لأنا في جوار من هو أعز منك ! ".. وكان يرد على عتبة إذ قال له :" يا ابن أخي لقد كانت عينك في غنى عمَّا أصابها ! ".. يقول :" لا والله. وللأخرى أحق لما يصلحها في سبيل الله ! ".. كان يعلم أن جوار ربه أعز من جوار العبيد. وكان يستيقن أن ربه لا يتخلى عنه، ولو تركه يؤذى في سبيله هذا الأذى لترتفع نفسه إلى هذا الأفق العجيب :" لا والله. وللأخرى أحق لما يصلحها في سبيل الله "..
هذه نماذج من ذلك الجيل السامق الذي تربى بالقرآن في حجر محمد [ ص ] في ظلال ذلك التوجيه الرباني الكريم :
( قل : ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون. إن وليي الله الذي نزل الكتاب، وهو يتولى الصالحين )..
ثم ماذا كان بعد هذا الأذى الذي احتملوه من كيد المشركين. وهذا الاعتصام بالله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ؟
كان ما يعرفه التاريخ ! كانت الغلبة والعزة والتمكين لأولياء الله. وكانت الهزيمة والهوان والدثور للطواغيت الذين قتلهم الصالحون. وكانت التبعية ممن بقي منهم - ممن شرح الله صدره للإسلام - لهؤلاء السابقين، الذين احتملوا الأذى بثقة في الله لا تتزعزع، وبعزمة في الله لا تلين !
إن صاحب الدعوة إلى الله - في كل زمان وفي كل مكان - لن يبلغ شيئاً إلا بمثل هذه الثقة، وإلا بمثل هذه العزمة، وإلا بمثل ذلك اليقين :
( إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..


إن أصنامهم هذه الساذجة بهيئتها الظاهرة : ليس لها أرجل تمشي بها، وليس لها أيد تبطش بها. وليس لها أعين تبصر بها، وليس لها آذان تسمع بها.. هذه الجوارح التي تتوافر لهم هم. فكيف يعبدون ما هو دونهم من هذه الأحجار الهامدة ؟
فأما ما يرمزون إليه بهذه الأصنام من الملائكة حيناً، ومن الآباء والأجداد حيناً.. فهم عباد أمثالهم من خلق الله مثلهم. لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون، ولا يملكون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون !
والازدواج في عقائد مشركي العرب بين الأصنام الظاهرة، والرموز الباطنة هو - فيما نحسب - سبب مخاطبتهم هكذا عن هذه الآلهة : مرة بضمير العاقل ملحوظاً فيها ما وراء الأصنام من الرمز، ومرة بالإشارة المباشرة إلى الأصنام ذاتها، وأنها فاقدة للحياة والحركة ! وهي في مجموعها ظاهرة البطلان في منطق العقل البشري ذاته، الذي يوقظه القرآن، ويرفعه عن هذه الغفلة المزرية !
آية رقم ١٩٦
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
وفي نهاية هذه المحاجة يوجه الله سبحانه رسوله [ ص ] : أن يتحداهم ويتحدى آلهتهم العاجزة - كلها - وأن يعلن عن عقيدته الناصعة في تولي الله - وحده - له :
( قل : ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون. إن وليي الله الذي نزل الكتاب، وهو يتولى الصالحين. والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون.. وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا، وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون )..
إنها كلمة صاحب الدعوة، في وجه الجاهلية.. ولقد قالها رسول الله [ ص ] كما أمره ربه ؛ وتحدى بها المشركين في زمانه وآلهتهم المدعاة :
( قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون )..
لقد قذف في وجوههم ووجوه آلهتهم المدعاة بهذا التحدي.. وقال لهم : ألا يألوا جهداً في جمع كيدهم وكيد آلهتهم ؛ بلا إمهال ولا إنظار ! وقالها في لهجة الواثق المطمئن إلى السند الذي يرتكن إليه، ويحتمي به من كيدهم جميعاً :
فأعلن بها عمن إليه يرتكن. إنه يرتكن إلى الله.. الذي نزل الكتاب.. فدل بتنزيله على إرادته - سبحانه - في أن يواجه رسوله الناس بالحق الذي فيه ؛ كما قدر أن يعلي هذا الحق على باطل المبطلين.. وأن يحمي عباده الصالحين الذين يبلغونه ويحملونه ويثقون فيه.
وإنها لكلمة صاحب الدعوة إلى الله - بعد رسول الله [ ص ] - في كل مكان وفي كل زمان :
( قل : ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ).. ( إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ).
إنه لا بد لصاحب الدعوة إلى الله أن يتجرد من أسناد الأرض ؛ وأن يستهين كذلك بأسناد الأرض
إنها في ذاتها واهية واهنة، مهما بدت قوية قادرة :( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له : إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه. ضعف الطالب والمطلوب ! ).. ( مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ! )..
وصاحب الدعوة إلى الله يرتكن إلى الله. فما هذه الأولياء والأسناد الأخرى إذن ؟ وماذا تساوي في حسه ؛ حتى لو قدرت على أذاه ؟ ! إنما تقدر على أذاه بإذن ربه الذي يتولاها. لا عجزاً من ربه عن حمايته من أذاها _ سبحانه وتعالى _ ولا تخلياً منه سبحانه عن نصرة أوليائه.. ولكن ابتلاء لعباده الصالحين للتربية والتمحيص والتدريب. واستدراجاً لعباده الطالحين للإعذار والإمهال والكيد المتين !
لقد كان أبو بكر - رضي الله عنه - يردد، والمشركون يتناولونه بالأذى ؛ ويضربون وجهه الكريم بالنعال المخصوفة يحرفونها إلى عينيه ووجهه، حتى تركوه وما يعرف له فم من عين !.. كان يردد طوال هذا الاعتداء المنكر الفاجر على أكرم من أقلت الأرض بعد رسول الله [ ص ] :" رب ما أحلمك ! رب ما أحلمك ! رب ما أحلمك !... " كان يعرف في قراره نفسه ما وراء هذا الأذى من حلم ربه ! لقد كان واثقاً أن ربه لا يعجز عن التدمير على أعدائه ؛ كما كان واثقاً أن ربه لا يتخلى عن أوليائه !
ولقد كان عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يقول، وقد تناوله المشركون بالأذى - لأنه أسمعهم القرآن في ناديهم إلى جوار الكعبة - حتى تركوه وهو يترنح لا يصلب قامته !.. كان يقول بعد هذا الأذى المنكر الفاجر الذي ناله :" والله ما كانوا أهون عليّ منهم حينذاك ! ".. كان يعرف أنهم يحادون الله - سبحانه - وكان يستيقن أن الذي يحاد الله مغلوب هين على الله. فينبغي أن يكون مهيناً عند أولياء الله.
ولقد كان عبد الله بن مظعون - رضي الله عنه - يقول، وقد خرج من جوار عتبة بن ربيعة المشرك، لأنه لم يستسغ لنفسه أن يحتمي بجوار مشرك فكيف عنه الأذى، وإخوان له في الله يؤذون في سبيل الله. وقد تجمع عليه المشركون - بعد خروجه من جوار عتبة - فآذوه حتى خسروا عينه.. كان يقول لعتبة وهو يراه في هذه الحال فيدعوه أن يعود إلى جواره :" لأنا في جوار من هو أعز منك ! ".. وكان يرد على عتبة إذ قال له :" يا ابن أخي لقد كانت عينك في غنى عمَّا أصابها ! ".. يقول :" لا والله. وللأخرى أحق لما يصلحها في سبيل الله ! ".. كان يعلم أن جوار ربه أعز من جوار العبيد. وكان يستيقن أن ربه لا يتخلى عنه، ولو تركه يؤذى في سبيله هذا الأذى لترتفع نفسه إلى هذا الأفق العجيب :" لا والله. وللأخرى أحق لما يصلحها في سبيل الله "..
هذه نماذج من ذلك الجيل السامق الذي تربى بالقرآن في حجر محمد [ ص ] في ظلال ذلك التوجيه الرباني الكريم :
( قل : ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون. إن وليي الله الذي نزل الكتاب، وهو يتولى الصالحين )..
ثم ماذا كان بعد هذا الأذى الذي احتملوه من كيد المشركين. وهذا الاعتصام بالله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ؟
كان ما يعرفه التاريخ ! كانت الغلبة والعزة والتمكين لأولياء الله. وكانت الهزيمة والهوان والدثور للطواغيت الذين قتلهم الصالحون. وكانت التبعية ممن بقي منهم - ممن شرح الله صدره للإسلام - لهؤلاء السابقين، الذين احتملوا الأذى بثقة في الله لا تتزعزع، وبعزمة في الله لا تلين !
إن صاحب الدعوة إلى الله - في كل زمان وفي كل مكان - لن يبلغ شيئاً إلا بمثل هذه الثقة، وإلا بمثل هذه العزمة، وإلا بمثل ذلك اليقين :
( إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
آية رقم ١٩٧
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
لقد أمر رسول الله [ ص ] أن يتحدى المشركين. فتحداهم. وأمر أن يبين لهم عجز آلهتهم وسخف الشرك بها فبين لهم :
( والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون )..
هذا الدرس كله يدور حول قضية التوحيد والشرك.. بعدما دار قصص السورة كله حول هذه القضية، متخذاً صورة التذكير من الرسل جميعاً بحقيقة التوحيد، والتحذير من عاقبة الشرك ؛ ثم تحقق النذر بعد التذكير والتحذير.
فالآن في هذا الدرس تعرض قضية التوحيد من زاوية جديدة، وزاوية عميقة.. تعرض من زاوية الفطرة التي فطر الله عليها البشر ؛ وأخذ بها عليهم الميثاق في ذات أنفسهم، وذات تكوينهم ؛ وهم بعد في عالم الذر !.. إن الأعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري. فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة وشهدت بها على نفسها بحكم وجودها ذاته، وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة. أما الرسالات فتذكير وتحذير لمن ينحرفون عن فطرتهم الأولى ؛ فيحتاجون إلى التذكير والتحذير.. إن التوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر وخالق البشر منذ كينونتهم الأولى، فلا حجة لهم في نقض الميثاق - حتى لو لم يبعث إليهم بالرسل يذكرونهم ويحذرونهم - ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه فقد تنحرف ؛ وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل ؛ وأن يبعث إليهم رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل !
ومن هذه الزاوية، التي تعرض منها قضية التوحيد في هذا الدرس، يتخذ السياق خطوطا شتى حول هذه القضية الكبرى.
منها خط قصصي عن حالة ترد بعض الروايات بأنها وقعت في تاريخ بني إسرائيل.. ولكن الأرجح أنها نموذج غير مقيد بزمان ولا مكان، إنما هو تصوير لحالة مكرورة في النفوس والتاريخ. كلما أوتي بعض الناس نصيباً من العلم كان خليقاً أن يقوده إلى الحق والهدى، فإذا هو ينسلخ مما أوتي من العلم، فلا ينتفع به شيئاً، ويسير في طريق الضلالة كمن لم يؤتوا من العلم شيئاً. بل يصير أنكد وأضل وأشقى بهذا العلم الذي لم تخالطه بشاشة الإيمان، الذي يحول هذا العلم إلى مشكاة هادية في ظلام الطريق !
ومنها خط قصصي آخر عن حالة تصويرية لخطوات انحراف الفطرة من التوحيد إلى الشرك.. ممثلة في زوجين من البشر، يرجوان الخير في الجنين القادم لهما ؟ وتتجه فطرتهما إلى الله ربهما، ويقطعان للّه العهود لئن آتاهما خلفا صالحا ليكونن من الشاكرين.. ثم تزيغ قلوبهما بعد أن يستجيب الله لهما، فإذا هما يجعلان للّه شركاء فيما آتاهما !
ومنها خط تصويري لتعطل أجهزة الاستقبال الفطرية في الكينونة البشرية، حتى تنتهي إلى الضلال الذي يهبط بالبشر عن مرتبة الأنعام، ويجعلهم وقوداً لجهنم عن جدارة واستحقاق.. فتكون لهم قلوب لا يفقهون بها، وتكون لهم أعين لا يبصرون بها، وتكون لهم آذان لا يسمعون بها.. ويكون وراء ذلك الضلال الذي لا رجعة منه ولا مآب !
ومنها خط إيحائي لاستجاشة هذه الأجهزة المعطلة، وإيقاظها للتدبر والتفكر، وتوجيهها إلى ملكوتالسماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ولمسها بالأجل المغيب الذي يكمن وراءه الموت، ودعوتها إلى النظر في حال هذا الرسول الكريم الذي يدعو إلى الهدى، فيرميه الضالون بالجنون !
ومنها خط جدلي حول آلهتهم المدعاة، وهي مجردة من خصائص الألوهية، بل من خصائص الحياة ! وينتهي هذا كله بتوجيه الرسول [ ص ] إلى تحديهم وتحدي آلهتهم، وإعلان مفاصلته ومفارقته لهم ولمعبوداتهم وعبادتهم، والالتجاء إلى الولي الذي لا ولي غيره :( الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين )..
ولقد كانت نهاية الدرس السابق في قصة بني إسرائيل هي مشهد الميثاق الذي أخذه الله عليهم في ظل الجبل المرفوع. فهذا الدرس الجديد يتابعه فيبدأ بقضية الميثاق الأكبر الذي أخذه الله على فطرة البشر. في مشهد لا يدانيه في الجلال والروعة مشهد الجبل المرفوع !
( وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا، وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون )..
وإذا كان هذا التقرير ينطبق على آلهة الوثنية الساذجة في جاهلية العرب القديمة.. فإنه ينطبق كذلك على كل الآلهة المدعاة في الجاهلية الحديثة..
إن هؤلاء المشركين الجدد يدعون من دون الله أولياء من أصحاب السلطان الظاهر في الأرض ! ولكن هؤلاء الأولياء لا يستطيعون نصرهم ولا أنفسهم ينصرون. حين يجري قدر الله بما يشاء في أمر العباد في الموعد المرسوم.
وإذا كانت آلهة العرب الساذجة لا تسمع، وعيونها المصنوعة من الخرز أو الجوهر تنظر ولا تبصر ! فإن بعض الآلهة الجديدة كذلك لا تسمع ولا تبصر.. الوطن. والقوم. والإنتاج. والآلة. وحتمية التاريخ ! إلى آخر تلك الآلهة المدعاة في الجاهلية الحديثة ! والذي يبصر منها ويسمع - وهي الآلهة المدعاة من البشر، التي تعطى خصائص الألوهية فتشرع بأمرها وتحكم - هي كذلك لا تسمع ولا تبصر.. هي من الذين يقول الله فيهم :( ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها.. أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون ) !
إن صاحب الدعوة إلى الله، إنما يصادف حالة واحدة من الجاهليات المتعددة.. وإنما ينبغي أن يقول ما أمر الله سبحانه نبيه [ ص ] أن يقول :
( قل : ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون. إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين. والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون. وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ).. فإنما هم هم.. في كل أرض وفي كل حين ! ! !
آية رقم ١٩٩
تجيء هذه التوجيهات الربانية في نهاية السورة، من الله سبحانه إلى أوليائه.. رسول الله [ ص ] والذين آمنوا معه.. وهم بعد في مكة ؛ وفي مواجهة تلك الجاهلية من حولهم في الجزيرة العربية وفي الأرض كافة.. هذه التوجيهات الربانية في مواجهة تلك الجاهلية الفاحشة، وفي مواجهة هذه البشرية الضالة، تدعو صاحب الدعوة [ ص ] إلى السماحة واليسر، والأمر بالواضح من الخير الذي تعرفه فطرة البشر في بساطتها، بغير تعقيد ولا تشديد. والإعراض عن الجاهلية فلا يؤاخذهم، ولا يجادلهم، ولا يحفلهم.. فإذا تجاوزوا الحد وأثاروا غضبه بالعناد والصد، ونفخ الشيطان في هذا الغضب، فليستعذ بالله ليهدأ ويطمئن ويصبر :( خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين. وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم. إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون )..
ثم يعرفه بطبيعة أولئك الجاهلين ؛ والوسوسة التي وراءهم والتي تمدهم في الغي والضلال. ويذكر طرفاً من سلوكهم مع رسول الله [ ص ] وطلبهم الخوارق ؛ ليوجهه إلى ما يقول لهم، ليعرفهم بطبيعة الرسالة وحقيقة الرسول، وليصحح لهم تصوراتهم عنها وعنه وعن علاقته بربه الكريم :( وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون. وإذا لم تأتهم بآية قالوا : لولا اجتبيتها ! قل : إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي. هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )..
وبمناسبة هذه الإشارة إلى ما أوحاه إليه ربه من القرآن، يجيء توجيه المؤمنين إلى أدب الاستماع لهذا القرآن ؛ وأدب ذكر الله ؛ مع التنبيه إلى مداومة هذا الذكر، وعدم الغفلة عنه. فإن الملائكة الذين لا يخطئون يذكرون ويسبحون ويسجدون، فما أولى البشر الخطائين أن لا يغفلوا عن الذكر والتسبيح والسجود :( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون. واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين. إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون )..
تجيء هذه التوجيهات الربانية في نهاية السورة، من الله سبحانه إلى أوليائه.. رسول الله [ ص ] والذين آمنوا معه.. وهم بعد في مكة ؛ وفي مواجهة تلك الجاهلية من حولهم في الجزيرة العربية وفي الأرض كافة.. هذه التوجيهات الربانية في مواجهة تلك الجاهلية الفاحشة، وفي مواجهة هذه البشرية الضالة، تدعو صاحب الدعوة [ ص ] إلى السماحة واليسر، والأمر بالواضح من الخير الذي تعرفه فطرة البشر في بساطتها، بغير تعقيد ولا تشديد. والإعراض عن الجاهلية فلا يؤاخذهم، ولا يجادلهم، ولا يحفلهم.. فإذا تجاوزوا الحد وأثاروا غضبه بالعناد والصد، ونفخ الشيطان في هذا الغضب، فليستعذ بالله ليهدأ ويطمئن ويصبر :( خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين. وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم. إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون )..
ثم يعرفه بطبيعة أولئك الجاهلين ؛ والوسوسة التي وراءهم والتي تمدهم في الغي والضلال. ويذكر طرفاً من سلوكهم مع رسول الله [ ص ] وطلبهم الخوارق ؛ ليوجهه إلى ما يقول لهم، ليعرفهم بطبيعة الرسالة وحقيقة الرسول، وليصحح لهم تصوراتهم عنها وعنه وعن علاقته بربه الكريم :( وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون. وإذا لم تأتهم بآية قالوا : لولا اجتبيتها ! قل : إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي. هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )..
وبمناسبة هذه الإشارة إلى ما أوحاه إليه ربه من القرآن، يجيء توجيه المؤمنين إلى أدب الاستماع لهذا القرآن ؛ وأدب ذكر الله ؛ مع التنبيه إلى مداومة هذا الذكر، وعدم الغفلة عنه. فإن الملائكة الذين لا يخطئون يذكرون ويسبحون ويسجدون، فما أولى البشر الخطائين أن لا يغفلوا عن الذكر والتسبيح والسجود :( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون. واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين. إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون )..
ولكن رسول الله [ ص ] بشر. وقد يثور غضبه على جهالة الجهال وسفاهة السفهاء وحمق الحمقى.. وإذا قدر عليها رسول الله [ ص ] فقد يعجز عنها من وراءه من أصحاب الدعوة.. وعند الغضب ينزغ الشيطان في النفس، وهي ثائرة هائجة مفقودة الزمام !.. لذا يأمره ربه أن يستعيذ بالله ؛ لينفثئ غضبه، ويأخذ على الشيطان طريقه :
( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم )..
وهذا التعقيب :( إنه سميع عليم ).. يقرر أن الله سبحانه سميع لجهل الجاهلين وسفاهتهم ؛ عليم بما تحمله نفسك من أذاهم.. وفي هذا ترضية وتسرية للنفس.. فحسبها أن الجليل العظيم يسمع ويعلم ! وماذا تبتغي نفس بعدما يسمع الله ويعلم ما تلقى من السفاهة والجهل وهي تدعو إليه الجاهلين ؟ !
تجيء هذه التوجيهات الربانية في نهاية السورة، من الله سبحانه إلى أوليائه.. رسول الله [ ص ] والذين آمنوا معه.. وهم بعد في مكة ؛ وفي مواجهة تلك الجاهلية من حولهم في الجزيرة العربية وفي الأرض كافة.. هذه التوجيهات الربانية في مواجهة تلك الجاهلية الفاحشة، وفي مواجهة هذه البشرية الضالة، تدعو صاحب الدعوة [ ص ] إلى السماحة واليسر، والأمر بالواضح من الخير الذي تعرفه فطرة البشر في بساطتها، بغير تعقيد ولا تشديد. والإعراض عن الجاهلية فلا يؤاخذهم، ولا يجادلهم، ولا يحفلهم.. فإذا تجاوزوا الحد وأثاروا غضبه بالعناد والصد، ونفخ الشيطان في هذا الغضب، فليستعذ بالله ليهدأ ويطمئن ويصبر :( خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين. وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم. إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون )..
ثم يعرفه بطبيعة أولئك الجاهلين ؛ والوسوسة التي وراءهم والتي تمدهم في الغي والضلال. ويذكر طرفاً من سلوكهم مع رسول الله [ ص ] وطلبهم الخوارق ؛ ليوجهه إلى ما يقول لهم، ليعرفهم بطبيعة الرسالة وحقيقة الرسول، وليصحح لهم تصوراتهم عنها وعنه وعن علاقته بربه الكريم :( وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون. وإذا لم تأتهم بآية قالوا : لولا اجتبيتها ! قل : إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي. هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )..
وبمناسبة هذه الإشارة إلى ما أوحاه إليه ربه من القرآن، يجيء توجيه المؤمنين إلى أدب الاستماع لهذا القرآن ؛ وأدب ذكر الله ؛ مع التنبيه إلى مداومة هذا الذكر، وعدم الغفلة عنه. فإن الملائكة الذين لا يخطئون يذكرون ويسبحون ويسجدون، فما أولى البشر الخطائين أن لا يغفلوا عن الذكر والتسبيح والسجود :( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون. واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين. إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون )..
ثم يتخذ السياق القرآني طريقاً آخر للإيحاء إلى نفس صاحب الدعوة بالرضى والقبول، وذكر الله عند الغضب لأخذ الطريق على الشيطان ونزغه اللئيم :
( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون )..
وتكشف هذه الآية القصيرة عن إيحاءات عجيبة، وحقائق عميقة، يتضمنها التعبير القرآني المعجز الجميل.. إن اختتام الآية بقوله :( فإذا هم مبصرون )ليضيف معاني كثيرة إلى صدر الآية. ليس لها ألفاظ تقابلها هناك.. إنه يفيد أن مس الشيطان يعمي ويطمس ويغلق البصيرة. ولكن تقوى الله ومراقبته وخشية غضبه وعقابه.. تلك الوشيجة التي تصل القلوب بالله وتوقظها من الغفلة عن هداه.. تذكر المتقين. فإذا تذكروا تفتحت بصائرهم ؛ وتكشفت الغشاوة عن عيونهم :( فإذا هم مبصرون ).. إن مس الشيطان عمى، وإن تذكر الله إبصار.. إن مس الشيطان ظلمة، وإن الاتجاه إلى الله نور.. إن مس الشيطان تجلوه التقوى، فما للشيطان على المتقين من سلطان..
آية رقم ٢٠٢
تجيء هذه التوجيهات الربانية في نهاية السورة، من الله سبحانه إلى أوليائه.. رسول الله [ ص ] والذين آمنوا معه.. وهم بعد في مكة ؛ وفي مواجهة تلك الجاهلية من حولهم في الجزيرة العربية وفي الأرض كافة.. هذه التوجيهات الربانية في مواجهة تلك الجاهلية الفاحشة، وفي مواجهة هذه البشرية الضالة، تدعو صاحب الدعوة [ ص ] إلى السماحة واليسر، والأمر بالواضح من الخير الذي تعرفه فطرة البشر في بساطتها، بغير تعقيد ولا تشديد. والإعراض عن الجاهلية فلا يؤاخذهم، ولا يجادلهم، ولا يحفلهم.. فإذا تجاوزوا الحد وأثاروا غضبه بالعناد والصد، ونفخ الشيطان في هذا الغضب، فليستعذ بالله ليهدأ ويطمئن ويصبر :( خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين. وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم. إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون )..
ثم يعرفه بطبيعة أولئك الجاهلين ؛ والوسوسة التي وراءهم والتي تمدهم في الغي والضلال. ويذكر طرفاً من سلوكهم مع رسول الله [ ص ] وطلبهم الخوارق ؛ ليوجهه إلى ما يقول لهم، ليعرفهم بطبيعة الرسالة وحقيقة الرسول، وليصحح لهم تصوراتهم عنها وعنه وعن علاقته بربه الكريم :( وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون. وإذا لم تأتهم بآية قالوا : لولا اجتبيتها ! قل : إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي. هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )..
وبمناسبة هذه الإشارة إلى ما أوحاه إليه ربه من القرآن، يجيء توجيه المؤمنين إلى أدب الاستماع لهذا القرآن ؛ وأدب ذكر الله ؛ مع التنبيه إلى مداومة هذا الذكر، وعدم الغفلة عنه. فإن الملائكة الذين لا يخطئون يذكرون ويسبحون ويسجدون، فما أولى البشر الخطائين أن لا يغفلوا عن الذكر والتسبيح والسجود :( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون. واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين. إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون )..
ذلك شأن المتقين :( إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ).. جاء بيان هذا الشأن معترضاً بين أمر الله سبحانه بالإعراض عن الجاهلين ؛ وبيان ماذا ومن ذا وراء هؤلاء الجاهلين، يدفعهم إلى الجهل والحمق والسفه الذي يزاولون.. فلما انتهى التعقيب عاد السياق يحدث عن الجاهلين :
( وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون. وإذا لم تأتهم بآية قالوا : لولا اجتبيتها. قل : إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي، هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )
وإخوانهم الذين يمدونهم في الغي هم شياطين الجن.. وقد يكونون هم شياطين الإنس أيضاً.. إنهم يزيدون لهم في الضلال، لا يكلون ولا يسأمون ولا يسكتون ! وهم من ثم يحمقون ويجهلون ! ويظلون فيما هم فيه سادرين.
تجيء هذه التوجيهات الربانية في نهاية السورة، من الله سبحانه إلى أوليائه.. رسول الله [ ص ] والذين آمنوا معه.. وهم بعد في مكة ؛ وفي مواجهة تلك الجاهلية من حولهم في الجزيرة العربية وفي الأرض كافة.. هذه التوجيهات الربانية في مواجهة تلك الجاهلية الفاحشة، وفي مواجهة هذه البشرية الضالة، تدعو صاحب الدعوة [ ص ] إلى السماحة واليسر، والأمر بالواضح من الخير الذي تعرفه فطرة البشر في بساطتها، بغير تعقيد ولا تشديد. والإعراض عن الجاهلية فلا يؤاخذهم، ولا يجادلهم، ولا يحفلهم.. فإذا تجاوزوا الحد وأثاروا غضبه بالعناد والصد، ونفخ الشيطان في هذا الغضب، فليستعذ بالله ليهدأ ويطمئن ويصبر :( خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين. وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم. إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون )..
ثم يعرفه بطبيعة أولئك الجاهلين ؛ والوسوسة التي وراءهم والتي تمدهم في الغي والضلال. ويذكر طرفاً من سلوكهم مع رسول الله [ ص ] وطلبهم الخوارق ؛ ليوجهه إلى ما يقول لهم، ليعرفهم بطبيعة الرسالة وحقيقة الرسول، وليصحح لهم تصوراتهم عنها وعنه وعن علاقته بربه الكريم :( وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون. وإذا لم تأتهم بآية قالوا : لولا اجتبيتها ! قل : إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي. هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )..
وبمناسبة هذه الإشارة إلى ما أوحاه إليه ربه من القرآن، يجيء توجيه المؤمنين إلى أدب الاستماع لهذا القرآن ؛ وأدب ذكر الله ؛ مع التنبيه إلى مداومة هذا الذكر، وعدم الغفلة عنه. فإن الملائكة الذين لا يخطئون يذكرون ويسبحون ويسجدون، فما أولى البشر الخطائين أن لا يغفلوا عن الذكر والتسبيح والسجود :( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون. واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين. إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون )..
ولقد كان المشركون لا يكفون عن طلب الخوارق من رسول الله [ ص ] والسياق هنا يحكي بعض أقوالهم الدالة على جهلهم بحقيقة الرسالة وطبيعة الرسول :
( وإذا لم تأتهم بآية قالوا : لولا اجتبيتها ! )..
أي.. لولا ألححت على ربك حتى ينزلها !.. أو هلا فعلتها أنت من نفسك ؟ ألست نبياً ؟ !..
إنهم لم يكونوا يدركون طبيعة الرسول ووظيفته ؛ كذلك لم يكونوا يعرفون أدبه مع ربه ؛ وأنه يتلقى منه ما يعطيه ؛ ولا يقدم بين يدي ربه ولا يقترح عليه ؛ ولا يأتي كذلك الشيء من عند نفسه.. والله يأمره أن يبين لهم :
( قل : إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي )..
فلا أقترح، ولا أبتدع، ولا أملك إلا ما يوحيه إلي ربي. ولا آتي إلا ما يأمرني به..
لقد كانت الصورة الزائفة للمتنبئين في الجاهليات تتراءى لهم، ولم يكن لهم فقه ولا معرفة بحقيقة الرسالة وطبيعة الرسول :
كذلك يؤمر رسول الله [ ص ] أن يبين لهم ما في هذا القرآن الذي جاءهم به، وحقيقته التي يغفلون عنها، ويطلبون الخوارق المادية، وأمامهم هذا الهدى الذي يغفلون عنه :
( هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )..
إنه هذا القرآن.. بصائر تهدي، ورحمة تفيض.. لمن يؤمن به، ويغتنم هذا الخير العميم..
إنه هذا القرآن الذي كان الجاهلون من العرب - في جاهليتهم - يعرضون عنه، ويطلبون خارقة من الخوارق المادية مثل التي جرت على أيدي الرسل من قبل، في طفولة البشرية، وفي الرسالات المحلية غير العالمية، والتي لا تصلح إلا لزمانها ومكانها، ولا تواجه إلا الذين يشاهدونها، فكيف بمن بعدهم من الأجيال، وكيف بمن وراءهم من الأقوام الذين لم يروا هذه الخارقة !
إنه هذا القرآن الذي لا تبلغ خارقة مادية من الإعجاز ما يبلغه.. من أي جانب من الجوانب شاء الناس المعجزة في أي زمان وفي أي مكان.. لا يستثنى من ذلك من كان من الناس ومن يكون إلى آخر الزمان !
فهذا جانبه التعبيري.. ولعله كان بالقياس إلى العرب في جاهليتهم أظهر جوانبه - بالنسبة لما كانوا يحفلون به من الأداء البياني، ويتفاخرون به في أسواقهم ! - ها هو ذا كان وما يزال إلى اليوم معجزاً لا يتطاول إليه أحد من البشر. تحداهم الله به وما يزال هذا التحدي قائماً. والذين يزاولون فن التعبير من البشر، ويدركون مدى الطاقة البشرية فيه، هم أعرف الناس بأن هذا الأداء القرآني معجز معجز.. سواء كانوا يؤمنون بهذا الدين عقيدة أو لا يؤمنون.. فالتحدي في هذا الجانب قائم على أسس موضوعية يستوي أمامها المؤمنون والجاحدون.. وكما كان كبراء قريش يجدون من هذا القرآن - في جاهليتهم - ما لا قبل لهم بدفعه عن أنفسهم - وهم جاحدون كارهون - كذلك يجد اليوم وغداً كل جاهلي جاحد كاره ما وجد الجاهليون الأولون !
ويبقى وراء ذلك السر المعجز في هذا الكتاب الفريد.. يبقى ذلك السلطان الذي له على الفطرة - متى خلي بينها وبينه لحظة ! - وحتى الذين رانت على قلوبهم الحجب، وثقل فوقها الركام، تنتفض قلوبهم أحياناً ؛ وتتململ قلوبهم أحياناً تحت وطأة هذا السلطان ؛ وهم يستمعون إلى هذا القرآن !
إن الذين يقولون كثيرون.. وقد يقولون كلاماً يحتوي مبادئ ومذاهب وأفكاراً واتجاهات.. ولكن هذا القرآن يتفرد في إيقاعاته على فطرة البشر وقلوبهم فيما يقول ! إنه قاهر غلاب بذلك السلطان الغلاب !.. ولقد كان كبراء قريش يقولون لأتباعهم الذين يستخفونهم - ويقولون لأنفسهم في الحقيقة - :( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ).. لما كانوا يجدونه هم في نفوسهم من مس هذا القرآن وإيقاعه الذي لا يقاوم ! وما يزال كبراء اليوم يحاولون أن يصرفوا القلوب عن هذا القرآن بما ينزلونه لهم من مكاتيب ! غير أن هذا القرآن يظل - مع ذلك كله - غلاباً.. وما إن تعرض الآية منه أو الآيات في ثنايا قول البشر، حتى تتميز وتنفرد بإيقاعها، وتستولي على الحس الداخلي للسامعين، وتنحي ما عداها من قول البشر المحير الذي تعب فيه القائلون !
ثم يبقى وراء ذلك مادة هذا القرآن وموضوعه.. وما تتسع صفحات عابرة - في ظلال القرآن - للحديث عن مادة هذا القرآن وموضوعه.. فالقول لا ينتهي والمجال لا يحد !
وماذا الذي يمكن أن يقال في صفحات ؟ !
منهج هذا القرآن العجيب، في مخاطبة الكينونة البشرية بحقائق الوجود.. وهو منهج يواجه هذه الكينونة بجملتها، لا يدع جانباً واحداً منها لا يخاطبه في السياق الواحد، ولا يدع نافذة واحدة من نوافذها لا يدخل منها إليها ؛ ولا يدع خاطراً فيها لا يجاوبه، ولا يدع هاتفاً فيها لا يلبيه !
منهج هذا القرآن العجيب، وهو يتناول قضايا هذا الوجود، فيكشف منها ما تتلقاه فطرة الإنسان وقلبهوعقله بالتسليم المطلق، والتجاوب الحي، والرؤية الواضحة. وما يطابق كذلك حاجات هذه الفطرة، ويوقظ فيها طاقاتها المكنونة، ويوجهها الوجهة الصحيحة.
منهج هذا القرآن العجيب، وهو يأخذ بيد الفطرة الإنسانية خطوة خطوة، ومرحلة مرحلة ؛ ويصعد بها - في هينة ورفق، وفي حيوية كذلك وحرارة، وفي وضوح وعلى بصيرة - درجات السلم في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة.. في المعرفة والرؤية، وفي الانفعال والاستجابة، وفي التكيف والاستقامة، وفي اليقين والثقة، وفي الراحة والطمأنينة.. إلى حقائق هذا الوجود الصغيرة والكبيرة..
منهج هذا القرآن العجيب، وهو يلمس الفطرة الإنسانية، من حيث لا يحتسب أحد من البشر أن يكون هذا موضع لمسة ! أو أن يكون هذا وتر استجابة ! فإذا الفطرة تنتفض وتصوت وتستجيب. ذلك أن منزل هذا القرآن هو خالق هذا الإنسان الذي يعلم من خلق، وهو أقرب إليه من حبل الوريد !
ذلك المنهج ؟.. أم المادة ذاتها التي يعرضها القرآن في هذا المنهج.. وهنا ذلك الانفساح الذي لا يبلغ منه القول شيئاً.. ( قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، ولو جئنا بمثله مدداً ).. ( ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله )..
إن الذي يكتب هذه الكلمات، قضى - ولله الحمد والمنة - في الصحبة الواعية الدارسة لهذا الكتاب خمسة وعشرين عاماً. يجول في جنبات الحقائق الموضوعية لهذا الكتاب ؛ في شتى حقول المعرفة الإنسانية - ما طرقته معارف البشر وما لم تطرقه - ويقرأ في الوقت ذاته ما يحاوله البشر من بعض هذه الجوانب.. ويرى.. يرى ذلك الفيض الغامر المنفسح الواسع في هذا القرآن ؛ وإلى جانبه تلك البحيرات المنعزلة، وتلك النقر الصغيرة.. وتلك المستنقعات الآسنة أيضاً !
في النظرة الكلية في هذا الوجود، وطبيعته، وحقيقته، وجوانبه، وأصله، ونشأته، وما وراءه من أسرار ؛ وما في كيانه من خبايا ومكنونات وما يضمه من أحياء وأشياء.. الموضوعات التي تطرق جوانب منها " فلسفة " البشر !..
في النظرة الكلية إلى " الإنسان " ونفسه، وأصله، ونشأته، ومكنونات طاقاته، ومجالات نشاطه ؛ وطبيعة تركيبه، وانفعالاته، واستجاباته، وأحواله وأسراره.. الموضوعات التي تطرق جوانب منها علوم الحياة والنفس والتربية والاجتماع ! والعقائد والأديان..
في النظرة إلى نظام الحياة الإنسانية ؛ وجوانب النشاط الواقعي فيها ؛ ومجالات الارتباط والاحتكاك، والحاجات المتجددة وتنظيم هذه الحاجات.. الموضوعات التي تطرق جوانب منها النظريات والمذاهب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية..
وفي كل حقل من هذه الحقول يجد الدارس الواعي لهذا القرآن وفرة من النصوص والتوجيهات يحار في كثرتها ووفرتها ! فوق ما في هذه الوفرة من أصالة وصدق وعمق وإحاطة ونفاسة !
إنني لم أجد نفسي مرة واحدة - في مواجهة هذه الموضوعات الأساسية - في حاجة إلى نص واحد من خارج هذا القرآن - فيما عدا قول رسول الله [ ص ] وهو من آثار هذه القرآن - بل إن اي قول آخر ليبدو هزيلاً - حتى لو كان صحيحاً - إلى جانب ما يجده الباحث في هذا الكتاب العجيب..
إنها الممارسة الفعلية التي تنطق بهذه التقريرات ؛ والصحبة الطويلة في ظل حاجات الرؤية والبحث والنظر في هذه الموضوعات.. وما بي أن أثني على هذا الكتاب.. ومن أنا ومن هؤلاء البشر جميعاً ليضيفوا إلى كتاب الله شيئاً بما يملكون من هذا الثناء !
لقد كان هذا الكتاب هو مصدر المعرفة والتربية والتوجيه والتكوين الوحيد لجيل من البشر فريد.. جيل لم يتكرر بعد في تاريخ البشرية - لا من قبل ولا من بعد - جيل الصحابة الكرام الذين أحدثوا في تاريخ البشرية ذلك الحدث الهائل العميق الممتد، الذي لم يدرس حق دراسته إلى الآن..
لقد كان هذا المصدر هو الذي أنشأ - بمشيئة الله وقدره - هذه المعجزة المجسمة في عالم البشر. وهي المعجزة التي لا تطاولها جميع المعجزات والخوارق التي صحبت الرسالات جميعاً.. وهي معجزة واقعة مشهودة.. أن كان ذلك الجيل الفريد ظاهرة تاريخية فريدة...
ولقد كان المجتمع الذي تألف من ذلك الجيل أول مرة، والذي ظل امتداده أكثر من ألف عام، تحكمه الشريعة التي جاء بها هذا الكتاب، ويقوم على قاعدة من قيمه وموازينه، وتوجيهاته وإيحاءاته.. كان هذا المجتمع معجزة أخرى في تاريخ البشرية. حين تقارن إليه صور المجتمعات البشرية الأخرى، التي تفوقه في الإمكانيات المادية - بحكم نمو التجربة البشرية في عالم المادة - ولكنها لا تطاوله في " الحضارة الإنسانية " !
إن الناس اليوم - في الجاهلية الحديثة ! - يطلبون حاجات نفوسهم ومجتمعاتهم وحياتهم خارج هذا القرآن ! كما كان الناس في الجاهلية العربية يطلبون خوارق غير هذا القرآن !.. فأما هؤلاء فقد كانت تحول جاهليتهم الساذجة، وجهالتهم العميقة - كما تحول أهواؤهم ومصالحهم الذاتية كذلك - دون رؤية الخارقة الكونية الهائلة في هذا الكتاب العجيب !.. فأما أهل الجاهلية الحاضرة، فيحول بينهم وبين هذا القرآن غرور " العلم البشري " الذي فتحه الله عليهم في عالم المادة. وغرور التنظيمات والتشكيلات المعقدة بتعقيد الحياة البشرية اليوم ؛ ونموها ونضجها من ناحية التنظيم والتشكيل. وهو أمر طبيعي مع امتداد الحياة وتراكم التجارب، وتجدد الحاجات، وتعقدها كذلك ! كما يحول بينهم وبين هذا القرآن كيد أربعة عشر قرناً من الحقد اليهودي والصليبي ؛ الذي لم يكف لحظة واحدة عن حرب هذا الدين وكتابه القويم ؛ وعن محاولة إلهاء أهله عنه ؛ وإبعادهم عن توجيهه المباشر. بعدما علم اليهود والصليبيون من تجاربهم الطويلة : أن لا طاقة لهم بأهل هذا الدين، ما ظلوا عاكفين على هذا الكتاب، عكوف الجيل الأول، لا عكوف التغني بآياته وحياتهم كلها بعيدة عن توجيهاته !.. هو كيد مطرد مصرّ لئيم خبيث.. ثمرته النهائية هذه الأوضاع التي يعيش فيها الناس الذين يسمون اليوم بالمسلمين - وما هم بالمسلمين ما لم يحكموا في حياتهم شريعة هذا الدين ! - وهذه المحاولات الأخرى في كل مكان للتعفية على آثار هذا الدين ؛ ولتدارس قرآن غير قرآنه ؛ يرجع إليه في تنظيم الحياة كلها، ويرد إليه كل اختلاف، وكل نزاع في التشريع والتقنين لهذه الحياة ؛ كما كان المسلمون يرجعون إلى كتاب الله في هذه الشؤون ! ! !
إنه هذا القرآن الذي يجهله أهله اليوم.
آية رقم ٢٠٤
تجيء هذه التوجيهات الربانية في نهاية السورة، من الله سبحانه إلى أوليائه.. رسول الله [ ص ] والذين آمنوا معه.. وهم بعد في مكة ؛ وفي مواجهة تلك الجاهلية من حولهم في الجزيرة العربية وفي الأرض كافة.. هذه التوجيهات الربانية في مواجهة تلك الجاهلية الفاحشة، وفي مواجهة هذه البشرية الضالة، تدعو صاحب الدعوة [ ص ] إلى السماحة واليسر، والأمر بالواضح من الخير الذي تعرفه فطرة البشر في بساطتها، بغير تعقيد ولا تشديد. والإعراض عن الجاهلية فلا يؤاخذهم، ولا يجادلهم، ولا يحفلهم.. فإذا تجاوزوا الحد وأثاروا غضبه بالعناد والصد، ونفخ الشيطان في هذا الغضب، فليستعذ بالله ليهدأ ويطمئن ويصبر :( خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين. وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم. إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون )..
ثم يعرفه بطبيعة أولئك الجاهلين ؛ والوسوسة التي وراءهم والتي تمدهم في الغي والضلال. ويذكر طرفاً من سلوكهم مع رسول الله [ ص ] وطلبهم الخوارق ؛ ليوجهه إلى ما يقول لهم، ليعرفهم بطبيعة الرسالة وحقيقة الرسول، وليصحح لهم تصوراتهم عنها وعنه وعن علاقته بربه الكريم :( وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون. وإذا لم تأتهم بآية قالوا : لولا اجتبيتها ! قل : إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي. هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )..
وبمناسبة هذه الإشارة إلى ما أوحاه إليه ربه من القرآن، يجيء توجيه المؤمنين إلى أدب الاستماع لهذا القرآن ؛ وأدب ذكر الله ؛ مع التنبيه إلى مداومة هذا الذكر، وعدم الغفلة عنه. فإن الملائكة الذين لا يخطئون يذكرون ويسبحون ويسجدون، فما أولى البشر الخطائين أن لا يغفلوا عن الذكر والتسبيح والسجود :( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون. واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين. إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون )..
ولأن هذا هو القرآن يجيء مباشرة في السياق هذا التوجيه للمؤمنين :
( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون )
فتختتم به السورة التي بدأت بالإشارة إلى هذا القرآن :( كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به وذكرى للمؤمنين )..
وتختلف الروايات المأثورة في موضع هذا الأمر بالاستماع والإنصات إذا قرئ القرآن.. بعضهم يرى أن موضع هذا الأمر هو الصلاة المكتوبة. حين يجهر الإمام بالقرآن ؛ فيجب أن يستمع المأموم وينصت، ولا يقرأ هو مع قراءة الإمام الجهرية. ولا ينازع الإمام القرآن ! وذلك كالذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وقال الترمذي عنه : هذا حديث حسن، وصححه أبو حاتم الرازي، من حديث الزهري عن أبي أكثمة الليثي عن أبي هريرة أن رسول الله [ ص ] انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال :" هل قرأ أحد منكم معي آنفاً به " قال رجل : نعم يا رسول الله. قال :" إني أقول : ما لي أنازع القرآن " فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله [ ص ] فيما جهر فيه بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك من رسول الله [ ص ] وكالذي رواه ابن جرير في التفسير : حدثنا أبو كريب، حدثنا المحاربي، عن داود بن أبي هند، عن بشير بن جابر قال : صلى ابن مسعود، فسمع ناساً يقرأون مع الإمام. فلما انصرف قال :" أما آن لكم أن تفهموا ؛ أما آن لكم أن تعقلوا :( إذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا )كما أمركم الله " !
وبعضهم يرى أن هذا كان توجيهاً للمسلمين أن لا يكونوا كالمشركين الذين كانوا يأتون رسول الله [ ص ] إذا صلى، فيقول بعضهم لبعض بمكة :( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ). فأنزل الله عز وجل جواباً لهم :( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ).. قال القرطبي هذا وقال نزل في الصلاة. روي عن ابن مسعود وأبي هريرة وجابر والزهري وعبيد الله بن عمير وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب..
وروى ابن جرير سبباً للنزول قال : حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم عن المسيب
ابن رافع. قال ابن مسعود : كان يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فجاء القرآن ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ).
وقال القرطبي في التفسير : قال محمد بن كعب القرظي : كان رسول الله [ ص ] إذا قرأ القرآن في الصلاة أجابه من وراءه. إذا قال : بسم الله الرحمن الرحيم. قالوا مثل قوله، حتى يقضي فاتحة الكتاب والسورة، فلبث بذلك ما شاء الله أن يلبث فنزل :( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ). وهذا يدل على أن المعنى بالإنصات ترك الجهر على ما كانوا يفعلون من مجاوبة رسول الله [ ص ].
وقال القرطبي كذلك : وقال قتادة في هذه الآية : كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم : كم صليتم ؟ كم بقي ؟ فأنزل الله تعالى :( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ).. وعن مجاهد أيضاً : كانوا يتكلمون في الصلاة بحاجتهم، فنزل قوله تعالى :(... لعلكم ترحمون ).
والذين يرون أنها خاصة بقراءة القرآن في الصلاة يستشهدون بما رواه ابن جرير : حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا الجريري، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال : رأيت عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان والقاص يقص [ يعني والقارئ يقرأ ] فقلت : ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود، [ يعني قوله تعالى :( لعلكم ترحمون ) ] قال : فنظرا إلي ثم أقبلا على حديثهما ؛ قال فأعدت، فنظرا إلي وأقبلا على حديثهما ! قال فأعدت الثالثة، قال : فنظرا إلي فقالا : إنما ذلك في الصلاة :( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ). قال ابن كثير وهو يروي هذا الخبر : وكذا قال سفيان الثوري عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير عن مجاهد في قوله :( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا )قال : في الصلاة، وكذا رواه غير واحد عن مجاهد. وقال عبد الرازق، عن الثوري عن ليث عن مجاهد، قال : لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم..
وبعضهم يرى أنها في الصلاة وفي الخطبة كذلك في الجمع والعيدين، قاله سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار، ويزيد بن أسلم، والقاسم بن مخيمرة، ومسلم بن يسار وشهر بن حوشب وعبد الله ابن المبارك، ولكن القرطبي قال :" وهذا ضعيف، لأن القرآن فيها قليل، والإنصات يجب في جميعها. قاله ابن العربي والنقاش : والآية مكية ولم يكن بمكة خطبة ولا جمعة ".
وقال القرطبي في التفسير : قال النقاش : أجمع أهل التفسير أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة. النحاس : وفي اللغة يجب أن يكون في كل شيء، إلا أن يدل دليل على اختصاص شيء.
ونحن لا نرى في أسباب النزول التي وردت ما يخصص الآية بالصلاة المكتوبة وغير المكتوبة، ذلك أن العبرة بعموم النص لا بخصوص السبب. والأقرب أن يكون ذلك عاماً لا يخصصه شيء، فالاستماع إلى هذا القرآن والإنصات له - حيثما قرئ - هو الأليق بجلال هذا القول، وبجلال قائله سبحانه ! وإذا قال الله أفلا يستمع الناس وينصتون ؟ ! ثم رجاء الرحمة لهم :( لعلكم ترحمون ).. ما الذي يخصصه بالصلاة ؟ وحيثما قرئ القرآن، واستمعت له النفس وأنصتت، كان ذلك أرجى لأن تعي وتتأثر وتستجيب ؛ فكان ذلك أرجى أن ترحم في الدنيا والآخرة جميعاً..
إن الناس يخسرون الخسارة التي لا يعارضها شيء بالانصراف عن هذا القرآن.. وإن الآية الواحدة لتصنع أحياناً في النفس - حين تستمع لها وتنصت - أعاجيب من الأنفعال والتأثر والاستجابة والتكيف والرؤية
والإدراك والطمأنينة والراحة، والنقلة البعيدة في المعرفة الواعية المستنيرة.. مما لا يدركه إلا من ذاقه وعرفه !
وإن العكوف على هذا القرآن - في وعي وتدبر لا مجرد التلاوة والترنم ! - لينشئ في القلب والعقل من الرؤية الواضحة البعيدة المدى ؛ ومن المعرفة المطمئنة المستيقنة ؛ ومن الحرارة والحيوية والانطلاق ! ومن الإيجابية والعزم والتصميم ؛ ما لا تدانيه رياضة أخرى أو معرفة أو تجريب !
وإن رؤية حقائق الوجود - من خلال التصوير القرآني - وحقائق الحياة، ورؤية الحياة البشرية وطبيعتها وحاجاتها من خلال التقريرات القرآنية، لهي رؤية باهرة واضحة دقيقة عميقة. تهدي إلى معالجتها وإلى مزاولتها بروح أخرى، غير ما توجه إليه سائر التصويرات والتقريرات البشرية..
وهذا كله أرجى إلى الرحمة.. وهو يكون في الصلاة وفي غير الصلاة. وليس هناك ما يخصص هذا التوجيه القرآني العام بالصلاة كما روى القرطبي عن النحاس.
تجيء هذه التوجيهات الربانية في نهاية السورة، من الله سبحانه إلى أوليائه.. رسول الله [ ص ] والذين آمنوا معه.. وهم بعد في مكة ؛ وفي مواجهة تلك الجاهلية من حولهم في الجزيرة العربية وفي الأرض كافة.. هذه التوجيهات الربانية في مواجهة تلك الجاهلية الفاحشة، وفي مواجهة هذه البشرية الضالة، تدعو صاحب الدعوة [ ص ] إلى السماحة واليسر، والأمر بالواضح من الخير الذي تعرفه فطرة البشر في بساطتها، بغير تعقيد ولا تشديد. والإعراض عن الجاهلية فلا يؤاخذهم، ولا يجادلهم، ولا يحفلهم.. فإذا تجاوزوا الحد وأثاروا غضبه بالعناد والصد، ونفخ الشيطان في هذا الغضب، فليستعذ بالله ليهدأ ويطمئن ويصبر :( خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين. وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم. إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون )..
ثم يعرفه بطبيعة أولئك الجاهلين ؛ والوسوسة التي وراءهم والتي تمدهم في الغي والضلال. ويذكر طرفاً من سلوكهم مع رسول الله [ ص ] وطلبهم الخوارق ؛ ليوجهه إلى ما يقول لهم، ليعرفهم بطبيعة الرسالة وحقيقة الرسول، وليصحح لهم تصوراتهم عنها وعنه وعن علاقته بربه الكريم :( وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون. وإذا لم تأتهم بآية قالوا : لولا اجتبيتها ! قل : إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي. هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )..
وبمناسبة هذه الإشارة إلى ما أوحاه إليه ربه من القرآن، يجيء توجيه المؤمنين إلى أدب الاستماع لهذا القرآن ؛ وأدب ذكر الله ؛ مع التنبيه إلى مداومة هذا الذكر، وعدم الغفلة عنه. فإن الملائكة الذين لا يخطئون يذكرون ويسبحون ويسجدون، فما أولى البشر الخطائين أن لا يغفلوا عن الذكر والتسبيح والسجود :( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون. واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين. إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون )..
ثم تنتهي السورة بالتوجيه إلى ذكر الله عامة.. في الصلاة وفي غير الصلاة..
( واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال، ولا تكن من الغافلين. إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون )..
قال ابن كثير في التفسير :" يأمر الله تعالى بذكره أول النهار وآخره كثيراً. كما أمر بعبادته في هذين الوقتين في قوله : وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب - وقد كان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء. وهذه الآية مكية - وقال ها هنا : بالغدو، وهو أول النهار، والآصال جمع أصيل - كما أن الأيمان جمع يمين - وأما قوله : تضرعاً وخيفة أي اذكر ربك في نفسك رغبة ورهبة وبالقول، لا جهراً، ولهذا قال :( ودون الجهر من القول ). وهكذا يستحب أن يكون الذكر، لا يكون نداء وجهراً بليغاً. ولهذا لما سألوا رسول الله [ ص ] فقالوا : أقريب ربنا فنناجيه ؛ أم بعيد فنناديه ؟ فأنزل الله عز وجل :( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ).. وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال : رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي [ ص ] :" يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته "..
ولم يقبل قول ابن جرير وقبله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إن المراد بها أمر السامع للقرآن في حال استماعه بالذكر على هذه الصفة.. وقال :" فهذا الذي قالاه لم يتابعا عليه، بل المراد الحض على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال لئلا يكونوا من الغافلين. ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فقال :( إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ).. الآية. وإنما ذكرهم بهذا ليقتدى بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم "..
ونحن نرى فيما أورده ابن كثير من المناسبة والأحاديث النبوية مدى ما كان هذا القرآن وكانت التربية النبوية تنقل إليه نفوس العرب من المعرفة بحقيقة ربهم، وحقيقة الوجود من حولهم. وندرك من سؤالهم ومن الإجابة عليهم مدى النقلة التي نقلها لهم هذا الدين، بهذا الكتاب الكريم، بالتوجيه النبوي القويم.. إنها نقلة بعيدة، تتجلى فيها نعمة الله ورحمته لو كان الناس يعلمون.
وبعد، فإن ذكر الله - كما توجه إليه هذه النصوص - ليس مجرد الذكر بالشفة واللسان. ولكنه الذكربالقلب والجنان. فذكر الله إن لم يرتعش له الوجدان، وإن لم يخفق له القلب، وإن لم تعش به النفس.. إن لم يكن مصحوباً بالتضرع والتذلل والخشية والخوف.. لن يكون ذكراً.. بل قد يكون سوء أدب في حق الله سبحانه. إنما هو التوجه إلى الله بالتذلل والضراعة، وبالخشية والتقوى.. إنما هو استحضار جلال الله وعظمته، واستحضار المخافة لغضبه وعقابه، واستحضار الرجاء فيه والالتجاء إليه.. حتى يصفو الجوهر الروحي في الإنسان، ويتصل بمصدره اللدني الشفيف المنير..
فإذا تحرك اللسان مع القلب ؛ وإذا نبست الشفاه مع الروح ؛ فليكن ذلك في صورة لا تخدش الخشوع ولا تناقض الضراعة. ليكن ذلك في صوت خفيض، لا مكاء تصدية، ولا صراخاً وضجة، ولا غناء وتطرية !
( واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول )..
( بالغدو والآصال ).
في مطالع النهار وفي أواخره. فيظل القلب موصولاً بالله طرفي النهار. وذكر الله لا يقتصر على هذه الآونة، فذكر الله ينبغي أن يكون في القلب في كل آن ؛ ومراقبة الله يجب أن تكون في القلب في كل لحظة. ولكن هذين الآنين إنما تطالع فيهما النفس التغير الواضح في صفحة الكون.. من ليل إلى نهار.. ومن نهار إلى ليل. ويتصل فيهما القلب بالوجود من حوله ؛ وهو يرى يد الله تقلب الليل والنهار ؛ وتغير الظواهر والأحوال.. وإن الله - سبحانه - ليعلم أن القلب البشري يكون في هذين الآنين أقرب ما يكون إلى التأثر والاستجابة.. ولقد كثر في القرآن التوجيه إلى ذكر الله سبحانه وتسبيحه في الآونة التي كأنما يشارك الكون كله فيها في التأثير على القلب البشري وترقيقه وإرهافه وتشويقه للاتصال بالله.. ( فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب. ومن الليل فسبحه وأدبار السجود ).. ( ومن آثار الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ).. ( واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً. ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً )..
ولا داعي للقول بأن هذا الأمر بالذكر في هذه الآونة قد كان قبل فرض الصلاة المكتوبة في أوقاتها المعلومة. مما يوحي بأن فرض الصلاة المكتوبة قد أغنى عن هذا الأمر في هذه الآونة. فهذا الذكر أشمل من الصلاة، وأوقاته ليست مقصورة على مواقيت الصلاة المكتوبة. كما أنه قد يكون في صور غير صورة الصلاة - المكتوبة وغير المكتوبة - في صورة الذكر بالقلب، أو بالقلب واللسان دون بقية حركات الصلاة.. بل إنه لأشمل من ذلك كذلك. إنه التذكر الدائم والاستحضار الدائم لجلال الله - سبحانه - ومراقبته في السر والعلن، وفي الصغيرة والكبيرة، وفي الحركة والسكنة، وفي العمل والنية.. وإنما ذكر البكرة والأصيل والليل.. لما في هذه الآونة من مؤثرات خاصة يعلم الله ما تصنع في القلب البشري، الذي يعلم خالقه فطرته وطبيعة تكوينه !
( ولا تكن من الغافلين )..
الغافلين عن ذكر الله.. لا بالشفة واللسان، ولكن بالقلب والجنان.. الذكر الذي يخفق به القلب ؛ فلا يسلك صاحبه طريقاً يخجل أن يطلع عليه الله فيه ؛ ويتحرك حركة يخجل أن يراه الله عليها ؛ ولا يأتي صغيرة أو كبيرة إلا وحساب الله فيها.. فذلك هو الذكر الذي يرد به الأمر هنا ؛ وإلا فما هو ذكر لله، إذا كان لا يؤدي إلى الطاعة والعمل والسلوك والاتباع.
اذكر ربك ولا تغفل عن ذكره ؛ ولا يغفل قلبك عن مراقبته ؛ فالإنسان أحوج إلى أن يظل على اتصال بربه، ليتقوى على نزغات الشيطان :( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، إنه سميع عليم ). ولقد كانت السورة من قبل معرضاً للمعركة بين الإنسان والشيطان في أوائلها، وظل سياقها يعرض موكب الإيمان وشياطين الجن والإنس تعترض طريقه، كما ذكر الشيطان في نبأ الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. وكما ذكر في أواخرها نزغ الشيطان والاستعاذة منه بالله السميع العليم.. وهو سياق متصل، ينتهي بالتوجيه إلى ذكر الله تضرعاً وخيفة، والنهي عن الغفلة.. ويأتي هذا الأمر وهذا النهي في صدد توجيه الله سبحانه لرسوله [ ص ] أن يأخذ العفو ويأمر بالعرف ويعرض عن الجاهلين.. فإذا هو تكملة لمعالم الطريق، وتزويد لصاحب الدعوة بالزاد الذي يقوى به على مشاق الطريق..
تجيء هذه التوجيهات الربانية في نهاية السورة، من الله سبحانه إلى أوليائه.. رسول الله [ ص ] والذين آمنوا معه.. وهم بعد في مكة ؛ وفي مواجهة تلك الجاهلية من حولهم في الجزيرة العربية وفي الأرض كافة.. هذه التوجيهات الربانية في مواجهة تلك الجاهلية الفاحشة، وفي مواجهة هذه البشرية الضالة، تدعو صاحب الدعوة [ ص ] إلى السماحة واليسر، والأمر بالواضح من الخير الذي تعرفه فطرة البشر في بساطتها، بغير تعقيد ولا تشديد. والإعراض عن الجاهلية فلا يؤاخذهم، ولا يجادلهم، ولا يحفلهم.. فإذا تجاوزوا الحد وأثاروا غضبه بالعناد والصد، ونفخ الشيطان في هذا الغضب، فليستعذ بالله ليهدأ ويطمئن ويصبر :( خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين. وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم. إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون )..
ثم يعرفه بطبيعة أولئك الجاهلين ؛ والوسوسة التي وراءهم والتي تمدهم في الغي والضلال. ويذكر طرفاً من سلوكهم مع رسول الله [ ص ] وطلبهم الخوارق ؛ ليوجهه إلى ما يقول لهم، ليعرفهم بطبيعة الرسالة وحقيقة الرسول، وليصحح لهم تصوراتهم عنها وعنه وعن علاقته بربه الكريم :( وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون. وإذا لم تأتهم بآية قالوا : لولا اجتبيتها ! قل : إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي. هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )..
وبمناسبة هذه الإشارة إلى ما أوحاه إليه ربه من القرآن، يجيء توجيه المؤمنين إلى أدب الاستماع لهذا القرآن ؛ وأدب ذكر الله ؛ مع التنبيه إلى مداومة هذا الذكر، وعدم الغفلة عنه. فإن الملائكة الذين لا يخطئون يذكرون ويسبحون ويسجدون، فما أولى البشر الخطائين أن لا يغفلوا عن الذكر والتسبيح والسجود :( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون. واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين. إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون )..
ثم يضرب الله مثلاً بالذين عنده من الملائكة المقربين : الذين لا ينزغ في أنفسهم شيطان، فليس له في تركيب طبيعتهم مكان ! ولا تستبد بهم نزوة، ولا تغلبهم شهوة. ومع هذا فهم دائبون على تسبيح الله وذكره، لا يستكبرون عن عبادته ولا يقصرون. وللإنسان أحوج منهم إلى الذكر والعبادة والتسبيح. وطريقه شاق ! وطبيعته قابلة لنزغ الشيطان ! وقابلة للغفلة المردية ! وجهده محدود. لولا هذا الزاد في الطريق الكؤود :
( إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته. ويسبحونه. وله يسجدون )..
إن العبادة والذكر عنصر أساسي في منهج هذا الدين.. إنه ليس منهج معرفة نظرية. وجدل لاهوتي. إنه منهج حركة واقعية لتغيير الواقع البشري. وللواقع البشري جذوره وركائزه في نفوس الناس وفي أوضاعهم سواء. وتغيير هذا الواقع الجاهلي إلى الواقع الرباني الذي يريده الله للناس وفق منهجه مسألة شاقة عسيرة ؛ تحتاج إلى جهد طويل، وإلى صبر عميق. وطاقة صاحب الدعوة محدودة. ولا قبل له بمواجهة هذه المشقة دون زاد يستمده من ربه. إنه ليس العلم وحده، وليست المعرفة وحدها. إنما هي العبادة لله والاستمداد منه.. هي الزاد، وهي السند، وهي العون ؛ في الطريق الشاق الطويل !
ومن ثم هذا التوجيه الأخير في السورة التي بدأت بقول الله سبحانه لرسوله الكريم، ( كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به، وذكرى للمؤمنين ).. والتي تضمن سياقها عرض موكب الإيمان، بقيادة الرهط الكريم من رسل الله الكرام ؛ وما يعترض طريقه من كيد الشيطان الرجيم ؛ ومن مكر شياطين الجن والإنس ؛ ومن معارضة المتجبرين في الأرض، وحرب الطواغيت المتسلطين على رقاب العباد.
إنه زاد الطريق. وعدة الموكب الكريم في هذا الطريق..
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

206 مقطع من التفسير