تفسير سورة سورة الأعراف
محمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب
أوضح التفاسير
محمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب (ت 1402 هـ)
الناشر
المطبعة المصرية ومكتبتها
الطبعة
السادسة، رمضان 1383 ه - فبراير 1964 م
الفائزون
-[١٨٠]- للسجود مستحق له؛ قال تعالى: ﴿يإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وقد ابتدأ اللعين، يحاجّ رب العالمين؛ فأهلك نفسه ومن اتبعه إلى يوم الدين
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لقد جاءك إبليس يا ابن آدم من كل جانب، ومن كل وجهة؛ لكنه لم يأتك من فوقك؛ فلم يستطع أن يحول بينك وبين رحمته ورضوانه ومغفرته، فهلم إلى ربك، ادعه يستجب لك، واطلب منه أن ينجيك من إبليس ومن ترصده لك، وإيقاعه بك فهو وحده القادر على حمايتك وعصمتك عصمنا الله تعالى من المهالك، وأعاذنا ممن جعله فتنة للناس ولم يجعل له سلطاناً عليهم، وأذل جنده، وأضعف كيده ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾
-[١٨١]- اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ﴾ حواء ﴿الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ فيها ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ أيَّ شجرة؛ نهاهما ربهما عنها امتحاناً لهما وابتلاء؛ وليسجل عليهما ضعفهما، وليلجأ إليه بالاستغفار، ويجأرا إليه بالتضرع ﴿فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم بالعصيان (انظر آية ٣٥ من سورة البقرة)
هذا وقد زعم بعض من لاقيت من المتكلمين أن قصة الأكل من الشجرة ليس على حقيقته؛ بل هو عن طريق المجاز: وقد أريد به الالتقاء الذي يتم بين الرجل وزوجه، وأن قول إبليس ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ هو خلود آدم وحواء بأبنائهما إلى يوم القيامة وقوله: ﴿وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى﴾ هو ملك الدنيا، والخلافة فيها؛ وأن الشجرة قد تكون على حقيقتها وأن ما تم بينهما كان تحتها وفي ظلها؛ واستدل على رأيه بما بدا لهما من سوءاتهما عند الالتقاء - المشار إليه بالأكل من الشجرة - وهو زعم مخالف لجميع ما بأيدينا من أقوال المفسرين؛ ولم يبلغ بعد حد الإقناع الذي يلزمنا بالقول به، والدعوة إليه
-[١٨٢]- لباساً للزينة ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ الذي يقي الجسم مما يؤذيه من الحر والبرد، أو هو لباس الحرب وقيل: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾
الإيمان وخشية الله تعالى بدليل قوله تعالى ﴿ذلِكَ خَيْرٌ﴾ أي لباس التقوى - الذي يقي عذاب الله تعالى وغضبه - خير من كل لباس؛ و ﴿ذلِكَ﴾ اللباس الذي أنزلناه عليكم ليواري سوءاتكم ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالة على وحدانيته؛ فمن المعلوم أن اللباس لا يعدو أنواعاً ثلاثة؛ كلها تدل على قدرته تعالى، ومزيد لطفه وإبداعه؛ فالصوف: من أشعار الأنعام وأوبارها، والقطن والكتان: مما تنتجه الأرض من خيراتها، والحرير: تنتجه وتنسجه حشرة من حشرات الأرض؛ بوحي من ربها، وإرشاد من خالقها؛ وجميع ذلك - من حيوان ونبات - مسخر من عند الله تعالى لو أراد منعه لامتنع؛ فتعالى المنعم المتفضل فما أروع عظاته، وما أبدع آياته
أي كما بدأكم من العدم، يعيدكم بعد العدم
-[١٨٣]- أودكم، وبقاء حياتكم ﴿وَلاَ تُسْرِفُواْ﴾ بالزيادة على ذلك؛ ولا يجوز لإنسان يؤمن ب الله واليوم الآخر أن يطعم هو وأولاده فاخر الطعام، وجاره يتضور جوعاً، ويفتقر إلى الخبز القفار؛ وكفى بالمرء سرفاً أن ينيل بطنه كل ما تشتهي وقد جرت عادة أفاضل القوم على أن يطعمون الغير ما يشتهونه هم، ويحرمون أنفسهم مما يبتغون؛ زجراً لها وتأديباً وهذا إذا جاز في شريعتهم فإنه غير ملزم لغيرهم؛ لأن الله تعالى لم يكلف الناس ما يشق عليهم
﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ﴾ أصول الطب وخلاصة تجارب الأولين، وحكمة علوم الآخرين ويعتبر من أعظم قواعد حفظ الصحة. وعدم الإسراف في الأكل والشرب: وقاية من كثير من الأمراض الفتاكة؛ كأمراض القلب، والكبد، والسكر، والضغط العالي وتصلب الشرايين
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أي تداركوا وتلاحقوا
-[١٨٤]- واجتمعوا ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾ أي الأمم المتأخرة ﴿لأُولاَهُمْ﴾ لمن تقدمهم من الأمم ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ﴾ المتقدمين ﴿أَضَلُّونَا﴾ لأنهم ضلوا قبلنا ابتداء فاتبعناهم في ضلالهم؛ ظناً منا أنهم مهتدون ﴿فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً﴾ أي مضاعفاً ﴿قَالَ لِكُلٍّ﴾ منكما ﴿ضِعْفَ﴾ من العذاب: تابعاً ومتبوعاً، متقدماً ومتأخراً لأن الأولين أتتهم رسلنا فكذبوا فريقاً وقتلوا فريقاً، والآخرين أتتهم رسلنا فكذبوهم وآذوهم؛ فالأولين والآخرين في الكفر سواء فكما أن الخطأ لا يبرر الخطأ؛ كذلك كفر الأولين لا يصح أن يتخذ سبباً لكفر الآخرين و ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
وهل ترى من قصد إلى المسجد؛ فتوضأ وصلى وابتهل إلى ربه: خسر من ماله، أو من صحته، أو من عرضه؛ مثل من قصد إلى حانة أو ماخور؛ فخسر ماله وصحته وعرضه بل خسر أيضاً دنياه وآخرته وربما جره ذلك إلى أشد العقوبات، وأفتك الأمراض فأي الفريقين أحق بالأمن؟ وأي الطريقين أهدى وأرخص وأيسر؟ طريق الجنة، أم طريق النار؟ وحقاً إن النار لتشرى بالنقود،
-[١٨٥]- والجنة تنال بالمجان وقد تمت المنة، وكملت النعمة، وسقطت المعذرة، وقامت لله الحجة البالغة؛ بقوله ﴿لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾
﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى مناد ﴿بَيْنَهُمْ﴾ بين أهل النار ﴿أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين؛ الذين ظلموا أنفسهم بالكفر وتعريضها للعقاب
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أي لم يدخل أصحاب الأعراف الجنة بعد ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ في دخولها
-[١٨٦]- ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ في هذه النار
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ يوم القيامة؛ وحينئذ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ أي نسوا الوعد والوعيد في الدنيا ﴿لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ فقد تحقق الآن ما أنذرونا به ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ إلى الدنيا ﴿فَنَعْمَلَ﴾ فيها من الصالحات ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ من السيئات ﴿قَدْ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ بأن ألقوا بها في الجحيم والعذاب الأليم ﴿وَضَلَّ عَنْهُم﴾ غاب ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي ما كانوا يعبدونه من الأصنام
-[١٨٧]- إن كان فلا يكون إلا همساً بينهم وبين ربهم - هذا وقد ذكر الله عبداً صالحاً من عباده فرضي فعله؛ فقال ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً﴾ ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
المتجاوزين للحد في رفع الصوت بالدعاء، أو المتجاوزين لحد الأدب في الدعاء؛ كمن يطلب رتبة النبيين، أو كمن يسأل ما لا يجوز عقلاً؛ ومن المعلوم أن إرادة الله تعالى لا تتعلق بمستحيل، فلا يجوز أن يدعو إنسان ربه قائلاً: يا رب اجعل هذا النهر لبناً سائغاً، أو عسلاً صافياً؛ فهذا - ولو أنه غير مستحيل على قدرة الله تعالى - فإنه مستحيل عقلاً وعادة؛ ومثل هذا الداعي ساخر بدينه، مستهزىء بربه
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ بقدرته وحكمته، وفي هذا إشارة إلى أن إخراج النبات والثمرات - ولو أن سببه صنع البشر رأي العين - لا يكون إلا بإذن الحكيم العليم، الخالق القادر ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ أي والبلد الذي خبثت تربته، وأسنت مشاربه ﴿لاَ يَخْرُجُ﴾ نباته ﴿إِلاَّ نَكِداً﴾ رديئاً مصاباً بالعاهات والآفات؛ وهذا مشاهد في وقتنا الحاضر؛ إذ أصيب الثمار والنبات بسائر ضروب المعاطب؛ وما ذاك إلا بجناية الخلق على أنفسهم: بنسيانهم الأعز الأكرم، المتفضل بسائر النعم، وانصرافهم عن إلههم ومولاهم ويصح أن يكون ذلك مثالاً للمؤمن والكافر؛ ويكون معنى قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ أي أهله؛ وهو كقوله جل شأنه ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي أهلها ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ الذي يعمل أهله بجد واجتهاد
-[١٨٨]- في دينهم ودنياهم ﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُ﴾ أي ثواب إحسانهم وإيمانهم كثيراً غزيراً ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ بتفضله وإحسانه؛ وهو الجنة، وأنعم بها من منة ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ أي الذي خبث أهله، وساءت أعمالهم، وكفروا بربهم؛ وركنوا إلى الكسل والخمول ﴿لاَ يَخْرُجُ﴾ نباته ﴿إِلاَّ نَكِداً﴾ أي ثواب أعمالهم النار وبئس القرار ويجوز أن يكون المراد بالبلد: الجسد.
وطيبه: أكل الحلال، والابتعاد عن كل ما هو حرام. ونباته: أعماله؛ تخرج كلها حسنة، مليئة بالطاعات، موصلة إلى الجنات والجسد الذي خبث بأكل الحرام، وارتكاب الآثام: لا يخرج عمله إلا سيئاً؛ موصلاً إلى النار، وغضب الجبار فكذلك بنو آدم: خلقوا من نفس واحدة - بل من طينة واحدة - فمنهم من آمن ب الله وكتبه ورسله؛ فطاب ومنهم من كفر ب الله وكتبه ورسله فخبث (انظر آية ١٧٢ من سورة البقرة) ﴿كَذلِكَ﴾ أي مثل هذه الأمثال التي نضربها، والآيات التي نسوقها ﴿نُصَرِّفُ الآيَاتِ﴾ نوضحها ونبينها، ونكررها
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
-[١٩٠]- ﴿وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ استكبروا عن طاعته ﴿وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ﴾ من العذاب
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
هذا وفعلة قوم لوط من أشنع الفواحش، وأبشع الجرائم، يأباها أحط الحيوانات، فما بالك بأكرم المخلوقات
-[١٩١]- ﴿وَلاَ تَبْخَسُواْ﴾ تنقصوا ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ﴾ بالكفر والعصيان ﴿بَعْدَ إِصْلاَحِهَا﴾ ببعث الرسل، وإنزال الكتب
وإني إذا أوعدته أو وعدته
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
﴿وَتَصُدُّونَ﴾ تمنعون الناس ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دينه القويم ﴿وَتَبْغُونَهَا﴾ تريدونها ﴿عِوَجَا﴾ معوجة؛ غير مستقيمة؛ لتمنعوا الناس عن سلوكها
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[١٩٢]- ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ ليهدينا سبلنا (انظر آية ٨١ من سورة النساء) ﴿رَبَّنَا افْتَحْ﴾ احكم ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ الحاكمين
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[١٩٣]- ﴿وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ بالعذاب
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي
-[١٩٦]- نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ عالون بالقدرة، والكثرة، والغلبة، والقهر. وهذا هو شأن المستبد الظالم الغاشم المبطل؛ الذي لا يعتمد إلا على ظلمه وقوته وقسوته أما الذي ينشد العدل، ويرغب في الحق؛ ويسعى إلى الإصلاح؛ فهو إذا غلب على أمره: لجأ إلى مولاه يستهديه ويستعينه ويسترشده؛ لذا
زاعمين أنهم سبب الشؤم الواقع بهم ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهُ﴾ أي إنما سبب شؤمهم عند الله؛ وهو عملهم الذي يعملونه، والذي استوجبوا عليه ما أسموه طيرة وشؤماً هذا والتطير والتشاؤم من العادات التي ذمها القرآن الكريم، ونهى عنها الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر» «إذا تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا» وقال أيضاً: «من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك» لقد تشاءم الكافرون من أنبيائهم، في حين أن الشؤم هم سببه ومصدره؛ فقد تشاءم قوم موسى بموسى، وتشاءم قوم صالح بصالح: ﴿قَالُواْ اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ﴾ وفي شتى العصور تشاءم الكافرون بالمرسلين وبالمؤمنين ﴿قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ هذا وقد جرى بعض المسلمين على نهج هؤلاء الكافرين؛ فتشاءموا من الأوقات، ومن الأيام، ومن الأشخاص؛ وهي عادة مرذولة يأباها الإسلام ويحض على نبذها ومنعها؛ ولا يقبلها دين سماوي، ولا عقل راجح؛ ومن عجب أنهم يستدلون ببعض آيات
-[١٩٧]- الكتاب الكريم على ما يزعمونه؛ ويوردون قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ ﴿فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ﴾ ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ ولا ندري أي من يوم من هذه الأيام الثمانية نختصه بالنحس دون الآخر - وقد شملت الآية الكريمة كل أيام الأسبوع ولياليه - فبان لنا من ذلك: أن النحس متعلق بذات الأشخاص الواقع عليهم النحس؛ وذلك بسبب شؤم معاصيهم، وبعدهم عن مرضات ربهم ولم يخلق الله تعالى الأيام نحساً كلها، أو سعادة كلها؛ فبعضها نحس على أناس، سعد على آخرين؛ ورب إنسان تصور نحسه في يوم من الأيام، فصار هذا اليوم مصدر سعادة له لا يترقبها ولا يتوهمها ونخرج من هذا البحث بنتيجة واحدة لا ثاني لها: هي أن ﴿مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ فسييسره ربه لليسرى؛ وأيامه كلها هناء، ولياليه كلها سعادة؛ غير ما أعده الله تعالى له من خير عميم، ونعيم مقيم أما ﴿مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ فسييسره ربه للعسرى؛ وأيامه نحسات، ولياليه مدلهمات؛ غير ما أعده له ربه من جحيم، وعذاب أليم
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وقيل: هو الرعاف. وقد أرسل الله تعالى عليهم هذه الآفات ﴿آيَاتُ﴾ عظات ﴿مّفَصَّلاَتٍ﴾ ظاهرات؛ لا يخفى على عاقل أنها من عند الله. أو ﴿مّفَصَّلاَتٍ﴾ بمعنى متفرقات ﴿فَاسْتَكْبَرُواْ﴾ عن الإيمان، ولم يجيبوا داعي الرحمن
أي إن ما هم فيه هلاك وخسران. و ﴿مُتَبَّرٌ﴾ مدمر مكسر
﴿وَخَرَّ موسَى صَعِقاً﴾ مصعوقاً؛ مغشياً عليه من هول ما رأى ﴿فَلَمَّآ أَفَاقَ﴾ من غشيته، اتجه بكليته و ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ ربي؛ تقدست عن الرؤية، وتعاليت عن الوصف
-[١٩٩]- (انظر آية صلى الله عليه وسلّم من سورة الإسراء) ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ من قولي: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بعظمتك، المصدقين بعلوك وتنزيهك فقبل الله تعالى توبته؛ و
﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ﴾ فلا يؤمنون بي، ولا يصدقون رسلي ﴿وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ﴾ دالة على وحدانيتي ﴿لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ طريق الهدى والصلاح ﴿لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ﴾ طريق الفساد والضلال ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ طريقاً لهم يتمسكون به، ويسيرون فيه ﴿ذلِكَ﴾ الصرف عن الآيات، والوقوع في الضلالات ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنهم ﴿كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ بعد ظهورها ووضوحها؛ فاستحقوا بذلك الصرف عما ينجي، والوقوع فيما يردي
-[٢٠٠]- القاهر، العظيم الجبار؛ فتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً سبحانه ﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ وهؤلاء المكذبين: كذبوا بآيات الله تعالى ﴿وَلِقَآءِ الآُخِرَةِ﴾ وهي القيامة، والبعث، والحساب، والجزاء ﴿حَبِطَتْ﴾ بطلت ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ التي عملوها في الدنيا؛ فلا يقام لها وزن؛ فكم من عالم: ملأ علمه طباق الأرض؛ وسارت مخترعاته في طولها والعرض؛ وهو من أهل النار: لكفره بالله، وإيمانه بالقوى التي أوجدها الله بقدرته ومشيئته وكم من جاهل: صفت نيته، وحسنت عبادته؛ وآمن بمولاه؛ فكان من أهل النجاة ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ أي هل يجزى هؤلاء المكذبون الغافلون؛ يوم القيامة من العذاب ﴿إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي إلا جزاء ما عملوا في الدنيا
-[٢٠١]- التي وسعت كل شيء
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[٢٠٢]- والدم، وما كانوا يستحلونه من المطاعم والمشارب التي حرمها الله تعالى ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي يضع عنهم القيود والتشديد الذي كان على بني إسرائيل؛ بسبب أعمال عملوها، وذنوب ارتكبوها ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ﴾ أي بمحمد عليه الصلاة والسلام ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ عظموه ﴿وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ﴾ وهو القرآن العظيم؛ وأكرم به من نور
رب إن الهدى هداك وآيا
تك نور تهدي بها من تشاء
نور القلوب، وشفاء الصدور، وكلام الحكيم العليم، العزيز الرحيم ﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ الذي لا يقرأ ولا يكتب؛ وأتى بما أعجز البلغاء، وأخرس الفصحاء وقد أرسله الله تعالى أميّاً؛ ليكون ذلك أذهب للريبة، وأبعد للشبهة؛ أرسله أمياً وهو أعلم العلماء، وأحكم الحكماء
كفاك بالعلم في الأمي معجزة
في الجاهلية، والتأديب في اليتم
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
عذاباً
وسيظل اليهود طول العمر، وأبد الدهر؛ تحت نير الذل والعذاب ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾
-[٢٠٤]- فرقناهم ﴿فِي الأَرْضِ أُمَماً﴾ فرقاً ﴿مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ المؤمنون الذين آمنوا بمحمد وبما أنزل إليه ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ﴾ أي الكافرون ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ أي امتحناهم بالنعم والنقم، والخصب والجدب، والغنى والفقر، والصحة والمرض ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إلى ربهم، ويتوبون من ذنوبهم، ويؤمنون بعد كفرهم. لكنهم لم يفعلوا
وهذا من باب التمثيل والتخييل. والمعنى: أنه تعالى نصب لهم الأدلة على ربوبيته، والبراهين على وحدانيته، فشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها الله تعالى فيهم، وجعلها مميزة بين الضلالة والهداية فكأنه تعالى أشهدهم على أنفسهم، وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وكأنهم ﴿قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَآ﴾ وهذا التمثيل شائع سائغ في لغة العرب وأشعارهم ﴿أَن تَقُولُواْ﴾ أي أشهدناكم على أنفسكم؛ لئلا تقولوا ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ الإيمان ﴿غَافِلِينَ﴾ فلم نعلم عنه شيئاً
-[٢٠٥]- إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا﴾ ب الله ﴿مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ﴾ سرنا على سيرتهم، واتبعناهم في عباداتهم ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ من آبائنا
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
غير أنه لا يمكن القول بأن ثمت مخلوقاً قد عدم التمييز بين الخير والشر انعداماً تاماً؛ وهو في تمام صحته، وكمال عقله. بل لا بد أن تكون لديه فكرة كاملة عن أن بعض الأعمال شر وبعضها خير؛ وإذا قلنا بغير ذلك فلماذا يستخفي عن الأعين حينما يتطلب هواه منه أمراً محذوراً غير مشروع؟
حتى الحيوان الأعجم فإنه يحس في قرارة نفسه ما هو شر، وما هو خير، وما هو مشروع، وما هو غير مشروع. أرأيت إلى القطة كيف استطاعت أن تميز بين ما هو مباح، وما ليس بمباح؛ فبينما هي تأكل ما تعطيه لها آمنة مطمئنة؛ إذا بها تفر فراراً بما تسرق أو تخطف، وتتوارى به عن الأعين؛ وتنظر إليك شزراً نظر الخائف المرتعب
فالإنسان إذا ما اتبع هواه، ولم يستطع أن يقاوم في نفسه قوى الشر: فقد انحط بإنسانيته إلى مرتبة هي دون مرتبة البهائم أما إذا قاوم هواه، وحارب نفسه، وألزمها الخير المحض، وجنبها الإثم والشر: فقد ترقى
-[٢٠٦]- بها إلى مراتب الأملاك، وصار أهلاً لخلافة الله تعالى في أرضه، وخليقاً بتبوء جنته، والتقلب في نعمته ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي مثل من أخلد إلى الأرض واتبع هواه ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ أو تتركه يلهث المعنى: أنه ضال سواء وعظته أم لم تعظه؛ كالكلب إن طردته فسعى لهث. وإن تركته على حاله آمناً هادئاً لهث. وهو تمثيل البلاغة، بادىء الروعة؛ يضرب لطالب الدنيا وحدها؛ فهو دائماً ذليل مهان؛ تابع لشهواته، عابد لملذاته ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ عليهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يتدبرون فيها؛ فيؤمنون
﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾
وهذه الأسماء: صفات لذاته تعالى؛ إذ أن اسمه العظيم الأعظم هو «الله» وعلى ذلك كبار القوم؛
-[٢٠٧]- ألا ترى إلى قوله جل شأنه «ولله» وهو المسمى «الأسماء» أي التسميات التي يتسمى بها، أو الصفات التي يتصف بها (انظر آية ١١٠ من سورة الإسراء) ﴿وَذَرُواْ﴾ اتركوا ﴿الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ﴾ أي يميلون فيها، ويتركون القصد؛ كما فعل المشركون في تسمية أوثانهم: فاشتقوا اللات من «الله» والعزى من «العزيز»
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
متى ﴿مُرْسَاهَا﴾ إرساؤها؛ أي إثباتها وإقرارها ووقتها ﴿لاَ يُجَلِّيهَا﴾ لا يظهرها ﴿لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ﴾ وحده لا يشركه أحد - من ملك أو رسول - في ذلك ﴿ثَقُلَتْ﴾ عظمت ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي على أهلهما؛ لما ينتظرانه فيها من أهوال ﴿لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً﴾ فجأة ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ أي كأنك عالم بها ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ وحده
-[٢٠٨]- إنه كان من نسل آدم عليه السلام من كفر ب الله تعالى، وجعل له شركاء في العبادة؛ والتثنية بالنسبة للذكر والأنثى
﴿لَهُمْ﴾ أي لعابديهم ﴿نَصْراً﴾ على عدوهم ﴿وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ لو أراد أحد الناس بهم سوءاً؛ وها هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد حطمها تحطيماً، وتركها جذاذاً؛ وقال لعبدتهم ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
هو أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك وحقاً إن من يرى ما فعله الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام بأعدائه؛ بعد أن أوسعوا في الكيد له، وأفرطوا في إيذائه والنيل منه إن من يرى ذلك الإيذاء والبلاء، ويرى بعد ذلك معاملته لهم؛ بعد أن أمكنه الله تعالى منهم، ودخل مكة - فاتحاً ظافراً - بجيش عرمرم لجب؛ لم تر جزيرة العرب مثله من قبل؛ يكتسح مكة، وتطؤها خيله؛ والبلاد جميعاً في قبضته وتحت رحمته؛ وقد شملها - مع القدرة - عفوه، وعمها - مع القوة - عدله فلم تثره عليهم حفيظة، أو تحفزه على الفتك بهم ضغينة في حين أن مثلهم قليل عليه هلاك النفوس، وقطع الرؤوس
-[٢٠٩]- انظروا إلى أبي سفيانبن حرب؛ وقد فعل بالمؤمنين ما فعل، وآذاهم أبلغ الإيذاء، وأنزل بهم صنوف البلاء: فهو الذي نكل بهم أشد التنكيل في أحد، وزلزلهم في الخندق، وهاج عليهم القبائل، وحرض عليهم الكفار والمنافقين وانظروا عفو الرسول عنه، بعد أن أمكن الله منه: فإن عفوه عليه الصلاة والسلام لم يقف عند حد فك أسره وإنجائه من الموت فحسب؛ بل قد منَّ عليه بما أعظم شأنه، ورفع رأسه: فقد قال عند دخول مكة «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» فأي معروف هذا، وأي فضل، وأي عفو؟ ورب قائل يقول: إن إكرام أبي سفيان وتكريمه، والعفو عنه: إنما كان لرفعته في قبيلته، وكرامته على قومه. فها هو ذا «وحشي» ذلك العبد الحبشي، الذي لا أهل له يدفعون عنه، ولا عشيرة تؤويه، ولا قبيلة تحميه؛ وهو الذي أدمى قلب المسلمين، بقتل إمام المجاهدين: عم الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام «حمزة» سيد الشهداء؛ وقد جيء بوحشي إلى رسولهالله؛ وقد أسلم - أو تظاهر بالإسلام وقتذاك خشية القتل - ولا شيء حينئذٍ أحب إلى سائر المسلمين من أن يروا دمه؛ كما رأوا أحشاء حمزة وقد طعنه وحشي بحربته خيانة وغدراً فلم يكن شأن الرسول معه سوى أن قال له: «غيب عني وجهك فلا أرينك»
فأي مثل هذا لضبط النفس، والعفو الجميل وإننا لو أردنا أن نورد طرفاً مما كان عليه من كريم الخصال، وحميد الفعال: لما وسعتنا الأسفار الضخام؛ فتبارك الذي خصه بمحاسن الأخلاق (انظر آية ٤ من سورة القلم)
-[٢١٠]- وقع منك ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ أي أقل من الجهر؛ لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص، وأقرب إلى حسن التفكر ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ هو ما قبل طلوع الشمس ﴿وَالآصَالِ﴾ هو ما بعد العصر إلى المغرب. والمراد: واذكر ربك في كل وقت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تم عرض جميع الآيات
196 مقطع من التفسير