تفسير سورة سورة الأعراف
تعيلب
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ ***
وشبهه الزجاج بقولهم : ضرب زيد الظهر والبطن، أي على الظهر والبطن. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الشيطان قعد لابن آدم بأَطرُقِهِ : قعد له بطريق الإسلام فقال له : تدع دين آبائك، فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له : تدع ديارك وتتغرب، فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له : تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح امرأتك، فعصاه فقاتل ".
ومعنى «عن يمينه » أنه جلس متجافياً عن صاحب اليمين منحرفاً عنه غير ملاصق له. ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره، كما ذكرنا في «تعال ». ونحوه من المفعول به قولهم رميت عن القوس، وعلى القوس، ومن القوس ؛ لأن السهم يبعد عنها، ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي، ويبتدئ الرمي منها. كذلك قالوا : جلس بين يديه وخلفه بمعنى فيه ؛ لأنهما ظرفان للفعل. ومن بين يديه ومن خلفه : لأن الفعل يقع في بعض الجهتين، كما تقول : جئته من الليل، تريد بعض الليل، وعن شقيق : ما من صباح إلاّ قعد لي الشيطان على أربع مراصد : من بين يديّ، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي : أمّا من بين يدي فيقول : لا تخف، فإن الله غفور رحيم، فأقرأ : وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وآمَنَ وَعَمِلَ صالحا [ طه : ٨٢ ] وأمّا من خلفي، فيخوّفني الضيعة على مخلفي فأقرأ : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا [ هود : ٦ ] وأمّا من قبل يميني، فيأتيني من قبل الثناء فأقرأ : والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ [ الأعراف : ١٢٨ ] وأمّا من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ [ سبأ : ٥٤ ]. وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين قاله تظنيناً، بدليل قوله : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ [ سبأ : ٢٠ ] وقيل : سمعه من الملائكة بإخبار الله تعالى لهم.
وقرأ الحسن :«يخصفان » بكسر الخاء وتشديد الصاد، وأصله يختصفان. وقرأ الزهري :«يُخصفان »، من أخصف، وهو منقول من خصف أي يخصفان أنفسهما وقرىء :«يخصفان » من خصف بالتشديد مِن وَرَقِ الجنة قيل : كان ورق التين أَلَمْ أَنْهَكُمَا عتاب من الله تعالى وتوبيخ وتنبيه على الخطأ، حيث لم يتحذرا ما حذرهما الله من عداوة إبليس وروي : أنه قال لآدم : ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة ؟ فقال : بلى وعزتك، ولكن ما ظننت أنّ أحداً من خلقك يحلف بك كاذباً. قال : فبعزّتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلاّ كدّاً. فأهبط وعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث وسقى وحصد وداس وذرى وطحن وعجن وخبز.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
جِسْمُ الْجِمَالِ وَأَحْلاَمُ الْعَصَافِير ِ***
إن الرجال ليسوا بجزر تراد منهم الأجسام، فقيل : لا يدخلون الجنة، حتى يكون ما لا يكون أبداً من ولوج هذا الحيوان الذي لا يلج إلاّ في باب واسع، في ثقب الإبرة، وعن ابن مسعود أنه سئل عن الجمل، فقال : زوج الناقة، استجهالاً للسائل، وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف. وقرئ ؛ «في سم » بالحركات الثلاث : وقرأ عبد الله :«في سم المهيط » والخياط ؛ والمخيط كالحزام والمحزم : ما يخاط به وهو الإبرة وكذلك ومثل ذلك الجزاء الفظيع نَجْزِى المجرمين ليؤذن أن الإجرام هو السبب الموصل إلى العقاب، وأن كلّ من أجرم عوقب، وقد كرره فقال : وكذلك نَجْزِى الظالمين لأنّ كلّ مجرم ظالم لنفسه.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وقرئ :«ادخلوا الجنة » على البناء للمفعول. وقرأ عكرمة :«دخلوا الجنة »، فإن قلت : كيف لاءم هاتين القراءتين قوله : لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ؟ قلت : تأويله : ادخلوا، أو دخلوا الجنة مقولاً لهم : لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون. فإن قلت : ما محل قوله : لم يدخلوها وهم يطمعون ؟ قلت : لا محل له لأنه استئناف ؛ كأن سائلاً سأل عن حال أصحاب الأعراف فقيل : لم يدخلوها وهم يطمعون، يعني حالهم أنّ دخولهم الجنة استأخر عن دخول أهل الجنة، فلم يدخلوها لكونهم محبوسين وهم يطمعون لم ييأسوا. ويجوز أن يكون له محل، بأن يقع صفة لرجال مَا أغنى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ المال أو كثرتكم واجتماعكم وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ واستكباركم عن الحق وعلى الناس، وقرئ :«تستكثرون » من الكثرة.
وقرئ :«ادخلوا الجنة » على البناء للمفعول. وقرأ عكرمة :«دخلوا الجنة »، فإن قلت : كيف لاءم هاتين القراءتين قوله : لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ؟ قلت : تأويله : ادخلوا، أو دخلوا الجنة مقولاً لهم : لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون. فإن قلت : ما محل قوله : لم يدخلوها وهم يطمعون ؟ قلت : لا محل له لأنه استئناف ؛ كأن سائلاً سأل عن حال أصحاب الأعراف فقيل : لم يدخلوها وهم يطمعون، يعني حالهم أنّ دخولهم الجنة استأخر عن دخول أهل الجنة، فلم يدخلوها لكونهم محبوسين وهم يطمعون لم ييأسوا. ويجوز أن يكون له محل، بأن يقع صفة لرجال مَا أغنى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ المال أو كثرتكم واجتماعكم وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ واستكباركم عن الحق وعلى الناس، وقرئ :«تستكثرون » من الكثرة.
وقرئ :«ادخلوا الجنة » على البناء للمفعول. وقرأ عكرمة :«دخلوا الجنة »، فإن قلت : كيف لاءم هاتين القراءتين قوله : لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ؟ قلت : تأويله : ادخلوا، أو دخلوا الجنة مقولاً لهم : لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون. فإن قلت : ما محل قوله : لم يدخلوها وهم يطمعون ؟ قلت : لا محل له لأنه استئناف ؛ كأن سائلاً سأل عن حال أصحاب الأعراف فقيل : لم يدخلوها وهم يطمعون، يعني حالهم أنّ دخولهم الجنة استأخر عن دخول أهل الجنة، فلم يدخلوها لكونهم محبوسين وهم يطمعون لم ييأسوا. ويجوز أن يكون له محل، بأن يقع صفة لرجال مَا أغنى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ المال أو كثرتكم واجتماعكم وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ واستكباركم عن الحق وعلى الناس، وقرئ :«تستكثرون » من الكثرة.
عَلَفْتُهَا تِبْنَاً ومَاءً بَارِداً ***
وإنما يطلبون ذلك مع يأسهم من الإجابة إليه حيرة في أمرهم، كما يفعل المضطر الممتحن. حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين منعهم شراب الجنة وطعامها كما يمنع المكلف ما يحرّم عليه ويحظر، كقوله :
حَرَامٌ عَلَى عَيْنِيَّ أَنْ تَطْعَمَ الْكَرَى ***
| حَلَفْتُ لَهَا بِاللَّهِ حِلْفَةَ فَاجِر | لَنَامُوا............ |
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنيِ أُمِّي حَيْدَرَهْ ***
رسالات رَبّى ما أوحي إليّ في الأوقات المتطاولة، أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي والمواعظ والزواجر والبشائر والنذائر. ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء قبله من صحف جدّه إدريس، وهي ثلاثون صحيفة، ومن صحف شيث وهي خمسون صحيفة وَأَنصَحُ لَكُمْ يقال نصحته ونصحت له. وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة وأنها وقعت خالصة للمنصوح له مقصوداً بها جانبه لا غير، فرب نصيحة ينتفع بها الناصح فيقصد النفعين جميعاً ولا نصحية أمحض من نصيحة الله تعالى ورسله عليهم السلام وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ أي من صفات الله وأحواله، يعني قدرته الباهرة وشدّة بطشه على أعدائه، وأن بأسه لا يردّ عن القوم المجرمين. وقيل : لم يسمعوا بقوم حلّ بهم العذاب قبلهم فكانوا آمنين لا يعلمون ما علمه نوح بوحي الله إليه، أو أراد : وأعلم من جهة الله أشياء لا علم لكم بها قد أوحى إليّ بها.
| أَلاَ يَا قَيْلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ | لَعَلَّ اللَّهَ يَسْقِينَا غَمَامَا |
| فَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ إنَّ عَادا | قَدْ امْسَوْا مَا يُبَينُونَ الْكَلاَمَا |
يَنْبَاعُ مِنْ ذَفْرَى أَسِيلٍ حُرَّةٍ ***
فإن قلت : علام انتصب بُيُوتًا ؟ قلت : على الحال، كما تقول : خِطْ هذا الثوب قميصاً وابْرِ هذه القصبة قلما، وهي من الحال المقدّرة، لأن الجبل لا يكون بيتاً في حال النحت، ولا الثوب ولا القصبة قميصاً وقلماً في حال الخياطة والبري. وقيل : كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء.
والدليل على أن المراد بالصراط سبيل الحق قوله : وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ومحل تُوعَدُونَ وما عطف عليه : النصب على الحال أي : ولا تقعدوا موعدين وصادّين عن سبيل الله، وباغيها عوجاً. فإن قلت : صراط الحق واحد، وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [ الأنعام : ١٥٣ ] فكيف قيل : بكل صراط ؟ قلت : صراط الحق واحد، ولكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام كثيرة مختلفة، فكانوا إذا رأوا أحداً يشرع في شيء منها أوعدوه وصدّوه. فإن قلت ؛ إلام يرجع الضمير في ءَامَنَ بِهِ ؟ قلت : إلى كل صراط. تقديره : توعدون من آمن به وتصدّون عنه، فوضع الظاهر الذي هو سبيل الله موضع الضمير، زيادة في تقبيح أمرهم، ودلالة على عظم ما يصدّون عنه. وقيل : كانوا يجلسون على الطرق والمراصد فيقولون لمن مر بهم إنَّ شعيباً كذاب فلا يفتنكم عن دينكم كما كان يفعل قريش بمكة. وقيل : كانوا يقطعون الطرق. وقيل : كانوا عَشَّارين وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وتطلبون لسبيل الله عوجاً، أي تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة غير مستقيمة، لتصدّوهم عن سلوكها والدخول فيها : أو يكون تهكماً بهم، وأنهم يطلبون لها ما هو محال، لأن طريق الحق لا يعوج واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً إذ مفعول به غير ظرف. أي : واذكروا على جهة الشكر وقت كونكم قليلاً عددكم فَكَثَّرَكُمْ الله ووفر عددكم. قيل : إن مدين بن إبراهيم تزوّج بنت لوط فولدت فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء فكثروا وفشوا. ويجوز إذ كنتم مقلين فقراء فكثركم : فجعلكم مكثرين موسرين. أو كنتم أقلة أذلة فأعزكم بكثرة العدد والعدد عاقبة المفسدين آخر أمر من أفسد قبلكم من الأمم، كقوم نوح وهود وصالح ولوط، وكانوا قريبي العهد مما أصاب المؤتفكة.
قلت : لما قالوا : لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين ءامَنُواْ مَعَكَ فعطفوا على ضميره الذين دخلوا في الإيمان منهم بعد كفرهم قالوا : لَتَعُودُنَّ فغلبوا الجماعة على الواحد، فجعلوهم عائدين جميعاً، إجراءً للكلام على حكم التغليب. وعلى ذلك أجرى شعيب عليه السلام جوابه فقال : إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا وهو يريد عود قومه، إلاّ أنه نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئاً من ذلك إجراء لكلامه على حكم التغليب. فإن قلت : فما معنى قوله وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء الله والله تعالى متعال أن يشاء ردّة المؤمنين وعودهم في الكفر ؟ قلت : معناه إلاّ أن يشاء الله خذلاننا ومنعنا الألطاف، لعلمه أنها لا تنفع فينا وتكون عبثاً. والعبث قبيح لا يفعله الحكيم، والدليل عليه قوله : وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا أي هو عالم بكل شيء مما كان وما يكون، فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحوّل، وقلوبهم كيف تتقلب، وكيف تقسو بعد الرقة، وتمرض بعد الصحة، وترجع إلى الكفر بعد الإيمان عَلَى الله تَوَكَّلْنَا في أن يثبتنا على الإيمان ويوفقنا لازدياد الإيقان. ويجوز أن يكون قوله :
إِلاَّ أَن يَشَاء الله حسماً لطمعهم في العود، لأن مشيئة الله لعودهم في الكفر محال خارج عن الحكمة.
أَوَلوْ كُنَّا كارهين الهمزة للاستفهام، والواو واو الحال، تقديره : أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا، ومع كوننا كارهين.
وما يكون لنا، وما ينبغي لنا، وما يصحّ لنا. رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا احكم بيننا، والفتاحة : الحكومة. أو أظهر أمرنا حتى يتفتح ما بيننا وَبَيْنَ قَوْمِنَا وينكشف بأن تنزل عليهم عذاباً يتبين معه أنهم على الباطل وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين كقوله : وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين [ يونس : ١٥٩ ]. فإن قلت : كيف أسلوب قوله : قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ ؟ قلت : هو إخبار مقيد بالشرط، وفيه وجهان، أحدهما : أن يكون كلاماً مستأنفاً فيه معنى التعجب، كأنهم قالوا : ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر بعد الإسلام. لأنّ المرتد أبلغ في الافتراء من الكافر، لأنّ الكافر مفتر على الله الكذب ؛ حيث يزعم أن لله نداً ولا ندّ له. والمرتدّ مثله في ذلك وزائد عليه، حيث يزعم أنه قد تبين له ما خفي عليه من التمييز بين الحق والباطل. والثاني : أن يكون قسماً على تقدير حذف اللام، بمعنى : والله لقد افترينا على الله كذباً.
قلت : لما قالوا : لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين ءامَنُواْ مَعَكَ فعطفوا على ضميره الذين دخلوا في الإيمان منهم بعد كفرهم قالوا : لَتَعُودُنَّ فغلبوا الجماعة على الواحد، فجعلوهم عائدين جميعاً، إجراءً للكلام على حكم التغليب. وعلى ذلك أجرى شعيب عليه السلام جوابه فقال : إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا وهو يريد عود قومه، إلاّ أنه نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئاً من ذلك إجراء لكلامه على حكم التغليب. فإن قلت : فما معنى قوله وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء الله والله تعالى متعال أن يشاء ردّة المؤمنين وعودهم في الكفر ؟ قلت : معناه إلاّ أن يشاء الله خذلاننا ومنعنا الألطاف، لعلمه أنها لا تنفع فينا وتكون عبثاً. والعبث قبيح لا يفعله الحكيم، والدليل عليه قوله : وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا أي هو عالم بكل شيء مما كان وما يكون، فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحوّل، وقلوبهم كيف تتقلب، وكيف تقسو بعد الرقة، وتمرض بعد الصحة، وترجع إلى الكفر بعد الإيمان عَلَى الله تَوَكَّلْنَا في أن يثبتنا على الإيمان ويوفقنا لازدياد الإيقان. ويجوز أن يكون قوله :
إِلاَّ أَن يَشَاء الله حسماً لطمعهم في العود، لأن مشيئة الله لعودهم في الكفر محال خارج عن الحكمة.
أَوَلوْ كُنَّا كارهين الهمزة للاستفهام، والواو واو الحال، تقديره : أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا، ومع كوننا كارهين.
وما يكون لنا، وما ينبغي لنا، وما يصحّ لنا. رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا احكم بيننا، والفتاحة : الحكومة. أو أظهر أمرنا حتى يتفتح ما بيننا وَبَيْنَ قَوْمِنَا وينكشف بأن تنزل عليهم عذاباً يتبين معه أنهم على الباطل وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين كقوله : وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين [ يونس : ١٥٩ ]. فإن قلت : كيف أسلوب قوله : قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ ؟ قلت : هو إخبار مقيد بالشرط، وفيه وجهان، أحدهما : أن يكون كلاماً مستأنفاً فيه معنى التعجب، كأنهم قالوا : ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر بعد الإسلام. لأنّ المرتد أبلغ في الافتراء من الكافر، لأنّ الكافر مفتر على الله الكذب ؛ حيث يزعم أن لله نداً ولا ندّ له. والمرتدّ مثله في ذلك وزائد عليه، حيث يزعم أنه قد تبين له ما خفي عليه من التمييز بين الحق والباطل. والثاني : أن يكون قسماً على تقدير حذف اللام، بمعنى : والله لقد افترينا على الله كذباً.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وانحلبت عَيْنَاهُ مِنْ فَرْطِ الأَسَى ***
اشتدّ حزنه على قومه ثم أنكر على نفسه فقال : فكيف يشتدّ حزني على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم لكفرهم واستحقاقهم ما نزل بهم ويجوز أن يريد لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير مما حلّ بكم فلم تسمعوا قولي ولم تصدّقوني فكيف آسي عليكم يعني أنه لا يأسى عليهم لأنهم ليسوا أحقاء بالأسى. وقرأ يحيى ابن وَثَّاب :«فكيف إيسى »، بكسر الهمزة.
بِمُسْتَأْسِدِ القِرْيَان عَافَ نَبَاتُهُ ***
وقال :
| وَلَكِنَّا نَعُضُّ السَّيْفَ مِنْهَا | بِأَسْوَقَ عَافِيَاتِ الشّحْمِ كُومِ |
و ضُحًى نصب على الظرف. يقال : أتانا ضحى، وضحيا، وضحاء والضحى - في الأصل - اسم لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت. والفاء والواو في أَفَأَمِنَ و أَوَ أَمِنَ حرفا عطف دخلت عليهما همزة الإنكار. فإن قلت : ما المعطوف عليه ؟ ولم عطفت الأولى بالفاء والثانية بالواو ؟ قلت : المعطوف عليه قوله : فأخذناهم بَغْتَةً وقوله : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى [ الأعراف : ٩٦ ] إلى يَكْسِبُونَ وقع اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه، وإنما عطف بالفاء، لأنّ المعنى : فعلوا وصنعوا فأخذناهم بغتة أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحى ؟ وقرئ : أو أمن على العطف بأو وَهُمْ يَلْعَبُونَ يشتغلون بما لا يجدي عليهم كأنهم يلعبون.
و ضُحًى نصب على الظرف. يقال : أتانا ضحى، وضحيا، وضحاء والضحى - في الأصل - اسم لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت. والفاء والواو في أَفَأَمِنَ و أَوَ أَمِنَ حرفا عطف دخلت عليهما همزة الإنكار. فإن قلت : ما المعطوف عليه ؟ ولم عطفت الأولى بالفاء والثانية بالواو ؟ قلت : المعطوف عليه قوله : فأخذناهم بَغْتَةً وقوله : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى [ الأعراف : ٩٦ ] إلى يَكْسِبُونَ وقع اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه، وإنما عطف بالفاء، لأنّ المعنى : فعلوا وصنعوا فأخذناهم بغتة أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحى ؟ وقرئ : أو أمن على العطف بأو وَهُمْ يَلْعَبُونَ يشتغلون بما لا يجدي عليهم كأنهم يلعبون.
وَتَشْقَى الرِّمَاحُ بِالضَّيَاطِرَةِ الْحُمْرِ ***
ومعناه : وتشقى الضياطرة بالرماح «وحقيق عليّ أن لا أقول » وهي قراءة نافع. والثاني : أنّ ما لزمك فقد لزمته، فلما كان قول الحق حقيقاً عليه كان هو حقيقاً على قول الحق، أي لازماً له. والثالث : أن يضمن حَقِيقٌ معنى حريص، كما ضمن «هيجني » معنى ذكرني في بيت الكتاب. والرابع :- وهو الأوجه - الأدخل في نكت القرآن : أن يغرق موسى في وصف نفسه بالصدق في ذلك المقام لا سيما وقد روى أنّ عدو الله فرعون قال له - لما قال : إِنّى رَسُولٌ مّن رَّبّ العالمين كذبت، فيقول : أنا حقيق عليَّ قول الحق أي واجب على قول الحق أن أكون أنا قائله والقائم به، ولا يرضى إلاّ بمثلي ناطقاً به فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إسرائيل فخلهم حتى يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدّسة التي هي وطنهم ومولد آبائهم، وذلك أن يوسف عليه السلام لما توفي وانقرضت الأسباط، غلب فرعون نسلهم واستعبدهم، فأنقذهم الله بموسى عليه السلام، وكان بين اليوم الذي دخل يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عام.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ... أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا هب لنا صبراً واسعاً وأكثره علينا، حتى يفيض علينا ويغمرنا، كما يفرغ الماء فراغاً، وعن بعض السلف : إن أحدكم ليفرغ على أخيه ذنوباً ثم يقول : قد مازحتك، أي يغمره بالحياء، والخجل. أو صبّ علينا ما يطهرنا من أوضار الآثام، وهو الصبر على ما توعدنا به فرعون، لأنهم علموا أنهم إذا استقاموا وصبروا كان ذلك مطهرة لهم وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ثابتين على الإسلام.
| أَلَمْ أَكُ جَارَكُمْ وَيَكُونُ بَيْنِي | وَبَيْنَيكُمُ المْمَوَدَّةُ وَالإخَاءُ |
| وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِيءٍ مِنْ خَلِيقَة | وَإنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ |
وقيل : الدبا، وهو أولاد الجراد. وقبل نبات أجنحتها. وقيل : البراغيث. وعن سعيد بن جبير : السوس، فأكل ما أبقاه الجراد، ولحس الأرض، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصُّه، وكان يأكل أحدهم طعاماً فيمتلئ قملاً، وكان يخرج أحدهم عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها إلا يسيراً. وعن سعيد بن جبير، أنه كان إلى جنبهم كثيب أعفر، فضربه موسى بعصاه فصار قملاً، فأخذت في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزم جلودهم كأنه الجدري، فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى فرفع عنهم، فقالوا : قد تحققنا الآن أنك ساحر، وعزة فرعون لا نصدقك أبداً، فأرسل الله عليهم بعد شهر الضفادع، فدخلت بيوتهم وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم، ولا يكشف أحد شيئاً من ثوب ولا طعام ولا شراب إلاّ وجد فيه الضفادع، وكان الرجل إذا أراد أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فيه، وكانت تمتلئ منها مضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدرو وهي تغلي، وفي التنانير وهي تفور، فشكوا إلى موسى وقالوا : ارحمنا هذه المرة، فما بقي إلاّ أن نتوب التبة النصوح ولا نعود، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد، فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياههم دماً، فشكوا إلى فرعون فقال : إنه سحركم فكان يجمع بين القبطي والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً، ويستقيان من ماء واحد فيخرج للقبطي الدم وللإسرائيلي الماء حتى إن المرأة القبطية تقول لجارتها الإسرائيلية إجعلي الماء في فيك ثم مجيه في فيَّ فيصير الماء في فيها دماً. وعطش فرعون حتى أشفى على الهلاك، فكان يمصّ الأشجار الرطبة، فإذا مضغها صار ماؤها الطيب ملحاً أجاجاً. وعن سعيد بن المسيب : سال عليهم النيل دماً. وقيل : سلط الله عليهم الرعاف وروي : أنّ موسى عليه السلام مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات، وروي : أنه لما أراهم اليد والعصا ونقص النفوس والثمرات قال : يا رب، إنّ عبدك هذا قد علا في الأرض فخذه بعقوبة تجعلها له ولقومه نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية. فحينئذ بعث الله عليهم الطوفان، ثم الجراد، ثم ما بعده من النقم. وقرأ الحسن :«والقمل »، بفتح القاف وسكون الميم، يريد القمل المعروف ءايات مفصلات نصب على الحال. ومعنى مفصلات : مبينات ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره، وأنها عبرة لهم ونقمة على كفرهم. أو فصل بين بعضها وبعض بزمان تمتحن فيه أحوالهم، وينظر أيستقيمون على ما وعدوا من أنفسهم، أم ينكثون إلزاماً للحجة عليهم ؟.
فإن قلت : فإن كان طلب الرؤية للغرض الذي ذكرته، فممّ تاب ؟ قلت : من إجرائه تلك المقالة العظيمة وإن كان لغرض صحيح على لسانه، من غير إذن فيه من الله تعالى، فانظر إلى إعظام الله تعالى أمر الرؤية في هذه الآية، وكيف أرجف الجبل بطالبها وجعله دكاً، وكيف أصعقهم ولم يخل كليمه من نفيان ذلك مبالغة في إعظام الأمر، وكيف سبح ربه ملتجئاً إليه، وتاب من إجراء تلك الكلمة على لسانه وقال أنا أول المؤمنين، ثم تعجب من المتسمين بالإسلام المتسمين بأهل السنّة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهباً. ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة، فإنه من منصوبات أشياخهما والقول ما قال بعض العدلية فيهم :
| لَجَمَاعَةٌ سَموْا هَواهُمْ سُنَّة | وَجَمَاعَةٌ حُمْرٌ لَعَمْرِي مُوكَفَه |
| قَدْ شَبَّهُوهُ بِخَلْقِهِ وَتَخَوَّفُوا | شَنْعَ الْوَرَى فَتَسَتَّرُوا بِالبَلْكَفَهْ. |
وذلك أدعى إلى العطف والرقة، وأعظم للحق الواجب، ولأنها كانت مؤمنة فاعتدّ بنسبها، ولأنها هي التي قاست فيه المخاوف والشدائد فذكره بحقها إِنَّ القوم استضعفوني يعني أنه لم يأل جهداً في كفهم بالوعظ والإنذار. وبما بلغته طاقته من بذل القوة في مضادّتهم حتى قهروه واستضعفوه ولم يبق إلاّ أن يقتلوه يَقْتُلُونَنِى فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ الاعداء فلا تفعل بي ما هو أمنيتهم من الاستهانة بي والإساءة إليّ، وقرىء :«فلا يشمت بي الأعداء »، على نهي الأعداء عن الشماتة. والمراد أن لا يحل به ما يشمتون به لأجله وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ القوم الظالمين ولا تجعلني في موجدتك عليّ وعقوبتك لي قريناً لهم وصاحباً. أو ولا تعتقد أني واحد من الظالمين مع براءتي منهم ومن ظلمهم. لما اعتذر إليه أخوه وذكر له شماتة الأعداء.
وَمِنَّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجَالَ سَمَاحَةً ***
قيل : اختار من اثني عشر سبطاً، من كل سبط ستة حتى تتاموا اثنين وسبعين، فقال : ليتخلف منكم رجلان : فتشاحوا، فقال : إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع. وروي : أنه لم يصب إلا ستين شيخاً، فأوحى الله تعالى إليه أن تختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً. وقيل : كانوا أبناء ما عدا العشرين، ولم يتجاوزوا الأربعين، قد ذهب عنهم الجهل والصبا، فأمرهم موسى أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم، ثم خرج بهم إلى طور سينا، لميقات ربه، وكان أمره ربه أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى ودخل فيه وقال للقوم : ادنوا، فدنوا، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجداً، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه : افعل، ولا تفعل. ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه، فطلبوا الرؤية فوعظهم وزجرهم وأنكر عليهم، فقالوا : يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. فقال : رب أرني أنظر إليك، يريد : أن يسمعوا الردّ والإنكار من جهته، فأجيب بلن تراني، ورجف بهم الجبل فصعقوا. ولما كانت الرجفة قَالَ موسى رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وإياى وهذا تمنّ منه للإهلاك قبل أن يرى ما رأى من تبعة طلب الرؤية، كما يقول النادم على الأمر إذا رأى سوء المغبة : لو شاء الله لأهلكني قبل هذا أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا يعني أتهلكنا جميعاً، يعني نفسه وإياهم، لأنه إنما طلب الرؤية زجراً للسفهاء، وهم طلبوها سفهاً وجهلاً إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ أي محنتك وابتلاؤك حين كلمتني وسمعوا كلامك، فاستدلوا بالكلام على الرؤية استدلالاً فاسداً، حتى افتتنوا وضلوا تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء تضلّ بالمحنة الجاهلين غير الثابتين في معرفتك، وتهدي العالمين بك الثابتين بالقول الثابت. وجعل ذلك إضلالاً من الله وهدى منه، لأن محنته لما كانت سبباً لأن ضلّوا واهتدوا فكأنه أضلهم بها وهداهم على الاتساع في الكلام أَنتَ وَلِيُّنَا مولانا القائم بأمورنا.
| يَا رَاكِبَ الذّنْبِ هُدْهُد | واسْجُدْ كَأَنَّكَ هُدْهُد |
ويجوز : عدت بالإشمام. وعدت، بإخلاص الضمة فيمن قال : عود المريض. وقول القول. ويجوز على هذه اللغة أن يكون هُدْنَا بالضم فعلنا من هاده يهيده عَذَابِى من حاله وصفته أني أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء أي من وجب عليّ في الحكمة تعذيبه، ولم يكن في العفو عنه مساغ لكونه مفسدة. وأمّا رَّحْمَتِى فمن حالها وصفتها أنها واسعة تبلغ كل شيء، ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلاّ وهو متقلب في نعمتي. وقرأ الحسن :«من أساء » من الإساءة. فسأكتب هذه الرحمة كتبه خاصة منكم يا بني إسرائيل للذين يكونون في آخر الزمان من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، الذين هم بجميع آياتنا وكتبنا يؤمنون، لا يكفرون بشيء منها.
فإن قلت : كيف انطبق هذا الجواب على قول موسى عليه السلام ودعائه ؟ قلت : لما دعا لنفسه ولبني إسرائيل، أجيب بما هو منطوٍ على توبيخ بني إسرائيل على استجازتهم الرؤية على الله تعالى وعلى كفرهم بآيات الله العظام التي أجراها على يد موسى، وعرّض بذلك في قوله : والذين هُم بآياتنا يُؤْمِنُونَ وأريد أن يكون استماع أوصاف أعقابهم الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به كعبد الله بن سلام وغيره من أهل الكتابين لطفاً لهم وترغيباً في إخلاص الإيمان والعمل الصالح، وفي أن يحشروا معهم ولا يفرّق بينهم وبين أعقابهم عن رحمة الله التي وسعت كل شيء.
بينَ رِمَاحِيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلِ ***
و أُمَمًا بدل من اثنتي عشرة بمعنى : وقطعناهم أمماً لأنّ كل أسباط كانت أمة عظيمة وجماعة كثيفة العدد، وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمّه الأخرى، لا تكاد تأتلف. وقرئ :«اثنتي عشرة » بكسر الشين فانبجست فانفجرت. والمعنى واحد، وهو الانفتاح بسعة وكثرة : قال العجاج :
وَكَيْفَ غَرْبِيّ دَالِجٍ تَبَجَّسَا ***
فإن قلت : فهلا قيل : فضرب فانبجست ؟ قلت : لعدم الإلباس، وليجعل الإنبجاس مسبباً عن الإيحاء بضرب الحجر للدلالة على أنّ الموحى إليه لم يتوقف عن اتباع الأمر، وأنه من انتفاء الشكّ عنه بحيث لا حاجة إلى الإفصاح به. من قوله : كُلَّ أُنَاسٍ نظير قوله : اثنتي عشرة أسباطاً، يريد كل أمّة من تلك الأمم الثنتي عشرة، والأناس، اسم جمع غير تكسير، نحو. رخال وتناء وتؤام وأخوات لها. ويجوز أن يقال : إن الأصل الكسر والتكسير، والضمة بدل من الكسرة، كما أبدلت في نحو. سكارى وغيارى من الفتحة وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام وجعلناه ظليلاً عليهم في التيه، و كُلُواْ على إرادة القول وَمَا ظَلَمُونَا وما رجع إلينا ضرر ظلمهم بكفرانهم النعم، ولكن كانوا يضرون أنفسهم. ويرجع وبال ظلمهم إليهم.
فلما لم ينتهوا قال المسلمون : إنا لا نساكنكم، فقسموا القرية بجدار : للمسلمين باب، وللمعتدين باب. ولعنهم داود عليه السلام، فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا : إنّ للناس شأناً، فعلوا الجدار فنطروا فإذا هم قردة، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القرود أنسباءها من الأنس، والأنس لا يعرفون أنسباءهم من القرود، فجعل القرد يأتي نسيبه فيشم ثيابه ويبكي، فيقول : ألم ننهك فيقول برأسه : بلى، وقيل : صار الشباب قردة، والشيوخ خنازير. وعن الحسن : أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها، أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة، هاه وايم الله، ما حوتٌ أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم. ولكن الله جعل موعداً، والساعة أدهى وأمرّ بَئِيسٍ شديد. يقال : بؤس يبؤس بأساً، إذا اشتدّ، فهو بئيس. وقرئ :«بئس »، بوزن حَذِر. وبئس على تخفيف العين ونقل حركتها إلى الفاء. كما يقال : كبد في كبد. وبيس على قلب الهمزة ياء، كذيب في ذئب، وبيئس على فيعل، بكسر الهمزة وفتحها، وبيس بوزن ريس، على قلب همزة بيئس ياء وإدغام الياء فيها، وبيس على تخفيف بيس، كهين في هين. وبائس على فاعل.
إِذْ قَالَتِ الأَنْسَاعُ لِلْبَطْنِ الْحَقِ ***
قَالَتْ لَهُ رِيحُ الصَّبَا قَرْقَار ِ***
ومعلوم أنه لا قول ثَمَّ، وإنما هو تمثيل وتصوير للمعنى وأَن تَقُولُواْ مفعول له، أي فعلنا ذلك من نصب الأدلة الشاهدة على صحتها العقول، كراهة أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين لم ننبه عليه.
| فَلَوْ كُنْتَ فِي جُبٍّ ثَمَانِينَ قَامَةً | وَرَقِيتَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّم |
| لَيَسْتَدرِجَنَّكَ الْقَوْلُ حَتَّى تَهَرَّه | وَتَعْلَمَ أَنِي عَنْكُمْ غَيْرَ مُفْحَمِ |
أنّ النبي صلى الله عليه وسلم علا الصفا فدعاهم فخذاً فخذاً يحذرهم بأس الله، فقال قائلهم : إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوِّت إلى الصباح.
وقيل : إن قريشاً قالوا له إن بيننا وبينك قرابة، فقل لنا متى الساعة ؟ فقيل : يسألونك عنها كأنك حفيّ تتحفى بهم فتختصهم بتعليم وقتها لأجل القرابة وتزوي علمها عن غيرهم، ولو أخبرت بوقتها لمصلحة عرفها الله في إخبارك به، لكنت مبلغه القريب والبعيد من غير تخصيص، كسائر ما أوحي إليك. وقيل : كأنك حفيّ بالسؤال عنها تحبه وتؤثره، يعني أنك تكره السؤال عنها لأنها من علم الغيب الذي استأثر الله به ولم يؤته أحداً من خلقه. فإن قلت : لم كرر يسألونك وإنما علمها عند الله ؟ قلت : للتأكيد، ولما جاء به من زيادة قوله : كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا وعلى هذا تكرير العلماء الحذاق في كتبهم لا يخلون المكرر من فائدة زائدة، منهم محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة رحمهما الله ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ أنه العالم بها، وأنه المختص بالعلم بها.
| فَيَا لَقُصَيّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُم | بِهِ مِنْ فَخَارٍ لاَ يُبَارَى وَسُودَدِ |
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
| خذِي الْعَفْوَ مِني تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي | وَلاَ تَنْطِقِي فِي سَوْرَتِي حِينَ أَغْضَبُ |
أنَّي ألَمَّ بِكَ الْخَيَالُ يِطيفُ ***
أو هو تخفيف طيف فيعل، من طاف يطيف كلين أو من طاف يطوف كهين. وقرئ :«طائف »، وهو يحتمل الأمرين أيضاً. وهذا تأكيد وتقرير لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان، وأنّ المتقين هذه عادتهم : إذا أصابهم أدنى نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته تَذَكَّرُواْ ما أمر الله به ونهى عنه، فأبصروا السداد ودفعوا ما وسوس به إليهم ولم يتبعوه أنفسهم.
قَوْم إذَا الْخَيْلُ جَالُوا في كَوَاثِبِهَا ***
في أنّ الخبر جار على ما هو له. ويجوز أن يراد بالإخوان الشياطين، ويرجع الضمير المتعلق به إلى الجاهلين، فيكون الخبر جارياً على ما هو له، والأوّل أوجه، لأن إخوانهم في مقابلة الذين اتقوا. فإن قلت : لم جمع الضمير في إخوانهم والشيطان مفرد ؟ قلت : المراد به الجنس، كقوله : أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت [ البقرة : ٢٥٧ ].
تم عرض جميع الآيات
205 مقطع من التفسير