تفسير سورة سورة البقرة
محمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب
أوضح التفاسير
محمد محمد عبد اللطيف بن الخطيب (ت 1402 هـ)
الناشر
المطبعة المصرية ومكتبتها
الطبعة
السادسة، رمضان 1383 ه - فبراير 1964 م
وقد جاءت ﴿الم﴾ في بدء ست سور من القرآن الكريم: البقرة، وآل عمران، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة. وزيدت عليها الصاد في الأعراف: ﴿المص﴾ وزيدت عليها الراء في الرعد: ﴿المر﴾ (انظر آية ١ من سورة غافر) ﴿لاَ رَيْبَ﴾ لا شك
-[٤]- وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون» ﴿وَبِالآخِرَةِ﴾ وما فيها من نعيم مقيم، وعذاب أليم ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يؤمنون بالقيامة وما فيها تمام الإيمان؛ من غير شك ولا شبهة
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
-[٥]- ﴿قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ﴾ في الدين؛ فلا تظنوا أنا قد آمنا مع هؤلاء واتبعنا دينهم ﴿إِنَّمَا نَحْنُ﴾ بتظاهرنا بالإيمان ﴿مُسْتَهْزِئُونَ﴾ بمحمد وأصحابه. قال تعالى رداً على استهزائهم بالمؤمنين
﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ﴾ وهو تمثيل لما فيه من الوعيد الشديد؛ بنيران الجحيم، والعذاب الأليم ﴿بَرِقَ﴾ أي فيه ظلمات الوعيد، ورعد العذاب «وبرق» المعرفة لأنه أريد بالبرق: نور الحجج البينة المنيرة اللامعة ﴿يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ﴾ وقاية وحذراً منها. والصاعقة: نار تنزل من السماء؛ عند قصف الرعد. وهل تمنع الأصابع في الآذان، عذاب الملك الديان؟ وكيف تمنع ﴿واللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ عالم بهم، قادر عليهم؛ لا يفوته شيء من أعمالهم؛ ولا تعجزه أفعالهم؛ فلا يستطيع أحد الفرار من بطشه، أو النجاة من بأسه، أو الخروج عن أمره
-[٦]- ﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ﴾ أي كلما لمع البرق مشوا مسرعين في ضوئه ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ أي إذا سكت البرق، وخبت ناره، وانطفأ نوره: وقفوا في أماكنهم متحيرين مترصدين خفقة أخرى؛ عسى يتسنى لهم الوصول إلى مقاصدهم
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
كالبحر يمطره الغمام وما له
فضل عليه لأنه من مائه
﴿أَندَاداً﴾ شركاء ونظراء وأمثالاً
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[٧]- ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾ الكافرين؛ لأن الله تعالى لا يضل مؤمناً ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ وإنما إضلال الله تعالى يقع عقوبة لمن يصر على الكفران، ويأبى داعي الإيمان
ولو شاء ربك لقلب هذه النعم نقماً، وجعل الداء مكان الدواء؛ لأنه تعالى وحده خالق الخلق الفاعل لما يشاء ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ﴾ وجه قدرته وإرادته لخلقها بعد خلق الأرض ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ خلقهن مستويات؛ لا عوج فيها، ولا خلل، ولا خطأ «لا ترى في خلق الرحمن من تفاوت»
-[٨]- وشهوته إلى سفك الدماء وها هو الجنس الآدمي قد حقق ظن الملائكة فيه؛ فملأ الأرض فساداً وإفساداً، وأراق الدماء بحاراً وأنهاراً، وعصى خالقه ورازقه جهاراً، وكفر بموجده ومربيه نهاراً؛ فلا حول ولا قوة إلا ب الله العلي العظيم هذا ولم يكن سؤال الملائكة عليهم السلام اعتراضاً على فعله تعالى، أو مخالفة لأمره؛ فحاشا أن يعترض على الله تعالى أعلمهم به، وأخوفهم منه، وأتقاهم له ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ ننزهك عن كل نقص، ونحمدك على نعمائك ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ أي نعظمك، أو نطهر أنفسنا لعبادتك. ومعنى تقدس: تطهر
هذا وقد أضفى تعالى على نبينا صلوات الله تعالى وسلامه عليه علوم الأولين والآخرين؛ ليجعله رحمة للعالمين؛ ولله در البوصيري حيث يقول في همزيته:
لك ذات العلوم من عالم الغيـ
ـب ومنها لآدم الأسماء
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[٩]- والمعنى: تحولوا من الجنة العالية، إلى الأرض السافلة، ومن النعيم، إلى البؤس والشقاء ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ بني الإنسان، وبني الشيطان، أو بعض بني الإنسان عدو لبعض ﴿وَمَتَاعٌ﴾ تمتع ﴿إِلَى حِينٍ﴾ وهو انقضاء الأجل
المراد آدم وحواء؛ تؤيده قراءة من قرأ ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً﴾ وقوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً﴾ وقد خوطبا بلفظ الجمع: لأنهما أصل لبني الإنسان، أو على مذهب من يقول: إن أقل الجمع اثنان وقد يكون المقصود بالخطاب: آدم وحواء وإبليس ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾ كتاب أو رسول
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ التوراة؛ وفيها ذكر الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه، وأبناء رسالته
-[١٠]- ﴿إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ الذين يستغرقون في مناجاة ربهم
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
ولعل المراد بالبعث هنا: من خلفهم من ذراريهم وأبنائهم
-[١١]- ﴿وَالسَّلْوَى﴾ قيل إنه السمائي؛ الطائر المعروف. أو هو كل ما يتسلى به؛ من فاكهة ونقل، ونحوهما ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من الرزق الحلال المبارك (انظر آيتي ١٧٢ من هذه السورة و٥٨ من الأعراف) ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ بكفرهم ومعاصيهم ﴿وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بتعريضها للعذاب الأليم المقيم
-[١٢]- ﴿وَضُرِبَتْ﴾ جعلت ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وصارت لزاماً لهم ﴿الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ أعطاهم الله تعالى جميع ما سألوا، ووهبهم فوق الذي طلبوا؛ فما زادهم ذلك إلا طغياناً وكفراناً؛ فسلبهم العزة، وألبسهم الذلة. وليس المراد بالمسكنة: الفقر نفسه؛ بل المراد لازمه؛ وهو الحقارة، وقلة الشأن، والصَّغار. ومصداق هذه الآية: اضطهاد العالم أجمع لليهود، وتشتيتهم في سائر الممالك؛ حيث لا وحدة تجمعهم، ولا رابطة تضمهم؛ اللهم سوى ما اغتصبه بعض الأفاقين من أرض فلسطين؛ وهو عائد إلى أربابه بإذن رب العالمين ﴿وَبَآءُوا﴾ رجعوا
﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فرفع الله تعالى الجبل فوقهم؛ حتى صار كالظلة عليهم. فقال لهم موسى: إن لم تؤمنوا وقع عليكم وكنتم من الهالكين فآمنوا جميعاً ذعراً وخوفاً من الهلكة ﴿خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ بجد واجتهاد ﴿وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾ ائتمروا بأوامره، وانتهوا بنواهيه
-[١٣]- الحقيقة ﴿خَاسِئِينَ﴾ مطرودين
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[١٤]- ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ﴾ إشارة إلى أن من الحجارة ما هو أرق من القلوب القاسية، وأرقى من القلوب الكافرة ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي وإن من الحجارة لما يخشع ويخضع خوفاً منالله؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً﴾
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
-[١٦]- الْكِتَابِ﴾ التوراة ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ لأن فيها حل المفاداة، وحرمة القتل والإخراج ﴿إِلاَّ خِزْيٌ﴾ فضيحة وهوان
-[١٧]- أَن يُنَزِّلُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي حسداً منهم: أن أنزل الله تعالى الكتاب على غيرهم ﴿فَبَآءُو﴾ رجعوا ﴿بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ غضب استوجبوه بسبب كفرهم بمحمد عند بعثته، وغضب استحقوه بسبب جحودهم نبوته، وزعمهم بأنه ليس هو المنعوت في كتابهم، وحسدهم لمن بعث فيهم
المعجزات الظاهرات ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ عبدتموه ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ لأنفسكم بكفركم
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[١٨]- عَلَى حَيَاةٍ﴾ لما تراه من خوفهم وجبنهم؛ شأن المنزعج على مصيره، الخائف من عاقبته ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾ في الدنيا؛ ما دام الموت له بالمرصاد، والجحيم معدة له يوم المعاد
ما تقدمه من الكتب المنزلة
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
-[١٩]- الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ يحتمل أن يكون هناك ملكان حقيقة؛ أنزلهما الله تعالى لتعليم الناس السحر؛ لإظهار الفرق بين السحر والمعجزة؛ وليروا أن ملك سليمان، وما فيه من خوارق وعظمة وسلطان؛ لم يكن قائماً على سحر وتخيلات، بل على كرامات ومعجزات؛ وأنه عليه السلام لم يكن ساحراً ماكراً؛ بل كان رسولاً عظيماً، ونبياً كريماً؛ أمده الله تعالى بالملك الواسع، والغنى الجامع؛ تحقيقاً لرغبته، واستجابة لدعوته وإلا فأين السحر من تكليم الحيوان والحشرات والطير؟ وأين السحر من تسخير الهواء والماء، والجن والإنس؟ وقد ذهب بعضهم إلى أن «ما» نافية؛ في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ أي لم ينزل على الملكين شيء من السحر، ولم يعلماه أحداً؛ كما ادعت اليهود أن هناك ملكين أنزل عليهما السحر، وأنهما يعلمانه للناس، وكما ادعوا على سليمان؛ فكذبهم الله تعالى في ذلك. و «بابل» قرية بالعراق ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ اسمان للملكين المزعومين؛ كما اسمتهما اليهود. وقيل: إنهما رجلان تعلماه من الشياطين، وجعلا يعلمانه للناس. وقيل: إنهما قبيلتان من قبائل الجن. وعلى قراءة من قرأ «ملكين» يكون المراد بهما: داود وسليمان
﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ أي إنما نحن ابتلاء من الله تعالى واختبار؛ فلا تكفر بتعلم السحر والعمل به ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ أي الناس ﴿مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وهي الأشياء التي يعملها بعض الفجار؛ مما يؤدي إلى التفرقة بين الزوجين بواسطة بعض التخييلات. ويلاحظ أن الرأي القائل بأن «ما» نافية لا يستقيم مع باقي الآية. وقيل: إن أهل بابل كانوا يعبدون الكواكب - بصرف السحرة لهم عن الحق - فأنزل الله تعالى هذين الملكين ليفضحا حيل السحرة، وليظهرا أمر السحر للناس على حقيقته، ويعلموهم أن ما يسيطرون به عليهم ليس إلا نوعاً من التمويه والتخييل، وكان الملكان يعلمان الناس حيل السحرة، ويحذرانهم أن يفعلوا مثله، لأنه كفر وضلال، ويقولان لهم: إنما نحن امتحان لكم، فلا تكفروا بما نعلمكموه؛ فإنما نعلمكم للتحذير من الوقوع في مثله، ولتستطيعوا أن تفرقوا بين السحر والمعجزة، وبين الحق والباطل.
أما ما ذهب إليه أكثر المفسرين: من أن هاروت وماروت: ملكان؛ عصيا الله تعالى وزنيا، وقتلا النفس، وشربا الخمر؛ فعذبهما الله تعالى بأن علقهما من شعورهما في بئر ببابل؛ فجعلا يعلمان الناس السحر. إلى آخر ما أوردوه من أقاصيص من وضع الدساسين والزنادقة واليهود؛ وهو كلام لا يجوز نسبته بحال إلى الملائكة الكرام عليهم الصلاة والسلام؛ الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
-[٢٠]- عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾ وقال جل شأنه واصفاً طاعتهم: ﴿لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ﴿خَلاَقٍ﴾ نصيب
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
ومن ذلك زعمهم أن القنوت في الصلاة من القرآن المنسوخ؛ في حين أن القنوت ورد بألفاظ شتى، وعبارات متباينة، وقد أخذ كل واحد من الأئمة بصيغة تخالف ما أخذه غيره.
كما زعموا أيضاً أن «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم» من القرآن المنسوخ تلاوة الباقي حكماً.
هذا مع أن الرجم لم ينزل به قرآن البتة؛ بل هو عن الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه، وتشريع الرسول واجب حتماً كتشريع القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ وقوله جل شأنه: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ﴾ وقوله عز وجل: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.
وأفحش هذه المزاعم: روايتهم عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان فيما يقرأ من القرآن «عشر رضعات معلومات يحرمن» وأن ذلك قد نسخ بقوله تعالى «خمس رضعات معلومات يحرمن» وأن النبي توفي وهي فيما يقرأ من القرآن. وأن الدواجن أكلتها بعد موت الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه
وهذا الزعم يشهد بفساده وبطلانه: وعد القدير العظيم، بحفظ كتابه العزيز الكريم ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وقد حفظه تعالى من شياطين الإنس والجن؛ فكيف بالدواجن، وضعاف الطير؟ ﴿وَلِيُّ﴾ محب يلي أموركم
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[٢١]- ﴿فَاعْفُواْ﴾ عنهم ﴿وَاصْفَحُواْ﴾ عن ذنوبهم ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ بالقتال، أو بنمو الإسلام بزيادة بنيه وقدرتهم على دفع عدوهم ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾
أي تجدوا ثوابه وجزاءه ﴿هُوداً﴾ أي من اليهود
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[٢٣]- إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ موضع صلاة. وهو أمر بركعتي الطواف. روى جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي لما فرغ من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين؛ وقرأ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾
ومقام إبراهيم: هو الحرم كله، أو الحجر الذي قام عليه عند البناء؛ وفيه أثر قدمه، أو الموضع الذي كان فيه الحجر - حين قام عليه وأذن بالحج - وعن عمر رضي الله تعالى عنه: وافقت ربي في ثلاث. قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر؛ فلو أمرتهن أن يحتجبن؛ فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله نساؤه - في الغيرة - فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ﴾ فنزلت كذلك: ﴿وَعَهِدْنَآ﴾ أوصينا وأمرنا ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ المقيمين
-[٢٤]- لم يرده؛ ضد رغب فيه إذا أراده ﴿إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ حملها على السفه، أو أهلكها ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ﴾ اخترناه.
-[٢٦]- ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ﴾ وهي بيت المقدس ﴿إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ فيما يذكره عن ربه؛ من تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ﴿مِمَّن يَنقَلِبُ﴾ يرجع ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ أي يعود إلى الكفر الذي كان فيه ﴿وَإِن كَانَتْ﴾ التولية عن القبلة ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ شاقة صعبة؛ لأن كل تغيير في أمر من الأمور - خاصة إذا كان هذا الأمر جديداً في أوله: كالإسلام، وكان هاماً: كقبلة الصلاة - فإنه يكون صعباً وشاقاً على النفوس
﴿إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ وفقهم للإيمان، وهداهم للتصديق ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم إلى القبلة الأولى. ولا يخفى ما في التعبير عن الصلاة بالإيمان: من تعظيم لشأنها، وإعلاء لقدرها؛ وأن من تمسك بأدائها، وحافظ على أوقاتها؛ فقد تمسك بالإيمان كله كيف لا وهي الناهية عن الفحشاء والمنكر: ﴿اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وهي فوق ذلك مذهبة الهموم، ومفرجة الكروب «كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ جهته ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ اليهود والنصارى ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ أي ليعلمون أن تحويل القبلة هو الحق؛ لأنه معلوم عندهم، مدون في كتبهم
-[٢٧]- ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ أي ينكرون معرفة الرسول عليه الصلاة والسَّلام؛ الذي هو حق معروف ثابت في كتبهم ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الشاكين
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
والشكر قسمان: قسم بالأقوال، وقسم بالأفعال. والقول إن لم يصحبه فعل يدل على صدقه؛ فلا فائدة منه، ولا طائل وراءه. ورب شاكر باللسان ورب العزة عليه غضبان أما إذا صاحب القول الفعل؛ فقد ازداد الشاكر سعة ونعمة، ومن الله حباً وقرباً وشكر المال: إنفاقه في سبيل الله تعالى وابتغاء مرضاته، وإخراج زكاته. وشكر البصر: غضه عن المحارم. وشكر السمع: ألا يسمع به غيبة أو لغواً. وشكر القوة: نصرة المظلوم، والكف عن الأذى، وبذلها في الجهاد والدفاع عن الدين والوطن
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
عن النبي: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إن الله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها؛ إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها» وقد ورد عن أم المؤمنين أم سلمةرضي الله تعالى عنها؛ أنه لما توفي زوجها أبو سلمة رضي الله تعالى عنه: قالت - في نفسها ـ: ومن خير من أبي سلمة؟ رجل شهد المشاهد مع رسولالله، وفاز بصحبته، وحظي بمحبته؛ ولكنها استرجعت، ودعت الله كما جاء في الحديث: فخطبها رسولالله؛ فكان نعم الخلف وعنه أيضاً «ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا همّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم حتى الشوكة يشاكها؛ إلا كفر الله بها من خطاياه»
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
-[٣٠]- اتُّبِعُواْ﴾ أي تبرأ الأنداد التي كانوا يعبدونها، والكهان والرهبان الذين كانوا يطيعونهم، والسادة والرؤساء الذين كانوا يتبعونهم، وكل من دعا إلى عبادة غير الله تعالى؛ يتبرأ هؤلاء جميعاً ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ﴾ أي الذين اتبعوهم على الكفر؛ وهم فقراء الكفار والمشركين وأراذلهم. يقول السادة والرؤساء يومئذٍ: لا نعرفهم، ولم نقل لهم: اعبدونا أو اتبعونا ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ أي أسباب المودة؛ من قرابة وصداقة ولم يبق لهم نصراء
ويدخل في ذلك شياطين الإنس أيضاً؛ فمنهم من هو أشد فتكاً، وأبلغ نكاية من شياطين الجن (انظر آية ١١٢ من سورة الأنعام)
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وهذه الآية من أهم ما حرص عليه الطب الوقائي: ففي الميتة ملايين الميكروبات التعفنية والرمية، كما أن الدم هو حامل الميكروب إلى سائر الجسم؛ وقد لجأ الطب أخيراً - حينما اكتشف ذلك - إلى تحليل جزء منه فيتضح له كل ما في الجسم من أمراض؛ وهو في هذه الحال من أسرع وسائل العدوى، ولحم الخنزير: مباءة لكثير من الميكروبات، وهو العائل الأصلي للدودة الشريطية
-[٣١]- ﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أي ما ذبح للأصنام، أو ذكر عليه اسم غير اسمه تعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي ألجأته الضرورة إلى أكل شيء من ذلك المحرم؛ بسبب مجاعة مهلكة أشرف فيها على التلف؛ فله أن يأكل على ألا يتناول منه سوى القدر الذي يحفظ عليه حياته ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على أحد؛ كأن يختطف ما يسد رمقه من إنسان آخر؛ ليس له ما يسد رمقه سوى ما اختطفه منه. أو «غير باغ» على جماعة المسلمين وخارج عليهم ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ معتد عليهم بقطع الطريق؛ فألجأه ذلك إلى الجوع المهلك المتلف؛ فليس له أن يستمتع بهذه الرخصة
ومن عجب أن ينصرف كثير من الناس عن إرضاء مولاهم؛ إلى الحرص على دنياهم وينصرف آخرون إلى إرضاء المخلوقين، وإغضاب رب العالمين؛ قال الشاعر:
عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى
وللمشتري دنياه بالدين: أعجب
وأعجب من هذين: من باع دينه
بدنيا سواه: فهو من ذين أخيب
﴿شِقَاقٍ﴾ خصام وجدال وخلاف ﴿بَعِيدٍ﴾ كبير
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
والمراد: أن يعطي المال وهو طيب النفس بإعطائه (انظر آية ٣٢ من سورة الزخرف) ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المسافر المنقطع ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ أي إعتاق العبيد، وفك الأسرى. والرق معروف - من أقدم العصور - قبل الإسلام؛ فقد عرف في مصر الفرعونية، وفي دولة آشور، ودول فارس، والدولة الرومانية والبيزنطية؛ ولم يكن الإسلام مؤسساً للرق وموجداً له - كما يزعم الكثيرون - بل كان داعياً إلى التخلص منه والقضاء عليه؛ لما يكتنفه من المباهاة والمفاخرة وإذلال الغير. وحين بزغ قمر السلام، ولاح فجر الإسلام، وسطعت
-[٣٢]- أنوار الحرية: سعى الدين إلى رفع الذل والعبودية عن الأرقاء؛ فجعل من العتق قربة إلى الله تعالى ومنجاة من العذاب، وكفارة من الإثم فدعا بذلك إلى حرية الجنس الإنساني، وقدسية الآدمية (انظر آية ٩٢ من سورة النساء). ﴿الْبَأْسَآءِ﴾ الفقر ﴿والضَّرَّاءِ﴾ المرض ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ وقت اشتداد القتال
ولو لم يكن القصاص: لما بقي على ظهرها إنسان: إن النفوس التي جبلت على الشر، وروضت عليه لو علمت أنه لا يوجد حاكم يحكمها، ولا رادع يردعها، ولا ولي يأخذ لضعيفها من قويها، ولفقيرها من غنيها؛ لقتل الأشرار الأخيار، وأكل الناس بعضهم بعضاً وقد صدقالله: فإن لنا في القصاص لحياة وأي حياة
-[٣٣]- في الوصية؛ متعمداً لحوق الضرر بالورثة ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ بين الموصي وورثته، أو بينه وبين من تجب عليه الوصية لهم
إن من شرائط السؤال - أيها الممتحن لربه، الساخر بقدرته - أن تتيقن بإجابته تيقنك بوجودك، وأن تثق بما عنده وثوقك بنفسك: تسأل صديقك - الذليل الحقير الضعيف الفقير - أن يعطيك شيئاً؛ وأنت على تمام الوثوق، ومزيد اليقين بإجابة سؤالك، وتدعو ربك - المعطي المانع، الضار النافع - أن يهبك أحقر الأشياء؛ وأنت من الإجابة آيس، ومن عطائه قانط فما ترجوه بعد هذا الكفران؟ تؤمن
-[٣٤]- بصديقك أكثر ما تؤمن بربك، وترجو إجابة سؤالك ودعائك؛ هيهات هيهات أن يجاب لك؛ قبل أن تحسن ظنك به، وتثق بما عنده، وتعبده كأنك تراه، وتخشاه كأنه يراك (انظر آية ٦٠ من سورة غافر) ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي﴾ إذا دعوتهم لما يصلحهم وينجيهم؛ لأجيبهم فيما يطلبونه مني
ومن هذا يعلم أن الإيمان والعمل الصالح: شرط في قبول الدعاء ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ يصيبون الرشد والسداد، ويوفقون لما يجعلهم مجابي الدعاء، عظيمي الرجاء
وقيل: كانوا يأتون بيوتهم - في الإحرام - من نقب ينقبونه في ظهرها؛ زاعمين أن ذلك من البر
-[٣٦]- ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً﴾ مرضاً يضطره إلى ترك شيء من المناسك ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ كبثور، أو قمل، أو نحوهما؛ مما يلجئه إلى حلق رأسه وهو محرم ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ﴾ يصوم ثلاثة أيام ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ يتصدق بها؛ وهي ثلاثة آصع. والصاع: أربع أمداد. والمد: ملء كف الرجل المعتدل ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ ذبح شاة.
عن هادي الأمة صلوات الله تعالى وسلامه عليه، أنه قال لكعببن عجرة: «لعلك آذاك هوامك؟» قال: نعم يا رسولالله. قال: «احلق وصم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق على ستة مساكين، أو أنسك شاة» والفرق: ثلاثة آصع ﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ﴾ الإحصار وكنتم في حال سعة وأمن ﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾ حل من إحرامه، واستباح ما كان محظوراً عليه ﴿بِالْعُمْرَةِ﴾ وفاته الحج بسبب إحصاره.
والعمرة: زيارة البيت الحرام؛ مع الطواف والسعي بالإحرام ﴿إِلَى﴾ وقت ﴿الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي فعليه دم بسبب تمتعه بمحظورات الإحرام ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أي من الحج ﴿ذلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي لم يكن من مستوطني مكة
-[٣٨]- ﴿فَحَسْبُهُ﴾ كافيه ﴿جَهَنَّمُ﴾ التي سيصلاها عقوبة له ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ الفراش
-[٣٩]- ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ الذين يؤيدهم ﴿بِالْحَقِّ﴾ الذي يأمرون به، ويسيرون عليه. و «الكتاب» اسم جنس: يقع على سائر الكتب المنزلة؛ كالتوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أي في الكتاب المنزل مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أي إلا الذين أنزل عليهم الكتاب؛ أنزله الله تعالى مزيلاً للاختلاف، فجعلوه سبباً للخلاف
﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي حسداً وظلماً: كيف ينزل الكتاب على رجل غيرهم؟ وكل واحد منهم يرى أنه أحق بنزوله عليه، وأجدر ممن نزل عليه ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ طريق
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ أي أيّ شيء ينفقونه؟ ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ أي الزائد عن نفقتكم وحاجاتكم. أو خير ما تنفقونه: «العفو» عند القدرة ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾
﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ مستقذر مبغوض ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ﴾ أي لا تجامعوهن؛ لأن الأصل في الجماع: إنتاج الولد؛ وهن في هذه الحال غير مؤهلات للحمل. وقد جعل الله التلذذ عند التقاء الرجل بالمرأة: حرصاً على بقاء الجنس، واستيفاء لحاجة الكون من بني آدم وغيره من الأحياء؛ والمرأة الحائض تستقذر عادة؛ فإذا حاول الرجل إتيانها - وهي على هذه الحال - ربما أبغضها استقذاراً لها؛ فنهانا الحكيم العليم بعدم قربانهن في المحيض ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي حتى ينقطع الدم، ويمتنع الأذى؛ ويغتسلن؛ فيصرن نظيفات طاهرات مؤهلات لما أعدهن الله تعالى له. وقد أثبت الطب تحقق الضرر من التقاء الرجل بالمرأة وقت حيضها ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ جامعوهن ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ في الفرج؛ لا في مكان آخر يكرهونه ويغضب الله تعالى
-[٤٢]- كيف. فلا تعطى المعنى الفاسد الذي ذهبوا إليه ومن المعلوم أيضاً أن الله تعالى أنزل هذا القرآن على مخلوقات تسمع وتعقل وتعي؛ فإذا ما كان هناك أمر تعاف إتيانه أحط الحيوانات؛ فكيف يتوهم حصوله من أفضل المخلوقات ولم نسمع أن حماراً أتى أتاناً في دبرها؛ فكيف نصدق أن إنساناً يستسيغ أن يكره امرأته على إتيانها في غير ما أمر الله تعالى به؟ فليتق الله من يؤمن بالله، ولا يدع شيطانه ينزل به إلى درك لم تنزل إليه البهائم التي لا تعقل وإن الإنسان ليرى العذرة في الطريق فيستقذر أن يمشي بقربها؛ فكيف يذهب بإرادته ويندس في مكانها ووعائها أفَ لمن يفعل ذلك، أو يحاوله؛ وله الويل يوم يسأل عنه ويعاقب عليه.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[٤٣]- في الجاهلية إذا مات عن زوجة: جاء ابنه - من غيرها - أو جاء أحد ورثته؛ فألقى ثوبه عليها وقال: ورثت امرأته كما ورثت ماله. وتصير في حوزته، ويصير أحق بها من كل الناس - حتى من أهلها وأبويها - فإن شاء تزوجها من غير صداق، وإن شاء زوجها وأخذ صداقها لنفسه. فلما أشرقت شمس الإسلام وبزغ قمر السلام: خلصهن من هذا الاستعباد وأنقذهن من الذل والاسترقاق، وأوجب لهن على الرجال - مثل ما يجب للرجال عليهن - من حسن العشرة، وترك المضارة، والحب، والإخلاص، والمودة، والرحمة وغير ذلك من الحقوق التي تعرف بالبديهة، ويحس بها كل ذي عقل وقلب وأمر ألا تزوج إلا بإذنها، وبمن ترتضيه لنفسها. ولا حجة لمن قال بعكس ذلك من الفقهاء؛ لقوله: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن؛ وإذنها صماتها» وقد رد الرسول الكريم؛ صلوات الله تعالى وتسليماته عليه: تزويج الأب ابنته بغير إذنها وقد حثنا الدين الحنيف على التلطف بهن والعناية بأمرهن
وقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي. وأتى عمربن الخطاب رضي الله تعالى عنه بامرأة تصر على فراق زوجها؛ فنظر إلى الزوج فوجده أشعث غير نظيف الثياب؛ فقال: أدخلوه الحمام وألبسوه الأبيض. فلما جيء به نظيف الجسم، نظيف الثياب؛ قال لها: أتقيمين معه؟ قالت: نعم. فأصلح بينهما؛ وقال لمن حضره: تصنعوا لهن كما يتصنعن لكم.
-[٤٤]- رد ما أخذته - إن كانت كارهة له - ولا يجوز للزوج أن يأخذ أكثر مما أعطى؛ إذ هو ظلم بين، ودليل على خسة الطبع، ودناءة النفس وحكمة رد المهر: أنها له كارهة، ولصحبته مبغضة؛ وهو في حاجة للتزوج بغيرها؛ فوجب أخذ ما دفعه ليمهر به سواها. أما إذا كان هو الكاره لها، المائل عنها لغيرها؛ فلا يحل له أصلاً أن يأخذ شيئاً مما آتاها ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ هذا وقد جاءت جميلة بنت سلول - وكانت زوجاً لثابتبن قيس - إلى النبي، وقالت له: يا رسول الله إني لا أعتب على ثابت في دين ولا خلق؛ ولكني أخشى الكفر بعد الإسلام؛ لشدة بغضي له فقال لها سيد ولد آدم: «أتردين عليه حديقته التي أصدقك؟» قالت: نعم وزيادة. فقال: «أما الزيادة فلا؛ ولكن حديقته». فأخذها ثابت وخلى سبيلها. وهذا أول خلع في الإسلام.
وقال بعض الفقهاء بجواز أخذ شيء من مالها. ولا حجة لهم فيه: لقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ واستثنى من ذلك بقوله جل شأنه ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي في هذه الحال فقط يحل أخذ بعض المهر أو كله، في حدود قوله تعالى: ﴿مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ من المهور والهدايا ونحوهما (انظر آية ٢٠ من سورة النساء)
يتعظ ويعمل به ﴿مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الذي يعاقب فيه العاصي على عصيانه، ويثاب فيه الطائع على طاعته أفضل للمآب وأنمى
-[٤٥]- للثواب ﴿وَأَطْهَرُ﴾ لقلوبكم ونفوسكم ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما يصلحكم في دنياكم وأخراكم ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ لجهلكم وقصور أفهامكم، وطمعكم في الحطام الزائل الفاني، ونسيانكم النعيم الدائم الباقي
-[٤٦]- ما يتمتعن به، واكسوهن بعد الطلاق ﴿عَلَى الْمُوسِعِ﴾ الغني ﴿قَدَرُهُ﴾ طاقته ووسعه ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ﴾
الفقير ﴿حَقّاً﴾ أي ذلك التمتيع ﴿حَقّاً﴾ واجباً ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أحسنوا أعمالهم، ورغبوا في إرضاء ربهم
وقيل: صلاة الظهر؛ لتوسطها النهار. وقيل: المغرب أو العشاء. وقيل: الفجر؛ لتوسطها بين صلاة الليل والنهار، ولما فيها من المشقة والثقل على المنافقين. قال «أثقل الصلاة على المنافقين: الصبح والعشاء» وقد أخفاها تعالى: ليحافظ المؤمنون على صلواتهم أجمع ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ﴾ طائعين خاشعين
-[٤٧]- ﴿فإن خرجن﴾ منها باختيارهن - قبل العام، وبعد انتهاء العدة - ﴿فَلاَ جُنَاحَ﴾ لا حرج ولا إثم ﴿عَلَيْكُمْ﴾ يا أولياء الميت، أو يا أيها الحكام ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ بترك الحداد، والتزين، والتعرض للخطّاب ﴿مِن مَّعْرُوفٍ﴾ أي بشرط أن يكون ذلك في حدود المعروف؛ الذي لا ينكره الشرع، ولا العادة، ولا البيئة
فمن كان يتقي الله تعالى؛ فليعط مطلقته - وقد كانت ضجيعته وموضع سره ومحبته - نفقتها «بالمعروف» من غير أذى، ولا معاندة، ولا مضارة
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
-[٤٨]- ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن هو أحق بالملك، وأجدر بالرفعة
أي جاوز طالوت النهر ﴿قَالُواْ﴾ أي قال الذين خانوا أمر طالوت، وشربوا من النهر ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ يتأكدون ﴿أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ اللَّهِ﴾ وهم الذين أطاعوا أمره، وسمعوا قوله؛ ولم يشربوا من النهر ﴿كَم مِّن فِئَةٍ﴾ جماعة
وحاجة الكون إلى الحرب؛ كحاجته إلى الأوبئة والطواعين؛ إذ لو ترك العالم بغير حرب، وبغير وباء؛ لتكدس الناس فوق هذه الأرض تكدس الذباب، ولتكاثروا تكاثر الجراد؛ ولأكل بعضهم بعضاً شأن أحقر الحيوانات وأدنئها
ولكن شتان بين الحروب التي يحتاجها الكون، والحرب التي يدبرها الآن بعض المخلوقين للبعض الآخر؛ فإن الأولى يجب أن تكون لدفع ظلم، أو رد عدوان - وكثيراً ما يقع الظلم، ويحيق العدوان - أما الثانية فهي حروب تدبرها رؤوس خوت من العقل، وقلوب خلت من الرحمة ولا سبب لها سوى حب السيطرة، والسيادة، والتوسع. هذا وقد تطورت الحروب منذ بدء الخليقة حتى الآن: فقد كانت بادىء ذي بدء بالعصى والحجارة، ثم صارت بالمدى والسيوف، والقسي والرماح؛ ثم تطورت إلى البنادق والمدافع؛ وأخيراً - وليس آخراً - دبر الإنسان لهلاك نفسه، ومحو حضارته: القنابل الذرية والهيدروجينية،
-[٤٩]- والكوبالت، والصواريخ الموجهة؛ وما شاكل ذلك من وسائل التخريب والهلاك؛ ليهدم ما بنته الإنسانية في مئات الملايين من السنين، ويجتاح ما شيدته الفطر السليمة من مدنية وحضارة بتوجيه من موجد الكون ومنشئه تعالى ولو استمر دعاة السوء والحرب ما هم عليه الآن؛ لحق لنا أن نقول بحق: إن الجنس الإنساني قد أصبح بغير شك أغبى من الذباب - وقد هداه الله تعالى النجدين - وأحط من الصرصور - وقد خلقه تعالى في أحسن تقويم - وهذا نهاية الطيش والحمق والجنون وهو إن دل على شيء؛ فلا يدل إلا على عقول عفنة، أتلفها الجشع والطمع وقلوب متحجرة، أفسدتها الأنانية وحب الذات وحقاً إن أعدى أعداء الإنسان؛ لهو الإنسان نفسه
ولو خير العقلاء بين هذه الحروب وتلكم الأوباء؛ لاختاروا الثانية وفضلوها على الأولى وذلك لأن الأولى من صنع حثالة الخلائق، ووحوش البشرية؛ والثانية من صنع الحكيم العليم، العزيز الرحيم، الذي لا يصدر أعماله إلا بحكمة، ولا ينفذ قضاءه إلا برحمة؛ وكل شيء عنده بمقدار
وترى دعاة الحروب - رغم استعدادهم بتلك القوى الهائلة، وهذه الأدوات المهلكة - يتميزون بالجبن والخور: يخشون المحن، وعاديات الزمن؛ تحيط بهم الأطباء من كل جانب؛ ليحافظوا على نبضهم وضغطهم وحرارتهم فهم دائماً في مرض ونصب، وهم وتعب (انظر آية ٥٠ من سورة طه) ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ فيسخر هؤلاء للحرب: تبعاً لحاجة الكون إلى الحرب؛ لا تبعاً لحاجاتهم وأطماعهم؛ فتعالى القادر القاهر، المسير المسخر الذي هو بكل شيء عليم
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
فاق النبيين في خلق وفي خلق
ولم يدانوه في علم ولا كرم
لم يساووك في علاك وقد حا
ل سناً منك دونهم وسناء
﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ المعجزات الواضحات، كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ جبريل عليه السلام، وقيل الإنجيل ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُواْ﴾ زكوا وتصدقوا ﴿مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾ به، وأمرناكم بالإنفاق منه ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ هو يوم القيامة
وقد سماهم الله تعالى في هذه الآية بالكافرين وفي آية أخرى بالمشركين، وهذه التسمية بهم أولى وأليق (انظر الآيات ٦ و٧ من سورة فصلت، وآية ١٤صلى الله عليه وسلّم من سورة الأنعام).
-[٥١]- - قتله القبطي - ويقول: ائتوا عيسى فيأتونه فيقول: لست هناكم؛ ائتوا محمداً؛ فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ فيأتوني فأستأذن على ربي، فإذا رأيته وقعت ساجداً؛ فيدعني ما شاء، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه؛ ثم أشفع فيحد لي حداً، ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة؛ ثم أعود فأقع ساجداً مثله - في الثالثة أو الرابعة - حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن أي أوجب عليه الخلود» (انظر آية ٩٣ من سورة النساء) ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾
أي ما سيعملونه، وما عملوه ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ أن يعلمهم إياه ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ أي وسع علمه ﴿السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وما فيهما ﴿وَلاَ نَوْمٌ﴾ لا يشق عليه تعالى ولا يتعبه ﴿حِفْظُهُمَا﴾ بهذا النظام العجيب، والتدبير البديع ﴿لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ الْلَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾
نصراؤهم وأصدقاؤهم} الإيمان والعلم ﴿إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ الكفر والجهل. جعلنا الله تعالى من المؤمنين الجديرين بولايته وحمايته، وأخرجنا من ظلمات الكفر والجهل، إلى نور الإيمان والعلم
-[٥٢]- ذي الجلال والإكرام؛ الذي يؤتي فضله من يشاء - منحة أو محنة - ليقيم بذلك الدليل على وجوده، والبرهان على وحدانيته ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ لعدو الله نمروذ ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي يخلق الحياة والموت ﴿قَالَ﴾ نمروذ ﴿أَنَا﴾ أيضاً ﴿أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ مثلما يحيي ربك ويميت ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ إن استطعت. وهنا أسقط في يد الكافر الخاسر؛ وقامت عليه الحجة القاطعة الدامغة ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ دهش وتحير، ولم يحر جواباً وذلك لأن إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام ألهمه مولاه أن يسلك مع عدو الله أسلوباً قاطعاً لكل جدل، دامغاً لكل حجة: لقد قال الكافر لإبراهيم - جواباً على تقريره بأن الله تعالى يحيي ويميت - «أنا أحيي وأميت» فلو قال إبراهيم: كيف تحيي وكيف تميت؛ وقد انفرد الله تعالى بهما دون سائر الخلائق؟ لأحضر عدو الله إنساناً مقضياً بموته فأطلقه، وإنساناً بريئاً فأماته؛ وكان لإبراهيم على ذلك رد آخر: وهو أن الله تعالى يحيي ابتداء ويميت بغير أداة؛ ولاتسعت بينهما رقعة الجدال؛ ولكن الله تعالى ألهمه العدول عن مجاراته في هذه المهاترات، والتضييق عليه بالحجة التي لا تقبل التأويل، ولا تحتمل الجدل، ولا تتسع للمحاورة والمداورة؛ فقال له: «إن الله يأتي بالشمس من المشرق» فإن كنت إلهاً كما تزعم ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ وأنى لعدو الله أن يتعرض لملك الله بتغيير، أو لنظامه بتبديل؟
-[٥٣]- من هذه القالة - أن إبراهيم عليه السلام كان شاكاً في البعث، أو كان مرتاباً في قدرة ربه تعالى - وهو صفيه وخليله ومصطفاه - ولا يجوز بحال نسبة الشك، أو الارتياب إلى الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام؛ خصوصاً في أهم المعتقدات التي يتوقف عليها صحة الإيمان: كالبعث والإحياء. وأمامنا الكهرباء واللاسلكي وأمثالهما؛ فما من أحد إلا ويؤمن بهما إيماناً يقينياً وهو لا يعرف كيفيتهما أو كنههما؛ ويود لو توصل إلى عرفانهما. ولا يقال: إنه بطلبه هذه المعرفة شاك فيهما، غير مؤمن بوجودهما ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ اضممهن ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾
قيل: إنه أخذ أربعة أصناف من الطيور؛ فذبحها وخلط بين لحمها وعظمها ودمها وريشها، وجعل على كل جبل جزءاً منها؛ ثم نادى: تعالين بإذنالله؛ فصار كل جزء منهن يتضامُّ إلى الآخر ويتماسك، وجئن إليه طائرات كما كن
-[٥٤]- جواد.
وما أكثر هؤلاء في عصرنا هذا ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي مثل المنفق رياء ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ حجر أملس ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ مطر غزير ﴿فَتَرَكَهُ صَلْداً﴾ أملس لم يعلق به شيء؛ فكذلك من يرائي بعبادته وإنفاقه؛ فإن رياءه يذهب ثواب عمله، ولا يبقي له أجراً؛ كما يذهب المطر ما على الحجر الصلد الأملس من التراب ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ﴾ أي لا يجدون ثواب شيء مما أنفقوا؛ لأنهم أنفقوه رياء؛ وابتغاء الفخر؛ لا ابتغاء وجه الله تعالى ومرضاته. هذا مثلهم
وهذا تمثيل لذهاب ثواب المرائي يوم القيامة؛ وهو أشد ما يكون احتياجاً إلى قليل الثواب
-[٥٥]- ما تقدمونه من الخبيث؛ لتأخذوه في حق من حقوقكم؛ ما قبلتموه لفساده ورداءته ﴿إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ أي إلا أن تغضوا أبصاركم عن خبثه ورداءته؛ فكيف تقدمونلله ما لا ترضونه لأنفسكم أتجعلونلله ما تكرهون؟ والإغماض: غض البصر. وهو كناية عن المسامحة ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عنكم وعن إنفاقكم؛ ولكنه تعالى يمتحن بهذه الأوامر قلوبكم ﴿حَمِيدٌ﴾ محمود، وأهل لكل حمد. أو «حميد» يحمد أفعالكم الحسنة؛ فيجازيكم عليها
والحكمة: العلم النافع، الموصل لخيري الدنيا والآخرة ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ ومن الحكمة: أن يعلم الإنسان أن الله تعالى صادق الوعد، وأن ما يبذله في سبيله سيؤتيه مكانه أضعافاً مضاعفة في الدنيا، وثواباً عظيماً ومغفرة ورضواناً في الآخرة ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ يتذكر ﴿إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ ذووا العقول
﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ﴾ بحالهم ﴿أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ وذلك لإبائهم السؤال، ومجانبتهم التملق والتزلف ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ بما يلوح عليهم من انكساف البال، ورثاثة الحال ﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ إلحاحاً أي يأخذونه ويستحلونه. والربا: الزيادة. هذا وقد فشا الربا في مجتمعنا هذا فشواً شنيعاً ذريعاً؛ ينذر بضياع الثروة، ومحو البركة، وسقوط المحبة، وانعدام التعاطف والتراحم بين الناس. وآكلوا الربا
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لأنه عن تراضٍ. كما أن الزيادة في ثمن المبيع بسبب تأخير دفع الثمن؛ لا غبار عليها، وهي مما أحل الله ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ لأنه ظلم وغصب - ولو أنه يتخذ دائماً مظهر الرضا في كثير من الأحيان - ومن عجب أن قام أناس من العلماء، يحلون ذلك الوباء؛ فإن الله وإنا إليه راجعون ﴿فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ﴾ تهديه إلى سواء السبيل، وتحول بينه وبين هذا الداء الوبيل ﴿فَانْتَهَى﴾ فامتنع عن أكل الربا، ورجع إلى الله تعالى ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾
-[٥٧]- ما مضى من أمره قبل مجيء الموعظة، ولا يعاقبه الله تعالى عليه؛ بشرط أن يرد ما أخذه لأربابه؛ لأنه ظلم. والظلم قرين الكفر قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ﴾ ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ إلى أكل الربا؛ بعد استماع الموعظة ﴿فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وأولئك الذين أعلن الله تعالى ورسوله الحرب عليهم: ﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
هذا فضلاً عن زيادة ثواب الزكاة والصدقة ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ ﴿وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ﴾ شديد الكفر ﴿أَثِيمٍ﴾ كثير الإثم
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
انظر أيها المؤمن كيف يعلمنا الله تعالى النظام والكتابة؛ ليحل الوئام مكان الخصام، والوفاق مكان الشقاق؛ فله تعالى الحمد والمنة، والشكر والنعمة ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ لأنه هو المدين، وهو الذي يعلم مبلغ يساره ووقته ﴿وَلْيَتَّقِ﴾ المدين المملي ﴿اللَّهَ رَبَّهُ﴾ أو «وليتق» الكاتب ﴿وَلاَ يَبْخَسْ﴾ لا ينقص ﴿مِنْهُ شَيْئاً﴾ أي من الدين ﴿فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ المدين ﴿سَفِيهاً﴾ لا يحسن التصرف ﴿أَوْ ضَعِيفاً﴾ عن الإملاء؛ لمرض، أو كبر ﴿أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ﴾ لخرس، أو عي ونحوهما ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ متولي
-[٥٨]- أمره؛ كوالد، أو ولد، أو وصي، أو قيم ﴿أَن تَضِلَّ﴾ أي خشية أن تنسى ﴿إْحْدَاهُمَا﴾ إحدى المرأتين ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ بما نسيته ﴿وَلاَ يَأْبَ﴾ لا يمتنع ﴿الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾ للشهادة ﴿وَلاَ تَسْأَمُواْ﴾ لا تملوا ﴿أَن تَكْتُبُوهُ﴾ أي الدين ﴿صَغِيراً﴾ كان ﴿أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ﴾ مدته، وموعد أدائه ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ﴾ أعدل ﴿وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ﴾ أقرب ألا تشكوا في مقدار الدين وأجله ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ بالتسليم وتسلم الثمن ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا﴾ إذ لا فائدة من الكتابة؛ فقد تم تسلم البضاعة، وتم دفع ثمنها ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ﴾ بسبب كتابته ﴿وَلاَ شَهِيدٌ﴾ بسبب شهادته؛ ما داما قد قاما بما أمر الله به من العدل والاستقامة ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ﴾ ما نهيتم عنه، وألحقتم الضرر بمن كتب، أو شهد ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ خروج عن الطاعة ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ خافوه، واخشوا عقابه ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ ما لم تكونوا تعلمون؛ بسبب خشيتكم وتقواكم
-[٥٩]- ما لا طاقة لنا به) أي لا تحملنا ما يصعب علينا القيام به. وليس معناه: لا تحملنا ما لا قدرة لنا على احتماله لأن ما لا قدرة عليه؛ لا يدخل في باب التكليف ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ﴿أَنتَ مَوْلاَنَا﴾ سيدنا ومتولي أمورنا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تم عرض جميع الآيات
281 مقطع من التفسير