تفسير سورة سورة البقرة
محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الهرري الشافعي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الهرري الشافعي (ت 1441 هـ)
الناشر
دار طوق النجاة، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى
﴿الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾.
أسباب النزول
وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات من قوله: ﴿الم﴾ إلى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ أقوالا.
أحدهما: أنّها نزلت في مؤمني أهل الكتاب دون غيرهم، وهو قول ابن عباس وجماعة.
والثاني: نزلت في جميع المؤمنين، قاله مجاهد. اه. من «البحر».
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿الم﴾: الله أعلم بمراده بذلك، فأرجح الأقوال في هذه الأحرف التي ابتدىء بها كثير من السور سواء كانت أحاديّة: كـ ﴿ق﴾ و ﴿ص﴾ و ﴿ن﴾، أو ثنائية: كـ ﴿طس﴾ و ﴿يس﴾، أو ثلاثية: كـ ﴿الم﴾ و ﴿الر﴾ و ﴿طسم﴾، أو رباعية: كـ ﴿المص﴾ و ﴿المر﴾ أو خماسيّة: كـ ﴿كهيعص﴾: أنّه من المتشابه الذي اختصّ الله سبحانه وتعالى بعلمه، وعلى هذا فلا محلّ لها من الإعراب؛ لأنّ الإعراب فرع عن إدراك المعنى، فلا يحكم عليها بإعراب، ولا بناء، ولا تركيب مع عامل.
والحاصل: أنّ مجموع الأحرف المنزلة في أوائل السور: أربعة عشر حرفا، وهي نصف حروف الهجاء، وقد تفرّقت في تسع وعشرين سورة، المبدوء بالألف
وعبارة «الروح» هنا: واعلموا أنّهم تكلّموا في شأن هذه الفواتح الكريمة، وما أريد بها. فقيل: إنّها من العلوم المستورة، والأسرار المحجوبة؛ أي: من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، وهي سرّ القرآن، فنحن نؤمن بظاهرها، ونكل العلم فيها إلى الله تعالى، وفائدة ذكرها: طلب الإيمان بها، والإشارة إلى أنّ القرآن إنّما نزل للإعجاز. وقيل: كلّ حرف منها مفتاح اسم من أسمائه تعالى، فالألف: مفتاح اسم الجلالة، واللام: مفتاح اسم اللطيف، والميم: مفتاح اسم المجيد، كما أنّ قوله تعالى: ﴿الر﴾ أنا الله أرى، و ﴿كهيعص﴾ أنا الله الكريم الهادي الحكيم العليم الصادق، وكذا قوله تعالى: ﴿ق﴾ إشارة إلى أنّه القادر، و ﴿ن﴾ إشارة إلى أنّه النور الناصر، فهي حروف مقطعة كلّ منها مأخوذ من اسم من أسمائه تعالى، والاكتفاء ببعض الكلمة معهود في العربية، كما قال الشاعر:
قلت لها قفي فقالت ق
أراد قالت: وقفت وقال زهير:
| بالخير خيرات وإن شرّا فا | ولا أريد الشّرّ إلّا أن تا |
وقال الشيخ الأكبر - رحمه الله تعالى في «تفسيره»: وأمّا الحروف المجهولة التي أنزلها الله تعالى في أوائل السور، فسبب ذلك؛ من أجل لغو العرب عند
وقال المراغي: ﴿الم﴾ هي وأمثالها من الحروف المقطعة، نحو: ﴿المص﴾ و ﴿الر﴾ حروف للتنبيه كألا، ويا، ونحوهما مما وضع؛ لإيقاظ السامع إلى ما يلقى بعدها، فهنا جاءت؛ للفت نظر المخاطب إلى وصف القرآن الكريم، والإشارة إلى إعجازه، وإقامة الحجة على أهل الكتاب، إلى نحو ذلك مما جاء في أثناء السورة.
وتقرأ مقطعة بذكر أسمائها ساكنة الأواخر، فيقال: ألف لام ميم، كما يقال في أسماء الأعداد: واحد اثنان ثلاثة. انتهى. وعلى هذا القول: فلا محلّ لها من الإعراب، كالقول الأوّل الراجح. وقيل: إنّها أسماء للسور التي ابتدئت بها. وقيل: أسماء للقرآن. وقيل: أسماء لله تعالى. وقيل: كل حرف منها مفتاح اسم من أسمائه تعالى، كما مرّ؛ أي: إنّ كلّ حرف منها اسم مدلوله حرف من حروف المباني، وذلك الحرف جزء من اسم من أسماء الله تعالى، فألف: اسم مدلوله اه من الله، واللام، اسم مدلوله له من لطيف، والميم: اسم مدلوله مه من مجيد. وقيل: كلّ حرف منها يشير إلى نعمة من نعم الله تعالى. وقيل: إلى ملك. وقيل: إلى نبيّ. وقيل: الألف تشير إلى آلاء الله، واللام تشير إلى لطف الله، والميم تشير إلى ملك الله. وعلى هذه الأقوال فلها محلّ من الإعراب، فقيل: الرفع، وقيل: النصب، وقيل: الجرّ. فالرفع على أحد وجهين: إما بكونها مبتدأ خبرها ما بعدها، وإما بكونها خبرا لمحذوف، كما سيأتي بيانه. والنصب على
| إذا ما الخبز تأدمه بلحم | فذاك أمانة الله الثريد |
فتلخّص مما تقدّم: أنّ في ﴿الم﴾ ونحوها ستة أوجه، وهي: أنّها لا محلّ لها من الإعراب، أو لها محلّ وهو الرفع بالابتداء، أو على الخبر، والنصب بإضمار فعل، أو حذف حرف القسم، والجرّ بإضمار حرف القسم.
٢ - وأما قوله: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ﴾ فيجوز في ذلك أن يكون مبتدأ ثانيا، والكتاب خبره، والجملة خبر ﴿الم﴾، وأغني عن الرابط باسم الإشارة، ويجوز أن يكون ﴿الم﴾ مبتدأ، و ﴿ذلِكَ﴾ خبره، و ﴿الْكِتابُ﴾ صفة لذلك، أو بدل منه، أو عطف بيان، و ﴿لا رَيْبَ﴾ فِيهِ خبر للمبتدأ الثاني، وهو وخبره خبر عن الأول، ويجوز أن يكون ﴿الم﴾ خبر مبتدأ مضمر تقديره: هذه ألم، فتكون جملة مستقلّة بنفسها، ويكون ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ و ﴿الْكِتابُ﴾ خبره، ويجوز أن يكون صفة له، أو بدلا، أو بيانا، و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ هو الخبر عن ذلك، أو يكون ﴿الْكِتابُ﴾ خبرا لذلك، و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر ثان.
تنبيه: ثمّ اعلم أنّ المتشابه كالمحكم من جهة أجر التلاوة؛ لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه - قال: قال رسول الله: «من قرأ حرفا من كتاب الله، فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ﴿الم﴾ حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، ففي ألم تسع حسنات».
فائدة هذا الربع من هذه السورة ينقسم أربعة أقسام:
قسم يتعلّق بالمؤمنين ظاهرا وباطنا، وهو الآيات الأربع الأول إلى
وقسم يتعلّق بالكافرين كذلك، وهو الآيتان بعد ذلك.
وقسم يتعلّق بالمؤمنين ظاهرا لا باطنا، وهو ثلاث عشر آية من قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ إلى قوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ﴾.
وقسم يتعلق بالفرق الثلاثة، وهو من قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إلى آخر الربع. اهـ. شيخنا.
فعلى القول الأول: الراجح الذي جرى عليه السلف: أنّ ﴿الم﴾ مهمل لا يحكم عليه بإعراب، ولا بناء، وقوله: ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿الْكِتابُ﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان له، أو صفة له، وجملة ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر المبتدأ. والمعنى؛ أي: (١) هذا القرآن المنزل عليك يا محمّد لا ريب، ولا شكّ، ولا تهمة، في أنّه منزل من عند الله تعالى لمن تدبّر فيه وتأمّل، وتذكّر لما اشتمل عليه من الإعجاز الباهر. وأشار إليه بإشارة البعيد؛ تنزيلا لبعد المرتبة منزلة البعد الحسّيّ.
فإن قلت: إنّ الريب فيه موجود عند بعض الناس كالكفار، فكيف نفي الريب عنه؟
قلت: المعنى لا ريب به عند المؤمنين، كما أشرنا إليه في الحلّ.
وعلى القول: بأنّ ﴿الم﴾ اسم للقرآن، فهو؛ أي لفظ ﴿الم﴾: مبتدأ و ﴿ذلِكَ﴾ خبره إشارة إلى الكتاب، و ﴿الْكِتابُ﴾: صفة لاسم الإشارة، والمعنى: ﴿الم﴾ هو ذلك الكتاب الكامل الموعود إنزاله في الكتب المتقدمة حال كونه لا ريب ولا شكّ في إنزاله من عند الله تعالى، وإنّما أشار بذلك إلى ما ليس ببعيد؛
قالوا: لمّا أنزل الله تعالى على موسى التوراة، وهي: ألف سورة كل سورة ألف آية. قال موسى عليه السلام: يا ربّ ومن يطيق قراءة هذا الكتاب وحفظه؟ فقال تعالى: إنّي أنزل كتابا أعظم من هذا، قال: على من يا ربّ؟ قال: على خاتم النبيين، قال: وكيف تقرؤه أمته، ولهم أعمار قصيرة؟ قال: إنّي أيسره عليهم حتى يقرأه صبيانهم، قال: يا ربّ وكيف تفعل؟ قال: إنّي أنزلت من السماء إلى الأرض مئة وثلاثة كتب: خمسين على شيث، وثلاثين على إدريس، وعشرين على إبراهيم، والتوراة عليك، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى، وذكرت الكائنات في هذه الكتب، فأذكر جميع معاني هذه الكتب في كتاب محمد صلّى الله عليه وسلّم، وأجمع ذلك كلّه في مائة وأربع عشرة سورة، وأجعل هذه السور في ثلاثين جزءا، والأجزاء في سبعة أسباع؛ يعني: في سبع آيات (الفاتحة)، ثمّ أجعل معانيها في سبعة أحرف، وهي ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، ثمّ ذلك كلّه في الألف من ﴿الم﴾ ثمّ افتتح سورة (البقرة) فأقول ﴿الم﴾. ولمّا وعد الله ذلك في التوراة، وأنزله على محمد صلّى الله عليه وسلّم جحدت اليهود لعنهم الله تعالى أن يكون هذا ذلك، فقال تعالى: ذلك الكتاب، كما في تفسير «التيسير». وقد مرّ لك: أنّ في هذه الآية أوجه أخر من الإعراب، وسيأتي تطبيق بعضها في مبحث الإعراب.
والكتاب: (١) اسم بمعنى المكتوب، وهو النقوش والرقوم الدالّة على المعاني، والمراد به هنا: الكتاب المعروف المعهود للنبي صلّى الله عليه وسلّم الذي وعده الله تعالى به؛ لتأييد رسالته، وكفل به هداية طلّاب الحقّ، وإرشادهم إلى ما فيه سعادتهم في معاشهم ومعادهم.
وفي التعبير به: إيماء إلى أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يؤمر بكتابة شيء سواه، وعدم كتابة القرآن كلّه بالفعل حين الإشارة إليه لا يمنع الإشارة، ألا ترى أنّ من
﴿لا رَيْبَ﴾: كائن ﴿فِيهِ﴾، فقوله: (١) ﴿رَيْبَ﴾: اسم لا، و ﴿فِيهِ﴾: خبرها، وهو في الأصل: من رابني الشيء، إذا حصل فيك الريبة، وهي قلق النفس واضطرابها، سمّي به الشكّ؛ لأنّه يقلق النفس، ويزيل الطمأنينة، قال الشاعر:
| ليس في الحقّ يا أميّة ريب | إنّما الرّيب ما يقول الكذوب |
فإن قلت: الكفّار شكّوا فيه فلم يقرّوا بكتاب الله تعالى، والمبتدعون من أهل القبلة شكّوا في معاني متشابهه، فأوّلوها وضلّوا بها، والعلماء شكّوا في وجوهه، فلم يقطعوا القول على وجه منها، والعوامّ شكّوا فيه فلم يفهموا معانيه، فما معنى نفي الريب عنه؟.
فالجواب: إنّ هذا إنما هو نفي الريب عن الكتاب لا عن الناس، والكتاب موصوف بأنّه لا يتمكّن فيه ريب، فهو حقّ صدق معلوم ومفهوم شكّ فيه الناس، أو لم يشكّوا، كالصدق صدق في نفسه وإن وصفه الناس بالكذب، والكذب كذب وإن وصفه الناس بالصدق، فكذا الكتاب ليس مما يلحقه ريب، أو يتمكن فيه عيب، ويجوز أن يكون خبرا في معنى الأمر، ومعناه: لا ترتابوا، كقوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ المعنى: لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا، كما في «الوسيط» و «العيون».
والهاء (٢) المتصلة بفي من ﴿فِيهِ﴾: ضمير غائب مذكر مفرد، وقد يوصل بياء، وهي قراءة ابن كثير، وحكم هذه الهاء بالنسبة إلى الحركة، والإسكان، والاختلاس، والإشباع في كتب النحو. والوقف (٣) على ﴿فِيهِ﴾ هو المشهور، وقد روي عن نافع، وعاصم، الوقف على ﴿لا رَيْبَ﴾. قال في «الكشاف»: ولا بد للواقف من أن ينوي خبرا، ونظيره قوله تعالى: ﴿قالُوا لا ضَيْرَ﴾، وقول العرب: لا بأس. وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز، والتقدير: لا ريب فيه. فيه هدى.
﴿هُدىً﴾؛ أي: هو رشد وبيان ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: (٤) للضالّين المشارفين التقوى الصائرين إليها. ومثله حديث «من قتل قتيلا فله سلبه»، وقال أبو السعود في «الإرشاد» ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: للمتصفين بالتقوى حالا، أو مآلا. وتخصيص الهدى بهم؛ لما أنّهم المقتبسون من أنواره المنتفعون بآثاره، وإن كان ذلك شاملا لكلّ ناظر من مؤمن وكافر. والهداية: عبارة عن الدلالة. وقيل: دلالة بلطف.
وقيل: هو هاد لا ريب في هدايته للمتقين. قال في «التيسير»: وكذلك يقال في كلّ من انتفع بشيء دون غيره: إنه لك على الخصوص؛ أي: المنتفع به وحدك.
وليس في كون بعض الناس لم يهتدوا به ما يخرجه من أن يكون هدى، فالشمس
(٢) البحر المحيط.
(٣) الشوكاني.
(٤) روح البيان.
والمتقين: جمع متّق، والمتقي: اسم فاعل من باب الافتعال من الوقاية، وهي فرط الصيانة، قال البغوي: هو مأخوذ من الاتقاء، وأصله: الحاجز بين الشيئين، ومنه يقال: اتقى بترسه؛ أي: جعله حاجزا بين نفسه وبين من يقصده. وفي الحديث: كنّا إذا احمرّ البأس، اتقينا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ أي: إذا اشتد الحرب جعلناه حاجزا بيننا وبين العدوّ، فكأنّ المتقي يجعل امتثال أمر الله، والاجتناب عمّا نهاه حاجزا بينه وبين العذاب. والتقوى في عرف الشرع (١): عبارة عن كمال التوقّي عمّا ضرّه في الآخرة، وله ثلاث مراتب:
الأولى: التوقّي عن العذاب المخلّد؛ بالتبرّي من الكفر، وعليه قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى﴾.
والثانية: التجنّب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم، وهو المتعارف بالتقوى في الشرع، وهو المعني بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾.
والثالثة: أن يتنزّه عما يشغل سرّه عن الحقّ عز وجلّ، ويتبتل إليه بكليته، وهو التقوى الحقيقية المأمور بها في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾. وأقصى مراتب هذا النوع من التقوى: ما انتهى إليه همم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حيث جمعوا رياستي النبوة والولاية، وما عاقهم التعلّق بعالم الأشباح، عن العروج إلى عالم الأرواح، ولم تصدّهم الملابسة بمصالح الخلق، عن الاستغراق في شؤون الحقّ؛ لكمال استعداد نفوسهم الزكية المؤيّدة
وفي «التأويلات النجمية»: المتقون هم الذين أوفوا بعهد الله من بعد ميثاقه، ووصلوا به ما أمر الله أن يوصل به من مأمورات الشرع ظاهرا وباطنا، يدلّ على هذا قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾.
والعقاب الذي يتّقى منه ضربان (١): دنيوي وأخروي، وكلّ منهما يتّقى باتقاء أسبابه، فعقاب الدنيا يستعان على اتقائه بالعلم بسنن الله في الخليقة، وعدم مخالفة النظم التي وضعها في الكون، فاتقاء الفشل والخذلان في القتال مثلا، يتوقّف على معرفة نظم الحرب، وفنونها، وآلاتها، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ﴾، كما يتوقّف على القوة المعنوية: من اجتماع الكلمة، واتحاد الأمة، والصبر والثبات، والتوكل على الله، واحتساب الأجر عنده، وعقاب الآخرة يتقى: بالإيمان الخالص، والتوحيد، والعمل الصالح، واجتناب ما يضادّ ذلك من الشرك، واجتناب المعاصي والآثام التي تضرّ المرء، أو تضرّ المجتمع.
والمتقون في هذه الآية: هم الذين سمت نفوسهم، فأصابت ضربا من الهداية، واستعدادا لتلقي نور الحقّ، والسعي في مرضاة الله بقدر ما يصل إليه إدراكهم، ويبلغ إليه اجتهادهم. وقد كان من هؤلاء ناس في الجاهلية كرهوا عبادة الأصنام، وأدركوا أنّ خالق الكون لا يرضى بعبادتها، كذلك كان من أهل الكتاب ناس يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين.
ومن المعلوم: أنّ في قوله: ﴿هُدىً﴾ مجازا عقليًّا؛ لما فيه من إسناد الشيء إلى سببه؛ أي: هو هاد، أو مجازا بالحذف؛ أي: ذو هدى، أو مبالغة
والمعنى؛ أي: هذا الكتاب هاد ومرشد للمؤمنين المتصفين بالتقوى من سخط الله تعالى، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
٣ - ثم وصف المتقين بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي يصدّقون ويوقنون ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي: بالشيء الغائب عنهم مما لم تدركه عقولهم، ولم تعرفه حواسّهم مما أخبرهم الرسول صلّى الله عليه وسلّم، أو القرآن من اليوم الآخر وأحواله من البعث، والحشر، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار، وغير ذلك من أهواله.
والإيمان: تصديق جازم يقترن بإذعان النفس واستسلامها، وأمارته: العمل بما يقتضيه الإيمان، وهو يختلف باختلاف مراتب المؤمنين في اليقين. والغيب: ما غاب عنهم علمه، كذات الله سبحانه، وملائكته، ، والدار الآخرة وما فيها من البعث، والنشور، والحساب، والمجازاة. والإيمان بالغيب: هو اعتقاد وجود موجود وراء المحسّسات، متى أرشد إليه الدليل، أو الوجدان السليم. ومن يعتقد بهذا يسهل عليه التصديق بوجود خالق للسموات والأرض، منزه عن المادّة وتوابعها، وإذا وصف له الرسول العوالم التي استأثر الله وانفرد بعلمها، كعالم الملائكة، أو وصف له اليوم الآخر، لم يصعب عليه التصديق به بعد أن يستيقن صدق النبي الذي جاء به، أمّا من لا يعرف إلّا ما يدركه الحسّ، فإنه يصعب إقناعه، وقلّما تجد الدعوة إلى الحق من نفسه سبيلا.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ إمّا (١) موصول بالمتقين، ومحلّه الجرّ على أنّه صفة مقيّدة له، إن فسّرت التقوى بترك المعاصي فقط، مرتّبة عليه ترتيب التحلية على التخلية، أو موضحة إن فسرت التقوى بما هو المتعارف شرعا، والمتبادر عرفا من فعل الطاعات، وترك المعصيات معا؛ لأنّها حينئذ تكون تفصيلا لما انطوى عليه اسم الموصول إجمالا، وصفة مادحة للموصوفين بالتقوى المفسّرة بما مرّ من فعل الطاعات، وترك السيئات. وتخصيص ما ذكر من
وقرأ الجمهور (١): ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ بالهمزة ساكنة بعد الياء، وهي فاء الكلمة، وحذف همزة أفعل حيث وقع ذلك ورش والسوسي وأبو جعفر وقفا ووصلا، وحمزة وقفا فقط وهذه القراءات كلها في المتواتر، وقرأ رزين - شاذا - بتحريك الهمزة، مثل: ﴿يُؤَخِّرَكُمْ﴾، ووجه قراءته أنه حذف الهمزة التي هي فاء الكلمة؛ لسكونها، وأقرّ همزة أفعل؛ لتحركها، وتقدمها، واعتلالها في الماضي والأمر. اهـ. من «البحر».
وقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾: الغيب هنا مصدر بمعنى اسم الفاعل، كما مرّت الإشارة إليه، قال أبو السعود: والغيب: إما مصدر وصف به الغائب مبالغة، كالشهادة في قوله تعالى: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾؛ أي: ما غاب عن الحسّ والعقل غيبة كاملة بحيث لا يدرك بواحد منهما ابتداء بطريق البداهة، وهو قسمان:
قسم: لا دليل عليه، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ﴾.
وقسم: قامت عليه البراهين كالصانع وصفاته، والنبوات وما يتعلق بها من الأحكام، والشرائع، واليوم الآخر، وأحواله من البعث والنشر، والحساب والجزاء، وهو المراد ههنا. فالباء: صلة للإيمان إما بتضمينه معنى الاعتراف، أو بجعله مجازا عن الوثوق، وهو واقع موقع المفعول به. وإمّا مصدر على حاله كالغيبة، فالباء: متعلّقة بمحذوف وقع حالا من الفاعل، كما في قوله تعالى:
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾؛ أي: يؤدّونها بحقوقها الظاهرية من الشروط، والأركان، والسنن، وترك المفسدات، والمكروهات، والباطنية، كالخشوع، وحضور القلب، والإخلاص. والصلاة في هذه الآية: اسم جنس، أريد بها الصلوات الخمس، كما في «الروح». وإقامتها: عبارة عن تعديل أركانها، وحفظها من أن يقع في شيء من فرائضها، وسننها، وآدابها خلل، من أقام العود إذا قوّمه وعدّله. وقيل: عبارة عن المواظبة عليها من قولهم: قامت السوق إذا نفقت. وقيل: عبارة عن التشمير لأدائها من غير فتور ولا توان، من قولهم: قام بالأمر وأقامه إذا جدّ فيه وتجاد، وضدّه قعد عن الأمر وتقاعد.
واعلم: أنّ الصلاة في اللغة: الدعاء، كما قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، ودعاء المعبود بالقول، أو بالفعل، أو بكليهما، يشعر العابد بالحاجة إليه؛ استدرارا للنعمة، أو دفعا للنقمة، والصلاة على النحو الذي شرعه الإسلام، من أفضل ما يعبّر عن الشعور بعظمة المعبود وشديد الحاجة إليه، لو أقيمت على وجهها، أمّا إذا خلت عن الخشوع، فإنّها تكون صلاة لا روح لها، وإن كانت قد وجدت صورتها، وهي الكيفيات المخصوصة، ولا يقال للمصّلي حينئذ: أنّه امتثل أمر ربه، فأقام الصلاة؛ لأنّ الإقامة مأخوذة من أقام العود، إذا سواه وأزال اعوجاجه، فلا بد فيها من حضور القلب في جميع أجزائها، واستشعار الخشية
ولما للصلاة من خطر في تهذيب النفوس والسمو بها إلى الملكوت الأعلى، أبان الله سبحانه عظيم آثارها بقوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، وجعلها النبي صلّى الله عليه وسلّم عماد الدين، فقال: «الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإسلام». وقد أمر الله سبحانه بإقامتها بقوله سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، والمحافظة عليها، وإدامتها بقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾، وبأدائها في أوقاتها بقوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾، وبأدائها جماعة بقوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، وبالخشوع فيها بقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾.
﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ﴾ أي: ومن بعض ما أعطيناهم، وملّكناهم من الأموال؛ لأنّ المراد بالرزق هنا: الملك، وليس المراد به الرزق الحقيقي، إذ لا يمكن تعديه لغيره. وفي قوله: ﴿وَمِمَّا﴾ حذف نون من التبعيضية لفظا وخطّا؛ لإدغامها في ما الموصولة. ﴿يُنْفِقُونَ﴾: ويصرفون إنفاقا واجبا، كالزكاة، والنفقة على الوالدين والعيال، أو مندوبا، كالتوسعة على العيال، ومواساة الأقارب والفقراء، فالإنفاق هنا شامل للواجب والمندوب، كما اختاره ابن جرير. وروي عن ابن عباس: أنّ المراد بها: زكاة الأموال. والرزق في اللغة: العطاء، وفي العرف: ما ينتفع به الحيوان، وهو يتناول الحلال والحرام عند أهل السنة، كما قال أحمد بن رسلان:
| يرزق من شاء ومن شا أحرما | والرزق ما ينفع ولو محرّما |
والإنفاق والإنفاد أخوان، خلا أنّ في الثاني معنى الإذهاب بالكلية دون الأول، والمراد بهذا الإنفاق: الصرف إلى سبيل الخير فرضا كان أو نفلا. ومن فسّره بالزكاة ذكر أفضل أنواعه والأصل فيه، أو خصصه بها لاقترانه بما هي شقيقتها وأختها، وهي الصلاة.
واعلم: أنّه سبحانه ذكر في الآية الإيمان، وهو بالقلب، ثمّ الصلاة وهي بالبدن، ثمّ الإنفاق وهو بالمال، وهو مجموع كل العبادات. ففي الإيمان النجاة، وفي الصلاة المناجاة، وفي الإنفاق الدرجات، وفي الإيمان البشارة، وفي الصلاة الكفارة، وفي الإنفاق الطهارة، وفي الإيمان العزة، وفي الصلاة القربة، وفي الإنفاق الزيادة.
فصل في مسائل تتعلق بالصلاة
المسألة الأولى: واعلم أنّ الناس بالنسبة إلى الصلاة على أربع طباق:
الأولى: طبقة لم يقبلوها، ورأسهم أبو جهل لعنه الله، وفي حقّه قال تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾، وذكر مصيرهم بقوله: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾.
والثانية: طبقة قبلوها ولم يؤدوها، وهم أهل الكتاب، وذكرهم الله تعالى
والثالثة: طبقة قبلوها وأدّوا بعضا منها، ولم يؤدُّوا بعضا آخر متكاسلين، وهم المنافقون، وذكرهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾.
والرابعة: طبقة قبلوها، وهم يراعونها في أوقاتها بشرائطها، ورأسهم المصطفى صلّى الله عليه وسلّم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾، وأصحابه كذلك، وذكرهم الله تعالى بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾، وذكر مصيرهم بقوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾.
المسألة الثانية: روي (١) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - (بعث الله النبي صلّى الله عليه وسلّم بشهادة أن لا إله إلّا الله، فلمّا صدّق زاد الصلاة، فلمّا صدّق زاد الزكاة، فلمّا صدّق زاد الصيام، فلمّا صدّق زاد الحج، ثمّ الجهاد، ثمّ أكمل لهم الدين).
وقال مقاتل: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يصلّي بمكة ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشاء، فلمّا عرج به إلى السماء أمر بالصلوات الخمس، كما في «روضة الأخيار».
وإنما فرضت الصلاة ليلة المعراج؛ لأنّ المعراج أفضل الأوقات، وأشرف الحالات، وأعزّ المناجات، والصلاة بعد الإيمان أفضل الطاعات، وفي التعبّد أحسن الهيئات، ففرض أفضل العبادات في أفضل الأوقات، وهو وصول العبد إلى ربّه، وقربه منه.
المسألة الثالثة: في ذكر بعض الحكم. وأمّا الحكمة في فرضيتها؛ فلأنّه صلّى الله عليه وسلّم لمّا أسري به شاهد ملكوت السموات بأسرها وعبادات سكّانها من الملائكة، فاستكثرها صلّى الله عليه وسلّم غبطة، وطلب ذلك لأمّته، فجمع الله له في الصلوات الخمس
والحكمة في كونها خمس صلوات: أنها كانت متفرّقة في الأمم السالفة، فجمعها سبحانه لنبيّه وأمّته؛ لأنّه صلّى الله عليه وسلّم مجمع الفضائل كلّها دنيا وأخرى، وأمته من بين الأمم كذلك، فقد قيل: أوّل من صلّى الفجر آدم، والظهر إبراهيم، والعصر يونس، والمغرب عيسى، والعشاء موسى. فهذا سرّ القرار على خمس صلوات.
وقيل: صلّى آدم الصلوات الخمس كلّها، ثمّ تفرقت بعده بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأوّل من صلّى الوتر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة المعراج، ولذلك قال:
«زادني ربّي صلاة»؛ أي: الوتر على الخمس، أو صلاة الليل، فافهم.
قيل (١): وأول من بادر إلى السجود جبريل - عليه السلام - ولذلك كان رفيق الأنبياء وخادمهم، وأوّل من قال: سبحان الله جبريل، والحمد لله آدم، ولا إله إلّا الله نوح، والله أكبر إبراهيم، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. ذكر ذلك كلّه في «كشف الكنوز وحلّ الرموز»، وهكذا قالوا ولكن لا أصل له.
٤ - وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ معطوف على الموصول الأول، وهو نوع آخر للمتقين، فإنها أنزلت فيمن كان آمن بعيسى وأدرك النبي صلّى الله عليه وسلّم: كعبد الله بن سلام، وعمّار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والنجاشي وغيرهم. وأما النوع الأول: فهم الذين آمنوا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مشركي العرب؛ لأنّهم لم يرسل إليهم غيره صلّى الله عليه وسلّم.
فنزلت الآية الأولى إلى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فيهم. روى ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنّ المراد بالمؤمنين هنا: من آمنوا بالنبي صلّى الله عليه وسلّم وبالقرآن من أهل الكتاب، وبالمؤمنين فيما قبلها من آمنوا من مشركي العرب.
﴿وَ﴾ يؤمنون بـ ﴿ما أُنْزِلَ﴾ من الكتب السالفة من التوراة، والإنجيل، والزبور، وغيرها على الرسل الذين أرسلوا ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ إيمانًا إجماليًّا لا تفصيليًّا، والإيمان بالكل جملة فرض عين، وبالقرآن تفصيلا من حيث إنّا متعبّدون بتفاصيله فرض كفاية، فإنّ في وجوبه على الكلّ عينا حرجا بيّنا، وإخلالا بأمر المعاش.
قال في «التيسير»: (٢) الإيمان بكلّ الكتب مع تنافي أحكامها على وجهين:
(٢) روح البيان.
والثاني: الإيمان بما لم ينسخ من أحكامها.
﴿وَبِالْآخِرَةِ﴾ تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأول، وهو في المعدودات اسم للفرد اللاحق، وهي صفة الدار بدليل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾، وهي من الصفات الغالبة، وكذا الدنيا، وسمّيت الدنيا دنيا لدنوها؛ أي: قربها من الآخرة، أو لدناءتها وخسّتها، وسمّيت الآخرة آخرة؛ لتأخّرها، وكونها بعد الدنيا. ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾؛ أي: يعتقدون اعتقادا جازما، وتقديم الجار والمجرور على الفعل؛ لرعاية الفاصلة، أو لإفادة الحصر، وأتى بالجملة الاسمية للاهتمام به؛ لأنّه أعلى من الإنفاق. والإيقان: إتقان العلم بالشيء بنفي الشكّ، والشبهة عنه نظرا واستدلالا، ولذلك لا يسمّى علمه تعالى يقينا، وكذا العلوم الضرورية. وفيه ردّ على من أنكر الآخرة ممن لا يؤمن بمحمد صلّى الله عليه وسلّم.
وقرأ الجمهور ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ مبنيا للمفعول. وقرأهما النخعيّ، وأبو حيوة، ويزيد بن قطيب مبنيا للفاعل، وقرىء شاذّا ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ بتشديد اللام، ووجه ذلك: أنه أسكن لام ﴿أُنْزِلَ﴾ ثم حذف همزة (إلى)، ونقل كسرتها إلى لام «أنزل»، فالتقى المثلان من كلمتين، فأدغم، والإدغام جائز. وقرأ الجمهور ﴿يُوقِنُونَ﴾ بواو ساكنة بعد الياء، وهي مبدلة من ياء؛ لأنّه من أيقن. وقرأ أبو حية النّمريّ بهمزة ساكنة بدل الواو.
ومعنى الآية: أي (١) والذين يصدقون بما أنزل إليك من القرآن والوحي، أنه من عند الله تعالى، ويصدقون بما أنزل على الرسل من قبلك من سائر الكتب السماوية، أنها من عند الله سبحانه وتعالى، لا يفرقون بين كتب الله ولا بين رسله. وقال ابن عباس: أي: يصدقون بما جئت به من الله تعالى، وبما جاء به من قبلك من الرسل، لا يفرقون بينهم ولا يجحدون بما جاءؤوا به من ربهم،
وبمجيء الدار الآخرة التي تتلو الدنيا مع ما فيها من البعث، والحشر والحساب،
واليقين (٢): هو التصديق الجازم الذي لا شبهة فيه ولا تردد، ويعرف اليقين بالله واليوم الآخر بآثاره في الأعمال، فمن يشهد الزور، أو يشرب الخمر، أو يأكل حقوق الناس يكن إيمانه بهما خيالا يلوح في الذهن لا إيمانا يقوم على اليقين، إذ لم يظهر آثاره في الجوارح واللسان، وهو لا يكون إيمانا حقّا إلّا إذا كان مالكا لزمام النفس مصرّفا لها في أعمالها.
والإيمان على الوجه الصحيح يحصل من أحد طريقين:
١ - البحث والتأمّل فيما يحتاج إلى ذلك، كالعلم بوجود الله سبحانه ورسالة الرسل.
(٢) المراغي.
قال أبو الليث - رحمه الله تعالى - في «تفسيره»: اليقين على ثلاثة أوجه: يقين عيان، ويقين دلالة، ويقين خبر. فأما يقين العيان: فهو أنّه إذا رأى شيئا زال الشك عنه في ذلك الشيء. وأما يقين الدلالة: فهو أن يرى الرجل دخانا ارتفع من موضع يعلم باليقين أن هناك نارا وإن لم يرها. وأما يقين الخبر: فهو أنّ الرجل يعلم باليقين أنّ في الدنيا مدينة يقال لها: بغداد وإن لم ينته إليها.
فههنا يقين خبر ويقين دلالة؛ لأنّ الآخرة حقّ، ولأنّ الخبر يصير معاينة عند الرؤية. انتهى. ويقال: علم اليقين ظاهر الشريعة،
وعين اليقين الإخلاص فيها، وحقّ اليقين المشاهدة فيها، ثمّ ثمرة اليقين بالآخرة الاستعداد لها. فقد قيل:
عشرة من المغرورين: من أيقن أنّ الله خالقه ولا يعبده، ومن أيقن أنّ الله رازقه ولا يطمئن به، ومن أيقن أن الدنيا زائلة ويعتمد عليها، ومن أيقن أنّ الورثة أعداؤه ويجمع لهم، ومن أيقن أنّ الموت آت فلا يستعدّ له، ومن أيقن أنّ القبر منزله فلا يعمره، ومن أيقن أنّ الديّان يحاسبه فلا يصحح حجته، ومن أيقن أنّ الصراط ممرّه فلا يخفف ثقله، ومن أيقن أنّ النار دار الفجّار فلا يهرب منها، ومن أيقن أنّ الجنّة دار الأبرار فلا يعمل لها، كما في «التيسير».
قال ذو النون المصريّ: اليقين داع إلى قصر الأمل، وقصر الأمل يدعو إلى الزهد، والزهد يورث الحكمة، والحكمة تورث النظر في العواقب. اه.
٥ - وجملة قوله: ﴿أُولئِكَ﴾ في محل (١) الرفع، إن جعل أحد الموصولين
وأولاء: جمع، لا واحد له من لفظه، مبني على الكسر، وكافه للخطاب كالكاف في ﴿ذلِكَ﴾؛ أي: المذكورون قبله، وهم المتقون الموصوفون بالإيمان بالغيب وسائر الأوصاف المذكورة بعده. وفيه دلالة على أنّهم متميّزون بذلك أكمل تميّز، منتظمون بسببه في سلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البعد؛ للإشعار بعلوّ درجتهم وبعد منزلتهم في الفضل.
وهو مبتدأ، وقوله عزّ وجل: ﴿عَلى هُدىً﴾ خبره، وما فيه من الإبهام المفهوم من التنكير؛ لكمال تفخيمه، كأنّه قيل: على هدى؛ أي: هدى لا يبلغ كنهه ولا يقادر قدره، كما تقول: لو أبصرت فلانا لأبصرت رجلا. وإيراد كلمة الاستعلاء؛ لتمثيل حالهم في ملابستهم بالهدى، وتمسكهم به، واستقرارهم عليه بحال من يقبل الشيء، ويستولي عليه. يعني: شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه بحيث يتصرف فيه كيفما يريد؛ وذلك إنما يحصل باستفراغ الفكر، وإدامة النظر فيما نصب من الحجج، والمواظبة على محاسبة النفس في العمل. يعني: أكرمهم الله تعالى في الدنيا، حيث هداهم، وبيّن لهم طريق الفلاح قبل الموت.
﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ متعلق بمحذوف وقع صفة له، مبيّنة لفخامته الإضافية إثر بيان فخامته الذاتيّة، مؤكّدة لها؛ أي: على هدى كائن من ربهم سبحانه، وهو شامل لجميع أنواع هدايته تعالى وفنون توفيقه. والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم؛ لغاية تفخيم الموصوف، والمضاف إليهم وتشريفهما.
ثمّ في هذه الآية (١) ذكر الهدى للموصوفين بكل هذه الصفات، وفي قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا﴾ إلى قوله تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ
وقرأ ابن هرمز ﴿من ربهم﴾ بضمّ الهاء، وكذلك سائر هاءات جمع المذكر والمؤنث على الأصل من غير أن يراعي فيها سبق كسر أو ياء، ذكره في «البحر».
فإن قلت: لم ذكر هدى هنا مع قوله أولا: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾؟
قلت: لأنّه ذكر هنا مع هدى فاعله بخلافه ثمّ. ذكره في فتح الرحمن. ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ تكرير ﴿أُولئِكَ﴾ (١)؛ للدلالة على أنّ كلّ واحد من الحكمين مستبدّ في تميّزهم به عن غيرهم، فكيف بهما، وتوسيط العطف بينهما؛ تنبيه على تغايرهما في الحقيقة لاختلاف مفهوم الجملتين ههنا، بخلاف قوله: ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ فإنّ التسجيل بالغفلة، والتشبيه بالبهائم شيء واحد، فكانت الجملة الثانية مقررة للأولى، فلا تناسب الفصل.
وفائدة الفصل بين المبتدأ والخبر بالضمير: الدلالة على أنّ ما بعده خبر لا صفة، وأنّ المسند ثابت للمسند إليه دون غيره، فصفة الفلاح مقصورة عليهم، لا تتجاوز إلى من عداهم من اليهود والنصارى، ولا يلزم من هذا أن لا يكون ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ صفة أخرى غير الفلاح، فالقصر قصر الصفة على الموصوف لا العكس، حتى يلزم ذلك. أو ﴿هُمُ﴾ مبتدأ، و ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبره والجملة خبر
تنبيه (١): تأمّل كيف نبّه سبحانه وتعالى على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد من وجوه شتّى: بناء الكلام على اسم الإشارة؛ للتعليل مع الإيجاز، وتكريره، وتعريف الخبر، وتوسيط الفصل لإظهار قدرهم، والترغيب في اقتفاء أثرهم. وقد تشبثت الوعيدية بهذه الآية في خلود الفساق من أهل القبلة في العذاب، وردّ بأن المراد بالمفلحون: الكاملون في فلاحهم، ويلزمه عدم كمال الفلاح لمن ليس على صفتهم، لا عدم الفلاح لهم رأسا، كما في «تفسير البيضاوي».
وحاصل الفلاح يرجع إلى ثلاثة أشياء (٢): أحدها: الظفر على النفس فلم يتابعوا هواها، والدنيا فلم يطغوا بزخارفها، والشيطان فلم يفتنوا بوساوسه، وقرناء السوء فلم يبتلوا بمكروهاتهم.
والمعنى: أولئك الموصوفون بالصفات المذكورة، كائنون على هدى ورشاد كائن من ربّهم، ومعبودهم، ومالكهم، وأولئك المذكورون هم المفلحون؛ أي: الفائزون في الدنيا وفي الآخرة بالجنّة، والناجون من النار، والمقطوع لهم بالخير في الدنيا والآخرة. وقال ابن كثير: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ أي (٣): المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم، وإيمانهم بالله، وكتبه، ورسله من الفوز
(٢) روح البيان.
(٣) ابن كثير.
فائدة: ويستفاد من هذه الآيات (١): أنّ الهداية الموصلة إلى الفلاح الأبديّ لا تحصل إلا لمن اتصف بالتقوى، وآمن بالغيب الذي أخبر به محمد صلّى الله عليه وسلّم وأقام الصلاة المفروضة، وأنفق في الواجبات مما رزقه الله تعالى، وآمن بالكتاب الذي أنزل على محمد صلّى الله عليه وسلّم وعلى الرسل قبله عليهم الصلاة والسلام، وأيقن مجيء الدار الآخرة.
الإعراب
﴿الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿الم﴾ كلمة أريد لفظها لا معناها؛ لأنها اسم للسورة، في محلّ الرفع خبر لمبتدأ محذوف جوازا، تقديره: هذه ﴿الم﴾، أي: هذه السورة مسمّاة بلفظ ﴿الم﴾ مبني على السكون؛ لشبهه بالحرف شبها وضعيا. أو مبتدأ خبره محذوف، تقديره: ألم هذا محلّه. وقد تقدم بسط الكلام في معناه وإعرابه في مبحث التفسير، فراجعه.
والجملة الإسمية مستأنفة استئنافا نحويا، لا محلّ لها من الإعراب.
وعبارة «عمدة التفاسير» هنا: قوله: ﴿الم﴾ تقدم لك أنّ الأرجح فيه القول: بأنّه مما انفرد الله سبحانه وتعالى بعلم المراد منه، وعلى هذا القول فلا يوصف بإعراب، ولا بناء؛ لأنّ الإعراب فرع عن إدراك المعنى، ومعناه لم يعلم لنا. وعلى القول: بأنّه اسم لهذه السورة مثلا، ففيه ثلاثة أوجه من الإعراب:
الأول: الرفع على أنه مبتدأ خبره ما بعده، أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف.
والثاني: النصب على أنّه مفعول به لفعل محذوف وجوبا؛ لشبهه بالمثل، تقديره: اقرؤوا ﴿الم﴾ اقرؤوا فعل وفاعل، ﴿الم﴾ في محل النصب مفعول به،
والثالث: الجرّ على أنّه مقسم به حذف منه حرف القسم. اه. وقال العكبري: هذه الحروف المقطعة كل واحدة منها اسم، فألف: اسم يعبّر به عن مثل الألف الذي في (قال)، ولام: اسم يعبّر به عن مثل اللام الذي في (قال)، وكذلك ما أشبهها.
والدليل على أنّها أسماء: أنّ كلّا منها يدلّ على معنى في نفسه، وهي مبنية؛ لأنّك لا تريد أن تخبر عنها بشيء، وإنما يحكي بها ألفاظ الحروف التي جعلت أسماء لها، فهي كالأصوات، نحو: غاق في حكاية صوت الغراب. انتهى.
﴿ذلِكَ﴾ ذا: اسم إشارة يشار به للمفرد المذكر البعيد تنزيلا للبعد المعنوي منزلة البعد الحسي، في محلّ الرفع مبتدأ، مبني على السكون؛ لشبهه بالحرف شبها معنويا، واللام: لبعد المشار إليه، أو لمبالغة البعد، والكاف: حرف دالّ على الخطاب. ﴿الْكِتابُ﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان منه، مرفوع بالضمة الظاهرة. ﴿لا﴾ نافية لحكم الخبر عن جنس الاسم، تعمل عمل إنّ، ﴿رَيْبَ﴾ في محل النصب، اسمها مبني على الفتح؛ لشبهه بالحرف شبها معنويا لتضمّنه معنى من الاستغراقية، ﴿فِيهِ﴾ جار ومجرور، متعلّق بمحذوف وجوبا؛ لوقوعه خبرا للا، تقديره: لا ريب موجود فيه، وجملة لا من اسمها وخبرها في محل الرفع خبر المبتدأ، تقديره: هذا الكتاب الذي يقرؤه محمد صلّى الله عليه وسلّم مخبر عنه بعدم وجود ريب فيه، والجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة استئنافا نحويا، لا محل لها من الإعراب. ﴿هُدىً﴾ خبر ثان للمبتدأ، ففيه الإخبار بالمفرد بعد الإخبار بالجملة، فهو جائز فصيح، والخبر مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الألف المحذوفة، للتخلص من التقاء الساكنين، منع من ظهورها التعذّر؛ لأنّه اسم مقصور، مثل: فتى، وصح الإخبار به مع كونه اسم معنى؛ لأنّه في تأويل هاد، ويجوز أن يكون ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ، ﴿الْكِتابُ﴾ خبر أول له؛ لأنه قصد به الإخبار بأنه الكتاب المقدّس المستحق لهذا الاسم، وجملة ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر ثان له، أو حال من الكتاب، و ﴿هُدىً﴾ خبر ثالث له، ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ جار ومجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنّه من جمع المذكر السالم، وهو جمع متّق
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾.
﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول لجمع المذكر في محل الجر صفة للمتقين، مبني على الفتح، أو على الياء على الخلاف المذكور في محلّه؛ لشبهه بالحرف شبها افتقاريا، ويجوز فيه القطع إلى الرفع، أو النصب. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فعل وفاعل، مرفوع بثبات النون، والواو ضمير لجماعة الذكور الغائبين، في محلّ الرفع. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ جار ومجرور، متعلّق بيؤمنون، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد الواو في يؤمنون، وهو أعني الموصول جامد مؤول بمشتق مأخوذ من الصلة، تقديره: هدى للمتقين المؤمنين بالغيب، أو مأخوذ من ضدّ معنى الموصول، تقديره: للمتقين المعلوم إيمانهم بالغيب. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ فعل وفاعل، ومفعول به، معطوف على يؤمنون على كونه صلة الموصول. ﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ﴾ الواو عاطفة. ﴿مِمَّا﴾ من حرف جرّ مبني بسكون على النون المدغمة في ميم ما. ﴿ما﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة في محل الجر بمن، مبني على السكون؛ لشبهه بالحرف شبها افتقاريا، الجار والمجرور متعلّق بينفقون المذكور بعده، قدّم عليه اهتماما بشأن المنفق، أو لرعاية الفاصلة. ﴿رَزَقْناهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ومما رزقناهم إياه، وهو المفعول الثاني لرزقناهم، وفي «الجمل»: أنّ العائد محذوف، فيقدّر متصلا أو منفصلا على حدّ قول ابن مالك:
وصل أو افصل هاء سلنيه
﴿يُنْفِقُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ على كونها صلة الموصول والعائد إلى الموصول الواو في ﴿يُنْفِقُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾ الواو عاطفة. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول للجمع المذكر في محل الجر، معطوف على الموصول الأوّل، على كونه صفة للمتقين. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿بِما﴾ الباء حرف جرّ. ﴿ما﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة في محلّ الجر بالباء، والجار والمجرور متعلّق بيؤمنون. ﴿أُنْزِلَ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، مبني على الفتح، ونائب فاعله ضمير يعود على ما، والجملة صلة لما، أو صفة لها. ﴿إِلَيْكَ﴾ جار ومجرور متعلّق بأنزل. ﴿وَما﴾ الواو عاطفة. ما في محلّ الجر معطوفة على ما الأولى. ﴿أُنْزِلَ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، ونائب فاعل مستتر فيه، والجملة صلة لما، أو صفة لها. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ جار ومجرور متعلّق بأنزل. ﴿وَبِالْآخِرَةِ﴾ الواو عاطفة. ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ جار ومجرور متعلّق بيوقنون الآتي، قدّم عليه اهتماما بشأن الآخرة، أو لرعاية الفاصلة. ﴿هُمْ﴾ الهاء ضمير لجماعة الذكور الغائبين في محل الرفع مبتدأ، مبني على الضمّ؛ لشبهه بالحرف شبها وضعيا، والميم حرف دالّ على الجمع. ﴿يُوقِنُونَ﴾ فعل مضارع مرفوع بثبات النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والتقدير: وهم موقنون بالآخرة، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ على كونها صلة الموصول، ففيه عطف الجملة الإسمية على الفعلية، وهو جائز.
﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾.
﴿أُولئِكَ﴾ اسم إشارة يشار به للجمع المطلق، في محلّ الرفع مبتدأ، مبني على الكسر؛ لشبهه بالحرف شبها معنويا، الكاف حرف دال على الخطاب مبني على الفتح. ﴿عَلى هُدىً﴾ جار ومجرور متعلّق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: كائنون على هدى، والجملة الإسمية مستأنفة استئنافا بيانيّا، لا محلّ لها من الإعراب. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ جار ومجرور متعلّق بمحذوف صفة لهدى، تقديره: على هدى كائن من ربّهم. ﴿وَأُولئِكَ﴾ الواو عاطفة. ﴿أُولئِكَ﴾ مبتدأ. ﴿هُمُ﴾ ضمير
﴿وهُمُ﴾ ضمير لجماعة الذكور الغائبين، في محلّ الرفع مبتدأ ثان ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للأول، وجملة الأول معطوفة على الجملة التي قبلها.
التصريف ومفردات اللغة
﴿الم﴾ هي وأمثالها من الحروف المقطعة، نحو: ﴿المص﴾ و ﴿المر﴾ وغيرها، أسماء مدلولها حروف المعجم، ولذلك نطق بها نطق حروف المعجم، وهي موقوفة الآخر، لا يقال: إنّها معربة؛ لأنّها لم يدخل عليها عامل فتعرب، ولا يقال: إنها مبنية؛ لعدم سبب البناء، لكن أسماء حروف المعجم قابلة لتركيب العوامل عليها فتعرب، فتقول: هذه ألف حسنة، ونظير سرد هذه الأسماء موقوفة أسماء العدد إذا عدوا يقولون: واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة. وقد اختلف العلماء في المراد بها، كما مرّ بسطه.
﴿ذلِكَ الْكِتابُ﴾ الكتاب يطلق على معان كثيرة، منها: العقد المعروف بين العبد وسيّده على مال منجّم، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾، وعلى الفرض، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ﴾ وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾، وعلى الحكم قاله الجوهري، كما في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لأقضينّ بينكما بكتاب الله، كتاب الله القصاص»، وعلى القدر، كما في قوله:
| يا ابنة عمّي كتاب الله أخرجني | عنكم وهل أمنعنّ الله ما فعلا |
| بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة | أتتك من الحجّاج يتلى كتابها |
﴿لا رَيْبَ﴾ الريب: الشكّ بتهمة، وللريب في اللغة ثلاثة معان.
أحدها: الشكّ، وهو المراد هنا.
وثانيها: التهمة، كما في قول جميل:
| بثينة قالت يا جميل أربتني | فقلت كلانا يا بثين مريب |
| قضينا من تهامة كلّ ريب | وخيبر ثمّ أجمعنا السّيوفا |
ومتّق: اسم فاعل من الوقاية؛ أي: المتخذ له وقاية من النار. اه. «جمل».
وأصل هذه الكلمة: موتقيين بوزن مفتعلين؛ لأنّ أصل المادّة من الوقاية، وفعلها:
وقى لفيف مفروق، واتقى منه وزنه افتعل، وأصل اتقى أو تقي تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ثمّ أبدلت الواو - فاء الكلمة - تاء، وأدغمت في تاء الافتعال على حدّ قول ابن مالك في باب التصريف:
| ذو اللّين فا تا في افتعال أبدلا | وشذّ في ذي الهمز نحو ائتكلا |
| من لام فعلى اسما أتى الواو بدل | ياء كتقوى غالبا جا ذا البدل |
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ مضارع أقام الرباعيّ، وفيه حذف همزة أفعل، إذ القياس إثباتها، وفيه إعلال بالتسكين والقلب، فأصله: يقومون، نقلت حركة الواو إلى الساكن الصحيح قبلها، فسكنت الواو إثر كسرة فقلبت ياء حرف مدّ، فوزنه يفعلون. وفي «الجمل»: أصله: يؤقومون، حذفت همزة أفعل؛ لوقوعها بعد حرف المضارعة، فصار يقومون بوزن يكرمون، فاستثقلت الكسرة على الواو، فنقلت إلى القاف، ثمّ قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها. اه. «سمين». الصلاة أصله: صلوة، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ففيه إعلال بالقلب. وقيل: من الوصلة؛ لأنها وصلة بين العبد وبين ربّه، وعليه فأصلها وصلة، قلبت الواو قلبا مكانيا فصار صلوة، ثمّ يقال: تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا.
﴿يُنْفِقُونَ﴾ فيه حذف همزة أفعل من المضارع، إذ القياس: يؤنفقون. ﴿وَبِالْآخِرَةِ﴾ الآخرة مؤنث الآخر، كما أنّ الدنيا مؤنث الأدنى، ثمّ صارا علمين للدارين. ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أصله: ييقنون بياءين؛ لأنّ المادة من اليقين، وفيه همزة أفعل؛ لأنّه من مضارع أيقن، وفيه إعلال بالقلب حيث قلبت الياء الثانية الساكنة واوا؛ لسكونها إثر ضمّة، فجعلت حرف مدّ، وهذا على حدّ قول ابن مالك:
| ووجب إبدال واو بعد ضمّ من ألف | ويأكموقن بذاله اعترف |
البلاغة
وقد تضمّنت هذه الآيات الكريمة ضروبا من البلاغة، وأنواعا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: حسن الافتتاح في قوله: ﴿الم﴾ حيث افتتح بما فيه غموض ودقة؛
ومنها: الإتيان باسم إشارة البعيد في قوله: ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى بعد منزلته ورتبته.
ومنها: التعريف بالألف واللام في قوله: ﴿الْكِتابُ﴾ تفخيما لشأنه، وتعظيما لقدره.
ومنها: معدول الخطاب في قوله: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾، حيث عبّر فيه بصيغة الخبر مرادا به الأمر؛ أي: لا ترتابوا فيه.
ومنها: تقديم الريب على الجار والمجرور في هذه الجملة؛ لأنّه أولى بالذكر أوّلا استعددا لصورته حتى تتجسّد أمام السامع.
ومنها: المجاز العقليّ في قوله: ﴿هُدىً﴾ لما فيه من الإسناد إلى السبب، حيث أسند الهداية إلى الكتاب والهادي في الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: الصائرين إلى التقوى، علاقته اعتبار ما يؤول إليه.
ومنها: الإيجاز في ذكر المتقين؛ لأنّ الوقاية اسم جامع لكلّ ما تجب الوقاية منه.
ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ لكونهم المنتفعين به.
ومنها: إطلاق المصدر، وإرادة اسم الفاعل في قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾؛ لأنّه بمعنى الغائب مبالغة فيه.
ومنها: تقديم ﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ﴾ على ﴿يُنْفِقُونَ﴾ اهتماما بشأن المنفق به، أو لرعاية الفاصلة.
ومنها: التعبير بضمير جماعة المتكلمين في قوله: ﴿رَزَقْناهُمْ﴾ مع كون الله واحدا لا شريك له؛ جريا على عادة خطاب الملوك في التعبير عن أنفسهم بصيغة الجمع، كما مرّ في مبحث التفسير.
ومنها: تكرار ﴿أُولئِكَ﴾؛ للدلالة على أنّ كلّ واحد من الحكمين مستبدّ في تميّزهم به من غيرهم، فكيف بهما؟.
ومنها: توسيط العاطف بينهما؛ تنبيها على تغايرهما في الحقيقة.
ومنها: الفصل بين المبتدأ والخبر في قوله: ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ للدلالة على أنّ ما بعده خبر لا صفة، وأنّ المسند ثابت للمسند إليه دون غيره. وفي هذه الجملة أيضا: قصر الصفة على الموصوف؛ لأنّ صفة الفلاح مقصورة عليهم لا تتجاوز إلى من عداهم من اليهود والنصارى، وفي هذه الجملة أيضا: تأكيد المظهر بالمضمر.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿عَلى هُدىً﴾؛ تشبيها لحال المتقين بحال من اعتلى صهوة جواده، فحذف المشبه فاستعيرت كلمة على: الدالّة على الاستعلاء؛ لبيان أنّ شيئا تفوّق واستعلى على ما بعدها حقيقة، نحو: زيد على السطح، أو حكما، نحو: عليه دين، فالدّين للزومه وتحمّله، كأنّه ركب عليه وتحمّله. والدّقّة: أنّ الاستعارة بالحرف، ويقال في تقريرها: شبّه مطلق ارتباط بين هدى ومهدى بمطلق ارتباط بين مستعل ومستعل عليه؛ بجامع التمكن في كلّ منهما، فسرى التشبيه من الكليات إلى الجزئيات، ثمّ استعيرت على وهي من جزئيات المشبه به لجزئيّ من جزئيات المشبه على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: الحذف، وهو في مواضع: فمنها: قوله هذه: ﴿الم﴾ على قول من يقدر ذلك، وقوله: ﴿هُدىً﴾ أي: هو هدى، فحذف المبتدأ، وقوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾؛ أي: المال. ﴿بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾؛ أي: من القرآن. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ أي: من قبل إرسالك، أو قبل الإنزال إليك. ﴿وَبِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: بجزاء الآخرة.
ومنها: التنكير في قوله: ﴿عَلى هُدىً﴾؛ للدلالة على كمال تفخيمه، كأنّه قيل: على هدى أي هدى لا يقادر قدره.
ومنها: التعرّض لعنوان الربوبية في قوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾؛ للدلالة على تفخيم الموصوف، وشرف المضاف إليهم.
ومنها: حسن التقسيم، وهو فنّ من فنون البلاغة، وهو استيعاب المتكلم جميع أقسام المعنى الذي هو آخذ فيه، بحيث لا يغادر منه شيئا، فقد استوعبت هذه الآيات جميع الأوصاف المحمودة، والعبادات التي يعكف عليها المؤمنون؛ لأنّ العبادات كلّها تنحصر في نوعين: بدنيّة ومالية، ولا بدّ من استيفائهما لتكون العبادات كلّها مستوفاة.
فائدة مستجادة: وقد ورد في فضل هذه الآيات الشريفة أحاديث (١):
منها: ما أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» والحاكم والبيهقي عن أبيّ بن كعب قال: «كنت عند النبي صلّى الله عليه وسلّم فجاء أعرابيّ، فقال: يا نبي الله! إنّ لي أخا وبه وجع، فقال: «وما وجعه؟» قال: به لمم، قال: فأتني به، فوضعه بين يديه فعوّذه النبي صلّى الله عليه وسلّم بفاتحة الكتاب، وأربع آيات من أوّل سورة البقرة وهاتين الآيتين: وإلهكم إله واحد، وآية الكرسي، وثلاث آيات من آخر سورة البقرة، وآية من آل عمران ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ﴾، وآية من الأعراف ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ وآخر سورة المؤمنين ﴿فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾، وآية من سورة الجنّ ﴿وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ وعشر آيات من أول الصافات، وثلاث آيات من آخر سورة الحشر، ﴿وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين. فقام الرجل كأنّه لم يشتك قطّ،
وأخرج الدارميّ، وابن الضريس عن ابن مسعود قال: (من قرأ أربع آيات من أوّل سورة البقرة، وآية الكرسي، وآيتين بعد آية الكرسي، وثلاثا من آخر (سورة البقرة) لم يقربه ولا أهله يومئذ شيطان، ولا شيء يكرهه في أهله ولا ماله، ولا تقرأ على مجنون إلّا أفاق. وأخرج الدارميّ، وابن المنذر، والطبراني عنه قال: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة، لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة حتى يصبح؛ أربع من أوّلها، وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاث خواتمها: أوّلها ﴿لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ﴾. وأخرج سعيد بن منصور، والدارمي والبيهقي عن المغيرة بن سبيع وكان من أصحاب عبد الله بن مسعود بنحوه. وأخرج الطبراني، والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره، وليقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة، وعند رجليه بخاتمة سورة البقرة.
وقد ورد في ذلك غير هذا.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾.
المناسبة
مناسبة هاتين الآيتين لما قبلهما: أنّ الله سبحانه وتعالى لمّا (١) بيّن حال المتقين الذين يؤمنون بالغيب، وبما أنزل إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم وما أنزل من قبله، وبيّن ما آل إليه أمرهم من الهداية والفلاح، أعقب هذا بشرح طائفة ثانية، وهم الكفرة الفجرة، وأبان أنّه قد بلغ من أمرهم في الغواية والضلال أن لا يجدي فيهم الإنذار والتبشير، وأن لا تؤثّر فيهم العظة والتذكير، فهم عن الصراط السوي ناكبون، وعن الحق معرضون. فالإنذار وعدمه سيّان، فماذا ينفع النور مهما سطع، والضوء مهما ارتفع؟ مع من أغمض عينيه حتى لا يراه بغضا له وعداوة لمن دعا إليه، لأنّ الجهل أفسد وجدانه، وأصبح لا يميّز بين نور وظلمة، ولا بين نافع وضارّ.
وقد جرت عادة الله في مثل هؤلاء الذين مرنوا على الكفر أن يختم على قلوبهم، فلا يبقي فيها استعدادا لغير الكفر، ويختم على سمعهم، فلا يسمعون إلّا أصواتا لا ينفذ منها إلى القلب شيء ينتفع به، ويجعل على أبصارهم غشاوة، إذ هم لم ينظروا إلى ما في الكون من آيات وعبر، ولم يبصروا ما به يتقون الخطر، فكأنّهم لا يبصرون شيئا، وكأنّه قد ضرب على أبصارهم بغشاوة.
وقد حكم الله سبحانه عليهم بالعذاب الأليم في العقبى، وفقد العزّ والسلطان في الدنيا، كما قال سبحانه: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾.
روي: أنّ هاتين الآيتين نزلتا في من علم الله عدم إيمانه من الكفار، إما مطلقا، وإما في طائفة مخصوصة، كأبي جهل، وأبي لهب، وغيرهما من كفار مكة. والحكمة في إخبار الله سبحانه نبيّه صلّى الله عليه وسلّم بذلك؛ إراحة قلبه من تعلّقه بإيمانهم، فلا يشغل بهدايتهم ولا تأليفهم. قال أبو حيان: وذكر المفسرون في سبب نزول هاتين الآيتين أقوالا:
أحدها: أنّها نزلت في يهود كانوا حول المدينة، قاله ابن عباس، وكان يسميهم.
الثاني: نزلت في قادة الأحزاب من مشركي قريش، قاله أبو العالية.
الثالث: في أبي جهل، وخمسة من أهل بيته، قاله الضحاك.
الرابع: في أصحاب القليب، وهم: أبو جهل، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.
الخامس: في مشركي العرب قريش، وغيرها.
السادس: في المنافقين.
والحكمة في عدم الدعاء منه عليهم مع علمه بأنّه يستحيل إيمانهم، أنّه يرجو الإيمان من ذرّيتهم.
التفسير وأوجه القراءة
٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجحدوا، وأنكروا بآيات الله، وكذبوا برسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم وأصرّوا، وداموا على ذلك. ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ أي: مستو عندهم في عدم الإفادة، إنذارك وتخويفك يا محمد إياهم من عذاب الله على كفرهم، وعدم إنذارك إيّاهم. فهم ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدّقون بما جئتهم به من التوحيد، فلا تطمع في إيمانهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات؛ لأنّه قد سبق في علمنا عدم إيمانهم بك. وفي هذا تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم على تكذيب قومه له.
والكفر لغة: الستر والتغطية، ومنه سمي الليل كافرا، لأنّه يستر الأشياء بظلمته. قال الشاعر:
في ليلة كفر النجوم غمامها
أي: سترها. وشرعا: إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول صلّى الله عليه وسلّم به.
واعلم: أنّ الكفر على أربعة أضرب (١):
كفر إنكار: وهو أن لا يعرف الله سبحانه أصلا، ككفر فرعون، حيث قال: ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾.
وكفر جحود: وهو أن يعرف الله بقلبه، ولا يقرّ بلسانه، ككفر إبليس اللعين.
وكفر عناد: وهو أن يعرف الله بقلبه، ويقرّ بلسانه، ولا يدين به، ككفر أمية ابن أبي الصلت، وأبي طالب، حيث قال في شعر له:
| ولقد علمت بأنّ دين محمد | من خير أديان البريّة دينا |
| لولا الملامة أو حذار مسبّة | لو جدتّني سمحا بذاك مبينا |
والمراد بالذين كفروا هنا: من علم الله سبحانه أنّ الكفر قد رسخ في قلوبهم حتى أصبحوا غير مستعدّين للإيمان بجحودهم بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، وبما جاء به بعد أن بلغتهم رسالته بلاغا صحيحا، وعرضت عليهم الدلائل على صحتها للنظر والبحث، فأعرضوا عنها عنادا واستهزاء. وسبب كفرهم: إما عناد للحق بعد معرفته، وقد كان من هذا الصنف جماعة من المشركين واليهود في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم، كأبي جهل وأضرابه، وأحبار اليهود، ككعب بن الأشرف وإما إعراض عن معرفته، واستكبار عن النظر فيه.
والمعرضون عن الحقّ يوجدون في كلّ زمان ومكان، وهؤلاء إذا طاف بهم طائف الحقّ لوّوا رؤوسهم، واستكبروا، وهم معرضون، وفيهم يقول تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي (٢): مستو عند هؤلاء الكفرة، وهو اسم مصدر بمعنى الاستواء، وصف به كما يوصف بالمصادر مبالغة، كما في قوله تعالى: ﴿تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ﴾. وارتفاعه على أنّه خبر إنّ، وقوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ يا محمد ﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ مرتفع على الفاعلية بسواء؛ لأنّ الهمزة وأم مجرّدتان عن معنى الاستفهام؛ لتحقيق معنى الاستواء بين مدخوليهما، كما جرّد الأمر والنهي عن معنييهما؛ لتحقيق معنى الاستواء في قوله عزّ وجلّ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ كأنّه قيل: إنّ الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه، كقولك: إن
(٢) روح البيان.
وأصل الإنذار: الإعلام بأمر مخوف، وكلّ منذر معلم، وليس كلّ معلم منذرا، كما في «تفسير أبي الليث»، والمراد ههنا: التخويف من عذاب الله وعقابه على المعاصي، وإنّما اقتصر على الإنذار دون التبشير؛ لمّا أنّهم ليسوا بأهل للبشارة أصلا؛ ولأنّ الإنذار أوقع في القلوب، وأشدّ تأثيرا في النفوس، فإنّ دفع المضار أهمّ من جلب المنافع، فحيث لم يتأثّروا به فلأن لا يرفعوا للبشارة رأسا أولى.
فإن قلت: لم حذف الواو هنا، وأثبت في (يس) حيث قال فيها: ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾؟
قلت: لأنّ (ما) هنا جملة هي خبر عن اسم إنّ، و (ما) هناك جملة عطفت على أخرى، فبينهما فرق. وإنما لم يقل: (سواء عليك)، كما قال لعبدة الأوثان: ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ﴾، لأنّ إنذارك، وترك إنذارك ليسا سواء في حقّك؛ لأنّك تثاب على الإنذار وإن لم يؤمنوا، وأمّا في حقّهم فهما سواء في عدم الإفادة؛ لأنّهم لا يؤمنون في الحالين، وهو نظير الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإنّه يثاب به الآمر وإن لم يمتثل المأمور. وكان هؤلاء القوم، كقوم هود عليه السلام حيث قالوا له: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ﴾.
وقوله: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ جملة مستقلّة على الوجه الأول، مؤكدة لما قبلها، مبيّنة لما فيه من إجمال ما فيه الاستواء، فلا محلّ لها من الإعراب، أي: موضحة لتساوي الإنذار وعدمه في حقّهم لا في حقّه صلّى الله عليه وسلّم، ولا في حقّ الدّعاة إلى دينه، إذ هم يدعون كلّ كافر إلى الدين الحقّ، لا فرق بين المستعدّ للإيمان وغير
ثّم هذا تيئيس للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وتفريغ لقلبه، حيث أخبره عن هؤلاء بما أخبر به نوحا عليه السلام في الانتهاء، فإنّه قال تعالى لنوح عليه السلام بعد طول الزمان، ومقاساة الشدائد والأحزان: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾، فدعا بهلاكهم بعد ذلك، وكذلك سائر الأنبياء.
وفي الآية الكريمة: إخبار بالغيب على ما هو به، إن أريد بالموصول أشخاص بأعيانهم فهي من المعجزات الباهرة. وفي الآية: إثبات فعل العبادة، فإنّه قال: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾، وفيه إثبات الاختيار، ونفي الإكراه، والإخبار، فإنّه لم يقل: لا يستطيعون، بل قال: لا يؤمنون.
فإن قلت (١): حين علم الله أنهم لا يؤمنون، فلم أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بدعائهم؟
قلت: فائدة الإنذار بعد العلم: بأنّه لا ينجع إلزام الحجة، كما أنّ الله تعالى بعث موسى إلى فرعون ليدعوه إلى الإيمان، وعلم أنّه لا يؤمن، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾.
فإن قلت: قد أخبر الله رسوله أنّهم لا يؤمنون، فهلّا أهلكهم كما أهلك قوم نوح عليه السلام، بعدما أخبره أنّهم لا يؤمنون؟
قلت: لأنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم كان رحمة للعالمين، كما ورد به الكتاب، فقد قال تعالى: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
والآية (٢) مما احتّج به من جوّز تكليف ما لا يطاق، فإنّه سبحانه وتعالى
(٢) البيضاوي.
وقال صاحب اللوامح (١): قرأ الجحدريّ ﴿سَواءٌ﴾ بتخفيف الهمزة على لغة الحجاز، فيجوز أنّه أخلص الواو، ويجوز أنّه جعل الهمزة بين بين، وهو أن يكون بين الهمزة والواو، وفي كلا الوجهين لا بدّ من دخول النقص فيما قبل الهمزة المليّنة من المدّ. انتهى.
فعلى هذا: يكون ﴿سَواءٌ﴾ ليس لامه ياء، بل واوا، فيكون من باب قواء.
وعن الخليل: ﴿سوء عليهم﴾ بضمّ السين مع واو بعدها مكان الألف، مثل ﴿دائرة السوء﴾ على قراءة من ضمّ السين، وفي ذلك عدول عن معنى المساواة إلى معنى القبح والسّبّ، ولا يكون على هذه القراءة له تعلّق إعراب بالجملة بعدها، بل يبقى قوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ إخبارا بانتفاء إيمانهم على تقدير إنذارك، وعدم إنذارك، وأمّا سواء الواقع في الاستثناء في قولهم: (قاموا سواك) بمعنى: قاموا غيرك، فهو موافق لهذا في اللفظ مخالف في المعنى، فهو من باب المشترك، وله أحكام ذكرت في باب الاستثناء.
وقوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ فيه خمس قراءات سبعيّة (٢):
الأولى: تحقيق الهمزتين مع إدخال ألف؛ أي: مدّ طبيعيّ بينهما.
والثانية: تحقيق بلا إدخال ألف بينهما.
(٢) صاوي بتصرف.
والرابعة: تسهيل الثانية بلا إدخال ألف بين المسّهلة والأخرى.
والخامسة: إبدال الثانية ألفا؛ أي: مدّا لازما، وقدره سّت حركات خلافا للبيضاوي، حيث قال: إنّ قراءة الإبدال لحن؛ لوجهين:
الأوّل: أنّ الهمزة المتحركة لا تبدل ألفا.
والثاني: أن فيه التقاء الساكنين على غير حدّه.
وردّ عليه ملّا علي القاري: بأنّ القراءة متواترة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومن أنكرها كفر، فيستدلّ بها لا لها. وأما قوله: إنّ الهمزة المتحركة لا تبدل ألفا في القلب القياسيّ، وأمّا السماعّي كما في سأل، ومنسأته، فلا لحن فيه؛ لأنّه يقتصر فيه على السماع. وقوله: فيه التقاء الساكنين على غير حدّه نقول: سهّله طول المدّ والسماع اه. صاوي بتصرف، وسيأتي بسطه في مبحث القراءة.
وفي «الجمل»: قال الجعبريّ (١): وجه الإبدال المبالغة في التخفيف، إذ في التسهيل قسط همز. قال قطرب: هي قرشيّة وليست قياسيّة، لكنها كثرت حتى اطّردت، وأما تعليلهم بأنّه يؤدّي إلى جمع الساكنين على غيره، فمدفوع بأنّ من يقلبها ألفا يشبع الألف إشباعا زائدا على مقدار الألف بحيث يصير المدّ لازما، فيكون فاصلا بين الساكنين، ويقوم قيام الحركة، كما في ﴿مَحْيايَ﴾ بإسكان الياء لنافع وصلا، ويسمّي هذا حاجزا. وقد أجمع القراء وأهل العربية على إبدال الهمزة المتحركة الثانية في نحو: الآن، ثم اعلم أنّ موافقة العربية؛ إنما هي شرط لصحة القراءة، إذا كانت بطريق الآحاد، وأما إذا ثبتت متواترة فيستشهد بها لا لها، وإنّما ذكرنا ما ذكر؛ تفهيما للقاعدة، وتتميما للفائدة اه.
٧ - ثمّ بيّن سبب تركهم الإيمان، فقال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى، وقفّل
وأصل الختم (٢): التغطية، وحقيقته: الاستيثاق من الشيء؛ لكي لا يخرج منه ما حصل فيه، ولا يدخله ما خرج منه. ومنه: ختم الكتاب ولا ختم في الحقيقة، وإنما المراد به: أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرّنهم على استحباب الكفر والمعاصي، واستقباح الإيمان والطاعات، بسبب غيّهم، وانهماكهم في التقليد، وإعراضهم عن النظر الصحيح، فتجعل قلوبهم بحيث لا يؤثر فيها الإنذار، ولا ينفذ إليها الحقّ أصلا. وسمّى هذه الهيئة: ختما على سبيل الاستعارة، فالمراد بالقلب هنا: محلّ القوة العاقلة من الفؤاد. وقد يطلق ويراد به: المعرفة والعقل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. والمراد (٣) بالقلب هنا: جسم لطيف قائم بالقلب اللحمانيّ، الصنوبري الشكل، قيام العرض بمحله، أو قيام الحرارة بالفحم، وهذا القلب: هو الذي يحصل به الإدراك، وترتسم فيه العلوم والمعارف، وهو العقل، بخلاف القلب الذي بمعنى اللحمة الصنوبرية الشكل، فإنّها للبهائم والأموات.
﴿وَ﴾ ختم الله ﴿عَلى سَمْعِهِمْ﴾ وآذانهم؛ أي: أصمّ مواضع سمعهم، فجعلها بحيث تعاف استماع الحقّ، ولا تصغي إلى خير، ولا تعيه، ولا تقبله. والختم عقوبة لهم على سوء اختيارهم، وميلهم إلى الباطل، وإيثارهم إياه. والسمع هو: إدراك القوة السامعة، وقد يطلق عليها وعلى العضو الحامل لها،
(٢) روح البيان.
(٣) العمدة.
والمعنى: أصمّ مواضع سمعهم، فلا يسمعون الحقّ، ولا ينتفعون به: لأنّها تمّجه، وتنبو عن الإصغاء إليه. وقرىء شاذا ﴿وعلى أسماءهم﴾، كما سيأتي في مبحث القراءة.
وإنّما أفرده وجمع صاحبيه؛ لأنّه مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع.
وقيل: أفرده لوحدة المسموع، وهو الصوت، كذا في «الجمل». وفي «الروح»: وفي توحيد السمع وجوه (١):
أحدها: أنّه في الأصل مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع؛ لصلاحيتها للواحد والاثنين والجماعة.
فإن قلت: فلم جمع الأبصار والواحد بصر، وهو كالسمع؟
قلنا: إنّه اسم للعين، فكان اسما لا مصدرا فجمع لذلك.
وثانيها: أنّ فيه إضمارا، أي: على مواضع سمعهم وحواسّه، كقوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: أهلها. وثبت هذا الإضمار بدلالة أنّ السمع فعل، ولا يختم على الفعل، وإنّما يختم على محله.
وثالثها: أنّه أراد سمع كلّ واحد منهم، والإضافة إلى الجمع تغنى عن الجمع، وفي التوحيد أمن اللبس، كما في قول الشاعر:
| كلوا في نصف بطنكم تعيشوا | فإنّ زمانكم زمن خميص |
ورابعها: قول سيبويه: أنّه توسّط بين جمعين، فدلّ على أنّه جمع معنى وإن توّحد لفظا، كما في قوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾، دلّ على الأنوار ذكر الظلمات.
وقوله: ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، فالوقف عليه تامّ، وما بعده جملة اسمية. وقوله: ﴿وَعَلى أَبْصارِهِمْ﴾ خبر مقدم، جمع بصر، وهو إدراك العين، وقد يطلق مجازا على القوة الباصرة وعلى العضوين، وهو المراد ههنا؛ لأنّه أشدّ مناسبة للتغطية. ﴿غِشاوَةٌ﴾ مبتدأ مؤخر، أي: غطاء عظيم، وساتر جسيم، فلا يبصرون الحقّ، وفي الحقيقة لا تغشية، وإنّما المراد بها: إحداث حالة
تجعل أبصارهم بسبب كفرهم لا تجتلي الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق، كما تجتليها أعين المستبصرين، وتصير كأنّها غطّي عليها، وحيل بينها وبين الإبصار. ومعنى التنكير: أنّ على أبصارهم ضربا من الغشاوة خارجا مما يتعارفه الناس، وهي غشاوة التعامي عن الآيات.
ولما اشترك السمع والقلب في الإدراك من جميع الجوانب، جعل ما يمنعهما من خاصّ فعلهما الختم الذي يمنع من جميع الجهات، وإدراك الأبصار لما كان مما اختصّ بجهة المقابلة، جعل المانع لها من فعلها الغشاوة المختصة بتلك الجهة.
وإنّما خصّ سبحانه وتعالى هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر؛ لأنّها طرق للعلم، فالقلب محلّ العلم، وطريقه: إما السماع، وإما الرؤية. اه. كرخي. وقال في «التيسير»: إنّما ذكر في الآية القلوب، والسمع، والأبصار؛ لأنّ الخطاب كان باستعمال هذه الثلاثة في الحقّ، كما قال تعالى: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ اهـ.
﴿وَلَهُمْ﴾ أي: ولهؤلاء الكفار المذكورين في الآخرة ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: عذاب شديد دائم لا ينقطع بسبب كفرهم وتكذيبهم بآيات الله تعالى. والعذاب
﴿فَذُوقُوا عَذابِي﴾، وإنما يذاق الطيب على معنى: أنّه جزاء ما استطابه واستحلاه بهواه في الدنيا. والعظيم (١): نقيض الحقير، والكبير: نقيض الصغير، فكان العظيم فوق الكبير، كما أنّ الحقير دون الصغير. قال في «التيسير»: ﴿عَظِيمٌ﴾ أي: كبير، أو كثير، أو دائم، وهو التعذيب بالنار أبدا، ثمّ عظمه بأهواله، وبشدة أحواله، وكثرة سلاسله وأغلاله. فتكون هذه الآية وعيدا وبيانا لما يستحقّونه في الآخرة. وقيل: هو القتل والأسر في الدنيا، والتحريق بالنار في العقبى.
ومعنى التوصيف بالعظيم: أنّه إذا قيس بسائر ما يجانسه قصر عنه جميعه، ومعنى التنكير: أنّ لهم من الآلام نوعا عظيما لا يعلم كنهه إلّا الله سبحانه وتعالى، فعلى العاقل أنّ يجتنب عمّا يؤدّي إلى العذاب الأليم، والعقاب العظيم، وهو الإصرار على الذنوب، والإكباب على اقتراف الخطيئات والعيوب. وأمّهات الخطايا ثلاث: الحرص، والحسد، والكبر. فحصل من هؤلاء سّت خصال، فصارت جملتها تسعا: الشبع، والنوم، والراحة، وحّب المال، وحبّ الجاه، وحبّ الرياسة. فحّب المال والرياسة من أعظم ما يجرّ صاحبه إلى الكفر والهلاك.
وظاهر قوله تعالى (٢): ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ أنّه إخبار من الله تعالى بختمه، وحمله بعضهم على أنّه دعاء عليهم، وكنى بالختم على القلوب عن كونها لا تقبل شيئا من الحقّ ولا تعيه؛ لإعراضها عنه، فاستعار الشيء المحسوس للشيء المعقول،
(٢) البحر المحيط.
وقرأ ابن أبي عبلة (١): ﴿وعلى أسماعهم﴾، فطابق في الجمع بين القلوب، والأسماع، والأبصار. وقرأ الجمهور ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ على التوحيد، إمّا لكونه مصدرا في الأصل، فلمح فيه الأصل، وإمّا اكتفاء بالمفرد عن الجمع؛ لأنّ ما قبله وما بعده يدلّ على أنّه أريد به الجمع. وقرأ الكوفيون، وابن ذكوان وروح، عن يعقوب وخلف العاشر قوله: أَأَنْذَرْتَهُمْ بتحقيق الهمزتين، وهو الأصل. وأهل الحجاز لا يرون الجمع بينهما طلبا للتخفيف؛ فقرأ قالون عن نافع وأبو عمرو وأبو جعفر بتسهيل الهمزة الثانية بينها وبين الألف مع إدخال ألف بينهما، وقرأ ابن كثير ورويس عن يعقوب بتسهيل الهمزة الثانية من غير إدخال ألف بينهما، ولهشام وجهان: الأول: تحقيق الهمزتين مع إدخال ألف بينهما وهي قراءة ابن عباس، وابن أبي إسحاق، والثاني: التسهيل مع إدخال الألف. ولورش عن نافع أيضا وجهان: الأول: كابن كثير ورويس، والثاني: إبدال الثانية ألفا مع المد المشبع فيلتقي ساكنان على غير حدهما وقد أنكر هذه القراءة الزمخشري، وزعم أنّ ذلك لحن وخروج عن كلام العرب من وجهين، وقد مرّ لنا ذكر الوجهين مع الرد عليهما، فراجعه. وما قاله الزمخشري هو مذهب البصريين. وقد أجاز الكوفيون الجمع بين الساكنين على غير الحد الذي أجازه البصريون. وقراءة ورش صحيحة النقل، لا تدفع باختيار المذاهب، ولكن عادة هذا الرجل إساءة الأدب على أهل الأداء ونقلة القرآن. وقرأ الزهري، وابن محيصن ﴿أنذرتهم﴾ بهمزة واحدة حذفا الهمزة الأولى؛ لدلالة المعنى عليها، ولأجل ثبوت ما عادلها، وهو ﴿أَمْ﴾ وقرأ أبيّ أيضا (٢): بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الميم
(٢) البحر المحيط.
وقرأ الجمهور ﴿غشاوة﴾ بكسر الغين ورفع التاء، وكانت هذه الجملة ابتدائية؛ ليشمل الكلام الإسنادين: إسناد الجملة الفعلية، وإسناد الجملة الابتدائية. فيكون ذلك آكد؛ لأنّ الفعلية تدلّ على التجدّد والحدوث، والاسمية تدلّ على الثبوت والدوام، وكان تقديم الفعلية أولى، لدلالتها على أنّ ذلك قد وقع وفرغ منه. قال الفرّاء (١): أما قريش وعامّة العرب، فيكسرون الغين من ﴿غشاوة﴾، وعكل يضمّون الغين، وبعض العرب يفتحها، وأظنّها لربيعة. وروى الفضل عن عاصم ﴿غشاوة﴾ بالنصب على تقدير: جعل على أبصارهم غشاوة، أو على (٢) عطف ﴿أَبْصارِهِمْ﴾ على ما قبله، ونصب ﴿غِشاوَةٌ﴾ على حذف حرف الجر؛ أي: بغشاوة، وهو ضعيف. قال أبو علي: وقراءة الرفع أولى؛ لأنّ النصب على تقدير: وجعل على أبصارهم غشاوة، يكون الكلام عليه من باب: علفتها تبنا وماء باردا. ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة واختيار. وقرأ الحسن باختلاف عنه، وزيد بن عليّ ﴿غشاوة﴾ بضمّ الغين ورفع التاء، وأصحاب عبد الله بالفتح والنصب وسكون الشين، وعبيد بن عمير كذلك، إلّا أنّه رفع التاء. وقرأ ﴿بعضهم﴾ غشاوة بالكسر والرفع. وقرأ بعضهم ﴿غشاوة﴾ بالفتح والرفع والنصب، وهي قراءة أبي حيوة، والأعمش. قال الثوري: وكان أصحاب عبد الله يقرؤونها ﴿غشية﴾ بفتح الغين والياء والرفع، وقال يعقوب ﴿غشاوة﴾ بالضمّ لغة، ولم يؤثرها عن أحد من القراء. وقرأ بعضهم ﴿عشاوة﴾ بالعين المهملة المكسورة والرفع، من العشي، وهو شبه العمى في العين. وقال بعض المفسرين: وأصوب هذه القراءات المقروء بها: ما عليه السبعة من كسر الغين على وزن عمامة.
(٢) البحر المحيط.
الإعراب
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب وتوكيد. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول للجمع المذكر، في محل النصب اسمها، مبنيّ على الفتح. ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والألف تكتب؛ للفرق بين واو الضمير وبين واو جزء الكلمة في غير الرسم العثماني، وفرقا بين المتطرّفة والمتوّسطة في الرسم العثماني. والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿سَواءٌ﴾ خبر مقدم، أو خبر إنّ. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ جار ومجرور، متعلّق بسواء؛ لأنّه اسم مصدر لاستوى الخماسّي. ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ الهمزة في أصلها للاستفهام، ولكن سحبت معناها الأصلي، فجعلت للتسوية؛ لوقوعها بعد سواء. ﴿أَنْذَرْتَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والثاني محذوف؛ لدلالة المقام عليه؛ أي: أنذرتهم العذاب، والجملة من الفعل والفاعل في تأويل مصدر من غير سابك؛ لإصلاح المعنى، مرفوع على كونه مبتدأ مؤخّرا لسواء، والتقدير: إنّ الذين كفروا إنذارك إياهم وعدم إنذارك إياهم سيّان عندهم. والجملة من المبتدأ المؤخّر وخبره المقدم في محلّ الرفع خبر إنّ، وجملة إنّ مستأنفة، أو في تأويل مصدر مرفوع
وعلى ما ذكرنا هنا فقولهم: الفعل لا بدّ له من سابك قاعدة أغلبية.
وقيل: السابك هنا الهمزة؛ لأنّ بعض النحاة جعل السابك للفعل ستة، وعدّ منها هذه الهمزة، كما ذكره الفاسيّ في «حاشيته على الألفيّة». ﴿أَمْ﴾ عاطفة متصلة؛ لوقوعها بعد همزة التسوية. ﴿لَمْ﴾ حرف نفي وجزم. ﴿تُنْذِرْهُمْ﴾ فعل مضارع ومفعول أول وفاعل مستتر مجزوم بلم، والثاني محذوف، تقديره: العذاب.
والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾، على كونها في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، أو على الفاعلية، أو على الخبرية لسواء، والتقدير: إنّ الذين كفروا، إنذراك إياهم العذاب، وعدم إنذارك إياهم سواء في عدم الإفادة لهم. ﴿لا﴾ نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إنّ، أو خبر بعد خبر لها، أو في محل النصب حال من ضمير عليهم، أو مستأنفة مسوقة؛ لتعليل ما قبلها، لا محلّ لها من الإعراب، والتقدير: على كونها خبرا؛ لأنّ إنّ الذين كفروا عادمون الإيمان بك، لما سبق في علمي من كفرهم فلا تأس عليهم، وإنذراك إياهم وعدمه سواء عليهم، لا ينتفعون به. وجملة إنّ مستأنفة استئنافا نحويا، لا محل لها من الإعراب.
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾.
﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة؛ لتعليل عدم إيمانهم.
﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ جار ومجرور، متعلّق بختم. ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ جار ومجرور، معطوف على الجار والمجرور قبله. وَعَلى أَبْصارِهِمْ الواو عاطفة. ﴿عَلى أَبْصارِهِمْ﴾ جار ومجرور متعلّق بمحذوف خبر مقدم. ﴿غِشاوَةٌ﴾ مبتدأ مؤخّر والجملة معطوفة على جملة ﴿خَتَمَ﴾ عطف اسمية على فعلية، كما مرّ. ﴿وَلَهُمْ﴾
فصل في هاء الضمير
نحو: (عليهم، وعليه، وفيه، وفيهم). وإنّما أفردناه بالفصل؛ لكثرة تكرّره في القرآن، والأصل في هذه الهاء الضمّ؛ لأنّها تضمّ بعد الفتحة والضمة والسكون، نحو: (أنّه، وله، وجاء غلامه، ويسمعه، ومنه). وإنما يجوز كسرها بعد الياء، نحو: (عليهم وأيديهم)، وبعد الكسر، نحو: (به وبداره). وضمّها في الموضعين جائز، لأنّه في الأصل كما قرأ به حفص بعد الياء في قوله تعالى: ﴿وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾.
وإنّما كسرت في الموضعين؛ لتجانس ما قبلها من الياء والكسرة، وبكلّ من الضمّ والكسر قد قرىء. انتهى من «العكبري».
فوائد:
١ - همزة التسوية هي الواقعة بين سواء وبعد ما أبالي، وما أدري، وليت شعري. وضابطها: أنّها الهمزة التي تدخل على جملة يصحّ حلول المصدر محلّها، كما رأيت.
٢ - أم: لها حالان:
أ - متصلة وهي منحصرة في نوعين؛ وذلك لأنّها: إما أن تتقدم عليها همزة التسوية، كما في الآية، أو همزة يطلب بها وبأم التعيين، نحو: أزيد في الدار أم عمرو، وسمّيت متصلة؛ لأنّ ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، وتسمّى أيضا
معادلة؛ لمعادلتها الهمزة في النوع الأول، إذ كلتاهما تفيد التسوية.
ب - منقطعة: وهي المسبوقة بالخبر المحض، نحو: قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾. وسمّيت منقطعة؛
التصريف ومفردات اللغة
﴿سَواءٌ﴾ فيه إعلال بالإبدال، فأصله: سواي، أبدلت الياء همزة؛ لتطرفها إثر ألف زائدة، وهو اسم مصدر بمعنى الاستواء، أجري مجرى المصادر، فلذلك لا يثنّى ولا يجمع. قالوا: هما وهم سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى قالوا: سيّان، وإن شئت قلت سواءان، وفي الجمع: هم أسواء، وأيضا على غير القياس: هم سواسي وسواسية؛ أي: هما متساويان وهم متساوون. والسّواء: العدل الوسط بين حديثين يقال: ضرب سواءه، أي: وسطه، وجئته في سواء النهار؛ أي: في منتصفه. وإذا كانت سواء بعد همزة التسوية، فلا بدّ من (أم) اسمين كانت الكلمتان أم فعلين. وإذا كان بعدها فعلان بغير همزة التسوية، عطف الثاني بأو، نحو: سواء عليّ قمت أو قعدت، وإذا كان بعدها مصدران عطف الثاني بالواو أو بأو، نحو سواء عليّ قيامك وقعودك، وقيامك أو قعودك.
وقوله: ﴿أأنذرتهم﴾ قراءة ورش بإبدال همزة التعدية حرف مدّ مجانسا لحركة همزة الاستفهام المفتوحة في رواية عنه، وعليه يكون في الكلمة إبدال حرف بحرف، وذلك نوع من التصريف، كما هو معروف، وقس على هذا اللفظ كلّ ما شابهه مما اجتمعت فيه همزتان: إحداهما للاستفهام والثانية للتعدية.
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ والختم الكتم، سمّي به الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه؛ لأنّه ختم له، وبلوغ آخره، ومنه ختم القرآن. ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ جمع قلب، وهو الفؤاد، سمّي قلبا؛ لتقلّبه في الأمور، ولتصرّفه في الأعضاء، كما قال بعضهم:
| وما سمّي الإنسان إلّا لنسيه | وما القلب إلّا أنّه يتقلّب |
وفي «تفسير الكواشي» القلب: قطعة سوداء في الفؤاد، وزعم بعضهم: أنّه الشكل
ضدّ الحقير، وفعيل له معان كثيرة، يكون اسما وصفة، والاسم: إما مفرد أو جمع، والمفرد: إما اسم معنى أو اسم عين، نحو: قميص، وظريف، وصهيل، وكليب جمع كلّب، ويكون اسم فاعل من فعل المضموم، نحو: عظيم من عظم، ومبالغة في فاعل، نحو:
عليم في عالم، وبمعنى مفعول، كجريح بمعنى مجروح، ومفعل، كسميع بمعنى مسمع، ومفاعل، كجليس بمعنى مجالس، ومفتعل، كبديع بمعنى مبتدع، ومنفعل، كسعير بمعنى منسعر، وفعل، كعجيب بمعنى عجب، وفعال، كصحيح بمعنى صحاح، وبمعنى الفاعل والمفعول، كصريخ بمعنى صارخ أو مصروخ، وبمعنى الواحد والجمع، نحو: خليط، وجمع فاعل، كغريب جمع غارب. اه. «سمين».
البلاغة
وقد تضمنت هاتان الآيتان الكريمتان ضروبا من البلاغة، وأنواعا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الخطاب العام: اللفظ الخاص المعنى في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إذا أريد بهم أشخاص معيّنون.
ومنها: مجاز بالاستعارة في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾، لأنّ حقيقة الختم: وضع محسوس على محسوس يحدث بينهما رقم، يكون علامة للخاتم. والختم هنا معنويّ، فإنّ القلب لما لم يقبل الحق مع ظهوره، استعير له اسم المختوم عليه على طريق الاستعارة التصريحية التبعية. وقيل: في إسناد الختم إلى القلوب استعارة تمثيلية، فقد شبّهت قلوبهم في نبوّها عن الحقّ، وعدم الإصغاء إليه بحال قلوب ختم الله عليها، وهي قلوب البهائم، وهو تشبيه معقول بمحسوس، أو هو مجاز عقليّ، وهو باب واسع عند العرب. يقولون: سال بهم الوادي؛ إذا هلكوا، وطارت بفلان العنقاء؛ إذا طالت غيبته.
ومنها: توحيد السمع لوحدة المسموع، وهو الصوت دون القلوب والأبصار؛ لتنوع المدركات والمرئيّات.
ومنها: تنكير ﴿غِشاوَةٌ﴾ في قوله: ﴿وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ إشارة (١) إلى أنّ على أبصارهم ضربا من الغشاوة خارجا مما يتعارفه الناس، وهي غشاوة التعامي عن الآيات الكونية.
ومنها: تنكير ﴿عَذابٌ﴾ في قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ إشارة إلى أنّه نوع منه مجهول الكمّ والكيف.
ومنها: وصفه بعظيم؛ لدفع الإيهام بقلّته وندرته، وللإشارة إلى أنّ لهم من الآلام نوعا عظيما، لا يعلم كنهه إلّا الله عزّ وجلّ.
ومنها: الحذف، وهو في مواضع (٢).
منها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: إنّ القوم الذين كفروا بالله وبك، وبما
(٢) البحر المحيط.
ومنها: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: بالله، وبما أخبرتهم به عن الله.
ومنها: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: فلا تعي. ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾ أي: فلا تصغي.
ومنها: ﴿وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ على قراءة من نصب، أي: وجعل على أبصارهم غشاوة، فلا يبصرون سبيل الهدى.
ومنها: وَ ﴿لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لهم يوم القيامة عذاب عظيم دائم، ويجوز أن يكون التقدير: ولهم عذاب عظيم في الدنيا بالقتل والأسر، أو بالإذلال ووضع الجزية، وفي الآخرة بالخلود في نار جهنم.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)}.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا (١) ذكر أوّلا من أخلص دينه لله، ووافق سرّه علنه، وفعله قوله، ثمّ ثنّى بذكر من محّضوا الكفر ظاهرا وباطنا. ثلّث هنا بالمنافقين الذين آمنوا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم، وهم أخبث الكفرة؛ لأنّهم ضموا إلى الكفر استهزاء، وخداعا، وتمويها، وتدليا، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، وقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ﴾.
وقد وصف الله سبحانه حال الذين كفروا في آيتين، وحال المنافقين في ثلاث عشرة آية. نعى عليهم فيها خبثهم، ومكرهم، وفضحهم، واستجهلهم،
فنعى عليهم خبثهم في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ونعى عليهم مكرهم في قوله: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، وفضحهم في قوله: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ وفي قوله: ﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾، وفي قوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، واستجهلهم في قوله: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ وفي قوله: ﴿وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ وفي قوله: ﴿وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾، وتهكّم بفعلهم في قوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾، ودعاهم صمّا بكما عميا في قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (١٨)، وضرب لهم شنيع الأمثال في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ إلخ، وفي قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾.
وعبارة أبي حيان هنا: مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه وتعالى لمّا ذكر (١) من الكتاب هدى لهم، وهم المتقون الذين جمعوا أوصاف الإيمان من خلوص الاعتقاد، وأوصاف الإسلام من الأفعال البدنية والمالية، وذكر ما آل أمرهم إليه في الدنيا من الهدى، وفي الآخرة من الفلاح. ثمّ أعقب ذلك بمقابلهم من الكفار الذين ختم عليهم بعدم الإيمان، وختم لهم بما يؤولون إليه من العذاب في النيران، وبقي قسم ثالث: أظهروا الإسلام مقالا، وأبطنوا الكفر اعتقادا، وهم المنافقون. أخذ يذكر شيئا من أحوالهم، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾.
الخ.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا ذكر في الآيات السابقة مقالتهم الكاذبة، وخداعاتهم العاطلة، وأمراضهم المعضلة، عدّد (٢) في هذه الآيات الثلاث بعض شناعاتهم المترتّبة على كفرهم ونفاقهم. ففصّل بعض خبائثهم وجناياتهم، وذكر
(٢) المراغي.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها. أنّه سبحانه وتعالى لمّا ذكر فيما قبلها بعض خبائثهم وجناياتهم، وبعض هفواتهم، ذكر (١) هنا حال جماعة من المنافقين الذين كانوا في عصر التنزيل، قد بلغ من دعارتهم، وتمردهم في النفاق وفساد الأخلاق أن كانوا يظهرون بوجهين، ويتكلّمون بلسانين، فإذا لقوا المؤمنين قالوا: آمنا بما أنتم به مؤمنون، وإذا خلوا إلى شياطينهم دعاة الفتنة والإفساد الذين يصدّون عن سبيل الحقّ. قالوا لهم: إنّما نقول ذلك لهم استهزاء بهم، وقد فضح الله بهتانهم، وأوعدهم شديد العقاب على استهزائهم، وزادهم حيرة في أمورهم. ثمّ ذكر أنّهم قد اختاروا الضلالة على الهدى، إذ هم أهملوا العقل في فهم الكتاب بعد أن تمكنت منهم التقاليد والعادات، وتحكمت فيهم البدع، فخسروا في تجارتهم، وما كانوا مهتدين فيها؛ لأنّهم باعوا ما وهبهم الله تعالى من النور والهدى، بضلالات البدع والأهواء.
قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: أنّ الله سبحانه لما ذكر فيما قبلهما بعض أحوال المنافقين الذين يظهرون بوجهين، ويتكلّمون بلسانين، أراد أن يضرب لهم الأمثال؛ لأنّ نهج القرآن الكريم، كنهج لغات العرب في أساليبها، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا...﴾ إلخ. فضرب الأمثال التي تجلي المعاني أتمّ جلاء، وتحدث في النفوس من الأثر، ما لا يقدر قدره ولا يسبر غوره؛ لما فيها من إبراز المعقولات الخفية في معرض المحسوسات الجليّة، وإظهار ما ينكر في لباس ما يعرف ويشهر. وعلى هذا السنن ضرب الله سبحانه مثل المنافقين، فمثّل حالهم حينما
ثمّ جعلهم مرّة أخرى كالصمّ البكم العمي الذين فقدوا هذه المشاعر والحواسّ، إذ هم حين لم ينتفعوا بآثارها فكأنّهم فقدوها، فما فائدة السمع إلّا الإصاخة إلى نصح الناصح وهدى الواعظ، وما منفعة اللسان إلّا الاسترشاد بالقول، وطلب الدليل والبرهان؛ لتتجلّى المعقولات وتتضح المشكلات، وما مزية البصر إلّا النظر والاعتبار؛ لزيادة الهدى والاستبصار، فمن لم يستعملها في شيء من ذلك فكأنّه فقدها، وأنّى لمثله أن يخرج من ضلالة أو يرجع إلى هدى.
ثمّ أراد سبحانه أن ينتقل إلى أسلوب آخر من الأمثال، فقال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
فضرب (١) سبحانه في هذه الآيات مثلا آخر، يشرح به حال المنافقين، ويبيّن فظاعة أعمالهم وسوء أفعالهم؛ زيادة في التنكيل بهم وهتكا لأستارهم، إذ كانوا فتنة للبشر، ومرضا في الأمم، فجعل حالهم، وقد أتتهم تلك الإرشادات الإلهية النازلة من السماء، فأصابهم القلق والاضطراب، واعترضتهم ظلمات الشبه والتقاليد، والخوف من ذمّ الجماهير عند العمل بما يخالف آراءهم، ثمّ استبان لهم أثناء ذلك قبس من النور يلمع في أنفسهم حين يدعوهم الداعي، وتلوح لهم الآيات البيّنة والحجج القيّمة، فيعزمون على اتباع الحقّ، وتسير أفكارهم في نوره بعض الخطى، ولكن لا يلبثون أن تعود إليهم عتمة التقليد وظلمة الشبهات، فتقيد
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآيات، نزلت (١) هذه الآيات في المنافقين: عبد الله بن أبيّ ابن سلول، ومعتّب بن قثير، وجدّ بن قيس، وأصحابهم. وذلك أنّهم أظهروا كلمة الإسلام؛ ليسلموا بها من النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، وأسرّوا الكفر
واعتقدوه، وأكثرهم من اليهود.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، سبب نزوله: ما أخرجه الواحدي، والثعلبيّ من طريق محمد بن مروان السدّي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: (نزلت (٢) هذه الآية في عبد الله بن أبيّ وأصحابه، وذلك أنّهم خرجوا ذات يوم، فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال عبد الله بن أبيّ: أنظروا كيف أردّ عنكم هؤلاء السفهاء، فذهب فأخذ بيد أبي بكر، فقال: مرحبا بالصّدّيق سيد بني تيم، وشيخ الإسلام، وثاني رسول الله في الغار، الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثمّ أخذ بيد عمر، فقال: مرحبا بسيّد بني عديّ بن كعب، الفاروق القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثمّ أخذ بيد عليّ، فقال: مرحبا بابن عمّ رسول الله وختنه سيد بني
(٢) لباب النقول.
قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية، سبب نزوله: ما أخرجه (١) ابن جرير من طريق السدي الكبير، عن أبي مالك، وأبي صالح، عن ابن عباس وعن مرّة، عن ابن مسعود، وناس من الصحابة قالوا: (كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله فيه رعد شديد، وصواعق، وبرق، كلّما أصابهما الصواعق جعلا أصابعهما في آذانهما؛ من الفرق أن تدخل الصواعق في مسامعهما، فتقتلهما.
وإذا لمع البرق مشيا في ضوئه، وإذا لم يلمع لم يبصرا، فأتيا مكانهما يمشيان، فجعلا يقولان: ليتنا قد أصبحنا فنأتي محمدا، فنضع أيدينا في يده، فأتياه فأسلما، ووضعا أيديهما في يده، وحسن إسلامهما). فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين مثلا للمنافقين الذين بالمدينة، وكان المنافقون إذا حضروا مجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جعلوا أصابعهم في آذانهم؛ فرقا من كلام النبي صلّى الله عليه وسلّم أن ينزل فيهم شيء، أو يذكروا بشيء فيقتلوا، كما كان كذلك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما.
﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾؛ أي: فإذا كثرت أموالهم وولدهم، وأصابوا غنيمة أو فتحا مشوا فيها، وقالوا حينئذ: إنّ دين محمد صدق، واستقاموا عليه، كما كان ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء لهما البرق، وإذا أظلم عليهم قاموا، وكانوا إذا هلكت أموالهم وأولادهم، وأصابهم البلاء قالوا: هذا من أجل محمد، وارتدّوا كفارا، كما قال ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما.
وفي «الصاوي»: والمراد من المنافقين هنا: بعض سكان البوادي؛ وبعض
التفسير وأوجه القراءة
٨ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾؛ أي: وبعض (١) الناس يقولون بألسنتهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: صدّقنا بوحدانية الله تعالى. ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: صدّقنا بمجيء اليوم الآخر بما فيه من البعث، والحشر والجزاء، وبجميع ما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم من الآيات البينات. وفي تكرير الباء؛ ادّعاء الإيمان بكلّ واحد على الأصالة والاستحكام، ذكره البيضاوي. وفي «العمدة»: وأعاد الجار؛ لإفادة تأكيد دعواهم الإيمان بكلّ ما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم. فردّ الله سبحانه عليهم بأبلغ ردّ بقوله: ﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ حيث أتى بالجملة الاسمية، وزاد الجار في الخبر. أي: يقولون ذلك والحال أنّهم غير مصدّقين بما ذكر؛ لأنّهم يقولون ذلك قولا لسانيّا دون اعتقاد، وكلاما خداعيا دون تصديق. والمراد باليوم الآخر: يوم القيامة، سمّي بذلك؛ لأنّه يأتي بعد الدنيا، وهو آخر الأيام المحدودة المعدودة، وما بعده فلا حدّ له ولا آخر.
قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ لمّا افتتح الله سبحانه وتعالى (٢) كتابه بشرح حاله، وساق لبيانه ذكر الذين أخلصوا دينهم لله، وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم، وثنّى بأضدادهم الذين محّضوا الكفر ظاهرا، وباطنا. ثلّث بالقسم الثالث المذبذب بين القسمين، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم تكميلا للتقسيم، وهم أي المنافقون أخبث الكفرة وأبغضهم إلى الله؛ لأنّهم موّهوا الكفر، وخلطوا به خداعا واستهزاء، ولذلك طوّل في بيان خبثهم.
(٢) روح البيان.
والنّاس (١): اسم جمع للناسي، سمّي به؛ لأنّه عهد إليه فنسي. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، ولذلك جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ أي: نسّاء للنعم، ذكّار للمحن. وقيل: سمي به؛ لظهوره من آنس؛ أي: أبصر؛ لأنّهم ظاهرون مبصرون، ولذلك سمّوا بشرا، كما سمّي الجنّ جنا؛ لاجتنانهم؛ أي: استتارهم عن أعين الناس. وقيل: هو من الأنس الذي هو ضدّ الوحشة؛ لأنّهم يستأنسون بأمثالهم، أو يستأنس أرواحهم بأبدانهم، وأبدانهم بأرواحهم. واللام فيه للجنس. ﴿ومِنَ﴾ في قوله: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ نكرة موصوفة، إذ لا عهد، فكأنّه قال: ومن الناس ناس يقولون؛ أي: يقرّون باللسان. والقول: هو التلفظ بما يفيد، ويأتي بمعنى المقول. وللمعنى المحصور في النفس المعبّر عنه باللفظ وللرأي، وللمذهب مجازا. ووحّد الضمير في ﴿يَقُولُ﴾ باعتبار لفظ ﴿مِنَ﴾، وجمعه في قوله: ﴿آمَنَّا﴾، وقوله: ﴿وَما هُمْ﴾ باعتبار معناها؛ لأنّ كلمة ﴿مِنَ﴾ تصلح للواحد والجمع، أو اللام فيه للعهد، والمعهود: هم الذين كفروا. ﴿ومِنَ﴾ موصولة مراد بها: عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه، ونظراؤه من المنافقين، حيث أظهروا كلمة الإسلام؛ ليسلموا من
واختصاصهم بزيادة زادوها على الكفر لا يأبى دخولهم تحت هذا الجنس، فإنّ الأجناس إنما تتنوّع بزيادات يختلف فيها أبعاضها. فعلى هذا تكون الآية تقسيما للقسم الثاني.
﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ أي: صدّقنا بالله. ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهو من وقت الحشر إلى ما لا يتناهى؛ أي: الوقت الدائم الذي هو آخر الأوقات المنقضية، والمراد به: البعث، أو إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار؛ لأنّه آخر الأيام المحدودة، إذ لا حدّ وراءه، وسمّي بالآخر؛ لتأخّره عن الدنيا.
وتخصيصهم للإيمان بهما بالذكر له؛ ادّعاء أنّهم قد حازوا الإيمان من قطريه، وأحاطوا به من جانبيه، وإيذان بأنّهم منافقون فيما يظنّون فيه، فكيف بما يقصدون به النفاق؛ لأنّ القوم كانوا يهودا، وكانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا كلا إيمان؛ لاعتقادهم التشبيه، واتخاذ الولد، وأنّ الجنة لا يدخلها غيرهم، وأنّ النار لن تمسهم إلّا أياما معدودة، وغيرها، ويرون المؤمنين أنّهم آمنوا مثل إيمانهم. وحكاية الله سبحانه عبارتهم؛ لبيان كمال خبثهم، فإنّ ما قالوه لو صدر عنهم لا على وجه الخداع والنفاق، وعقيدتهم عقيدتهم الأولى، لم يكن ذلك إيمانا، فكيف وهم يقولونه تمويها على المسلمين واستهزاء بهم، فكان خبثا إلى خبث، وكفرا إلى كفر.
﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: وما هم (١) بداخلين في عداد المؤمنين الصادقين، الذين يشعرون بعظيم سلطان الله، ويعلمون أنّه مطلع على سرّهم ونجواهم، إذ كانوا يكتفون ببعض ظواهر العبادات ظنا منهم أنّ ذلك يرضي ربّهم، ثمّ هم بعد ذلك منغمسون في الشرور والمآثم من كذب، وغشّ، وخيانة، وطمع إلى نحو ذلك مما حكاه الكتاب الكريم عنهم، ونقله الرواة أجمعون.
دلّت الآية: على أنّ الدعوى مردودة، إذا لم يقم عليها دلائل الصحة. قال بعضهم: من تحلّى بغير ما فيه فضح الامتحان ما يدّعيه، فإنّ من مدح نفسه ذمّ، ومن ذمّ نفسه مدح، قال فرعون عليه لعنة الله: ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فقيل فيه: ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾، وقال يونس - عليه السلام -: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فقيل له: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾.
٩ - وقوله: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾ جملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنّه قيل: ما لهم يقولون ذلك وهم غير مؤمنين؟ فقيل: يخادعون الله الخ. أي: يخدعون الله سبحانه وتعالى، وإنما أخرج على زنة فاعل؛ للمبالغة، فليست المفاعلة على بابها، وخداعهم مع الله ليس على ظاهره؛ لأنّه لا تخفى عليه خافية؛ ولأنّهم لم يقصدوا خديعته بل المراد إما مخادعة رسوله صلّى الله عليه وسلّم فيكون الكلام على حذف مضاف، كقوله: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾؛ أي: يخادعون رسول الله ويغرّونه بما أظهروا من الإسلام، أو على أنّ معاملة الرسول معاملة الله، من حيث إنه خليفته في أرضه، والناطق عنه بأوامره ونواهيه مع عباده. ففيه رفع درجة النبي صلّى الله عليه وسلّم حيث جعل خداعه خداعه.
والخدع على ما ذكرنا من جانب المنافقين لله وللمؤمنين، والتعبير بصيغة المخادعة؛ للدلالة على المبالغة في حصول الفعل، وهو الخدع، أو للدلالة على حصوله مرّة بعد أخرى، كما يقال: مارست الشيء وزاولته، إذ هم كانوا مداومين على الخدع، إذ أعمالهم الظاهرة لا تصدّقها بواطنهم، وهذا لا يكون إلّا من
وكلا المعنيين مناسب للمقام، فإنّهم كانوا يريدون بما صنعوا أن يطلعوا على أسرار المؤمنين، فيحملوها إلى أعدائهم، وأن يدفعوا عن أنفسهم ما يصيب بسائر الكفرة من القتل، والأسر، والنهب، وأن ينالوا به نظم مصالح الدنيا جميعا، كأن يفعل بهم ما يفعل بالمؤمنين من الإعطاء. وإما لأنّ صورة صنعهم مع الله من إظهار الإيمان واستبطان الكفر، وصنع الله معهم من إجراء أحكام المسلمين عليهم، وهم عنده تعالى أخبث الكفار وأهل الدرك الأسفل من النار استدراجا لهم، وامتثال الرسول والمؤمنين أمر الله تعالى في إخفاء حالهم، وإجراء حكم الإسلام عليهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة صنع المخادعين، فتكون المخادعة بين الاثنين، فتكون المفاعلة على بابها.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معطوف على الجلالة؛ أي: ويريدون بذلك القول: أن يخدعوا الذين آمنوا، ويغروهم بإظهار الإيمان، وإخفاء الكفر للاطلاع على أسرارهم، وإذاعتها إلى أعدائهم من المشركين واليهود، ودفع الأذى عن أنفسهم.
وجملة قوله: ﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ حال من فاعل ﴿يَخْدَعُونَ﴾؛ أي: يخادعون الله والمؤمنين بذلك القول، والحال أنّهم ما يضرّون بخداعهم ومكرهم في الحقيقة إلّا أنفسهم؛ لأنّ وبال خداعهم وعقوبته راجع إليهم، قال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾، فيفتضحون في الدنيا بإطلاع الله نبيه على ما أبطنوه، وأمره بإخراجهم من المسجد. ونزل فيهم: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الآيات، ويعاقبون في الآخرة بالعذاب الدائم المؤبّد في الدرك الأسفل من النار.
أي: فدائرة فعلهم مقصورة عليهم. ومن راعى صيغة المفاعلة قال: وما يعاملون تلك المعاملة الشبيهة بمعاملة المخادعين إلّا بأنفسهم؛ لأنّ ضررها لا يحيق إلّا
وجملة قوله: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ حال من ضمير ﴿ما يَخْدَعُونَ﴾؛ أي: يقتصرون على خدع أنفسهم والحال أنّهم ما يحسّون وما يعلمون ذلك. أي: أنّ ضرر خدعهم ووباله عليهم؛ لتمادي غفلتهم وتكامل حماقتهم، ولو علموا ذلك ما فعلوا الخداع، بل أخلصوا في إيمانهم.
والخدع، وكذا الخديعة، والحيلة، والمكر: هو ما يتوصّل به إلى المقصود بطريق خفيّ، كما ذكره القسطلاني في كتاب الحيل من «صحيح البخاري».
والشعور: إدراك الشيء من وجه يدقّ ويخفى، مشتق من الشعر لدقّته. وقيل: (١) هو الإدراك بالحاسّة، مشتق من الشعار، وهو ثوب يلي الجسد، ومنه: مشاعر الإنسان؛ أي: حواسه الخمس التي يشعر بها. اه. «سمين». وسميت مشاعره حواس؛ لكون كلّ حاسة منها محلّا للشعور والعظة.
والمعنى: أنّ لحوق ذلك لهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حسّ له. ثمّ في هذه الآية (٢) نفي العلم عنهم، وفي قوله: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إثبات العلم لهم، فبينهما معارضة، فما وجه الجمع بينهما؟ قلت: الجمع بينهما بأن يقال: إنّهم علموا به حقيقة، ولكن لم يعملوا بما علموا، فكأنّهم لم يعلموا، وهو كقوله عز وجلّ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾، فكانوا ناطقين سامعين ناظرين حقيقة، لكن لم ينتفعوا بذلك، فكانوا كأنّهم صّم بكم عمي، فذو الآلة إذا لم ينتفع بها، فهو وعادم الآلة سواء، والعالم الذي لا يعمل بعلمه، فهو والجاهل سواء، والغني الذي لا ينتفع بماله، فهو والفقير سواء. فإثبات العلم للكفار إلزام الحجة، وذكر الجهل إثبات المنقصة، بخلاف المؤمنين فإنّ إثبات العلم لهم إثبات الكرامة، وذكر الجهل تلقين عذر المعصية. فعلى المؤمن أن
(٢) روح البيان.
وفي الحديث: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله تعالى يوم يجازي العباد بأعمالهم»: (اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون لهم في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم خيرا). وإنّما يقال لهم ذلك: لأنّ عملهم في الدنيا كان على وجه الخداع، فيعاملون في الآخرة على وجه الخداع، كذا في «تنبيه الغافلين».
وأخرج (١) أحمد بن منيع في «مسنده» بسند ضعيف، عن رجل من الصحابة: «أنّ قائلا من المسلمين قال: يا رسول الله ما النجاة غدا؟ قال: «لا تخادع الله»، قال: وكيف نخادع الله؟ قال: «أن تعمل بما أمرك الله به تريد به غيره، فاتقوا الرياء، فإنّه الشرك بالله، فإنّ المرائي ينادى يوم القيامة على رؤوس الخلائق بأربعة أسماء»: يا كافر، يا فاجر، يا خاسر، يا غادر ضلّ عملك، وبطل أجرك فلا خلاق لك اليوم عند الله، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع، وقرأ آيات من القرآن ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ الآية، ﴿وإِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، عن ابن وهب قال: سألت ابن زيد عن قوله: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾؟ قال: هؤلاء المنافقون يخادعون الله ورسوله والذين آمنوا، أنّهم مؤمنون بما أظهروه.
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (٢): ﴿يُخادِعُونَ﴾ بالألف في الموضعين، وقرأ حمزة، وعاصم، والكسائي، وابن عامر في الثاني ﴿يَخْدَعُونَ﴾ بلا ألف.
والمراد بمخادعتهم أنفسهم: أنّهم يمنّونها الأماني الباطلة، وهي كذلك تمنّيهم.
والحاصل: أنّه قد نفى (٣) الشعور عنهم في مخادعتهم؛ لأنّهم لم يحاسبوا
(٢) الشوكاني.
(٣) المراغي.
والمشاهد: أنّ الإنسان إذا همّ بعمل وناجى، وجد كأنّ في قلبه خصمين مختصمين:
أحدهما: يميل به إلى اللذة، ويسير به في طريق الضلال والغواية.
وثانيهما: يأمره بالسير في الطريق القويم، وينهاه عن اتباع النفس والهوى.
ولقد جاء في كلامهم عن المتردّد: (فلان يشاور نفسه) ولا يترجّح عنده جانب الشرّ إلّا إذا خدع نفسه، وصرفها عن الحقّ، وزيّن لها اتباع الباطل. وإنّما يكون ذلك بعد مشاورة ومذاكرة، تجول في الخاطر، وتهجس في النفس، ربّما لا يلتفت إليها الإنسان، ولا يشعر بما يجول بين جنبيه.
١٠ - ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: في قلوب هؤلاء المنافقين وعقولهم، فالمراد بالقلوب هنا: العقول، وهو تعبير معروف عند العرب. ﴿مَرَضٌ﴾؛ أي: مرض معنوي الذي هو الشكّ، والكفر، والنفاق. والمرض: حقيقة فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال اللائق، ويوجب الخلل في أفاعيله، ويؤدّي إلى الموت. ومجاز في الأعراض النفسانية التي تخلّ بكمالها: كالجهل، وسوء العقيدة، والحسد، والضغينة، وحبّ المعاصي، وغير ذلك من فنون الكفر المؤدي إلى الهلاك الروحاني؛ لأنّها مانعة عن نيل الفضائل، أو مؤدّية إلى زوال الحياة الحقيقية الأبدية، والآية الكريمة تحتملها، فإنّ قلوبهم كانت متألّمة تحرّقا على ما فات عنهم من الرياسة، وحسدا على ما يرون من ثبات أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم واستعلاء شأنه يوما فيوما.
﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ﴾ على مرضهم الأول ﴿مَرَضًا﴾ آخر بما أنزله من القرآن؛ لأنّ
والمعنى: فزاد الله غمّهم بما زاد في إعلاء أمره ورفع قدره، وأنّ نفوسهم كانت مؤوفة بالكفر، وسوء الاعتقاد، ومعاداة النبي صلّى الله عليه وسلّم ونحوها، فزاد الله ذلك بأن طبع على قلوبهم؛ لعلمه تعالى بأنّه لا يؤثّر فيها التذكير والإنذار، وبازدياد التكاليف الشرعية، وتكرير الوحي، وتضاعف النصر؛ لأنّهم كلما ازداد التكاليف بنزول الوحي يزدادون كفرا، وقد كان يشقّ عليهم التكلم بالشهادة، فكيف وقد لحقتهم الزيادات، وهي وظائف الطاعات، ثمّ العقوبة على الجنايات، فازدادوا بذلك اضطرابا على اضطراب، وارتيابا على ارتياب، ويزدادون بذلك في الآخرة عذابا على عذاب. قال تعالى: ﴿زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ﴾، والمؤمنون لهم في الدنيا ما قال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾، وفي العقبى ما قال: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
قال القطب العلّامة: أمراض القلب: إمّا متعلّقة بالدين، وهو سوء الاعتقاد والكفر، أو بالأخلاق، وهي إما رذائل فعليّة، كالغلّ والحسد، وإما رذائل انفعاليّة، كالضعف والجبن. فحمل المرض أوّلا على الكفر، ثمّ على الهيئات الفعلية، ثمّ على الهيئات الانفعالية. ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ دعاء عليهم.
فإن قلت: (١) فكيف يحمل على الدعاء، والدعاء للعاجز عرفا، والله تعالى منزّه عن العجز؟
قلت: هذا تعليم من الله لعباده أنّه يجوز الدعاء على المنافقين، والطرد لهم؛ لأنّهم شرّ خلق الله؛ لأنّه أعد لهم يوم القيامة الدرك الأسفل من النار، وهذا كقوله تعالى: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾.
﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ بعد أن جاء النذير البشير، ومعه البرهان القاطع، والنور الساطع وأبوا أن يتبعوه، وزاد تمسكّهم بما كانوا عليه، فكان ذلك النور عمى في أعينهم ومرضا في قلوبهم، وتحرّقت قلوبهم حسرة على ما فاتهم من الرياسة، وحسدا على ما يرونه من ثبات أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم وعلوّ شأنه يوما بيوم.
انتهى.
﴿وَلَهُمْ﴾؛ أي: ولهؤلاء المنافقين في الآخرة ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ يصل ألمه إلى القلوب، وهو بمعنى: المؤلم بفتح اللام على أنّه اسم مفعول من الإيلام. يقال: ألم يألم فهو أليم بمعنى: مؤلم، كسميع بمعنى: مسمع. وصف به للمبالغة، وهو في الحقيقة صفة المعذّب بفتح الذال المعجمة، كما أنّ الجدّ للجادّ في قولهم: جدّ جدّه. وجه المبالغة: إفادة أنّ الألم بلغ الغاية حتى سرى من المعذّب بفتح الذال إلى العذاب المتعلّق به.
أي: ولهم عذاب موجع ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ بالتخفيف (٢)؛ أي: بسبب كذبهم في قولهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وقرىء بالتشديد؛ أي: بسبب تكذيبهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيما جاء به في السرّ. والكذب: هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه، كقولك: الجهل نافع والعلم ضارّ، وهو قبيح كلّه.
و (الباء) (٣) فيه للسببية، أو للمقابلة، ﴿وما﴾ مصدرية، داخلة في الحقيقة على ﴿يَكْذِبُونَ﴾ وكلمة ﴿كانُوا﴾ مقحمة؛ لإفادة دوام كذبهم وتجدده؛ أي: بسبب
(٢) العمدة.
(٣) روح البيان.
وحاصل معنى الآية: أنّ الله سبحانه جعل (١) العذاب جزاء الكذب دون سائر موجباته الأخرى، كالكفر وغيره من أعمال السوء؛ للتحذير منه، وبيان فظاعته، وعظم جرمه؛ وللأشعار بأنّ الكفر من محتوياته، وإليه ينتهي في حدوده وغاياته، ومن ثم حذر منه القرآن أتمّ التحذير. فما فشا في أمة إلّا كثرت فيها الجرائم، وشاعت فيها الرذائل، فهو مصدر كل رذيلة ومنشأ كلّ كبيرة. وقد روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: أنّه قال: «إياكم والكذب، فإنّه مجانب للإيمان»؛ يعني: أنّ الإيمان في جانب والكذب في جانب آخر منه، مقابل له، وهذا كناية عن كمال البعد بينهما.
وفي الحديث (٢): «ما لي أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار». كلّ الكذب مكتوب كذبا لا محالة، إلّا أن يكذب الرجل في الحرب، فإنّ الحرب خدعة، أو يكون بين رجلين شحناء، فيصلح بينهما، أو يحدث امرأته ليرضيها، مثل أن يقول: (لا أحد أحبّ إليّ منك)، وكذا من جانب المرأة. فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء، وفي معناها: ما أدّاها إذا ارتبط بمقصود صحيح له، أو لغيره، لكن هذا في حقّ الغير، وأمّا في حقّ نفسه، فالصدق أولى وإن لزم الضرر.
(٢) روح البيان.
وأمال حمزة (١) ﴿فَزادَهُمُ﴾، ووافقه ابن ذكوان، وأجمع القراء على فتح الراء في قوله: ﴿مَرَضٌ﴾، إلّا ما رواه الأصمعيّ، عن أبي عمرو: أنّه قرأ بإسكان الراء. وقرأ حمزة، وعاصم، والكسائي ﴿يكذبون﴾ بالتخفيف. وقرأ الحرميان: نافع، وابن كثير، والعربيان: أبو عمرو، وابن عامر بالتشديد.
وقد سئل (٢) القرطبيّ وغيره من المفسرين، عن حكمة كفّه صلّى الله عليه وسلّم عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم؟ فذكروا أجوبة عن ذلك.
منها: ما ثبت في «الصحيحين»: أنّه صلّى الله عليه وسلّم قال لعمر - رضي الله عنه -: «أكره أن يتحدّث العرب أنّ محمدا يقتل أصحابه».
ومنها: ما قال مالك: (إنّما كفّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن المنافقين؛ ليبيّن لأمّته أنّ الحاكم لا يحكم بعلمه).
ومنها: ما قاله بعضهم: أنّه إنما لم يقتلهم؛ لأنّه كان لا يخاف من شرّهم مع وجوده صلّى الله عليه وسلّم بين أظهرهم، يتلو عليهم آيات الله بينات. فأمّا بعده: فيقتلون إذا أظهروا النفاق، وعلمه المسلمون. انتهى.
١١ - ثمّ (٣) شرع في بيان قبائحهم وأحوالهم الشنيعة، وفي الحقيقة: هو تفصيل للمخادعة الحاصلة منهم، فقال: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أي: وإذا قال المسلمون لهؤلاء المنافقين: ﴿لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لا تسعوا في الأرض بالإفساد بالكفر، وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وإفشاء أسرار المؤمنين إلى
(٢) ابن كثير.
(٣) العمدة.
وإسناد (١) قِيلَ إلى ﴿لا تُفْسِدُوا﴾ إسناد له إلى لفظه، كأنّه قيل: وإذا قيل لهم: هذا اللفظ، كقولك: ألّف ضرب من ثلاثة أحرف. والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته، وكونه منتفعا به، وضدّه: الصلاح، وهو الحصول على الحال المستقيمة النافعة. وكلاهما يعمّان كلّ ضارّ ونافع، والفساد في الأرض: تهييج الحروب والفتن المستتبعة؛ لزوال الاستقامة عن أحوال العباد، واختلال أمر المعاش والمعاد. والمراد بما نهوا عنه: ما يؤدي إلى ذلك من إفشاء أسرار المؤمنين إلى الكفار، وإغرائهم عليهم، وغير ذلك من فنون الشرور. فلمّا كان ذلك من صنيعهم مؤدّيا إلى الفساد. قيل: ﴿لا تُفْسِدُوا﴾، كما يقال للرجل: لا تقتل نفسك بيدك، ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه عاقبته.
وكانت الأرض قبل البعثة يعلن فيها بالمعاصي، فلمّا بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم ارتفع الفساد، وصلحت الأرض، فإذا أعلنوا بالمعاصي، فقد أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، كما في «تفسير أبي الليث».
﴿قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ جواب لإذا، وردّ للناصح على سبيل المبالغة؛ أي: نحن مقصورون على الإصلاح المحض؛ أي: ليس شأننا الإفساد أبدا، بل نحن محصورون في الإصلاح، لا نخرج عنه إلى غيره، فهو من حصر المبتدأ في الخبر.
والمعنى (٢): أنّه لا يصح مخاطبتنا بذلك، فإنّ شأننا ليس إلّا الإصلاح، وإنّ حالنا متمّحضة عن شوائب الإفساد، وإنّما قالوا ذلك؛ لأنّهم تصوّروا الفساد بصورة الصلاح، لما في قلوبهم من المرض، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾. فأنكروا كون ذلك فسادا، وادّعوا كونه إصلاحا محضا. وهو من قصر الموصوف على الصفة، مثل: إنّما زيد منطلق.
(٢) روح البيان.
فأجابهم الله تعالى بعد ذلك بما يدلّ على القصر القلبيّ، وهو قوله تعالى: ﴿أَلا﴾ أيّها المؤمنون انتبهوا، واعلموا ﴿إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ فإنّهم لمّا أثبتوا لأنفسهم إحدى الصفتين، ونفوا الأخرى، واعتقدوا ذلك، قلب الله اعتقادهم هذا بأن أثبت لهم ما نفوه، ونفى عنهم ما أثبتوا.
والمعنى: هم مقصورون على إفساد أنفسهم بالكفر، والناس بالتعويق عن الإيمان، لا يتخطّون منه إلى صفة الإصلاح، من باب قصر الشيء على الحكم، فهم لا يعدون صفة الفساد والإفساد، ولا يلزم منه أن لا يكون غيرهم مفسدين.
ثمّ استدرك بقوله: ﴿وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أنّهم مفسدون، للإيذان بأنّ كونهم مفسدين من الأمور المحسوسة، لكن لا حسّ لهم حتى يدركوه. قال الشيخ في «تفسيره»: ذكر الشعور بإزاء الفساد أوفق؛ لأنّه كالمحسوس عادة، ثمّ فيه بيان شرف المؤمنين، حيث تولّى جواب المنافقين عما قالوه للمؤمنين.
١٢ - والحاصل: أنّهم أكّدوا ذلك بإنّما المفيدة للحصر، وبالجملة الاسمية المفيدة للدوام والاستمرار. فردّ الله سبحانه عليهم بجملة مؤكّدة بأربع مؤكّدات: ﴿أَلا﴾ التي للتنبيه و ﴿إن﴾ وضمير الفصل، وتعريف الخبر، حيث قال: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾؛ أي: إنّهم وحدهم هم المفسدون، لا من أوماؤا إليهم من المؤمنين، ولكن لا يعلمون أنّ ما فعلوه فساد؛ لأنّه أصبح غريزة في طباعهم؛ بما تمكّن فيها من الشّبه بتقليدهم أحبارهم الذين أشربت قلوبهم تعظيمهم، والثقة بآرائهم. أو لا يعلمون أنّ الله تعالى يطلع نبيّه صلّى الله عليه وسلّم على فسادهم.
١٣ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ﴾ من طرف المسلمين بطريق الأمر بالمعروف، إثر نهيهم عن
والمعنى: أي (١) وإذا قال لهؤلاء المنافقين النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو بعض أصحابه بطريق الأمر بالمعروف نصيحة لهم: آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، وباليوم الآخر إيمانا صادقا، لا يشوبه نفاق ولا رياء. ﴿كَما آمَنَ النَّاسُ﴾؛ أي: كما آمن أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأخلصوا في إيمانكم وطاعتكم لله. والكاف في محل النصب على أنّه نعت لمصدر مؤكّد محذوف؛ أي: آمنوا إيمانا مماثلا لإيمانهم، فما مصدرية أو كافّة؛ أي: حقّقوا إيمانكم كما تحقق إيمانهم. واللام (٢) في النَّاسُ للجنس، والمراد به:
الكاملون في الإنسانية العاملون بقضية العقل، أو للعهد، والمراد به: الرسول صلّى الله عليه وسلّم ومن معه، أو من آمن من أهل بلدتهم؛ أي: من أهل ضيعتهم: كابن سلام وأصحابه.
والمعنى: آمنوا إيمانا مقرونا بالإخلاص، متمحّضا من شوائب النفاق، مماثلا لإيمانهم.
﴿قالُوا﴾ مقابلين للأمر بالمعروف بالإنكار المنكر، واصفين للمراجيح الرزان بضد أوصافهم الحسان ﴿أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ الهمزة فيه للإنكار مع الاستهزاء والسخرية، واللام فيه مشار بها إلى الناس الكاملين، أو المعهودين، أو إلى الجنس بأسره، وهم مندرجون فيه على زعمهم الفاسد. والسفه: خفّة عقل وسخافة رأي، يورثهما قصور العقل، ويقابله الحلم والأناة. وإنّما نسبوهم إليه مع أنّهم في الغاية القاضية من الرشد، والرزانة، والوقار؛ لكمال انهماك أنفسهم في السفاهة، وتماديهم في الغواية، وكونهم ممن زيّن له سوء عمله، فرآه حسنا،
(٢) روح البيان.
فإن قيل: كيف يصحّ النفاق مع المجاهرة بقوله: ﴿أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾.
قلنا: فيه أقوال:
الأول: إنّ المنافقين لعنهم الله، كانوا يتكلمون بهذا الكلام في أنفسهم دون أن ينطقوا به بألسنتهم، لكن هتك الله أستارهم، وأظهر أسرارهم عقوبة على عداوتهم، وهذا كما أظهر ما أضمره أهل الإخلاص من الكلام الحسن، وإن لم يتكلموا به بالألسن؛ تحقيقا لولايتهم، قال الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ إلى أن قال: ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾، وكان هذا في قلوبهم، فأظهره الله تعالى تشريفا لهم وتشهيرا لحالهم. وهذا قول صاحب «التيسير».
والثاني: أنّ المنافقين كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين، فأخبر الله تعالى نبيه صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين بذلك، هذا قول البغويّ.
والثالث: قول أبي السعود في «الإرشاد» حيث قال: هذا القول وإن صدر عنهم بمحضر من المؤمنين الناصحين لهم جوابا عن نصيحتهم، لكن لا يقتضي كونهم مجاهرين لا منافقين، فإنّه ضرب من الكفر أنيق، وفنّ في النفاق عريق؛ لأنّه محتمل للشرّ، كما ذكر في تفسيره، وللخير بأن يحمل على ادّعاء الإيمان، كإيمان الناس، وإنكار ما اهتمّوا به من النفاق على معنى: أنؤمن كما آمن السفهاء والمجانين الذين لا اعتداد بإيمانهم لو آمنوا، ولا نؤمن كإيمان الناس حتى تأمرون بذلك، قد خاطبوا به الناصحين استهزاء بهم مرائين لإرادة المعنى الأخير
وعلى الأول: ردّ الله - سبحانه - ذلك عليهم بجملة مؤكّدة بأربع تأكيدات كالسابقة، حيث قال: ﴿أَلا﴾ فانتبهوا أيّها المؤمنون ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إنّ المنافقين
فائدة: قال أبو حيان: وإذا التقت الهمزتان، أولاهما مضمومة، والثانية مفتوحة، نحو: ﴿السُّفَهاءُ أَلا﴾ ففي ذلك أوجه:
أحدها: تحقيق الهمزتين، وبذلك قرأ الكوفيون، وابن عامر.
والثاني: تحقيق الأولى وتخفيف الثانية بإبدالها واوا، وبذلك قرأ الحرميان، وأبو عمرو.
والثالث: تسهيل الأولى بجعلها بين الهمزة والواو، وتحقيق الثانية.
والرابع: تسهيل الأولى بجعلها بين الهمزة والواو وإبدال الثانية واوا.
وأجاز قوم وجها.
خامسا: وهو جعل الأولى بين الهمزة والواو وجعل الثانية بين الهمزة والواو، ومنع ذلك بعضهم.
وهذا ردّ (١) ومبالغة في تجهيلهم، فإنّ الجاهل بجهله الجازم على خلاف ما هو الواقع، أعظم ضلالة، وأتمّ جهالة من المتوقّف المعترف بجهله، فإنّه ربّما يعذر وتنفعه الآيات والنذر. وقال النسفيّ: وإنّما ذكر هنا ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾. وفيما تقدم ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾؛ لأنه قد ذكر السفه هنا، وهو جهل، وكان ذكر العلم أحسن طبقا له. انتهى.
وفي «الروح»: واعلم أن قوله تعالى: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ في الآية الأولى: نفي
فليسارع (١) العاقل إلى تحصيل العلم والمعرفة، حتى يصل إلى توحيد الفعل والصفة. قال الإمام القشيري - رحمه الله تعالى -: للعقل نجوم، وهي للشيطان رجوم، وللعلوم أقمار هي للقلوب أنوار واستبصار، وللمعارف شموس، ولها على أسرار العارفين طلوع، والعلم اللدنّي هو الذي ينفتح في بيت القلب من غير سبب مألوف من الخارج، وللقلب بابان: باب إلى الخارج يأخذ العلم من الحواس، وباب إلى الداخل يأخذ العلم بالإلهام. فمثل القلب، كمثل الحوض الذي يجري فيه أنهار خمسة، فلا يخلو ماؤه عن كدرة ما دام يحصل ماؤه من الأنهار الخمسة، بخلاف ما إذا خرج ماؤه من قعره حيث يكون ماؤه أصفى وأجلى، فكذا القلب إذا حصل له العلم من طريق الحواس الخمس الظاهرة لا يخلو من كدرة، وشكّ، وشبهة، بخلاف ما إذا ظهر من صميم القلب بطريق الفيض الإلهيّ، فإنّه أصفى وأولى. انتهى.
وعبارة المراغي هنا: (١) ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ﴾ الذين اتبعوا قضيّة العقل، وسلكوا سبيل الرشاد، وكان للإيمان سلطان على نفوسهم، وعليه بنوا تصاريف أعمالهم، كعبد الله بن سلام وأشباهه من أحبارهم. ﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ أرادوا بالسفهاء: أتباع النبي صلّى الله عليه وسلّم. أمّا المهاجرون منهم: فلأنّهم عادوا قومهم وأقاربهم، وهجروا أوطانهم، وتركوا ديارهم؛ ليتبعوا النبي صلّى الله عليه وسلّم، ويسيروا على هديه. وأمّا الأنصار: فلأنّهم شاركوا المهاجرين في ديارهم وأموالهم، ولا يستبعد ممن انهمك في السفاهة، وتمادى في الغواية، ومن زيّن له سوء عمله، فرآه حسنا، وظنّ الضلال هدى أن يسمّي الهدى سفها وضلالا، كما مرّ. ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ﴾ وحدهم دون من عرّضوا بهم، ونسبوهم إلى السفه، إذ هم لهم سلف صالح تركوا الاقتداء بهم، واكتفوا بانتظار شفاعتهم، ولم يجروا على هديهم وسنتهم، بخلاف أولئك المؤمنين الذين لا سلف لهم إلّا عابدي أصنام، وقد هداهم الله تعالى، وصارت قلوبهم مطمئنة بالإيمان. ﴿وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ما الإيمان وما حقيقته؟ حتى يعلموا أنّ المؤمنين سفهاء.
وقد ختمت هذه الآية بـ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾، وسابقتها بـ ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾؛ لأنّ الإيمان لا يتمّ إلّا بالعلم اليقينيّ، والفائدة المرجوة منه، وهي السعادة في المعاش والمعاد، لا يدركها إلّا من يعلم حقيقته ويدرك كنهه، فهم قد أخطأوا في
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أمّا نفاقهم وإفسادهم في الأرض فقد بلغ من الوضوح مبلغ الأمور المحسوسة التي تصل إلى الحواس والمشاعر، ولكن لا حسّ لهم حتى يدركوه.
انتهى.
١٤ - ثمّ بيّن سبحانه وتعالى، مصانعتهم ومعاملتهم مع المؤمنين بعد ما بيّن أولا مذهبهم ونفاقهم في الواقع، ونفس الأمر بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فلا تكرار بين ما هنا وهناك، فقال: ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال صاحب «الروح»: وهذا بيان لمعاملتهم مع المؤمنين والكفار، وما صدّرت به القصة، فمساقه؛ لبيان مذهبهم وتمهيد نفاقهم، فليس بتكرير مع ما سبق؛ أي:
وإذا لقي هؤلاء المنافقون، وعاينوا، وصادقوا، واستقبلوا الذين آمنوا بالحقّ، وهم المهاجرون والأنصار ﴿قالُوا﴾؛ أي: قال هؤلاء المنافقون كذبا: ﴿آمَنَّا﴾ كإيمانكم وتصديقكم، كما سبق في سبب النزول: أنّ عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه خرجوا ذات يوم، فاستقبلهم نفر من الصحابة - رضي الله عنهم - الخ.
أي: وإذا رأى هؤلاء المنافقون المؤمنين، واجتمعوا معهم، أظهروا لهم الإيمان والموالاة نفاقا ومصانعة. ﴿وَإِذا خَلَوْا﴾؛ أي: مضوا، أو اجتمعوا على الخلوة. و ﴿إِلى﴾ بمعنى: مع أو انفردوا و ﴿إِلى﴾ بمعنى: الباء، أو بمعنى: مع، تقول: خلوت بفلان، وإليه، إذا انفردت معه. ﴿إِلى شَياطِينِهِمْ﴾؛ أي: إلى أصحابهم المماثلين للشيطان في التمردّ والعناد المظهرين لكفرهم. وإضافة الشياطين إلى ضميرهم للمشاركة في الكفر، أو إلى كبار المنافقين، والقائلون صغارهم، وكلّ عات متمرّد فهو شيطان.
وقال الضحاك: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - المراد بشياطينهم: كهنتهم، وهم في بني قريظة: كعب بن الأشرف، وفي بني أسلم: أبو بردة، وفي جهينة: عبد الدار، وفي بني أسد: عوف بن عامر، وفي الشام: عبد الله بن سوداء. وكانت العرب تعتقد فيهم أنّهم مطّلعون على الغيب، ويعرفون الأسرار، ويداوون المرضى، وليس من كاهن إلّا وعند العرب أنّ معه شيطانا يلقي إليه
والمعنى: أي وإذا انفردوا عن المؤمنين، ورجعوا إلى شياطينهم؛ أي: إلى كبرائهم، ورؤسائهم في الضلال والنفاق الذين شابهوا الشياطين في تمردهم وعتوهم، أو إلى كهنتهم. ﴿قالُوا﴾؛ أي: قال هؤلاء المنافقون لرؤسائهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾: أي: مصاحبوكم، وموافقوكم على دينكم واعتقادكم لا نفارقكم في حال من الأحوال. وكأنه قيل لهم عند قولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾: فما بالكم توافقون المؤمنين في الإتيان بكلمة الشهادة، وتشهدون مشاهدهم، وتدخلون مساجدهم، وتحجون، وتغزون معهم؟ فقالوا: ﴿إِنَّما نَحْنُ﴾ في إظهار الإيمان عند المؤمنين ﴿مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ بهم من غير أن يخطر ببالنا الإيمان حقيقة، فنريهم أنا نوافقهم على دينهم ظاهرا وباطنا، وإنما نكون معهم ظاهرا؛ لنشاركهم في غنائمهم، وننكح بناتهم، ونطّلع على أسرارهم، ونحفظ أموالنا، وأولادنا، ونساءنا من أيديهم.
والاستهزاء: التجهيل للغير، والسخرية به، والاستخفاف به.
والمعنى: إنّا نجهّل محمدا وأصحابه، ونسخر بهم بإظهارنا الإسلام.
وقرىء ﴿مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ بتحقيق الهمزة، وهو الأصل، وبقلبها ياء مضمومة؛ لانكسار ما قبلها، ومنهم من يحذف الياء؛ تشبيها بالياء الأصلية في نحو: يرمون، ذكره في «البحر».
١٥ - فردّ الله عليهم بقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أي: يجازيهم على استهزائهم، أو يرجع وبال الاستهزاء عليهم فيكون كالمستهزىء بهم، أو ينزل الحقارة بهم والهوان الذي هو لازم الاستهزاء والغرض منه، أو يعاملهم معاملة المستهزىء بهم، أمّا في الدنيا: فبإجراء أحكام المسلمين عليهم واستدراجهم بالإمهال، والزيادة في النعمة على التمادي في الطغيان، وأما في الآخرة: فبما يروى: أنّه يفتح لهم بابا إلى الجنة، وهم في جهنّم، فيسرعون نحوه، فإذا وصلوا إليه سدّ عليهم الباب، وردّوا إلى جهنم. والمؤمنون على الأرائك في الجنة، ينظرون إليهم، فيضحكون لهم كما ضحكوا من المؤمنين في الدنيا، فذلك بمقابلة هذا،
قال ابن كثير: وهذا إخبار من الله تعالى أنّه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج الخبر عن الجزاء، مخرج الخبر عن الفعل الذي استحقّوا العقاب عليه. فاللفظ متفق والمعنى مختلف، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾؛ لأنّ الأول ظلم والثاني عدل.
﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾؛ أي: يزيدهم، ويقويهم من مدّ الجيش وأمده؛ إذا زاده وقوّاه، لا من المدّ في العمر، فإنّه يعدى باللام كأملي لهم. ويدلّ عليه قراءة ابن كثير وَيَمُدُّهُمْ. ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ متعلّق بيمدّهم. والطغيان: مجاوزة الحد في كلّ أمر، والمراد هنا: إفراطهم في العتوّ، وغلّوهم في الكفر. وفي إضافته إليهم إيذان باختصاصه بهم، وتأييد لما أشير إليه من ترتب المدّ على سوء اختيارهم.
والمشهور فتح الياء من ﴿يَمُدُّهُمْ﴾. وقرىء شاذا بضمّها، فقيل: الثلاثي والرباعي بمعنى واحد، ونسبت هذه القراءة إلى ابن محيص، وشبل، وابن كثير، كما مرّ.
حالة كونهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فيه؛ أي: يتردّدون في الضلالة، متحيّرين عقوبة لهم في الدنيا لاستهزائهم. وهو حال من الضمير المنصوب، أو المجرور، لكون المضاف مصدرا، وهو مرفوع حكما. والعمه في البصيرة، كالعمى في البصر، وهو التحيّر والتردّد بحيث لا يدري أين يتوجّه.
والمعنى: أي يزيدهم بطريق الإمهال والترك في طغيانهم، وضلالتهم، وكفرهم حالة كونهم يعمهون؛ أي: يتردّدون ويتحيّرون في طغيانهم، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا، لأنّ الله طبع قلوبهم، وأعمى أبصارهم، فلا يبصرون رشدا، ولا يهتدون سبيلا، أو المعنى: يتردّدون في البقاء على الكفر وتركه، والدخول في الإيمان.
والمراد بالعمه: عدم معرفة الحقّ من الباطل، فمنهم: من يظهر له وجه الحقّ، ويكفر عنادا ومنهم: من يشكّ في الحقّ ويقال له: عمي أيضا. فبين العمه والعمى عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في طمس القلب، وينفرد العمى بفقد البصر.
وقرأ يحيى بن يعمر ﴿اشتروا الضلالة﴾ بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين. وقرأ أبو السماك قعنب العدوي بفتحها؛ لخفة الفتحة، وأجاز الكسائي همز الواو. وقرأ الجمهور بضمّ الواو، وأمال حمزة والكسائي وخلف العاشر ﴿الهدى﴾، وهي لغة تميم، وقلله ورش والباقون بالفتح، وهي لغة قريش.
أي: أولئك المنافقون هم الذين اشتروا الضلالة، وأخذوها، واختاروها، وهي الكفر والعدول عن الحقّ، والصواب بدل الهدى، وهو الإيمان والسلوك في الطريق المستقيم، والاستقامة عليه أخذا متّصفا بالرغبة فيها والإعراض عنه؛ أي: اختاروها عليه، واستبدلوها به، وأخذوها مكانه، وجعل الهدى كأنّه في أيديهم لتمكنهم منه، وهو الاستعداد به، فبميلهم إلى الضلالة عطلوه، وتركوه. والباء تدخل على المتروك في باب المعاوضة. وهذا دليل: على أنّ الحكم في البيع ونحوه، يثبت بالتعاطي من غير تكلم بالإيجاب والقبول على ما ذهب إليه الأحناف، فإنّ هؤلاء سمّوا مشترين، بترك الهدى وأخذ الضلال من غير تكلّم بصيغة المبادلة، كما في «التيسير». فيكون دليلا لهم على أنّ من أخذ شيئا من غيره، وترك عليه عوضه برضاه فقد اشتراه وإن لم يتكلم.
﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ أي: (١) ما ربحت صفقتهم في هذه المعاوضة؛ أي:
﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى طريق التجارة، فإنّ المقصد منها سلامة رأس المال مع حصول الربح، ولئن فات الربح في صفقة، فربّما يتدارك في صفقة أخرى؛ لبقاء الأصل، وأمّا اتلاف الكلّ بالمرة، فليس من باب التجارة قطعا، وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين؛ لأنّ رأس مالهم كان الفطرة السليمة والعقل الصرف، فلما اعتقدوا هذه الضلالات بطل استعدادهم، واختلّ عقلهم، ولم يبق لهم رأس مال يتوسّلون به إلى درك الحق، ونيل الكمال، فبقوا خاسرين آيسين من الربح، فاقدين الأصل نائين عن طريق التجارة بألف منزل.
واعلم: أنّ المهتدي: هو الذي ترك الدنيا والعادة، ثمّ اشتغل بوظائف الطاعة والعبادة، لا من اتبع كلّ ما يهواه، وخلّط هواه بهداه.
فإن قلت (١): مقتضى هذه الآية: أنّ الهدى كان موجودا ثمّ دفعوه، وأخذوا الضلالة.
قلت: الأمر كذلك؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «كلّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه» الحديث؛ ولأنّهم في العهد يوم ألست بربكم أجابوا بالإيمان جميعا؛ أو لأنّهم لمّا تمكنوا من الإيمان جعلوا كأنّ الهدى بأيديهم، فتركوه، وأخذوا الضلالة. فمثلهم، كمثل من عنده كنز عظيم ينفع في الدنيا والآخرة، فاستبدله بالنار؛ لأنّ الضلالة سبب النار.
وحاصل معنى الآيات: أي (٢) وإذا رأى المنافقون المؤمنين، واجتمعوا بهم
(٢) المراغي.
فأصبحوا خاسرين آيسين من الربح، وإنّ من كانت هذه حالتهم فلا علم لهم بطرق التجارة، فإنّ التاجر إن فاته الربح في صفقة، فربّما تداركه في أخرى ما دام رأس المال موجودا، أما وقد فقد رأس المال فلا سبيل إلى الربح بحال.
١٧ - ولمّا بيّن الله سبحانه وتعالى قبائحهم وعاقبة أمرهم، شرع يضرب أمثالهم، ويبيّن فيها وصفهم وما هم عليه، فقال: ﴿مَثَلُهُمْ...﴾ إلخ، والمثل في الأصل: بمعنى النظير، ثمّ قيل: للقول السائر الممثل بمورده، كما ورد من غير تغيير، ولا يضرب إلّا بما فيه غرابة، ولذلك حوفظ عليه من التغيير، ثمّ استعير لكل حال، أو قصة، أو صفة لها شأن عجيب، وفيها غرابة، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾، وقوله أيضا: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى﴾؛ أي: الوصف الذي له شأن من العظمة والجلال.
وعبارة «الروح»: ولمّا جاء الله بحقيقة حال المنافقين، عقّبها بضرب المثل؛ زيادة في التوضيح والتقرير، فإنّ التمثيل ألطف ذريعة إلى تسخير الوهم للعقل، وأقوى وسيلة إلى تفهيم الجاهل الغبي، وقمع ثورة الجامح الأبيّ، كيف لا يلطف وهو إبداء للمنكر في صورة المعروف، وإظهار للوحشي في هيئة المألوف، وإراءة للمخيّل محقّقا، وللمعقول محسوسا، وتصوير للمعاني بصورة الأشخاص، ومن
والمعنى (١): مثلهم؛ أي: حالهم وصفتهم العجيبة الشأن ﴿كَمَثَلِ الَّذِي﴾؛ أي: كحال الذين من باب وضع مفرد الموصول موضع الجمع منه؛ تخفيفا للكلام؛ لكونه مستطالا بصلته، كقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾، والقرينة ما قبله وما بعده، لكن إنّه وحّد الضمير في قوله: اسْتَوْقَدَ نارًا نظرا إلى صورة اللفظ، وجمع في الأفعال الآتية نظرا إلى المعنى. والاستيقاد: طلب الوقود، والسعي في تحصيله، وهو سطوع النور، وارتفاع لهبها. والنار: جوهر لطيف مضيء محرق حارّ، والنور ضوؤها وضوء كلّ نيّر، وهو نقيض الظلمة؛ أي: كمثل الذي أوقد في مفازة في ليلة مظلمة نارا عظيمة؛ خوفا من السباع وغيرها.
﴿فَلَمَّا أَضاءَتْ﴾ الإضاءة: فرط الإنارة كما يعرب عنه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾. وقرأ ابن السميقع، وابن أبي عبلة ﴿فلما ضاءت﴾ ثلاثيا فيتخرّج على زيادة ما، أو على أن تكون هي الفاعلة، إما موصولة، أو موصوفة؛ أي: أنارت النار ﴿ما حَوْلَهُ﴾؛ أي: ما حول المستوقد من الأماكن والأشياء على أنّ ﴿ما﴾ مفعول ﴿أَضاءَتْ﴾ إن جعلته متعدّيا و (حول) نصب على الظرفية، وإن جعلته لازما، فهو مسند إلى ﴿ما﴾، والتأنيث؛ لأنّ ما حوله أشياء وأماكن، وأصل الحول: الدّوران، ومنه الحول للعام؛ لأنّه يدور. وجواب ﴿لما﴾ قوله سبحانه ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾؛ أي: أذهبه بالكلية، وأطفأ نارهم التي هي مدار نورهم. وإنّما علّق الإذهاب بالنور دون نفس النار؛ لأنّه المقصود بالاستيقاد. وقرأ اليمانيّ ﴿أذهب الله نورهم﴾، وهذا يدلّ على مرادفة الباء للهمزة في التعدية.
والمعنى (٢): أنّ حالهم العجيبة التي هي اشتراؤهم الضلالة التي هي: عبارة عن ظلمتي الكفر والنفاق، المستتبعين لظلمة سخط الله تعالى، وظلمة يوم القيامة ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ﴾، وظلمة العقاب السرمدي بالهدى الذي هو الفطري النوري، المؤيّد بما شاهدوه من دلائل الحقّ، كحال من استوقد نارا عظيمة حتى كاد ينتفع بها، فأطفأها الله تعالى، وتركه في ظلمات هائلة لا يتسنى فيها الإبصار.
وقرأ الأعمش، والحسن، وأبو السماك ﴿ظلمات﴾ بإسكان اللام على الأصل. وقرأ أشهب العقيليّ بفتح اللام. وقرأ الجمهور بضمّ اللام. وهذه اللّغي
(٢) روح البيان.
وفي «التيسير والعيون»: إنّ المنافقين أظهروا كلمة الإيمان، فاستناروا بنورها، واستعزّوا بعزّها، وأمنوا بسببها، فناكحوا المسلمين، ووارثوهم، وقاسموهم الغنائم، وأمنوا على أموالهم وأولادهم، فإذا بلغوا إلى آخر العمر كلّ لسانهم عنها، وبقوا في ظلمة كفرهم أبد الآباد، وعادوا إلى الخوف والظلمة.
وعبارة «العمدة» هنا: ﴿مَثَلُهُمْ﴾؛ أي: صفة هؤلاء المنافقين في نفاقهم وحالهم الشنيعة، كصفة الشخص الذي أوقد نارا ليستدفىء بها، ويستضيء.
﴿فَلَمَّا﴾ اتقدت تلك النار، ﴿وأَضاءَتْ﴾؛ أي: أنارت له ﴿ما حَوْلَهُ﴾ أي: المكان الذي حوله، فأبصر، واستدفأ، وأمن مما يخافه من عدوّ، وسباع، وحيّات، وغير ذلك مما يضرّه، وتمّ له النفع بها، أطفأ الله تلك النار، و ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾؛ أي: أذهب الله، وأعدم نور نارهم وضوءها، ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾؛ أي: خلّاهم، وصيّرهم ﴿فِي ظُلُماتٍ﴾ ثلاث: ظلمة الليل، وظلمة السحاب والريح مع المطر حالة كونهم ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ ما حولهم متحيّرين عن الطريق خائفين.
فكذلك هؤلاء المنافقون أمنوا على أنفسهم، وأولادهم، وأموالهم من القتل والسبي، وانتفعوا بأخذ الغنائم والزكاة، حيث أسلموا بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم، فإذا ماتوا فقد ذهب الله بنورهم، فلم يؤمنوا من النار، ولم ينتفعوا بالجنة، وتركهم في ظلمات ثلاث:
ظلمة الكفر، والنفاق، والقبر، والجامع بينهما قلّة الانتفاع، ودفع المضار في كلّ منهما.
١٨ - ﴿صُمٌّ﴾ أي: هم صمّ عن الحقّ، لا يقبلونه، وإذا لم يقبلوا، فكأنّهم لم يسمعوا. والصمم: انسداد خروق المسامع، بحيث لا يكاد يصل إليها هواء يحصل الصوت بتموجه. والصّمّ: جمع أصمّ وهو من انسدّت خروق مسامعه.
وقرأ ابن مسعود، وحفصة أمّ المؤمنين (١): ﴿صمّا بكما عميا﴾ بالنصب على الذمّ
﴿بُكْمٌ﴾؛ أي: خرس عن نطق الحقّ، لا يقولونه لمّا أبطنوا خلاف ما أظهروا، فكأنّهم لم ينطقوا. وهو جمع أبكم، والأبكم: الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس. وقيل: الأبكم والأخرس كلاهما بمعنى واحد، والبكم: آفة في اللسان يمنع اعتماد الصوت على مخارج الحروف.
﴿عُمْيٌ﴾؛ أي: فاقدوا الأبصار عن النظر الموصل إلى العبرة التي تؤدّيهم إلى الهدى، وفاقدوا البصيرة أيضا؛ لأن من لا بصيرة له كمن لا بصر له. فالعمى هنا مستعمل في عدم البصر والبصيرة جميعا، والعمى: فقدان البصر خلقة كان أم لا. والكلام في كل من الثلاثة على التشبيه البليغ، كما سيأتي. وهذه صفاتهم في الدنيا، ولذلك عوقبوا في الآخرة بجنسها. قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾، فلا يسمعون سلام الله، ولا يخاطبون الله، ولا يرونه، والمسلمون كانوا سامعين للحقّ قائلين بالحق، ناظرين إلى الحقّ، فيكرمون يوم القيامة بخطابه، ولقائه، وسلامه.
﴿فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: هم بسبب اتصافهم بالصفات المذكورة لا يعودون عن الضلالة إلى الهدى الذي تركوه، وضيّعوه، وباعوه. أو لا يرجعون عمّا هم عليه من الغيّ، والضلال، والفساد. والفاء: للدلالة على أنّ اتصافهم بالأحكام السابقة سبب تحيّرهم واحتباسهم. وهذه الآية فذلكة التمثيل ونتيجته، وأفادت أنّهم كانوا يستطيعون الرجوع باستطاعة سلامة الآلات، حيث استحقّوا الذمّ بتركه، وأنّ قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ ليس بنفي الآلات، بل هو نفي تركهم استعمالها.
١٩ - ثمّ ذكر الله سبحانه وتعالى مثلا آخر لهم؛ زيادة في الكشف والإيضاح، فقال: ﴿أَوْ﴾ مثلهم في حيرتهم وترددهم ويصحّ أن تكون ﴿أَوْ﴾ للتنويع، أو للإبهام، أو للشكّ، أو الإباحة، أو التخيير، أو الإضراب، أو بمعنى الواو، وأحسنها الأول. قال الشوكاني عطف هذا المثل على المثل الأول بحرف الشك؛ لقصد التخيير بين المثلين؛ أي: مثّلوهم بهذا أو هذا، وهي وإن كانت في الأصل
أي: (١) كيفية قصة المنافقين شبيهة بكيفية هاتين القصتين، والقصتان سواء في استقلال كلّ واحدة منهما بوجه التمثيل، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب، وإن مثلتها بهما جميعا فكذلك. وقرىء أو كصايب وهو اسم فاعل من صاب يصوب، وصيب أبلغ من صائب،
ذكره في «البحر».
وقوله: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ متعلّق بصيّب؛ أي: كأصحاب مطر نازل من السماء.
والسماء: سقف الدنيا، وتعريفها للإيذان بأنّ انبعاث الصيّب ليس من أفق واحد، فإنّ كلّ أفق من آفاقها؛ أي: كلّ ما يحيط به كلّ أفق منها سماء على حدة.
والمعنى: أنّه صيّب عامّ نازل من غمام مطبق، آخذ بآفاق السماء. وفيه أنّ السحاب من السماء ينحدر، ومنها يأخذ ماؤه، لا كزعم من يزعم أنّه يأخذه من البحر.
قال الإمام: من الناس من قال: المطر إنما يتحصّل عن ارتفاع أبخرة رطبة من الأرض إلى الهواء، فينعقد هناك من شدّة برد الهواء، ثمّ ينزل مرة أخرى، وأبطل الله ذلك المذهب هنا، بأن بيّن أنّ ذلك الصيب نزل من السماء.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنّ تحت العرش بحرا ينزل منه أرزاق الحيوانات، يوحي إليه فيمطر ما شاء من سماء إلى سماء، حتى ينتهي إلى سماء الدنيا، ويوحي إلى السحاب أن غربله، فيغربله، فليس من قطرة تقطر، إلّا ومعها ملك يضعها موضعها، ولا ينزل من السماء قطرة، إلّا بكيل معلوم، ووزن
قال الشوكاني (١): وفائدة ذكر نزوله من السماء مع كونه لا يكون إلّا منها:
أنّه لا يختص نزوله بجانب منها دون جانب. وإطلاق السماء على المطر واقع كثيرا في كلام العرب، ومنه قول الشاعر:
| إذا نزل السماء بأرض قوم | رعيناه وإن كانوا غضابا |
٢٠ - لكن يمكن أن يؤخذ ظلمة الليل من سياق الآية، حيث قال تعالى بعد هذه الآية: ﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ﴾ وبعده ﴿وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾. فإنّ خطف البرق البصر، إنما يكون غالبا في ظلمة الليل، وكذا وقوف الماشي عن المشي، إنما يكون إذا اشتدت ظلمة الليل، بحيث يحجب الأبصار عن إبصار ما هو أمام الماشي من الطريق وغيره، وظلمة سحمة السحاب وتكاثفه في النهار، لا يوجب وقوف الماشي عن المشي. وجعل (٢) المطر محلّا للظلمات، مع أنّ بعضها لغيره، كظلمة الغمام والليل؛ لما أنّهما جعلتا من توابع ظلمته مبالغة في شدّته، وتهويلا لأمره، وإيذانا بأنّه من الشدة والهول، بحيث تغمر ظلمته ظلمات الليل والغمام.
﴿وَرَعْدٌ﴾ هو صوت قاصف شديد يسمع من السحاب، والصحيح الذي عليه المعوّل: أنّه اسم لصوت الملك الذي يزجر السحاب، لما روى الترمذي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: سألت اليهود النبي صلّى الله عليه وسلّم عن الرعد ما هو؟ قال:
(٢) روح البيان.
قال القرطبيّ: وعلى هذا التفسير أكثر العلماء، والمشهور عند الحكماء: أنّ الرعد يحدث من اصطكاك أجرام السحاب بعضها ببعض، أو من إقلاع بعضها عن بعض عند اضطرابها بسوق الرياح إياها سوقا عنيفا، وإلى هذا ذهب جمع من المفسرين تبعا للفلاسفة، وجهلة المتكلمين.
﴿وَبَرْقٌ﴾ وهو لمعان يظهر من السحاب إذا تحاكّت أجزاؤه، أو عند ضرب الملك السحاب بالمخاريق عند سوقه، وهي جمع مخراق، كما مرّ آنفا، والمخراق في الأصل: ثوب يلفّ، ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا، وهي هنا: آلة تزجر بها الملائكة السحاب. وكونهما؛ أي: الرعد والبرق في الصيّب مع أنّ مكانهما السحاب، باعتبار كونهما في أعلاه ومنصبّه، وملتبسين في الجملة ووصول أثرهما إليه، فهما فيه.
والضمائر في قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ﴾ للمضاف المحذوف في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ لأنّ التقدير: أو كأصحاب صيّب، كما مرّ. وهو وإن حذف لفظه وأقيم الصيب مقامه، لكن معناه باق، فيجوز أن يعود عليه الضمير، ولا محلّ لهذه الجملة؛ لكونها مستأنفة استئنافا بيانيا، لأنّه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن الشدة والهول، فكأنّ قائلا قال: كيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟ فقيل: يجعلون أصابعهم في آذنهم، والمراد: أناملهم، وفيه من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل، كأنّهم يدخلون من شدّة الحيرة أصابعهم كلّها في آذانهم لا أناملها
وإطلاق الأصبع على بعضها - وهو الأنملة - مجاز مشهور، والعلاقة الجزئية والكلية؛ لأنّ الذي يجعل في الأذن، إنما هو رأس الأصبع لا كلها.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّواعِقِ﴾ متعلّق بيجعلون؛ أي: يجعلون من أجل خوف الصواعق المقارنة للرعد. والصواعق (٢): ويقال لها: الصواقع، جمع صاعقة، وهي قطعة نار، تنفصل من مخراق الملك الذي يزجر السحاب عند غضبه على السحاب وشدة ضربه لها، كما روي: إذا اشتدّ غضبه على السحاب طارت من فيه النار، فتضطرب أجرام السحاب، وترتعد. اه. «كرخي».
ويدلّ على ذلك: ما في حديث ابن عباس الذي ذكرنا بعضه قريبا، وبه قال كثير من علماء الشريعة، ومنهم من قال: إنها نار تخرج من فم الملك، وقال الخليل: هي الواقعة الشديدة من صوت الرعد، يكون معها أحيانا قطعة نار، تحرق ما أتت عليه. وقال أبو زيد: الصاعقة: نار تسقط من السماء في رعد شديد، وقال بعض المفسرين تبعا للفلاسفة: ومن قال بقولهم: إنّها نار لطيفة
تنقدح من السحاب إذا اصطكّت أجرامها، وسيأتي في (سورة الرعد) إن شاء الله تعالى في تفسير الرعد، والبرق، والصواعق، ماله مزيد فائدة وإيضاح.
وقوله: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ منصوب (٣) بيجعلون على أنّه مفعول لأجله؛ أي:
(٢) الشوكاني.
(٣) البروسوي.
﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ﴾ أصل الإحاطة: الإحداق بالشيء من جميع جهاته، بحيث لا يفوت المحاط به المحيط بوجه من الوجوه؛ أي: والله سبحانه محيط محدق ﴿بِالْكافِرِينَ﴾ بعلمه وقدرته، لا يفوتونه، كما لا يفوت المحاط به المحيط حقيقة، فيحشرهم يوم القيامة، ويعذّبهم، وهذه الجملة اعتراضية منبهة، على أنّ ما صنعوا من سدّ الآذان بالأصابع لا يغني عنهم شيئا، فإنّ القدر لا يدافعه الحذر، والحيل لا تردّ بأس الله عز وجلّ. وفائدة وضع الكافرين موضع الضمير الراجع إلى أصحاب الصيّب؛ الإيذان بأنّ ما دهمهم من الأمور الهائلة المحكية بسبب كفرهم.
وحاصل معنى الآية (١): صفة هؤلاء المنافقين في حيرتهم ودهشتهم، كصفة أصحاب مطر شديد نازل من السماء ﴿فِيهِ ظُلُماتٌ﴾؛ أي: مع ذلك المطر ظلمات متكاثفة مجتمعة من ثلاثة أنواع: ظلمة السحاب، وظلمة المطر، وظلمة الليل.
﴿وَ﴾ معه ﴿رَعْدٌ﴾ قاصف؛ أي: شديد، وهو صوت الملك الموكل بالسحاب، ﴿وَ﴾ معه ﴿بَرْقٌ﴾ خاطف؛ أي: مسرع، وهو لمعان سوطه التي يسوق بها السحاب، وهي من نار ﴿يَجْعَلُونَ﴾؛ أي: يجعل أصحاب الصيّب أصابعهم؛ أي: رؤوس أصابعهم ويضعونها في آذانهم ﴿مِنَ الصَّواعِقِ﴾؛ أي: من أجل شدّة صوت الرعد. ف (أل) في ﴿الصَّواعِقِ﴾ للعهد الذكري؛ لأنّه تقدم ذكرها بعنوان الرعد، فهي عين الرعد السابق، فالتعبير هنا بالصواعق، وهناك بالرعد؛ للتفنّن، ولا يضرّ في العهد الذكري اختلاف العنوان، كما هو مقرر في محلّه، كما في «الجمل». ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾؛ أي: لأجل خوف الموت والهلاك من سماعها. ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى ﴿مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾؛ أي: محيط بهم بقدرته وعلمه، وهم في قبضته، وتحت إرادته ومشيئته، لا يفوتونه، كما لا يفوت من أحاط به الأعداء من كلّ جانب.
وقوله: ﴿يَكادُ الْبَرْقُ﴾ من تمام المثل، وأمّا قوله: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ فجملة معترضة بين أجزاء المشبّه به، كما مرّ قريبا، جيء بها تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم؛ أي: يقرب البرق لشدّته وقوته، وكثرة لمعانه ﴿يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ﴾؛ أي: يختلس أبصار أصحاب الصيّب ويستلبها، ويأخذها بسرعة، ويذهبها من شدّة ضوئه.
وجملة يكاد مستأنفة استئنافا بيانيا، واقعا في جواب سؤال مقدر، كأنّه قيل:
فكيف حالهم مع ذلك البرق؟ فقيل: يكاد ذلك البرق يخطف أبصارهم.
وقرأ مجاهد، وعليّ بن الحسين، ويحيى بن زيد (١): ﴿يَخْطَفُ﴾ بسكون الخاء وكسر الطاء. قال ابن مجاهد: وأظنه غلطا، واستدل على ذلك: بأنّ أحدا لم يقرأ ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ بالفتح. وقال الزمخشري: الفتح - يعني في المضارع - أفصح. انتهى. والكسر في طاء الماضي لغة قريش، وهي أفصح، وبعض العرب يقول: خطف بفتح الطاء يخطف بالكسر. قال ابن عطيّة: ونسب المهدوي هذه القراءة إلى الحسن، وأبي رجاء، وذلك وهم. وقرأ علي، وابن مسعود ﴿يختطف﴾. وقرأ أبيّ ﴿يتخطّف﴾، وقرأ الحسن أيضا ﴿يخطّف﴾ بفتح الياء والخاء والطاء المشددة. وقرأ الحسن أيضا، والجحدري، وابن أبي إسحاق ﴿يخطّف﴾ بفتح الياء والخاء وتشديد الطاء المكسورة، وأصله: ﴿يختطف﴾، وقرأ الحسن أيضا، وأبو رجاء، وعاصم، والجحدري وقتادة ﴿يخطّف﴾ بفتح الياء وكسر الخاء والطاء المشددة. وقرأ أيضا الحسن، والأعمش ﴿يخطّف﴾ بكسر الثلاثة وتشديد الطاء. وقرأ زيد بن علي ﴿يخطّف﴾ بضمّ الياء وفتح الخاء وكسر الطاء المشددة، من (خطّف) المضعف، وهو تكثير مبالغة لا تعدية. وقرأ بعض أهل المدينة ﴿يخطّف﴾ بفتح الياء وسكون الخاء وتشديد الطاء المكسورة.
وهذا تمثيل لشدّة الأمر على المنافقين بشدّته على أهل الصيّب. وفي مصحف ابن مسعود: ﴿مضوا فيه﴾.
﴿وَإِذا أَظْلَمَ﴾ البرق ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: خفي، واستتر، فصار الطريق مظلما ﴿قامُوا﴾؛ أي: وقفوا في أماكنهم، وثبتوا على ما كانوا عليه من الهيئة، متحيّرين، مترصّدين لحظة أخرى عسى يتسنّى لهم الوصول إلى المقصد، أو الالتجاء إلى ملجأ يعصمهم. وقرأ زيد بن قطيب، والضحاك ﴿وَإِذا أَظْلَمَ﴾ مبنيا للمفعول، ذكره في «البحر».
وهذا تصوير (٢) لما هم فيه من غاية التحير والجهل، فإذا صادفوا من البرق لمعة، مع خوفهم أن يخطف أبصارهم انتهزوها فرصة، فيخطوا خطوات يسيرة، فإذا خفي، واستتر، وفتر لمعانه، وفقد: وقفوا عن السّير، وثبتوا في مكانهم؛ خشية التردّي في حفرة، فكذلك المنافقون لمّا آمنوا بألسنتهم مشوا فيما بين المؤمنين؛ لأنّه يقبل إيمانهم اللسانيّ، فلما ماتوا بقوا في ظلمة القبر والعذاب.
(٢) العمدة.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ شاءه وأراده؛ أي: على كلّ موجود بالإمكان، والله تعالى وإن كان يطلق عليه الشيء، لكنه موجود بالوجوب دون الإمكان، فلا يشكّ العاقل، أنّ المراد من الشيء في أمثال هذا الموضع ما سواه تعالى، فالله تعالى مستثنى في الآية مما يتناوله لفظ الشيء بدلالة العقل، فالمعنى: على كلّ شيء سواه قدير، كما يقال: فلان أمين، على معنى: أمين على من سواه من الناس، ولا يدخل فيه نفسه، وإن كان من جملتهم، كما في «حواشي ابن التمجيد». ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: فاعل له على قدر ما تقتضيه حكمته لا ناقصا ولا زائدا؛ أي: قادر على إيجاده وإعدامه لا منازع له فيه، ومنه إذهاب أسماعهم وأبصارهم. قال ابن جرير: وإنّما وصف تعالى نفسه بالقدرة على كلّ شيء في هذا الموضع؛ لأنّه حذّر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنّه محيط بهم، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قادر. اه.
وقرأ ابن أبي عبلة (٢): ﴿لأذهب بأسماعهم وأبصارهم﴾، فالباء زائدة، التقدير: لأذهب أسماعهم وأبصارهم.
ثمّ اعلم (٣): أنّ هذا التمثيل كشف بعد كشف، وإيضاح بعد إيضاح، أبلغ
(٢) البحر المحيط.
(٣) روح البيان.
هذا إذا كان التمثيل مركبا، وهو الذي يقتضيه جزالة التنزيل، فإنّك تتصوّر في المركّب، الهيئة الحاصلة من تفاوت تلك الصور، وكيفياتها المتضامّة، فيحصل في النفس منه ما لا يحصل من المفردات، كما إذا تصوّرت من مجموع الآية، مكابدة من أدركه الوابل الهطل، مع تكاثف ظلمة الليل وهيئة انتساج السحاب بتتابع القطر، وصوت الرعد الهائل، والبرق الخاطف، والصاعقة المحرقة، ولهم من خوف هذه الشدائد حركات من تحذّر الموت. حصل لك منه أمر عجيب، وخطب هائل، بخلاف ما (١) إذا تكلّفت لواحد واحد مشبّها به.
يعني: إن حمل التمثيل على التشبيه المفرّق، فشبه القرآن، وما فيه من العلوم والمعارف التي هي مدار الحياة الأبدية بالصيّب الذي هو سبب الحياة الأرضية، وما عرض لهم بنزوله من الغموم، والأحزان، وانكساف البال بالظلمات، وما فيه من الوعد والوعيد، بالرعد والبرق، وتصاممهم عمّا يقرع أسماعهم من الوعيد، بحال من يهوّله الرعد والبرق، فيخاف صواعقه، فيسد أذنه، ولا خلاص له منها، واهتزازهم لما يلمع لهم من رشد يدركونه، أو رفد يحرزونه، بمشيهم في مطرح ضوء البرق، كلما أضاء لهم،
وتحيرهم في أمرهم، حين عنّ لهم مصيبة بوقوفهم إذا أظلم عليهم. فهذه حال المنافقين، قصارى عمرهم الحيرة والدهشة. فعلى العاقل أن يتمسّك بحبل الشرع القويم، والصراط المستقيم، كي يتخلّص من الغوائل والقيود، ومهالك الوجود، وغاية الأمر خفيّة لا يدري بم يختم.
الإعراب
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَمِنَ﴾ الواو استئنافية. ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِنَ﴾ اسم
﴿يَقُولُ﴾ فعل مضارع وفاعله مستتر، يعود على من، وجملة يقول صلة من الموصولة، لا محلّ لها من الإعراب، إن قلنا: ﴿مِنَ﴾ موصولة، تقديره: والذي يقول آمنا بالله كائن من الناس. أو في محل الرفع صفة لمن، إن قلنا: ﴿مِنَ﴾ نكرة موصوفة، تقديره: وفريق يقول آمنا بالله كائن من الناس. والعائد أو الرابط الضمير المستتر في ﴿يَقُولُ﴾. وردّه (١) أبو السعود فقال: أمّا جعل الظرف خبرا مقدما، كما هو الشائع في الاستعمال، فيأباه جزالة معنى القرآن؛ لأنّ كون القائل: آمنا بالله من الناس ظاهر معلوم، فالإخبار به عار عن الفائدة، والحقّ أن يقال في إعرابه: ﴿مِنَ﴾ اسم بمعنى: بعض في محل الرفع مبتدأ، مبني بسكون مقدر؛ لشبهها بالحرف شبها وضعيا، و ﴿مِنَ﴾ مضاف. ﴿النَّاسِ﴾ مضاف إليه مجرور بها. ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ من اسم موصول، أو موصوف في محل الرفع خبر المبتدأ، ولكن المقصود بالإخبار الصلة لا الموصول، والمعنى: وبعض الناس يقول آمنا بالله وباليوم الآخر الخ. والجملة الإسمية على كلا التقديرين مستأنفة استئنافا نحويا، لا محل لها من الإعراب. ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ مقول محكيّ ليقول، لأنّ مرادنا لفظه لا معناه، والمقول منصوب بالقول، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الأخير، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية. وإن شئت قلت: ﴿آمَنَّا﴾ فعل وفاعل، وحدّ الفعل آمن، آمن فعل ماض مبني بفتحة ظاهرة على النون المدغمة في نون نا. ﴿نا﴾ ضمير لجماعة المتكلمين في محل الرفع فاعل. ﴿بِاللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلّق بآمنا، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ليقول. ﴿وَبِالْيَوْمِ﴾ جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور قبله.
﴿الْآخِرِ﴾ صفة لليوم. ﴿وَما﴾ الواو حالية. ﴿ما﴾ نافية حجازية، تعمل عمل ليس.
﴿هُمْ﴾ ضمير منفصل لجماعة الغائبين في محل الرفع اسمها. ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ الباء حرف جرّ زائد للتوكيد؛ لأنّه ليس في القرآن حرف زائد خال عن الفائدة.
﴿مؤمنين﴾ خبر ما الحجازية، منصوب وعلامة نصبة الباء المقدرة، منع من
﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾.
﴿يُخادِعُونَ﴾ فعل مضارع مرفوع بثبات النون، والواو فاعل. ﴿اللَّهَ﴾ مفعول به، منصوب بالفتحة، والجملة الفعلية مستأنفة استئنافا بيانيا؛ لوقوعها في جواب سؤال مقدر، كأنّه قيل: ما الحامل لهم على إظهار الإيمان وإخفاء الكفر؟ فأجاب بقوله: لأنّهم يريدون مخادعة الله سبحانه والمؤمنين. أو بدل من صلة من في قوله: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ بدل اشتمال؛ لأنّ قولهم ذلك مشتمل على الخداع؛ أي: ومن الناس من يقول آمنا بالله ويخادع الله والذين آمنوا. ﴿وَالَّذِينَ﴾ اسم موصول للجمع المذكر في محل النصب معطوف على الجلالة، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول.
﴿وَما﴾ الواو حالية. ﴿ما﴾ نافية. ﴿يَخْدَعُونَ﴾ فعل وفاعل، مرفوع بثبات النون، والجملة في محل النصب حال من فاعل يخادعون؛ أي: يخادعون الله والمؤمنين حال كونهم غير مخادعين إلّا أنفسهم. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول به، وهو مضاف، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ﴿وَما﴾ الواو حالية، أو استئنافية، أو عاطفة. ما نافية. ﴿يَشْعُرُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من فاعل يخدعون؛ أي: وما يخدعون إلّا أنفسهم حالة كونهم غير شاعرين بذلك، أو مستأنفة، أو معطوفة على جملة يخدعون، ومفعول ﴿يَشْعُرُونَ﴾ محذوف للعلم به، تقديره: وما يشعرون أنّ خداعهم راجع إلى أنفسهم، ويسمّى هذا الحذف حذف اختصار. وهو حذف الشيء لدليل.
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾.
﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، خبر مقدم. ﴿مَرَضٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا، لا محل لها من الإعراب. ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ﴾ الفاء عاطفة. ﴿زادهم الله﴾ فعل ومفعول أول وفاعل. ﴿مَرَضًا﴾ مفعول ثان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ عطف فعلية على اسمية. ويحتمل أن تكون الفاء استئنافية، وتكون جملة ﴿زادهم﴾ جملة دعائية لا
﴿عَذابٌ﴾ مبتدأ مؤخّر. ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة له، والجملة معطوفة على جملة قوله في قلوبهم مرض، أو مستأنفة استئنافا بيانيا، كأنّه قيل: ما عاقبة خداعهم؟ فقال: عاقبتهم عذاب أليم. ﴿بِما﴾ الباء حرف جرّ وسبب. ﴿ما﴾ مصدرية. ﴿كانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَكْذِبُونَ﴾ في محل النصب خبر كان؛ أي: بما كانوا كاذبين أو مكذبين، وجملة كان صلة (ما) المصدرية، وما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالياء؛ أي: بسبب كذبهم أو تكذيبهم، الجار والمجرور متعلّق بالنسبة الكائنة بين المبتدأ والخبر في قوله: ولهم عذاب أليم، أو صفة ثانية لعذاب.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾.
﴿وَإِذا﴾ الواو استئنافية، أو عاطفة. ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه، منصوب بجوابه متعلّق بالجواب الآتي. ﴿قِيلَ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلّق بقيل. ﴿لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ نائب فاعل محكي لقيل؛ لأنّ مرادنا لفظه لا معناه، وإن شئت قلت: ﴿لا﴾ ناهية جازمة.
﴿تُفْسِدُوا﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلّق بتفسدوا، والجملة الفعلية في محل الرفع نائب فاعل لقيل، ولكنّها لا تؤول بمفرد؛ لأنّها محكية، وجملة قيل في محل الجرّ مضاف لإذا على كونها فعل شرط لها. ﴿قالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب إذا، لا محل لها من الإعراب، وجملة إذا مستأنفة، أو معطوفة على جملة يقول الواقعة صلة لمن الموصولة. ﴿إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ مقول محكيّ لقالوا، منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الأخير منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّما﴾ أداة حصر ونفي بمعنى (ما) النافية، وإلّا المثبتة. ﴿نَحْنُ﴾ ضمير لجماعة المتكلمين في محل الرفع مبتدأ. مُصْلِحُونَ خبر مرفوع بالواو، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لقالوا. ﴿أَلا﴾ حرف استفتاح وتنبيه.
﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه. ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل حرف لا محل له من الإعراب، أو
﴿وَلكِنْ﴾ الواو عاطفة. ﴿لكِنْ﴾ حرف استدراك لا عمل لها. ﴿لا﴾ نافية.
﴿يَشْعُرُونَ﴾ فعل وفاعل، مرفوع بثبات النون، والجملة الاستدراكية معطوفة على جملة إنّ.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَإِذا﴾ الواو استئنافية، أو عاطفة. ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، متعلّق بالجواب الآتي. ﴿قِيلَ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، مبني على الفتح. ﴿لَهُمْ﴾ متعلّق بقيل. ﴿آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ﴾ نائب فاعل محكي لقيل؛ لأنّ مرادنا لفظه لا معناه، مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الأخير منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية، وجملة قيل في محل الجرّ مضاف إليه لإذا على كونه فعل شرط لها. وإن شئت قلت: ﴿آمِنُوا﴾ فعل أمر، مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع نائب فاعل لقيل، ولكنّها لا تؤوّل؛ لأنّها محكية. ﴿كَما﴾ الكاف حرف جرّ وتشبيه.
﴿ما﴾ مصدرية. ﴿آمَنَ النَّاسُ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لما المصدرية، وما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف، تقديره: آمنوا إيمانا كائنا، كإيمان الناس في كونه قلبيّا لا لسانيّا. ﴿قالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب إذا، لا محل لها من الإعراب، وجملة إذا مستأنفة، أو معطوفة على جملة يقول كسابقتها. ﴿أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ مفعول محكي لقالوا، منصوب بفتحة مقدرة. وإن شئت قلت: الهمزة للاستفهام الإنكاري.
نُؤْمِنُ فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر يعود على المنافقين، تقديره:
نحن، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قالوا. ﴿كَما﴾ الكاف حرف جرّ وتشبيه. ﴿آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لما المصدرية، وما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، الجار والمجرور متعلّق بمحذوف صفة لمصدر
﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾.
﴿وَإِذا﴾ الواو استئنافية أو عاطفة. ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان.
﴿لَقُوا الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلّق بالجواب الآتي، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، وجملة ﴿قالُوا﴾ جواب إذا، لا محل لها من الإعراب، وجملة إذا مستأنفة، أو معطوفة على جملة يقول كسوابقها. ﴿آمَنَّا﴾ مقول محكيّ لقالوا منصوب بفتحة مقدرة، وإن شئت قلت: ﴿آمَنَّا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول قالوا. ﴿وَإِذا﴾ الواو استئنافية أو عاطفة. ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان متعلّق بالجواب الآتي. ﴿خَلَوْا﴾ فعل وفاعل في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿إِلى شَياطِينِهِمْ﴾ متعلّق بخلوا. ﴿قالُوا﴾ فعل وفاعل، جواب إذا، وجملة إذا مستأنفة، أو معطوفة على جملة يقول كسوابقها.
﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ مقول محكيّ لقالوا، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿مَعَكُمْ﴾ مع منصوب على الظرفية الاعتبارية بالفتحة الظاهرة.
﴿مع﴾ مضاف، والكاف ضمير المخاطبين في محل الجرّ مضاف إليه، مبني على الضمّ، والميم حرف دالّ على الجمع، والظرف متعلّق بمحذوف خبر إنا، تقديره: إنّا كائنون معكم، وجملة إنا في محلّ النصب مقول قالوا. ﴿إِنَّما﴾ كافّة ومكفوفة. ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ. ﴿مُسْتَهْزِؤُنَ﴾ خبر المبتدأ مرفوع بالواو، والجملة في محل النصب مقول قالوا.
﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ متعلّق بيمدهم. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ فعل وفاعل مرفوع بثبات النون، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ضمير يمدهم، أو من ضمير طغيانهم، وجاءت الحال من المضاف إليه؛ لأنّ المضاف مصدر مضاف إلى فاعله.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾.
﴿أُولئِكَ﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِينَ﴾ خبره، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا. ﴿اشْتَرَوُا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿الضَّلالَةَ﴾ مفعول به. ﴿بِالْهُدى﴾ متعلّق باشتروا. ﴿فَما﴾ الفاء حرف عطف وتعقيب. ﴿ما﴾ نافية.
﴿رَبِحَتْ﴾ فعل ماض، و (التاء) لتأنيث الفاعل. ﴿تِجارَتُهُمْ﴾ فاعل، والجملة معطوفة على جملة اشتروا. ﴿وَما﴾ الواو عاطفة. ﴿ما﴾ نافية. ﴿كانُوا﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿مُهْتَدِينَ﴾ خبره، والجملة معطوفة على جملة ربحت. ﴿مَثَلُهُمْ﴾ مبتدأ ومضاف إليه. ﴿كَمَثَلِ﴾ جار ومجرور متعلّق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: مثلهم كائن كمثل الذي استوقد نارا، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا. ﴿مثل﴾ مضاف. ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول في محل الجرّ مضاف إليه. ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة صلة الموصول، واستعمل ﴿الَّذِي﴾ في موضع الذين، ولذلك قال فيما بعد: ﴿بِنُورِهِمْ﴾. ﴿نارًا﴾ مفعول به. ﴿فَلَمَّا﴾ الفاء حرف عطف وتعقيب. ﴿لما﴾ حرف شرط غير جازم. ﴿أَضاءَتْ﴾ فعل ماض، والتاء علامة تأنيث الفاعل، وفاعله ضمير مستتر يعود على النار، والجملة فعل شرط للمّا لا محل لها من الإعراب. ﴿ما﴾ اسم موصول بمعنى المكان في محلّ النصب، مفعول به. ﴿حَوْلَهُ﴾ منصوب على الظرفية المكانية. ﴿حول﴾ مضاف، والهاء
﴿وَتَرَكَهُمْ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، يعود على الله، ومفعول أول؛ لأنّ (ترك) هنا بمعنى صيّر. ﴿فِي ظُلُماتٍ﴾ جار ومجرور متعلّق بترك على كونه مفعولا ثانيا له، تقديره: وصيّرهم كائنين في ظلمات، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ذهب، ﴿لا﴾ نافية. ﴿يُبْصِرُونَ﴾ فعل وفاعل، مرفوع بثبات النون، والجملة في محل النصب حال من ضمير تركهم، أو من الضمير المستكن في الجار والمجرور؛ أعني: في ظلمات، ومفعول يبصرون محذوف، تقديره: ما حولهم، ويحتمل كون (ترك) بمعنى: خلّى وأهمل، فيتعدّى إلى مفعول واحد، وهو الضمير البارز في تركهم وفي ظلمات لا يبصرون حالان من الضمير في تركهم.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩)﴾.
﴿صُمٌّ﴾ خبر لمبتدأ محذوف جوازا، تقديره: هم صمّ، والجملة مستأنفة.
﴿بُكْمٌ﴾ خبر ثان. ﴿عُمْيٌ﴾ خبر ثالث، وهذه الأخبار وإن تباينت في اللفظ متحدة في المدلول والمعنى؛ لأنّ مآلها إلى عدم قبول الحقّ مع كونهم سمع الآذان، فصحاء الألسن، بصراء الأعين. فليس المراد نفي الحواسّ الظاهرة. وقرىء شاذّا بالنصب على الحال من الضمير في ﴿يبصرون﴾. ﴿فَهُمْ﴾ الفاء حرف عطف وتفريع. ﴿هم﴾ مبتدأ. ﴿لا﴾ نافية. ﴿يَرْجِعُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محلّ الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله: (هم صمّ بكم عمي).
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ أو حرف عطف وتفصيل؛ أي: إنّ الناظرين في حالهم منهم من يشبّههم بحال المستوقد، ومنهم من يشبّههم بأصحاب صيب.
﴿كَصَيِّبٍ﴾ جار ومجرور معطوف على كمثل، ولا بدّ من تقدير مضاف؛ أي:
كأصحاب صيّب، بدليل قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ﴾ على كونه خبر المبتدأ، تقديره: أو مثلهم كائن كمثل أصحاب صيّب. ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ جار ومجرور متعلق
﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿يَكادُ﴾ فعل مضارع من أفعال المقاربة تعمل عمل كان، وفيها لغتان: فعل وفعل، ولذلك يقال فيها عند اتصال ضمير الرفع بماضيه: كدت كبعت، وكدت كقلت. ﴿الْبَرْقُ﴾ اسمها مرفوع. ﴿يَخْطَفُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر فيه جوازا، تقديره: هو، يعود على البرق، وجملة يخطف في محل النصب خبر يكاد، وجملة يكاد مستأنفة استئنافا بيانيا، كأنّه قيل: ما حالهم مع تلك الصواعق؟ فأجاب بقوله: يكاد البرق، أو معطوفة بعاطف مقدر على يجعلون. ﴿أَبْصارَهُمْ﴾ مفعول به، ومضاف إليه. ﴿كُلَّما﴾ اسم شرط غير جازم في محل النصب على الظرفية الزمانية، مبني على السكون؛ لشبهه بالحرف شبها معنويّا، والظرف متعلق بالجواب، وهو ﴿مَشَوْا﴾ ﴿أَضاءَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، يعود على البرق. ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بأضاء، والجملة الفعلية فعل شرط لكلما، لا محل لها من
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ الناس اسم جمع، لا واحد له من لفظه، ومادّته عند سيبويه والفرّاء همزة ونون وسين، وحذفت همزته شذوذا، وأصله: أناس، وقد نطق القرآن بهذا الأصل، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾. وذهب الكسائي إلى أنّ مادّته: نون وواو وسين، مشتق من النوس، وهو الحركة، يقال: ناس ينوس نوسا، والنّوس: تذبذب الشيء في الهواء، ومنه: نوس القرط في الأذن، وسمي أبو نواس بذلك؛ لأنّ ذؤابتين له كانتا تنوسان عند أذنيه، واسمه
وقيل: أصله من نسي، فوقع فيه القلب المكاني بتقديم الياء على السين، فصار نيس بوزن فعل، تحركت الياء عندئذ وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا، فقيل: ناس، فدخلت الألف واللام للتعريف، فصار الناس. وعلى هذا سمّوا بذلك لنسيانهم، ووزن الفعل عليه فلع، وعلى القول الأول وزنه فعال، وعلى القول الثاني أجوف واويّ، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا، وقيل غير ذلك.
﴿مَنْ يَقُولُ﴾ أصله: يقول بوزن يفعل، نقلت حركة الواو إلى القاف فسكنت الواو، فصارت حرف مدّ. ﴿آمَنَّا﴾ أصله: أأمنّا بوزن أفعلنا، أبدلت الهمزة الثانية حرف مدّ مجانسا لحركة الأولى، وهكذا كلّ همزة ساكنة وقعت فاء للفعل ودخلت عليها همزة مفتوحة، وقوله ﴿الْآخِرِ﴾، الألف فيه مبدلة من همزة ساكنة.
﴿يُخادِعُونَ﴾ الخداع في الأصل: الإخفاء. ومنه سمّي البيت المفرد في المنزل مخدعا تستر أهل صاحب المنزل فيه، ومنه: الأخدعان: وهما العرقان المستبطنان في العنق، وسمّي الدهر خادعا؛ لما يخفي من غوائله.
﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ الشعور؛ إدراك الشيء من وجه يدقّ ويخفى، وهو مشتقّ من الشعر لدقّته، كما مرّ. وقيل: هو الإدراك بالحاسّة، فهو مشتق من الشعار، وهو ثوب يلي الجسد، ومشاعر الإنسان حواسه، وشعر بالأمر من بابي: نصر وكرم: علم به وفطن له، ومنه يسمي الشاعر شاعرا؛ لفطنته ودقّة معرفته. والتحقيق: أنّ الشعور إدراك ما دقّ من حسي وعقلي.
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ المرض مصدر مرض، ويطلق في اللغة على الضعف والفتور، وقالوا المرض في القلب: الفتور عن الحقّ، وفي البدن فتور الأعضاء، وفي العين فتور النظر. ويطلق المرض فيراد به الظلمة، كقوله:
| في ليلة مرضت من كلّ ناحية | فما يحسّ بها نجم ولا قمر |
اه. «سمين». وأصل زاد زيد بوزن فعل بفتح العين، يفعل بكسرها يائي العين، نظير باع يبيع، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا.
﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ من ألم من باب طرب، فهو أليم، كوجع فهو وجيع؛ أي متألم ومتوجع. ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ الباء سببية، وما يجوز أن تكون مصدرية؛ أي: بكونهم يكذبون، وهذا على القول: بأن كان لها مصدر، وهو الصحيح عند بعضهم للتصريح به في قول الشاعر:
| ببذل وحلم ساد في قومه الفتى | وكونك إيّاه عليك يسير |
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ﴾ ﴿قِيلَ﴾ فعل ماض مبني للمجهول واوي العين، أصله: قول استثقلت الكسرة على الواو، والانتقال من ضمّ إلى كسر، فحذفت حركة الفاء التي هي القاف، ونقلت إليها حركة العين التي هي الواو، فسكنت الواو إثر كسرة، فقلبت ياء حرف مدّ، وهكذا كلّ فعل من هذا النوع معتل العين بني للمجهول. ﴿قالُوا﴾ أصله: قولوا، تحركت الواو وفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: قالوا.
﴿لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته،
﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من اللقاء، وهو المصادفة، يقال: لقيته ولاقيته، إذا صادفته واستقبلته، ومنه: ألقيته إذا طرحته، فإنّك بطرحه جعلته بحيث يلقى. اه. «بيضاوي». وأصل لقوا: لقيوا بوزن شربوا، استثقلت الضمة على الياء، ثمّ نقلت إلى ما قبلها بعد سلب حركته، فالتقى ساكنان، وهما الياء وواو الجماعة، ثمّ حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ثمّ ضمّت القاف؛ لمناسبة الواو، فصار لقوا بوزن فعوا بعد أن كان على وزن فعلوا.
﴿وَإِذا خَلَوْا﴾ أصله: خلووا بوزن نصروا، تحركت الواو الأولى التي هي لام الكلمة وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا فالتقى ساكنان وهما الألف وواو الضمير، ثمّ حذفت الألف؛ لبقاء دالّها وهو فتحة اللام، فصار خلوا بوزن فعوا.
﴿إِلى شَياطِينِهِمْ﴾ جمع شيطان، نحو: غرانين في جمع غرنان، حكاه الفراء.
والشيطان فيعال عند البصريّين، فنونه أصلية من شطن؛ إذا بعد، واسم الفاعل شاطن، قال أميّة:
| أيّما شاطن عصاه عكاه | ثمّ يلقى في السّجن، والأكبال |
| قد تظفر العير في مكنون قائلة | وقد تشيط على أرماحنا البطل |
| هي البازل الكوماء لا شيء غيرها | وشيطانة قد جنّ منها جنونها |
اه. «أبو السعود».
﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ من مدّ الجيش من باب ردّ، وأمده إذا زاده وقواه، ومنه: مددت السراج والأرض؛ إذا أصلحتهما بالزيت والسماد، أصله: يمددهم نقلت حركة الدال الأولى إلى الميم، فسكنت فأدغمت في الدال الثانية.
﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ الطّغيان: مصدر طغى يطغى طغيانا بضم الطاء، وطغيانا بكسرها ولام طغى. قيل: ياء وقيل: واو. يقال: طغيت وطغوت، وأصل المادّة مجاوزة الحدّ، ومنه: قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ﴾.
﴿يَعْمَهُونَ﴾ من العمه، وهو التردّد والتحيّر، وهو قريب من العمى، إلّا أنّ بينهما عموما وخصوصا مطلقا؛ لأنّ العمى يطلق على ذهاب ضوء العين، وعلى الخطأ في الرأي، والعمه لا يطلق إلّا على الخطأ في الرأي، يقال عمه يعمه من باب طرب عمها وعمهانا، فهو عمه وعامه اه. «سمين».
﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ الاشتراء، والشراء بمعنى: الاستبدال بالشيء والاعتياض منه، إلّا أنّ الاشتراء يستعمل في الابتياع والبيع، وهو ممّا جاء فيه افتعل بمعنى: الفعل المجرّد، وهو أحد المعاني التي جاء لها افتعل، وأصل اشترى اشتري بوزن افتعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا، ثمّ أسند الفعل إلى واو الجماعة فالتقى ساكنان: الألف وواو الجماعة، فحذفت الألف وبقيت الفتحة دالّة عليها، ثمّ تحركت الواو لالتقائها ساكنة مع الساكن بعدها؛ لأنّ همزة الوصل ساقطة في الدرج، وخصّت بالضمة؛ لأنّها أخت الواو، وأخفّ
﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ الربح: ما يحصل من الزيادة على رأس المال.
والتجارة: هي صناعة التاجر، وهو الذي يتصرّف في المال لطلب النّمو والزيادة.
﴿وَما كانُوا﴾ أصله: كونوا؛ لأنّه أجوف واويّ تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا. ﴿مُهْتَدِينَ﴾ وزنه مفتعين، أصله: مهتديين بياءين: الأولى لام الكلمة، والثانية ياء إعراب الجمع، استثقلت الحركة على الياء، فحذفت فسكنت، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء الأولى لام الكلمة. وهو جمع مهتد، وهو اسم فاعل من اهتدى الخماسي، وافتعل فيه للمطاوعة، يقال: هديته فاهتدى، نحو: سويته فاستوى، وغممته فاغتم، والمطاوعة أحد المعاني التي جاءت لها افتعل، ولا يكون افتعل للمطاوعة، إلّا إذا كان من الفعل المتعدّي.
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ المثل في أصل كلام العرب بمعنى: المثل، والمثيل، كالشّبه والشّبه والشبيه، وهو النظير، ويجمع المثل، والمثل على أمثال، قال اليزيدي: الأمثال: الأشباه، وأصل المثل؛ الوصف. يقال: هذا مثل كذا؛ أي: وصفه مساو لوصف الآخر بوجه من الوجوه. وأما المثل في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ فهو القول السائر الذي فيه غرابة من بعض الوجوه، ولذلك حوفظ على لفظه فلم يغيّر، فيقال لكلّ من فرّط في كل أمر عسر مدركه: (الصيف ضيّعت اللبن) سواء كان المخاطب به مفردا، أو مثنى، أو مجموعا، أو مذكرا، أو مؤنّثا. ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ والاستيقاد بمعنى: الإيقاد واستدعاء ذلك، ووقود النار: ارتفاع لهبها. وَ ﴿النَّارُ﴾: جوهر لطيف مضيء حارّ محرق، والنار مؤنثة، وهي واويّة العين؛ لأنّ تصغيرها نوير، والجمع نور ونيران، وأصل الثاني نوران، قلبت الواو ياء؛ لسكونها إثر كسرة، وعليه فوزنها فعل بفتح العين، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها بعد فتح، وقس على هذا ما ورد من هذا اللفظ.
﴿فَلَمَّا أَضاءَتْ﴾ من الإضاءة، وهو الإشراق، وهو فرط الإنارة، أصله: أضوأ بوزن أفعل من الضوء، نقلت حركة حرف العلة (الواو) إلى الساكن الصحيح قبله (الضاد)، فتحركت الضاد بالفتح، ثم أبدلت الواو ألفا؛ لتحركها في
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ جموع كثرة على وزن فعل، كأحمر وحمر. والصّمّ جمع أصمّ، وهو الذي لا يسمع، يقال: صمّ يصمّ بفتح الصاد فيهما؛ إذا ثقل السمع منه. قيل: أصله السدّ، تقول: صممت القارورة؛ إذا سددتها، والصمم: داء يحصل في الأذن يسد العروق، فيمنع من السمع، وقيل: أصله الصّلابة، قالوا: قناة صمّاء، والأصمّ أصله: أصمم نقلت حركة الميم الأولى إلى الصاد، فسكنت، فأدغمت في الميم الثانية، فوزنه أفعل. ﴿بُكْمٌ﴾ جمع أبكم، والبكم: آفة في اللسان تمنع من الكلام. قاله أبو حاتم، وقيل: الذي يولد أخرس، وقيل: الذي لا يفهم الكلام، ولا يهتدي إلى الصواب، فيكون إذ ذاك داء في الفؤاد لا في اللسان. ﴿عُمْيٌ﴾ جمع أعمى، والعمى: ظلمة في العين تمنع من إدراك المبصرات، والفعل منها على وزن فعل بكسر العين، واسم الفاعل على أفعل، وهو قياس الآفات والعاهات. فوزن الكلمات الثلاث بعد الجمع فعل بضمّ الفاء وسكون العين، ووزن مفردها أفعل، ويجمع أفعل قياسا على فعل بضمّ الفاء، فالأوصاف الثلاثة صفات مشبهة، جاءت على هذا الوزن، قال ابن مالك في «الخلاصة»: فعل لنحو أحمر وحمراء.
﴿لا يَرْجِعُونَ﴾ والرجوع إن لم يتعدّ فهو بمعنى العود، وإن تعدّى فبمعنى الإعادة. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ فيه إعلال بالقلب والإدغام. أصله: صيوب من الصّوب، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما ساكنة، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، فصار صيّب، كما فعل في ميّت وسيّد. قال ابن مالك في باب التصريف:
| إن يسكن السّابق من واو ويا | واتّصلا ومن عروض عريا |
| فياء الواو اقلبنّ مدغما | وشذّ معطى غير ما قد رسما |
| فلو رفع السّماء إليه قوما | لحقنا بالسّماء مع السّحاب |
﴿مُحِيطٌ﴾ وزنه: مفعل اسم فاعل من أحاط الرباعيّ، فأصله: محوط واويّ العين، إذ يقال: حاطه يحوطه حوطا وحوّط تحويطا، فالمصدر ظهرت فيه الواو، ولمّا كان أصله محرط، نقلت حركة الواو إلى الحاء، فسكنت الواو إثر كسرة، فقلبت ياء حرف مدّ.
﴿يَكادُ الْبَرْقُ﴾ أصله: يكود بفتح العين بوزن يفعل؛ لأنّ الصحيح أنّه من باب فعل مكسور العين، نقلت حركة حرف العلّة إلى الساكن الصحيح قبله، ثمّ أبدلت الواو ألفا؛ لتحركها في الأصل، وانفتاح ما قبلها الآن.
﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ أصله: مشيوا بوزن ضربوا، قلبت الياء ألفا؛ لتحركها بعد فتح، فالتقى ساكنان: الألف وواو الجماعة، فحذفت الألف. ﴿وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾ أصل قام قوم، بوزن فعل، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها بعد فتح، ثمّ أسند الفعل إلى واو الجماعة، فضمّ آخره. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أصله: شيء بوزن فعل بكسر العين، تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، دلّ على ذلك كون مضارعه يشاء، وسيأتي بيان تصريف مضارعه إن شاء الله تعالى في محلّه.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة، وأنواعا من الفصاحة، والبيان، والبديع:
فمنها: الإتيان بالجملة الاسمية في قوله: ﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، حيث لم يقل: وما آمنوا المطابق لقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾؛ لإفادة انتفاء الإيمان عنهم في جميع الأزمنة؛ لإفادتها الدوام والاستمرار؛ أي: لم يتصفوا
«أبو السعود».
ومنها: إعادة الجار في قوله: ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ لإفادة تأكّد دعواهم الإيمان، بكلّ ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فردّ عليهم المولى بأبلغ ردّ بقوله: ﴿وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، حيث أتى بالجملة الإسمية وزاد الجار في الخبر.
ومنها: المشاركة في قوله: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾؛ لأنّ المفاعلة تقتضي المشاركة في المعنى، وقد أطلق عليه تعالى مقابلا؛ لما ذكره من خداع المنافقين، كمقابلة المكر بمكرهم، ومن أمثلة هذا الفنّ في الشعر قول بعضهم:
| قالوا التمس شيئا نجد لك طبخه | قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا |
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، حيث استعير المرض لما ران على قلوبهم، من جهل وسوء عقيدة؛ لأنّ المرض حقيقة في الأجسام.
ومنها: زيادة كان في قوله: ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾؛ لتأكيد الكلام؛ ولإفادة دوام كذبهم وتجدّده.
ومنها: جمع المؤكدات في هذه الجملة؛ لتأكيد الردّ عليهم، حيث أكد بألا، وبأنّ، وبضمير الفصل، وتعريف الخبر مبالغة في الردّ عليهم، لما ادّعوه من قولهم: ﴿إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾؛ لأنّهم أخرجوا الجواب جملة اسمية مؤكّدة بإنما، ليدلّوا بذلك على ثبوت الوصف لهم، فردّ الله عليهم بأبلغ وأوكد مما ادعوه. اه. «سمين». وكذا جملة قوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ﴾.
ومنها: المفارقة بين الجمل في قوله: ﴿وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا﴾ وقوله: ﴿وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ﴾. فقد خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية، وهي جملة ﴿آمَنَّا﴾، وخاطبوا شياطينهم بالجملة الإسمية، وهي جملة ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾؛ وذلك لأنّ الجملة الإسميّة أثبت من الجملة الفعلية، فإيمانهم قصير المدى لا يعدو تحريك اللسان، أو مدة التقائهم بالمؤمنين وركونهم إلى شياطينهم، دائم الاستمرار والتجدّد، وهو أعلق بنفوسهم وأكثر ارتباطا بما رسخ فيها.
ومنها: المخالفة بين جملة مستهزؤن، وجملة يستهزىء؛ لأنّ هزء الله بهم متجدد وقتا بعد وقت، وحالا بعد حال، يوقعهم في متاهات الحيرة والإرتباك، زيادة في التنكيل بهم.
ومنها: الفصل الواجب في قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾؛ لأنّ في عطفها على شيء من الجمل السابقة مانعا قويّا؛ لأنّها تدخل حينئذ في حيّز مقول المنافقين، والحال: أنّ استهزاء الله بهم وخذلانه إيّاهم ثابتان مستمرّان، سواء خلوا إلى شياطينهم أم لا. فالجملة مستأنفة على كلّ حال، واجبة الفصل عمّا قبلها؛ لأنّها مظنة سؤال ينشأ، فيقال: ما مصير أمرهم؟ ما عقبى حالهم؟. فيستأنف جوابا عن هذا السؤال.
ومنها: الإتيان باسم إشارة البعيد في قوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ للإيذان ببعد منزلتهم في الشرّ، وسوء الحال.
ومنها: الاستعارة التصريحية الترشيحية في قوله: ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾، حيث استعار الشراء الذي هو بذل الثمن؛ لتحصيل ما يطلب لاختيارهم الضلالة بدل الهدى، ورشّح تلك الاستعارة وقوّاها، بذكر الريح والتجارة، لأنّ الترشيح ذكر ما يلائم المستعار منه الذي هو الشراء هنا.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ حيث أسند الربح إلى التجارة؛ لكونها سببه، وحقّ الإسناد أن يقال: فما ربحوا في تجارتهم.
ومنها: التتميم في قوله: ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾، وهو أن يأتي المتكلم في آخر كلامه بكلمة أو جملة، تتمّ معنى الكلام السابق، فقوله: ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ تتميم لما قبله؛ لأنّه أفاد أنّهم ضالّون مخطئون في جميع ما فعلوه من عمل الشراء، وغيره.
ومنها: التشبيه التمثيلي في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾ نارًا الخ، وكذلك في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾. والتشبيه التمثيلي: هو أن يكون وجه
ومنها: المخالفة بين الضميرين، فقد وحّد الضمير في قوله: ﴿اسْتَوْقَدَ﴾ وفي قوله: ﴿ما حَوْلَهُ﴾ نظرا إلى جانب اللفظ؛ لأنّ المنافقين كلّهم على قول واحد وفعل واحد، وجمع في قوله: ﴿بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ﴾ رعاية للمعنى لكون المقام مقام تقبيح أحوالهم، وبيان صفاتهم وضلالهم، فإثبات الحكم لكلّ فرد منهم واقع.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ فقد شبّههم بالصمّ، والبكم، والعمي، وطوى ذكر المشبّه، وجعله بعضهم من التشبيه البليغ؛ أي: هم كالصمّ البكم العمي في عدم الاستفادة من هذه الحواس، فحذف أداة التشبيه ووجه الشبه، فصار تشبيها بليغا، وهو في كلامهم كثير، كقوله:
| صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به | وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا |
ومنها: جمع الأصابع إشارة إلى أنّه لم يرد أصبعا معيّنة؛ لأنّ الحالة حالة دهش وحيرة، فأيّة أصبع اتّفق لهم أن يسدّوا بها آذانهم، فعلوا غير معرّجين على ترتيب معتاد، أو تعيين مفترض.
ومنها: إفراد البرق والرعد، وجمع الصواعق، لكونهما في الأصل مصدرين، والمصادر لا تجمع. يقال: رعدت السماء رعدا وبرقت برقا، فراعى فيهما حكم الأصل، فترك جمعهما وإن أريد معنى الجمع، ولا يخفى أنّ من
ومنها: تعريف السماء في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾؛ للإيذان بأنّ انبعاث الصيّب ليس من أفق واحد، فإنّ كلّ أفق من آفاقها سماء على حدة، والمعنى: أنّه نازل من غمام مطبق، آخذ بآفاق السماء كلها.
ومنها: التعبير بالأصابع دون الأنامل في قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ﴾ إشارة إلى أنّهم لشدّة حيرتهم ودهشتهم، يدخلون أصابعهم كلّها في إذانهم لا أناملهم فقط، كما هو المعتاد.
ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ﴾ حيث لم يقل: والله محيط بهم بالضمير الراجع إلى أصحاب الصيّب، إيذانا. بأنّ ما دهمهم من الأمور الهائلة المحكيّة بسبب كفرهم.
ومنها: إيثار المشي في قوله: ﴿مَشَوْا فِيهِ﴾ على ما فوقه من السّعي والعدو؛ للإشعار بعدم استطاعتهم لهما لكمال دهشتهم وحيرتهم.
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع.
فائدة: والحاصل: أنّ الله وصف المنافقين في هذه الآيات، بثمان صفات كلّها قبيحة شنيعة تدلّ على رسوخهم في الضلال، وهي: الكذب، والخداع، والسفه، والاستهزاء، والإفساد في الأرض، والجهل والضلال، والمرض.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
{يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥) إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)}.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه وتعالى (١)، لما ذكر أصناف الخلق، وبيّن أنّ منهم المهتدين والكافرين الذين فقدوا الاستعداد للهداية، والمنافقين المذبذبين بين ذلك.. دعا الناس إلى دين التوحيد الحقّ، وهو عبادة الله وحده عبادة خشوع وإخلاص، حتى كأنّهم ينظرون إليه، ويرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنّه يراهم، فإن
ثمّ عدّد بعض نعمه المتظاهرة عليهم الموجبة للعبادة والشكر، فجعل منها خلقهم أحياء قادرين على العمل والكسب، ثمّ خلق الأرض مستقرّا ومهادا؛ لينتفعوا بخيراتها، ويستخرجوا معادنها ونباتها. ثمّ بنى لهم السماء التي زيّنها بالكواكب، وجعل فيها مصابيح يهتدي بها الساري في الليل المظلم، وأنزل منها الماء، فأخرج به ثمرات مختلفا ألوانها وأشكالها، أفليس في كلّ هذا ما يطوّح بالنظر، ويهدي الفكر إلى أنّ خالق هذا الكون البديع المثال، لا ندّ له ولا نظير، وأنّ ما جعلوه أندادا له لا يقدرون على إيجاد شيء مما خلق، وأنّهم يعلمون ذلك حقّ العلم، فكيف يدعون غير الله من الأصنام والأحجار، ويستشفعون به، ويتوسّلون إليه مع أنّه لا خالق ولا رازق إلّا الله سبحانه وتعالى.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: أنّ الله سبحانه وتعالى، لمّا ذكر (١) أنّ الناس بالنظر إلى القرآن أقسام ثلاثة: متقون يهتدون بهديه، وجاحدون معاندون معرضون عن سماع حججه وبراهينه، ومذبذبون بين ذلك.. طلب هنا إلى الجاحدين المعاندين في نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم وفي أنّ القرآن معجزته، أن يتعرّفوا إن كان هو من عند الله كما يدّعي هو أو من عند نفسه كما يدّعون، فيروّزوا أنفسهم، ويحاكموه، لعلّهم يأتون بمثل سورة من أقصر سورة، وهم فرسان البلاغة، وعصرهم أرقى عصور الفصاحة، والكلام ديدنهم، وبه تفاخرهم، وكثير منهم حاز قصب السبق في هذا المضمار، ولم يكن محمد من بينهم، فهو لم يمرّن عليه، ولم يبار أهله، ولم ينافسهم فيه.
فإن عجزوا ولم يستطيعوا ذلك، وهم لا يستطيعون، وإن تظاهر أنصارهم وكثر أشياعهم، بل لو اجتمعت الإنس والجنّ جميعا، فليعلموا أنّ ما جاءهم به، فأعجزهم لم يكن إلّا بوحي سماوي وإمداد إلهيّ، لا يسمو إليه محمد بعقله، ولا
قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله سبحانه وتعالى، لمّا ذكر الكافرين، وما أعدّ لهم من العقاب. قفّى على ذلك ببشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وما أعدّ لهم من نعيم مقيم في الدار الآخرة، وقد جرت سنّة القرآن أن يقرن الترهيب بالترغيب؛ تنشيطا لاكتساب ما يوجب الزلفى عند الله؛ وتثبيطا عن اقتراف ما يوجب البعد من رضوانه تعالى.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنّ الله سبحانه (١)، لما ذكر الدليل القاطع على أنّ القرآن كلام الله، لا يتطرّق إليه شكّ ولا ريب، وأنّه كتاب معجز، أنزله على خاتم المرسلين، وتحدّاهم أن يأتوا بسورة من مثله. ذكر هنا شبهة أوردها الكفار للقدح فيه، وهي: أنّه جاء في القرآن ذكر النحل، والذباب، والعنكبوت، والنمل، وهذه الأمور لا
يليق ذكرها بكلام الفصحاء، فضلا من كلام ربّ الأرباب. فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة، وردّ عليهم: بأنّ صغر هذه الأشياء لا يقدح في فصاحة القرآن وإعجازه، إذا كان ذكرها مشتملا على حكم بالغة، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾ إلخ.
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: أنّ الله سبحانه وتعالى، لما (٢) ذكر أولئك الفاسقين الذين ضلوا بالمثل، ووصفهم بالصفات الشنيعة من نقض العهد الموثّق، وقطع ما أمر
(٢) المراغي.
وجاء به على طريق التوبيخ والتعجيب من صفة كفرهم، بذكر البراهين الداعية إلى الإيمان الصادّة عن الكفر، وهي النعم المتظاهرة الدالّة على قدرته تعالى، من مبدأ الخلق إلى منتهاه من إحيائهم بعد الإماتة، وتركيب صورهم من الذّرات المتناثرة، والنطف الحقيرة المهينة، وخلق ما في الأرض جميعا لهم؛ ليتمتعوا بجميع ما في ظاهرها وباطنها على فنون شتّى وطرق مختلفة، وخلق سبع سموات مزيّنة بمصابيح؛ ليهتدوا بها في ظلمات البرّ والبحر.
أفبعد هذا كله يكفرون به، وينكرون عليه أن يبعث فيهم رسولا منهم، يتلو عليهم آياته، ويضرب لهم الأمثال؛ ليهتدوا بها في إيضاح ما أشكل عليهم مما فيه أمر سعادتهم في دينهم ودنياهم.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: (١) ما أخرجه ابن جرير عن السدي بأسانيده، لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين، وهما قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾، قال المنافقون: الله أعلى وأجلّ من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ إلى قوله: ﴿الْخاسِرُونَ﴾. وما أخرجه الواحدي من طريق عبد الغني بن سعيد الثقفيّ، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: (إنّ الله ذكر آلهة المشركين، فقال: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا﴾، وذكر كيد الآلهة، فجعله كبيت العنكبوت، فقالوا: أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمدّ، أيّ شيء كان يصنع بهذا؟ فأنزل الله هذه الآية). وعبد الغني واه جدّا، وقال عبد الرزاق في «تفسيره»: أخبرنا معمر، عن قتادة: لمّا ذكر الله العنكبوت
التفسير وأوجه القراءة
٢١ - ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ أي: يا أيّها المكلّفون من الإنس والجنّ ﴿اعْبُدُوا﴾؛ أي: وحّدوا، وأفردوا بالعبادة، والطاعة، والاستغاثة، والدعاء ﴿رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾؛ أي: خالقكم الذي ابتدع خلقكم على غير مثال سابق؛ لأنّه الذي يستحقّ العبادة منكم دون غيره من الأصنام، والأحجار، لأنّ تعليق الحكم بمشتقّ يؤذن بعليّة ما منه الاشتقاق، فكأنّه قال: اعبدوه لخلقه إيّاكم، فإنّه هو الذي يعبد دون غيره.
وهذه الآية (١) مسوقة لإثبات التوحيد، وتحقيق نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم - اللذين هما أصل الإيمان. والناس يصلح اسما للمؤمنين، والكافرين، والمنافقين. والنداء فائدته؛ تنبيه الغافلين، أو إحضار الغائبين، وتحريك الساكنين؛ وتعريف الجاهلين، وتفريغ المشغولين، وتوجيه المعرضين، وتهييج المحبّين، وتشويق المريدين.
قال بعضهم: أقبل عليهم بالخطاب جبرا؛ لما في العبادة من الكلفة بلذّة الخطاب؛ أي: يا مؤنس لا تنس أنسك بي قبل الولادة، أو يا ابن النسيان تنبّه، ولا تنس حيث كنت نسيا منسيا، ولم تك شيئا مذكورا، فخلقتك وخمرتك طينا،
قال ابن عباس - رضي الله عنهما (١) -: يا أيّها الناس: خطاب لأهل مكة، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطاب لأهل المدينة. وهو هنا خطاب عامّ لسائر المكلّفين؛ لأنّ ذلك أمر أغلبي على أنّ السورة مدنية.
واعلم (٢): أنّ النداء الواقع في القرآن على سبعة مراتب:
الأول: نداء مدح، كقوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾.
والثاني: نداء ذمّ، كقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا﴾، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
والثالث: نداء تنبيه، كقوله: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ﴾، ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ﴾.
والرابع: نداء إضافة، كقوله: ﴿يا عِبادِيَ﴾.
والخامس: نداء نسبة، كقوله: ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾، ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾.
والسادس: نداء تسمية، كقوله: ﴿يا داوُدُ﴾، ﴿يا إِبْراهِيمُ﴾.
والسابع: نداء تعنيف، كقوله: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾.
(٢) الخازن.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ أي: اعبدوه وحده؛ لتجعلوا عبادته وقاية وسترا بينكم وبين عذابه، هذا إن جرينا على أنّ (لعلّ) للتعليل. ويحتمل كونها على أصل معناها من الترجيّ، فتكون جملتها حالا من فاعل ﴿اعْبُدُوا﴾؛ أي: أفردوه بالعبادة حالة كونكم راجين أن تدخلوا، وتنظّموا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح، المستوجبين لجوار الله تعالى. و (لعلّ) للترجّي والإطماع، وهي من الله تعالى واجب؛ لأنّ الكريم لا يطمع إلّا فيما يفعل. والأولون والآخرون مخاطبون بالأمر بالتقوى. وخصّ المخاطبين بالذكر؛ تغليبا لهم على الغائبين، كما في «الكواشي».
وقرأ ابن السميفع (٢) ﴿وخلق من قبلكم﴾ جعله من عطف الجمل. وقرأ زيد بن علي ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ بفتح ميم (من) قال الزمخشري: وهي قراءة مشكلة، ووجهها على إشكالها بأن يقال: أقحم الموصول الثاني بين الأول وصلته؛ تأكيدا، كما أقحم جرير في قوله:
(٢) البحر المحيط.
تيما الثاني بين الأول وما أضيف إليه، وكإقحامهم لام الإضافة بين المضاف والمضاف إليه في (لا أبالك). انتهى كلامه. ذكره في «البحر».
وفيه تنبيه: على أنّ التقوى منتهى درجة السالكين، وهو التبرّي من كلّ شيء سوى الله تعالى، وأنّ العابد ينبغي له أن لا يغترّ بعبادته، ويكون ذا خوف ورجاء، كما قال تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾.
وحاصل المعنى: أي أنّ هذا الربّ العظيم المتصف بتلك الصفات التي تعلمونها، هو الذي خلقكم وخلق من قبلكم، وربّاكم وربّى أسلافكم، ودبّر شؤونكم، ووهبكم من طرق الهداية ووسائل المعرفة مثل ما وهبهم، فاعبدوه وحده، ولا تشركوا بعبادته أحدا من خلقه. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢١)؛ أي: فاعبدوه على تلك الشاكلة، فإنّ العبادة على هذا السنن هي التي تعدّكم للتقوى، ويرجى بها بلوغ درجة الكمال القصوى.
٢٢ - ثمّ ذكر بعض خصائص الربوبيّة التي تقتضي الاختصاص به تعالى، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ وصيّر ﴿لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا﴾ صفة ثانية لربّكم؛ أي: بساطا تقعدون، وتنامون عليها، وتتقلّبون فيها، كالفراش المبسوط.
وقدم (١) ذكر الأرض على السماء وإن كانت أعظم في القدرة، وأمكن في الحكمة، وأتمّ في النعمة، وأكبر في المقدار؛ لأنّ السقف والبنيان فيما يعهد، لا بدّ له من أساس وعمد مستقرّ على الأرض، فبدأ بذكرها، إذ على متنها يوضع الأساس، وتستقرّ القواعد، إذ لا ينبغي ذكر السقف أولا قبل ذكر الأرض التي تستقرّ عليها قواعده؛ أو لأنّ خلق الأرض متقدم على خلق السماء، ذكره في «البحر».
قال أهل اللغة: الأرض: بساط العالم وبسيطها، من حيث إنّه يحيط بها
وسمت وسط الأرض المسكونة حضرة الكعبة المشرفة، وأمّا وسط الأرض كلّها عامرها وخرابها، فهو الموضع الذي يسمّى قبّة الأرض، وهو مكان يعتدل فيه الأزمان في الحرّ والبرد، ويستوي الليل والنهار أبدا، لا يزيد أحدهما على الآخر، كما في «الملكوت».
وروي عن عليّ - كرم الله وجهه -: أنّه قال: (إنّما سميت الأرض أرضا؛ لأنّها تتأرّض ما في بطنها)؛ يعني: تأكل ما فيها. وقال بعضهم: لأنّها تتأرّض بالحوافر والأقدام.
ومعنى جعلها ﴿فَرْشًا﴾ جعل بعضها بارزا من الماء مع اقتضاء طبعها الرسوب، وجعلها متوسّطة بين الصلابة واللين، صالحة للقعود عليها والنوم فيها، كالبساط المفروش، وليس من ضرورة ذلك كونها سطحا حقيقيا، وهو الذي له طول وعرض، فإنّ كرويّة شكلها مع عظم جرمها مصّححة لافتراشها.
وعبارة النسفي هنا: وليس فيه دليل على أنّ الأرض مسطّحة أو كروية، إذ الافتراش ممكن على كلا التقديرين.
﴿وَ﴾ جعل ﴿السَّماءَ﴾ وهو ما علاك وأظلّك؛ لأنّه من السموّ بمعنى: العلوّ. ﴿بِناءً﴾ أي: سقفا مبنيا فوق الأرض مرفوعا فوقها، كهيئة القبّة؛ أي: جعلها قبّة مضروبة عليكم. وكلّ سماء مطبقة على الأخرى، مثل: القبّة، والسماء الدنيا ملتزقة أطرافها على الأرض، كما في «تفسير أبي الليث».
قيل (١): إذا تأمّل الإنسان المتفكّر في العالم، وجده كالبيت المعمور فيه كلّ
| فيا عجبا كيف يعصى الإله | أم كيف يجحده الجاحد |
| وفي كلّ شيء له آية | تدلّ على أنّه الواحد |
﴿رِزْقًا﴾ وغذاء وقوتا ﴿لَكُمُ﴾ وعلفا لدوابّكم.
وذلك (١) أنّه أودع في الماء قوة فاعليّة، وفي الأرض قوة منفعلة، فتولّد من تفاعلهما أصناف الثمار، فبين المظلّة والمقلّة شبه عقد النكاح، بإنزال الماء منها عليها، والإخراج به من بطنها، أشباه النسل المنتج من الحيوان من ألوان الثمار رزقا لبني آدم، ولسائر الأنعام والدوابّ. و ﴿مِنَ﴾ للبيان، و ﴿رِزْقًا﴾؛ أي: طعاما وعلفا لكم ولدوابّكم، كما مرّ آنفا، ففيه تقديم البيان على المبيّن؛ لغرض الاهتمام.
والمعنى (٢): أنّ الله تعالى أنعم عليكم بذلك كلّه، لتعرفوه بالخالقيّة والرازقيّة، فتوحّدوه.
(٢) روح البيان.
والحال أنكم تعلمون أنّها لا تخلق شيئا، ولا ترزق أحدا، وأنّ الله هو الخالق الرازق. أو تعلمون أنّه ليس في التوراة والإنجيل جواز اتخاذ الأنداد. والأنداد: جمع ندّ، وهو المثل؛ أي: لا تجعلوا له أمثالا تعبدونهم كعبادة الله؛ يعني: لا تقولوا له شركاء تعبد معه. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - (لا تقولوا لولا فلان لأصابني كذا، ولولا كلبنا يصيح على الباب لسرق متاعنا)، وعن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «إيّاكم ولو فإنّه من كلام المنافقين» قالوا: ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا﴾.
وفي «الصحيحين» عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله! أيّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل الله ندّا وهو خلقك» الحديث، وكذا حديث معاذ «أتدري ما حقّ الله على عباده؟ حقّ الله على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا» الحديث.
قال البيضاويّ: واعلم أنّ مضمون الآيتين: هو الأمر بعبادة الله وتوحيده، والنهي عن الإشراك به، والإشارة إلى ما هو العلّة والمقتضي لذلك. انتهى.
وفي «المراغي»: الأنداد (١): هم الذين خضع الناس لهم، وقصدوهم في قضاء حاجاتهم، وكان مشركوا العرب يسمّون ذلك الخضوع عبادة، إذ لم يكن عندهم شرع ينهاهم عن عبادة غير الله تعالى، وأهل الكتاب الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أندادا وأربابا، كانوا يتحاشون هذا اللفظ، فلا يسمّون ذلك الاتخاذ عبادة، ولا أولئك المعظّمين آلهة وأندادا، بل يسمّون دعاءهم غير
الله، والتقرب إليه توسّلا واستشفاعا، ويسمّون تشريعهم لهم بعض العبادات، وتحليل
وقرأ زيد بن عليّ، ومحمد بن السميفع (١): ﴿ندا﴾ على التوحيد، وهو مفرد في سياق النهي، فالمراد به: العموم، إذ ليس المعنى: فلا تجعلوا لله ندّا واحدا، بل أندادا.
٢٣ - ولمّا احتجّ سبحانه وتعالى، عليهم في إثبات توحيد الألوهية والربوبيّة بما تقدم، احتجّ عليهم في إثبات نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم بما قطع عذرهم، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ﴾ أيّها الناس ﴿فِي رَيْبٍ﴾ وشكّ ﴿مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ أي: في كون القرآن المعجز الذي نزلناه على عبدنا ورسولنا محمد صلّى الله عليه وسلّم وحيا منزّلا من عند الله تعالى، أو مفترى من عند نفسه. والتنزيل (٢): هو النزول على سبيل التدريج، وأنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا إلى بيت العزّة، ثمّ منه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم مفرّقا منجما في ثلاث وعشرين سنة؛ ليحفظ، فإنّه صلّى الله عليه وسلّم كان أمّيّا لا يقرأ ولا يكتب، ففرّق عليه؛ ليثبت عنده حفظه، بخلاف غيره من الأنبياء، فإنّه كان كاتبا قارئا، فيمكنه حفظ الجميع من الكتاب، ولذا قالوا: إنّ سائر الكتب الإلهية أنزلت جملة.
وفي إضافة العبد إليه تعالى: تنبيه على عظم قدره صلّى الله عليه وسلّم واختصاصه بخالص العبودية ورفع محلّه. وإضافته إلى نفسه تعالى واسم العبد عامّ وخاصّ، وما هنا من الخاص، كقوله:
| لا تدعني إلّا بيا عبدها | لأنّه أشرف أسمائي |
(٢) روح البيان.
وقوله: ﴿فَأْتُوا﴾ جواب الشرط، وهو أمر تعجيز ﴿بِسُورَةٍ﴾ واحدة كائنة ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾؛ أي: من مثل هذا القرآن الذي نزلناه على عبدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم في البلاغة، والفصاحة، والبيان الغريب، وعلوّ الطبقة في حسن النظم، والتركيب، والإخبار عن المغيّبات؛ أي: فهاتوا وجيئوا بسورة واحدة مماثلة له فيما ذكر، فأنتم بشر فصحاء مثله، هذا إن جرينا على أنّ الضمير في ﴿مِثْلِهِ﴾ عائد على ما نزلنا، وهو المتبادر.
والمعنى: أي (١) ائتوا أنتم بمثل ما أتى هو، إن كان الأمر كما زعمتم من كونه كلام البشر، إذ أنتم وهو سواء في الجوهر، والخلقة، واللسان، وليس هو أولى بالاختلاق منكم. ثمّ القرآن وإن كان لا مثل له؛ لأنّه صفة الله وكلامه ووحيه، ولا مثل لصفاته، كما لا مثل لذاته، لكن معناه من مثله على زعمكم، فقد كانوا يقولون: لو شئنا لقلنا مثل هذا، كما في «التيسير».
ويحتمل (٢) عود الضمير على ﴿عَبْدِنا﴾، والمعنى حينئذ: فهاتوا بسورة واحدة واقعة من بشر مماثل لعبدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم في كونه عربيّا فصيحا. وحدّ السورة: هي قطعة من القرآن معلومة الأول والآخر، مترجم عنها باسم خاصّ، أقلّها ثلاث آيات. وإنّما سميت سورة؛ لكونها أقوى من الآية من سورة الأسد والشراب؛ أي: قوته. والآية قطعة من السورة مميزا بفصل يسمّى الفاصلة، هذا إن كان واوها أصلية، وإن كانت منقلبة عن همزة، فهي مأخوذة من السؤر الذي هو البقية من الشيء، فالسورة قطعة من القرآن مفرزة باقية من غيرها.
قال القاضي زكريا: إن قلت: لم ذكرت ﴿مِنْ﴾ هنا، وحذفت في سورتي: يونس وهود؟
قلت: لأنّ ﴿مِنْ﴾ هنا للتبعيض، أو للتبيين، أو زائدة على قول الأخفش:
(٢) العمدة.
وقوله: ﴿وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ﴾ معطوف على جواب الشرط، جمع شهيد بمعنى: الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو الناصر. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إما متعلّقة بادعوا، فالمعنى: ادعوا متجاوزين الله من حضركم كائنا من كان، للاستظهار في معارضة القرآن، أو الحاضرين في مشاهدكم ومحاضركم من رؤسائكم وأشرافكم الذين تفزعون إليهم من الملمّات، وتعوّلون عليهم في المهمّات. أو القائمين بشهادتكم الجارية فيما بينكم من أمثالكم المتولّين، لاستخلاص الحقوق بتنفيذ القول عند الولاة. أو القائمين بنصركم حقيقة أو زعما من الإنس والجنّ، ليعينوكم. وقال القاضي: معنى ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: من غيره، وهو بهذا المعنى في جميع ما جاء في القرآن.
وإما متعلّقة بشهداءكم، والمراد بهم: الأصنام. و ﴿دُونِ﴾ بمعنى: التجاوز على أنّها ظرف مستقرّ وقع حالا من ضمير المخاطبين، والعامل ما دلّ عليه ﴿شُهَداءَكُمْ﴾؛ أي: ادعوا أصنامكم الذين اتخذتموهم آلهة، وزعمتم أنّهم يشهدون لكم يوم القيامة أنّكم على الحقّ، متجاوزين الله في اتخاذها كذلك.
والمعنى عليه: وادعوا آلهتكم التي تعبدونها من دون الله، ليساعدوكم في معارضة هذا القرآن والإتيان بمثله. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في مقالتكم: إنّ محمّدا افتراه من عند نفسه، فإنّكم عربيون فصحاء مثله. وسميّت الآلهة شهداء؛ لزعمهم
الخلاف المذكور في علم المعاني.
ودلّت الآية: على أنّ الاستعانة بالخلق لا تغني شيئا، وما يغني رجوع العاجز عن العاجز، فلا ترفع حوائجك إلّا إلى من لا يشّق عليه قضاؤها، ولا تسأل إلّا من لا تفنى خزائنه، ولا تعتمد إلّا على من لا يعجز عن شيء ينصرك من غير معين، ويحفظك من كلّ جانب ومن غير صاحب، ويغنيك من غير مال، فيقلّ أعداد الأعداء الكثيرة إذا حماك، ويكثر عدد المال القليل إذا كفاك.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنّ محمدا تقوّله من تلقاء نفسه، وفي أنّ فيه مجالا للريب، وأنّ آلهتكم شهداؤكم. شرط جوابه محذوف، تقديره: فافعلوا؛ أي: فأتوا بسورة من مثله.
وقد نزل في هذا المعنى آيات كثيرة بمكة، أوّلها: ما في سورة الإسراء ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ الآية، ثمّ ما في سورة هود ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، ثمّ ما في سورة يونس ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾، وما جاء في هذه السورة المدنية.
فائدة: وأصل (١) معنى ﴿دُونِ﴾: أدنى مكان من الشيء، واتسع فيه حتى استعمل في تخطّي الشيء إلى شيء آخر، ومنه ما في هذه الآية، وكذلك قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وله معان أخر:
منها: التقصير عن الغاية والحقارة. يقال: هذا الشيء دون؛ أي: حقير، ومنه قوله:
| إذا ما علا المرء رام العلا | ويقنع بالدّون من كان دونا |
دونك زيدا؛ أي: خذه من أدنى مكان.
٢٤ - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ما أمرتم به من الإتيان بالمثل بعد ما بذلتم في السعي غاية المجهود، يعني: فيما مضى وغبر، وحضر من الزمان، والجملة فعل شرط لإن.
وقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾. فيما يستقبل أبدا؛ وذلك لظهور إعجاز القرآن. اعتراض بين الشرط وجوابه، وهذه الجملة المعترضة معجزة باهرة، أخبر بها القرآن قبل وقوعها، حيث أخبر بالغيب الخاص علمه به سبحانه وتعالى، وقد وقع القرآن كذلك، كيف لا ولو عارضوه بشيء بداية في الجملة لتناقله الرواة خلفا عن سلف، فلم تقع المعارضة من أحد من الكفرة في أيّام النبوة وفيما بعدها إلى الآن. وقوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ بالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقيام بفرائضه، واجتناب مناهيه. جواب الشرط.
والمعنى: أي (١) فإن لم تأتوا الآن بسورة من مثل المنزل على محمدّ صلّى الله عليه وسلّم لعجزكم عنها، ولن تقدروا على أن تأتوا بمثله في المستقبل لتحقّق عجزكم الآن ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ أي: فاجعلوا لأنفسكم وقاية وسترا من النار المذكورة، بتصديق هذا القرآن، ومن جاء به. وعبّر عن الإتيان بالفعل؛ لأنّ الإتيان فعل من الأفعال، ولقصد الاختصار.
والخلاصة: أي (٢) وحين عجزتم عن معارضة القرآن، وعن الإتيان بمثله، لزمتكم الحجة على أنّ محمدا رسولي، والقرآن كتابي، ولزمكم تصديقه والإيمان به، وإن لم تؤمنوا صرتم من أهل النار، فاتقوها.
وفي «الكشاف»: لصيق اتقاء النار، وضميمة ترك العناد من حيث إنّه من نتائجه؛ لأنّ من اتّقى النار ترك المعاندة، فوضع ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ موضع فاتركوا العناد. اه.
(٢) روح البيان.
قلت: لأنّ الخطاب في هذه السورة مع المنافقين، وهم في أسفل النار المحيطة بهم، فعرفت بلام الاستغراق، أو العهد الذهني، وفي تلك مع المؤمنين، والذين يعذّبون من عصاتهم بالنار يكونون في جزء من أعلاها. فناسب تنكيرها لتقليلها. وقيل: لأنّ تلك الآية نزلت في مكة قبل هذه، فلم تكن النار التي وقودها الناس والحجارة معروفة، فنكّرها ثمّ، وهذه نزلت بالمدينة، فعرفت إشارة إلى ما عرفوه أوّلا. وردّ هذا: بأنّ آية التحريم نزلت بالمدينة بعد هذه الآية التي هنا.
﴿الَّتِي وَقُودُهَا﴾ وحطبها الذي توقد به ﴿النَّاسُ﴾؛ أي: العصاة من الكفار وغيرهم. وقدم الناس على الحجارة؛ لأنّهم العقلاء الذين يدركون الآلام والمعذّبون؛ أو لكونهم أكثر إيقاد للنار من الجماد، لما فيهم من الجلود، واللحوم، والشحوم، والعظام، والشعور؛ أو لأنّ ذلك أعظم في التخويف، فإنّك إذا رأيت إنسانا يحرق، اقشعرّ بدنك وطاش لبّك، بخلاف الحجر. ﴿وَالْحِجارَةُ﴾ أي: (١) حجارة الكبريت، وإنما جعل حطبها منها؛ لسرعة اتقادها؛ أي التهابها، وبطىء خمودها، وشدة حرها، وقبح رائحتها، ولصوقها بالبدن. أو الحجارة هي الأصنام التي عبدوها، وإنما جعل التعذيب بها؛ ليتحققوا أنهم عذبوا بعبادتها؛ وليروا ذلها ومهانتها بعد اعتقادهم عزّها وعظمتها، قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، والكافر عبد الصنم، واعتمده، ورجاه، فعذّب به، إظهارا لجهله وقطعا لأمله، كأتباع الكبراء خدموهم، ورجوهم، وفي النار يسحبون معهم؛ ليكون أشق عليهم وأقطع لرجائهم.
فإن قلت: أنار الجحيم كلّها توقد بالناس والحجارة، أم هي نيران شتّى منها نار بهذه الصفة؟
قلت: بل هي نار شتّى منها: نار توقد بالناس والحجارة، يدلّ على ذلك
وفي هذا من (١) التهويل ما لا يقادر قدره، من كون هذه النار تتقد بالناس والحجارة، فأوقدت بنفس ما يراد إحراقه بها. ﴿أُعِدَّتْ﴾ أي: هيّئت ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ أي: للذين كفروا بما نزلناه على رسلنا، وجعلت عدّة لعذابهم. وفيه دلالة على أنّ النار مخلوقة موجودة الآن خلافا للمعتزلة، وفيه أيضا: دلالة على أنّ الكافرين هم المقصود بخلقها أصالة.
وفي الآية (٢): إشارة إلى أنّ ثمرة الأخذ بالقرآن والإقرار به، وبمحمد صلّى الله عليه وسلّم هو النجاة من النار التي وقودها الناس والحجارة، وفيه زيادة فضل القرآن وأهله.
قال البغوي عند قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ قيل: السورة اسم للمنزلة الرفيعة، وسمّيت سورة؛ لأنّ القارىء ينال بقراءتها منزلة رفيعة،
حتى يستكمل المنازل باستكمال سور القرآن. اه.
وخلاصة معنى الآية (٣): إذا ظهر عجزكم عن المعارضة، صحّ عندكم صدق محمد صلّى الله عليه وسلّم وإذا صحّ ذلك فاتركوا العناد، وإذا لزمتم العناد استوجبتم العقاب بالنار.
وقرأ الجمهور (٤): ﴿وَقُودُهَا﴾ بفتح الواو، وهو الحطب الذي تتقد به، وقد جاء بالفتح مصدرا أيضا. وقرأ الحسن باختلاف، ومجاهد، وطلحة، وأبو حيوة، وعيسى بن عمر الهمدانيّ بضمّ الواو، وهو مصدر بمعنى: التوقد، وهو حينئذ على حذف مضاف؛ أي: ذو وقودها، لأنّ الناس والحجارة ليسا نفس الاتقاد،
(٢) روح البيان.
(٣) المراح.
(٤) البحر المحيط.
وعبارة المراغي هنا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ الآية، والنار (١) موطن العذاب، ونحن نؤمن بها كما أخبر القرآن، ولا نبحث عن حقيقتها، والوقود بفتح الواو: ما توقد به النار، والمراد بالناس: العصاة، والمراد بالحجارة هنا: الأصنام، كما قال: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، وقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾؛ أي: هيّئت للذين لا يستجيبون دعوة الرسل، أو ينحرفون عنها لمخالفتهم هدي الدين، وعمل ما تنكره شرائع الأنبياء والمرسلين من الخرافات والبدع.
والخلاصة: فإن لم تفعلوا ما أمرتم به من الإتيان بالمثل بعد أن بذلتم المجهود ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ فليس في استطاعتكم، فاحذروا من العناد، واعترفوا بكونه منزلا من عند الله تعالى، لئلا تكونوا أنتم وأصنامكم وقودا للنار التي أعدّت لأمثالكم من الكافرين. اه.
٢٥ - ولمّا ذكر الله سبحانه وتعالى جزاء الكافرين، عقّبه بجزاء المؤمنين؛ ليجمع بين الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، كما هي عادته سبحانه في كتابه العزيز؛ لما في ذلك من تنشيط عباده المؤمنين لطاعاته، وتثبيط عباده الكافرين عن معاصيه، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الخ. وقال ابن كثير: (٢) لمّا ذكر الله سبحانه وتعالى، ما أعدّه لأعدائه من الأشقياء الكافرين بالله وبرسله من العذاب والنكال، عطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله الذين صدّقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة. وهذا معنى تسمية القرآن مثاني على أصحّ أقوال العلماء، وهو أن يذكر الإيمان، ويتبع بذكر الكفر أو عكسه، أو حال السعداء، ثمّ الأشقياء أو عكسه. وحاصله: أنّه ذكر الشيء ومقابله. انتهى.
(٢) ابن كثير.
والمأمور بالتبشير هنا، قيل: هو النبي صلّى الله عليه وسلّم. وقيل: هو كل أحد ممن يتأتّى منه التبشير، كما في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «بشّر المشّائين إلى المساجد في ظلم الليالي، بالنور التامّ يوم القيامة»، فإنّه صلّى الله عليه وسلّم لم يأمر بذلك واحدا بعينه، بل كلّ أحد ممّن يتأتّى منه ذلك، كالعلماء وولاة الأمور. والأمر على الأول للوجوب؛ لأنّ البشارة من جملة ما أمر بتبليغه.
أي: فرّح يا محمد قلوب الذين آمنوا، وصدّقوا بأنّ القرآن منزل من عند الله تعالى، وبجميع ما أرسلت به. ﴿وَعَمِلُوا﴾ الأعمال ﴿الصَّالِحاتِ﴾ من الفرائض والنوافل، جمع صالحة؛ أي: وعملوا الفعلات الصالحات، وهي كلّ ما كان لله تعالى. وفي عطف (١) العمل على الإيمان، دلالة على تغايرهما، وإشعار بأنّ مدار استحقاق البشارة مجموع الأمرين، فإنّ الإيمان أساس، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا غناء بأساس لا بناء عليه. وطلب الجنة بلا عمل حال السفهاء؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى، جعل العمل سببا لدخول الجنة، والعبد وإن كان يدخله الله الجنة بمجرّد الإيمان، لكن العمل يزيد نور الإيمان، وبه يتنوّر قلب المؤمن، وكم من عقبة كؤود تستقبل العبد إلى أن يصل إلى الجنة، وأوّل تلك العقبات عقبة الإيمان، أنّه هل يسلم من السلب أم لا؟ فلزم العمل لتسهيل العقبات.
أي: أخبر يا محمد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بشارة بـ ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ أي: حدائق وبساتين ذات أشجار مثمرة، ومساكن مزيّنة. والجنة: ما فيه النخيل، والفردوس: ما فيه الكرم، كذا قال الفراء. ولفرط التفاف أغصان أشجارها، وتستّرها بالأشجار سمّيت جنة، كأنّها سترة واحدة، لأنّ الجنة بناء مرّة. وإنّما سميت دار الثواب بها مع أنّ فيها ما لا يوصف من الغرفات والقصور؛ لما أنّها مناط نعيمها ومعظم ملاذّها.
قلت: الجنة اسم لدار الثواب كلّها، وهي مشتملة على جنّات كثيرة مرتّبة مراتب على استحقاقات العاملين، لكلّ طبقة منهم جنة من تلك الجنات.
والمراد بالجنة هنا (١): دار الخلود في الحياة الآخرة، أعدّها الله للمتقين، كما أعدّ النار للكافرين، ونحن نؤمن بهما ولا نبحث عن حقيقتهما. ثمّ (٢) الجنان ثمان: دار الجلال كلّها من نور مدائنها، وقصورها، وبيوتها، وأوانيها، وشرفها وأبوابها، ودرجها، وغرفها، وأعاليها، وأسافلها، وخيامها، وحليها، وكلّ ما فيها. ودار القرار كلّها من المرجان، ودار السلام كلّها من الياقوت الأحمر، وجنة عدن من الزبرجد كلّها، وهي قصبة الجنة، وهي مشرفة على الجنان كلّها، وجنة المأوى من الذهب الأحمر كلّها، وجنّة الخلد من الفضّة كلّها، وجنة الفردوس من اللؤلؤ كلّها، وجنة النعيم من الزمردّ كلّها، كذا قالوا، والله أعلم.
وجملة قوله: ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت أشجارها ومساكنها على ظهر الأرض من غير حفيرة. ﴿الْأَنْهارُ﴾ الأربعة المذكورة في (سورة محمد)؛ أي: المياه المعهودة في الجنة المذكورة في قوله تعالى: ﴿فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية. وهي أنهار الخمر، واللبن، والعسل، والماء. صفة لقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾.
والأنهار جمع نهر بفتح الهاء وسكونها وهو (٣) المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر، كالنيل وهو نهر مصر، والمراد بها: الماء الجاري فيها، وأسند الجري إليها مجازا، والجاري حقيقة هو الماء، كما في قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾؛ أي: أهلها، وكما قال الشاعر:
| ونبّئت أنّ النّار بعدك أوقدت | واستبّ بعدك يا كليب المجلس |
(٢) روح البيان.
(٣) الشوكاني.
فإن قلت (١): كيف جري الأنهار من تحتها؟
قلت: كما ترى الأشجار النابتة على شواطىء الأنهار الجارية. وعن مسروق: أنّ أنهار الجنة تجري في غير أخدود، وهو الشقّ من الأرض بالاستطالة، وأنزه البساتين، وأكرمها منظرا، ما كانت أشجاره مظللة، والأنهار في خلالها مطّردة. ولولا أنّ الماء الجاري من النعمة العظمى، وأنّ الرياض وإن كانت أحسن شيء، لا تجلب النشاط حتى يجري فيها الماء، وإلّا كان السرور الأوفر مفقودا، وكانت كتماثيل لا أرواح لها، وصورا لا حياة لها، لما جاء الله بذكر الجنات ألبتة مشفوعا بذكر الأنهار الجارية من تحتها.
وقوله: ﴿كُلَّما رُزِقُوا﴾ وصف (٢) آخر للجنات، أو هو جملة مستأنفة استئنافا بيانيا، كأنّ سائلا قال: كيف ثمارها؟. و ﴿كُلَّما﴾ ظرف زمان ضمّن معنى الشرط؛ أي: متى أطعموا ﴿مِنْها﴾؛ أي: من تلك الجنات ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ﴾؛ أي: من أيّ ثمرة من أنواع ثمراتها. وليس المراد بالثمرة (٣): التفاحة الواحدة أو الرمّانة الفذّة، وإنما المراد: نوع من أنواع الثمرات. و ﴿مِنْ﴾ الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية، لأنّ الرزق قد ابتدىء من الجنات، والرزق من الجنّات قد ابتدىء من ثمرة. ﴿رِزْقًا﴾ مفعول رزقوا. والرزق: ما ينتفع به الحيوان طعاما.
﴿قالُوا﴾؛ أي: قال أصحاب الجنة للملائكة والولدان: ﴿هذَا﴾ الطعام الذي أتيتمونا به هو ﴿الَّذِي رُزِقْنا﴾ به ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: مثل الطعام الذي رزقنا به من قبل هذا في الدنيا، ولكن لمّا استحكم الشبه بينهما جعل ذاته ذاته.
وإنّما (٤) جعل ثمر الجنة كثمر الدنيا؛ لتميل النفس إليه حين تراه، فإنّ
(٢) الشوكاني.
(٣) روح البيان.
(٤) روح البيان.
ولا يقدح فيه ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - (أنّه ليس في الجنّة من أطعمة الدنيا إلّا الاسم)، فإنّ ذلك، لبيان كمال التفاوت بينهما من حيث اللذّة، والحسن، والهيئة، لا لبيان أن لا تشابه بينهما أصلا، كيف لا وإطلاق الأسماء منوط بالاتحاد النوعي قطعا.
وجملة قوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ﴾ حال من فاعل قالوا؛ أي: قالوا ذلك والحال أنّهم أتوا به، أي: جيئوا بذلك الرزق، أو المرزوق في الدنيا والآخرة جميعا.
والضمير عائد إلى ما دلّ عليه فحوى الكلام، مما رزقوا في الدارين حال كون ما أتوا به وأعطوه في الدارين. ﴿مُتَشابِهًا﴾ بعضه بعضا في اللون والجودة، فإذا أكلوا وجدوا طعمه غير ذلك أجود وألذّ، يعني: لا يكون فيه رديء، فقوله: ﴿مُتَشابِهًا﴾ حال من ضمير ﴿بِهِ﴾.
وقيل المعنى: (١) كلّما رزقوا من الجنة رزقا من بعض ثمارها قالوا: هذا الذي وعدنا به في الدنيا جزاء على الإيمان، وصالح الأعمال، فهو من وادي قوله تعالى: {وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ
وقيل المعنى: (١) ﴿كُلَّما رُزِقُوا﴾ وأعطوا، واطعموا ﴿مِنْها﴾؛ أي: من تلك الجنات ﴿مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾؛ أي: عطاء وطعاما من ثمرة من ثمارها. ﴿قالُوا﴾ للملائكة والولدان: ﴿هذَا﴾ الطعام الذي أتيتمونا به في هذه المرّة، مثل الطعام. ﴿الَّذِي رُزِقْنا﴾ وأعطينا به ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هذه المرّة في الجنة؛ أي: مثله في الشكل واللون، فتقول الملائكة: كل يا عبد الله، فاللون واحد، والطعم مختلف. ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾؛ أي: والحال أنّهم أعطوا بذلك الطعام، حال كونه متشابها بعضه بعضا في اللون والمنظر دون الطعم؛ أي: تأتيهم الملائكة والولدان برزق الجنة متشابها بعضه بعضا في اللون مختلفا في الطعم.
وقرأ الجمهور ﴿وَأُتُوا بِهِ﴾ مبنيا للمفعول، وحذف الفاعل للعلم به، وهو الخدم والولدان، يبيّن ذلك قراءة هارون الأعور، والعتكي ﴿وَأُتُوا بِهِ﴾ على البناء للفاعل، ذكره في «البحر».
وروى مسلم عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أهل الجنة يأكلون، ويشربون، ولا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يتمخّطون، ولا يبزقون، ويلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النّفس طعامهم جشاء، ورشحهم كرشح المسك. وفي رواية: ورشحهم المسك. وعن مسروق: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها؛ أي: منضود بعضها على بعض؛ أي: متراكب ومجتمع ليس كأشجار الدنيا متفرّقة أغصانها وثمرتها أمثال القلال، كلّما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، والعنقود اثنا عشر ذراعا، ولو اجتمع الخلائق على عنقود لأشبعهم. وجاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم - فقال: يا أبا القاسم! تزعم أنّ أهل الجنة يأكلون ويشربون، فقال: «نعم والذي نفس محمد بيده، إنّ أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل، والشرب، والجماع»، قال: فإنّ الذي يأكل له
وجملة قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيها﴾؛ أي: في الجنة ﴿أَزْواجٌ﴾؛ أي: نساء وحور.
معطوفة على جملة قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾. على كونها صفة لجنات؛ أي: وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، بأنّ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وجنات لهم فيها أزواج. ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾؛ أي: (١) مهذّبة منقّاة من الأحوال المستقذرة، كالحيض، والنفاس، والبول، والغائط، والمنيّ، والمخاط، والبلغم، والورم، والدّرن، والصّداع، وسائر الأوجاع، والولادة، ودنس الطبع، وسوء الخلق، وميل الطبع إلى غير الأزواج، وغير ذلك.
وقوله: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ أبلغ من طاهرة ومتطهرة؛ للإشعار بأنّ مطهّرا طهّرهنّ، وما هو إلّا الله سبحانه وتعالى. وقرأ الجمهور (٢) ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ صفة للأزواج، مبنيّة على طهرت كالواحدة المؤنثة. وقرأ زيد بن علي ﴿مطهّرات﴾ فجمع بالألف والتاء على معنى: طهّرن. قال الزمخشري: وهما لغتان فصيحتان. يقال: النساء فعلن وهنّ فاعلات، والنساء فعلت وهي فاعلة. وقرأ عبيد بن عمير ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ بتشديد الطاء المفتوحة وتشديد الهاء المكسورة. أصله: متطهرة، وهي مناسبة لقراءة الجمهور. قال الحسن: هنّ عجائزكم العمص العمش طهّرن من قاذورات الدنيا. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: (خلق الحور العين من أصابع رجليها إلى ركبتها من الزعفران، ومن ركبتيها إلى ثدييها من المسك الأذفر، ومن ثدييها إلى عنقها من العنبر الأشهب؛ أي: الأبيض، ومن عنقها إلى رأسها من الكافور، إذ أقبلت يتلألأ نور وجهها، كما يتلألأ نور الشمس لأهل الدنيا).
وجملة قوله: ﴿وَهُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ حال من ضمير لهم؛ أي: ولهم فيها أزواج مطهّرة خالصة من الأدناس الحسية والمعنوية، حالة كونهم خالدين في تلك
(٢) البحر المحيط.
قال عكرمة: (١) أهل الجنة ولد ثلاث وثلاثين سنة، رجالهم ونساؤهم، وقامتهم ستون ذراعا على قامة أبيهم آدم، شباب جرد مرد، مكحلون، عليهم سبعون حلّة، تتلوّن كلّ حلة في كلّ ساعة سبعين لونا، لا يبزقون، ولا يتمخّطون، وما كان فوق ذلك من الأذى، فهو أبعد، يزدادون كلّ يوم جمالا وحسنا، كما يزداد أهل الدنيا هرما وضعفا، لا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم.
واعلم: أنّ معظم اللذات الحسيّة، لما كان مقصورا على المساكن، والمطاعم، والمناكح حسبما يقضي به الإستقراء، وكان ملاك جميع ذلك الدوام والثبات، إذ كلّ نعمة وإن جلّت حيث كانت في شرف الزوال، ومعرض الاضمحلال، فإنّها منغّصة غير صافية من شوائب الألم، بشّر المؤمنين بها وبدوامها تكميلا للبهجة والسرور، ولذلك قيل:
| أشدّ الغمّ عندي في سرور | تيقّن عنه صاحبه انتقالا |
وقد ورد في الحديث الصحيح (٣)، ما يدلّ على كثرة الأزواج من الحور وغيرهنّ، وأريد بالأزواج هنا القرناء من النساء اللاتي تختصّ بالرجل، لا يشركه فيها غيره، فمعنى تطهيرهنّ: (إن كنّ من الحور، كما روي عن عبد الله: خلقهنّ على الطهارة لم يعلق بهنّ دنس ذاتيّ ولا خارجيّ) (وإن كنّ من بني آدم، كما روي عن الحسن: تطهيرهنّ من الأدناس الّتي كانت بها في الدنيا، ذاتيّة كانت
(٢) المراغي.
(٣) البحر المحيط.
٢٦ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي﴾. الخ. أنزل الله سبحانه هذه الآية ردّا على الكفار، لمّا أنكروا ما ضربه من الأمثال، كقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾. وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾، فقالوا: الله أجلّ وأعلى من أن يضرب الأمثال. وقال الحسن وقتادة: لمّا ذكر الله سبحانه الذباب والعنكبوت في كتابه، وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله هذه الآية، كما مرّ في الأسباب بسطه.
والظاهر (١) ما ذكرناه أوّلا؛ لكون هذه الآية جاءت بعقب المثلين اللذين هما مذكوران قبلها، ولا يستلزم استنكارهم لضرب الأمثال بالأشياء المحقرة أن يكون ذلك، لكونه قادحا في الفصاحة والإعجاز.
والحياء: تغيّر وانكسار، يعتري الإنسان من تخوّف ما يعاب به ويذمّ، كذا في «الكشاف»، وتبعه الرازي في «مفاتيح الغيب». وقال القرطبي: أصل الاستحياء: الانقباض عن الشيء، والامتناع منه خوفا من مواقعة القبيح، وهذا محال على الله تعالى. وقد اختلفوا في تأويل ما في هذه الآية من ذكر الحياء، فقيل: ساغ ذلك لكونه واقعا في الكلام المحكي عن الكفّار، وقيل: هو من باب المشاكلة، وقيل: هو جار على سبيل التمثيل. قال في «الكشاف»: مثّل تركه تخييب العبد، وأنّه لا يردّ يديه صفرا من عطائه لكرمه، بترك من يترك ردّ المحتاج إليه حياء منه. اه.
والمعنى: أنّ الله لا يترك ضرب المثل بالبعوضة، ترك من يستحيي أن يمثل بها لحقارتها. وما (٢) الأمثال إلّا إبراز للمعاني المقصودة في قالب الأشياء
(٢) المراغي.
والناس إزاء هذا فريقان: مؤمنون يقولون: إنّ الله خالق الأشياء حقيرها وعظيمها، فالكلّ لديه سواء، وكافرون يستهزؤن بالأمثال احتقارا لها، فحقت عليهم كلمة ربّهم، فأصبحوا من الخاسرين.
فمحلّ ﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾؛ أي: يذكر. نصب (١) على المفعولية؛ أي: إنّ الله لا يترك أن يذكر مثلا وشبها لآلهتهم، وما في قوله: ﴿ما بَعُوضَةً﴾ اسمية إبهامية؛ أي: موجبة لإبهام ما دخلت عليه؛ أي: تزيد ما تقارنه من الاسم المنكّر إبهاما وشيوعا، حتى يكون أعمّ مما كان عليه أوّلا، وأكثر شيوعا في أفراده، فكأنّه قيل: يضرب مثلا ما من الأمثال أيّ مثل كان، فهي في موضع نصب، صفة لما قبلها، و ﴿بَعُوضَةً﴾ بدل من ﴿مَثَلًا﴾. ﴿فَما فَوْقَها﴾ معطوف على بعوضة؛ أي: إنّ الله لا يترك أن يذكر مثلا وشبها لآلهتهم أيّ مثل كان، ولا يترك أن يذكر بعوضة، فيذكر الذي هو أزيد منها في الكبر، كالذباب والعنكبوت، أو يذكر ما دونها في الصغر، كالذرّة، وجناح بعوضة. قيل: إنّه من الأضداد، ويطلق على الأعلى والأدنى. وقيل: أن يضرب بمعنى: يجعل، فتكون. ﴿بَعُوضَةً﴾ المفعول الثاني، كما سيأتي.
فإن قلت (٢): مثّل الله آلهتهم ببيت العنكبوت وبالذباب، فأين تمثيلها بالبعوضة فما دونها؟
قلت: في هذه الآية كأنّه قال: إنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثل آلهتكم بالبعوضة فما دونها، فما ظنّكم بالعنكبوت والذباب؟.
والبعوضة: فعولة من بعض إذا قطع. يقال: بعض وبضع بمعنى، والبعوض: الناموس، والواحدة: بعوضة. قال الربيع بن أنس: ضرب المثل
(٢) روح البيان.
قال بعضهم: (١) إنّ الله تعالى قوّى قلوب ضعفاء الناس بذكر ضعفاء الأجناس، وعرّف الخلق قدرته في خلق الضعفاء على هيئات الأقوياء، فإنّ البعوض على صغره بهيئة الفيل على كبره، وفي البعوض زيادة جناحين، فلا يستبعد من كرمه، أن يعطي على قليل العمل ما يعطي على كثير العمل من الخلق، كما أعطى صغير الجثة ما أعطى كبير الجثة من الخلقة، ومن العجب أنّ هذا الصغير يؤذي هذا الكبير، فلا يمتنع منه.
ومن لطف الله تعالى: أنّه خلق الأسد بغاية القوة، والبعوض والذباب بغاية الضعف، ثمّ أعطى البعوض والذباب جراءة أظهرها في طيرانهما في وجوه الناس، وتماديهما في ذلك مع مبالغة الناس في ذبّهما بالمذبّة، وركّب الجبن في الأسد، وأظهر ذلك
بتباعده عن مساكن الناس وطرقهم، ولو تجاسر الأسد تجاسر الذباب والبعوض لهلك الناس. فمنّ الله تعالى، وجعل في الضعيف التجاسر، وفي القوي الجبن، ومن العجب عجزك عن هذا الضعيف، وقدرتك على ذلك الكبير.
وتقدّم لك أنّ المراد بالبعوض هنا: الناموس، وهو من عجيب خلق الله تعالى، فإنّه في غاية الصغر، وله ستّة أرجل، وأربعة أجنحة، وذنب، وخرطوم
قال القشيري - رحمه الله تعالى - (١): الخلق في التحقيق بالإضافة إلى قدرة الخالق، أقلّ من ذرّة من الهباء في الهواء، وسيّان في قدرته العرش والبعوضة، فلا خلق العرش عليه أعسر، ولا خلق البعوضة عليه أيسر، سبحانه وتقدّس عن لحوق العسر واليسر. انتهى.
أي: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿لا يَسْتَحْيِي﴾ ولا يترك ﴿أَنْ يَضْرِبَ﴾ ويذكر، ويبيّن للخلق ﴿مَثَلًا ما﴾؛ أي: شبها ما أيّ مثل كان ﴿بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾؛ أي: فوق البعوضة في الذات والكبر، كالذباب والعنكبوت، أو فوقها في الغرض المقصود من التمثيل، كجناح البعوضة، أو دونها في الذات، كالذرة صغار النمل، وكيف يستحيي الله سبحانه من ذكر شيء، لو اجتمع الخلائق كلّهم على تخليقه ما قدروا عليه.
والمعنى: أنّ الله تعالى، لا يترك ضرب المثل ببعوضة فما فوقها، إذا علم أنّ فيه عبرة لمن اعتبر، وحجة على من جحد. والخلاصة: أي: إنّ الله جلّت قدرته، لا يرى من النقص أن يضرب المثل بالبعوضة فما دونها، لأنّه هو الخالق لكلّ شيء جليلا كان أو حقيرا.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿يَسْتَحْيِي﴾ بياءين، والماضي استحيا، وهي لغة أهل الحجاز، واستفعل هنا جاء للإغناء عن الثلاثي المجرد، كاستنكف، واستأثر، واستبدّ، واستعبر، وهو من المعاني التي جاء لها استفعل. قال الزمخشري: يقال: حيي الرجل من الحياء، كما يقال: نسي، وخشي، فيكون استحيا على ذلك موافقا للمجرّد. وقرأ ابن كثير في رواية شبل، وابن محيصن، ويعقوب ﴿يستحي﴾ بياء واحدة، وهي لغة بني تميم، وبكر بن وائل، يجرونها مجرى
(٢) البحر المحيط.
| ألا تستحي منّا ملوك وتتقي | محارمنا لا يبوء الدّم بالدم |
| إذا ما استحين الماء يعرض نفسه | كرعن بستّ في إناء من الورد |
وقرأ الجمهور (١): بنصب ﴿بَعُوضَةً﴾، واختلف في توجيه النصب على أوجه:
أحدهما: أن تكون صفة لـ ﴿ما﴾، إذا جعلنا ﴿ما﴾ بدلا من ﴿مَثَلًا﴾، و ﴿مَثَلًا﴾ مفعول ﴿يَضْرِبَ﴾.
والثاني: أن تكون ﴿بَعُوضَةً﴾ عطف بيان، و ﴿مَثَلًا﴾ مفعول ﴿يَضْرِبَ﴾.
والثالث: أن تكون بدلا من ﴿مَثَلًا﴾.
والرابع: أن تكون مفعولا لـ ﴿يَضْرِبَ﴾، وانتصب ﴿مَثَلًا﴾ حالا من النكرة مقدّمة عليها.
والخامس: أن تكون مفعولا لـ ﴿يَضْرِبَ﴾ ثانيا، والأول هو ﴿مَثَلًا﴾ على أنّ ﴿يَضْرِبَ﴾ بمعنى يجعل يتعدّى لاثنين.
والسادس: أن تكون مفعولا أوّل لـ ﴿يَضْرِبَ﴾، و ﴿مَثَلًا﴾ المفعول الثاني.
والسابع: أن تكون منصوبا على تقدير إسقاط الجار، والمعنى: أن يضرب
وقرأ الضحاك (١)، وإبراهيم بن أبي عبلة، ورؤبة بن العجاج، وقطرب ﴿بَعُوضَةً﴾ بالرفع، وهي لغة تميم. قال أبو الفتح: وجه ذلك: أنّ ﴿ما﴾ اسم بمنزلة الذي و ﴿بَعُوضَةً﴾ رفع على إضمار المبتدأ، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ استفهامية في محلّ الرفع بالابتداء، و ﴿بَعُوضَةً﴾ وما بعدها خبرها، وقيل غير ذلك.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدّقوا بالقرآن، وبما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم، وهو محمد وأصحابه. والفاء؛ للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما يدل عليه ما قبلها، كأنّه قيل: فيضربه فأما الذين آمنوا ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾؛ أي: أنّ ضرب المثل بالبعوضة والذباب هو الأمر الْحَقُّ الثابت الذي لا يسوغ إنكاره حال كونه ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ لا من محمد، فلا يسوغ إنكاره؛ لأنّه ليس عبثا، بل هو مشتمل على الحكم والفوائد، فيؤمنون به. والجار والمجرور (٢) حال من الضمير المستكن في ﴿الْحَقُّ﴾، أو من الضمير العائد إلى المثل؛ أي: كائنا منه تعالى، فيتفكرون في هذا المثل الحقّ، ويوقنون أنّ الله هو خالق الكبير والصغير، وكلّ ذلك في قدرته سواء، فيؤمنون به.
والمعنى: أي (٣) فالمؤمنون يقولون: ما ضرب الله هذا المثل إلّا لحكم ومصالح اقتضت ضربه لها، وهي تقرير الحقّ، والأخذ به، فهو إنّما يضرب لإيضاح المبهم بجعل المعقولات تلبس ثوب المحسوسات، أو تفصيل المجمل لبسطه وإيضاحه.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجحدوا بما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم وهم اليهود والمشركون، ﴿فـ﴾ يتعجّبون من ذلك المثل، و ﴿يقولون﴾ إنكارا له: ﴿ماذا﴾؛
(٢) روح البيان.
(٣) المراغي.
قال في «الروح» (١): الأصل: ماذا أراد الله بهذا المثل؟ فلما حذف الألف واللام نصب على الحال؛ أي: ماذا أراد الله بهذا حال كونه ممثّلا به، أو على التمييز؛ أي: من جهة كونه مثلا.
والمعنى (٢): وأمّا الذين كفروا، وهم اليهود والمشركون، وكانوا يجادلون بعد أن استبانت الحجة، وحصحص الحقّ، ويقولون: ماذا أراد الله بهذه المثل الحقيرة التي فيها الذباب والعنكبوت، ولو أنصفوا لعرفوا وجه الحكمة في ذلك، وما أعرضوا، وانصرفوا ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾.
فأجابهم الله تعالى، ردّا عليهم بقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ﴾؛ أي: يخذل بهذا المثل والإضلال: هو الصرف عن الحقّ إلى الباطل، وإسناد الإضلال؛ أي: خلق الضلال إليه سبحانه، مبنيّ على أنّ جميع الأشياء مخلوقة له تعالى، وإن كانت أفعال العباد مستندة إليهم من حيث الكسب؛ أي: أراد الله بهذا المثل أن يضلّ به ﴿كَثِيرًا﴾ من أهل الكفر والنفاق؛ وذلك. لأنّهم ينكرونه، ويكذّبونه، فيزيدون بإنكاره ضلالا على ضلالهم الأول. ﴿وَيَهْدِي بِهِ﴾؛ أي: بهذا المثل ﴿كَثِيرًا﴾ من أهل الإيمان والإخلاص؛ لأنّهم يعرفون، ويصدّقون به، فيزيدون به إيمانا على إيمانهم. يعني: (٣) يضلّ به من علم منهم أنّه يختار الضلالة، ويهدي به من علم أنّه يختار الهدى.
(٢) المراغي.
(٣) روح البيان.
وقد جعل الله سبحانه، المهتدين في الكثرة كالضالين مع أنّ هؤلاء أكثر، كما قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾. إشارة إلى أنّ المؤمنين المهتدين على قلّتهم، أكثر نفعا وأجل فائدة من أولئك الكفرة الفاسقين، وما أحسن قول بعضهم:
| إنّ الكرام كثير في البلاد وإن | قلّوا كما غيرهم قلّ وإن كثروا |
قلت: أهل الهدى كثير في أنفسهم، وحين يوصفون بالقلّة إنّما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال، وأيضا: فإنّ القليل من المهديّين كثير في الحقيقة، وإن قلّوا في الصورة؛ لأنّ هؤلاء على الحقّ، وهم على الباطل. وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: (السواد الأعظم هو الواحد على الحقّ).
ثمّ أكمل الجواب، وزاد في البيان، فقال: ﴿وَما يُضِلُّ﴾ الله سبحانه ﴿بِهِ﴾؛ أي: بهذا المثل؛ أي: لا يخذل، ولا يذلّ بهذا المثل وتكذيبه ﴿إِلَّا الْفاسِقِينَ﴾؛ أي: إلّا الخارجين عن حدّ الإيمان والإخلاص إلى الكفر والنفاق، كاليهود والمنافقين.
أي: (٣) وما يضلّ بضرب المثل إلّا الذين خرجوا عن سنّة الله في خلقه،
(٢) روح البيان.
(٣) المراغي.
والفسق في اللغة (١): الخروج، وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله بارتكاب الكبيرة التي من جملتها الإصرار على الصغيرة، وله طبقات ثلاث:
الأولى: التغابي، وهو ارتكابها أحيانا مستقبحا لها.
والثانية: الانهماك في تعاطيها.
والثالثة: المثابرة عليها مع جحود قبحها، وهذه الطبقة من مراتب الكفر، فما لم يبلغها الفاسق لا يسلب عنه اسم المؤمن، لاتصافه بالتصديق الذي يدور عليه الإيمان.
٢٧ - ثمّ زاد في ذمّ الفاسقين بذكر أوصاف مستقبحة لهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ أي: يخالفون، ويتركون أمر الله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾؛ أي: من بعد توثيق ذلك العهد، وتوكيده بالقبول. فالضمير للعهد، أو من بعد توثيق الله سبحانه ذلك العهد، بإنزال الكتب وإرسال الرسل، فالضمير إلى الله. فالمراد بالميثاق هنا: نفس المصدر لا نفس العهد.
أي: الذين يخالفون أمر الله ووصيّته في الكتب المتقدمة، بالإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم من بعد ميثاقه وتوكيده عليهم، وإيجاب وفائه عليهم المذكور في آية ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾ الآية.
وقيل (٢): المراد بالعهد: هو الحجة القائمة على عباده الدالّة على وجوب
(٢) العمدة.
قيل (١): عهد الله ثلاثة:
الأول: ما أخذه على ذرّيّة آدم - عليه السلام - بأنّ يقرّوا بربوبيته تعالى.
والثاني: ما أخذه على الأنبياء - عليهم السلام - أن أقيموا الدين، ولا تتفرّقوا فيه.
والثالث: ما أخذه على العلماء بأن يبيّنوا الحقّ، ولا يكتموه.
والنقض: الفسخ، وفكّ التركيب.
فإن قلت: من أين ساغ استعمال النقض في إبطال العهد؟ قلت: من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة، لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين.
وعبارة المراغي هنا: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾؛ أي: (٢) الذين يستعملون المواهب التي خلقها الله لعباده من عقل، ومشاعر، وحواس ترشدهم إلى النظر والاعتبار في غير ما خلقت له، حتى كأنّهم فقدوها، كما قال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾.
وهذا العهد الذي نقضوه هو العهد الفطريّ، وهناك عهد آخر جاءت به الشرائع، وهو العهد الدينيّ، وقد وثّق الله الأول بجعل العقول قابلة لإدراك السنن الإلهيّة التي في الكون، كما وثّق الثاني، بما أيّد به الأنبياء من الحجج والبراهين الدالة على صدقهم، فمن أنكر بعثة الرسل، ولم يهتد بهديهم، فهو ناقض لعهد الله، فاسق عن سننه في إبلاغ القوى البشريّة والنفسيّة حدّ الكمال الإنسانيّ الممكن لها.
(٢) المراغي.
﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ محلّ ﴿أَنْ يُوصَلَ﴾ الجرّ على أنّه بدل من الهاء في ﴿بِهِ﴾ العائد إلى ﴿ما﴾ الموصولة؛ أي: (٢) يقطعون ما أمر الله بوصله، من الأرحام والقرابات الدينية والنسبية. وذلك أنّ قريشا قطعوا رحم النبي صلّى الله عليه وسلّم بالمعاداة، والله أمرهم أن يصلوا حبلهم بحبل المؤمنين، فهم انقطعوا عن المؤمنين، واتصلوا بالكفّار. فلفظ (٣) القطع عامّ في كلّ قطيعة لا يرضى الله بها، كقطع الرحم، وقطع موالاة المؤمنين، والتفرقة بين الأنبياء عليهم السلام والكتب السماوية في التصديق، وترك الجماعات المفروضة، وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شرّ، فإنّه يقطع ما بين الله تعالى وبين العبد، من الوصلة التي هي المقصودة بالذات من كلّ وصل وفصل.
وفي الحديث: «إذا أظهر الناس العلم، وضيّعوا العمل به، وتحابّوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا الأرحام لعنهم الله عند ذلك، فأصمّهم وأعمى أبصارهم». وروي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «ثلاثة في ظلّ عرش الله يوم القيامة:
امرأة مات عنها زوجها، وترك عليها يتامى صغارا، فخطبت فلم تتزوج، وقالت:
(٢) العمدة.
(٣) روح البيان.
﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي، والفتن، وتعويق الناس من الإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وبالقرآن، والاستهزاء بالحقّ، وقطع الصلة التي عليها يدور فلك نظام العالم، وصلاحه. ﴿أُولئِكَ﴾ الموصوفون بنقض العهد وبما بعده ﴿هُمُ الْخاسِرُونَ﴾؛ أي: المغبونون بفوات المثوبة والجنة لهم، والمصير إلى العقوبة والنار المؤبّدة عليهم؛ لأنّهم استبدلوا الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة، فصاروا إلى النار المؤبّدة؛ لأنّهم استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل والفساد بالصلاح.
وروي: أنّه ليس من مؤمن ولا كافر إلّا وله منزل، وأهل، وخدم في الجنة، فإن أطاع الله تعالى أعطي أهله، وخدمه، ومنزله في الجنة، وإن عصاه ورّثه الله المؤمن فقد غبن عن أهله، وخدمه، ومنزله.
٢٨ - ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ كيف (١) نصب حالا من الضمير في ﴿تَكْفُرُونَ﴾؛ أي: حالة كونكم معاندين تكفرون، وتجحدون ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أي: بوحدانية الله، ومعكم ما يصرفكم عن الكفر إلى الإيمان من الدلائل الأنفسيّة والآفاقية. والاستفهام في ﴿كَيْفَ﴾ إنكاري، لا بمعنى: إنكار الوقوع، بل بمعنى: إنكار الواقع واستبعاده، والتعجيب منه، والتوبيخ عليه؛ لأنّ التعجّب من الله يكون على وجه التعجيب، والتعجيب: هو أن يدعو إلى التعجب، وكأنّه يقول: ألا تتعجّبون أنّهم يكفرون الله، كما في «تفسير أبي الليث». وقال القاضي: هو استخبار، والمعنى: أخبروني على أيّ حال تكفرون.
﴿وَكُنْتُمْ أَمْواتًا﴾؛ أي: والحال أنكم كنتم أمواتا؛ أي: أجساما لا حياة
قال في «الكشاف»: فإن قلت: كيف قيل لهم: أموات حال كونهم جمادا، وإنما يقال: ميت فيما تصحّ منه الحياة من البنى؟ قلت: بل يقال ذلك لعادم الحياة لقوله تعالى: ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾.
﴿فَأَحْياكُمْ﴾ بخلق الأرواح، ونفخها فيكم في أرحام أمهاتكم، ثمّ في دنياكم. وهذا إلزام لهم بالبعث، والفاء (١) للدلالة على التعقيب، فإنّ الإحياء حاصل إثر كونهم أمواتا، وإن توارد عليهم في تلك الحالة أطوار مترتّبة بعضها متراخ عن بعض، كما أشير إليه آنفا.
ثمّ لما كان المقام في الدنيا قد يطول، جاء بثمّ الدالة على التراخي، فقال: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاء آجالكم، وكون الإماتة من دلائل القدرة ظاهر، وأمّا كونها من النعم، فلكونها وسيلة إلى الحياة الثانية التي هي الحيوان الأبدي والنعمة العظمى. ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للسؤال في القبور، فيحيى الميت حتى يسمع خفق نعالهم إذا ولّوا مدبرين، ويقال: من ربّك؟ ومن نبيّك؟ وما دينك؟. ودلّت ﴿ثُمَّ﴾ التي للتعقيب على سبيل التراخي على أنّه لم يرد به حياة البعث، فإنّ الحياة يومئذ يقارنها الرجوع إلى الله بالحساب والجزاء، وتتصل به من غير تراخ. فلا يناسب ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. ودلّت الآية على إثبات عذاب القبر وراحة القبر، كما في «التيسير». ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ بعد الحشر لا إلى غيره، فيجازيكم بأعمالكم إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، وإليه تنشرون من قبوركم للحساب، فما أعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه.
فإن قيل: إن علموا أنّهم كانوا أمواتا، فأحياهم ثمّ يميتهم، لم يعلموا أنّه يحييهم ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. قلت: تمكنهم من العلم بهما، لما نصب لهم من
وحاصل المعنى على هذا التفسير الذي قرّرناه: ﴿كُنْتُمْ أَمْواتًا﴾؛ أي: نطفا في أصلاب الرجال. ثُمَّ يُحْيِيكُمْ حياة الدنيا ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ بعد هذه الحياة ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ في القبور ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ في القبور ثُمَّ يُحْيِيكُمْ الحياة التي ليس بعدها موت. قال القرطبي: فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات، وثلاث إحياءات. وكونهم موتى في ظهر آدم، وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفا في أصلاب الرجال. فعلى هذا يجيء أربع موتات، وأربع إحياءات.
وقيل معنى الآية: (١) ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ وتجحدون أيّها العباد إنسكم وجنّكم ﴿بـ﴾ وحدانية ﴿الله﴾ سبحانه وتعالى، وتعبدون معه غيره، ﴿وَ﴾ الحال أنّه قد وجد فيكم ما يدلّ على وحدانية الله؛ لأنّكم ﴿كُنْتُمْ أَمْواتًا﴾؛ أي: أجساما لا حياة لها نطفا علقا ومضغا ﴿فَأَحْياكُمْ﴾ بنفخ الأرواح فيكم، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ في الدنيا بقبض أرواحكم عند انقضاء آجالكم، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ في الآخرة بالبعث والنشور. وقد ذهب إلى هذا جماعة من الصحابة، فمن بعدهم. قال ابن عطية: وهذا القول هو المراد بالآية، وهو الذي لا محيد للكفار عنه، وإذا أذعنت نفوس الكفار بكونهم كانوا معدومين، ثمّ أحياء في الدنيا، ثمّ أمواتا فيها لزمهم الإقرار بالحياة الأخرى.
وقال غيره: والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم حياة الدنيا.
﴿ثُمَّ﴾ بعد بعثكم ﴿إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى لقائه ﴿تُرْجَعُونَ﴾ وتردّون، فيجازيكم على أعمالكم إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ؛ أي: ثمّ إليه تنشرون من قبوركم للحساب.
وعبارة المراغي هنا: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: على (٢) أيّ حال
(٢) المراغي.
﴿وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ﴾؛ أي: والحال أنكم كنتم قبل هذه النشأة في الحياة الدنيا أمواتا، أجزاؤكم متفرّقة في الأرض بعض منها في الطبقات الجامدة، وأخرى في الطبقات السائلة، وقسم في الطبقات الغازية تشركون سائر أجزاء الحيوان والنبات في ذلك، ثمّ خلقكم في أحسن تقويم، وفضّلكم على غيركم بنعمة العقل، والإدراك، والفهم، وتسخير جميع الكائنات الأرضية لكم. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ حين انقضاء آجالكم بقبض الأرواح التي بها نظام حياتكم، وحينئذ تنحلّ أبدانكم، وتعود سيرتها الأولى، وتنبثّ في طبقات الأرض، وينعدم هذا الوجود الخاصّ الذي لها. ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ حياة أخرى أرقى من هذه الحياة، وأكمل لمن زكّى نفسه، وعمل صالحا، ودونها لمن أفسد فطرته والتدبّر في سنن الكون، وأنكر الإله والرسل، وفسق عن أمر ربّه. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للحساب والجزاء على ما قدمتم من عمل، إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ. انتهى.
وقرأ الجمهور (١): ﴿تُرْجَعُونَ﴾ مبنيا للمفعول من رجع المتعدي. وقرأ مجاهد، ويحيى بن يعمر، وابن أبي إسحاق، وابن محيصن، والفيّاض بن غزوان، وسلّام، ويعقوب ﴿تُرْجَعُونَ﴾ مبنيا للفاعل، حيث وقع في القرآن من رجع اللازم؛ لأنّ (رجع) يكون لازما ومتعديّا. وفي قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ من الترهيب والترغيب ما يزيد المسيء خشية، ويردّه عن بعض ما يرتكبه، ويزيد المحسن رغبة في الخبر، ويدعوه رجاؤه إلى الازدياد من الإحسان.
٢٩ - وبعد أن عدّد سبحانه آياته في الأنفس بذكر المبدأ والمنتهى، ذكر آياته في الآفاق الدالة على قدرته المحيطة بكلّ شيء، وعلى نعمه المتظاهرة على عباده بجعل ما في الأرض مهيّأ لهم ومعدّا لمنافعهم. فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾ هذا بيان نعمة أخرى؛ أي: (٢) قدّر خلقها لأجلكم ولانتفاعكم بها في دنياكم
(٢) روح البيان.
واستدلّ بعضهم بقوله: ﴿ما فِي الْأَرْضِ﴾ على تحريم أكل الطين، قال: لأنّه خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض، ذكره في «البحر».
﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ﴾؛ أي: قصد إليها؛ أي: إلى خلقها بإرادته ومشيئته قصدا سويّا بلا صارف يلويه ولا عاطف يثنيه من إرادة شيء آخر في تضاعيف خلقها، أو غير ذلك. وسيأتي في مبحث الفائدة البسط في معنى الاستواء.
ولا تناقض بين هذا وبين قوله (١): ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾؛ لأنّ - الدّحو هو البسط. وعن الحسن: (خلق الله الأرض في موضع بيت المقدس، كهيئة الفهر - أي: الحجر ملء الكفّ - عليها دخان يلتزق بها، ثمّ أصعد الدخان وخلق منه السموات، وأمسك الفهر في موضعه ثمّ بسط منه الأرض)، كذا في «الكواشي».
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: (أوّل ما خلق الله جوهرة طولها وعرضها مسيرة ألف سنة في مسيرة عشرة آلاف سنة، فنظر إليها بالهيبة، فذابت، واضطربت، ثمّ ثار منها دخان، فارتفع واجتمع زبد، فقام فوق الماء، فجعل
وقرأ أهل الحجاز ﴿اسْتَوى﴾ بالفتح، وأهل نجد بالإمالة، وقرىء في السبعة بهما.
﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾؛ أي: أتمّهنّ، وقوّمهنّ، وخلقهنّ ابتداء مصونات عن العوج والفطور؛ لأنّه سوّاهنّ بعد أن لم يكن كذلك. والضمير فيه مبهم، فسّر بقوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ فهو منصوب على أنّه تمييز، نحو: ربّه رجلا. وفي هذا تصريح بأنّ السموات سبع، وأمّا الأرض فلم يأت في ذكر عددها، إلّا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾.
قال سلمان: (هي سبع. اسم الأولى: رفيع، وهي من زمرّد خضراء، واسم الثانية: أرفلون، وهي من فضة بيضاء، والثالثة: قيدوم، وهي من ياقوتة حمراء، والرابعة: ماعون، وهي من درّة بيضاء، والخامسة: دبقاء، وهي من ذهب أحمر، والسادسة: وفناء، وهي من ياقوتة صفراء، والسابعة: عروباء، وهي من نور يتلألأ).
﴿وَهُوَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تعليل لما قبله، كأنّه قال: ولكونه عالما بكنه الأشياء كلّها، خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الأنفع، واستدلال بأنّ من كان فعله على هذا النسق العجيب والترتيب الأنيق كان عليما، فإنّ إتقان الأفعال وإحكامها، وتخصيصها بالوجه الأحسن الأنفع لا يتصور إلّا من عالم حكيم رحيم. وإزاحة لما يختلج في صدورهم، من أنّ الأبدان بعد ما تفتّتت وتكسرت وتبدّدت أجزاءها، واتصلت بما يشاكلها كيف يجمع أجزاء كلّ بدن مرّة ثانية، بحيث لا يشذّ شيء منها، ولا ينضمّ إليها ما لم يكن معها، فيعاد منها كما كان.
وقرأ بتسكين ﴿وهو﴾ أبو عمرو والكسائي، وقالون. وقرأ الباقون بضمّ الهاء على الأصل. ووقف يعقوب على ﴿وهو﴾ بالهاء، نحو: وهوه، وتسكين الهاء في هو، وهي، بعد الواو والفاء واللام قراءة أبي عمرو والكسائي وقالون
وحاصل معنى الآية: ﴿هُوَ﴾؛ أي: (١) الإله الذي ثبتت وحدانيته، ووجبت عبادته هو الخالق ﴿الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾؛ أي: لأجل انتفاعكم في الدين والدنيا، بالاستدلال على موجدكم وإصلاح الأبدان ﴿ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾؛ أي: الأرض، وجميع ما فيها، بعضه للانتفاع وبعضه للاعتبار. ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾؛ أي: قصد، ووجّه إرادته بعد خلق الأرض ﴿إِلَى﴾ خلق طباق ﴿السَّماءِ﴾ ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾؛ أي: صيّرهنّ سبع طباق مستويات، لا شقوق فيها، ولا فطور، ولا تفاوت. ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من الموجودات ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: عالم به، إذ بالعلم يصحّ الفعل المحكم، فلا يمكن أن يكون خالقا للأرض وما فيها، وللسموات وما فيها من العجائب والغرائب، إلّا إذا كان عالما بها محيطا بجزئياتها
وكلّياتها، أفلا تعتبرون بأنّ القادر على خلق ذلك وهنّ أعظم منكم قادر على إعادتكم. بلى إنّه على كلّ شيء قدير.
والخلاصة: أنّ هذا النظام المحكم لا يكون إلّا من لدن حكيم عليم بما خلق، فلا عجب أن يرسل رسولا يوحي إليه بكتاب لهداية من يشاء من عباده، يضرب فيه الأمثال بما شاء من مخلوقاته جلّ أو حقر، عظم أو صغر.
فائدة: وفي معنى الاستواء هنا سبعة أقوال للعلماء (٢):
أحدها: أقبل وعمد إلى خلقها، وقصد من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر، قاله الفرّاء، واختاره الزمخشري.
وثانيها: علا، وارتفع من غير تكييف ولا تحديد، قاله الربيع بن أنس، والتقدير: علا أمره وسلطانه، واختاره ابن جرير.
(٢) البحر المحيط بتصرف.
| فلمّا علونا واستوينا عليهم | تركناهم صرعى لنسر وكاسر |
وخامسها: معناه: استوى بخلقه واختراعه إلى السماء، قاله ابن كيسان، ويؤول هذا المعنى إلى القول الأول.
وسادسها: معناه: كمّل صنعه فيها، كما تقول: استوى الأمر، وهذا ينبو اللفظ عن الدلالة عليه.
وسابعها: أنّ الضمير في ﴿اسْتَوى﴾ عائد على الدخان، وهذا بعيد جدّا، يبعده قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ﴾ واختلاف الضمائر وعوده على غير مذكور، ولا يفسّره سياق الكلام.
وهذه التأويلات كلّها فرار عما تقرّر في العقول، من أنّ الله تعالى يستحيل أن يتصف بالانتقال المعهود في غيره تعالى، وأن يحل فيه حادث، أو يحل هو في حادث، وسيأتي الكلام على الاستواء بالنسبة إلى العرش إن شاء الله تعالى، ذكره في «البحر».
والقول الأرجح الأسلم: أن يقال في تفسير الاستواء هنا: ثمّ استوى سبحانه وتعالى إلى السماء، وارتفع، وعلا استواء يليق به، نثبته ولا نعطله، نعتقده ولا نكيّفه، ولا نمثّله ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.
الإعراب
﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
﴿يا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء للمتوسط، ولم يقع النداء في القرآن بغيرها من
﴿خَلَقَكُمْ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الموصول، ومفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. ﴿وَالَّذِينَ﴾ اسم موصول للجمع المذكر في محل النصب، معطوف على الكاف من ﴿خَلَقَكُمْ﴾، مبني على الفتح، أو على الياء على الخلاف المذكور في محلّه؛ أي: وخلق الذين من قبلكم. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلّق بمحذوف صلة الموصول، تقديره: والذين مضوا من قبلكم. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لعلّ حرف نصب وترج، أو حرف نصب وتعليل بمعنى: كي، مبنيّ على الفتح، والكاف ضمير المخاطبين في محل النصب اسمها. ﴿تَتَّقُونَ﴾ فعل وفاعل مرفوع بثبات النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر لعلّ، تقديره: لعلكم متقون، ومفعول التقوى محذوف، تقديره: لعلّكم تتقونه، وجملة لعلّ من اسمها وخبرها لا محلّ لها من الإعراب؛ لأنّ موقعها مما قبلها موقع الجزاء من الشرط؛ لأنّه في تقدير: إن عبدتم ربّكم ترجى لكم التقوى. أو في محلّ النصب حال من فاعل ﴿اعْبُدُوا﴾، تقديره: يا أيها الناس اعبدوا ربّكم حالة كونكم راجين نيل التقوى. أو في محل الجر بلام التعليل المقدرة المتعلّقة باعبدوا تقديره: يا أيّها الناس اعبدوا ربّكم لوقاية أنفسكم من عذاب الله تعالى.
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً﴾.
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَأَنْزَلَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، معطوف على جعل ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ جار ومجرور متعلّق بأنزل ﴿ماءً﴾ مفعول به لأنزل ﴿فَأَخْرَجَ﴾ الفاء عاطفة سببية ﴿أخرج﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، معطوف على أنزل. ﴿بِهِ﴾ متعلّق بأخرج ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ جار ومجرور متعلّق بمحذوف حال من رزقا؛ لأنّه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿رِزْقًا﴾ مفعول به لأخرج ﴿لَكُمُ﴾ جار ومجرور متعلّق بمحذوف صفة ثانية لرزقا ﴿فَلا تَجْعَلُوا﴾ الفاء عاطفة تفريعية، أو فصيحية؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أنّه خالق السموات والأرض وخالق ما فيهما لكم، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم فأقول لكم: لا تجعلوا. ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿تَجْعَلُوا﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنّه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور متعلّق بمحذوف، مفعول ثان لجعل، مقدم على الأول وجوبا؛ لأنّ المفعول الأول نكرة ولم يوجد له مسوّغ إلا تقديم الجار والمجرور، ومعنى تجعلوا: لا تصيّروا، أو لا تسمّوا ﴿أَنْدادًا﴾ مفعول أول لتجعلوا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة اعبدوا ربكم، أو في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾.
﴿وَإِنْ﴾ الواو استئنافية ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه وحدّ الفعل: كن (كن) فعل ماض في محل الجزم بإن الشرطية على كونه فعل شرط لها، مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء ضمير لجماعة المخاطبين في محل الرفع اسمها، مبني على الضمّ، والميم: حرف دالّ على الجمع. ﴿فِي رَيْبٍ﴾ جار ومجرور، متعلّق بمحذوف خبر كان، تقديره: وإن كنتم كائنين في ريب.
فائدة: ولا تدخل ﴿إِنْ﴾ الشرطية على فعل ماض في المعنى، إلّا على كان؛ لكثرة استعمالها؛ ولأنّها لا تدلّ على حدث، ذكره أبو البقاء العكبري.
﴿مِمَّا﴾ من حرف جرّ، مبني بسكون على النون المدغمة في ميم ﴿ما﴾، و ﴿ما﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة، في محل الجرّ بمن، الجار والمجرور متعلّق بمحذوف صفة لريب، تقديره: في ريب كائن من الذي نزلناه، أو كائن في شيء نزلناه على عبدنا. ﴿نَزَّلْنا﴾ فعل وفاعل، صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: من الذي نزلناه، أو من شيء نزلناه. ﴿عَلى عَبْدِنا﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلّق بنزّلنا. ﴿فَأْتُوا﴾ الفاء رابطة لجواب إن الشرطية وجوبا: لكون الجواب جملة طلبية ﴿أتوا﴾ فعل أمر، مبني على حذف النون؛ لأنّه أمر من الأفعال الخمسة، والواو ضمير لجماعة المخاطبين، في محل الرفع فاعل، والألف تكتب للفرق، والجملة الفعليّة في محل الجزم بإن الشرطية على كونها جوابا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة مسوقة؛ للردّ على من ارتابوا في القرآن تعنّتا ولجاجا. ﴿بِسُورَةٍ﴾ جار ومجرور، متعلّق بأتوا، ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلّق بمحذوف صفة (لسورة) إن قلنا: إنّ الضمير عائد على القرآن، والمعنى على هذا يتناول عدة أمور:
٢ - فأتوا بسورة من مثله في غيبوبة أخباره، وأحاديثه عن الماضين، وتحدّثه عما سيكون.
٣ - فأتوا بسورة من مثله فيما انطوى عليه من أمر ونهي، ووعد وعيد، وبشارة وإنذار، وحكم وأمثال.
٤ - فأتوا بسورة من مثله في صدقه وصيانته من التحريف والتبديل.
الجار والمجرور متعلّق بأتوا إن قلنا: إنّ الضمير عائد على ﴿عَبْدِنا﴾، وفي معناه أيضا عدّة أمور:
(أ) فأتوا من مثل الرسول في كونه أمّيّا على الفطرة الأصلية، لا يقرأ ولا يكتب.
(ب) فأتوا من مثل الرسول في كونه لم يدارس العلماء، ولم يجالس الحكماء، ولم يتعاط أخبار الأولين، ولم يؤثر ذلك عنه بحال من الأحوال.
(ج) فأتوا من مثل الرسول؛ أي: من كلّ رجل، كما تحسبونه في زعمكم شاعر أو مجنون. وكلا المعنيين واضح صحيح.
﴿وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾.
﴿وَادْعُوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على (أتوا) ﴿شُهَداءَكُمْ﴾ مفعول به، ومضاف إليه، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلّق بمحذوف حال من شهدائكم، تقديره: حال كونهم منفردين عن الله، أو مغايرين لله، أو متعلّق بادعوا؛ أي: وادعوا من دون الله شهداءكم. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بإن الشرطية على كونه فعل شرط لها، والتاء ضمير المخاطبين في محل الرفع اسمها ﴿صادِقِينَ﴾ خبرها، منصوب بالياء، وجواب الشرط معلوم مما قبله، تقديره: فافعلوا ذلك، كذا قال السيوطي قال
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾.
﴿فَإِنْ﴾ (الفاء) استئنافية أو فصيحية؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما ذكرته لكم، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم فأقول: إن لم تفعلوا. ﴿إن﴾ حرف شرط جازم ﴿لَمْ﴾ حرف جزم وقلب ونفي ﴿تَفْعَلُوا﴾ فعل مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل الجزم بإن الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿وَلَنْ﴾ الواو اعتراضية ﴿لَنْ﴾ حرف نفي ونصب واستقبال ﴿تَفْعَلُوا﴾ فعل مضارع منصوب بلن، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين الشرط وجوابه، قصد بها تأكيد العجز. ﴿فَاتَّقُوا﴾ الفاء رابطة لجواب إن الشرطية وجوبا، ﴿اتقوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محلّ الجزم بإن الشرطية على كونها جوابا لها، وجملة إن الشرطية مستأنفة، أو في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿النَّارَ﴾ مفعول به منصوب ﴿الَّتِي﴾ اسم موصول في محل النصب، صفة للنار ﴿وَقُودُهَا﴾ مبتدأ ومضاف إليه ﴿النَّاسُ﴾ خبر المبتدأ ﴿وَالْحِجارَةُ﴾ معطوف على الناس، والجملة الإسمية صلة الموصول ﴿أُعِدَّتْ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، والتاء علامة تأنيث نائب الفاعل، ونائب فاعله ضمير مستتر يعود على النار ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ جار ومجرور متعلّق بأعدّت، والجملة الفعلية في محل النصب حال لازمة من النار، تقديرها: حالة كونها معدّة مهيّئة للكافرين، أو مستأنفة، كما قاله أبو حيان، وابن عطية.
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾.
﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد واو الفاعل، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ فعل وفاعل، ومفعول به، معطوف على ﴿آمَنُوا﴾.
﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.
﴿أَنَّ﴾ حرف نصب وتوكيد ومصدر ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم؛ لأنّ جَنَّاتٍ اسمها مؤخّر منصوب بالكسرة؛ لأنّه جمع مؤنّث سالم، وجملة ﴿أَنَّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض المتعلّق ببشّر، تقديره: وبشّر الذين آمنوا بكون جنات تجري من تحتها الأنهار لهم؛ لأنّ حذف الجار مع أنّ وأن مطرد، كما قال في «الخلاصة»:
| نقلا وفي أنّ وأن يطّرد | مع أمن لبس كعجبت أن يدوا |
{إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾ اسمها منصوب ﴿لا﴾ نافية ﴿يَسْتَحْيِي﴾ فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إنّ، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر ﴿يَضْرِبَ﴾ فعل مضارع منصوب بأن، وفاعله ضمير يعود على الله، وجملة ﴿يَضْرِبَ﴾ مع ﴿إِنَّ﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، إن كان ﴿يَسْتَحْيِي﴾ يتعدّى بنفسه؛ أي: إنّ الله لا يستحيي ضرب مثل، أو منصوب بنزع الخافض؛ أي: من ضرب مثل، إن كان غير متعدّ بنفسه و ﴿يَضْرِبَ﴾ إما بمعنى: يبيّن متعدّ لواحد ﴿مَثَلًا﴾ مفعول به ﴿ما﴾ اسم مبهم بمعنى: أيّ مثل في محل النصب صفة لمثلا، أو زائدة زيدت؛ لتأكيد الخسّة، ﴿بَعُوضَةً﴾ بدل من مثلا، بدل كلّ من كلّ ﴿فَما فَوْقَها﴾ الفاء عاطفة ﴿ما﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب، معطوفة على ﴿بَعُوضَةً﴾، ﴿فوق﴾ منصوب على الظرفية المكانية، وهو مضاف، والهاء مضاف إليه، والظرف متعلّق بمحذوف صلة لما، أو صفة لها، تقديره: فالذي استقرّ فوقها، أو فشيئا مستقرّا فوقها، وإما بمعنى: يجعل فمتعدّ لاثنين. ﴿مَثَلًا﴾ مفعول أول، و ﴿ما﴾ زائدة بَعُوضَةً مفعول ثان، فَما فَوْقَها معطوف عليه، ويحتمل كون بَعُوضَةً مفعولا أوّل مؤخرا، ومَثَلًا مفعولا ثانيا مقدّما للاهتمام به. وقرىء بَعُوضَةً بالرفع شاذا، كما مرّ، على أنّه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هو بعوضة، والجملة الإسمية في محل النصب صفة لـ ﴿مَثَلًا﴾، و ﴿ما﴾ زائدة، تقديرها: مثلا موصوفا بكونه بعوضة فما فوقها. ﴿فَأَمَّا﴾ الفاء فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنّ الله لا يستحيي من ضرب المثل، وأردت بيان فائدة ذلك المثل فأقول لك: أمّا. ﴿أما﴾ حرف شرط وتفصيل ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، صلة الموصول ﴿فَيَعْلَمُونَ﴾ الفاء رابطة لجواب ﴿أما﴾، واقعة في غير موضعها للثقل، لأنّ موضعها موضع ﴿أما﴾. ﴿يعلمون﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، تقديره: فأمّا الذين آمنوا فعالمون أنّه الحقّ، والجملة الاسمية جواب ﴿أَمَّا﴾ لا محلّ لها من الإعراب، وجملة ﴿أَمَّا﴾ في محل النصب مقول
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ﴾.
﴿وَأَمَّا﴾ الواو عاطفة ﴿أَمَّا﴾ حرف شرط وتفصيل ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول ﴿فَيَقُولُونَ﴾ الفاء رابطة لجواب ﴿أما﴾، وجملة ﴿يقولون﴾ خبر المبتدأ، تقديره: (وأمّا الذين كفروا فقائلون ماذا أراد الله بهذا مثلا). والجملة الإسمية جواب ﴿أَمَّا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿أَمَّا﴾ في محل النصب معطوفة على جملة أمّا الأولى ﴿ماذا﴾ ما: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ذا اسم موصول بمعنى: الذي، في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ليقولون ﴿أَرادَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لذا الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما الذي أراده الله، وإن شئت قلت: ﴿ماذا﴾ اسم استفهام مركب في محلّ النصب مفعول به مقدم وجوبا لأراد الله، وجملة ﴿أَرادَ اللَّهُ﴾ في محلّ النصب مقول ليقولون؛ أي: يقولون: أيّ شيء أراد الله بهذا مثلا. ﴿بِهذا﴾ جار ومجرور، متعلّق بأراد ﴿مَثَلًا﴾ تمييز ذات لاسم الإشارة، منصوب به، ﴿يُضِلُّ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر يعود على الله، ﴿بِهِ﴾ متعلّق بيضلّ، ﴿كَثِيرًا﴾ مفعول به، منصوب، والجملة الفعلية مستأنفة استئنافا بيانيا، جارية مجرى التفسير، والبيان للجملتين المصدّرتين بأمّا، وهي على هذا من كلام الله تعالى. وقيل: في محل النصب صفة لمثلا، تقديره: مثلا يفترق به الناس إلى ضالّين ومهتدين، وهي على هذا من كلام الكفار، وأجاز أبو البقاء أن تكون حالا من اسم الله؛ أي: مضلّا به كثيرا وهاديا به كثيرا. ﴿وَيَهْدِي﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، معطوف على يضلّ
﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محلّ نصب صفة للفاسقين ﴿يَنْقُضُونَ﴾ فعل وفاعل ﴿عَهْدَ اللَّهِ﴾ مفعول به، ومضاف إليه، والجملة صلة الموصول ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ جار ومجرور، متعلّق بينقضون ﴿مِيثاقِهِ﴾ مضاف إليه، والضمير إما عائد على الله، أو على العهد، كما مرّ. ﴿وَيَقْطَعُونَ﴾ فعل
وفاعل، معطوف على ﴿يَنْقُضُونَ﴾. ﴿ما﴾ اسم موصول في محلّ النصب مفعول به. ﴿أَمَرَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل ﴿بِهِ﴾ متعلّق بأمر، والجملة الفعلية صلة لما الموصولة. ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر ﴿يُوصَلَ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة منصوب بأن، ونائب فاعله ضمير مستتر يعود على ﴿ما﴾، والجملة الفعلية مع أن المصدرية، في تأويل مصدر مجرور على أنّه بدل من ضمير ﴿بِهِ﴾ بدل كلّ من كلّ؛ أي: ويقطعون ما أمر الله بوصله، أو مفعول لأجله، ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: كراهية وصله، أو لئلّا يوصل.
﴿وَيُفْسِدُونَ﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿وَيَقْطَعُونَ﴾، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلّق بيفسدون ﴿أُولئِكَ﴾ اسم إشارة في محل الرفع مبتدأ ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، أو حرف عماد لا محل له من الإعراب ﴿الْخاسِرُونَ﴾ خبر المبتدأ، ولك أن تعرب ﴿هُمُ﴾ مبتدأ. و ﴿الْخاسِرُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محلّ الرفع خبر ﴿أُولئِكَ﴾ وجملة ﴿أُولئِكَ﴾ مستأنفة.
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام للاستفهام التعجبي، في محل النصب على الحال من
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿خَلَقَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله ﴿لَكُمْ﴾ متعلّق بخلق، والجملة صلة الموصول ﴿ما﴾ اسم موصول في محلّ النصب مفعول خلق ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ جار ومجرور متعلّق بمحذوف صلة لما الموصولة، ﴿جَمِيعًا﴾ حال من المفعول الذي هو ما الموصولة، ولكنه في تأويل مشتقّ، تقديره: مجتمعين. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب مع تراخ ﴿اسْتَوى﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله ﴿إِلَى السَّماءِ﴾ متعلّق باستوى، والجملة معطوفة على جملة خلق، وعطف بثمّ؛ إشعارا بأنّ خلق السماء متأخر عن خلق الأرض بأعمال أخر، كجعل الجبال رواسي، وتقدير الأقوات فيها. ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ الفاء حرف عطف وتعقيب (سوّى) فعل ماض وفاعله ضمير مستتر يعود على الله، والهاء ضمير لجماعة الإناث الغائبات في محل النصب مفعول به
التصريف ومفردات اللغة
﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ والناس أصله: أناس، فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة، وعوّض عنها (أل)، فلا يجمع بينهما. اه. شيخنا. ﴿اعْبُدُوا﴾ والعبادة: خضوع ينشأ عن استشعار القلب بعظمة المعبود. ﴿رَبَّكُمُ﴾ والربّ: هو الذي يسوس من يربيه، ويدبر شؤونه. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وفي «السمين» ما نصه: وإذا ورد (لعلّ) في كلام الله تعالى فللناس فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنّ لعلّ على بابها من الترجي والإطماع، ولكنه بالنسبة إلى المخاطبين؛ أي: لعلكم تتقون على رجائكم وطمعكم. وقد نصّ على هذا التأويل سيبويه في «كتابه» في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾؛ أي: اذهبا على رجائكما، وكذا نصّ عليه الزمخشري في «كشافه».
والثاني: أنّها للتعليل؛ أي: اعبدوا ربّكم لكي تتقوا، وبه قال قطرب، واختاره الطبري في «تفسيره الكبير».
والثالث: أنّها للتعريض للشيء، كأنّه قيل افعلوا ذلك متعرّضين لأن تتقوا، نصّ عليه أبو البقاء، واختاره المهدوي في «تفسيره» الممتع. وهذه الجملة على كلّ قول متعلّقة من جهة المعنى باعبدوا؛ أي: اعبدوه على رجائكم التقوى، أو لتتقوا، أو متعرّضين للتقوى.
﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا﴾ والفراش: واحد الفرش، وفرش الشيء يفرشه بالضمّ فراشا إذا بسطه. ﴿وَالسَّماءَ بِناءً﴾ أصله: بناي بدليل قوله: بنيت بنيانا، فلما تطرّفت الياء بعد ألف زائدة قلبت همزة، وهذا مطّرد في كلّ واو أو ياء تطرّفتا بعد ألف زائدة. وفي «السمين»: والبناء مصدر بنيت، وإنّما قلبت الياء همزة؛ لتطرّفها بعد ألف زائدة، وقد يراد به المفعول. اه. وأصل معنى البناء:
وضع شيء على شيء آخر، بحيث يتكوّن من ذلك شيء بصورة خاصة، كوضع حجر على حجر ليتكوّن البيت. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ فيه إعلال بالقلب والإبدال. أصله: موه، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فصار ماه، فاجتمع حرفان ضعيفان: الألف والهاء، فأبدلت الهاء حرفا قويا وهو الهمزة؛ ليتقوى بها الضعيف، ودليل ذلك: أنه يصغر على مويه، أما جمعه على مياه، فلإبدال الواو ياء لانكسار ما قبلها، كما فعلوا في ديار إذ الأصل مواه ودوار، وقد جمع على الأصل فقيل: أمواه ﴿أَنْدادًا﴾ جمع ند بكسر النون وهو المثل، ولا يقال إلا للمثل المخالف المساوي قال جرير:
| أتيم تجعلون إليّ ندّا | وهل تيم لذي حسب نديد |
﴿فَأْتُوا﴾ أصله: ائتيوا أمر من أتى الثلاثي يائيّ اللام اتصل به واو الجماعة، فوزنه الأصلي افعلوا، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، ثم حذفت الياء لمّا سكّنت؛ لالتقاء الساكنين على حد قول ابن مالك في «الكافية»:
| إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق | وإن يكن لينا فحذفه استحق |
﴿بِسُورَةٍ﴾ السورة: الطائفة من القرآن التي أقلها ثلاث آيات، ومن معانيها: المرتبة الرفيعة، قال النابغة الذبياني:
| ألم تر أنّ الله أعطاك سورة | ترى كلّ ملك دونها يتذبذب |
﴿شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ والشهداء: جمع شهيد، كشرفاء جمع شريف، وعليم وعلماء، ولا يبعد أن يكون جمع شاهد، كشاعر وشعراء، وليس فعلاء مقيسا لباب فاعل، كما في «البحر» والشهيد الحاضر، أو الناصر، أو القائم بالشهادة، أو الإمام، وكأنه سمّي به؛ لأنه يحضر المجالس، وتبرم بمحضره الأمور ومعنى ﴿دُونِ﴾ أدنى مكان من الشيء، ومنه: تدوين الكتب؛ لأنه إدناء البعض من البعض، ودونك هذا؛ أي: خذه من أدنى مكان منك، ثم استعير للتفاوت في الرتب، فقيل: زيد دون عمرو؛ أي: في الشرف، ومنه: الشيء الدّون، ثم اتسع فيه، فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد، وتخطى أمر إلى أمر قال الله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين، وهي من الظروف المكانية الملازمة الحقيقية، أو المجازية، ولا يتصرف فيه بغير من، وتجىء دون صفة بمعنى: ردىء، يقال: ثوب دون؛ أي: ردىء. حكاه سيبويه في أحد قوليه. فعلى هذا يعرب بوجوه الإعراب ويكون مشتركا ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ والصدق يقابله الكذب وهو: مطابقة الخبر للمخبر عنه. ﴿فَاتَّقُوا﴾ أصله: اتقيوا، استثقلت الضمة على الياء التي هي لام الكلمة فحذفت، فالتقى ساكنان فحذفت الياء، ثم ضم ما قبلها؛ لمناسبة الواو ﴿وَقُودُهَا﴾ بفتح الواو وهو: ما توقد به النار من حطب، أو غيره. وأما بضمها فهو: مصدر وقد، وكذا يقال فيما جاء على هذا الوزن، كالوضوء والطّهور والسّحور، وهذه التفرقة على المشهور في أن المفتوح: اسم للآلة والمضموم مصدر، وبعضهم قال: كل من الضم والفتح يجري في الآلة
﴿وَالْحِجارَةُ﴾ جمع الحجر، والتاء فيها لتأكيد تأنيث الجمع، كالفحولة.
﴿أُعِدَّتْ﴾ أصله: أعددت، نقلت حركة الدال الأولى إلى العين، فسكّنت فأدغمت في الدال الثانية.
﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ أصل الكلمة: أتيوا بوزن فعلوا بالبناء للمجهول، استثقلت الضمة على الياء فحذفت فسكنت الياء فحذفت لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة التي أسند إليها الفعل، فوزنه الأصلي فعلوا، ووزنه الحاليّ فعوا؟
﴿وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ﴾ جمع زوج، والزوج: ما يكون معه آخر، فيقال: زوج للرجل والمرأة، وأمّا زوجة بالتاء فقليل. ونقل الفراء أنها لغة تميم، والزوج أيضا: الصنف والتثنية زوجان.
﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ والطهارة النظافة، والفعل منها: طهر بالفتح من باب قتل، ويقل الضم من باب قرب، واسم الفاعل: طاهر فهو مقيس على الفتح شاذ على الضم، كخاثر، وحامض من خثر اللبن، وحمض بضم العين. اه. «سمين». ﴿وَهُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ والمراد بالخلود هنا: الدوام لما يشهد له من الآيات والأحاديث، وأصله: ثبات طويل المدة دام أو لم يدم، ولذا يوصف بالأبدية. اهـ. كرخي.
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي﴾ بياءين أولاهما عين الكلمة، والثانية لامها والحاء فاؤها، وفي «السمين»: واستفعل هنا للإغناء عن الثلاثي المجرد؛ أي: إنه موافق له، فإنه قد ورد حيي واستحيا بمعنى واحد، والمشهور استحيا يستحيي فهو مستحي ومستحي منه من غير حذف، وقد جاء استحى يستحي فهو مستح، مثل: استقى يستقي، وقد قرىء به كما مر، واختلف في المحذوف، فقيل: عين الكلمة فوزنه يستفل، وقيل: لامها فوزنه يستفع، ثم نقلت حركة اللام على القول الأول، وحركة العين على القول الثاني إلى الفاء وهي الحاء. والحياء لغة: تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، أو يذم عليه، واشتقاقه من الحياة؛ ومعناه على ما قاله الزمخشري: نقصت حياته واعتلت مجازا واستعماله هنا في حق الله
يريد، وسقطت في المصدر؛ لاجتماعها مع ألف الإفعال على أن المحذوف هي لا ألف الإفعال، أما على مقتضى قول ابن مالك:
وألف الإفعال واستفعال أزل.
فلم تحذف في المصدر، والهاء عوض عن المحذوفة منهما ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ أصله: يضلل بوزن يفعل، فنقلت حركة اللام الأولى إلى الضاد، فسكنت فأدغمت في اللام الثانية ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ أصله: يهدي بوزن يفعل، سكنت الياء؛ لوقوعها إثر كسرة، فصارت حرف مد ﴿إِلَّا الْفاسِقِينَ﴾؛ أي:
الخارجين عن طاعة الله تعالى، وفي «المصباح»: فسق فسوقا من باب قعد خرج عن الطاعة، والاسم: الفسق، وفسق يفسق بالكسر من باب جلس. لغة حكاها الأخفش، فهو فاسق، والجمع فساق وفسقة. اهـ.
﴿مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ أصل ميثاق: موثاق من الموثق بوزن مفعال، قلبت الواو ياء؛ لسكونها إثر كسرة. ﴿هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ جمع. خاسر، والخاسر: من خسر أحد أمور ثلاثة المال، والبدن، والعقل، وهؤلاء من الثالث. اه. كرخي.
وفي «القاموس»: خسر، كفرح وضرب، خسرا وخسرا، وخسرا، وخسرا وخسرانا، وخسارة، وخسارا: ضلّ، فهو خاسر، وخسير، وخسر التاجر إذا غبن في تجارته، والخسر: النقص، كالإخسار والخسران. اه.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة، وأنواعا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: ذكر عنوان الربوبية في قوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ مع إضافته إلى المخاطبين؛ للتفخيم والتعظيم.
ومنها: المقابلة اللطيفة في قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً﴾ فقد قابل بين الأرض والسماء، والفراش والبناء.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿عَلى عَبْدِنا﴾؛ لأنه أشرف أسمائه صلّى الله عليه وسلّم.
ومنها: الالتفات من الغيبة في قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا﴾ الخ.
إلى التكلم في قوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ لما فيه من التفخيم للمنزّل والمنزل عليه، ما لا يؤدّيه ضمير غائب لو قال مما نزل على عبده، لا سيما كونه أتى بـ (نا) المشعرة بالتعظيم التام، وتفخيم الأمر، ونظيره ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا﴾.
ومنها: تنكير السورة؛ لإرادة العموم والشمول.
ومنها: الجملة الاعتراضية في قوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾؛ لبيان التحدي في الماضي والمستقبل، وبيان العجز التام في جميع العصور
والأزمان، ومن أمثلة الاعتراض، قول عوف بن محلّم الخزاعيّ:
| إنّ الثمانين قد بلّغتها | قد أحوجت سمعي إلى ترجمان |
ومنها: إيجاز القصر في قوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ والإيجاز: هو جمع المعاني الكثيرة تحت اللفظ القليل، مع الإبانة والإفصاح؛ لأن المعنى: فإن عجزتم عن الإتيان بما ذكر في الحال، والمستقبل، والماضي، فخافوا نار جهنم بتصديقكم بالقرآن.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ والعلاقة المحلية، هذا إذا كان النهر مجرى الماء، كما قال بعض علماء اللغة، أما إذا كان بمعنى الماء في المجرى، فلا مجاز فيه.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ﴾ وسمي بليغا؛ لأنّ أداة التشبيه فيه محذوفة، فساوى طرفا التشبيه في المرتبة.
ومنها: وصف الأزواج بمطهرة في قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ ولم يقل: طاهرة أو متطهرة؛ للإشعار بأنّ لهن مطهّرا طهرهن، وما هو إلا الله سبحانه وتعالى.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي﴾ من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. المعنى: إن الله لا يترك أن يبين مثلا، فعبّر بالحياء عن الترك؛ لأنّ الترك من ثمرات الحياء، ومن استحيا من فعل شيء تركه، كما أفاده الزمخشري.
ومنها: زيادة ما في قوله: ﴿مَثَلًا ما بَعُوضَةً﴾ لتأكيد خسة الممثّل به وهو البعوض، وغيره، والمراد بقولنا: زيادة ما؛ لتأكيد الخسة رفع ما يقال، إن القرآن مصون عن الحشو والزائد حشو. وعبارة ابن السبكي: ولا يجوز ورود ما لا معنى له في الكتاب والسنة، خلافا للحشوية، ومحصل جوابه: أنّ زيادتها لفائدة، وهي التأكيد، فليست حشوا محضا. وعبارة البيضاوي: ولا نعني بالمزيد اللغو الضائع، فإن القرآن كله هدى وبيان، بل مرادنا بالمزيد، هو الذي لم يوضع لمعنى يراد منه، وإنما وضع ليذكر مع غيره فيفيد الكلام وثاقة وقوّة، وهو زيادة في الهدى غير قادح فيه. انتهت. أفاده في «الفتوحات».
ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ حيث شبه العهد بالحبل، وحذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو النقض، على سبيل الاستعارة المكنية، لأنه إحدى حالتي الحبل، وهما النقض والإبرام.
ومنها: الإلتفات من الغيبة في قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الخ. إلى الخطاب في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ لغرض التوبيخ، والتقريع، والتعجيب.
ومنها: الطباق بين قوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ وقوله: ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾، وبين ﴿يَقْطَعُونَ﴾ و ﴿يُوصَلَ﴾.
ومنها: تقديم الإضلال فيهما على الهداية، ليكون أول ما يقرع أسماعهم من الجواب، أمرا فظيعا يسوؤهم ويفتت أكبادهم.
ومنها: إيثار صيغة الاستقبال فيهما؛ إيذانا بالتجدد والاستمرار. اه. «أبو السعود».
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
{وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩)}.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أن الله سبحانه وتعالى، لما امتنّ على العباد بنعمة الخلق والإيجاد، وأنه سخرّ لهم ما في الأرض جميعا، أتبع ذلك بذكر بدء خلقهم، وامتنّ عليهم بتشريف أبيهم وتكريمه، بجعله خليفة في الأرض، وإسكانه دار الكرامة، وأمر الملائكة بالسجود له؛ تعظيما لشأنه، ولا شك أن الإحسان إلى الأصل إحسان إلى الفرع، والنعمة على الآباء نعمة على الأبناء.
فائدة: والحكمة في إخبار الله تعالى للملائكة، عن خلق آدم واستخلافه في الأرض؛ تعليم لعباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها.
وفي «المراح» روى الضحاك عن ابن عباس: أنه تعالى إنما (٤) قال هذا القول، للملائكة الذين كانوا في الأرض محاربين مع إبليس، لأن الله تعالى لما أسكن الجن الأرض فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضا، بعث الله إبليس مع جند من الملائكة، فقتلهم إبليس مع عسكره حتى أخرجوهم من الأرض، وألحقوهم بجزائر البحر، وهؤلاء خزّان الجنان، أنزلهم الله تعالى من السماء إلى الأرض؛ لطرد الجن إلى الجزائر والجبال، وسكنوا الأرض، فخفف الله عنهم العبادة، وكان إبليس يعبد الله، تارة في الأرض، وتارة في السماء، وتارة في الجنة، فدخله العجب، فقال في نفسه: ما أعطاني الله هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه، فقال تعالى له ولجنده هذا الكلام.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها:
(٢) شهيل.
(٣) ابن جرير.
(٤) المراح.
قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى، لما شرف آدم برتبة العلم بإسجاد الملائكة له، امتّن عليه بأن أسكنه الجنة التي هي دار النعيم وأباح له جميع ما فيها إلا الشجرة، على ما سيأتي فيها إن شاء الله تعالى. ذكره في «البحر».
التفسير وأوجه القراءة
٣٠ - ﴿وَإِذْ﴾ مفعول اذكر مقدرا؛ أي: واذكر يا محمد لأمتك وأخبرهم ﴿إذ قالَ رَبُّكَ﴾؛ أي: قصة ذلك الوقت، وتوجيه (١) الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث، مع أنها المقصودة بالذات؛ للمبالغة في إيجاب ذكرها؛ لما أن إيجاب ذكر الوقت، إيجاب لذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني؛ ولأن الوقت مشتمل عليها، فإذا استحضر كانت حاضرة بتفاصيلها، كأنّها مشاهدة عيانا، واللام في قوله: ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ للتبليغ وتقديم الجار والمجرور في هذا الباب مطرد؛ لما في المقول من الطول غالبا مع ما فيه من الاهتمام بما قدم والتشويق إلى ما أخر، والملائكة (٢): جمع ملك بوزن فعل، قاله ابن كيسان، وقيل: جمع ملأك بوزن مفعل، قاله أبو عبيدة من لأك إذا أرسل، والألوكة: الرسالة، قال لبيد:
| وغلام أرسلته أمّه | بألوك فبذلنا ما سأل |
(٢) الشوكاني.
| أبلغ النّعمان عنّي مألكا | أنّه قد طال حبسي وانتظار |
واعلم (١) أن الله تعالى، يحفظ العالم بالخليفة، كما يحفظ الخزائن بالختم، فالبدء كان آدم، والختام يكون بعيسى عليه السلام، والحكمة في الاستخلاف: قصور المستخلف عليه عن قبول فيضه، وتلقّي أمره بغير واسطة؛ لأن المفيض
الأول: تعليم المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها، وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم، وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة، ويقال: أعقل الرجال لا يستغني عن مشاورة أولى الألباب، وأفره الدواب لا يستغني عن السوط، وأورع النساء لا تستغني عن الزوج.
والثاني: إظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم، وهو قوله: ﴿أَتَجْعَلُ﴾. إلخ. وجوابه وهو قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾.
والثالث: تعظيم شأن المجعول، بأن بشر بوجوده سكان ملكوته، ولقّبه بالخليفة قبل خلقه.
والرابع: بيان أن الحكمة تقتضي ما يغلب خيره، فإن ترك الخير الكثير، لأجل الشر القليل، شرّ كثير، كقطع العضو الذي فيه أكلة شرّ قليل، وسلامة جميع البدن، خير كثير، فلو لم يقطع ذلك العضو، سرت تلك الآفة إلى جميع البدن، وأدّت إلى الهلاك الذي هو شرّ كثير.
﴿قالُوا﴾؛ أي: قالت الملائكة استكشافا عما خفي عليهم من الحكمة، لا اعتراضا على الله تعالى، ولا طعنا في بني آدم على سبيل الغيبة، وهو كلام مستأنف استئنافا بيانيا، كأنه قيل: فماذا قالت الملائكة حينئذ، فقيل: قالوا:
وفي قوله: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إيماء (٢) إلى أن ملائكة الأرض هم الطاعنون، إذ الظن لا يصدر إلا ممن هو في معرض ذلك المنصب، وأهل السموات مدبّرات للعالم العلوي، فما قالت الملائكة الأرضية إلا بمقتضى نشأتهم التي هم عليها، من غبطة منصب الخلافة في الأرض، والغيرة على منصب ملكهم وتعبّدهم، بما هم عليه من التسبيح والتقديس، فكلّ إناء يترشّح بما فيه، وأما الاعتراض على فعل الحكيم، والنزاع في صنعه عند حضرته، فمعفو عنه؛ لكمال حكمته، وفي «الفتوحات»: إن هاروت وماروت من الملائكة الذين نازعوا آدم، ولأجل هذا ابتلاهما الله تعالى بإظهار الفساد، وسفك الدماء، فافهم سرّ قوله صلّى الله عليه وسلّم: «دع الشّماتة عن أخيك، فيعافيه الله تعالى، ويبتليك» وأيضا من تلك الملائكة الطاعنين بسفك الدماء: الملائكة التي أرسلها الله تعالى نصرة للمجاهدين، وسفك الدماء غيرة على دين الله وشرعه، كذا في «حل الرموز وكشف الكنوز».
﴿وَنَحْنُ﴾؛ أي: والحال إنّا ﴿نُسَبِّحُ﴾؛ أي: ننزهك عن كل ما لا يليق
(٢) روح البيان.
والحاصل: أنه سبحانه وتعالى، لما أخبر (٢) الملائكة عن وجه الحكمة في
(٢) البحر المحيط.
﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ﴾ وهل التعليم بتكليم الله تعالى له في السماء، كما كلم موسى في الأرض، أو بواسطة ملك، أو بالإلهام (١) أقوال أظهرها: أن الباري سبحانه هو المعلم، لا بواسطة، ولا إلهام. وقرأ اليمانيّ، ويزيد اليزيديّ ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾ مبنيا للمفعول، وحذف الفاعل؛ للعلم به. والتضعيف في علّم؛ للتعدية، إذ كان قبل التضعيف يتعدى لواحد، فعدّي به إلى اثنين، وليست التعدية بالتضعيف مقيسة، إنما يقتصر فيه على مورد السماع، سواء كان الفعل قبل التضعيف لازما، أم كان متعديا، نحو: علّم المتعدية إلى واحد، وأما إن كان متعديا إلى اثنين، فلا يحفظ في شيء منه التعدية بالتضعيف إلى ثلاثة.
فصل في قصة خلق آدم عليه السلام
قال وهب بن منبه (٢): لما أراد الله أن يخلق آدم، أوحى إلى الأرض؛ أي: أفهمها وألهمها أني جاعل منك خليفة، فمنهم من يطيعني فأدخله الجنة، ومنهم من يعصيني فأدخله النار، فقالت الأرض: مني تخلق خلقا يكون للنار؟ قال: نعم، فبكت فانفجرت منها العيون إلى يوم القيامة، وبعث إليها جبريل عليه السلام؛ ليأتيه بقبضة من زواياها الأربع، من أسودها، وأبيضها، وأحمرها، وأطيبها، وأخبثها، وسهلها، وصعبها، وجبلها، فلما أتاها جبريل ليقبض منها، قالت الأرض: بالله الذي أرسلك، لا تأخذ مني شيئا، فإن منافع التقرب إلى
(٢) روح البيان.
وأنا أعوذ بعزته أن أعصي له أمرا! فقبض قبضة من وجه الأرض، مقدار أربعين ذراعا من زواياها الأربع، فلذلك يأتي بنوه أخيافا؛ أي: مختلفين على حسب اختلاف ألوان الأرض وأوصافها، فمنهم الأبيض، والأسود، والأحمر، واللين، والغليظ، فصار كل ذرة من تلك القبضة أصل بدن للإنسان، فإذا مات يدفن في الموضع الذي أخذت منه، ثم صعد إلى السماء، فقال الله سبحانه له: (أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك)، فقال: رأيت أمرك أوجب من قولها، فقال: أنت تصلح لقبض أرواح ولده. قال في «روضة العلماء»: فشكت الأرض إلى الله تعالى، وقالت: يا رب نقص مني! قال الله تعالى: (عليّ أن أرد إليك أحسن وأطيب ممن كان) فمن
ثمّة يحنط الميت بالمسك والغالية. انتهى.
فأمر الله تعالى عزرائيل، فوضع ما أخذ من الأرض في وادي نعمان بين مكة والطائف، بعد ما جعل نصف تلك القبضة في النار، ونصفها في الجنة، فتركها إلى ما شاء الله، ثم أخرجها، ثم أمطر عليها من سحاب الكرم، فجعلها طينا لازبا، وصور منه جسد آدم.
واختلفوا في خلقة آدم عليه السلام، فقيل: خلق في سماء الدنيا، وقيل:
في جنة من جنات الأرض بغربيتها، كالجنة التي يخرج منها النيل، وغيره من الأنهار، وأكثر المفسرين: أنه خلق في جنة عدن، ومنها أخرج، كما في «كشف الكنوز». وفي الحديث القدسي: (خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحا) يعني أربعين يوما، كل يوم منه ألف عام من أعوام الدنيا، فتركه أربعين سنة حتى يبس وصار صلصالا، وهو الطين المصوت من غاية يبسه، كالفخار، فأمطر عليه مطر
وكانت الملائكة يمرون عليه، ويتعجبون من حسن صورته، وطول قامته؛ لأن طوله كان خمس مئة ذراع، الله أعلم بأيّ ذراع، وكان رأسه يمسّ السماء، ولم يكونوا رأوا قبل ذلك صورة تشابهها، فمرّ به إبليس فرآه، ثم قال: لأمر ما خلقت، ثم ضربه بيده فإذا هو أجوف، فدخل من فيه وخرج من دبره، وقال لأصحابه الذين معه من الملائكة: هذا خلق أجوف لا يثبت ولا يتماسك، ثم قال لهم: أرأيتم إن فضّل هذا عليكم ما أنتم فاعلون. قالوا: نطيع ربنا، فقال إبليس في نفسه: والله لا أطيعه إن فضّل عليّ، ولئن فضّلت عليه لأهلكنه، وجمع بزاقه في فمه وألقاه عليه، فوقع بزاق اللعين على موضع سرة آدم عليه السلام، فأمر الله جبريل، فقور بزاق اللعين من بطن آدم، فحفرة السرة من تقوير جبريل، وخلق الله من تلك القوارة كلبا، وللكلب ثلاث خصال، فأنسه بآدم؛ لكونه من طينه، وطول سهره في الليل؛ من أثر مس جبريل عليه السلام، وعضه الإنسان، وغيره، وأذاه من غير خيانة من أثر بزاق اللعين، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة، وسمي بآدم؛ لكونه من أديم الأرض؛ لأنه مؤلّف من أنواع ترابها، ولمّا أراد الله سبحانه أن ينفخ فيه الروح، أمره أن يدخل فيه، فقال: الروح موضع بعيد القعر، مظلم المدخل، فقال له: ثانيا: أدخل، فقال كذلك، فقال له ثالثا:
فقال كذلك، فقال: أدخل كرها؛ أي: بلا رضى، واخرج كرها، ولذا لا يخرج من البدن إلا كرها، فلما نفخه فيه مرّ في رأس آدم، وجبينه، وأذنيه، ولسانه، ثم مرّ في جسده كله حتى بلغ قدميه، فلم يجد منفذا، فرجع إلى فخذيه، فعطس، فقال له ربّه: قل الحمد لله رب العالمين، فقالها آدم، فقال سبحانه له: يرحمك الله، ولذا خلقتك يا آدم، فلما انتهى إلى ركبتيه أراد الوثوب فلم يقدر فلما بلغ قدميه وثب، فقال تعالى: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا﴾ فصار بشرا لحما ودما، وعظاما وعصبا، وأحشاء، ثم كساه لباسا من ظفر يزداد جسده في كل يوم، وهو في ذلك منتطق متوج، وجعل في جسده تسعة أبواب، سبعة في رأسه، أذنين يسمع بهما،
بتسمية الأشياء من عنده، فعلمه جميع أسماء المسميات بكل اللّغات، بأن أراه الأجناس التي خلقها، وعلمه أن هذا اسمه فرس، وهذا اسمه بعير، وهذا اسمه كذا، وعلّمه أحوالها وما يتعلّق بها من المنافع الدينية والدنيوية، وعلمه أسماء الملائكة، وأسماء ذريته كلهم، وأسماء الحيوانات والجمادات وصنعة كل شيء، وأسماء المدن والقرى، وأسماء الطير والشجر وما يكون، وكل نسمة يخلقها إلى يوم القيامة، وأسماء المطعومات والمشروبات، وكل نعيم في الجنة، وأسماء كل شيء حتى القصعه والقصيعة، وحتى الجنّة والمحلب - والقصعة إناء الأكل معروف، والقصيعة تصغيرها يعني: حتى الوضيع والحقير، والجنة الترس، والمحلب إناء يحلب فيه.
وفي الخبر: لما خلق الله آدم، بثّ فيه أسرار الأحرف، ولم يبث في أحد من الملائكة، فخرجت الأحرف على لسان آدم بفنون اللغات، فجعلها الله صورا له ومثلت له بأنواع الأشكال. وفي الخبر: علّمه سبعمائة ألف لغة، فلما وقع في أكل الشجرة سلب اللغات إلا العربية، فلما اصطفاه بالنبوة رد الله عليه جميع اللغات، فكان من معجزاته، تكلمه بجميع اللغات المختلفة التي يتكلّم بها أولاده إلى يوم القيامة، من العربية، والفارسية، والرومية، والسريانية، واليونانية، والعبرانية، والزنجية، والآراميّة، وغيرها.
قال بعض المفسرين: علم الله آدم ألف حرفة من المكاسب، ثم قال: قل لأولادك: إن أردتم الدنيا فاطلبوها بهذه الحرف، ولا تطلبوها بالدين وأحكام الشرائع. وكان آدم حراثا؛ أي: زراعا، ونوح نجارا، وإدريس خياطا، وصالح تاجرا، وداود زرّادا، وسليمان كان يعمل الزنبيل في سلطنته، ويأكل من ثمنه ولا
٣١ - وقال العلماء: الأسماء في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ﴾ تقتضي الاستغراق واقتران قوله ﴿كُلَّها﴾ يوجب الشمول، فكما علمه أسماء المخلوقات علّمه أسماء الحق تعالى، فإذا كان تخصيصه بمعرفة أسماء المخلوقات يقتضي أن يصح سجود الملائكة له، فما الظنّ بتخصيصه بمعرفة أسماء الحق، وما الذي يوجب له؟!
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾؛ أي: ثم عرض الله سبحانه وتعالى مسميات تلك الأسماء وأظهرها عَلَى الْمَلائِكَةِ وسألهم عن أسمائها تبكيتا لهم، وإظهارا لفضل آدم عليه السلام، وذكّر (١) الضمير في قوله: ﴿عَرَضَهُمْ﴾؛ لأن في المسميات العقلاء فغلّبهم على غيرهم، والعرض: إظهار الشيء للغير ليعرف العارض منه حاله.
وفي الخبر: أنه عرضهم أمثال الذر، ولعله سبحانه وتعالى، عرض عليهم من أفراد كل نوع، ما يصلح أن يكون أنموذجا يتعرف منه أحوال البقية وأحكامها.
والحكمة في التعليم والعرض؛ تشريف آدم واصطفاؤه، وإظهار الأسرار والعلوم المكنونة في غيب علمه تعالى، على لسان من يشاء من عباده، وهو المعلّم المكرّم آدم الصفيّ، كيلا يحتجّ الملك وغيره عليه بعلمه ومعرفته، وذلك رحمة الله التي وسعت كل شيء. وثمّ (٢): حرف تراخ ومهلة؛ يعني: علّم آدم، ثم أمهله من ذلك الوقت إلى أن قال: أنبئهم بأسمائهم ليتقرّر ذلك في قلبه ويتحقق المعلوم؛ ثم أخبرهم عما تحقق به واستيقنه. وأما الملائكة، فقال لهم على وجه التعقيب من غير مهلة: نبئوني، فلما لم يتقدّم لهم تعريف، لم يخبروا، ولمّا تقدم لآدم التعليم، أجاب وأخبر ونطق؛ إظهارا لعنايته السابقة به سبحانه.
(٢) البحر المحيط.
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾؛ أي: ثم أطلع الملائكة على مجموعة تلك الأشياء إطلاعا إجماليا بالإلهام، أو غيره، مما يليق بحالهم، وربما كان بعرض نماذج من كل نوع يتعرف منها أحوال البقية وأحكامها، كما مرّ. وتقدم لك أن الحكمة في التعليم والعرض؛ تشريف آدم واصطفاؤه، كي لا يكون للملائكة مفخرة عليه بعلومهم ومعارفهم؛ وإظهار الأسرار والعلوم المكنونة في غيب علمه تعالى على لسان من يشاء من عباده.
﴿فَقالَ﴾ الله سبحانه وتعالى للملائكة تبكيتا وتعجيزا لهم، وخطاب (٣) التعجيز جائز، وهو الأمر بإتيان الشيء، ولم يكن إتيانه مرادا ليظهر عجز المخاطب، وإن كان ذلك محالا، كالأمر بإحياء الصورة التي يفعلها المصورون يوم القيامة، ليظهر عجزهم ويحصل لهم الندم، ولا ينفعهم الندم. والفاء (٤) في قوله: ﴿فَقالَ﴾ للتعقيب؛ أي: ولم يتخلل بين العرض والأمر مهلة بحيث يقع فيها
(٢) المراغي.
(٣) روح البيان.
(٤) البحر المحيط.
وقرأ الأعمش (١): ﴿نبّوني﴾ بغير همز. وقد استدل بقوله: ﴿أَنْبِئُونِي﴾ على جواز تكليف ما لا يطاق، وهو استدلال ضعيف؛ لأنه على سبيل التبكيت، ويدل عليه قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وظاهر قوله: ﴿هؤُلاءِ﴾ حضور أشخاص من الموجودات حالة العرض على الملائكة، ومن قال إن المعروض إنما هي أسماء فقط، جعل الإشارة إلى أشخاص الأسماء وهي غائبة، إذ قد حضر ما هو منها سبب، وذلك أسماؤها، وكأنه قال لهم في كل اسم: لأيّ شخص هذا الاسم؟
وهذا فيه بعد وتكلّف، وخروج عن الظاهر بغير داعية إلى ذلك.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في زعمكم أنكم أحقاء بالخلافة ممن استخلفته، كما ينبىء عنه مقالكم، وهذا شرط (٢) جوابه محذوف، تقديره: فأنبئوني يدل عليه أنبئوني السابق، ولا يكون أنبئوني السابق هو الجواب. هذا مذهب سيبويه، وجمهور البصريين، وخالف الكوفيون، وأبو زيد، وأبو العباس، فزعموا: أن جواب الشرط هو المتقدم في نحو هذه المسألة، والصدق هنا هو الصواب، أي: إن كنتم مصيبين، كما يطلق الكذب على الخطأ، كذلك يطلق الصدق على الصواب، ومتعلق الصدق فيه أقوال: إن كنتم صادقين في أني لا أخلق خلقا إلا كنتم أعلم منه؛ لأنه هجس في أنفسهم أنهم أعلم من غيرهم، أو فيما زعمتم أن خلفائي يفسدون في الأرض، أو فيما وقع في نفوسكم أني لا أخلق خلقا إلا كنتم أفضل منه، أو بأمور من أستخلفهم بعدكم، أو إني إن استخلفتكم فيها سبحتموني وقدستموني، وإن استخلفت غيركم عصاني، أو في قولكم: إنه لا شيء مما يتعبد به الخلق، إلا وأنتم تصلحون له وتقومون به. قاله ابن مسعود، وابن عباس، أو في ذلك الإنباء، وجواب السؤال بالأسماء.
وأبعد من ذهب إلى أن الصدق هنا ضد الكذب المتعارف؛ لعصمة
(٢) البحر المحيط.
وإذا التقت همزتان مكسورتان من كلمتين نحو: ﴿هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فورش، وقنبل، يبدلان الثانية ياء ممدودة، إلا أن ورشا في ﴿هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ﴾ و ﴿عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ﴾ أبدل الهمزة الثانية ياء خفيفة الكسر، أي: مختلة الكسر، وقالون، والبزي، يسهّلان الأولى، ويحققان الثانية. ذكره في «البحر».
ويقال: هذه الآية دليل (١) على أن أولى الأشياء بعد علم التوحيد، تعلم علم اللغة؛ لأنه تعالى أراهم فضل آدم بعلم اللغة، ودلت أيضا: أن المدعي يطالب بالحجة، فإن الملائكة ادعوا الفضل، فطولبوا بالبرهان، وبحثوا عن الغيب، فقرعوا بالعيان؛ أي: لا تعلمون أسماء ما تعاينون، فكيف تتكلمون في فساد من لا تعاينون. فيا أرباب الدعاوي! أين المعاني؟ ويا أرباب المعرفة! أين المحبة؟ ويا أرباب المحبة! أين الطاعة؟ قال أبو بكر الواسطي: من المحال أن يعرفه العبد، ثم لا يحبه، ومن المحال أن يحبه، ثم لا يذكره، ومن المحال أن يذكره، ثم لا يجد حلاوة ذكره، ومن المحال أن يجد حلاوة ذكره، ثم يشتغل بغيره. قال أبو عثمان المغربي: ما بلاء الخلق إلا الدعاوي، ألا ترى أن الملائكة لمّا قالوا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ كيف ردوا إلى الجهل حتى قالوا: ﴿لا علم لنا﴾ ذكره في «البحر».
٣٢ - وقوله: ﴿قالُوا﴾ استئناف واقع في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قالوا حينئذ؟ هل خرجوا عن عهدة ما كلفوه أولا؟ فقيل: قالوا؛ أي: قالت الملائكة اعترافا لعجزهم وقصورهم ﴿سُبْحانَكَ﴾؛ أي: تنزيها لك عن الاعتراض عليك في حكمك، وتبنا إليك من ذلك القول، أو نسبّحك عما لا يليق بشأنك الأقدس، من الأمور التي من جملتها خلوّ أفعالك عن الحكم والمصالح، وهي كلمة تقدّم على التوبة. قال موسى عليه السلام: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ وقال يونس عليه السلام: ﴿سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وسبحان: اسم واقع
| أقول لمّا جاءني فخره | سبحان من علقمة الفاخر |
| سبحانه ثم سبحانا نعوذ به | وقبلنا سبّح الجوديّ والجمد |
والمعنى: أي (١) لا معلوم عندنا إلا المعلوم الذي علمتناه من المسميات، فلا علم لنا بأسمائها؛ أي: وإنما قلنا لك: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾؛ لأنك أعلمتنا أنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، فقلنا لك ذلك، وأمّا هذه الأسماء، فإنك ما أعلمتنا إياها فكيف نعلمها، ثم أكدوا ما تقدم بقولهم: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو في محل النصب تأكيد لاسم إن ﴿الْعَلِيمُ﴾ الذي أحاط بعلمه كل الأشياء فلا تخفى عليه خافية، وهذه إشارة إلى تحقيقهم لقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه، المحكم
وقال العلماء: قول الشخص لا أدري نصف العلم، وسئل (٣) أبو يوسف القاضي عن مسألة؟ فقال: لا أدري، فقالوا له: ترتزق من بيت المال كلّ يوم كذا وكذا، ثم تقول لا أدري، قال: إنما أرتزق بقدر علمي، ولو أعطيت بقدر جهلي لم يسعني مال الدنيا، وحكي: أن عالما سئل عن مسألة وهو فوق المنبر؟ فقال:
لا أدري، فقيل له: ليس المنبر موضع الجهّال، فقال: إنما علوت بقدر علمي ولو علوت بقدر جهلي لبلغت السماء.
٣٣ - وقوله: ﴿قالَ﴾ الله سبحانه وتعالى لآدم كلام مستأنف أيضا ﴿يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ﴾؛ أي: أخبر الملائكة وأعلمهم ﴿بِأَسْمائِهِمْ﴾ التي عجزوا عن علمها، واعترفوا بالقصور عن بلوغ مرتبتها؛ أي: أخبرهم بأسماء هؤلاء المسمّيات، فسمّى لهم كل شيء باسمه حتى القصعة والقصيعة، وبين لهم أحوال كل من المسميات، وخواصّه، وأحكامه المتعلقة بالمعاش، والمعاد.
(٢) المراغي.
(٣) روح البيان.
ذكره أبو حيان في «البحر المحيط».
﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ﴾ أي أنبأ آدم الملائكة ﴿بِأَسْمائِهِمْ﴾؛ أي: بأسماء تلك المسميات مفصلة، وبين لهم أحوال كل منها، وخواصّه، وأحكامه. روي (٢) أنه رفع على منبر، وأمر أن ينبىء الملائكة بالأسماء، فلما أنبائهم بها وهم جلوس بين يديه، وذكر منفعة كل شيء ﴿قالَ﴾ الله سبحانه وتعالى، للملائكة توبيخا لهم وتقريرا منهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ يا ملائكتي، والاستفهام للتقرير مع التوبيخ؛ أي: قد قلت لكم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: أعلم ما غاب فيهما عنكم ممّا كان ومما يكون، مما لا دليل عليه، ولا طريق إليه، وقيل: غيب السموات أكل آدم وحواء من الشجرة؛ لأنها أوّل معصية وقعت في السماء، وغيب الأرض قتل قابيل هابيل؛ لأنها أوّل معصية كانت في الأرض، وقيل غير ذلك. وذلك أنه سبحانه وتعالى، علم أحوال آدم قبل أن يخلقه، فلهذا قال لهم أعلم ما لا تعلمون ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾؛ أي: ما تظهرون من قولكم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ الآية.
(٢) روح البيان.
وفي استخلاف (٢) آدم في الأرض، معنى سام من الحكمة الإلهية، خفي على الملائكة، فإنه لو استخلفهم فيها لما عرفوا أسرار هذا الكون، وما أودع فيه من الخواص، فإنهم ليسوا بحاجة إلى شيء مما في الأرض، إذ هم على حال يخالف حال الإنسان، فما كانت الأرض لتزرع بمختلف الزروع، ولا تستخرج المعادن من باطنها، ولا تعرف خواصّها الكيمائية والطبيعية، ولا تعرف الأجرام الفلكية، ولا المستحدثات الطبية، ولا شيء من العلوم التي تفنى السنون، ولا يدرك الإنسان لها غاية.
وقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ (٣) ياء المتكلم المتحرك ما قبلها، إذا لقيت همزة القطع المفتوحة جاز فيها وجهان: التحريك والإسكان، وقرىء بالوجهين في السبعة
(٢) المراغي.
(٣) البحر المحيط.
٣٤ - ﴿وَ﴾ اذكر يا محمد لأمتك قصة ﴿إِذْ قُلْنا﴾؛ أي: قصة وقت قولنا: ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ الذين أنزلهم الله سبحانه إلى الأرض؛ لطرد الجن، أو لجميع الملائكة، وهو الظاهر من قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ وقرأ الجمهور (١) ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ بجر التاء، وقرأ أبو جعفر، يزيد بن القعقاع، وسليمان بن مهران، بضم التاء إتباعا لحركة الجيم، ونقل أنها لغة أزد شنوءة، وقال الزجاج: هذا غلط من أبي جعفر، وقال الفارسي: هذا خطأ، ولكن لا ينبغي أن يغلّط؛ لأنّ القارىء بها أبو جعفر، أحد القراء المشاهير الذين أخذوا القرآن عرضا، عن عبد الله بن عباس، وغيره من الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - وهو شيخ نافع بن أبي نعيم، أحد القراء السبعة، وقد علّل ضمّ التاء؛ لشبهها بألف الوصل، ووجه الشبه: أنّ الهمزة تسقط في الدرج؛ لكونها ليست بأصل، والتاء في الملائكة تسقط أيضا؛ لأنها ليست بأصل، ألا تراهم قالوا الملائك، وقيل:
ضمت؛ لأنّ العرب تكره الضمة بعد الكسرة لثقلها.
﴿اسْجُدُوا﴾ لله سبحانه وخروا له سجودا شرعيا بوضع الجبهة مستقبلين إلى ﴿آدم﴾ عليه السلام قبلة لسجودهم؛ تعظيما لشأنه وإظهارا لفضله، فجعل آدم قبلة لسجودهم، والسجود لله، كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة، والصلاة لله، أو اسجدوا لآدم سجود تحية بالانحناء من غير وضع الجبهة على الأرض.
والسجود لغة (٢): الخضوع والانقياد. وشرعا: وضع الجبهة على الأرض مع أعضائه بقصد العبادة. والمأمور به؛ إما المعنى الشرعي، كما ذكرناه أولا، فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى، وجعل آدم قبلة سجودهم، تفخيما لشأنه؛ وإما المعنى اللغوي، كما ذكرناه آنفا، وهو التواضع لآدم تحية وتعظيما له، كسجود إخوة يوسف له، وكان سجود التحية جائزا فيما مضى من الأمم، ثم نسخ
(٢) روح البيان.
وكان هذا القول الكريم بعد إنبائهم بالأسماء (١). قيل: لما خلق آدم، أشكل عليهم أن آدم أعلم أم هم، فلما سألهم عن الأسماء فلم يعرفوا، وسأل آدم فأخبر بها، ظهر لهم أن آدم أعلم منهم، ثم أشكل عليهم أنه أفضل أم هم، فلما أمرهم بالسجود له، ظهر لهم فضله، ومن لطف الله تعالى بنا، أن أمر الملائكة بالسجود لأبينا، ونهانا عن السجود لغيره، فقال: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ نقل الملائكة المقربين إلى آدم وسجدته، ونقلنا إلى سجدته وخدمته.
وفائدة هذه السجدة راجعة إلى الإنسان لمعنيين:
أحدهما: أنّ الإنسان يقتدي بهم في الطاعة، ويتأدّب بآدابهم في امتثال الأوامر، وينزجر عن الإباء والاستكبار، كيلا يلحق به الطرد واللعن، كما لحق بإبليس، ويكون مقبولا ممدوحا مكرما، كما كان الملائكة في امتثال الأمر، كما قال تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾.
وثانيهما: أن الله تعالى من كمال فضله ورحمته مع الإنسان، جعل همة الملائكة في الطاعة، والتسبيح، والتحميد مقصورة على استعداد المغفرة للإنسان، كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ فلذلك أمرهم بالسجود لأجلهم، وليستغفروا لهم.
واعلم: أن (٢) الملائكة من عالم الغيب لا نعرف حقيقتهم، والكتاب الكريم يرشد إلى أنهم أصناف لكل صنف عمل، وقد جاء في لسان الشرع إسناد إلهام
(٢) المراغي.
﴿فَسَجَدُوا﴾؛ أي: سجدت الملائكة كلهم أجمعون؛ أي: لآدم، دل عليه قوله: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾؛ لأنهم خلقوا من نور، كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «خلقت الملائكة من نور» والنور من شأنه الانقياد والطاعة، وكان هذا السجود قبل دخول آدم الجنة؛ لأن الظاهر من السياق وقوع التعليم لآدم، فإنباؤه للملائكة، فأمر الملائكة بالسجود له، فإسكانه الجنة، ثم إخراجه منها وإسكانه الأرض.
وأول من سجد منهم (١): جبريل، فأكرم بإنزال الوحي على النبيين، وخصوصا على سيد المرسلين، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم عزرائيل، ثم سائر الملائكة، وقيل: أول من سجد: إسرافيل، فرفع رأسه، وقد ظهر كل القرآن مكتوبا على جبهته كرامة له على سبقه إلى الائتمار.
والفاء في قوله: ﴿فَسَجَدُوا﴾ للتعقيب؛ لإفادة مسارعتهم إلى الامتثال، وعدم تلعثمهم في ذلك، وهذه القصة ذكرت في القرآن في سبع سور، في هذه السورة، والأعراف والحجر، والإسراء، والكهف، وطه، وص. والحكمة (٢) في تكريرها؛ تسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإنه كان في محنة عظيمة في قومه وأهل زمانه، فكأنه تعالى يقول لنبيه: ألا ترى أن أول الأنبياء وهو آدم عليه السلام، كان في محنة عظيمة في مبدأ خلقه، فاصبر كما صبر.
(٢) العمدة.
وللعلماء في هذا الاستثناء قولان:
القول الأول: أنه استثناء متصل؛ لأن إبليس كان جنيا واحدا بين أظهر الألوف من الملائكة، مغمورا بهم، متصفا بصفاتهم، فغلبوا عليه في قوله: ﴿فَسَجَدُوا﴾ ثم استثني منهم استثناء واحد منهم، وأكثر المفسرين: أن إبليس من الملائكة؛ لأن خطاب السجود كان مع الملائكة، فعلى هذا كان منهم ثم أبلس وغضب عليه، ولعن، فصار شيطانا. قال البغوي: وهو الأصح وعليه الجمهور، وابن عباس، وابن مسعود، وابن المسيب، وغيرهم. قال في «التيسير»: أما وصف الملائكة بأنهم لا يعصون ولا يستكبرون، فذلك دليل تصوّر العصيان منهم، ولولا التصوّر لما مدحوا به، لكن طاعتهم طبع، وعصيانهم تكلّف، وطاعة البشر تكلّف، ومتابعة الهوى منهم طبع، ولا يستنكر من الملائكة تصوّر العصيان، فقد ذكر من هاروت وماروت ما ذكر.
والقول الثاني: أنه منقطع؛ لأنه لم يكن من الملائكة، بل كان من الجن بالنص، قال تعالى: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وروى ابن مسعود، وشهر بن حوشب. أنه من الجن الذين كانوا في الأرض، وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيرا، وتعبّد مع الملائكة، وخوطب معهم. وعن الحافظ: أن الجن والملائكة جنس واحد، فمن طهر منهم فهو ملك، ومن خبث فهو شيطان، ومن كان بين بين فهو جن ﴿أَبى﴾؛ أي: امتنع عما أمر به من السجود والإباء إمتناع باختيار ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾؛ أي: تعظم وأظهر كبره، ولم يتخذه وصلة في عبادة ربه، أو تعظيمه، وتلقيه بالتحية والتكبر، أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره، والاستكبار طلب ذلك بالتشبّع؛ أي: بالتزين بالباطل وبما ليس له، ولكن السين هنا للمبالغة لا للطب، وتقديم الإباء على الاستكبار مع كونه مسبّبا عنه؛ لظهوره ووضوح أثره، فعطفه عليه من عطف العلة على المعلول؛ أي: أبى وامتنع لكبره، كما في «الصاوي».
خمسمائة سنة ورفعوا رؤوسهم، وهو قائم معرض لم يندم من الامتناع، ولم يعزم على الاتباع، فلمّا رأوه عدل ولم يسجد، وهم وفّقوا للسجود، سجدوا لله تعالى ثانيا، فصار لهم سجدتان، سجدة لآدم، وسجدة لله تعالى، وإبليس يرى ما فعلوه وهذا إباؤه، فغيّر الله تعالى صفته، وحالته، وصورته، وهيئته، ونعمته، فصار أقبح من كل قبيح، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ قال بعضهم: جعل ممسوخا على مثال جسد الخنازير، ووجهه كالقردة، وللشيطان نسل وذرية، والممسوخ وإن كان لا يكون له نسل، لكن لما سأل النظرة وأنظر، صار له نسل. وفي الخبر: قيل له من قبل الحق: اسجد لقبر آدم أقبل توبتك، وأغفر معصيتك، فقال: ما سجدت لقالبه وجثته، فكيف أسجد لقبره وميتته. وفي الخبر أيضا: إن الله تعالى يخرجه على رأس مائة ألف سنة من النار، ويخرج آدم من الجنة، ويأمره بالسجود لآدم فيأبى، ثم يرد إلى النار.
﴿وَكانَ﴾ إبليس اللعين ﴿مِنَ الْكافِرِينَ﴾؛ أي: في علم الله تعالى، أو صار منهم باستقباحه أمر الله إياه بالسجود لآدم، اعتقادا بأنه أفضل منه، والأفضل لا يحسن أن يؤمر بالتخضع للمفضول والتوصل به، كما أشعر به قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ جوابا لقوله تعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾ لا بترك الواجب وحده، وإنما قال: ﴿مِنَ الْكافِرِينَ﴾ ولم يكن حينئذ كافر غيره؛ لأنه كان في علم الله أن يكون بعده كفار، فذكر أنه كان من الكافرين؛ أي: من الذين يكفرون بعده، وهذا كما في قوله: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وقال (٢) أبو العالية: ﴿مِنَ الْكافِرِينَ﴾؛ أي: من العاصين، وصلة (أل) هنا ظاهرها الماضي؛ أي: من الذين كفروا، فيكون قد سبق إبليس كفار، وهم الجن الذين كانوا في الأرض، أو يكون إبليس أول من كفر مطلقا، إذ لم يصح أنه كان كفار
(٢) البحر المحيط.
ومن فوائد هذه الآية (١): استقباح الاستكبار، وأنه قد يفضي بصاحبه إلى الكفر، والحثّ على الائتمار لأمره، وترك الخوض في سره، وأنّ الأمر للوجوب، وأنّ الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر حقيقة، إذ العبرة بالخواتم، وإن كان بحكم الحال مؤمنا وهي مسألة الموافاة؛ أي: اعتبار تمام العمر الذي هو وقت الوفاة، فإذا كان العبرة بالخاتمة، فليسارع العبد إلى الطاعات، فكل ميسر لما خلق له، كما ورد في الخبر الصحيح، خصوصا في آخر السنة، وخاتمتها، كي يختم له الدفتر بالعمل الصالح. وفي الخبر: قيل يا رسول الله: من خير الناس؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله» قيل: فأي الناس شر؟
قال: «من طال عمره، وساء عمله، وخيف شره، ولم يرج خيره». وقال الحسن البصري لجلسائه: يا معشر الشيوخ، ما ينتظر بالزرع إذا بلغ؟ قالوا: الحصاد، قال: يا معشر الشباب، فإن الزرع قد تدركه الآفة قبل أن يبلغ، وأنشد بعضهم:
| ألا مهّد لنفسك قبل موت | فإنّ الشّيب تمهيد الحمام |
| وقد جدّ الرّحيل فكن مجدّا | لحطّ الرّحل في دار المقام |
٣٥ - وقوله: ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (٢) معطوف على الجملة السابقة التي هي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا﴾ لا على ﴿قُلْنا﴾ وحده لاختلاف زمانيهما ومعمول القول المنادى وما بعده، وفائدة النداء؛ تنبيه المأمور لما يلقى إليه من الأمر،
(٢) البحر المحيط.
قال القرطبي في «تفسيره»: لا خلاف أنّ الله تعالى أخرج إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة، وبعد إخراجه قال: ﴿يا آدَمُ اسْكُنْ﴾؛ أي؛ أقم وامكث، ولازم الجنة، واتخذها مسكنا لك، وهو محل السكون، وليس المراد به ضدّ الحركة، بل اللّبث والاستقرار و ﴿أَنْتَ﴾ تأكيد للضمير المستكن في ﴿اسْكُنْ﴾ وهذا أحد المواضع التي يستكن فيها الضمير وجوبا ﴿وَزَوْجُكَ﴾ معطوف على ذلك الضمير المستكن، وحسن العطف عليه تأكيده بأنت، كما هو مذكور في محله؛ أي: اسكن أنت وزوجك حواء ﴿الْجَنَّةَ﴾ يقال للمرأة الزوج والزوجة، والزوج أفصح، كما في «تفسير أبي الليث» وإنما لم يخاطبهما أوّلا؛ تنبيها على أنه المقصود بالحكم، والمعطوف عليه تبع له، والجنة هي دار الثواب بإجماع المفسرين، خلافا لبعض المعتزلة، والقدرية، حيث قالوا: المراد بالجنة بستان كان في أرض فلسطين، أو بين فارس وكرمان، خلقه الله تعالى امتحانا لآدم، وأوّلوا الهبوط بالانتقال منه إلى أرض الهند، كما في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾، وفيه نظر؛ لأن الهبوط قد يستعار للانتقال إذا ظهر امتناع حقيقته وابتعادها، وهناك ليس كذلك، وقوله: ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ﴾ هو من خطاب الأكابر والعظماء، فأخبر الله تعالى عن نفسه بصيغة الجمع؛ لأنه ملك الملوك؛ أي: اتّخذا جنة الخلد مأوى ومنزلا كلّها، وسمي آدم؛ لأنه خلق من أديم الأرض؛ أي: ترابها، كما مر. وسميت زوجه حوّاء؛ لأنها خلقت من حي؛ لأنها خلقت من ضلع آدم الأيسر، فلذا كان كل إنسان ناقصا ضلعا من الجانب الأيسر، فجهة اليمين أضلاعها ثمانية عشر، وجهة اليسار أضلاعها سبعة عشر.
واختلفوا (١) في خلق حواء: هل كان قبل دخول الجنة أو بعده؟ ويدل على
قال: لأنها خلقت من حي، أو لأنها أصل كل حي، أو لأنها كانت في ذقنها حوّة؛ أي: حمرة مائلة إلى السواد، وقيل: في شفتها، وسميت مرأة؛ لأنها خلقت من المرء، كما أن آدم سمي بآدم؛ لأنه خلق من أديم الأرض، وعاشت بعد آدم سبع سنين وسبعة أشهر، وعمرها تسعمائة وسبع وتسعون سنة.
واعلم: أن الله تعالى، خلق واحدا من أب دون أم وهو حواء، وآخر من أم دون أب وهو عيسى، وآخر من أب وأم وهم أولاد آدم، وآخر من غير أب وأم وهو آدم عليه السلام، فسبحان من أظهر من عجائب صنعه ما يتحيّر فيه العقول.
ثم اعلم (١): أن الله تعالى، خلق حواء لأمر تقتضيه الحكمة؛ ليدفع آدم وحشته بها لكونها من جنسه؛ وليبقي الذرية على ممر الأزمان والأيام إلى ساعة القيام، فإن بقاءها سبب لبعثه الأنبياء، وتشريع الشرائع والأحكام، ونتيجة لأمر معرفة الله تعالى، فإن الله تعالى خلق الخلق لأجلها.
وفي الزوجية منافع كثيرة دينية، ودنيوية، وأخروية، ولم يذكر الله تعالى في
﴿وَكُلا﴾ أنتما ﴿مِنْها﴾؛ أي: من ثمار الجنة. وجّه الخطاب (١) إليهما؛ إيذانا بتساويهما في مباشرة المأمور به، فإن حواء أسوة له في الأكل بخلاف السكن فإنها تابعة له فيها، ثمّ معنى الأمر بهذا والشغل به مع أنه اختصّه واصطفاه، وللخلافة أبداه أنه مخلوق، والذي يليق بالخلق هو السكون بالخلق، والقيام باستجلاب الحظّ؛ أي: وكلا أنتما من ثمار الجنة أكلا ﴿رَغَدًا﴾؛ أي: أكلا واسعا رافها بلا تقدير، ولا تقتير ﴿حَيْثُ شِئْتُما﴾؛ أي: من أيّ مكان من الجنة شئتما وأردتما الأكل منه، وسّع عليهما؛ إزاحة للعلّة والعذر، في التناول من الشجرة المنهي عنها من بين أشجارها الفائتة للحصر.
فإن قلت: لم قال هنا ﴿وَكُلا﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿فَكُلا﴾ بالفاء؟
قلت: لأن اسكن معناه هنا استقر، لكون آدم وحواء كانا في الجنة، والأكل يجامع الاستقرار غالبا، فلهذا عطف بالواو الدالّة على الجمع والمعنى، اجمعا بين الأكل وبين الاستقرار، وفي الأعراف معناه ادخل، لكونهما، كانا
وقرأ الجمهور (١): ﴿رَغَدًا﴾ بفتح الغين، وقرأ إبراهيم النخعي، ويحيى بن وثاب بسكونها ﴿رَغَدًا﴾، والتسكين لغة تميم؛ أي: أكلا واسعا كثيرا لا عناء فيه ولا حجر. قال امرؤ القيس:
| بينما المرء نراه ناعما | يأمن الأحداث في عيش رغد |
﴿وَلا تَقْرَبا﴾ بالأكل ولو كان (٢) النهي عن الدنو لضمت الراء ﴿هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ الشجرة منصوب على أنه بدل من اسم الإشارة، أو نعت له بتأويلها بمشتق؛ أي: هذه الحاضرة من الشجر؛ أي: لا تأكلا منها، وإنما علق النهي بالقربان منها؛ مبالغة في تحريم الأكل ووجوب الاجتناب عنه، والشجرة: هي البر والسنبلة.
قاله ابن عباس، وأبو مالك، وقتادة، وهو الأشهر، والأجمع، والأنسب؛ لأنّ النوع الإنساني ظهر في دور السنبلة، وعليها من كل لون، وثمرها أحلى من العسل، وألين من الزبد، وأشد بياضا من الثلج، كل حبة من حنطتها، مثل كلية البقرة، وقد جعلها الله سبحانه رزق أولاده في الدنيا، ولذلك قيل: تناول سنبلة فابتلي بحرث السنبلة، وقيل: الكرمة، ولذلك حرّمت علينا الخمر. قاله ابن
(٢) روح البيان.
شجرة من أكل منها أحدث. قاله أبو العالية، وقال علي: شجرة الكافور، وقال بعض أهل الكتاب: شجرة الحنظل، وقال أبو مالك: النخلة، والأولى عدم تعينها؛ لعدم ورود النص القاطع فيها.
وقرىء (١): ﴿ولا تقربا﴾ بكسر التاء، وهي لغة عن الحجازيين في فعل يفعل، يكسرون حرف المضارعة التاء والهمزة والنون، وأكثرهم لا يكسر الياء، ومنهم من يكسرها، وقرأ ابن محيصن ﴿هذي﴾ بالياء، وقرأ الجمهور بالهاء وقرىء ﴿الشجرة﴾ بكسر الشين، حكاها هارون الأعور، عن بعض القراء، وقرأ أيضا ﴿الشيرة﴾ بكسر الشين والياء المفتوحة بعدها، وكره أبو عمرو هذه القراءة وقال: يقرأ بها برابر مكة وسوادنها، وينبغي أن لا يكرهها؛ لأنها لغة منقولة فيها، وقال الأصمعي: نحسبه بين الأنام شيره.
وفي نهي (٢) الله سبحانه آدم وزوجه عن قربان الشجرة دليل: على أن سكناهما في الجنة لا تدوم لأن المخلد لا يؤمر، ولا ينهى، ولا يمنع من شيء.
وقوله: ﴿فَتَكُونا﴾ إما معطوف على تقربا، أو منصوب بأن مضمرة بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي، وهذا هو الأظهر، والتقدير عليه: لا يكن منكما قربان الشجرة فكونكما ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: من الذين ظلموا أنفسهم وأضروها بمعصية الله تعالى، أو بإخراجكما من دار النعيم إلى دار الشقاء، أو بالأكل من الشجرة التي نهيتما عنها، أو بالفضيحة في الملأ الأعلى، أو بمتابعة إبليس، أو بترك الأولى. وقال قوم: هما أول من ظلم نفسه من الآدميين. وقال قوم: كان قبلهم ظالمون شبهوا بهم، ونسبوا إليهم، وفي قوله: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ دلالة
(٢) البحر المحيط.
وقال بعض أهل الإشارات (١): الذي يليق بالخلق عدم السكون إلى الخلق، وما زال آدم وحده بكل خير وبكل عافية، فلما جاءه الشّكل والزوج، ظهر إتيان الفتنة وافتتاح باب المحنة، وحين ساكن حواء، أطاعها فيما أشارت عليه من الأكل، فوقع فيما وقع ولقد قيل:
| داء قديم في بني آدم | صبوة إنسان بإنسان |
| لله درّهم من فتية بكروا | مثل الملوك وراحوا كالمساكين |
(٢) المراغي.
قال الألوسي في تفسيره «روح المعاني»: (١) ومما يؤيد هذا الرأي:
١ - أن الله خلق آدم في الأرض؛ ليكون خليفة فيها هو وذريته، فالخلافة منهم مقصودة بالذات، فلا يصح أن يكون وجودهم فيها عقوبة عارضة.
٢ - أنه تعالى لم يذكر أنه بعد خلق آدم في الأرض عرج به إلى السماء، ولو حصل لذكر؛ لأنه أمر عظيم.
٣ - أن الجنة الموعود بها لا يدخلها إلا المؤمنون المتقون، فكيف دخلها الشيطان الكافر للوسوسة.
٤ - أنها دار للنعيم والراحة لا دار للتكليف، وقد كلف آدم وزوجه أن لا يأكلا من الشجرة.
٥ - أنه لا يمنع من فيها من التمتع بما يريد منها.
٦ - أنه لا يقع فيها العصيان والمخالفة؛ لأنها دار طهر لا دار رجس، وعلى الجملة فالأوصاف التي وصفت بها الجنة الموعود بها، ومنها أن عطاءها غير مجذوذ ولا مقطوع، لا تنطبق على جنة آدم.
﴿وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾؛ أي: كلا منها أكلا هنيئا من أي مكان شئتما، وأباح لهما الأكل كذلك، إزاحة للعذر في التناول من الشجرة المنهي عنها، من بين أشجارها التي لا حصر لها ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ الخ. لم يبين لنا ربنا هذه الشجرة، فلا نستطيع أن نعينها من تلقاء أنفسنا بلا دليل قاطع؛ ولأن المقصود يحصل بدون التعيين، ولكنا نقول إن النهي لحكمة، كأن يكون في أكلها ضرر، أو يكون ذلك ابتلاء من الله لآدم واختبارا له، ليظهر به ما في استعداد الإنسان من الميل إلى معرفة الأشياء واختبارها، ولو كان في ذلك معصية يترتب عليها ضرر.
فإن قلت (١): إبليس كافر، والكافر لا يدخل الجنة، فكيف دخل هو؟
قلت: إنما منع من الدخول على وجه التكرمة، كما تدخلها الملائكة، ولم يمنع من الدخول للوسوسة؛ ابتلاء لآدم وحواء. وقيل: إنه دخلها على صورة دابة من دواب الجنة. وقيل: وسوس إليهما وهو خارج عنها، وهما داخلها، لكن أتوا على بابها. وقيل: غير ذلك. وقرأ حمزة، والحسن، وأبو رجاء، فأزالهما، ومعنى: الإزالة التنحية. وروي عن حمزة، وأبي عبيدة إمالة فأزالهما ﴿فَأَخْرَجَهُما﴾؛ أي: تسبب إبليس في إخراجهما ﴿مِمَّا كانا فِيهِ﴾ من الكرامة والنعيم الواسع الذي كانا فيه في الجنة أولا، بأن قال لهما هل أدلكما على شجرة الخلد، وقاسمهما بالله إني لكما لمن الناصحين، فأكلا منها، ولم يقصد إبليس إخراج آدم من الجنة؛ وإنما قصد إسقاطه من مرتبته، وإبعاده، كما أبعد، فلم يبلغ مقصده، فقال تعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى﴾.
﴿وَقُلْنَا﴾ نحن لآدم، وحواء، وإبليس ﴿اهْبِطُوا﴾؛ أي: انزلوا إلى الأرض، فالمأمور بالهبوط آدم، وزوجه، وإبليس، وهو المأثور عن ابن عباس، ومجاهد، وكثير من السلف، ويشهد له قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ إذ العداوة بين الشيطان والإنسان.
وقيل: الخطاب لآدم وحواء، ورجحه الزمخشري وجمع الضمير؛ لأنهما أصلا الجنس، فكأنهما الجنس كله، ويدل له قوله تعالى في سورة طه: ﴿اهْبِطا مِنْها جَمِيعًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾. وقيل: الخطاب لأربعة،
وأدخل آدم في الجنة ضحوة، وأخرج منها بين الصلاتين، فمكث فيها نصف يوم، والنصف خمس مئة عام مما يعد أهل الدنيا، ولكن لا أصل له.
والأشبه أن قوله (١): ﴿اهْبِطُوا﴾ أمر تكليف؛ لأن فيه مشقة شديدة بسبب ما كانا فيه من الجنة، إلى مكان لا تحصل فيه المعيشة إلا بالمشقة. وقرأ الجمهور ﴿اهْبِطُوا﴾ بكسر الباء، وقرأ أبو حيوة ﴿اهبطوا﴾ بضم الباء، وهما لغتان. قال القرطبي (٢) في تفسيره: إن الصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض، ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك، وهي نثر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم، ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي، إذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف، فكانت تلك الأكلة سبب إهباطهما من الجنة فأخرجهما؛ لأنهما خلقا منها؛ وليكون آدم خليفة الله في الأرض، ولله أن يفعل ما يشاء، وقد قال: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ وهذه منقبة عظيمة، وفضيلة كريمة شريفة. انتهى كلام القرطبي. فهبوطه من الجنة هبوط التشريف، والامتحان، والتمييز بين قبضتي السعادة والشقاوة؛ لأن ذلك من مقتضيات الخلافة الإلهية، وأكثر المفسرين على أن المعنى: انزلوا استخفافا بكم، لكن القول ما قالت حذام. وجملة قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾؛ أي:
(٢) القرطبي.
﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾؛ أي: موضع استقرار على وجهها بالإقامة فيها، أو في القبور. والمستقر ثلاثة:
الأول: رحم الأم. قال تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أودع في صلب الأب، واستقر في رحم الأم.
والثاني: الدنيا قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾.
والثالث: العقبى، إما في الجنة. قال تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ وإما في النار. قال تعالى: ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا﴾ (٦٦) ﴿وَمَتاعٌ﴾؛ أي: تمتع بنعيمها، وانتفاع به ﴿إِلى حِينٍ﴾؛ أي: إلى وقت انقضاء آجالكم؛ يعني: إلى الموت.
والمعنى (٢): أي إن استقراركم في الأرض وتمتعكم فيها، ينتهيان إلى وقت محدد، وليسا بدائمين، كما زعم إبليس حين وسوس لآدم، وسمى الشجرة المنهي عنها شجرة الخلد، وفي هذا إشارة إلى أن الإخراج من جنة الراحة إلى الأرض؛ للعمل فيها، لا للفناء، ولا للمعاقبة بالحرمان من التمتع بخيراتها، ولا للخلود فيها.
(٢) المراغي.
يذكر أن الحية كانت خادم آدم عليه السلام في الجنة، فخانته بأن مكنت عدوه من نفسها، وأظهرت العداوة له هناك، فلما أهبطوا تأكدت العداوة، فقيل لها: أنت عدو بني آدم، وهم أعداؤك، وحيث لقيك منهم أحد شدخ رأسك.
٣٧ - قيل: إنها أدخلت إبليس الجنة بين فكيها، ولو كانت تنذره ما تركها تدخل به، وقال إبليس: أنت في ذمتي، فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بقتلها ولو في الصلاة، والفاء في قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ للدلالة على أن التوبة، حصلت عقب الأمر بالهبوط قبل تحقق المأمور به، ومن ثمة قال القرطبي: إن آدم تاب، ثم هبط، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا﴾ ثانيا؛ ومنه يعرف أن الأمر بالهبوط ليس للاستخفاف، ومشوبا بنوع سخط، إذ لا سخط بعد التوبة، فآدم أهبط بعد أن تاب الله عليه، ومعنى تلقّي الكلمات: استقبالها بالأخذ، والقبول، والعمل بها حين علمها، فإن قلت: ما هن؟
قلت: هي قوله تعالى: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - إن أحب الكلام إلى الله تعالى، ما قال أبونا آدم حين اقترف الخطيئة، وهي: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وتلقى من باب تفعّل الخماسي، وهو هنا بمعنى المجرد؛ أي: بمعنى: لقي آدم من ربه كلمات وأخذها. وقرأ الجمهور برفع آدم ونصب كلمات، والمعنى عليه: حفظ آدم، وألهم من ربه
وقرأ الجمهور (٢): ﴿إِنَّهُ﴾ بكسر الهمزة، وقرأ نوفل بن أبي عقرب ﴿أنه﴾ بفتح الهمزة، ووجهه: أنه فتح على التعليل، والتقدير: لأنه، فالمفتوحة مع ما بعدها فضله، إذ هي في تقدير مفرد ثابت واقع مفروغ من ثبوته، لا يمكن فيه نزاع منازع، وأما الكسر، فهي جملة ثابتة تامة، أخرجت مخرج الإخبار المتقبل الثابت.
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما (٣) - قال: بكى آدم وحواء على ما فاتهما من نعيم الجنة مائتي سنة، ولم يأكلا، ولم يشربا أربعين يوما، ولم يقرب آدم حواء مائة سنة، وقال شهر بن حوشب: بلغني أن آدم لما هبط إلى الأرض،
(٢) البحر المحيط.
(٣) روح البيان.
قالوا: لو أن دموع أهل الأرض جمع، لكانت دموع داود أكثر حيث أصاب الخطيئة، ولو أن دموع داود، ودموع أهل الأرض جمع، لكانت دموع آدم أكثر حيث أخرجه الله من الجنة، فإذا كان حال من اقترف خطيئة دون صغيرة هذا، فكيف حال من انغمس في بحر العصيان، والتوبة بمنزلة الصابون، فكما أن الصابون يزيل الأوساخ الظاهرة، فكذا التوبة تزيل الأوساخ الباطنة، والعبد إذا رجع عن السيئة وأصلح عمله، أصلح الله شأنه وأعاد عليه نعمته الفائتة.
قلت: وما أوردوه في قصة هبوط آدم وحواء من الجنة، وما يتعلق به، قد نقلوا أكثره من الإسرائيليات التي لا يصح شيء منها عند النّقدة من أهل العلم، ورجال الدين.
فإن قلت: كيف يصح عصيان آدم ثم توبته، مع أن الأنبياء معصومون؟
قلت: أجيب عنه بثلاثة أجوبة:
١ - أن المخالفة التي صدرت منه كانت قبل النبوة، والعصمة إنما تكون عن مخالفة الأوامر بعدها.
٢ - أن الذي وقع منه كان نسيانا؛ فسمي عصيانا تعظيما لأمره، والنسيان والسهو لا ينافيان العصمة.
٣ - أن ذلك من المتشابه، كسائر ما جاء في القصة مما لا يمكن حمله على ظاهره، ويجب تفويض أمره إلى الله تعالى، كما هو رأي
سلف الأمة، أو هو من باب التمثيل، كما هو رأي الخلف.
٣٨ - ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا﴾؛ أي: انزلوا ﴿مِنْها﴾؛ أي: من الجنة إلى الأرض حالة كونكم ﴿جَمِيعًا﴾ نصب على الحال من ضمير الجمع؛ تأكيد في المعنى للجماعة من آدم، وحواء، وإبليس، والحية، وكأنه قيل: اهبطوا أنتم أجمعون، ولذلك لا يستدعي اجتماعهم على الهبوط في زمان؛ أي: اهبطوا منها حال كونكم مجتمعين
قال في «الإرشاد» (٢) والثاني مقرون بوعد إيتاء الهدى المؤدي إلى النجاة والنجاح، وما فيه من وعيد العقاب، فليس بمقصود من التكليف قصدا أوليا، بل إنما هو دائر على سوء اختيار المكلفين، ثم إن في الآية دليلا على أن المعصية تزيل النعمة عن صاحبها؛ لأن آدم قد أخرج من الجنة بمعصية واحدة، وهذا كما قال القائل:
| إذا تمّ أمر دنا نقصه | توقّع زوالا إذا قيل تم |
| إذا كنت في نعمة فارعها | فإن المعاصي تزيل النعم |
وجواب الشرط الأول، هو الشرط الثاني مع جوابه، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ﴾؛ أي: اقتدى برسولي، وتمسك بشريعتي. وكرّر (٣) لفظ الهدى، ولم
(٢) أبو السعود.
(٣) روح البيان.
«كرخي». أي: لا يعتريهم ما يوجب ذلك، لا أنه يعتريهم ذلك، لكنهم لا يخافون ولا يحزنون، ولا أنه لا يعتريهم نفس الخوف والحزن أصلا، بل يستمرون على السرور والنشاط، كيف لا واستشعار الخوف والخشية استعظاما لجلال الله تعالى، وهيبته، واستقصارا للجد والسعي في إقامة حقوق العبودية، من خصائص الخواص والمقربين.
والمعنى (٢): فبعد هبوطكم إلى الأرض، إن يأتكم من جهتي هدى، وشريعة، وبيان حق، ودعوة إليه على ألسنة رسلي، فمن تبع هداي الذي أرسلت به رسلي، واستمسك بالشرائع التي أتوا بها، وراعى ما يحكم العقل بصحته، بعد النظر في الأدلة التي في الآفاق والأنفس، فلا خوف عليهم في الآخرة من العذاب، ولا هم يحزنون على ما فاتهم في الدنيا؛ أي: إن المهتدين بهدي الله لا يخافون مما هو آت، ولا يحزنون على ما فات، فإن من سلك سبيل الهدى، سهل عليه كل ما أصابه، أو فقده؛ لأنه موقن بأن الصبر والتسليم مما يرضي ربه، ويوجب مثوبته، فيكون له من ذلك خير عوض عما فاته، وأحسن عزاه عما فقده، فمثله مثل التاجر الذي يكدّ ويسعى، وتنسيه لذة الربح آلام التعب.
والأديان قد حرّمت بعض اللذات، التي كان في استطاعة الإنسان أن يتمتع بها، لضررها إما بالشخص، أو بالمجتمع، فمن تمثلت له المضارّ التي تعقب
(٢) المراغي.
والخلاصة: أن من جاءه الهدى على لسان رسول بلغه إياه واتبعه، فقد فاز بالنجاة، وبعد عنه الحزن، والخوف يوم الحساب، والجزاء والعرض على الملك الديان يوم يقوم الناس لرب العالمين.
قرأ الأعرج (١): هداي بسكون الياء، وفيه الجمع بين الساكنين كقراءة من قرأ (محياي)، وذلك من إجراء الوصل مجرى الوقف. وقرأ عاصم الجحدري، وعبد الله بن أبي إسحاق، وعيسى بن أبي عمر ﴿هدي﴾ بقلب الألف ياء، وإدغامها في ياء المتكلم، إذ لم يمكن كسر ما قبل الياء؛ لأنه حرف لا يقبل الحركة، وهي لغة هذيل يقلبون ألف المقصور ياء، ويدغمونها في ياء المتكلم، وقال شاعرهم:
| سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم | فتخرّموا ولكل قوم مصرع |
أحدهما: أنّ إعمال (لا) عمل ليس قليل جدا.
٣٩ - والثاني: حصول التعادل بينهما، إذ تكون لا قد دخلت في كلتا الجملتين على مبتدأ، ولم تعمل فيهما. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجحدوا برسلنا المرسلة
(٢) البحر المحيط.
﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ المنزلة عليهم، أو كفروا بالآيات جنانا، وكذبوا بها لسانا ﴿أُولئِكَ﴾ إشارة إلى الموصول، باعتبار إتصافه بما في حيز الصلة من الكفر والتكذيب ﴿أَصْحابُ النَّارِ﴾؛ أي: ملازموها وملابسوها بحيث لا يفارقونها، وفي الصحبة معنى الوصلة، فسموا أصحابها لاتصالهم بها وبقائهم فيها، فكأنهم ملكوها فصاروا أصحابها ﴿هُمْ فِيها﴾؛ أي: في النار ﴿خالِدُونَ﴾؛ أي: دائمون، والجملة في حيز النصب على الحالية.
وعبارة أبي حيان هنا قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢) قسيم لقوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ﴾؛ أي: وهو أبلغ من قوله: (ومن لم يتبع هداي) وإن كان التقسيم يقتضيه؛ لأنّ نفي الشيء يكون بوجوه: منها: عدم القابليّة بخلقة، أو غفلة. ومنها: تعمد ترك الشيء فأبرز القسيم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في صورة ثبوتية، ليكون مزيلا للاحتمال الذي يقتضيه النفي، ولما كان الكفر قد يعني به كفر النعمة، وكفر المعصية، بين أن المراد هنا الشرك بقوله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وبآياتنا متعلق بقوله:
﴿وَكَذَّبُوا﴾ وهو من إعمال الثاني، إن قلنا إن كَفَرُوا يطلبه من حيث المعنى، وإن قلنا لا يطلبه، فلا يكون من الإعمال.
والآيات هنا الكتب المنزلة على جميع الأمم، أو معجزات الأنبياء عليه السلام، أو القرآن، أو دلائل الله في مصنوعاته أقوال، وفي قوله: ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ﴾ (٣) دلالة على اختصاص من كفر وكذب بالنار، فيفهم أن من اتبع الهدى هم أصحاب الجنة، وكان التقسيم يقتضي أن من اتبع الهدى لا خوف ولا حزن يلحقه، وهو صاحب الجنة، ومن كذب يلحقه الخوف والحزن، وهو صاحب
(٢) البحر المحيط.
(٣) البحر المحيط.
| وإني لتعروني لذكراك هزّة | كما انتفض العصفور بلّله القطر |
وفي هاتين الآيتين (١)، دلالة على أن الجنة في جهة عالية، دل عليه قوله: ﴿اهْبِطُوا مِنْها﴾ وأن متّبع الهدى مأمون العاقبة، لقوله تعالى فلا خوف. إلخ. وأن عذاب النار دائم، والكافر مخلد فيه، وأن غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى: ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ فإنه يفيد الحصر. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، والحاكم، وصححه، والبيهقي عن أبي أمامة الباهلي: أن رجلا قال: يا رسول الله! أنبيّ كان آدم؟ قال: نعم. قال: كم بينه وبين نوح. قال: عشرة قرون. قال: كم بين نوح وبين إبراهيم. قال: عشرة قرون. قال: يا رسول الله! كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. قال: يا رسول الله! كم كانت الرسل في ذلك؟ قال: ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا.
الإعراب
﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو استئنافية ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب على الظرفية مبني على السكون؛ لشبهه بالحرف شبها افتقاريا، والظرف متعلق بمحذوف جوازا، تقديره: واذكر يا محمد لأمتك قصة إذ قال ربك.. إلخ.
والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿قالَ رَبُّكَ﴾ فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بقال ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه، إن حرف نصب وتوكيد مبني بفتحة مقدرة على الأخير منع
﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَنَحْنُ﴾ الواو حالية نَحْنُ ضمير منفصل لجماعة المتكلمين في محل الرفع مبتدأ ﴿نُسَبِّحُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر وجوبا، تقديره: نحن، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ ﴿بِحَمْدِكَ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من فاعل نسبح، والتقدير: ونحن مسبحون إياك ملتبسين بحمدك، والجملة الإسمية حال من مفعول فعل محذوف، تقديره: وتركتنا عن الخلافة حالة كوننا مسبحين إياك بحمدك ﴿وَنُقَدِّسُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر معطوف على نسبح ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور متعلق بنقدس، ويجوز أن تكون زائدة زيدت؛ لبيان المفعول به؛ أي: ونقدسك كاللام في سقيا لك. قال العكبري: ويجوز أن تكون اللام زائدة؛ لتأكيد التخصيص؛ أي: نقدسك. وقال الصاوي: ويحتمل أنها للتعدية والتعليل؛ أي: ننزهك لا طمعا في عاجل ولا آجل، فتنزيهنا لذاتك فقط. اه.
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾.
﴿وَعَلَّمَ﴾ الواو استئنافية ﴿عَلَّمَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله ﴿آدَمَ﴾ مفعول أول لعلم ﴿الْأَسْماءَ﴾ مفعول ثان له كُلَّها تأكيد للأسماء، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب مع تراخ ﴿عَرَضَهُمْ﴾ فعل وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة قال ﴿عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بعرض ﴿فَقالَ﴾ الفاء عاطفة (قال) فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة عرض ﴿أَنْبِئُونِي﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو ضمير المخاطبين يعود على الملائكة في محل الرفع فاعل، والنون نون الوقاية، والياء ضمير متصل في محل النصب مفعول أول ﴿بِأَسْماءِ﴾ جار ومجرور متعلق بأنبئوني على أنه مفعول ثان له، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قال: ﴿أسماء﴾ مضاف ﴿هؤُلاءِ﴾ ﴿ها﴾ حرف تنبيه ﴿أولاء﴾ اسم إشارة للجمع المطلق في محل الجر مضاف إليه مبني على الكسر؛ لشبهه بالحرف شبها معنويا ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بإن الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿صادِقِينَ﴾ خبر كان منصوب بالياء، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، تقديره: إن كنتم صادقين فأنبئوني، وجملة إن الشرطيّة في محل النصب مقول قال ﴿قالُوا﴾ فعل
﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة مستأنفة ﴿يا آدَمُ﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء للمتوسط ﴿آدَمُ﴾ منادى مفرد العلم في محل النصب على المفعولية مبني على الضم، وجملة النداء في محل النصب مقول قال ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾ فعل أمر مبني على السكون، وفاعله ضمير يعود على الله، والهاء ضمير متصل في محل النصب مفعول أول ﴿بِأَسْمائِهِمْ﴾ جار ومجرور متعلق بأنبئهم على أنه مفعول ثان له، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قال. ﴿فَلَمَّا﴾ الفاء فاء الفصيحية؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما قال الرب جل جلاله لآدم، وأردت بيان ما قال للملائكة بعد ذلك فأقول لك لما أنبأهم.
﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة أو استئنافية ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد قصة إذ قلنا، والجملة المحذوفة معطوفة على الجملة المحذوفة سابقا، أو مستأنفة. ﴿قُلْنا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ متعلق بقلنا.
﴿اسْجُدُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل ﴿لِآدَمَ﴾ اللام حرف جر ﴿آدم﴾ مجرور باللام وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف العلمية والعجمة، والجار والمجرور متعلق باسجدوا، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قلنا ﴿فَسَجَدُوا﴾ الفاء حرف عطف وتفريع (سجد) فعل ماض والواو فاعل، والجملة معطوفة على جملة قلنا ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء ﴿إِبْلِيسَ﴾ مستثنى بإلا متصل إن كان إبليس في الأصل من الملائكة، وقيل: منقطع؛ لأنه ليس من الملائكة، وهو منصوب بالفتحة الظاهرة ولم ينون؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف العلمية والعجمة ﴿أَبى﴾ فعل ماض معتل بالألف مبني بفتحة مقدرة، وفاعله ضمير يعود على إبليس، والجملة الفعلية في محل النصب حال من إبليس؛ أي: حالة كونه آبيا وممتنعا من السجود ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ فعل وفاعل مستتر معطوف على أبى؛ أي: ومستكبرا ﴿وَكانَ﴾ الواو عاطفة، أو حالية، أو استئنافية ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على إبليس ﴿مِنَ الْكافِرِينَ﴾ خبر كان، وجملة كان معطوفة على جملة أبى، أو حالية، أو مستأنفة.
﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَقُلْنا﴾ الواو استئنافية أو عاطفة ﴿قُلْنا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة أو معطوفة على قلنا الأول، واختلاف الزمانين ليس علة مانعة من عطف الفعل على الفعل ﴿يا آدَمُ...﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لقلنا، وإن شئت قلت: ﴿يا آدَمُ﴾ منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول قلنا ﴿اسْكُنْ﴾ فعل أمر مبني على السكون، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره ﴿أنت﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قلنا أَنْتَ أن ضمير رفع منفصل في محل الرفع مؤكد للضمير المستتر في اسكن، ليصح العطف عليه ﴿وَزَوْجُكَ﴾ معطوف على الضمير المستتر في اسكن، كما قال ابن مالك:
| وإن على ضمير رفع متصل | عطفت فافصل بالضمير المنفصل |
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾.
﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ الفاء عاطفة على محذوف يقتضيه المقام، تقديره: فأكلا من الشجرة التي نهيا عنها، ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ (أزل) فعل ماض، و (الهاء) ضمير متصل في محل النصب مفعول به، ﴿الشَّيْطانُ﴾ فاعل ﴿عَنْها﴾ متعلق بأزلهما، وإن شئت قلت: الفاء فاء الفصيحية؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت قول الله لهما اسكن أنت وزوجك الجنة. الخ. وأردت بيان حالهما بعد
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾.
﴿فَتَلَقَّى﴾ الفاء استئنافية أو فصيحية؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت قول الله لهم اهبطوا، أو أردت بيان عاقبة أمر آدم بعد ذلك، فأقول: تلقى آدم ﴿تلقى﴾ فعل ماض و ﴿آدَمُ﴾ فاعل ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بتلقى ﴿كَلِماتٍ﴾ مفعول به منصوب بالكسرة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة الفعلية مستأنفة، أو مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. وقرىء بنصب آدم على المفعولية، ورفع كلمات على الفاعلية، كما مرّ
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾.
﴿قُلْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿اهْبِطُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مقول لقلنا مِنْها متعلق باهبطوا ﴿جَمِيعًا﴾ حال من فاعل اهبطوا؛ أي: مجتمعين في الهبوط في زمان واحد، أو في أزمنة متفرقة ﴿فَإِمَّا﴾ الفاء عاطفة على محذوف يقتضيه السياق، تقديره: فعاهدنا عليهم، أو فصيحية؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت قول الله لهم اهبطوا، وأردت بيان ما عاهد عليهم بعد الهبوط، فأقول لك: قال الله لهم: إما يأتينكم مني هدى ﴿إن﴾ حرف شرط جازم يجزم فعلين، مبني بسكون على النون المدغمة في ميم ما الزائدة و ﴿ما﴾ زائدة زيدت: لتأكيد معنى الكلام ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ﴿يأتين﴾ فعل مضارع في محل الجزم بإن الشرطية على كونه فعل شرط لها، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد الثقيلة حرف لا محل لها من الإعراب، مبني على الفتح، الكاف ضمير لجماعة الذكور المخاطبين في محل النصب مفعول به، والميم حرف دال على الجمع ﴿مِنِّي﴾ جار ومجرور متعلق بيأتينكم ﴿هُدىً﴾ فاعل ﴿فَمَنْ﴾ الفاء رابطة لجواب إن الشرطية وجوبا؛ لكون الجواب جملة اسمية ﴿من﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله ﴿تَبِعَ﴾ فعل ماض في محل الجزم بمن الشرطية على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير مستتر يعود على من ﴿هُدايَ﴾ مفعول به ومضاف إليه ﴿فَلا﴾ الفاء رابطة لجواب من الشرطية وجوبا؛ لكون الجواب جملة اسمية ﴿لا﴾ نافية ملغاة لا عمل لها لتكررها ﴿خَوْفٌ﴾ مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة؛ تقدم النفي عليها ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بمحذوف خبر
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾ الواو عاطفة ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول ﴿وَكَذَّبُوا﴾ معطوف على كفروا على كونه صلة الموصول ﴿بِآياتِنا﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بكذبوا لقربه، أو بكفروا لسبقه ﴿أُولئِكَ﴾ مبتدأ ثان ﴿أَصْحابُ النَّارِ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره، في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، وجملة الأول وخبره في محل الجزم، معطوفة على جملة من الشرطية، على كونها جوابا لأن الشرطية ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ﴿فِيها﴾ متعلق بخالدون ﴿خالِدُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب حال من أصحاب النار، أي: حالة كونهم مقدرا خلودهم فيها. وفي العكبري، وقيل: يجوز أن تكون الجملة حالا من النار؛ لأن في الجملة ضميرا يعود عليها، ويكون العامل في الحال معنى الإضافة، أو اللام المقدرة. انتهى. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ﴾ ﴿وَإِذْ﴾ اسم ثنائيّ الوضع مبني؛ لشبهه بالحرف شبها وضعيا، أو افتقاريا، وهو ظرف زمان للماضي، وما بعده جملة اسمية، أو فعلية، وإذا كانت فعلية، قبح تقديم الاسم على الفعل، وإضافته إلى المصدرة بالمضارع، وعمل المضارع فيه، مما يجعل المضارع ماضيا، وهو ملازم للظرفية، إلا أن يضاف إليه زمان، ولا يكون مفعولا به، ولا حرفا للتعليل، أو للمفاجأة، ولا ظرف مكان، ولا زائدة، خلافا لزاعمي ذلك. ولها أحكام غير هذا مذكورة في كتب النحو ﴿قالَ﴾ أصله: قول بوزن فعل، تحركت الواو وانفتح
﴿وَيَسْفِكُ﴾ وفي «المصباح» وسفك الدم أراقه، وبابه ضرب، وفي لغة: من باب قتل، وقرىء بهما كما مرّ في مبحث القراءة ﴿الدِّماءَ﴾ جمع دم، أصله: دمي، أو دمو، والهمزة في الدماء: إما مبدلة من واو، أو ياء. والثاني: هو مذهب سيبويه، وظاهر كلام صاحب القاموس. والأول ظاهر كلام الجوهري، حيث صدر به، وعلى كلا التقديرين تطرّفت الواو، أو الياء إثر ألف زائدة فقلبت همزة، وهذا أمر مطرد، سواء أكان أصله دماو، أو دماي ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ التسبيح تنزيه لله وتبرئته عن السوء، ولا يستعمل إلا لله تعالى، وأصله: من السّبح وهو الجري، والمسبّح جار في تنزيه لله تعالى ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ والتقديس التطهير، ومنه بيت المقدس، والأرض المقدسة،
ومنه القدس للسطل الذي يتطهر به، وقال الزمخشري: من قدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد.
وفائدة الجمع بين التسبيح والتقديس، وإن كان ظاهر كلامهم ترادفهما أن التسبيح بالطاعات، والعبادات، والتقديس بالمعارف في ذات الله تعالى، وصفاته، وأفعاله؛ أي: التفكر في ذلك. اه. «كرخي».
﴿وَعَلَّمَ﴾ وزنه فعل المضعّف، منقول من علم التي تتعدّى لواحد، فرقوا بينها وبين علّم التي تتعدى لاثنين في النقل، فعدوا تلك بالتضعيف، وهذه
﴿الْأَسْماءَ﴾ وزنه أفعال، والهمزة فيه على الصحيح مبدلة من واو؛ لأنه من السمو، كما مرّ في مبحث البسملة؛ أي: علّمه الأسماء لفظا، ومعنى، وحقيقة مفردا، ومركبا، كأصول العلم، فإن الاسم باعتبار الاشتقاق علامة للشيء، ودليله الذي يرفعه إلى الذهن؛ أي: يوصله إلى الفطنة. والمراد بالاسم: ما يدلّ على معنى، ولو كان ذاتا وجرما فهو أعمّ من الاسم، والفعل، والحرف. اه. «كرخي».
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ العرض: إظهار الشيء حتى تعرف جهته ﴿فَقالَ أَنْبِئُونِي﴾ والإنباء: الإخبار، ويتعدى فعله لواحد بنفسه، ولثان بحرف جر، ويجوز حذف ذلك الحرف، ويضمّن بمعنى أعلم فيتعدى إلى ثلاثة.
﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾ وسبحان: مصدر كغفران، ولا يكاد يستعمل إلا مضافا منصوبا بإضمار فعله، كمعاذ الله، ولا يجوز إظهاره ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ وهما فعيل بمعنى فاعل، وفيهما من المبالغة ما ليس فيه، والحكمة لغة: الإتقان والمنع من الخروج عن الإرادة، ومنه حكمة الدابة. والحكيم: صفة ذات إن فسّر بذي الحكمة، وصفة فعل إن فسّر بأنه المحكم لصنعته ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أصله: أقول، فدخل على الفعل المضارع الجازم وهو لم، فسكن حرفه الأخير لمّا جزم، فصار اللفظ أقول، فالتقى ساكنان الواو ولام الفعل، فحذفت الواو فقيل: أقل على وزن أفل، وهكذا كلّ ما كان من هذا القبيل ﴿ما تُبْدُونَ﴾ أصله: تبديون
﴿أَبى﴾؛ أي: امتنع وأنف من السجود لآدم، وأصله: أبي بوزن فعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾؛ أي: تكبّر وتعاظم في نفسه، والسين للمبالغة لا للطلب، وإنما قدم الإباء على الاستكبار، وإن كان متأخرا عنه في الترتيب؛ لأنه من الأفعال الظاهرة بخلاف الاستكبار، فإنه من أفعال القلوب.
واقتصر في (سورة ص) على ذكر الاستكبار؛ اكتفاء به، وفي (سورة الحجر) على ذكر الإباء حيث قال: ﴿أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ ﴿وَكُلا﴾ أمر من أكل، وقياس الثلاثي إذا بني منه الأمر، أن يؤتى قبله بهمزة وصل؛ توصلا للنطق بالساكن، كما في اضرب، واصبر، لكن فاء الفعل الساكنة، حذفت من هذا الأمر شذوذا في القياس غالبا، كما حذفت من الأمر من أخذ وأمر، ومعنى قولي شذوذا في القياس: أنّ استعمالها فاش ﴿رَغَدًا﴾ الرّغد: الهنيء الذي لا عناء فيه، أو الواسع. يقال: رغد عيش القوم، إذا كانوا في رزق واسع كثير، وأرغد القوم: أخصبوا وصاروا في رغد من العيش ﴿حَيْثُ شِئْتُما﴾ أصله شيء بوزن فعل بكسر العين، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فصار شاء، ثمّ أسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك، فسكن آخره، فالتقى ساكنان الألف والهمزة آخر الفعل،
والزلل: السقوط. يقال: زل في طين، أو منطق، يزل بالكسر زللا. وقال الفراء: زل يزل بالفتح زللا، وأصله: أزللهما، نقلت حركة اللام الأولى إلى الزاي، فسكنت فأدغمت في اللام الثانية. وقرأ حمزة بمدّ الزاي وتخفيف اللام من الإزالة، وأصله:
أزولهما، نقلت حركة حرف العلة الواو إلى الساكن الصحيح قبله، ثم قلبت الواو ألفا؛ لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن.
﴿مِمَّا كانا فِيهِ﴾ أصله كون، تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، ثم ألحق به ألف الاثنين، فصار كانا ﴿اهْبِطُوا﴾ والهبوط، كما قال الرّاغب الانحدار على سبيل القهر، ولا يبعد أن تكون تلك الجنة في ربوة، فسمّي الخروج منها هبوطا، أو سمّي بذلك؛ لأنّ ما انتقلوا إليه دون ما كانوا فيه، أو هو كما يقال هبط من بلد إلى بلد، كقوله لبني إسرائيل ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ أصله عدوو بوزن فعول، أدغمت الواو الأولى واو فعول في الواو لام الكلمة، وأفرد لفظ عدوو إن كان المراد به جمعا لأحد وجهين: إمّا اعتبارا بلفظ بعض، فإنه مفرد، وإما لأن عدوّا أشبه المصادر في الوزن، كالقبول، ونحوه. وقد صرّح أبو البقاء، بأن بعضهم جعل عدوا مصدرا. اه. «سمين» ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ والمستقر: الاستقرار والبقاء، وأصله مستقرر بوزن مستفعل، إما اسم مكان، أو مصدر
﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ﴾ والهدى: الرشد بإرسال رسول بشريعة يأتي بها، وكتاب ينزله ويبلّغه لكم ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ والخوف: ألم الإنسان مما يصيبه من مكروه، أو حرمانه من محبوب، يتمتّع به أو يطلبه ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ والحزن: ألم يلمّ به إذا فقد ما يحب ﴿بِآياتِنا﴾ جمع آية، وهي: العلامة الظاهرة، والمراد بها: كلّ ما يدلّ على وجود الخالق ووحدانيته، مما أودعه في الكون ونشاهده في الأنفس، وتطلق على كلّ قسم من أقسام القرآن، التي تتألّف منها سورة القرآن، ويقف القارىء عندها في تلاوته. والعمدة في معرفة ذلك، على التوقيف المأثور عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وسمّيت بذلك؛ لأنها دلائل لفظية على الأحكام والآداب، التي شرعها الله سبحانه لعباده. وأصل آية عند الخليل: أيية بوزن فعلة، أبدلت الياء الأولى ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، وكان القياس إبدال الثانية ألفا وتصحيح الأولى؛ لأن القاعدة المعروفة، أنه إذا استحق حرفان متواليان الإعلال، صحح الأول منهما، وأعلّ الثاني، ولا يعلان معا:
لئلا يجتمع إعلالان متواليان في كلمة، كما قال ابن مالك:
| وإن لحرفين ذا الإعلال استحقّ | صحّح أوّل وعكس قد يحق |
ومذهب الكسائي: أن آية أصله آيية بوزن فاعلة، حذفت الياء الأولى؛ لئلا تدغم
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة، وأنواعا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التعريض بعنوان الربوبية في قوله: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ﴾ مع الإضافة إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم للتشريف والتكريم لمقامه العظيم.
ومنها: تقديم الجار والمجرور في قوله: ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ على المقول؛ للاهتمام بما قدم؛ وللتشويق إلى ما أخر.
ومنها: الاستفهام التعجبي في قوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ﴾.
ومنها: إطلاق العام وإرادة الخاص في قوله: ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾؛ لأن المراد بهم هنا، سكان الأرض من الملائكة بعد الجان على ما قيل.
ومنها: عطف الخاص في قوله: ﴿وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ على العام في قوله:
﴿مَنْ يُفْسِدُ﴾؛ اهتماما بشأن الدماء.
ومنها: العطف للتأكيد في قوله: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾؛ لأنه كالتوكيد للتسبيح؛ لأن التقديس هو التطهير، والتسبيح هو التنزيه والتبرئة من السوء، فهما متقاربان في المعنى ذكره في «البحر».
ومنها: الأمر الذي أريد به التعجيز في قوله: ﴿أَنْبِئُونِي﴾ مبالغة في التبكيت.
ومنها: إطلاق الأسماء مرادا بها المسميات في قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ﴾؛ أي: مسميات الأسماء، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
ومنها: المجاز بالحذف في قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ﴾؛ لأن قبله محذوف، تقديره: فأنبأهم بها، فلما أنبأهم بأسمائهم.
ومنها: تغليب العقلاء على غيرهم في قوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾؛
ومنها: الحذف في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؛ لأن جوابه محذوف، تقديره: إن كنتم صادقين فأنبئوني، يدل عليه أنبئوني السابق.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا﴾.
ومنها: إبراز الفعل في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ﴾ ثمّ قال: ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ للاهتمام بالخبر، والتنبيه على إحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء، ويسمى هذا بالإطناب.
ومنها: الطباق بين السموات وبين الأرض في قوله: ﴿غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وبين ﴿ما تُبْدُونَ﴾ وبين ﴿ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ في قوله: ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ هذا وإنّ الطباق من الألفاظ التي خالفت مضمونها، ولذلك سماه بعضهم بالتضادّ والتكافؤ، وهو الجمع بين معنيين متضادين، ولا مناسبة بين معنى المطابقة لغة، وبين معناها اصطلاحا، فإنها في اللغة الموافقة يقال: طابقت بين الشيئين، إذا جعلت أحدهما على حذو الآخر، وابن الأثير يعجب من هذه التسمية؛ لأنه لا يعرف من أين اشتقت هذه التسمية، إذ لا مناسبة بين الاسم ومسماه، وابن قدامة يسميه التكافؤ، ولا فرق بين أن يكون التقابل حقيقيا، أو اعتباريا، أو تقابل السلب والإيجاب، ومن طباق السلب، قول السموءل اليهوديّ:
| وننكر إن شئنا على الناس قولهم | ولا ينكرون القول حين نقول |
| فإذا حاربوا أذلّوا عزيزا | وإذا سالموا أعزّوا ذليلا |
ومنها: التعبير في النهي عن الأكل بالنهي عن القربان في قوله: ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ لقصد المبالغة في النهي عن الأكل، إذ النهي عن القرب نهي عن الفعل بطريق أبلغ، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ فنهى عن القرب من الزنا؛ ليقطع الوسيلة إلى ارتكابه.
ومنها: الإبهام في قوله: ﴿مِمَّا كانا فِيهِ﴾ فإنه أبلغ في الدلالة على فخامة الخيرات، مما لو قيل من النعيم أو الجنة؛ لأنّ من أعظم أساليب البلاغة في الدلالة على عظم الشيء وفخامته، أن يعبّر عنه بلفظ مبهم، كما هنا، لتذهب نفس السامع في تصوّر عظمته إلى أقصى ما يمكنها أن تذهب إليه.
ومنها: التعبير بقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾؛ أي: كثير التوبة واسع الرحمة؛ لأن فعالا وفعيلا من صيغ المبالغة.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا﴾ تأكيدا لما قبله، وتوطئة لما بعده.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع، والله سبحانه وتعالى أعلم.
فائدة: قال بعض العارفين: سابق العناية لا يؤثر فيه حدوث الجناية، ولا يحطّ عن رتبة الولاية، فمخالفة آدم التي أوجبت له الإخراج من دار الكرامة، لم تخرجه عن حظيرة القدس، ولم تسلبه رتبة الخلافة، بل أجزل الله له في العطية، فقال: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾.
وقال الشاعر:
| وإذا الحبيب أتى بذنب واحد | جاءت محاسنه بألف شفيع |
* * *
{يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)}.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى، لما ذكر (١) خطاب المكلفين عموما في أول السورة، ثم ثنّى بمبدأ خلق آدم عليه السلام، وقصته مع إبليس اللعين، ثلّث هنا بذكر بني إسرائيل، سواء كانوا في زمنه صلّى الله عليه وسلّم أو قبله، وما يتعلق بهم من هنا إلى قوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ فعدّد عليهم نعما عشرا، وقبائح عشرا، وانتقامات عشرا.
والحكمة في ذكر بني إسرائيل (٢)، الذين تقدموا قبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، مع أنهم لم يخاطبوا بالإيمان برسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّ من كان في زمنه صلّى الله عليه وسلّم يدّعي أنه على قدمهم، وأنه متبع لهم، وأن أصولهم كانوا على شيء، فلذلك تبعوهم. فبين
(٢) الصاوي.
وحكمة تخصيصهم بالخطاب: أن السورة أول ما نزل بالمدينة، وأهل المدينة كان غالبهم يهودا، وهم أصحاب كتاب وشوكة، فإذا أسلموا، أو انقادوا، انقاد جميع أتباعهم، لذلك توجّه الخطاب لهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: لما ذكر الله سبحانه وتعالى أولا نعمه على بني إسرائيل إجمالا، ذكر هنا أنواع تلك النعم على سبيل التفصيل، ليكون أبلغ في ذكرها وأدعى لشكرها، فكأنه قال: اذكروا نعمتي، واذكروا إذ نجيناكم، واذكروا إذ فرقنا بكم البحر، واذكروا إذ واعدنا موسى، وإذ آتينا موسى الكتاب، إلى آخر ما عدده من النعم عليهم، وكل هذه النعم تستدعي شكر المنعم جل وعلا، لا كفرانه وعصيانه.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه الواحدي، والثعلبي من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: (نزلت هذه الآية في يهود أهل المدينة، كان الرجل منهم يقول لصهره، ولذوي قرابته، ولمن بينه وبينهم رضاع من المسلمين، أثبت على الدين الذي أنت عليه، وما يأمرك به هذا الرجل، فإنّ أمره حق، وكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه).
وعبارة أبي حيان هنا قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآيات، هذا (٢) افتتاح الكلام مع اليهود والنصارى، ومناسبة الكلام معهم هنا ظاهرة، وذلك أن هذه السورة افتتحت بذكر الكتاب، وأن فيه هدى للمؤمنين، ثم أعقب ذلك بذكر الكفار المختوم عليهم بالشقاوة، ثم بذكر المنافقين، وذكر جمل من أحوالهم، ثم أمر الناس قاطبة بعبادة الله تعالى، ثم ذكر إعجاز القرآن إلى غير ذلك مما ذكره،
(٢) البحر المحيط.
وللشوكاني هنا: كلام في الرد على من يبحث عن المناسبة بين السور وبين الآيات فلا يغتر بكلامه؛ لأنه إذا ثبت أن ترتيب الآيات والسور في وضع المصاحف، على غير ترتيب النزول، والحال أن ذلك وضع توقيفي، فلا بدّ من معرفة حكمة تغيير الترتيب النزولي إلى هذا الترتيب الوضعي، ويتوصل إلى معرفتها بالبحث عن المناسبة الموصل إلى معرفة بلاغات القرآن وإعجازه، فحينئذ لا بد من البحث عنها ويقال:
وكم من عائب بحثا صحيحا
لعدم اطّلاعه على ما فيها ولا نطيل الكلام في الرد عليه، كما أطاله وخطّأ غيره، وحمّقه، ولا نقول فيه إلا كما قيل:
| وهو بسبق حائز تفضيلا | مستوجب ثنائي الجميلا |
٤٠ - ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾؛ أي: يا أولاد يعقوب، وهذا خطاب مع جماعة اليهود
ونقل عن أبي الفرج ابن الجوزي: أنه ليس لأحد من الأنبياء غير نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم اسمان إلا يعقوب، فإنه يعقوب، وهو إسرائيل ونقل الجوهري في «صحاحه»: أن المسيح اسم علم لعيسى لا اشتقاق له. وذكر البيهقيّ عن الخليل بن أحمد، خمسة من الأنبياء ذوو اسمين: محمد وأحمد نبينا صلّى الله عليه وسلّم، وعيسى والمسيح، وإسرائيل ويعقوب، ويونس وذو النون، وإلياس وذو الكفل.
والمراد بقوله: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ من كان بحضرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة وما والاها من بني إسرائيل، أو من أسلم من اليهود وآمن
ويحتمل قوله: ﴿اذْكُرُوا﴾ الذكر باللسان، والذكر بالجنان، فعلى الأول يكون المعنى: أمرّوا النّعم على ألسنتكم ولا تغفلوا عنها، فإن إمرارها على اللسان ومدارستها سبب في أن لا تنسى. وعلى الثاني يكون المعنى تنبّهوا للنعم ولا تغفلوا عن شكرها وفي النعمة (١) المأمور بشكرها، أو بحفظها أقوال: ما استودعوا من التوراة التي فيها صفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أو ما أنعم به على أسلافهم من إنجائهم من آل فرعون، وإهلاك عدوّهم، وإيتائهم التوراة، ونحو ذلك قاله الحسن، والزجاج، أو إدراكهم مدّة النبي صلّى الله عليه وسلّم، أو علم التوراة، أو جميع النعم على جميع خلقه، وعلى سلفهم وخلفهم في جميع الأوقات على تصاريف الأحوال. وأظهر هذه الأقوال: أنها ما اختصّ به بنو إسرائيل من النعم لظاهر قوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ ونعم الله على بني إسرائيل كثيرة، استنقذهم من بلاء فرعون وقومه، وجعلهم أنبياء وملوكا، وأنزل عليهم الكتب المعظّمة، وظلّل عليهم في التيه الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى. قال ابن عباس (أعطاهم عمودا من النّور ليضيء لهم باللّيل) وكانت رءوسهم لا تتشعّث، وثيابهم لا تبلى، وإنما ذكّروا بهذه النعم؛ لأن في جملتها ما شهد بنبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم وهو التوراة، والإنجيل، والزبور. وليحذروا مخالفة ما دعوا إليه، من الإيمان برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وبالقرآن، ولأنّ تذكير النعم السالفة يطمع في النعم الخالفة، وذلك الطمع يمنع من إظهار المخالفة، وهذه النعم وإن كانت على آبائهم فهي أيضا نعم عليهم؛ لأن هذه النعم حصل بها النسل؛ ولأنّ الانتساب إلى آباء شرّفوا بنعم، تعظيم في حق الأولاد. قال بعض العارفين: عبيد النعم كثيرون، وعبيد المنعم قليلون، فالله تعالى ذكّر بني إسرائيل نعمه عليهم، ولما آل الأمر إلى أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم ذكر
(٢) البحر المحيط.
وقيل: المراد بالنعمة نعمة النبوة التي اصطفاهم بها زمانا طويلا، حتى
(٢) روح البيان.
(٣) المراغي.
وقرأ الزهري (١): ﴿أوف﴾ بعهدكم مشددا، ويحتمل أن يراد به التكثير، وأن يكون موافقا للمجرد. وقرأ ابن أبي إسحاق ﴿فارهبوني﴾ بالياء على الأصل. ولما كان من مواضع الوفاء بالعهد، خوف بعضهم من بعض، ذكر هنا أن الخوف يجب أن يكون من الله تعالى وحده، فقال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾
٤١ - وبعد أن ذكر الوفاء بالعهد العام، انتقل إلى العهد الخاص المقصود من السياق، فقال: ﴿وَآمِنُوا﴾ يا بني إسرائيل: ﴿بِما أَنْزَلْتُ﴾ إفراد الإيمان (٢) بالقرآن بالأمر به، بعد اندراجه تحت العهد؛ لمّا أنّه العمدة القصوى في شأن الوفاء بالعهد؛ أي: صدقوا بهذا القرآن الذي أنزلته على محمد صلّى الله عليه وسلّم ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾؛ أي: حال كون القرآن مصدقا للتوراة؛ لأنه نازل حسبما نعت فيها، وتقييد المنزل بكونه مصدقا لما معهم؛ لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر، فإن إيمانهم بما معهم، مما يقتضي الإيمان بما يصدقه قطعا ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ﴾ فريق ﴿كافِرٍ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن، فإن وزر المقتدي يكون على المبتدىء كما يكون على المقتدي؛ أي (٣): لا تسارعوا إلى الكفر به؛
(٢) روح البيان.
(٣) روح البيان.
والمعنى (٢): وآمنوا يا أهل الكتاب! بما أنزلته على محمد صلّى الله عليه وسلّم، من القرآن، وصدقوا أنه من عندي، حالة كون ذلك المنزل مصدقا، وموافقا لما معكم؛ أي: للكتاب الذي معكم من التوراة والإنجيل في التوحيد، وصفة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وبعض الشرائع، ولا تكونوا أيها اليهود أول من يكفر بهذا القرآن من أهل الكتاب؛ لأنكم إذا كفرتم به كفر أتباعكم، فتكونوا أئمة في الضلال، أو لا تكونوا أول من جحد مع المعرفة؛ لأن كفر قريش مع الجهل لا مع المعرفة.
(٢) العمدة.
ومعنى الآية: لا تكفروا به، فتكونوا أولا بالنسبة لمن بعدكم من ذريتكم، فتبوءوا بإثمكم وإثمهم، فهذا أبلغ من قوله ولا تكفروا؛ لأن فيه إثما واحدا؛ أي: بل يجب أن تكونوا أول من آمن به، لأنكم أهل نظر في معجزاته وعلم بشأنه ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي﴾؛ أي: لا تأخذوا لأنفسكم بدلا منها ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ هي الحظوظ الدنيوية، فإنها وإن جلّت قليلة مسترذلة بالنسبة إلى ما فاتهم من حظوظ الآخرة بترك الإيمان. قيل: كانت عامتهم يعطون أحبارهم من زروعهم وثمارهم، ويهدون إليهم الهدايا، ويعطونهم الرّشا على تحريفهم الكلم، وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من الشرائع. وكان ملوكهم يجرون عليهم الأموال؛ ليكتموا ويحرفوا، فلما كانت لهم رياسة عندهم، ومآكل منهم، خافوا أن يذهب ذلك منهم؛ أي: من الأحبار لو آمنوا بمحمد واتبعوه، وهم عارفون صفته وصدقه، فلم يزالوا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويغيرون نعت محمد صلّى الله عليه وسلّم، كما حكي أن كعب بن الأشرف قال لأحبار اليهود: ما تقولون في محمد؟ قالوا: إنه نبيّ. قال لهم: كان لكم عندي صلة وعطية لو قلتم غير هذا. قالوا: أجبناك من غير تفكر، فأمهلنا نتفكر وننظر في التوراة، فخرجوا، وبدّلوا نعت المصطفى بنعت الدّجال، ثم رجعوا وقالوا ذلك، فأعطى كلّ واحد منهم صاعا من شعير، وأربعة أذرع من الكرباس، فهو القليل الذي ذكره الله سبحانه في هذه الآية الكريمة.
والمعنى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا﴾؛ أي: لا تأخذوا بكتمان آياتي؛ أي: بكتمان محمد صلّى الله عليه وسلّم المذكور في كتابكم ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ أي: عوضا يسيرا من الدنيا من سفلتكم يعني: لا تكتموها خوف فوات ما تأخذونه من سفلتكم.
وعبارة «الجمل» هنا (٢): وذلك أن كعب بن الأشرف، ورؤساء اليهود، وعلماءهم كانوا يصيبون المآكل من سفلتهم وجهالهم، وكانوا يأخذون منهم في كل سنة شيئا معلوما من زرعهم، وثمارهم، ونقودهم، فخافوا أنهم إن بيّنوا صفة
(٢) الفتوحات.
٤٢ - ﴿وَلا تَلْبِسُوا﴾؛ أي: ولا تخلطوا ﴿الْحَقَّ﴾ المنزّل من عندي في أوصاف محمد صلّى الله عليه وسلّم ﴿بِالْباطِلِ﴾ المخترع من عندكم؛ أي: لا تخلطوا الحقّ الذي أنزلت عليكم في التوراة، من صفة محمد صلّى الله عليه وسلّم بالكذب الذي تكتبونه بأيديكم، من تغيير صفته، وتبديل نعته، وهو معطوف (٢) على ما قبله. واللّبس بالفتح: الخلط؛ أي: لا تخلطوا الحقّ المنزّل بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه حتى لا يميّز بينهما، أو لا تجعلوا الحقّ ملتبسا، بسبب خلط الباطل الذي تكتبونه في خلاله، أو تذكرونه في تأويله.
وفي «البحر» ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ﴾؛ أي: الصدق (٣) بالكذب، قاله ابن عباس، أو اليهودية والنصرانية بالإسلام، قاله مجاهد، أو التوراة بما كتبوه بأيديهم فيها من غيرها، أو بما بدّلوا فيها من ذكر محمد صلّى الله عليه وسلّم، قاله ابن زيد، أو الأمانة بالخيانة؛ لأنهم ائتمنوا على إبداء ما في التوراة، فخانوا في ذلك بكتمانه وتبديله، أو الإقرار بنبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم إلى غيرهم، وجحدهم أنه ما بعث إليهم، قاله أبو العالية، أو إيمان منافقي اليهود بإبطان كفرهم، أو صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم بصفة
(٢) روح البيان.
(٣) البحر المحيط.
﴿وَ﴾ لا ﴿تَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ مجزوم (١) عطفا على تلبسوا، والمعنى: النّهي عن كل واحد من الفعلين، كما قالوا: لا تأكل السمك وتشرب اللبن بالجزم، نهيا عن كل واحد من الفعلين، أو منصوب بإضمار أن، وعلى الأول يكون كل واحد من اللّبس والكتم منهيا عنه، وعلى الثاني يكون المنهيّ عنه هو الجمع بين الأمرين، ومن هذا يظهر رجحان دخوله تحت حكم النهي، وأنّ كل واحد منهما لا يجوز فعله على انفراده، والمراد: النهي عن كتم حجج الله التي أوجب تبليغها، وأخذ عليهم بيانها. وجملة قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حالية من واو الفاعل في الفعلين؛ أي: حالة كونكم عالمين بأنكم لابسون كاتمون، أو أنتم تعلمون أنه حق نبي مرسل، قد أنزل عليكم ذكره في كتابكم، فجحدتم نبوته مع العلم به، أو المعنى: وأنتم تعلمون ما في إضلال الخلق من الضرر العظيم العائد عليكم، وليس إيراد الحال لتقييد المنهي به، بل لزيادة تقبيح حالهم، إذ الجاهل قد يعذر.
وقد أبانت الآية طريقهم في الغواية والإغواء، فقد جاء في كتبهم (٢):
١ - التحذير من أنبياء كذبة يبعثون فيهم، وتكون لهم عجائب وأفاعيل تدهش الألباب.
٢ - أن الله سبحانه يبعث فيهم نبيا من ولد إسماعيل، يقيم به أمة، وأنه يكون من ولد الجارية هاجر، وبيّن علامات واضحة له لا لبس فيها ولا اشتباه، فأخذ الأحبار والرهبان يلبسّون على العامّة الحقّ بالباطل، ويوهمونهم أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم من أولئك الأنبياء الكذبة، الذين وصفوا في التوراة بالكذب، ويكتمون ما يعرفونه من أوصاف لا تنطبق إلا عليه، وما يعرفونه من نعوت الأنبياء الصادقين. وسبيل دعوتهم إلى الله أنهم كانوا يصدونهم عن السبيل القويم، بعدم الإيمان بالنبي صلّى الله عليه وسلّم،
(٢) المراغي.
وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من تعلّم علما لا يبتغي به وجه الله، لا يتعلّمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة»؛ أي: ريحها.
فمن (٢) رهب وصاحب التقوى، لا يأخذ على علمه عوضا، ولا على وصيته ونصيحته صفدا، بل يبين الحق ويصدع به، ولا يلحقه في ذلك خوف ولا فزع.
وفي الحديث: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يمنعن أحدكم هيبة أحد أن يقول أو يقوم بالحق حيث كان»، وفي التنزيل ﴿يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ قال القرطبي: وقد اختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن، والعلم لهذه الآية ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ والفتوى في هذا الزمان، على جواز الاستئجار لتعليم القرآن، والفقه، وغيره؛ لئلا يضيع. وفي الحديث «إن أحقّ ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله». والآية في حق من تعيّن عليه التعليم، فأبى حتى يأخذ عليه
(٢) روح البيان.
وقالوا في زماننا: تغيّر الجواب في بعض المسائل، لتغيّر الزمان، وخوف اندراس العلم والدّين.
منها: ملازمة العلماء أبواب السلاطين.
ومنها: خروجهم إلى القرى لطلب المعيشة.
ومنها: أخذ الأجرة لتعليم القرآن، والأذان، والإمامة.
ومنها: العزل عن الحرّة بغير إذنها.
ومنها: السلام على شربة الخمور، ونحوها، فأفتى بالجواز فيها، خشية الوقوع فيما هو أشدّ منها وأضرّ. كذا في «نصاب الأحساب»، وغيره.
٤٣ - ثم ذكر لزوم الشرائع لهم بعد الإيمان، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ خطاب (١) لبني إسرائيل؛ أي: اقبلوا يا بني إسرائيل! وجوب الصلوات الخمس المفروضة، واعتقدوا فرضيتها، وأدوها بشرائطها، وأركانها، وآدابها في أوقاتها المحدودة لها، كصلاة المسلمين، فإن غيرها ك: لا صلاة ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾؛ أي: اعطوا
وخصّ الله سبحانه وتعالى الركوع بالذكر؛ تحريضا لليهود على الإتيان بصلاة المسلمين، فإن اليهود لا ركوع في صلاتهم، فكأنّه تعالى قال: صلّوا الصلاة ذات الركوع في جماعة. وقيل: لكونه ثقيلا على أهل الجاهلية. وقيل:
إنه أراد بالركوع جميع أركان الصلاة، والركوع الشرعيّ: هو أن ينحني المصلّي، ويمدّ ظهره وعنقه، ويفتح أصابع يديه، ويقبض على ركبتيه، ثم يطمئن راكعا ذاكرا بالذكر المشروع فيه.
والخلاصة (١): أنه سبحانه وتعالى، بعد أن دعا بني إسرائيل إلى الإيمان، أمرهم بصالح عمل على الوجه المقبول عند الله، فطلب إليهم إقامة الصلاة؛ لتطهّر نفوسهم، كما طلب إليهم إيتاء الزكاة التي هي: مظهر شكر الله على نعمه، والصلة العظيمة بين الناس؛ لما فيها من بذل المال لمواساة عيال الله، وهم الفقراء؛ ولما بين الناس من تكافل عام في هذه الحياة، فالغنيّ في حاجة إلى الفقير، والفقير في حاجة إلى الغني، كما ورد في الحديث «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا».
وبعد (٢) إذ أمرهم بالركوع مع الراكعين؛ أي: أن يكونوا في جماعة المسلمين ويصلّوا صلاتهم، وقد حثّ على صلاة الجماعة؛ لما فيها من تظاهر النفوس عند مناجاة الله، وإيجاد الألفة بين المؤمنين؛ ولأنه عند اجتماعهم
(٢) المراغي.
٤٤ - والخطاب في قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ موجّه إلى حملة الكتاب من الأحبار والرهبان. فقد روي عن ابن عباس: أنّ الآية نزلت في أحبار المدينة، كانوا يأمرون من نصحوه سرا بالإيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، ولا يؤمنون به. وقال السدّيّ: إنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله تعالى، وينهونهم عن معصيته، وهم يفعلون ما ينهون عنه. والاستفهام (١) فيه للتوبيخ، والتقريع لهم على ما فعلوا من أمر الناس، وترك أنفسهم المضمّن للإنكار والنهي، ونظيره في النهي، قول أبي الأسود الدؤليّ:
| لا تنه عن خلق وتأتي مثله | عار عليك إذا فعلت عظيم |
| وابدأ بنفسك فانهها عن غيّها | فإن انتهت عنه فأنت حكيم |
والأمر (٢): القول لمن دونك افعل، والمراد بالناس سفلتهم. والبرّ: التوسع في الخير، من البرّ الذي هو الفضاء الواسع ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: (٣) تتركونها
(٢) روح البيان.
(٣) روح البيان.
أليس لكم عقل تعرفون به، أنه قبيح منكم عدم إصلاح أنفسكم، والاشتغال بغيركم؟!.
والعقل في الأصل: المنع والإمساك، ومنه العقال الذي يشدّ به وظيف البعير إلى ذراعيه لحبسه عن الحراك، سمي به النور الروحانيّ الذي به تدرك النفس العلوم الضروريّة، والنظرية؛ لأنه يحبس عن تعاطي ما يقبح، ويعقل على ما يحسن، ومحله الدماغ؛ لأنّ الدماغ محلّ الحسّ، وعند البعض محلّه القلب؛ لأنّ القلب معدن الحياة ومادّة الحواس، وعند البعض هو نور في بدن الآدمي والله أعلم. والأوّل أرجح، ثم هذا التوبيخ ليس على أمر الناس بالبر، بل لترك العمل به، فمدار الإنكار والتوبيخ هي الجملة المعطوفة، وهي جملة تنسون أنفسكم، دون ما عطفت هي عليه، وهي أتأمرون الناس بالبر. ولا يستقيم قول: من لا يجوّز الأمر بالمعروف لمن لا يعمل به لهذه الآية، بل يجب العمل به، ويجب الأمر به، وقد جاء في الخبر «مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه»، وذلك؛ لأنه إذا أمر به مع أنه لا يعمل به، وفقد ترك واجبا، وإذا لم يأمر به، فقد ترك واجبين، فالأمر بالحسن حسن وإن لم يعمل به، ولكن قلّما نفعت موعظة من لم يعظ نفسه. ومن أمر بخير، فليكن أشد الناس مسارعة إليه، ومن نهى عن شيء، فليكن أشدّ الناس انتهاء عنه.
وهذه الآية كما ترى، ناعية على من يعظ غيره، ولا يعظ نفسه سوء
ويروى أنه كان عالم من العلماء، مؤثّر الكلام، قويّ التصرف في القلوب، وكان كثيرا ما يموت من أهل مجلسه واحد، أو اثنان من شدة تأثير وعظه. وكان في بلده عجوز لها ولد صالح، رقيق القلب، سريع الانفعال، وكانت تحترز عليه، وتمنعه من حضور مجلس الواعظ، فحضره يوما على حين غفلة منها، فوقع من أمر الله تعالى ما وقع، ثمّ إن العجوز لقيت الواعظ يوما في الطريق فقالت:
| أتهدي الأنام ولا تهتدي | ألا إن ذلك لا ينفع |
| فيا حجر السّنّ حتى متى | تسنّ الحديد ولا تقطع |
وهم أترك الناس لذلك، وأبعدهم من نفعه، وأزهدهم فيه.
وهذا الخطاب (٣) وإن كان موجها إلى اليهود، فهو عبرة لغيرهم، فلتنظر كل أمة أفرادا وجماعات في أحوالها، ثم لتحذر أن يكون حالها كحال أولئك القوم، فيكون حكمها عند الله حكمهم، فالجزاء إنما هو على أعمال القلوب والجوارح، لا على صنف خاص من الشعوب والأفراد.
٤٥ - وبعد أن بيّن سبحانه
(٢) الشوكاني.
(٣) المراغي.
وروى أحمد أنه صلّى الله عليه وسلّم: كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة وروي أن ابن عباس - رضي الله عنهما - نعي له بنت وهو في سفر، فاسترجع وقال: (عورة سترها، ومؤونة كفاها، وأجر ساقه الله، ثم تنحّى عن الطريق وصلّى، ثم انصرف إلى راحلته وهو يقرأ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾.
واعلم: أنّ الصبر (٣) الحقيقيّ إنما يكون، بتذكّر وعد الله بحسن الجزاء، لمن صبر عن الشهوات المحرمة التي تميل إليها النفس، وعمل أنواع الطاعات
(٢) روح البيان.
(٣) المراغي.
﴿وَإِنَّها﴾؛ أي: وإن الصلاة ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾؛ أي: لثقيلة شاقّة ﴿إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ﴾؛ أي: إلا على المتواضعين المستكينين إلى طاعة الله تعالى، الخائفين من سطوته، المصدّقين بوعده ووعيده. وقال ابن جرير: معنى الآية (١): واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب، بحبس أنفسكم على طاعة الله، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من رضا الله، العظيمة إقامتها إلا على الخاشعين؛ أي: المتواضعين المستكينين لطاعة الله، المتذللين من مخافته. هكذا قال والظاهر (٢): أن الآية وإن كانت خطابا في سياق إنذار بني إسرائيل، فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، فإنها عامة لهم ولغيرهم. والله أعلم.
وفي «البحر»: أنّ الضمير في ﴿وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ عائدة على الصلاة، هذا ظاهر الكلام، وهو القاعدة في علم العربية، أن ضمير الغائب لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل. وقيل: يعود على الاستعانة، وهو المصدر المفهوم من قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ فيكون مثل: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ﴾؛ أي: العدل أقرب. وقيل: غير ذلك، وأظهرها ما بدأنا به أولا. انتهى.
والاستثناء في قوله (٣): ﴿إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ﴾ مفرغ؛ لأن المعنى: وإنها لكبيرة على كل أحد إلا على الخاشعين؛ أي: وإن الصلاة لشاقّة صعبة الاحتمال، إلا على المخبتين لله، الخائفين من شديد عقابه، وإنما (٤) لم تثقل على هؤلاء؛ لأنهم
(٢) ابن كثير.
(٣) البحر المحيط.
(٤) روح البيان.
٤٦ - ثمّ وصف الخاشعين بأوصاف تقربهم إلى ربهم، وتدعوهم للإخبات إليه، فقال: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ ويوقنون، ويعلمون، ويعتقدون اعتقادا جازما في كل لحظة ﴿أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾؛ أي: ملاقوا جزائه بالموت. والمفاعلة هنا، ليست على بابها، ولا أرى بأسا في حملها على معناها الأصليّ من دون تقدير مضاف؛ أي: أنهم معاينوه، وراؤوه، وهو كناية عن شهودهم مشهد العرض والسؤال يوم القيامة، وهو الوجه فيما يروى في الأخبار، نحو: لقي الله وهو عليه غضبان، وما يجري مجراه؛ أي: يعتقدون في كل لحظة اعتقادا جازما أنهم يبعثون، ويرون ربهم، ويحاسبون على أعمالهم ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى ربهم ﴿راجِعُونَ﴾ في الآخرة؛ أي: إلى جزائه إياهم، فيجازيهم بأعمالهم؛ أي: يصدّقون بالبعث، والحساب، والمجازاة، وأمّا الذين لا يوقنون بالجزاء، ولا يرجون الثواب، ولا يخافون العقاب، كانت عليهم مشقة خالصة، فتثقل عليهم، كالمنافقين، والمرائين. فالصبر على الأذى والطاعات، من باب جهاد النفس، وقمعها عن شهواتها، ومنعها من تطاولها، وهو من أخلاق الأنبياء، والصالحين. قال يحيى بن اليمان: الصبر: أنّ لا تتمنّى حالة سوى ما رزقك الله، والرضى بما قضى الله من أمر دنياك وآخرتك، وهو بمنزلة الرأس من الجسد. اه.
فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ مع قوله: ﴿أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ مع أن الأول يغني عن الثاني؟.
قلت: لا يغني عنه؛ لأنّ المراد بالأول: أنهم ملاقو ثواب ربهم على الصبر
والخلاصة (١): أي لا تثقل الصلاة على الخاشعين الذين يتوقعون لقاء ربهم يوم الحساب والجزاء، وأنهم راجعون إليه بعد البعث، فيجازيهم بما قدموا من صالح العمل. وعبر بالظن؛ للإشارة إلى أن من ظن اللقاء لا تشقّ عليه الصلاة، فما ظنك بمن يتيقنه، ومن ثم كان الاكتفاء بالظن أبلغ في التقريع والتوبيخ، فكأنّ هؤلاء الذين يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم، لم يصل إيمانهم بكتابهم إلى درجة الظن الذي يأخذ صاحبه بالأحوط في أعماله،
٤٧ - ثم ذكّرهم سبحانه وتعالى، بنعمه، وآلائه العديدة مرة أخرى، فقال: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾؛ أي: يا أولاد العبد الصالح! المطيع لربه، المسمى بإسرائيل؛ أي: بعبد الله ﴿اذْكُرُوا﴾؛ أي: اشكروا ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ﴾ بها ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ أي (٢): على آبائكم بإنزال المنّ والسلوى، وتظليل الغمام، وتفجير الماء من الحجر، وغيرها. وذكر النعم على الآباء، إلزام الشكر على الأبناء، فإنهم يشرفون بشرفهم، ولذلك خاطبهم، فقال: ﴿أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ ولم يقل: فضلت آباءكم؛ لأن في فضل آبائهم فضلهم، وهذا تأكيد لما تقدّم، وتمهيد لما عطفه عليه من التذكير بالتفضيل، الذي هو من أجل النعم وَاذكروا ﴿أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾؛ أي: فضّلت آباءكم عَلَى ﴿الْعالَمِينَ﴾ من عطف الخاص على العام للتشريف؛ أي: فضلت آباءكم على عالمي زمانهم؛ بما منحتهم من العلم، والإيمان، والعمل الصالح، وجعلتهم أنبياء، وملوكا مقسطين، وهم آباؤهم الذين كانوا في عصر موسى عليه السلام وبعده، قبل أن يغيّروا، وهذا كما قال في مريم: ﴿وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ﴾؛ أي: نساء زمانك، فإن خديجة، وعائشة، وفاطمة، أفضل منها، فلم يكن لهم فضل على أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم. قال تعالى في حقهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، كما في «التيسير». فالاستغراق في ﴿الْعالَمِينَ﴾ عرفيّ لا حقيقيّ والمعنى؛ أي (٣): وأعطيتكم الفضل والزيادة على
(٢) روح البيان.
(٣) المراغي.
قال القشيري (١): أشهد الله سبحانه بني إسرائيل فضل أنفسهم، فقال: ﴿فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ وأشهد محمدا صلّى الله عليه وسلّم فضل ربه، فقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ وشتان بين من مشهوده فضل نفسه، وبين من مشهوده فضل ربه، وشهوده فضل نفسه، قد يورث الإعجاب، وشهوده فضل ربه، يورث الإيجاب. ثم إن اليهود كانوا يقولون: نحن من أولاد إبراهيم خليل الرحمن، ومن أولاد إسحاق ذبيح الله، والله تعالى يقبل شفاعتهما،
٤٨ - ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾ [البقرة: ٤٩] فرد الله عليهم، فأنزل هذه الآية وقال: ﴿وَاتَّقُوا﴾؛ أي: واخشوا يا بني إسرائيل! وخافوا ﴿يَوْمًا﴾؛ أي: حساب يوم، أو عذاب يوم، وهو من إطلاق المحل وإرادة الحال، وهو يوم القيامة ﴿لا تَجْزِي﴾ فيه؛ أي: لا تغني ولا تدفع فيه، أو لا تقضي ولا تؤدّي فيه، والجملة صفة يوم، والرابط فيه محذوف، كما قدّرنا ﴿نَفْسٌ﴾ مؤمنة عَنْ ﴿نَفْسٍ﴾ كافرة ﴿شَيْئًا﴾ من
وقرأ ابن السّماك العدويّ (١): ﴿لا تَجْزِي﴾ من أجزأ؛ أي: أغنى. وقيل: جزى، وأجزأ بمعنى واحد ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها﴾؛ أي: من النفس الأولى المؤمنة. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو ﴿ولا تقبل﴾ بالتاء المثناة الفوقية، وهو القياس، والأكثر؛ لأنّ الشفاعة مؤنثة. وقرأ الباقون بالياء التحتية، فهو أيضا جائز فصيح، لمجاز التأنيث، وحسنه أيضا الفصل بين الفعل ومرفوعه. وقرأ سفيان (٢): ﴿ولا يقبل﴾ بفتح الياء، ونصب شفاعة على البناء للفاعل، وفي ذلك التفات، وخروج من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب؛ لأن قبله ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ وبناؤه للمفعول أبلغ؛ لأنه في اللفظ أعمّ، وإن كان يعلم أن الذي لا يقبل هو الله تعالى؛ أي: ولا يقبل من النفس المؤمنة ﴿شَفاعَةٌ﴾ للنفس الثانية الكافرة، إن شفعت عند الله تعالى، لتخليصها من عذابه؛ أي: لا توجد منها شفاعة فتقبل، ولا يؤذن لها فيها، والشفاعة: طلب الخير من الغير للغير، فلا (٣) شفاعة في حق الكافر، بخلاف المؤمن. قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فمن كذب بها لم ينلها» والآيات الواردة في نفي الشفاعة خاصّة بالكافر: وسبب الآية كما مرّ: أن اليهود كانوا يقولون: يشفع لنا آباؤنا الأنبياء فآيسهم الله تعالى عن ذلك، لأن الأصول لا تنفع الفروع، إلا إذا كان مع الفروع إيمان ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْها﴾؛ أي: من النفس الكافرة المشفوع لها، وهي الثانية العاصية ﴿عَدْلٌ﴾؛ أي: فداء من عذاب الله من مال، أو رجل مكانها، أو توبة تنجو بها من النار.
والعدل بالفتح مثل الشيء من خلاف جنسه، وبالكسر مثله من جنسه، وسمّي به
(٢) البحر المحيط.
(٣) روح البيان.
فإن قلت: ما الحكمة في تقديم الشفاعة على العدل هنا؟ وعكسه فيما يأتي في قوله: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾.
قلت: للإشارة هنا إلى من ميله إلى حبّ نفسه، أشدّ منه إلى حب المال، وثم إلى من هو بعكس ذلك والمعنى؛ أي: ليس (١) لهم أنصار يمنعونهم من عذاب الله، ويدفعون عنهم عقابه يعني (٢): أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل، ولا فدية. بطلت هنالك المحابة، واضمحلت الرّشا، والشفاعات، وارتفع من القوم التناصر والتعاون، وصار الحكم إلى الجبار العدل الذي لا ينفع لديه الشفعاء، والنصراء، فيجزي بالسيئة مثلها، وبالحسنة أضعافها. والخلاصة (٣): أن ذلك يوم تتقطع فيه الأسباب، وتبطل منفعة الأنساب، وتتحول فيه سنة الحياة الدنيا، من دفع المكروه عن النفس بالفداء، أو بشفاعة الشافعين عند الأمراء، والسلاطين، أو بأنصار ينصرونها بالحق، والباطل على سواها، وتضمحل فيه جميع الوسائل، إلا ما كان من إخلاص في العمل، قبل حلول الأجل، ولا يتكلم فيه أحد إلا بإذن الله تعالى.
وقد كان اليهود كغيرهم من الأمم الوثنية، يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا، فيتوهمون أنه يمكن تخليص المجرمين من العذاب، بفداء يدفع، أو
(٢) العمدة.
(٣) المراغي.
٤٩ - ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ﴾ (١) وقرىء ﴿أنجيناكم﴾ والهمزة للتعدية إلى المفعول، كالتضعيف في نجيناكم، ونسبت هذه القراءة إلى النخعي، وذكر بعضهم أنه قرأ ﴿أنجيتكم﴾ فيكون الضمير فيه موافقا للضمير في نعمتي، ﴿وَإِذْ﴾ في موضع (٢) نصب عطفا على نعمتي، عطف مفصّل على مجمل، وكذلك الظروف الآتية في الكلام المتعلق ببني إسرائيل، وينقضي عند قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ والخطاب للموجودين في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم، تذكيرا لهم بما أنعم الله على آبائهم؛ لأن إنجاء الآباء سبب في وجود الأبناء، والمعنى: ويا بني إسرائيل! اذكروا إذ نجينا آباءكم، وسلمناهم، وخلصناهم ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: من بطش فرعون وأتباعه، وأهل دينه؛ أي: (٣) واذكروا قصة وقت تنجيتنا آباءكم فإن تنجيتهم تنجية لكم، ومن عادة العرب يقولون: قتلناكم يوم عكاظ، أي: قتل آباؤنا آباءكم.
والنجو: المكان العالي من الأرض؛ لأنّ من صار إليه يخلص، ثم سمي كلّ فائز ناجيا؛ لخروجه من ضيق إلى سعة؛ أي: جعلنا آباءكم بمكان حريز، ورفعناكم من الأذى. وفرعون: لقب من ملك العمالقة، ككسرى لمن ملك الفرس، وقيصر لمن ملك الروم، وخاقان لمن ملك الترك، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وتبّع لمن ملك اليمن، والعمالقة الجبابرة، وهم أولاد عمليق بن لاود بن إرم، بن سام، بن نوح عليه السلام سكان الشام، منهم سمو الجبابرة. وملوك مصر، منهم سموا بالفراعنة، ولعتوه اشتق منه تفرعن الرجل، إذا عتا وتمرّد، فليس المراد الاستغراق، بل الذين كانوا بمصر. وفرعون موسى: هو الوليد بن مصعب بن الريان، وكان من القبط، وعمّر أكثر من أربعمائة سنة. وقيل: إنه كان عطارا
(٢) العمدة.
(٣) روح البيان.
وقد روى المؤرخون: أنّ أول من دخل مصر من بني إسرائيل، يوسف عليه السلام، وانضم إليه إخوته بعد، وتكاثر نسلهم حتى بلغوا في مدى أربعمائة سنة، نحو: ستمائة ألف، حين خرجوا من مصر باضطهاد فرعون وقومه لهم إذ قد رأى تبسط اليهود في البلاد، ومزاحمتهم للمصريين، فراح يستن لهم، ويكلفهم شاقّ الأعمال في مختلف المهن، والصناعات، وهم مع ذلك يزدادون نسلا، ويحافظون على عاداتهم وتقاليدهم، لا يشركون المصريين. في شيء، ولا يندمجون في غمارهم إلى ما لهم من أنانية، وإباء، وترفع على
والعبرة من هذه القصص: أنه كما أنعم على اليهود، ثمّ اجترحوا الآثام، فعاقبهم بصنوف البلاء، ثم تاب عليهم وأنجاهم أنعم على الأمة الإسلامية بضروب من النعم، فقد كانوا أعداء، فألّف بين قلوبهم، وأصبحوا بنعمته إخوانا، وكانوا مستضعفين في الأرض، فمكّن لهم وأورثهم أرض الشعوب القوية، وجعل لهم فيها السلطان والقوة، وجعلهم أمة وسطا لا تفريط لديها ولا إفراط، ليكونوا شهداء على من فرّطوا، أو قصّروا.
ثم لما كفروا بهذه النعم (١)، أذاقهم الله تعالى ألوانا من العذاب على يد التّتار في بغداد، وفي الحروب الصليبية، إذ جاس الغربيون خلال الديار الإسلامية، ولا يزالون ينتقصون بلادهم من أطرافها، ويصبون عليهم العذاب، وهم لاهون ساهون، وكلما حلت كارثة، أو أصابتهم جائحة، أحالوا الأمر فيها على القضاء والقدر، دون أن يتعرّفوا أسبابها، ويبادروا إلى علاجها، ويكونوا يدا واحدة على رفع ما يحل بهم من النكبات، ويدهمهم من الويلات. وقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ حال من آل فرعون؛ أي: واذكروا قصة وقت تنجيتنا آباءكم من آل فرعون وقومه، حالة كونهم يذيقونكم ﴿سُوءَ الْعَذابِ﴾ وأشده، ويكلفونكم أشقّ الأشغال، وأتعبها، وأصعبها. وقيل: حال من ضمير المفعول في نجيناكم، والمعنى: نجيناكم مسومين منهم أقبح العذاب، كقولك: رأيت زيدا يضربه عمرو؛ أي: حال كونه مضروبا لعمرو. وذلك (٢) أنّ فرعون جعل بني إسرائيل
(٢) روح البيان.
فإن قلت: ما الحكمة في ترك العاطف هنا في قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾؟ وذكره في سورة إبراهيم؟.
قلت: لأن ما هنا من كلام الله تعالى فوقع تفسيرا لما قبله، وما هناك من كلام موسى، وكان مأمورا بتعداد المحن في قوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ فعدد المحن عليهم، فناسب ذكر العاطف. انتهى من «فتح الرحمن».
وقرأ الجمهور ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ (١) بالتشديد، وهو أولى؛ لظهور تكرار الفعل باعتبار متعلقاته. وقرأ الزهريّ، وابن محيصن ﴿يذبحون﴾ مخففا من ذبح المجرد؛ اكتفاء بمطلق الفعل، وللعلم بتكريره من متعلقاته. وقرأ عبد الله
| متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا | تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا |
وذلك (١) أنّ فرعون رأى في منامه، كأنّ نارا أقبلت من بيت المقدس، فأحاطت بمصر، وأخرجت كل قبطيّ بها، ولم تتعرض لبني إسرائيل، فهاله ذلك، وسأل الكهنة والسحرة عن رؤياه، فقالوا: يولد في بني إسرائيل غلام، يكون على يده هلاكك وزوال ملكك، فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل، وجمع القوابل، فقال لهن: لا يسقط على أيديكن غلام يولد في بني إسرائيل إلا قتل، ولا جارية إلا تركت، ووكل القوابل، فكن يفعلن ذلك حتى قيل: إنه قتل في طلب موسى عليه السلام اثنا عشر ألف صبيّ، وتسعون ألف وليد، وقد أعطى الله نفس موسى عليه السلام، من القوة على التصرف، ما كان يعطيه أولئك المقتولين لو كانوا أحياء، ولذلك كانت معجزاته ظاهرة باهرة، ثم أسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل، فدخل رؤوس القبط على فرعون، وقال: إن الموت وقع في بني إسرائيل، فتذبح صغارهم، ويموت كبارهم، فيوشك أن يقع العمل علينا، فأمر فرعون أن يذبحوا سنة، ويتركوا سنة، فولد هارون عليه السلام في السنة التي لا
وقال أبو حيان: (٣) هو أضعف من القول الذي قبله؛ لما فيه من إعادة اسم الإشارة إلى أبعد مذكور، وهو المصدر المفهوم من نجيناكم. والمتبادر إلى الذهن، والأقرب في الذكر، هو القول الأول. اه.
٥٠ - ﴿وَ﴾ اذكروا يا بني إسرائيل! أيضا ﴿إِذْ فَرَقْنا﴾ وفلقنا، وشققنا، وفصلنا ﴿بِكُمُ﴾؛ أي: بسبب إنجائكم، فالباء
(٢) المراح.
(٣) البحر المحيط.
قال القرطبي: أن الله تعالى لمّا أنجاهم وأغرق فرعون، قالوا: يا موسى! إنّ قلوبنا لا تطمئن أن فرعون قد غرق، حتى أمر الله البحر فلفظه فنظروا إليه.
وروي (٢) أنه: لما دنا هلاك فرعون، أمر الله سبحانه موسى عليه السلام، أن يسري ببني إسرائيل من مصر ليلا، فأمرهم أن يخرجوا، وأن يستعيروا الحلي من القبط، وأمر أن لا ينادي أحد منهم صاحبه، وأن يسرجوا في بيوتهم إلى الصبح، ومن خرج لطخ بابه بكف من دم؛ ليعلم أنه قد خرج، فخرجوا ليلا وهم ستمائة ألف وعشرون ألف مقاتل، لا يعدون فيهم ابن العشرين
لصغره، ولا ابن الستين لكبره، والقبط لا يعلمون، ووقع في القبط موت فجعلوا يدفنونهم، وشغلوا عن
(٢) روح البيان.
واعلم (١) أنّ هذه الواقعة، كما أنها لموسى عليه السلام، معجزة عظيمة لأوائل بني إسرائيل، موجبة عليهم شكرها، كذلك اقتصاصها على ما هي عليه من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، معجزة جليلة تطمئن بها القلوب الأبية، وتنقاد لها النفوس الغيبة، موجبة لأعقابهم أن يتلقوها بالأذهان؛ لأنه صلّى الله عليه وسلّم أخبرهم بذلك مع أنه كان أميّا لم يقرأ كتابا، وهذا غيب لم يكن له علم عند العرب، فإخباره به دلّ على أنه أوحى إليه ذلك، وذلك علامة لنبوته، فما تأثرت أوائلهم بمشاهدتها ورؤيتها،
وفي الآية تهديد للكافرين، وتنبيه للمؤمنين ليتعظوا، وينتهوا عن المعاصي في جميع الأوقات، خصوصا في الزمان الذي أنجى الله فيه موسى مع بني إسرائيل من الغرق، وهو اليوم العاشر من المحرم.
وفي سفر الخروج من التوراة (١): أنهم خرجوا في شهر أبيب بعد أن أقاموا بمصر أربعمائة وثلاثين سنة من عهد يوسف عليه السلام، ثم اتّبعهم فرعون وجنوده، فغشيهم من اليمّ ما غشيهم، وأنجى الله بني إسرائيل وأغرق فرعون ومن معه، وقد كان فرق البحر من معجزات موسى عليه السلام، كمعجزات سائر الأنبياء التي يظهرها الله تعالى على أيديهم.
وزعم بعض الناس: أنّ عبور بني إسرائيل البحر، كان وقت الجزر وفي بحر القلزم - البحر الأحمر - رقارق يتيسّر للإنسان أن يعبر بها البحر إذا كان الجزر شديدا، وكانوا لاستعجالهم واتصال بعضهم ببعض، قد جعلوا الماء الرقارق فرقتين عظيمتين ممتدّين، كالطود العظيم، يرشد إلى ذلك قوله تعالى:
﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ ولم يقل فرقنا لكم وقوله: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ تشبيه معروف معهود مثله في مقام المبالغة، كقوله: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ﴾ وقوله: ﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢)﴾ ألا ترى أنّ الأمواج والسفن الجواري لا تكون كشواهق الجبال، لكنه يراد بمثل هذا التعبير زيادة البيان، وإرادة التأثير في نفس السامع (٢)، ولما اتبعهم فرعون وجنوده، ورآهم قد عبروا البحر، مشى إثرهم، وكان المدّ قد بدأ، ولم يتم خروج بني
(٢) المراغي.
ومثل هذا التأويل، ليس بضائر إذا كان أربابه يثبتون صدور خوارق العادات على يد الأنبياء تأييدا من الله لهم، أما إذا أنكروها فلا حاجة إلى الكلام معهم، إذ لا بدّ أن نثبت لهم قدرة الله وإرادته، ثم نثبت لهم إمكان الوحي، وإرسال الرسل، وتأييدهم بالمعجزات.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَإِذْ فَرَقْنا﴾ بالتخفيف. وقرأ الزهري ﴿فَرَّقنا﴾ بالتشديد ويفيد التكثير؛ لأنّ المسالك كانت اثنتي عشرة مسلكا على عدد أسباط بني إسرائيل، ومن قرأ ﴿فَرَقْنا﴾ مجردا اكتفى بالمطلق، وفهم التكثير من تعداد الأسباط
٥١ - ﴿وَ﴾ اذكروا يا بني إسرائيل! ﴿إِذْ واعَدْنا﴾؛ أي: قصة وعدنا ﴿مُوسى﴾ ابن عمران عليه السلام، وقت انقضاء أربعين ليلة لإيتاء التوراة، فصيغة المفاعلة بمعنى الثلاثي المجرد، فيكون صدور الوعد من واحد، وهو الله سبحانه وتعالى، أو على أصلها، فإنّ الوعد وإن كان من الله، فقبوله كان من موسى، وقبول الوعد شبه الوعد، أو أنّ الله تعالى وعده بالوحي، وهو وعده المجيء للميقات إلى الطور (٢). قرأ الجمهور ﴿وعدنا﴾ بالألف، وهي قراءة مجاهد، والأعرج، وابن كثير، ونافع، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وقرأ أبو عمرو ﴿ووعدنا﴾ بغير ألف هنا، وفي (الأعراف) و (طه) وقد رجح أبو عبيد، قراءة من قرأ ﴿وعدنا﴾ بغير ألف، وأنكر قراءة من قرأ ﴿واعَدْنا﴾ بالألف، ووافقه على معنى ما قال: أبو حاتم، ومكيّ، وقال أبو عبيد: المواعدة لا تكون إلا من البشر. وقال أبو حاتم: أكثر ما تكون المواعدة من المخلوقين المتكافئين، كل واحد منهما يعد صاحبه،
(٢) البحر المحيط.
وقوله ﴿مُوسى﴾ مفعول أوّل لواعدنا. (مو) (١) بالعبرانية الماء. و (شى) بمعنى الشجر، فقلبت الشين المعجمة سينا في العربية، وإنّما سمّي به؛ لأنّ أمّه جعلته في التابوت حين خافت عليه من فرعون، وألقته في البحر، فدفعته أمواج البحر حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون، فخرجت جواري آسية امرأة فرعون يغسلن، فوجدن التابوت فأخذنه، فسمّي عليه السلام، باسم المكان الذي أصيب به، وهو الماء والشجر. ونسبه: هو موسى بن عمران، بن يصهر بن قاهث بن لاوى، بن يعقوب إسرائيل، بن إسحاق، بن إبراهيم خليل الرحمن، عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾؛ أي: واعدناه تمام أربعين ليلة لإيتاء التوراة، وهو مفعول ثاني لواعدنا، ولكنه على حذف مضاف كما قدرنا أمره الله سبحانه بصوم ثلاثين وهو ذو القعدة، ثم زاد عليه عشرا من ذي الحجة. قاله أبو العالية، وأكثر المفسرين.
وقيل ذو الحجة، وعشر من المحرم، وعبّر (٢) عنها بالليالي؛ لأنها غرر الشهور، وشهور العرب وضعت على سير القمر، ولذلك وقع بها التاريخ. فالليالي أولى الشّهور، والأيّام تبع لها، أو لأنّ الظّلمة أقدم من الضوء، بدليل ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾، أو دلالة على مواصلته الصوم ليلا ونهارا؛ لأنّه لو كان التفسير باليوم، أمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلمّا نصّ على الليالي، اقتضت قوّة الكلام أنّه واصل أربعين ليلة بأيامها. وهذه المواعدة للتكليم، أو لإنزال التوراة. قال المهدويّ: وكان ذلك بعد أن جاوز البحر، وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله، فخرج إلى الطور في سبعين رجلا من خيار بني إسرائيل، وصعد الجبل، وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة، فقعدوا فيما ذكره المفسرون عشرين يوما وعشرة ليال، فقالوا:
(٢) روح البيان.
وقرأ عليّ (١)، وعيسى بن عمر، بكسر باء ﴿أربعين﴾ شاذا؛ اتباعا لكسرة العين؛ أي: جعلنا انقضاء أربعين وتمامها، ميعادا لتكليمه، وإعطاء الكتاب له، لتعملوا به لمّا عادوا إلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه، والمعنى: واذكروا إذ واعدنا موسى إعطاء الكتاب المسمى بالتوراة، بعد ما تم له أربعون ليلة في الرياضة؛ لأنّ بعد تمام الخدمة من العبد، تكون العطايا من الرب سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾ وجعلتم ﴿الْعِجْلَ﴾ الذي صاغه السامريّ من الحلي الذي استعاروه من القبط، بسبب العرس المسمّى بالبهموت إلها ومعبودا لكم ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: من بعد ذهاب موسى إلى محل المناجاة ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾؛ أي: والحال أنكم ظالمون أنفسكم، وضارّون لها بعبادة العجل، أو واضعون العبادة في غير موضعها؛ أي: بوضع عبادة الله تعالى في غير موضعها بعبادة العجل، والجملة حال من ضمير اتخذتم، وهذا تنبيه على أن كفرهم بمحمد صلّى الله عليه وسلّم ليس بأعجب من كفرهم وعبادتهم العجل زمن موسى.
وأتى بثم في قوله (٢): ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ وهو ولد البقرة الذكر؛ لأنه تعالى، لمّا وعد موسى حضور الميقات لإنزال التوراة عليه، وفضيلة بني إسرائيل، ليكون ذلك تنبيها للحاضرين على علوّ درجتهم، وتعريفا للغائبين، وتكملة للدين، كان ذلك من أعظم النعم، فلما أتوا عقب ذلك بأقبح أنواع الكفر والجهل، كان ذلك في محل التعجب، فهو كمن يقول: إنّني أحسنت إليك، وفعلت كذا وكذا، ثم إنك تقصدني بالسوء والأذى
٥٢ - ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾؛ أي: محونا عنكم جريمتكم التي هي عبادة العجل حين تبتم ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾؛ أي: من بعد الاتخاذ الذي هو متناه في القبح، فلم نعاجلكم بالإهلاك، بل أمهلناكم إلى مجيء موسى، فنبهكم وأخبركم بكفارة ذنوبكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: لكي
(٢) روح البيان.
وأصل الشكر: تصوّر النعمة وإظهارها، وحقيقته العجز عن الشكر، والمعنى؛ أي: ثم محونا تلك الجريمة بقبول التوبة، ولم نعاجلكم، بل أمهلناكم حتى جاءكم موسى، وأخبركم بكفارة ذنوبكم؛ ليعدكم بهذا العفو للاستمرار على الشكر على النعم. قاله الجمهور وفي «البحر» ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي (١): تثنون عليه تعالى بإسدائه نعمه إليكم، وتظهرون النعمة بالثناء. وقالوا: الشكر باللسان؛ وهو الحديث بنعمة المنعم والثناء عليه بذلك، وبالقلب؛ وهو اعتقاد حق المنعم على المنعم عليه وبالعمل، كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ وبالله؛ أي: شكر الله بالله؛ لأنّه لا يشكره حق شكره إلا هو. وقال بعضهم:
| وشكر ذوي الإحسان بالقول تارة | وبالقلب أخرى ثمّ بالعمل الأسنى |
| وشكري لربّي لا بقلبي وطاعتي | ولا بلساني بل به شكره عنّا |
(٢) روح البيان.
والمعنى (١): واذكروا نعمة إيتاء التوراة والآيات التي أيّدنا بها موسى، لتهتدوا بالتدبر فيها، والعمل بما تحويه من الشرائع، ليعدّكم للاسترشاد بها، حتى لا تقعوا في وثنيّة أخرى، وأن من كمال الاستعداد لفهم الكتاب، أن تعرفوا أنّ ما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم دليل على صحة نبوته، فتؤمنوا به، وتهتدوا بهديه، وتتبعوا سبيل الرشاد الذي سلكه.
واعلم: أنه روي (٢): أن بني إسرائيل، لمّا أمنوا من عدوهم بإغراق الله آل فرعون، ودخلوا مصر، لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليها، فوعد الله سبحانه موسى أن ينزل عليه التوراة، فقال موسى لقومه: إني ذاهب لميقات ربي، آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون، وما تذرون، ووعدهم أربعين ليلة، واستخلف عليهم أخاه هارون، فلما أتى الوعد جاءه جبريل على فرس، يقال له: فرس الحياة، لا يصيب شيئا إلا حيي؛ ليذهب بموسى إلى ربه، فلما رآه السامريّ، وكان رجلا صائغا من أهل باجرمي، واسمه ميحا، ورأى مواضع الفرس تخضرّ من ذلك، وكان منافقا، أظهر الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقر، فلما رأى جبريل على ذلك، قال: إنّ لهذا شأنا، وأخذ قبضة من تربة حافر فرس جبريل.
وقيل: إنه عرف جبريل، لأنّ أمه حين خافت عليه أن يذبح سنة ذبح فرعون أبناء بني إسرائيل، خلفته في غابة، وكان جبريل يأتيه فيغذيه بأصابعه، فكان السامريّ يمصّ من إبهام يمينه عسلا، ومن إبهام شماله سمنا، فلمّا رآه حين عبر البحر عرفه، فقبض قبضة من أثر فرسه، فلم تزل القبضة في يده حتى انطلق موسى إلى
(٢) روح البيان.
وقيل: دخل الريح في جوفه من خلفه وخرج من فيه، كهيئة الخوار، فقال للقوم:
هذا إلهكم وإله موسى، فنسي؛ أي: أخطأ موسى الطريق وربّه هنا، وهو ذهب يطلبه، فأقبلوا كلهم على عبادة العجل إلا هارون، مع اثني عشر ألفا اتبعوا هارون، ولم يتبعه غيرهم، وهارون قد نصحهم، ونهاهم، وقال: يا قوم! إنما فتنتم به، وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري. قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى. وقيل: كان موسى وعدهم ثلاثين ليلة، ثمّ زيدت العشر، وكانت فتنتهم في تلك العشر، فلمّا مضت الثلاثون ولم يرجع موسى، وظنّوا أنه قد مات، ورأوا العجل وسمعوا قول السامري، عكفوا على العجل يعبدونه.
قال أبو اللّيث في «تفسيره»: وهذا الطريق أصحّ، فلما رجع موسى ووجدهم على ذلك، ألقى الألواح، فرفع من جملتها ستة أجزاء وبقي جزء واحد، وهو الحلال والحرام وما يحتاجون، وأحرق العجل وذرّاه في البحر، فشربوا من مائه حبّا للعجل، فظهرت على شفاههم صفرة، وورمت بطونهم، فتابوا، ولم تقبل توبتهم دون أن يقتلوا أنفسهم، وهذه حالهم. وأمّا هذه الأمة فلا يحتاجون إلى قتل النفس للتوبة في مثل هذه الصورة.
﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾.
﴿يا بَنِي﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء ﴿بَنِي﴾ منادى مضاف منصوب بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وقد تغير بناء مفرده، كما سيأتي في مبحث التصريف ﴿بَنِي﴾ مضاف ﴿إِسْرائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور بالفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وجملة النداء مستأنفة ﴿اذْكُرُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل، والجملة الفعلية جواب النداء لا محل لها من الإعراب ﴿نِعْمَتِيَ﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة ﴿نعمة﴾ مضاف، و (الياء) ضمير المتكلم في محل الجر مضاف إليه ﴿الَّتِي﴾ اسم موصول في محل النصب صفة لنعمتي ﴿أَنْعَمْتُ﴾ فعل وفاعل و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: أنعمتها ﴿وَأَوْفُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على اذكروا ﴿بِعَهْدِي﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بأوفوا ﴿أُوفِ﴾ فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهي الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: أنا يعود على الله، والجملة الفعلية جملة طلبية لا محل لها من الإعراب ﴿بِعَهْدِكُمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بأوف ﴿وَإِيَّايَ﴾ الواو عاطفة ﴿إِيَّايَ﴾ ضمير نصب منفصل في محل النصب مفعول به لفعل محذوف وجوبا يفسره المذكور بعده، تقديره:
وارهبوا إياي ﴿فَارْهَبُونِ﴾ ارهبوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة اذكروا ﴿فَارْهَبُونِ﴾ الفاء واقعة في جواب الأمر المحذوف، تقديره: تنبهوا. فارهبون نظير قولهم: زيدا فاضرب؛ أي: تنبه فاضرب زيدا، ثم حذف تنبه، فصار فاضرب زيدا، ثم قدم المفعول إصلاحا للفظ؛ لئلا تقع الفاء صدرا؛ وإنما دخلت الفاء لربط هاتين الجملتين؛ أو زائدة لتحسين اللفظ، وكذا يقال في قوله الآتي: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ ارهبون فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة،
﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾.
﴿وَآمِنُوا﴾ الواو عاطفة ﴿آمِنُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة معطوفة على جملة اذكروا ﴿بِما﴾ الباء حرف جر ﴿ما﴾ موصولة، أو موصوفة في محل الجر بالباء، والجار والمجرور متعلق بآمنوا ﴿أَنْزَلْتُ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة، أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف، تقديره: بما أنزلته ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من ما الموصولة، أو الضمير المحذوف لِما جار ومجرور متعلق بمصدقا ﴿مَعَكُمْ﴾ مع منصوب على الظرفية المكانية، والكاف مضاف إليه، والظرف متعلق بمحذوف صلة لما، أو صفة لها ﴿وَلا﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿تَكُونُوا﴾ فعل ناقص واسمه، مجزوم بلا الناهية ﴿أَوَّلَ﴾ خبرها منصوب ﴿كافِرٍ﴾ مضاف إليه ﴿بِهِ﴾ متعلق بكافر، وجملة تكونوا معطوفة على جملة آمنوا ﴿وَلا﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿تَشْتَرُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بلا الناهية معطوف على جملة آمنوا ﴿بِآياتِي﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بتشتروا ﴿ثَمَنًا﴾ مفعول به لتشتروا ﴿قَلِيلًا﴾ صفة له ﴿وَإِيَّايَ﴾ الواو عاطفة ﴿إِيَّايَ﴾ ضمير نصب منفصل في محل النصب بفعل محذوف وجوبا، تقديره: واتقوا إياي ﴿فَاتَّقُونِ﴾ والجملة المحذوفة معطوفة على جملة آمنوا ﴿فَاتَّقُونِ﴾ الفاء رابطة لجواب الأمر، أو زائدة، كما مرت الإشارة إليه (اتقوا) فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب مفعول به، والجملة جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب.
﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.
﴿وَلا﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿تَلْبِسُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بلا الناهية ﴿الْحَقَّ﴾ مفعول به ﴿بِالْباطِلِ﴾ جار ومجرور متعلق بتلبسوا، والجملة معطوفة على
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥)﴾.
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، المضمن للتوبيخ والتعجب من هؤلاء اليهود؛ لأنه ليس هناك أقبح في العقول، من أن يأمر الإنسان غيره بخير، وهو لا يأتيه تأمرون فعل وفاعل مرفوع بثبات النون ﴿النَّاسَ﴾ مفعول به ﴿بِالْبِرِّ﴾ متعلق به، والجملة جملة طلبية لا محل لها من الإعراب ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ الواو عاطفة ﴿تَنْسَوْنَ﴾ فعل وفاعل معطوف على تأمرون ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ مفعول به ﴿وَأَنْتُمْ﴾ الواو حالية ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ ﴿تَتْلُونَ الْكِتابَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل تنسون، تقديره: وتنسون أنفسكم حالة كونكم تالين الكتاب ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، تقديره: أتفعلون ذلك فلا تعقلون، والجملة المحذوفة مستأنفة، والفاء عاطفة و ﴿لا﴾ نافية ﴿تَعْقِلُونَ﴾ فعل وفاعل معطوف على الجملة المحذوفة. ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ الواو استئنافية ﴿اسْتَعِينُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة مستأنفة ﴿بِالصَّبْرِ﴾ متعلق باستعينوا ﴿وَالصَّلاةِ﴾ معطوف على الصبر ﴿وَإِنَّها﴾ الواو حالية، على ما قيل، أو استئنافية ﴿إِنَّها﴾ ناصب واسمه ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ اللام حرف ابتداء (كبيرة) خبر إن ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ، وشرطه أن يسبق بنفي، فيؤول الكلام هنا بالنفي، تقديره: وإنها لا تخف
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾.
﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الجر صفة للخاشعين ﴿يَظُنُّونَ﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿أَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿مُلاقُوا﴾ خبره مرفوع بالواو ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، وجملة أن من اسمها وخبرها، في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ظن، تقديره: الذين يظنون لقاء ربهم بالبعث ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق براجعون و ﴿راجِعُونَ﴾ خبر أن، وجملة أن في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول من أن الأولى، تقديره: ويظنون رجوعهم إلى ربهم للمجازاة. ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء مستأنفة ﴿اذْكُرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب ﴿نِعْمَتِيَ﴾ مفعول به ومضاف إليه ﴿الَّتِي﴾ اسم موصول للمفردة المؤنثة في محل النصب صفة لنعمتي ﴿أَنْعَمْتُ﴾ فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: أنعمتها ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بأنعمت ﴿وَأَنِّي﴾ ناصب واسمه ﴿فَضَّلْتُكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به ﴿عَلَى الْعالَمِينَ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر أن، تقديره: وأني مفضلكم على العالمين، وجملة أن في تأويل مصدر معطوف على نعمتي على كونه مفعولا به لاذكروا، تقديره: اذكروا نعمتي عليكم، وتفضيلي إياكم على العالمين.
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾.
﴿وَاتَّقُوا﴾ الواو عاطفة ﴿اتَّقُوا﴾ فعل، وفاعل مبني على حذف النون، معطوف على اذكروا ﴿يَوْمًا﴾ مفعول به ﴿لا﴾ نافية ﴿تَجْزِي﴾ فعل مضارع ﴿نَفْسٌ﴾ فاعل ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾ متعلق بتجزي ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل النّصب صفة ليوما، ولكنها صفة سببية، والرابط محذوف،
تقديره: فيه ﴿وَلا﴾
﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب، معطوف على نعمتي على كونها مفعولا به لاذكروا مبنية على السكون ﴿نَجَّيْناكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ، تقديره: يا بني إسرائيل! اذكروا نعمتي، وتفضيلي إياكم، ووقت تنجيتي إياكم ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بنجيناكم و ﴿فِرْعَوْنَ﴾ ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به أول ﴿سُوءَ الْعَذابِ﴾ مفعول ثاني ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب حال من آل فرعون، والرابط واو الفاعل، تقديره: حالة كونهم سائمين إياكم سوء العذاب، ويحتمل أن تكون مستأنفة ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب بدل من جملة يسومونكم، بدل تفصيل من مجمل على كونها حالا من آل فرعون، تقديره: حالة كونهم مذبحين أبنائكم، أو جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به معطوف على يذبحون ﴿وَفِي ذلِكُمْ﴾ الواو اعتراضية، أو استئنافية ﴿فِي ذلِكُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم ﴿بَلاءٌ﴾ مبتدأ مؤخر ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة أولى لبلاء
﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب، معطوف على نعمتي على كونها مفعولا به لاذكروا مبني على السكون؛ لشبهها بالحرف شبها افتقاريا ﴿فَرَقْنا﴾ فعل، وفاعل ﴿بِكُمُ﴾ متعلق بفرقنا على كونه مفعولا ثانيا له ﴿الْبَحْرَ﴾ مفعول أول له، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لإذ، والتقدير: يا بني إسرائيل! اذكروا نعمتي عليكم، وتفضيلي إياكم، ووقت تنجيتي إياكم من آل فرعون، ووقت فرقي بكم البحر ﴿فَأَنْجَيْناكُمْ﴾ الفاء حرف عطف وتفريع ﴿أنجيناكم﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الجر، معطوفة على جملة فرقنا بكم البحر، على كونها مضافا إليه لإذ، تقديره: واذكروا وقت فرقي بكم البحر، فإنجائي إياكم من الغرق ﴿وَأَغْرَقْنا﴾ فعل وفاعل معطوف على أنجيناكم، تقديره: وإغراقنا آل فرعون و ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ مفعول به، ومضاف إليه ﴿وَأَنْتُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿تَنْظُرُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محل النصب حال من آل فرعون، تقديره: حالة كونكم ناظرين إليهم وقت إغراقهم. ﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة إِذْ ظرف لما مضى في محل النصب، معطوف على نعمتي ﴿واعَدْنا مُوسى﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿أَرْبَعِينَ﴾ مفعول ثان منصوب بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والنون حرف زائد؛ لشبه الجمع ﴿لَيْلَةً﴾ تمييز ذات لأربعين منصوب به، والتقدير: واذكروا وقت مواعدتنا موسى أربعين ليلة ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وتراخ ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ فعل وفاعل، وهو من أخوات ظن ينصب مفعولين ﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: إلها ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق باتخذتم، والجملة الفعلية في محل الجر، معطوفة على جملة واعدنا على كونها مضاف إليه لإذ ﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الإسمية في محل
﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وتراخ ﴿عَفَوْنا﴾ فعل وفاعل ﴿عَنْكُمْ﴾ متعلق بعفونا ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بعفونا أيضا، والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة على جملة اتخذتم ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لعل حرف نصب وتعليل، والكاف في محل النصب اسمها، وجملة ﴿تَشْكُرُونَ﴾ في محل الرفع خبر لعل، تقديره: لعلكم شاكرون نعمتنا عليكم، وجملة لعل جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب، أو في محل النصب حال من ضمير عنكم. ﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب، معطوف على نعمتي على أنه مفعول به لاذكروا ﴿آتَيْنا﴾ فعل وفاعل، وهو بمعنى أعطينا يتعدى إلى مفعولين مُوسَى مفعول أول ﴿الْكِتابَ﴾ مفعول ثان ﴿وَالْفُرْقانَ﴾ معطوف على الكتاب عطف صفة على موصوف، كما مر بسط الكلام فيه في مبحث التفسير، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لإذ، تقديره: واذكروا وقت إيتائنا موسى الكتاب والفرقان ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿تَهْتَدُونَ﴾ في محل الرفع خبره، وجملة لعلّ جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ وبني منادى مضاف منصوب بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم؛ لأنه شبيه بجمع التكسير لتغير مفرده، ولذلك عاملته العرب بعض معاملة جمع التكسير، فألحقوا بفعله المسند إليه تاء التأنيث، فقالوا: قالت بنو فلان: وهل لامه ياء؟ لأنه مشتق من البناء؛ لأن الابن فرع الأب ومبنيّ عليه، أو واو لقولهم: البنوة كالأبوة. والأخوة قولان: الصحيح الأول، وأما البنوة فلا دلالة فيها؛ لأنهم قد قالوا الفتوّة، ولا خلاف في أنها من ذوات الياء إلا الأخفش. رجح الثاني، بأن حذف الواو أكثر. واختلف في وزنه، فقيل: هو فعل بفتح العين. وقيل: هو بسكونها، وهو أحد الأسماء العشرة التي سكنت فاؤها، وعوّض من لامها همزة الوصل، وجمع ابن جمع
وقيل: لأنه أسرى بالليل مهاجرا إلى الله تعالى. وقيل: لأنه أسر جنيّا كان يطفىء سراج بيت المقدس، فعلى هذا بعض اسم يكون عربيا، وبعضه عجميا، وقد تصرفت فيه العرب بلغات كثيرة أفصحها، لغة القرآن، وهي قراءة الجمهور ﴿إِسْرائِيلَ﴾ بوزن إسرافيل.
﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ الذّكر والذّكر بكسر الذال وضمها بمعنى واحد، يكونان باللّسان وبالجنان. وقال الكسائي: هو بالكسر للّسان، وبالضم للقلب، فضدّ المكسور الصمت، وضد المضموم النسيان، وبالجملة فالذكر الذي محله القلب ضد النسيان، والذي محلّه اللسان ضد الصمت، سواء قيل: إنها بمعنى واحد، أم لا (والنعمة) اسم لما ينعم به، وهي شبيهة بفعل بمعنى مفعول، نحو: ذبح، ورعي، والمراد بها الجمع؛ لأنها اسم جنس. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ يقال: أوفى ووفّى ووفى مشددا، ومخففا، ثلاث لغات بمعنى واحد. وقيل: يقال: وفيت ووفّيت بالعهد، وأوفيت بالكيل لا غير، والعهد: حفظ الشيء ومراعاته حالا فحالا، والمراد منه الموثق، والوصيّة، وأصل أوفوا أوفيوا بوزن أفعلوا، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فلما سكنت التقى ساكنان، فحذفت الياء، وضمت الفاء؛ لمناسبة الواو، فصار وزنه أفعوا. وقوله: ﴿أُوفِ﴾ وزنه أفع؛ لمناسبة حذف لام الكلمة، بسبب جزم الفعل الواقع جوابا للطلب ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ وزن أوّل أفعل، فاء الكلمة وعينها معتلّان، كلاهما واو، ولم يتصرف من هذا اللفظ فعل، فأصل الكلمة على هذا وول، هذا مذهب سيبويه. وقال غيره: أصله أو أل من وأل إذا نجا، أو طلب النجاة، أبدلت الهمزة الثانية واوا للتخفيف، ثم أدغمت فيها الواو الأولى، فقيل: أوّل. وقيل: إنه من آل، فهو أأول، وقع فيه قلب مكانيّ، بجعل العين مكان الفاء، والفاء مكان العين، فصار وزنه أعفل؛ أي: أو أل، ثم خفف بإبدال الهمزة الثانية واوا، وإدغام الواو الأولى فيها. انظر «الأشموني».
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أصله: أقوموا بوزن أفعلوا، نقلت حركة الواو إلى فاء الكلمة الساكن، فسكنت الواو بعد كسرة، فقلبت ياء حرف مد ﴿الصَّلاةَ﴾ الألف فيه منقلبة عن واو، فأصله: صلوة بوزن فعلة، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها بعد فتح ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ والألف فيه أيضا منقلبة عن واو؛ لأنه من زكا يزكو، كنما ينمو وزنا ومعنى، فأصله: زكوة بوزن فعلة، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها بعد فتح.
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ الأمر طلب إيجاد الفعل، ويطلق على الشأن، والفعل منه أمر يأمر على وزن فعل يفعل، من باب نصر، وتحذف فاؤه في الأمر منه بغير لام، فتقول: مر زيدا، وإتمامه قليل أؤمر زيدا، فإن تقدم الأمر واو، أو فاء، فإثبات الهمزة أجود، وهو مما يتعدى إلى مفعولين أحدهما بنفسه، والآخر بحرف جر. ويجوز حذف ذلك الحرف، وهو من أفعال محصورة يحذف من ثاني مفعوليها حرف الجر جوازا تحفظ، ولا يقاس عليها. ذكره في «البحر» ﴿بِالْبِرِّ﴾ والبر الصلة، وأيضا الطاعة. قال الراجز:
| لا همّ ربّ إنّ بكرا دونكا | يبرّك النّاس ويفجرونكا |
والبرّ بالكسر ثلاثة أقسام: برّ في عبادة الله، وبرّ في مراعاة الأقارب، وبرّ
﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ والنسيان ضد الذكر. وهو: السهو الحادث بعد حصول العلم. ويطلق أيضا على الترك، وضدّه الفعل. والفعل نسي ينسى على وزن فعل يفعل، وأصله: تنسيون بوزن تفعلون، تحركت الياء بعد فتح، فقلبت ألفا فالتقى ساكنان الألف وواو الجماعة، فحذفت الألف وبقيت الفتحة دالّة عليها ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ﴾ من تلا يتلو واويّ اللام، أسند الفعل إلى واو الجماعة، وحذفت حركة الواو لام الفعل؛ للتخفيف، فسكنت فالتقى ساكنان، فحذفت الواو الأولى لام الكلمة، وأبقيت واو الجماعة للغرض الذي جيء بها له، فصار وزنه تفعون بعد أن كان تفعلون والتلاوة القراءة، وسميت بها؛ لأن الآيات، أو الكلمات، أو الحروف يتلو بعضها بعضا في الذكر، والتلو التبع، وناقة متل يتبعها ولدها ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ العقل: الإدراك المانع من الخطأ، ومنه عقال البعير يمنعه من التحرك، والمعقل:
مكان يمتنع فيه، والعقل الدية؛ لأن جنسها إبل تعقل في فناء الولي، أو لأنها تمنع من قتل الجاني، والعقل ثوب موشّى قال الشاعر:
| عقلا ورقما تظلّ الطّير تتبعه | كأنّه من دم الأجواف مدموم |
﴿إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ﴾؛ أي: إلا على المتصفين بالخشوع والخوف من الله
قال المهدويّ، والمارودي، وغيرهما: الملاقاة هنا وإن كانت صيغتها تقتضي التشريك، فهي من الواحد، كقولهم: طارقت النعل، وعاقبت اللص، وعافاك الله. وقد اختلف المفسرون في معنى ملاقاة ربهم: فحمله بعضهم على ظاهره من غير حذف ولا كناية، بأن اللقاء هو رؤية الله تعالى، وإلى اعتقادها ذهب أكثر المسلمون. وقيل: ذلك على حذف مضاف؛ أي: جزاء ربهم؛ لأن الملاقاة بالذوات مستحيلة في غير الرؤية. وقيل: ذلك كناية عن انقضاء أجلهم، كما يقال لمن مات: لقي الله، ومنه قول الشاعر:
غدا نلقى الأحبه... محمدا وصحبه
وكنى بالملاقاة عن الموت؛ لأن ملاقاة الله متسبب عن الموت. اه. من «البحر» بتصرف ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ والفضل: الزيادة واستعماله في الخير، وفعله فعل يفعل من باب نصر، وأصله: أن يتعدى بحرف الجر وهو على، ثم يحذف على، على حدّ قول الشاعر، وقد جمع بين الوجهين:
| وجدنا نهشلا فضلت فقيماه | كفضل ابن المخاض على الفصيل |
| يجزيه ربّ العرش عنيّ إذ جزى | جنات عدن في العلاليّ العلا |
| فإبداله من همزة هاء اصلها | وقد قال بعض النّاس من واو ابدلا |
| نحن آل الله في بلدتنا | لم نزل إلّا على عهد إرم |
وقد سمع إضافته إلى اسم الجنس، وإلى الضمير. قال الشاعر:
| وانصرّ على آل الصليـ | ـب وعابديه اليوم آلك |
| أنا الفارس الحامي حقيقة والدي | وآلي كما تحمي حقيقة آلكا |
| إذا ما الملك سام النّاس خسفا | أبينا أن نقرّ الخسف فينا |
وقيل: يطالبونكم من مساومة البيع. وقيل: يرسلون عليكم من إرسال الإبل للرعي. وقال أبو عبيدة: يولونكم. يقال: سامه خطّة خسف؛ أي: أولاه إياها، وأصله يسومونكم بوزن يفعلون، نقلت حركة الواو إلى السين، فسكّنت إثر ضمة، فصارت حرف مد ﴿سُوءَ الْعَذابِ﴾ السّوء: اسم مصدر من أساء الرباعيّ، ومصدر لساء الثلاثي. يقال: ساء يسوء وهو متعدّ، وأساء الرجل؛ أي: صار ذا سوء.
قال الشاعر:
| لئن ساءني أن نلتني بمساءة | لقد سرّني أنّي خطرت ببالكا |
| كأنّ بين فكّها والفكّ | فأرة مسك ذبحت في سكّ |
| جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم | فأبلاهما خير البلاء الّذي يبلو |
وقال ابن الأثير: إنه ليس من الأخذ في شيء، وأشار بذلك إلى أنّ تخذ مادة مستقلة، وقال: إن الافتعال من الأخذ إئتخذ؛ لأنّ فاءه همزة، والهمزة لا تدغم، وغلّط الجوهريّ. وقول الجوهري أظهر. والله أعلم.
﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾ لما أسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك، بني على سكون آخره، فوزنه فعلنا لا فعونا ﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ آتينا أصله أأتى بوزن أفعل، أبدلت الهمزة الثانية حرف مد مجانسا لحركة الأولى، وسكن آخره حين أسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أصله تهتديون بوزن تفتعلون، استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فسكنت الياء، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء، وضمت الدال؛ لمناسبة الواو ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ في «القاموس» البحر: الماء الكثير، أو الملح، والجمع بحور، وبحار، وأبحر. انتهى.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة، وأنواعا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإضافة للتعظيم في قوله: ﴿نِعْمَتِيَ﴾ فإن فيها إشارة إلى عظم قدرها، وسعة برها، وحسن موقعها؛ لأن الإضافة إلى العظيم والشريف تفيد التعظيم والتشريف، كما في قولهم: ﴿بيت الله﴾، وقوله: ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾.
ومنها: فن التعطّف في قوله: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ ومعناه: إعادة اللفظة بعينها في الجملة من الكلام، ويسميه بعضهم فن المشاركة.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾؛ لأنه على حذف موصوف؛ أي: أوّل فريق كافر به.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعيّة في قوله: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي﴾؛ لأن الاشتراء مستعار للاستبدال بجامع الأخذ في كل، كما تقدم في قوله: {أُولئِكَ
ومنها: تكرار الحق في قوله: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾؛ لزيادة تقبيح المنهي عنه، إذ في الإظهار ما ليس في الإضمار من التأكيد، ويسمى هذا أيضا بالإطناب.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ فهو من باب تسمية الكل باسم الجزء لعلاقة الجزئية؛ أي: صلّوا مع المصلين.
ومنها: التقديم في قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾؛ لإفادة الحصر.
ومنها: حذف ياء المفعول فيهما؛ لرعاية رؤوس الفواصل.
ومنها: الاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار في قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾.
ومنها: التعبير بصيغة المضارع في قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ مع أنّ الأمر واقع منهم؛ لإفادة التجدد والاستمرار.
ومنها: التعبير عن تركهم البر بالنسيان في قوله: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ لإفادة المبالغة في تركهم، فكأنّ البر لا يخطر ببالهم، ولا يخالج نفوسهم، ولا يدور في خلدهم.
ومنها: إفراد الإيمان بالقرآن في قوله: ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ﴾ بالأمر به مع اندراجه في العهد المذكور قبله، لما أنه العمدة القصوى في
شأن الوفاء بالعهد.
ومنها: تقييد المنزل بكونه مصدقا لما معهم في قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾؛ لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر، فإنّ إيمانهم بما معهم مما يقتضي الإيمان بما يصدّقه قطعا، ومنه التكرار في قوله: ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾؛ توطئة لما بعده.
ومنها: عطف الخاص على العام في قوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾؛ لبيان الكمال والتشريف؛ لأن النعمة اندرج تحتها التفضيل المذكور، فعطف التفضيل عليها من عطف الخاص على العام؛ لبيان فضلهم وشرفهم على غيرهم من أهل
ومنها: ذكر المحل وإرادة الحال في قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾؛ أي: عذاب يوم.
ومنها: تنكير شيئا مع تنكير نفس في قوله: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾؛ لإفادة التعميم والإقناط الكليّ.
ومنها: الإتيان بالجملة الاسمية في قوله: ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ مع أنّ الجمل التي قبلها فعلية، للمبالغة، والدلالة على الثبات والديمومية؛ أي: إنهم غير منصورين دائما، ولا عبرة بما يصادفونه من نجاح مؤقت.
ومنها: الاستعارة التصريحيّة التبعيّة في قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾؛ أي: يذيقونكم، فإنه استعارة من السوم في البيع.
ومنها: إضافة الصفة إلى الموصوف في قوله: ﴿سُوءَ الْعَذابِ﴾؛ أي: العذاب السيىء الفظيع.
ومنها: تفسير العذاب السيىء بقوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾؛ لأنّ التفصيل بعد الإجمال أوقع في النفس.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿يَسْتَحْيُونَ﴾؛ لأنه مجاز عن الاستبقاء للخدمة.
ومنها: التنكير في كلّ من ﴿بَلاءٌ﴾، و ﴿عَظِيمٌ﴾ للتفخيم والتهويل.
ومنها: التشديد في قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾؛ لإفادة التكثير. يقال: فتّحت الأبواب.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
فائدة: قال عليّ كرم الله وجهه: (قصم ظهري رجلان: عالم متهتّك، وجاهل متنسّك، ومن دعا غيره إلى الهدى ولم يعمل به، كان كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه). قال الشاعر:
| ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها | فإذا انتهت عنه فأنت حكيم |
| فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى | بالرّأي منك وينفع التّعليم |
| وصفت التّقى حتّى كأنّك ذو تقى | وريح الخطايا من ثيابك تسطع |
| وغير تقيّ يأمر النّاس بالتّقى | طبيب يداوي النّاس وهو عليل |
* * *
{وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)}.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر في الآيات السالفة أنواعا من النعم التي آتاها بني إسرائيل، كلّها مصدر فخار لهم، ولها تهتزّ أعطافهم خيلاء وكبرا؛ لما فيها من الشهادة بعناية الله بهم... بيّن هنا كبرى سيئاتهم التي بها كفروا أنعم ربهم، وهي: اتخاذهم العجل إلها، ثم ختمها بذكر العفو عنهم، ثم قفّى ذلك بذكر سيئة أخرى لهم ابتدعوها تعنتا، وتجبّرا، وطغيانا، وهي طلبهم من موسى أن يريهم الله سبحانه عيانا حتى يؤمنوا به، فأخذتهم الصّاعقة وهم يرون ذلك رأى العين. ثم أردف ذلك ذكر نعمتين أخريين كفروا بهما. أولاهما: تظليل الغمام لهم في التيه إلى أن دخلوا الأرض المقدسة. وثانيتهما: إنزال المن والسلوى عليهم مدة أربعين سنة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ الآيتين، ذكر سبحانه في هاتين الآيتين بعض ما اجترحوه من السيئات، فقد أمرهم أن يدخلوا قرية من القرى
قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى؛ ذكر فيها نعمة أخرى آتاها بني إسرائيل فكفروا بها. ذلك أنهم حين خرجوا من مصر إلى التيه، أصابهم ظمأ من لفح الشمس، فاستغاثوا بموسى، فدعا ربه أن يسقيهم، فأجاب دعوته. وقد كان من دأب بني إسرائيل، أن يعودوا باللّوم على موسى إذا أصابهم الضيق، ويمنّون عليه بالخروج معه من مصر، ويصارحونه بالندم على ما فعلوا. فقد روي أنهم قالوا: من لنا بحر الشمس، فظلل عليهم الغمام. وقالوا: من لنا بالطعام، فأنزل الله عليهم المنّ والسلوى. فقالوا: من لنا بالماء، فأمر موسى بضرب الحجر.
التفسير وأوجه القراءة
٥٤ - ثمّ بين سبحانه كيفية وقوع العفو المذكور بقوله: ﴿وَ﴾ اذكروا أيضا يا بني إسرائيل! وهذا هو الإنعام الخامس ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى﴾؛ أي: قصة وقت قوله: ﴿لِقَوْمِهِ﴾ الذين عبدوا العجل، بعد ما رجع من الميعاد الذي وعده ربّه، فرآهم عبدوا العجل ﴿يا قَوْمِ﴾؛ أي: يا قومي! والإضافة فيه للشفقة ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ﴾ وأضررتم ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ بتفويتها الثواب الواجب لها، بالإقامة على عهد موسى ﴿بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾؛ أي: بسبب اتخاذكم العجل معبودا لكم، فقالوا لموسى: فماذا تأمرنا ﴿فـ﴾ قال ﴿توبوا﴾ قلبا وقالبا؛ أي: فاعزموا على التوبة، والفاء للسببية، لأنّ الظلم سبب للتوبة ﴿إِلى بارِئِكُمْ﴾؛ أي: إلى خالقكم الذي خلقكم بريئا من العيوب، والنقصان، والتفاوت، وميّز بعضكم من بعض بصور، وهيئات مختلفة، ولو (١) أظهرتم التوبة بالبدن دون القلب فأنتم ما تبتم إلى الله، وإنما تبتم إلى الناس. والتعرّض (٢) لعنوان البارئية؛ للإرشاد إلى أنهم بلغوا من الجهالة أقصاها، ومن الغباوة منتهاها، حيث تركوا عبادة العليم الحكيم الذي خلقهم
(٢) روح البيان.
وقال في «التفسير الكبير»: وليس المراد تفسير التوبة بقتل النفس، بل بيان أنّ توبتهم لا تتمّ، ولا تحصل إلا بقتل النفس، وإنما كان كذلك؛ لأنّ الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام، أن توبة المرتد لا تتم إلا بالقتل ﴿ذلِكُمْ﴾؛ أي: القتل في التوبة ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي أنفع لكم ﴿عِنْدَ بارِئِكُمْ﴾ سبحانه من الامتناع الذي هو إصرار، وفيه عذاب، لما أن القتل طهرة من الشرك، ووصلة إلى الحياة الأبدية، والبهجة السرمدية؛ أي: إنّ التوبة أجر لكم عند خالقكم، من إقامتكم على عبادة العجل؛ لما فيها من الطهارة من الشرك. وقوله: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ خطاب منه تعالى، معطوف على محذوف؛ أي: ثم فعلتم ما أمرتم به، فتاب عليكم بارئكم؛ أي: قبل توبتكم، وتجاوز عنكم، وإنما لم يقل: فتاب عليهم، على أنّ الضمير للقوم؛ لما أن ذلك نعمة أريد التذكير بها للمخاطبين لا لأسلافهم.
فإن قلت (١): أنه تعالى أمر بالقتل، والقتل لا يكون نعمة.
قلت: إن الله سبحانه نبّههم على عظيم ذنبهم، ثم نبّههم على ما به يتخلّصون من ذلك العظيم، وذلك من النعم في الدّين؛ أي: قبل توبة من قتل منكم، وغفر لمن لم يقتل من بقية المجرمين، وعفا عنهم من غير قتل.
وروي: أنّ الأمر بالقتل من الأغلال التي كانت عليهم، وهي المواثيق اللازمة لهم لزوم الغلّ، ومن الإصر وهو الأعمال الشاقة، كقطع الأعضاء الخاطئة، وعدم جواز صلاتهم في غير المسجد، وعدم التطهير بغير الماء، وحرمة أكل الصائم بعد النوم، ومنع الطيبات عنهم بالذنوب، وكون الزكاة ربع مالهم، وكتابة ذنب الليل على الباب بالصبح، وكما روي: أن بني إسرائيل إذا قاموا يصلّون، لبسوا المسوح، وغلّوا أيديهم إلى أعناقهم، وربّما ثقب الرجل ترقوته، وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها إلى السارية، وحبس نفسه على العبادة. فهذه الأمور رفعت عن هذه الأمة؛ تكريما للنبي صلّى الله عليه وسلّم. وحاصل معنى الآية (١): أي
وقصة القتل مذكورة في التوراة التي يتدارسونها إلى اليوم، ففيها دعاء موسى: من للربّ فإليّ، فأجابه بنو لاوى، فأمرهم أن يأخذوا السيوف ويقتل بعضهم بعضا، ففعلوا، فقتل في ذلك اليوم، نحو: ثلاثة آلاف رجل. والعبرة من القصة، لا تتوقّف على عدد معين، فلنمسك عنه ما دام القرآن لم يتعرّض له.
ذلكم المذكور من التوبة، والقتل، أنفع لكم عند الله من العصيان، والإصرار على الذنوب؛ لما فيه من العذاب، إذ أن القتل يطهّركم من الرجس الذي دنّستم به أنفسكم، ويجعلكم أهلا للثواب ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ففعلتم ما أمركم به موسى، فقبل توبتكم، وتجاوز عن سيئاتكم، إنه سبحانه هو التواب؛ أي: كثير قبول التوبة ممن تاب إليه. الرحيم: أي كثير الرحمة بمن ينيب إليه، ويرجع، ولولا ذلك لعجل بإهلاككم على ما اجترحتم من عظيم الآثام، وكرّر البارىء باللفظ الظاهر؛ توكيدا؛ ولأنها جملة مستقلة، فناسب الإظهار. وللتنبيه على أنّ هذا الفعل هو راجح عند الذي أنشأكم، فكما رأى أن إنشاءكم راجح؛ رأي: أنّ إعدامكم بهذا الطريق من القتل راجح، فينبغي التسليم له في كل حال، وتلقّي ما يرد من قبله بالقبول، والامتثال. ذكره في «البحر».
وقرأ الجمهور (١): بظهور حركة الإعراب في ﴿بارِئِكُمْ﴾ وروي عن أبي
وقرأ الزهري ﴿باريكم﴾ بكسر الياء من غير همز. وروي ذلك عن نافع، وليست في المتواترات ولهذه القراءة تخريجان:
أحدهما: أنّ الأصل الهمزة، وأنه من برأ، فخففت الهمزة بالإبدال المحض على غير قياس، إذ قياس هذا التخفيف، جعلها بين بين.
والثاني: أن يكون الأصل باريكم بالياء من غير همز، فيكون مأخوذا من قولهم بريت القلم إذا أصلحته، أو من البري وهو التراب، ثم حرّك حرف العلة، وإن كان قياسه تقدير الحركة في مثل هذا رفعا وجرا. وقد ذكر الزمخشري (١) في اختصاص ذكر البارىء هنا كلاما حسنا هذا نصه: فإن قلت: من أين اختصّ هذا الموضع بذكر البارىء؟
قلت: البارىء: هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت ﴿ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ﴾ ومميّزا بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة، والصّور المتباينة، فكان فيه تقريع بما كان منهم، من ترك عبادة العالم الحكيم، الذي برأهم بلطيف حكمته، على الأشكال المختلفة، أبرياء من التفاوت، والتنافر، إلى عبادة البقر التي هي مثل في الغباوة، والبلادة. في أمثال العرب: أبلد من ثور. حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله، ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم، وينثر ما نظم من صورهم، وأشكالهم، حين لم يشكروا النعمة في ذلك، وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها. انتهى.
وقيل معناه: لن نقرّ لك بأن التوراة من عند الله ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿جَهْرَةً﴾؛ أي: (٢) عيانا لا ساتر بيننا وبينه، كالجهر في الوضوح والانكشاف؛ لأن الجهر في المسموعات، والمعاينة في المبصرات، ونصبها على المصدرية؛ لأنها نوع من الرؤية، فكأنها مصدر الفعل الناصب، أو حال من الفاعل؛ أي: حتى نرى الله مجاهرين، أو من المفعول؛ أي: حتى نرى الله مجاهرا بفتح
الهاء، وذلك أنّه لمّا تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل، أمر الله تعالى موسى أن يختار من قومه رجالا يعتذرون إليه من عبادتهم العجل، فاختار موسى سبعين رجلا من خيارهم، كما قال تعالى: ﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ وقال لهم: صوموا، وتطهّروا، وطهّروا ثيابكم، ففعلوا، وخرج بهم إلى طور سيناء، فقالوا لموسى: أطلب لنا أن نسمع كلام ربنا، فقال موسى: أفعل، فلمّا دنا موسى من الجبل، وقع عليه الغمام حتى تغشّى الجبل كلّه، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام. وقعوا سجودا، فسمعوا الله سبحانه يكلّم موسى، يأمره، وينهاه، فلمّا انكشف عن موسى الغمام أقبل إليهم، فقالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، كما بيّنه تعالى بقوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى﴾ وقد عرفت أنّ هذا الظرف معطوف على الظروف المتقدمة، وأنّ التقدير فيه: واذكروا
(٢) روح البيان.
أحدهما: يكون جهرة مصدرا، كالغلبة، فيكون معناها ومعنى جهرة المسكّنة الهاء سواء.
والثاني: أن يكون جمعا لجاهر، كما تقول فاسق وفسقة، فيكون انتصابه على الحال؛ أي جاهرين بالرؤية. ذكره في «البحر».
والمعنى (١): واذكروا يا بني إسرائيل! حين خرجتم مع موسى إلى جبل الطور لتعتذروا إلى الله من عبادة العجل، فسمعتم كلام الله مع موسى، فقلتم لموسى لمّا أقبل إليكم من المناجاة ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾؛ أي: لن نصدقك في أن المخاطب لنا هو ربنا، وأن ما سمعناه كلامه ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾؛ أي: حتى نبصره ونراه رؤية جهرة؛ أي: ظاهرة واضحة عيانا، لا يستره عنا شيء ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾؛ أي: فأحرقتكم النار النازلة من السماء؛ أي: فأخذت الصاعقة من قال ذلك، والباقون ينظرون بأعينهم. وقد فصّل ذلك في الأعراف. وقرأ عمر، وعليّ ﴿الصّعقة﴾ بلا ألف. ذكره في «البحر». والصاعقة (٢): هي نار محرقة فيها صوت، نازلة من السماء. وقيل: هي كلّ أمر مهول مميت، أو مزيل للعقل والفهم، وتكون صوتا، وتكون نارا، وتكون غير ذلك.
وقيل: هي صوت ملك صاح عليهم، وإنما أحرقتم الصاعقة، لسؤالهم ما هو مستحيل على الله في الدنيا؛ ولفرط العناد والتعنّت، وإنما الممكن أن يرى رؤية منزهة عن الكيفية، وذلك للمؤمنين في الآخرة، وللأفراد من الأنبياء في بعض الأحوال في الدنيا، كما قيل: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إلى الصاعقة النازلة حين نزولها، فإن كانت نارا فقد عاينوها، وإن كانت صوتا هائلا فقد مات بعضهم
(٢) روح البيان.
وهكذا كان حال بني إسرائيل مع موسى، يتمرّدون، ويعاندون، وسوط العذاب يصبّ عليهم صبا، فأصيبوا بالأوبئة وأنواع الأمراض، وسلّطت عليهم هوام الأرض وحشراتها، حتى فتكت بالعدد العديد، والخلق الكثير، فليس ببدع منهم أن يجحدوا دعوة النبي صلّى الله عليه وسلّم، ويعاندوها
٥٦ - ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ وأحييناكم ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ وحرقكم بتلك النار الصاعقة، وموتكم يوما وليلة، وقاموا ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيا! وعاشوا بعد ذلك؛ لأنهم (٤) لما ماتوا، جعل موسى يبكي ويتضرع إلى الله، ويقول: يا رب! إنهم خرجوا معي وهم أحياء، لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله تعالى رجلا بعد
(٢) الواحدي.
(٣) التوراة.
(٤) كرخي.
وقيّد البعث بقوله (١): ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ مع أنه إنما يكون بعد الموت، لما أنه قد يكون من الإغماء، أو من النوم. قال قتادة: أحياهم، ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم، وكان ذلك الموت بلا أجل، وكانت تلك الموتة لهم، كالسّكتة لغيرهم قبل انقضاء آجالهم، ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا إلى يوم القيامة. اه.
فإن قلت: كيف يجوز أن يكلّفهم، وقد أماتهم؟ فإن جاز ذلك، فلم لا يجوز أن يكلف أهل الآخرة إذا بعثوا بعد الموت؟.
قلنا: الذي يمنع من تكليفهم في الآخرة، هو الإماتة ثم الإحياء، وإنما منع ذلك من التكليف، لأنه قد اضطرهم يوم القيامة إلى معرفته ومعرفة ما في الجنة من اللذات، وما في النار من الآلام، وبعد العلم الضروري لا تكليف، فإذا كان المانع هو هذا، لم يمتنع في هؤلاء الذين أماتهم الله بالصعقة، أن لا يكون قد اضطرهم، وإذا كان كذلك صحّ أن يكلفوا من بعد، ويكون موتهم، ثم الإحياء بمنزلة النوم، أو بمنزلة الإغماء ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: لكي تشكروا الله سبحانه وتعالى، نعمة إحيائه لكم بعد موتكم بالصاعقة بالتوحيد والطاعة، أو لعلكم تشكرون وقت مشاهدتكم بأس الله بالصاعقة، نعمة الإيمان التي كفرتموها بقولكم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فإن ترك النعمة لأجل طلب الزيادة كفران لها؛ أي: لعلكم تشكرون نعمة الإيمان، فلا تعودون إلى اقتراح شيء بعد ظهور المعجزة.
وفي «المراغي» (٢): يرى بعض المفسرين: أن الله أحياهم بعد أن وقع فيهم الموت بالصاعقة، أو غيرها؛ ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم، وكانت تلك الموتة لهم كالسكتة القلبيّة لغيرهم. ويرى آخرون، أن المراد بالبعث: كثرة النسل؛ أي: إنه بعد أن وقع فيهم الموت بشتّى الأسباب، وظنّ أنهم ينقرضون، بارك الله في
(٢) المراغي.
قالوا: إن موسى (١) عليه السلام، سأل الرؤية في المرة الأولى في الطور، ولم يمت، لأن صعقته لم تكن موتا، ولكن غشية، بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفاقَ﴾ وسأل قومه في المرة الثانية، حين خرجوا للاعتذار وماتوا، وذلك؛ لأنّ سؤال موسى كان اشتياقا وافتقارا، وسؤال قومه كان تكذيبا واجتراء، ولم يسألوا سؤال استرشاد، بل سؤال تعنّت، فإنهم ظنّوا أنه تعالى يشبه الأجسام، وطلبوا رؤيته رؤية الأجسام في الجهات، والأحياز المقابلة للرائي، وهي محال. وليس في الآية دليل على نفي الرؤية، بل فيها إثباتها، وذلك أنّ موسى عليه السلام، لمّا سأله السبعون لم ينههم عن ذلك، وكذلك سأل هو ربه الرؤية، فلم ينهه عن ذلك، بل قال: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ وهذا تعليق بما يتصوّر، قال بعض العلماء الحكماء: الحكمة في أن الله تعالى لا يرى في الدنيا وجوه:
الأول: أن الدنيا دار أعدائه؛ لأن الدنيا جنة الكافر.
الثاني: لو رآه المؤمن لقال الكافر: لو رأيته لعبدته، ولو رأوه جميعا لم يكن لأحدهما مزية على الآخر.
الثالث: أنّ المحبة على غيب، ليست كالمحبة على عين.
الرابع: أن الدنيا محلّ المعيشة، ولو رآه الخلق لاشتغلوا عن معاشهم، فتعطلت.
الخامس: أنه جعلها بالبصيرة دون البصر؛ ليرى الملائكة صفاء قلوب المؤمنين.
السابع: إنما منعها رحمة بالعباد؛ لما جبلوا عليه في هذه الدار من الغيرة، إذ لو رآه أحد تصدّع قلبه من رؤية غيره إياه، كما تصدّع الجبل غيرة من أن يراه موسى. والله أعلم.
٥٧ - ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ﴾ هذا هو الإنعام السابع؛ أي: جعلنا السحاب الرقيق ظلا عليكم، يحفظكم من حر الشمس، وكان يسير بسيرهم، وكانوا يسيرون ليلا ونهارا، وذلك في التيه، وهو: واد بين الشام ومصر وقدره تسعة فراسخ، وقيل: اثنا عشر فرسخا، مكثوا فيه أربعين سنة متحيرين، لا يهتدون إلى الخروج منه، وسبب ذلك؛ مخالفتهم أمر الله تعالى إياهم بقتال الجبارين الذين كانوا بالشام؛ أي: جعلنا (١) الغمام ظلّة عليكم يا بني إسرائيل. وهذا كما ذكرنا جرى في التيه، واد بين مصر والشام، فإنهم حين خرجوا من مصر وجاوزوا البحر، وقعوا في صحراء لا أبنية فيها، وأمرهم الله تعالى بدخول مدينة الجبّارين، الذين كانوا في الشام وقتالهم، فقبلوا أمره، فلما قربوا منها سمعوا بأنّ أهلها جبارون أشدّاء، قامة أحدهم سبعمائة ذراع، ونحوها، فامتنعوا، وقالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ فعاقبهم الله تعالى، بأن يتيهوا في الأرض أربعين سنة، وكانت المفازة يعني: التيه، اثني عشر فرسخا، فأصابهم حرّ شديد، وجوع مفرط، فشكوا إلى موسى، فرحمهم الله تعالى، فأنزل عليهم عمودا من نور يدلى له من السماء، فيسير معهم بالليل يضيىء لهم مكان القمر إذا لم يكن قمر، وأرسل غماما أبيض رقيقا. أطيب من غمام المطر، يظللهم من حر الشمس في النهار. وسمّي السحاب غماما؛ لأنه يغمّ السماء؛ أي: يسترها. والغمّ: حزن يستر القلب. ولم يكن لهم في التيه شيء يسترهم، ويستظلّون به، وكانت ثيابهم لا تتسخ، ولا تبلى، ثم سألوا موسى الطعام، فدعا ربه فاستجاب له، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾؛ أي: الترنجبين بفتح
وخاصّيّته: أنّ أكل لحمه يليّن القلوب القاسية، وكانت تحشره عليهم ريح الجنوب، وكانت الريح تقطع حلقومها، وتشق بطونها، وتمعط شعورها، وكانت الشمس تنضجها، فكانوا يأكلونها مع المنّ. وأكثر المفسرين على أنهم يأخذونها، فيذبحونها، فكان ينزل عليهم المنّ نزول الثلج، من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وتأتيهم السلوى، فيأخذ كل إنسان منهم كفايته إلى الغد، إلا يوم الجمعة يأخذ ليومين؛ لأنه لم يكن ينزل يوم السبت؛ لأنه كان يوم عبادة، فإن أخذ أكثر من ذلك دوّد وفسد.
وقوله: ﴿كُلُوا﴾ مقول (١) لقول محذوف، معطوف على فعل محذوف، تقديره: أنعمنا عليكم بأنواع النعم من الطعام والشراب، من غير كدّ ولا تعب، وقلنا لكم كلوا ﴿مِنْ طَيِّباتِ﴾ وحلالات ﴿ما رَزَقْناكُمْ﴾ وأعطيناكم؛ أي: كلوا من لذائذ ما رزقناكموه من المنّ والسلوى، ولا ترفعوا منه شيئا ادخارا لغد، ولا تعصوا أمري، فرفعوا، وادّخروا، وجعلوا اللحم قديدا مخافة أن ينفد، فقطع الله عنهم، ودوّد ما ادّخروه، ولو لم يرفعوا لدام عليهم ذلك. والطيبات: جمع
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لولا بنوا إسرائيل، لم يخبث الطعام، ولم يخنز اللحم»؛ أي: لم ينتن ولم يتغيّر «ولولا حواء، لم تخن أنثى زوجها الدّهر». وقوله: ﴿وَما ظَلَمُونا﴾؛ أي: وما نقصونا بما ادخروا، معطوف على محذوف، تقديره: فظلموا بأن كفروا تلك النعمة الجليلة، وادّخروا بعد ما نهوا عنه، وما ظلمونا؛ أي: ما بخسوا بحقّنا ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾؛ أي: يضرّون باستيجابهم عذابي، وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم، بلا مؤونة في الدنيا، ولا حساب في العقبى، فرفعنا ذلك عنهم؛ لعدم توكلهم علينا.
فإن قلت: ما الحكمة في ذكر كانوا هنا وفي الأعراف، وحذفها في آل عمران؟
فالجواب: أن ما في السورتين إخبار عن قوم انقرضوا، وما في (آل عمران) مثل منبّه عليه بقوله: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾ إلخ. اه «كرخي». وقوله في الحديث: لم يخنز اللحم ولم تخن أنثى زوجها؛ أي: واستمرّ نتن اللحم من ذلك الوقت، لأنّ البادي للشيء كالحامل للغير على الإتيان به، وكذلك استمرت الخيانة من النساء؛ لأنّ أمّ النساء خانت بأن أغواها إبليس قبل آدم حتى أكلت من الشجرة، ثم أتت آدم، فزيّنت له ذلك حتى حملته على أن أكل منها، فاستمرّت تلك الخيانة من بناتها لأزواجها.
قال في «الأشباه والنظائر»: الطعام إذا تغيّر واشتدّ تغيره تنجّس، وحرم أكله واللّبن، والزّيت، والسمن، إذا أنتن لا يحرم أكله. انتهى.
وفي سفر الخروج من التوراة (١): أنهم أكلوا المن أربعين سنة، وأنّ طعمه كالرّقاق بالعسل، وكان لهم بدل الخبز إذ كانوا محرومين من البقول، والخضر.
وفي هذا إيماء إلى أنّ كلّ ما يطلبه الله من عباده، فإنما نفعه لهم، وما ينهاهم
٥٨ - ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ هذا هو الإنعام الثامن؛ لأنه تعالى أباح لهم دخول البلدة، وأزال عنهم التيه. وَإِذْ (١) معطوف على نعمتي على كونها مفعولا لا ذكروا، كما مرّ مرارا؛ أي: واذكروا يا بني إسرائيل! نعمتي التي أنعمت بها عليكم، ووقت قولنا لآبائكم إثر ما أنقذتم من التيه ﴿ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ منصوب على الظرفية؛ أي: مدينة بيت المقدس، كما قاله مجاهد، أو قرية أريحاء، كما قاله ابن عباس، وهي قرية قريبة من بيت المقدس. وجزم القاضي، وغيره بالأول، ورجّح الثاني بأنّ الفاء في قوله ﴿فَبَدَّلَ﴾ تقتضي التعقيب، فيكون واقعا عقب هذا الأمر في حياة موسى عليه السلام، وموسى توفّي في التيه، ولم يدخل بيت المقدس. قاله الرازيّ. اه.
«كرخي».
وعبارة الخازن: قال ابن عباس: القرية هي أريحا قرية الجبارين، بفتح الهمزة وكسر الراء وبالحاء المهملة، قرية بالغور قريبة من بيت المقدس. قيل: كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم: العمالقة، ورأسهم عوج بن عنق، فعلى هذا يكون القائل يوشع بن نون؛ لأنه الذي فتح أريحا بعد موسى؛ لأن موسى مات في التيه. وقيل: هي بيت المقدس، وعلى هذا فيكون القائل موسى، والمعنى: إذا خرجتم بعد مضيّ الأربعين سنة، فادخلوا بيت المقدس. اه.
والقرية (٢): اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وقد تطلق عليهم مجازا، كما في قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾؛ أي: أهلها، والمعنى؛ أي: واذكروا قصة، إذ قلنا لكم بعد خروجكم من التيه على لسان موسى، أو على لسان يوشع، ادخلوا هذه القرية ﴿فَكُلُوا مِنْها﴾؛ أي: من ثمارها، وطعامها ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ وأنى شئتم أكلا ﴿رَغَدًا﴾؛ أي: واسعا لا حجر فيه، على أنّ النصب على
(٢) روح البيان.
وقرأ الجمهور (١): (حطة) بالرفع، على أنه خبر مبتدأ محذوف. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة بالنصب، على معنى احطط عنا ذنوبنا حطة. وقيل معناه: الاستغفار، ومنه قول الشاعر:
| فاز بالحطّة الّتي جعل اللّ | هـ بها ذنب عبده مغفورا |
والحاصل (٢): أنّ من قرأ بضم الياء، أو التاء، كان خطاياكم، أو خطيئاتكم، أو خطيئتكم مفعولا، لم يسمّ فاعله. ومن قرأ بفتح التاء، أو الياء، أو بالنون، كان ذلك مفعولا به، وجزم هذا الفعل؛ لأنه جواب الأمر. والمعنى: أي إذا فعلتم ما ذكر استجبنا دعاءكم، وكفرنا عنكم خطاياكم. ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالطاعة والامتثال لأمرنا ثوابا من فضلنا، وهم الذين لم يعبدوا العجل، جمع محسن، والمحسن (٣): من أحسن في فعله، وإلى نفسه، وغيره. وقيل: المحسن من صحّح عقد توحيده، وأحسن سياسة نفسه، وأقبل على أداء
(٢) البحر المحيط.
(٣) روح البيان.
٥٩ - ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أي: غيرّ الذين ظلموا أنفسهم بالمعصية، ما قيل لهم من التوبة، والاستغفار ﴿قَوْلًا﴾ آخر مما لا خير فيه، فأحد مفعولي بدّل محذوف ﴿غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ غير نعت لقولا، وإنما صرح به مع استحالة تحقق التبديل بلا مغايرة؛ تحقيقا لمخالفتهم، وتنصيصا على المغايرة من كلّ وجه، والمعنى: أنهم غيروا تلك الكلمة التي أمروا بها، وقالوا قولا غير الذي قيل لهم، فقالوا: حنطة بدل حطّة، وكذلك بدلوا الفعل الذي أمروا به من دخولهم سجدا، فدخلوا زحفا. فالحاصل: أنهم دخلوا الباب زاحفين على أدبارهم، قائلين حنطة على شعيرة؛ استخفافا بأمر الله تعالى. وقيل: قالوا (١): بالنبطية، وهي لغتهم (حطّا سمقانا) يعنون حنطة حمراء. وقال مجاهد: طؤطىء لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم، فأبوا أن يدخلوه سجدا، فدخلوا يزحفون على أستاههم مخالفة في الفعل، كما بدّلوا القول، وأما المحسنون ففعلوا ما أمروا به، ولذا لم يقل: فبدّلوا بصيغة العموم، بل قال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وظاهر نظم القرآن أنّهم بدّلوا القول فقط دون العمل، وبه قال جماعة. وقيل: بل بدلوا العمل والقول جميعا، فمعنى قوله: ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: أمرا غير الذي أمروا به، فإن أمر الله قول، وهو تغيير جميع ما أمروا به ﴿فَأَنْزَلْنا﴾؛ أي: فعقيب ذلك التبديل أنزلنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بتغيير ما أمروا به قولا وفعلا، ولم (٢) يقل: عليهم على الاختصار. وقد سبق ذكر الذين ظلموا في الآية؛ لأنه سبق ذكر المحسنين أيضا، فلو أطلق وأضمر، لوقع احتمال دخول
(٢) روح البيان.
روي: أنه مات منهم بالطاعون في ساعة واحدة، أربعة وعشرون ألفا، ودام فيهم حتى بلغ سبعين ألفا. وقال أبو حيان (١): واختلفوا في الرجز هنا، فقال أبو العالية: هو غضب الله تعالى. وقال ابن زيد: طاعون أهلك منهم في ساعة سبعين ألفا. وقال وهب: طاعون عذبوا به أربعين ليلة، ثمّ ماتوا بعد ذلك. وقال ابن جبير: ثلج هلك به منهم سبعون ألفا. وقال ابن عباس: ظلمة وموت، مات منهم في ساعة أربعة وعشرون ألفا. وهلك سبعون ألفا عقوبة. والذي يدل عليه القرآن: أنه أنزل عليهم عذاب، ولم يبين نوعه، إذ لا كبير فائدة في تعيين النوع، فنتركه مبهما، وإن كان كثير من المفسرين على أنه الطاعون. وقوله: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ إن فسر الرجز بالثلج، كان كونه من السماء ظاهرا، وإن فسر بغيره، فهو إشارة إلى الجهة التي يكون منها القضاء عليهم، أو مبالغة في علوّه بالقهر والاستيلاء. وقال أبو مسلم: هذا الفسق هو الظلم المذكور في قوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. وفائدة التكرار التأكيد؛ لأنّ الوصف دالّ على العلية، فالظاهر أن التبديل سببه الظلم، وأنّ إنزال الرجز سببه الظلم أيضا. وقال غير أبي مسلم: ليس مكرّرا لوجهين: أحدهما: أنّ الظلم قد يكون من الصغائر، كما في قوله: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ ومن الكبائر كما في قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ والفسق لا يكون
والثاني: أنه يحتمل أنهم استحقّوا اسم الظلم بسبب ذلك التبديل، ونزول الرجز عليهم من السماء، لا بسبب ذلك التبديل، بل بالفسق الذي فعلوه قبل ذلك التبديل، وعلى هذا يزول التكرار. انتهى.
وقرأ ابن محيصن (١): ﴿رجزا﴾ بضم الراء، وقد تقدم أنها لغة في الرجز بكسر الراء. وقرأ النخعي، وابن وثاب، وغيرهما ﴿يفسقون﴾ بكسر السين وهي لغة فيه، واستدل بعضهم بقوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وترتيب العذاب على هذا التبديل، على أن ما ورد فيه التوقيف من الأقوال لا يجوز تغييره، ولا تبديله بلفظ آخر. وقال قوم: يجوز ذلك إذا كانت الكلمة تسدّ مسدها، وعلى هذا جرى الخلاف في قراءة القرآن بالمعنى، وفي تكبيرة الإحرام، وفي تجويز النكاح بلفظ الهبة، والبيع، والتمليك، وفي نقل الحديث بالمعنى.
فائدة: وذكروا أنّ في الآية سؤالات (٢):
الأول: قوله هنا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ وفي الأعراف ﴿وَإِذْ قِيلَ﴾ وأجيب: بأنه صرح بالفاعل في البقرة، لإزالة الإبهام، وحذف في الأعراف؛ للعلم به في (سورة البقرة).
الثاني: قال هنا: ﴿ادْخُلُوا﴾ وهناك ﴿اسْكُنُوا﴾. وأجيب: بأنّ الدخول مقدم على السكنى، فذكر الدخول في السورة المتقدمة، والسكنى في المتأخرة.
الثالث: قال هنا: ﴿خَطاياكُمْ﴾ وهناك ﴿خَطِيئاتِكُمْ﴾. وأجيب: بأنّ الخطايا جمع كثرة، فناسب حيث قرن به ما يليق بجوده، وهو غفران الكثير. والخطيئات جمع قلة، لمّا لم يضف ذلك إلى نفسه.
(٢) البحر المحيط.
الخامس: قدم هنا دخول الباب على القول، وهناك عكس. وأجيب: بأن الواو للجمع، والمخاطبون بهذا مذنبون، فاشتغاله بحط الذنب، مقدّم على اشتغاله بالعبادة، فكلّفوا بقول حطة أولا، ثم بالدخول غير مذنبين، فاشتغاله أوّلا بالعبادة، ثم بذكر التوبة ثانيا، على سبيل هضم النفس، وإزالة العجب، فلما احتمل الانقسام، ذكر حكم كل واحد منهما في سورة بأيهما بدأ.
السادس: إثبات الواو في ﴿وَسَنَزِيدُ﴾ هنا، وحذفها هناك. وأجيب: بأنه لما تقدّم أمران كان المجيء بالواو، مؤذنا بأن مجموع الغفران، والزيادة جزاء واحد لمجموع الأمرين، وحيث تركت أفاد توزع كل واحد على كل واحد من الأمرين، فالغفران في مقابلة القول، والزيادة في مقابلة ادخلوا.
السابع: لم يذكر ههنا ﴿منهم﴾ وذكر هناك. وأجيب: بأنّ أول القصة في الأعراف مبنيّ على التخصيص بلفظ من قال: ومن قوم موسى أمة، فذكر لفظ من آخرا؛ ليطابق آخره أوله. وهنا لم تبن القصة على التخصيص.
الثامن: قال هنا ﴿فَأَنْزَلْنا﴾ وهناك ﴿فَأَرْسَلْنا﴾. وأجيب: بأنّ الإنزال مفيد حدوثه في أول الأمر، والإرسال يفيد تسلطه عليهم، واستئصالهم بالكلية، وهذا إنما يحدث بالآخر.
التاسع: هنا ﴿يَفْسُقُونَ﴾ وهناك ﴿يَظْلِمُونَ﴾. وأجيب: بأنه لمّا بين هنا، كون ذلك الظلم فسقا، اكتفى بذكر الظلم في سورة الأعراف؛ لأجل ما تقدم من البيان هنا. ذكره في «البحر».
٦٠ - ﴿وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ هذا هو (١) الإنعام التاسع، وهو جامع لنعم الدنيا والدين، أما في الدنيا؛ فلأنه أزال عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء، ولولا هو لهلكوا في التيه، وهذا أبلغ من الماء المعتاد في الإنعام؛ لأنهم في مفازة
عبارة «الروح» هنا: اللام (٢) فيه، إما للعهد، والإشارة بها إلى معلوم. فقد روي أنه كان حجرا طوريا حمله معه، وكان خفيفا مربعا كرأس الرجل، له أربعة أوجه، في كل وجه ثلاث أعين، أو هو الحجر الذي فرّ بثوبه، حين وضعه عليه ليغتسل، وبرأه الله تعالى مما رموه به من الأدرة، فأشار إليه جبريل أن ارفعه، فإن لله فيه قدرة، ولك فيه معجزة. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كان بنوا إسرائيل ينظر بعضهم إلى سوءة بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فوضع ثوبه على حجر، ففرّ الحجر بثوبه، فجمع موسى بأثره يقول: ثوبي يا حجر! حتى نظرت بنوا إسرائيل إلى سوءة موسى، فقالوا: والله ما بموسى أدرة» وهي بالمد: نفخة بالخصية، وإما للجنس؛ أي: اضرب الشيء الذي يقال له الحجر، وهو الأظهر في الحجة؛ أي: أبين في القدرة، وأدلّ عليها. فإنّ إخراج الماء بضرب العصا من جنس الحجر، أيّ حجر كان، أدلّ على ثبوت نبوة موسى عليه السلام، من إخراجه من حجر معهود معين، لاحتمال أن يذهب الوهم إلى تلك الخاصية في ذلك الحجر
(٢) روح البيان.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾؛ أي: كل سبط من الأسباط الاثني عشر مَشْرَبَهُمْ؛ أي: موضع شربهم، ونهرهم من تلك الأنهار التي جرت من الحجر، فكان كل سبط يأتي عينهم الخاصة بهم، لا يدخل سبط على غيره في شربه. والمشرب: إما مصر، أو اسم مكان. والحكمة في ذلك: أن الأسباط كانت بينهم عصبية، ومباهاة، وكل سبط منهم لا يتزوج من سبط آخر، وكل سبط يريد تكثير نفسه، فجعل الله لكل سبط منهم نهرا على حدة، ليستقوا منها، ويسقوا دوابهم؛ لكيلا يقع بينهم جدال، ومخاصمة. وكان ينبع من كل وجه من الحجر، ثلاث أعين تسيل كل عين في جدول إلى سبط، وكانوا ستمائة ألف، وسعة المعسكر اثني عشر ميلا. ثم إن الله تعالى، قد كان قادرا على تفجير الماء، وفلق البحر من غير ضرب، لكن أراد أن يربط المسببات بالأسباب، حكمة منه للعباد، في وصولهم إلى المراد، ويترتب على ذلك ثوابهم، وعقابهم في المعاد. ومن أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله، وقلة تدبره في عجائب صنعه، فإنه
واعلم (١): أنّ المعجزات كلها من صنع الله تعالى، وهي سنّة جديدة غير ما نشاهد كل يوم، فحركة الشمس، وطلوعها من المشرق مع عظمها، لا تحدث دهشة؛ لتعودنا إياها، ولكن إذا طلعت من المغرب دون المشرق كان معجزة، وأحدث غرابة، ودهشة، مع أن الحركتين من صنع الله تعالى، لا فارق بينهما.
ولئلا تحدث الصدمة حين حصول المعجزة، يهيّىء الله الظروف لتحمّلها، ويهيّىء النبيّ لقبولها، ويهيّىء الحاضرين لمشاهدتها، وقبولها. فأمر الله موسى بإدخال يده جيبه، وإخراجها بيضاء، تهيئة لمعجزاته الأخرى. وليس للعقل أن يحكم أيّ المعجزات أعظم من الأخرى؛ لأنه يتكلم عن مجهول هو من صنع الله لا يعرفه، فلا يمكن الإنسان مهما ارتقى عقله، أن يصل إلى صنعها، بل هي فوق قدرته.
أمّا (٢) المخترعات العلمية، فهي مبنيّة على السّنن العلمية مهما ظهرت مدهشة، كالكهرباء، والمسرّة - التليفون - وغاية ما هناك: أن العلماء سخروها لأغراضهم، فالذي يتكلم في أوروبا، ويسمع صوته في مكة المكرمة، أو في مصر مثلا بوساطة الراديو، إنما استطاع ذلك؛ لأنه استخدم الهواء الذي يحمل أمواج الصوت إلى العالم كلّه، وهكذا حال سائر المخترعات، إنما هي كشف لناموس إلهي، يتكرّر دائما على يد كل إنسان، لكن المعجزات تجري على طراز آخر، فهي خلق سنة جديدة في الكون، ولا تتكرر إلا بإذن الله، ولا يعرف الإنسان لها قاعدة، ولا يدرك طريقا لصنعها. وقوله: ﴿كُلُوا﴾ على تقدير القول؛ أي:
(٢) الطب الحديث.
وقرأ ابن الفضل الأنصاري (٣)، والأعمش بفتح الشين. وروي عن الأعمش الإسكان، والكسر أيضا. قال الزمخشري: الفتح لغة. وقال ابن عطية: هي لغة ضعيفة. وقال المهدويّ: فتح الشين غير معروف، وإضافة المشرب إليهم في قوله: ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾؛ لأنه لمّا تخصص كلّ مشرب بمن تخصّص به، صار كأنه ملك لهم، وأعاد الضمير في مشربهم على معنى كل، لا على لفظها، ولا يجوز أن
يعود على لفظها، فيقال: مشربه؛ لأن مراعاة المعنى هنا لازمة؛ لأن كل قد
(٢) البيضاوي.
(٣) البحر المحيط.
| وكلّ أناس قاربوا قيد فحلهم | ونحن حللنا قيده فهو سارب |
| وكلّ أناس سوف تدخل بينهم | دويهية تصفرّ منها الأنامل |
والحكمة في قوله: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أنهم (١) لما أمروا بالأكل، والشرب من رزق الله، ولم يقيّد ذلك عليهم بزمان، ولا مكان، ولا مقدار من مأكول، أو مشروب، كان ذلك إنعاما، وإحسانا جزيلا إليهم، واستدعى ذلك التبسط في المآكل، والمشارب، وأنه ينشأ عن ذلك القوة الغضبية، والقوة الاستعلائية تنهاهم عمّا يمكن أن ينشأ عن ذلك، وهو الفساد، حتى لا يقابلوا تلك النعم بما يكفرها، وهو الفساد في الأرض. وقال ابن عباس، وأبو العالية معناه: ولا تسعوا. وقال قتادة: ولا تسيروا. وقيل: لا تتظالموا الشرب فيما بينكم؛ لأن كل سبط منكم قد جعل له شرب معلوم. وقيل معناه: لا تتمادوا في فسادكم. وقال ابن زيد: لا تطغوا. وهذه الأقوال كلها متقاربة. وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ الجمهور على أنها أرض التيه، ويجوز أن يريدها، وغيرها، ممّا قدّر أن يصلوا إليها، فينالها فسادهم، ويجوز أن يريد الأرضين كلّها. وأل لاستغراق الجنس، ويكون فسادهم فيها، من جهة أن كثرة العصيان والإصرار على المخالفات، والبطر يؤذن بانقطاع الغيث، وقحط البلاد،
وحاصل المعنى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾. أي وقلنا لهم (١): كلوا مما رزقناكم من المن والسلوى، واشربوا ممّا فجرنا لكم من الماء من الحجر الصّلد. وقد عبّر عن الحال الماضية بالأمر؛ ليستحضر السامع صورة أولئك القوم في ذهنه مرة أخرى، حتى كأنّهم حاضرون الآن، والخطاب موجّه إليهم ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾؛ أي: ولا تنشروا فسادكم في الأرض، وتكونوا قدوة لغيركم فيه، وقد جاء هذا النهي عقب الإنعام عليهم بطيب المأكل، والمشرب؛ خيفة أن ينشأ الفساد بزيادة التبسط فيهما؛ ولئلا يقابل النعم بالكفران، وقد أراد موسى عليه السلام أن يجتث أصول الشرك التي تغلغلت جذورها في نفوس قومه، ويربأ بهم عن الذّلّ الذي ألفته نفوسهم، بتقادم العهد، واستعباد المصريين إياهم، ويعودهم العزة، والشّمم، والإباء بعبادة الله وحده. وكانوا لا يخطون خطوة إلا اجترحوا خطيئة، وكلّما عرض لهم شيء من مشاق السفر، برموا بموسى، وتحسّروا على فراق مصر، وتمنّوا الرجوع إليها، واستبطئوا وعد الله، فطلبوا منه أن يجعل لهم إلها غير الله، وصنعوا عجلا وعبدوه، وحينما أمرهم أن يدخلوا الأرض المقدسة التي وعدوا بها، اعتذروا بالخوف من أهلها الجبارين، كما قصه الله سبحانه وتعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها﴾ فضرب الله سبحانه عليهم التيه أربعين سنة، حتى ينقرض ذلك الجيل الذي تأصلت فيه جذور الوثنية، ويخرج جيل جديد يتربّى على العقائد الحقّة، وفضائل الأخلاق، فتاهوا هذه المدة، وقضى الله أمرا كان مفعولا.
الإعراب
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب معطوف على نعمتي، على كونها مفعولا به لاذكروا، كما مرّ مرارا، تقديره: وقت قولكم يا موسى ﴿قُلْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿يا مُوسى﴾ منادى مفرد العلم في محل النصب على المفعولية، مبني بضم مقدر منع من ظهوره التعذر؛ لأنه اسم مقصور، وجملة النداء في محل النصب مقول لقلتم ﴿لَنْ﴾ حرف نفي ونصب ﴿نُؤْمِنَ﴾ فعل مضارع منصوب بلن، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: نحن يعود على قوم موسى ﴿لَكَ﴾ متعلق بنؤمن، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لقلتم ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية ﴿نَرَى﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد حتى الجارة، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة؛ للتخلص من التقاء الساكنين، منع من ظهورها التعذر؛ لأنه فعل معتل بالألف، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: نحن يعود على قوم موسى، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهَ﴾ مفعول به؛ لأن رأى هنا بصرية ﴿جَهْرَةً﴾ منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه صفة لمصدر محذوف، تقديره: حتى نرى الله رؤية جهرة، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحتى بمعنى إلى، تقديره: إلى رؤيتنا الله جهرة، الجار والمجرور متعلق بنؤمن؛ لأنه فعل مضارع ﴿فَأَخَذَتْكُمُ﴾ الفاء حرف عطف وتفريع ﴿أخذتكم﴾ فعل ومفعول به، والتاء علامة تأنيث الفاعل ﴿الصَّاعِقَةُ﴾ فاعل، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة قلتم، على كونها مضافا لإذ ﴿وَأَنْتُمْ﴾ الواو حالية ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿تَنْظُرُونَ﴾ خبره، ومتعلق النظر محذوف، تقديره: وأنتم تنظرون ما حل بكم، والجملة الإسمية في محل النصب حال من ضمير المخاطبين، تقديره: حال كونكم ناظرين ما حل بكم.
﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ﴾.
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب مع تراخ ﴿بَعَثْناكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به،
﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق ببعثناكم ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لعل حرف نصب وتعليل بمعنى كي، والكاف في محل النصب اسمها، وجملة ﴿تَشْكُرُونَ﴾ خبرها، تقديره: لعلكم شاكرون، وجملة لعل في محل الجر بلام التعليل المقدرة، المدلول عليها بلعل التعليلية المتعلقة ببعثناكم، تقديره: ثم بعثناكم لشكركم إيانا على نعمة بعثكم. ﴿وَظَلَّلْنا﴾ فعل وفاعل ﴿عَلَيْكُمُ﴾ متعلق بظللنا ﴿الْغَمامَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الجر، معطوفة على جملة بعثنا.
﴿وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
﴿وَأَنْزَلْنا﴾ فعل وفاعل معطوف على بعثناكم ﴿عَلَيْكُمُ﴾ متعلق بأنزلنا ﴿الْمَنَّ﴾ مفعول به ﴿وَالسَّلْوى﴾ معطوف عليه ﴿كُلُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية مقول لقول محذوف معطوف على أنزلنا، تقديره: وقلنا لكم كلوا مِنْ ﴿طَيِّباتِ﴾ جار ومجرور متعلق بكلوا ﴿طَيِّباتِ﴾ مضاف ﴿ما﴾ اسم موصول في محل الجر مضاف إليه ﴿رَزَقْناكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: ما رزقناكموه، وهو العائد على الموصول، والجملة الفعلية صلة الموصول، ورزق هنا بمعنى أعطى يتعدى إلى مفعولين.
﴿وَما﴾ الواو عاطفة ﴿ما﴾ نافية ﴿ظَلَمُونا﴾ فعل ماض وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على مقدر، تقديره: فظلموا أنفسهم بكفران النعم، وما ظلمونا على كونها مقولا لمحذوف، تقديره: قال الله تعالى: فظلموا أنفسهم. إلخ. ﴿وَلكِنْ﴾ الواو عاطفة ﴿لكِنْ﴾ حرف استدراك مهمل؛ لتخفيف النون ﴿كانُوا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول مقدم ليظلمون، وجملة ﴿يَظْلِمُونَ﴾ في محل النصب خبر كان، تقديره: ولكن كانوا ظالمين أنفسهم، وجملة كان معطوفة على جملة قوله: ﴿وَما ظَلَمُونا﴾.
{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب معطوف على نعمتي، كما مرّ مرارا، تقديره: يا بني إسرائيل! اذكروا نعمتي، ووقت قولنا لكم... إلخ. ﴿قُلْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر بإضافة إذ إليها ﴿ادْخُلُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لقلنا ﴿هذِهِ﴾ ها حرف تنبيه، ذه: اسم إشارة في محل النصب على الظرفية عند سيبويه، وعلى المفعول به عند الأخفش، كما في «الفتوحات» ﴿الْقَرْيَةَ﴾ نعت لهذه، أو عطف بيان منه، أو بدل عنه. ﴿فَكُلُوا﴾ الفاء عاطفة ﴿كلوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ادخلوا ﴿مِنْها﴾ متعلق بكلوا ﴿حَيْثُ﴾ ظرف مكان في محل النصب، مبني على الضم ﴿شِئْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لحيث، والظرف متعلق بمحذوف حال من فاعل كلوا؛ أي كلوا منها حال كونكم متنقلين في أي مكان شئتم ﴿رَغَدًا﴾ مفعول مطلق منصوب بكلوا، لأنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: أكلا رغدا ﴿وَادْخُلُوا﴾ فعل وفاعل ﴿الْبابَ﴾ مفعول به على السعة، والجملة معطوفة على كلوا ﴿سُجَّدًا﴾ حال من فاعل كلوا؛ أي: متواضعين متطامين، كحال الساجد ﴿وَقُولُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ادخلوا ﴿حِطَّةٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: مسألتنا حطة، أو أمرنا حطة، والجملة الإسمية في محل النصب مقول قولوا، والأصل فيها النصب؛ لأن معناها حط عنا ذنوبنا، ولكنه عدل إلى الرفع؛ للدلالة على ديمومية الحط، والثبات عليه ﴿نَغْفِرْ﴾ فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير مستتر فيه؛ تقديره: نحن يعود على الله، والجملة الفعلية جواب الطلب لا محل لها من الإعراب ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بنغفر ﴿خَطاياكُمْ﴾ مفعول به ﴿وَسَنَزِيدُ﴾ الواو عاطفة، والسين حرف استقبال ﴿نزيد﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ مفعول به منصوب بالياء، والجملة معطوفة على جملة نغفر، على كونها جواب الطلب لا محل لها من الإعراب، وإنما لم يجزم؛ لأن الطلب عامل ضعيف فلا يقوى على العمل في المعطوف، أو الجملة مستأنفة.
{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا
﴿فَبَدَّلَ﴾ الفاء استئنافية، أو فصيحية؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنهم أمروا بقول حطة، وأردت بيان ما قالوا، فأقول لك: بدّل الذين ظلموا ﴿بدل﴾ فعل ماض ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، أو في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿ظَلَمُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿قَوْلًا﴾ مفعول به منصوب ﴿غَيْرَ﴾ صفة لـ ﴿قَوْلًا﴾ منصوب وهو مضاف ﴿الَّذِي﴾ مضاف إليه ﴿قِيلَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على الموصول ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بقيل، والجملة صلة الموصول ﴿فَأَنْزَلْنا﴾ الفاء عاطفة ﴿أنزلنا﴾ فعل وفاعل معطوف على جملة بدّل، على كونها مقولا لجواب إذا المقدرة ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾ متعلق بأنزلنا ﴿ظَلَمُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿رِجْزًا﴾ مفعول به لأنزلنا ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ صفة لرجزا ﴿بِما﴾ الباء حرف جر وسبب ﴿ما﴾ مصدرية ﴿كانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَفْسُقُونَ﴾ خبره، وجملة كان من اسمها وخبرها، صلة ﴿ما﴾ المصدرية، وما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: بكونهم فاسقين، أو بفسقهم الجار والمجرور متعلق بأنزلنا.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ﴾ أصل قال: قول بوزن فعل، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، وهو أجوف واويّ. يا قوم! أصله: يا قومي، حذفت ياء المتكلم، وبقيت الكسرة دالّة عليها، وهكذا حيثما ورد في القرآن. والقوم: اسم جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده امرؤ، وقياسه: أن لا يجمع، وشذّ جمعه حيث قالوا: أقوام، وجمع جمعه قالوا: أقاويم. قيل: يختصّ بالرجال.
قال تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ ولذلك قابله بقوله: ﴿وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ﴾ وقال زهير:
| وما أدري وسوف إخال أدري | أقوم آل حصن أم نساء |
| قومي هم قتلوا أميم أخي | فإذا رميت يصيبني سهمي |
| لا يبعدنّ قومي الذين هم | سمّ العداة وآفة الجزر |
والمرسل إليهم يشمل النساء والرجال، وصاحب هذا القيل يقول: أمّا إذا قامت قرينة على التخصيص، فيبطل العموم، ويكون المراد ذلك الشيء المخصّص. والقول الأول أصوب، ويكون اندراج النساء في القوم على سبيل الاستتباع، وتغليب الرجال على النساء، والمجاز خير من الاشتراك. وسمّي الرجال قوما؛ لأنهم يقومون بالأمور اه. من «البحر».
﴿إِلى بارِئِكُمْ﴾ البارىء: هو الخالق. يقال: برأ الله الخلق يبرأ، إذا خلقهم.
وفي الجمع بينهما في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ ما يدلّ على التباين، إلا أن يحمل على التوكيد. وقد فرّق بعض الناس بينهما، فقال: البارىء: هو المبدع المحدث. والخالق: هو المقدّر الناقل من حال إلى حال. وقال بعض العلماء: برأ، وأنشأ، وأبدع نظائر. وأصل مادة برأ يدلّ على انفصال شيء من شيء، وتميّزه عنه. يقال: برأ المريض من مرضه، إذا زال عنه المرض وانفصل، وبرىء المدين من دينه، إذا زال عنه الدين وسقط. ومنه البارىء في أوصاف الله تعالى؛ لأنه الذي أخرج من العدم، (وفصلهم عنه إلى الوجود). وفي «المختار»: أنّ برىء المريض، من بابي سلم، وقطع، وأنّ برأ الله الخلق، من باب قطع لا غير. اه.
﴿فَتُوبُوا﴾ أمر من تاب يتوب، والأمر قطعة من المضارع، وأصل مضارعه يتوبون بوزن يفعلون، نقلت حركة الواو إلى التاء، فسكنت الواو إثر ضمة، فصارت حرف مد، فلما بني منه الأمر، حذفت نون الرفع، وحرف المضارعة،
﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ أصله؛ توب بوزن فعل، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها بعد فتح ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ قلتم بوزن فلتم، وذلك أنّ أصله: قول بوزن فعل، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم لمّا أسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك؛ سكن آخره لبنائه على السكون، فالتقى ساكنان الألف ولام الفعل، فحذفت الألف عين الفعل، فصار اللفظ هكذا. قلت: فاحتيج للتنبيه على نوع عين الفعل المحذوفة، هل هي واو؟ أو ياء؟ فحذفت حركة فاء الفعل، وعوض عنها حركة مجانسة للعين المحذوفة التي هي الواو، فضم أول الفعل، فقيل: قلت: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ﴾ أصله: نرأي بوزن نفعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ثم نقلت حركة الهمزة عين الفعل إلى الراء فاء الفعل، ثم حذفت الهمزة؛ تخفيفا، فقيل: نرى، وهذا الحذف لعين هذا الفعل، مطرد في الماضي من الرباعي، والمضارع منه، والأمر، كما تحذف من الثلاثي في المضارع، والأمر، وهذا الحذف الذي ذكرناه، هو إذا كان مدلول رأى الإبصار في يقظة، أو منام، أو الاعتقاد، وأمّا إذا كانت رأى بمعنى أصاب رئته، فلا تحذف الهمزة، بل تقول: رآه يراه؛ أي: أصاب رئته. نقله صاحب كتاب الأمر ﴿جَهْرَةً﴾ الجهرة العلانية، ومنه الجهر ضدّ السر، وفتح عين هذا النحو مسموع
| إذا وردنا آجنا جهرنا | أو خاليا من أهله غمرنا |
| أنيخها ما بدا لي ثمّ أبعثها | كأنّها كاسر في الجوّ فتخاء |
| وفتيان صدق قد بعثت بسحرة | فقاموا جميعا بين عان ونشوان |
| فلو كنت مولى الظلّ أو في ظلاله | ظلمت ولكن لا يدي لك بالظّلم |
| وإنّي لتعروني لذكراك سلوة | كما انتقض السّلواة من بلل القطر |
| وشذّ بالحذف مر وخذ وكل وفشا | وأمر ومستندر تميم خذ وكلا |
شئت بوزن فلت ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا﴾ والباب معروف وهو المكان الذي
| المدّ زيد ثالثا في الواحد | همزا يرى في مثل كالقلائد |
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ التبديل: تغيير الشيء بآخر.
تقول: هذا بدل هذا؛ أي: عوضه، ويتعدى لاثنين، الثاني أصله حرف جر.
تقول: بدّلت دينارا بدرهم؛ أي: جعلت دينارا عوض درهم، وقد يتعدّى لثلاثة، فتقول: بدّلت زيدا دينارا بدرهم؛ أي: حصلت له دينارا عوضا من درهم ﴿قِيلَ﴾ أصله: قول بضم أوله وكسر ثانيه، استثقل الانتقال من ضمة إلى كسرة، فحذفت حركة فاء الفعل، ونقلت إليه حركة العين، فسكنت الواو إثر كسرة، فقلبت ياء حرف مد، وهكذا كلّ من شاكل هذا النوع من معتل العين، إلا أن الياء تسلم فيما عينه ياء، كجيىء، وبيع، وتقلب الواو ياء فيما عينه واو، كقيل. ﴿رِجْزًا﴾ الرجز: العذاب، وتكسر راؤه وتضم، والضم لغة بني الصّعدات.
﴿وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ والاستسقاء: طلب سقيا الماء، والطلب أحد المعاني التي سبق ذكرها في الاستفعال في قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وأصله: استسقي بوزن استفعل، قلبت الياء ألفا؛ لتحركها بعد فتح ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ﴾ أصل قلنا: قولنا، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فلما أسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك، وبني آخره على السكون، التقى ساكنان الألف واللام، فحذفت الألف، وحذفت أيضا حركة فاء الفعل، وعوض عنها حركة مجانسة للعين المحذوفة، فصار قلنا، كما مر ﴿بِعَصاكَ﴾ العصا الألف فيها منقلبة عن واو، لتثنيته على عصوين، وقولهم: عصوته؛ أي: ضربته بالعصا، ويجمع على أفعل شذوذا، فقالوا: أعص أصله: أعصو، وعلى فعول قياسا.
قالوا: عصيّ أصله: عصوو، يتبع حركة العين حركة الصاد و ﴿الْحَجَرَ﴾ الجسم الصلب المعروف عند الناس، ويجمع على أحجار وحجار، وهما جمعان مقيسان
﴿وَلا تَعْثَوْا﴾ قيل أصل هذه الكلمة: عثى يعثي، كرمى يرمي. وقيل أصلها: عثى يعثى، كسعى يسعى. وقيل أصلها: عثى يعثى، كرضى يرضى. وقيل أصلها: عثا يعثو، كسما يسمو، والموجود في القرآن يوافق الثانية والثالثة من اللغات، وعليه يكون التغيير الذي وقع فيها، أنّ واو الجماعة اتصل بلام الفعل، سواء أكانت من باب سعى، أم من باب رضي، تحركت الياء وفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان، فحذفت الألف. أمّا التي من باب رمى وسما، فلا داعي للكلام عليهما، لعدم ورودهما في القرآن، والعثو والعثيّ أشدّ الفساد.
يقال: عثا يعثو عثوا، وعثيا، وعثى يعثى عثيا، وعثى يعثى عثيا لغة شاذّة.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة، وأنواعا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإضافة في قوله: ﴿يا قَوْمِ﴾ للشفقة عليهم.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ علاقته اعتبار ما يؤول إليه؛ أي: أسلموها للقتل تطهيرا لها.
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ والالتفات هنا من التكلم الذي يقتضيه سياق الكلام إلى الغيبة، إذ كان مقتضى المقام أن يقول: فوفقتكم فتبت عليكم، وفيه أيضا مجاز بالحذف، تقديره: ففعلتم ما أمرتم به، فتاب عليكم بارئكم.
ومنها: العدول من ضمير الغائبين العائد إلى القوم، إلى ضمير المخاطبين في قوله: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ حيث لم يقل: فتاب عليهم العائد إلى الأسلاف؛ إشعارا بأنها نعمة، أريد التذكير بها للمخاطبين لا لأسلافهم.
ومنها: تقييد البعث بكونه من بعد الموت، مع أن البعث لا يكون إلا بعد الموت؛ لزيادة التأكيد على أنه موت حقيقي؛ ولدفع ما عساه يتوهم أنّ بعثهم كان بعد إغماء، أو بعد نوم.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾؛ أي: قلنا لهم كلوا، وفي قوله: ﴿وَما ظَلَمُونا﴾، تقديره: فظلموا أنفسهم بكفرهم تلك النعمة، وما ظلمونا بذلك دل على هذا المحذوف قوله: ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
ومنها: الجمع بين صيغتي الماضي والمضارع في قوله: ﴿ظَلَمُونا﴾ وقوله: ﴿يَظْلِمُونَ﴾؛ للدلالة على تماديهم في الظلم، واستمرارهم على الكفر.
ومنها: تقديم المفعول على عامله في قوله: ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾؛ للدلالة على القصر الذي يقتضيه النفي السابق، وفيه أيضا ضرب تهكم بهم.
ومنها: تنكير ﴿رِجْزًا﴾؛ لإفادة التهويل والتفخيم.
ومنها: الإضافة في قوله: ﴿كلوا من رزق الله﴾؛ تعظيما للمنّة والإنعام، وإيماء إلى أنه رزق حاصل من غير تعب، ولا مشقة.
ومنها: ذكر ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في قوله: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ مبالغة في تقبيح الفساد.
ومنها: الإتيان بالحال؛ لتأكيد معنى عامله في قوله: ﴿مُفْسِدِينَ﴾؛ لأنّ معناها قد فهم من عاملها، وحسن ذلك اختلاف اللفظين.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
{وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥)
فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)}.
المناسبة
قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة؛ لأنها في تعداد قبائحهم، كسوابقها. والحاصل منها: أنهم لما (١) سئموا من الإقامة في التيه، والمواظبة على مأكول واحد لبعدهم عن الأرض التي ألفوها، وعن العوائد التي عهدوها، أخبروا عما وجدوه من عدم الصبر على ذلك، وتشوفهم إلى ما كانوا يألفون، وسألوا موسى أن يسأل الله لهم، وأكثر أهل الظاهر من المفسرين، على أن هذا السؤال كان معصية، قالوا: لأنهم كرهوا إنزال المن والسلوى، وتلك الكراهة معصية؛ ولأن موسى وصف ما سألوه بأنه أدنى، وما كانوا عليه بأنه خير، وبأن قوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾ هو على سبيل الإنكار. ذكره في «البحر».
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما
وعبارة المراغي هنا مناسبتها لما قبلها: أنه لما ذكر (٢) باللائمة على اليهود في الآيات السالفة، وبين ما حاق بهم من الذل والمسكنة، وما نالهم من غضب الله جزاء ما اجترحوه من السيئات، من كفر بآيات الله تعالى، وقتل للنبيين، وعصيان لأوامر الدين، وترك لحدوده، ومخالفة لشرائعه. ذكر هنا حال المستمسكين بحبل الله - الدين المتين - من كل أمة، وكل شعب، ممن اهتدى بهدي نبي سابق، وانتسب إلى شريعة من الشرائع الماضية، وصدق في الإيمان بالله واليوم الآخر، وسطع على قلبه نور اليقين، وأرشد إلى أنهم الفائزون بخيري الدنيا والآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ الآيتين، ذكر (٣) سبحانه في هاتين الآيتين، جناية أخرى حدثت من أسلاف المخاطبين وقت التنزيل، ذاك أنه بعد أن أخذ الله عليهم المواثيق التي ذكرها بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾. إلخ. فقبلوها، وأراهم من الآيات ما فيه مقنع لهم؛ رفع الجبل فوقهم كالظلة حتى ظنوا أنه واقع بهم، وطلب إليهم التمسك بالكتاب، والعمل بما فيه بالجد والنشاط كي يعدّوا أنفسهم لتقوى الله ورضوانه، ثم كان منهم أن أعرضوا عن ذلك، وانصرفوا عن طاعته، ولولا لطف الله بهم لاستحقوا العقاب في الدنيا، وخسروا سعادة الآخرة، وهي خير ثوابا، وخير أملا، لكن وفقهم الله تعالى بعد ذلك فتابوا، ورحمهم فقبل توبتهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ الآيتين، وفي هاتين الآيتين وما يتلوهما بعد تعداد لنكث العهود، والمواثيق التي أخذت على بني إسرائيل، الذين كانوا في عهد موسى عليه السلام، وحل بهم جزاء ما عملوا، من
(٢) المراغي.
(٣) المراغي.
يرتعون في مراتع البهائم، وليتهم كانوا في خيارها، بل جعلهم في أخسّ أنواعها، فهم كالقردة في نزواتها، والخنازير في شهواتها، مبعدين من الفضائل الإنسانية بأنواع المنكرات جهارا عيانا بلا خجل، ولا حياء، حتى احتقرهم كرام الناس ولم يروهم أهلا لمعاشرة ولا معاملة.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن أبي حاتم، والعدني في مسنده من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قال سلمان: سألت النبي صلّى الله عليه وسلّم عن أهل دين كنت معهم؟ فذكرت من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية إلى قوله: ﴿يَحْزَنُونَ﴾.
التفسير وأوجه القراءة
٦١ - ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ﴾؛ أي: واذكروا يا بني إسرائيل! حين كنتم في التيه تأكلون من المن والسلوى، فمللتم منه، وذكرتم عيشا كان لكم بمصر، وقلتم لنبيكم عليه السلام ﴿يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾؛ أي: على نوع واحد من الطعام الذي هو المن والسلوى، ولن نكتفي به. وهذا (١) تذكير لجناية أخرى لأسلاف بني
وفي «تفسير البغوي» والعرب تعبر عن الواحد بلفظ الاثنين؛ لقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ وإنما يخرج من الملح دون العذب. وقيل: المعنى لن نصبر على الغنى فيكون جميعنا أغنياء، فلا يقدر بعضنا على الاستعانة ببعض، لاستغناء كل واحد بنفسه، وكان فيهم أوّل من اتخذ العبيد والخدم ﴿فَادْعُ لَنا﴾؛ أي: فاسأل لأجلنا ﴿رَبَّكَ﴾ أن يخرج لنا من نبات الأرض. ولغة بني عامر بكسر العين، جعلوا دعا من ذوات الياء، كرمى يرمي؛ والفاء لسببية عدم الصبر للدعاء؛ أي: إن دعوته ﴿يُخْرِجْ لَنَا﴾ أي يظهر لنا ويوجد شيئا ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ ومفعول يخرج محذوف، كما قدّرنا والجزم في جواب الطلب، فإنّ دعوته سبب الإجابة؛ أي: إن تدع لنا ربك يخرج لنا شيئا مما تنبته الأرض من الحبوب والبقول، فقد سئمنا المن والسلوى وكرهناه، ونريد ما تخرجه الأرض كعادتنا في مصر. وفي قوله: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ (١) إسناد مجازي بإقامة القابل وهو الأرض، مقام الفاعل وهو الله سبحانه وتعالى، ومن تبعيضية، وما موصولة، ومن في قوله: ﴿مِنْ بَقْلِها﴾ بيانية واقعة موقع الحال من الضمير العائد إلى ما المحذوف؛ أي: مما تنبته الأرض، أو من ما الموصولة؛ أي: حال كون ذلك النابت من
وقال أبو حيان: وأحوال (٣) هذه الخمسة التي ذكروها مختلفة، فذكروا أولا: ما هو جامع للحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، إذ البقل منه ما هو بارد رطب، كالهندبا، ومنه ما هو حار يابس، كالكرفس والسذاب، ومنه ما هو حار
(٢) الخازن.
(٣) البحر المحيط.
وقوله: ﴿قالَ﴾ كلام مستأنف واقع في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال الله لهم، أو موسى عليه السلام، فقيل: قال إنكارا عليهم. إلخ. والظاهر (١) عود الضمير في قال إلى موسى، ويحتمل عوده على الرب تعالى، ويؤيده ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾. والهمزة في قوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾؛ للإنكار، والاستبدال: الاعتياض. وقرأ أبيّ ﴿أتبدلون﴾ وهو مجاز؛ لأن التبديل ليس لهم إنما ذلك إلى الله تعالى، لكن لما كان حصول التبديل بسؤالهم جعلوا مبدلين، وكان المعنى: أتسألون تبديل ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنى﴾؛ أي: أتأخذون لأنفسكم، وتختارون لها الطعام الذي هو أدنى، وأخسّ من البقل وما بعدها ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾؛ أي: بدل الذي هو خير وأنفس؛ لأن الباء تدخل على المتروك دون المأخوذ، وخيريّة المن والسلوى في اللّذاذة، أو سقوط المشقة والسعي في تحصيلها، وغير ذلك. ولا كذلك الفوم، والعدس، والبصل، وأمثالها. قال بعضهم: الحنطة وإن كانت أعلى من المن والسلوى، لكن خساستها ههنا بالنسبة إلى قيمتها، وليس في الآية ما يدل على قطعها عنهم على أنهم أرادوا زوال المن والسلوى. وحصول ما طلبوا مكانه؛ لتحقق الاستبدال في صورة المناوبة؛ لأنهم أرادوا بقولهم لن نصبر على طعام واحد أن يكون لهم هذا تارة وذاك أخرى.
وقرأ زهير الفرقبيّ، ويقال له: زهير الكسائيّ ﴿أدنأ﴾ بالهمزة.
والمعنى: أي (٢) قال لهم موسى منكرا عليهم ويحكم: أتريدون استبدال الطعام الذي هو أخسّ، من البقل، والقثاء، والفوم، والبصل، عن الطعام الذي هو أنفس، وأفضل، وأعلى، الذي هو المن والسلوى، فإنه خير في اللذة، والنفع، وعدم الحاجة إلى السعي، فدعا موسى فاستجبنا له وقلنا لهم: {اهْبِطُوا
(٢) العمدة.
أريد به مصر فرعون، وإنما صرف؛ لسكون وسطه، كهند، ودعد، ونوح؛ أو لتأويله بالبلد دون المدينة، فلم يوجد فيه غير العلمية. انتهى. قال أبو حيان:
فتلخّص من قراءة التنوين أن يكون مصرا غير معين لا من الشام ولا من غيره، أو مصرا غير معين من أمصار الشام، أو معينا وهو بيت المقدس، أو مصر فرعون، فهذه أربعة أقوال. انتهى.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿اهْبِطُوا﴾ بكسر الباء، لأنه من باب ضرب. وقرىء بضم الباء على أنه من باب دخل وهما لغتان، والأفصح الكسر، والجمهور على صرف مصرا هنا. وقرأ الحسن، وطلحة، والأعمش، وأبان بن تغلب بغير تنوين، وبيّن كذلك في مصحف أبي بن كعب، ومصحف عبد الله، وبعض مصاحف عثمان ﴿فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ تعليل للأمر بالهبوط؛ أي: فإن لكم فيه ما سألتموه من بقول الأرض ونباتها، ثم قال تعالى منبها على ضلالهم، وفسادهم، وبغيهم، وعدوانهم: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: جعلت على فروع بني إسرائيل الذين كانوا في عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم ﴿الذِّلَّةُ﴾؛ أي: الذل والهوان بضرب الجزية عليهم، وإلزامهم
(٢) البحر المحيط.
﴿وَباؤُ﴾؛ أي: رجعوا ﴿بِغَضَبٍ﴾ وسخط عظيم كائن ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ سبحانه وتعالى؛ أي: استحقّوا الغضب واللعنة من الله تعالى بسبب طغيانهم، وكفرهم نعمة الله تعالى. وفي وصف الغضب بكونه من الله تعظيم للغضب، وتفخيم لشأنه ﴿ذلِكَ﴾ المذكور من ضرب الذلة والمسكنة عليهم، ورجوعهم بغضب من الله، وهو مبتدأ خبره الجار والمجرور في قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾؛ أي: بسبب أن اليهود كانوا يجحدون على الاستمرار بآيات الله الباهرة؛ التي هي المعجزات الساطعة الظاهرة على يدي موسى عليه السلام؛ التي من جملتها ما عدّ عليهم من فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، وانفجار العيون من الحجر، وما لم يعدّ، كاليد، والعصا، والضفادع، والقمّل، والجراد، أو بسبب أنهم يجحدون بمحمد صلّى الله عليه وسلّم، وينكرون صفته في التوراة، والإنجيل، وبالقرآن، وآية الرجم التي في التوراة والإنجيل ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ عندهم؛ أي: وبسبب قتلهم الأنبياء ظلما حتى عندهم، كشعياء، وزكريا، ويحيى، وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام. وفائدة (١) التقييد مع أن قتل الأنبياء يستحيل: أن يكون بحق الإيذان بأن ذلك عندهم أيضا بغير الحق، إذ لم يكن أحد معتقدا بحقية قتل أحدهم عليهم السلام، فإن قيل: كيف جاز أن يخلى بين الكافرين وقتل الأنبياء؟ قيل: ذلك كرامة لهم وزيادة في منازلهم، كمثل من يقتل في سبيل الله من
فإن قلت: لم عرّف الحق هنا ونكره في آل عمران والنساء؟
قلت: لأن ما هنا لكونه وقع أولا إشارة إلى ﴿الْحَقِّ﴾ الذي أذن الله أن تقتل النفس به، وهو قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ فكان التعريف به أولى، وهناك أريد به ﴿بغير حق﴾ في معتقدهم ودينهم، فكان بالتنكير أولى انتهى. من فتح الرحمن.
﴿ذلِكَ﴾ المذكور من كفرهم بآيات الله العظام، وقتلهم أنبياء الله الكرام عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام ﴿بِما عَصَوْا﴾؛ أي: بسبب عصيانهم بترك المأمورات ﴿وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾؛ أي: وبسبب اعتدائهم ومجاوزتهم الحد بارتكاب المنهيات؛ أي: ذلك بسبب مجاوزتهم أمري وارتكابهم محارمي؛ أي: جرّ بهم العصيان والتمادي في العدوان إلى المشار إليه، فإن صغار الذنوب إذا دووم عليه أدت إلى كبارها، كما أن مداومة صغار الطاعات مؤدية إلى تحري كبارها، وسقم القلب بالغفلة عن الله تعالى منعهم عن إدراك لذاذة الإيمان وحلاوته؛ لأن المحموم ربما وجد طعم السّكر مرّا، فالغفلة سمّ للقلوب مهلك، فنفرة قلوب المؤمنين عن مخالفة الله نفرتك عن الطعام المسموم و (ما) في قوله:
﴿بِما عَصَوْا﴾ مصدرية، كما أشرنا إليه في الحل؛ أي: ذلك بعصيانهم، ولم (١) يعطف الاعتداء على العصيان؛ لئلا يفوت تناسب مقاطع الآي؛ وليدل على أن الاعتداء صار كالشيء الصادر منهم دائما، والمعنى {ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ
وفي قوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ مع أن قتل غير النبيين لا يكون إلا كذلك، مزيد تشنيع بهم، وتصريح بأنهم ما كانوا مخطئين في الفهم، ولا متأوّلين للحكم، بل هم ارتكبوه عامدين مخالفين لما شرع الله لهم في دينهم.
﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾؛ أي: إن كفرهم بآيات الله، وجرأتهم على النبيين بالقتل إنما كانا بسبب عصيانهم، وتعدّيهم حدود دينهم، فإن للدين هيبة في النفس تجعل المتديّن به يحذر مخالفة أمره، حتى إذا تعدّى حدوده مرة ضعف ذلك السلطان الدينيّ في نفسه، وكلما عاد إلى المخالفة كان ضعفه أشد إلى أن تصير المخالفة طبعا وعادة، وكأنه ينسى حدود الدين ورسومه، ولا يصبح للدين ذلك الأثر العميق الذي كان متغلغلا في قرارة نفسه،
٦٢ - ثم دعا الله سبحانه وتعالى أهل الملل من المؤمنين بألسنتهم، واليهود، والنصارى، والصابئين إلى الإيمان الصادق وإخلاص العمل لله، وساقه بصيغة الخبر، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذه الآية معترضة بين قصص بني إسرائيل؛ أي إنّ (٢) الذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة القلوب، وهم المنافقون بقرينة انتظامهم في سلك الكفرة، والتعبير عنهم بذلك دون عنوان النفاق؛ للتصريح بأنّ تلك المرتبة وإن عبر عنها بالإيمان لا تجديهم نفعا أصلا، ولا تنقذهم من ورطة الكفر قطعا،
(٢) روح البيان.
اه. من الشوكاني.
وقيل المعنى (٣): إن الذين آمنوا بالأنبياء الماضين قبل مبعث محمد صلّى الله عليه وسلّم، كبحيرا الراهب، وورقة بن نوفل، وقسّ بن ساعدة، وسلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، ووفد النجاشي، وغيرهم ﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾؛ أي: تهودوا وصاروا يهود من هاد إذا دخل في اليهودية، ويهود إما عربي من هاد إذا تاب، سموا بذلك حين تابوا من عبادة العجل، وخصّوا به، لما كانت توبتهم توبة هائلة، وإما معرب من يهوذا بالذال المعجمة اسم أكبر أولاد يعقوب عليه السلام، فقلبتها العرب دالا مهملة. وقيل: إنما سمي اليهود يهودا؛ لأنهم إذا جاءهم رسول، أو نبيّ هادوا إلى ملكهم فدلّوه عليه فيقتلونه ﴿وَالنَّصارى﴾ جمع (٤) نصران، كندامى جمع ندمان، سمّوا بذلك؛ لأنهم نصروا المسيح عليه السلام؛ أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها: ناصرة، فسموا باسمها، أو لاعتزائهم إلى نصرة، وهي قرية كان ينزلها عيسى عليه السلام، والمعنى؛ أي: والذين كانوا على الدين المحرّف الباطل الذي كان لليهود والنصارى ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾؛ أي: الخارجين من دين إلى دين، وهم قوم من اليهود، أو النصارى صبئوا من دينهم. وقرأ نافع
(٢) الشوكاني.
(٣) العمدة.
(٤) روح البيان.
فإن قلت: لم قدم النصارى على الصابئين هنا. وعكس في المائدة والحج؟.
قلت: لأن النصارى مقدمون على الصابئين في الرتبة؛ لأنهم أهل كتاب، فقدموا في البقرة لكونها أولا، والصابئون مقدمون على النصارى في الزمن، فقدموا في الحج، وروعي في (المائدة) المعنيان فقدموا في اللفظ وأخروا في المعنى إذ التقدير: والصابئون كذلك، كما في قول الشاعر:
| فمن يك أمس في المدينة رحله | فإنّي وقيّار بها لغريب |
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥)﴾ ودخلت الفاء في قوله: ﴿فَلَهُمْ﴾؛ لتضمن اسم إنّ معنى الشرط ﴿أَجْرُهُمْ﴾ الموعود لهم؛ أي: ثواب أعمالهم مدّخرا لهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: مالك أمرهم
٦٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ تذكير (١) لجناية أخرى لأسلاف بني إسرائيل؛ أي: واذكروا يا بني إسرائيل! وقت أخذنا لعهد آبائكم على العمل بما في التوراة، وذلك قبل التيه حين خرجوا مع موسى من مصر ونجوا من الغرق؛ أي: واذكروا قصة حين أخذنا وطلبنا من آبائكم العهد المؤكد باليمين على قبول التوراة، والعمل بما فيه، واتباع موسى، وأبيتم من إقراره وقبوله ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ كأنه ظلّة حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق. والطور: جبل معروف بفلسطين، والطور معناه: الجبل بالسريانية، وذلك أنّ موسى عليه السلام جاءهم بالألواح، فرأوا ما فيها من الآصار والتكاليف الشاقّة، فكبرت عليهم، وأبوا قبولها، فأمر جبريل فقلع الطور من أصله، ورفعه، وظلّله فوقهم، وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا ألقى عليكم، فلما رأوا أن لا مهرب لهم منها قبلوا، وسجدوا، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود؛ لئلا ينزل عليهم، فصارت عادة في اليهود لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم، ويقولون بهذا السجود رفع عنا العذاب، ثم رفع الجبل ليقبلوا التوراة لم يكن جبرا على الإسلام؛ لأن الجبر ما يسلب الاختيار وهو جائز، كالمحاربة مع الكفار ليدخلوا في الإسلام، وأما قوله تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ وأمثاله فمنسوخ بالقتال. قال ابن عطية: والذي لا يصحّ
﴿وَاذْكُرُوا ما فِيهِ﴾؛ أي: وادرسوا ما في الكتاب من الثواب والعقاب، واحفظوا ما فيه من الحلال والحرام، ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ أي: لكي (١) تنجوا من الهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى، وإلّا رضخت رؤوسكم بهذا الجبل، أو رجاء (٢) منكم أن تكونوا متقين، فلمّا رأوا ذلك نازلا بهم قبلوا، وسجدوا، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فصار ذلك سنة في سجود اليهود، كما مر آنفا
٦٤ - ﴿ثُمَّ﴾ بعد ما رفعنا فوقكم وقبلتم الميثاق ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أي: أعرضتم عن الوفاء بالميثاق، وتركتم العمل بكل ما أمرتم به ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي من بعد أخذ الميثاق منكم على العمل بما في الكتاب، وهذا تأكيد لما يفهم من ثمّ ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ﴾؛ أي: تفضله سبحانه وتعالى عليكم بتأخير العذاب عنكم ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ لكم بقبول التوبة منكم ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾؛ أي: لصرتم من الهالكين في الدنيا والآخرة، أو من المغبونين بذهابكم، وانعدامكم في الدنيا والعذاب في العقبى، ولكن تفضّل عليكم حيث رفع الطور فوقكم حتى تبتم فزال الجبل عنكم، ولولا ذلك لسقط عليكم، والخسران في الأصل: ذهاب رأس المال وهو ههنا هلاك النفس؛ لأنها الأصل.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿وَاذْكُرُوا﴾ أمرا من ذكر الثلاثي. وقرأ أبيّ ﴿واذّكّرو ما فيه﴾ أمرا من اذّكّر، وأصله: واذتكروا، ثم أبدل من التاء دال، ثم أدغم الذال في
(٢) نسفي.
(٣) البحر المحيط.
والمعنى: أي ثمّ توليتم، وأعرضتم، وانصرفتم عن الطاعة بعد أن أخذ عليكم الميثاق، وأراكم من الآيات ما فيه عبرة لمن ادّكر، فلولا لطف الله بكم، وإمهاله إياكم، إذ لم يعاملكم بما تستحقون لكنتم من الهالكين بالانهماك في المعاصي. والخلاصة: إنكم بتوليكم استحققتم العقاب، ولكن فضل الله عليكم ورحمته أبعده عنكم، ولولا ذلك لخسرتم سعادتي الدنيا والآخرة، وقد منّ الله تعالى على أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم حيث فرض عليهم الفرائض واحدة بعد واحدة، ولم يفرض عليهم جملة، فإذا استقرّت الواحدة في قلوبهم فرض عليهم الأخرى، وأما بنو إسرائيل فقد فرض عليهم بدفعة واحدة، فشق عليهم ذلك، ولذا لم يقبلوا حتى رأوا العذاب، ثمّ إن (٣) الله تعالى أمر بحفظ الأوامر والعمل، وبعدم النسيان
(٢) البحر المحيط.
(٣) المراغي.
٦٥ - وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ خطاب لمعاصري النبي صلّى الله عليه وسلّم من اليهود؛ أي: وبالله قد عرفتم يا بني إسرائيل! ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا﴾؛ أي: تجاوزوا الحد ظلما ﴿مِنْكُمْ﴾؛ أي: من أسلافكم، محلّه نصب على أنه حال ﴿فِي﴾ يوم ﴿السَّبْتِ﴾؛ أي: جاوزوا ما حدّ لهم فيه من التجرّد للعبادة وتعظيمه، واشتغلوا بالصيد، وأصل السبت القطع؛ لأنّ اليهود أمروا بأن يسبتوا فيه؛ أي: يقطعوا الأعمال، ويشتغلوا بعبادة الله، ويسمّى النوم سباتا؛ لأنه يقطع الحركات الاختيارية، وفيه تحذير وتهديد؛ فكأنّه يقول: إنكم تعلمون ما أصابهم من العقوبة، فاحذروا كيلا يصيبكم مثل ما أصابهم ﴿فَقُلْنا لَهُمْ﴾ قهرا ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ جمع قرد، كالديكة جمع ديك، وهذا أمر تحويل وتكوين، فهو عبارة عن تعلق القدرة بنقلهم من حقيقة البشرية إلى حقيقة القردة؛ لأنهم لم يكن لهم قدرة على التحول من صورة إلى صورة، وهو إشارة إلى قوله: ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾؛ أي: لمّا أردنا ذلك صاروا كما أردنا من غير امتناع ولا لبث ﴿خاسِئِينَ﴾؛ أي: ذليلين، هو وقردة خبران لكان؛ أي: كونوا جامعين بين القرديّة والخسىء، وهو الصغار والطرد.
فإن قلت: كيف أمروا بذلك مع أنه ليس في وسعهم؟.
قلت: هذا أمر إيجاد لا أمر إيجاب، كقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ والمعنى؛ أي (١): وعزتي وجلالي، لقد عرفتم عقوبة الذين تجاوزوا الحد في الاصطياد باصطيادهم في يوم السبت الذي نهوا عن الاصطياد فيه، وأمروا بالتفرّغ فيه للعبادة، فقلنا لهم: كونوا وصيروا بقدرتنا قردة؛ أي: حيوانا معروفا خاسئين؛
وأصل هذه القصة (١): أنهم كانوا في زمن داود عليه السلام بأرض يقال لها: أيلة بين المدينة والشام على ساحل بحر القلزم، فحرّم الله عليهم صيد السمك يوم السبت، فكان إذا دخل السبت لم يبق حوت في البحر إلا اجتمع هناك، إمّا ابتلاء لأولئك القوم، وإما لزيارة السمكة التي كان في بطنها يونس بن متى، في كل سبت يجتمعن لزيارتها، ويخرجن خراطيمهن من الماء حتى لا يرى الماء من كثرتها، وإذا مضى السبت تفرقن ولزمن مقل البحر فلا يرى شيء منها، ثمّ إن الشيطان وسوس إليهم، وقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت، فعمد رجال من أهل تلك القرية فحفروا الحياض حول البحر، وشرعوا منه إليها الأنهار، فإذا كانت عشيّة الجمعة فتحوا تلك الأنهار، فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض، فلا يقدرون على الخروج؛ لبعد عمقها؛ وقلة مائها، فإذا كان يوم الأحد يصطادونها، فأخذوا، وأكلوا، وملّحوا، وباعوا، فكثرت أموالهم، ففعلوا ذلك زمانا أربعين سنة، أو سبعين لم تنزل عليهم عقوبة، وكانوا يتخوّفون العقوبة، فلمّا لم يعاقبوا استبشروا وتجرّءوا على الذنب، وقالوا: ما نرى السبت إلا قد أحل لنا، ثم أستنّ الأبناء سنة الآباء، فلو أنهم فعلوا ذلك مرة أو مرتين لم يضرهم، فلما فعلوا ذلك صار أهل القرية - وكانوا نحوا من سبعين ألفا - ثلاثة أصناف: صنف أمسك ونهى، وصنف أمسك ولم ينه، وصنف انتهك الحرمة، وكان الناهون اثني عشر ألفا فنهوهم عن ذلك، وقالوا: يا قوم! إنكم عصيتم ربكم وخالفتم سنة نبيكم، فانتهوا عن هذا العمل قبل أن ينزل بكم البلاء، فلم يتعظوا وأبوا قبول نصحهم، فعاقبهم الله بالمسخ، وذلك قوله تعالى: ﴿فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ثمّ إنّ المجرمين لما أبوا قبول النصح قال الناهون: والله لا نساكنكم في قرية واحدة، فقسموا القرية بجدار وصيّروها بذلك ثنتين، فلعنهم داود، وغضب الله عليهم؛ لإصرارهم على المعصية، فمسخوا ليلا، فلما أصبح الناهون أتوا أبوابها فإذا هي مغلقة لا يسمع منها صوت ولا يعلو منها دخان،
٦٦ - ﴿فَجَعَلْناها﴾ (١)؛ أي: صيّرنا مسخة تلك الأمة وعقوبتها ﴿نَكالًا﴾؛ أي: عبرة تنكل من اعتبر بها؛ أي: تمنعه من أن يقدم على مثل صنيعهم ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها﴾؛ أي: لما قبلها وما بعدها من الأمم والقرون؛ لأنّ مسختهم ذكرت في كتب الأولين واعتبروا بها، واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين، فاستعير ما بين يديها للزمان الماضي، وما خلفها للمستقبل ﴿وَمَوْعِظَةً﴾؛ أي: تذكرة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم، أو لكل متّق سمعها، فاللام للاستغراق العرفيّ على كلا التقديرين، وخصّ المتقين بالذكر؛ لأنهم الذين ينتفعون بالعظة والتذكير.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ والمعنى: ﴿فَجَعَلْناها﴾؛ أي (٢): جعلنا تلك العقوبة، والمسخة التي مسخناهم بها ﴿نَكالًا﴾؛ أي: عقوبة رادعة زاجرة ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾؛ أي: للأمم التي في زمانها، التي ترى تلك الفرقة الممسوخة عن الإتيان بمثل فعلهم ﴿وَما خَلْفَها﴾؛ أي: وزاجرة للأمم التي تأتي بعدها إلى يوم القيامة أن يعملوا بمثل ما عملوا، فيمسخوا مثل ما مسخوا ﴿وَمَوْعِظَةً﴾؛ أي: عبرة وتذكرة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ المؤمنين من هذه الأمة؛ لئلّا يفعلوا مثل فعلهم؛ فإن كلّ من سمع تلك الواقعة يخاف أن ينزل به مثل ما نزل بهم إن فعل مثل فعلهم، وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة التسوية بين مؤمن اليهود،
(٢) العمدة.
واعلم: أن عقوبة الأمم الماضية بالخسف والمسخ على الأجساد، وعقوبة هذه الأمة على القلوب، وعقوبات القلوب أشدّ من عقوبات النفوس. قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ...﴾ الآية. ثم علامة (١) مسخ القلوب ثلاثة أشياء: لا يجد حلاوة الطاعة، ولا يخاف من المعصية، ولا يعتبر بموت أحد، بل يصير أرغب في الدنيا كل يوم. كذا في «زهرة الرياض». وروي عن عوف بن عبد الله أنه قال: كان أهل الخير يكتب بعضهم بثلاث كلمات: من عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته. وقال محمد بن علي الترمذي: صلاح أربعة أصناف في أربعة مواطن: صلاح الصبيان في الكتّاب، وصلاح القطّاع في السجن، وصلاح النساء في البيوت، وصلاح الكهول في المساجد. انتهى.
الإعراب
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب معطوف على نعمتي، تقديره: واذكروا يا بني إسرائيل! إذ قلتم ﴿قُلْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿يا مُوسى﴾ منادى مفرد العلم في محل النصب على المفعولية مبني بضمة مقدرة منع من ظهورها التعذر، وجملة النداء في محل النصب مقول لقلتم ﴿لَنْ﴾ حرف نصب ونفي واستقبال ﴿نَصْبِرَ﴾
﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾.
﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على موسى، أو على الرب سبحانه، والجملة مستأنفة ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾ إلى قوله ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ مقول محكي لقال، لأن مرادنا لفظه لا معناه، وإن شئت قلت: الهمزة للاستفهام الإنكاري المضمن
﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾.
﴿وَباؤُ﴾ فعل وفاعل معطوف على ضربت ﴿بِغَضَبٍ﴾ متعلق بباؤا ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفة لغضب ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة للمفرد البعيد في محل الرفع مبتدأ ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ الباء
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول ﴿وَالَّذِينَ﴾ في محل النصب معطوف على الموصول الأول وجملة ﴿هادُوا﴾ صلة للموصول الثاني ﴿وَالنَّصارى﴾ معطوف على اسم إن، وكذلك قوله: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ معطوف على اسم إن ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب بدل من اسم إن، وجملة ﴿آمَنَ﴾ صلة من الموصولة ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بآمن ﴿وَالْيَوْمِ﴾ معطوف على لفظ الجلالة ﴿الْآخِرِ﴾ صفة لليوم ﴿وَعَمِلَ﴾ معطوف على آمن ﴿صالِحًا﴾ مفعول به لعمل، أو مفعول مطلق لعمل؛ لأنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: وعمل عملا صالحا ﴿فَلَهُمْ﴾ الفاء رابطة الخبر باسم إن؛ لما في الموصول من معنى الشرط، أو رابطة الجواب بالشرط إن قلنا ما شرطية ﴿لهم﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم ﴿أَجْرُهُمْ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية في محل الرفع خبر إن إذا
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)﴾.
﴿وَإِذْ أَخَذْنا﴾ الواو عاطفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب معطوف على نعمتي على أنه مفعول به لاذكروا ﴿أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ فعل وفاعل، ومفعول به ومضاف إليه والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿وَرَفَعْنا﴾ الواو عاطفة، أو حالية ﴿رَفَعْنا﴾ فعل وفاعل والجملة في محل الجر معطوف على ﴿أَخَذْنا﴾ أو في محل النصب حال من فاعل ﴿أَخَذْنا﴾ ولكن بتقدير: قد ﴿فَوْقَكُمُ﴾ فوق منصوب على الظرفية المكانية متعلق برفعنا، والكاف في محل الجر مضاف إليه ﴿الطُّورَ﴾ مفعول به ﴿خُذُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف معطوف على ﴿أَخَذْنا﴾ تقديره: وقلنا لكم خذوا ما آتيناكم، أو حال من فاعل رفعنا، تقديره: ورفعنا فوقكم الطور قائلين خذوا... إلخ: ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول لخذوا ﴿آتَيْناكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف؛ لأن آتى بمعنى أعطى، تقديره: آتيناكموه، وهو العائد على ﴿ما﴾ الموصولة، والجملة صلة لما الموصولة ﴿بِقُوَّةٍ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿خُذُوا﴾ تقديره: ملتبسين بقوة واجتهاد ﴿وَاذْكُرُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿خُذُوا﴾ ﴿ما﴾ اسم
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤)﴾.
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب مع تراخ ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ فعل وفاعل معطوف على محذوف، تقديره: فقبلتم الميثاق ثم توليتم ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بتوليتم ﴿فَلَوْلا﴾ الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أخذ الميثاق منكم، ثم توليكم بعد ذلك وأردتم بيان ما يترتب على ذلك، فأقول لكم: لولا فضل الله ﴿لولا﴾ حرف امتناع لوجود مضمن معنى الشرط ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ مبتدأ ومضاف إليه وخبره محذوف وجوبا، تقديره: موجود، والجملة الإسمية قائمة مقام الشرط لا محل لها من الإعراب ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بفضل الله ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ معطوف على فضل الله ﴿لَكُنْتُمْ﴾ اللام واقعة في جواب لولا ﴿كنتم﴾ فعل ناقص واسمه ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ متعلق بمحذوف خبر كان، وجملة كان جواب لولا لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لولا﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ الواو استئنافية، واللام موطئة لقسم محذوف، تقديره: وعزتي وجلالي ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿عَلِمْتُمُ﴾ فعل وفاعل ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به، وعلم هنا بمعنى عرف يتعدى لمفعول واحد، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه مستأنفة لا محل لها من الإعراب ﴿اعْتَدَوْا﴾ فعل ماض وفاعل، والجملة
التصريف ومفردات اللغة
﴿فَادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ ادع وزنه أفع لحذف لامه لبناء الأمر ﴿مِنْ بَقْلِها﴾ والبقل: كلّ ما تنبته الأرض من النجم؛ أي: مما لا ساق له، وجمعه بقول ﴿وَقِثَّائِها﴾ والقثاء: اسم جنس معروف، الواحدة قثاءة، وفيها لغتان: المشهور منهما كسر القاف، وقرىء بضمها، والهمزة أصل بنفسها لثبوتها في قوله: أقثأت الأرض؛ أي: كثر قثاؤها، ووزنها فعّال. اه. «سمين». وقال الخليل: وهو الخيار، ويقال:
أرض مقثاة؛ أي: كثيرة القثاء ﴿وَفُومِها﴾ قال الكسائي، والفراء، والنضر بن شميل، وغيرهم. الفوم هو الثوم، أبدلت الثاء فاء، كما قالوا في مغفور: مغثور، وفي جدث: جدف، وفي عاشور: عافور. قال أمية بن أبي الصلت:
| كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة | فيها القراديس والفومان والبصل |
| وأنتم أناس لئام الأصول | طعامكم الفوم والحوقل |
الأثاثي وكلا البدلين لا ينقاس؛ أعني: إبدال الثاء فاء والفاء ثاء، وقال ابن قتيبة، والزجاج: هي الحبوب التي تؤكل، وقال أبو مالك وجماعة: الفوم: الحنطة، ومنه قول أحيحة بن الجلّاح:
| قد كنت أحسبني كأغنى واحد | قدم المدينة عن زراعة فوم |
أحدها: وهو الظاهر، وهو قول الزجاج أن أصله: أدنو من الدنو هو القرب، فقلبت الواو ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، ومعنى الدنو في ذلك القرب؛ لأنه أقرب وأسهل تحصيلا من غيره لخساسته، وقلة قيمته.
والثاني: أصله: أدنأ مهموز من دنأ يدنأ دناءة، إلا أنه خففت همزته بقلبها ألفا.
﴿اهْبِطُوا﴾؛ أي: انزلوا وانتقلوا من هذا المكان إلى مكان آخر فيه ما تطلبون، فالهبوط لا يختص بالنزول من المكان العالي إلى الأسفل، بل قد يستعمل في الخروج من أرض إلى أرض مطلقا. اه. من «الشهاب» وفي «المصباح» وهبطت من موضع إلى موضع من بابي ضرب وقعد، انتقلت وهبطت الوادي هبوطا نزلته.
اه. ﴿مِصْرًا﴾ والمصر في أصل اللغة: الحد الفاصل بين الشيئين، وحكي عن أهل هجر أنهم إذا كتبوا بيع دار، قالوا: اشترى فلان الدار بمصورها؛ أي: حدودها اه.
«سمين» وفي «الخطيب» المصر البلدة العظيمة. اه. وقال عديّ بن زيد:
| وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به | بين النهار وبين الليل قد فصلا |
﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وأصل باء بوأ بوزن فعل، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ثم أسند الفعل إلى واو الجماعة فبني على الضم، فألف باء منقلبة عن واو لقولهم: باء يبوء، مثل: قال يقول، وقال صلّى الله عليه وسلّم: (أبوء بنعمتك) والمصدر البواء، ومعناه: الرجوع. يقال: باء بكذا؛ أي: رجع قاله الكسائيّ، أو اعترف قاله أبو عبيدة، أو استحقّ قاله أبو روق، أو نزل وتمكّن قاله المبرد، أو تساوى قاله الزجاج، وانشدوا لكل قول ما يستدل به من كلام العرب، وحذفنا ذلك. اه. من «البحر».
| إن يسكن السّابق من واو ويا | واتّصلا ومن عروض عريا |
| فياء الواو اقلبنّ مدغما | وشذّ معطى غير ما قد رسما |
تقوى، وبعد هذا الإعلال يصير الإفتعال منه، كما هنا توتقوون بواوين، فتبدل الواو الأولى ياء؛ لكسر ما قبلها وهي في الطرف،
واستثقلت الضمة على الياء، فحذفت فسكنت، فالتقى ساكنان الياء، وواو الجماعة، فحذفت الياء، ثم ضمت القاف؛ لمناسبة الواو، وسبب تشديد التاء؛ أنّ فاء الكلمة التي هي واو، كما مر آنفا أن المادة من الوقاية، أبدلت تاء، ثم أدغمت في تاء الافتعال؛ لأنّ فاء الكلمة إذا كان حرف لين وبني منها افتعال، أبدل تاء، وأدغم في تاء الافتعال على حدّ قول ابن مالك:
ذو اللّين فاتا في افتعال أبدلا
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ التولي تفعّل من الولي، وأصله: الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والاعتقادات اتساعا ومجازا. اه. «سمين» ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ علمتم بمعنى عرفتم فيتعدّى لواحد فقط. والفرق بين العلم والمعرفة: أنّ العلم يستدعي معرفة الذات، وما هي عليه من الأحوال، نحو: علمت زيدا قائما، أو ضاحكا، والمعرفة تستدعي معرفة
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة ضروبا من البلاغة، وأنواعا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿رَبَّكَ﴾.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾؛ لما فيه من إسناد ما للفاعل إلى المحل؛ لأن المنبت الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، علاقته
ومنها: الإجمال ثم التفصيل في قوله: ﴿مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها﴾. إلخ؛ لأنه أوقع في النفس.
ومنها: الاستفهام الإنكاري المضمن للتوبيخ في قوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى﴾.
ومنها: الاستعارة بالكناية في قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾؛ لأن ضربهما عليهم كناية عن إحاطتهما بهم، كما تحيط القبة بمن ضربت عليه نظير قول الشاعر:
| إنّ السّماحة والمروءة والنّدى | في قبّة ضربت على ابن الحشرج |
ومنها: التنوين في قوله: ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ للتعظيم.
ومنها: تقييد قتل الأنبياء بغير الحق في قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾؛ للإيذان بأن ذلك عندهم أيضا بغير الحق، إذ لم يكن أحد منهم معتقدا بحقية قتل نبي من الأنبياء، وإنما حملهم على ذلك حب الدنيا واتباع الهوى، كما يفصح عنه قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ إلخ. اه. من «أبي السعود».
ومنها: تكرير اسم الإشارة في قوله: ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾؛ للتأكيد إن قلنا: إن الثاني مشار به إلى ما أشير إليه بالأول.
ومنها: التعبير بالمضارع عن الماضي في قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾. الخ؛ لإفادة الاستمرار والدوام.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾؛ لأنه على تقدير القول؛ أي: قلنا لهم: خذوا ما آتيناكم بقوة واجتهاد.
ومنها: استعمال الأمر في الإهانة والتحقير في قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾؛ لأنه ليس لهم قدرة على تحولهم إلى القردة، بل المراد بالأمر الإخبار عن تعلق القدرة، بنقلهم من حقيقة البشرية إلى حقيقة القردة.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها﴾؛ لأنه استعير فيه ما بين يديها للزمان الماضي، وما خلفها للمستقبل.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
{وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)}.
المناسبة
مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى، لما ذكر (١) فيما سبق بعض قبائح بني إسرائيل، وجرائمهم، من نقض المواثيق، واعتدائهم في السبت، أردفه بذكر نوع آخر من مساوئهم وقبائحهم، ألا وهو مخالفتهم لأنبيائهم وتكذيبهم لهم، وعدم مسارعتهم لامتثال الأوامر التي يوحيها الله إليهم، مع كثرة اللجاج والعناد للرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - وجفائهم في مخاطبة نبيهم موسى عليه السلام.
وعبارة أبي حيان هنا: ووجه مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أنه تقدم ذكر مخالفتهم لأنبيائهم، وتكذيبهم لهم في أكثر أنبائهم، فناسب ذلك ذكر هذه الآية؛ لما تضمنت من المراجعة، والتعنت، والعناد مرة بعد مرة. اهـ.
(٢) البحر المحيط.
٦٧ - ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ وهذا توبيخ آخر لأخلاق بني إسرائيل بتذكير بعض جنايات صدرت من أسلافهم؛ أي: واذكروا يا بني إسرائيل! قصة إذ قال موسى عليه السلام، لأسلافكم وأجدادكم الذين نكثوا ميثاقي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾؛ أي: إن ربكم يأمركم أن تذبحوا بقرة حين تدافعوا في القتيل الذي وجد فيهم، ولم يظهر قاتله، فترافعوا إلى موسى، فاشتبه أمر القتيل على موسى، وكان (١) ذلك قبل نزول القسامة في التوراة، فسألوا موسى أن يدعو الله تعالى ليبين لهم بدعائه، فدعاه لهم، فأمرهم الله سبحانه وتعالى أن يذبحوا بقرة ويضربوا القتيل ببعضها، فيحيا فيخبرهم بقاتله. واسم القتيل عاميل، وكان القاتل ابن عم المقتول، وكان مسكينا والمقتول كثير المال، فاستعجل ميراثه. وقيل: كان أخاه. وقيل: ابن أخيه ولا وارث له غيره، فلما طال عليه عمره قتله ليرثه. وقال عطاء: كان تحت عاميل بنت عم لا مثل لها في بني إسرائيل في الحسن والجمال؛ فقتله لينكحها. كذا في «البحر». وأول هذه القصة، قوله سبحانه وتعالى الآتي: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيها﴾ وإن كان مؤخرا في التلاوة، فحق (٢) ترتيبها أن يقال: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ إلخ. ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ إلخ. ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ إلخ. وقوم موسى أتباعه وأشياعه.
فإن قلت: إذا كان حق الترتيب هكذا، فما وجه عدول التنزيل عنه؟
قلت: وجهه أنه لما ذكر سابقا خبائثهم وجناياتهم ووبخوا عليها، ناسب أن يقدم في هذه القصة ما هو من قبائحهم، وهو تعنتهم على موسى، لتتصل قبائحهم بعضها ببعض. اه. من «الخازن».
روي عن ابن عباس، وسائر المفسرين (٣): أن رجلا فقيرا في بني إسرائيل
(٢) الخازن.
(٣) المراح.
وقد روى الحسن مرفوعا: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: (والذي نفس محمد بيده، لو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم) (١) وإنّما اختصّ البقر من سائر الحيوانات، لأنهم كانوا يعظمون البقر ويعبدونها من دون الله، فاختبروا بذلك إذ هذا من الابتلاء العظيم، وهو أن يؤمر الإنسان بقتل من يحبه ويعظمه؛ أو لأن أراد تعالى أن يصل الخير للغلام الذي كان بارا بأمه، كما سيأتي.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ بضم الراء، وعن أبي عمرو السكون والاختلاس، وإبدال الهمزة ألفا ﴿قالُوا﴾ كلام مستأنف واقع في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا صنعوا؟ هل سارعوا إلى الامتثال أولا؟ فقيل: قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾؛ أي: أتجعلنا مكان هزء وسخرية، وتستهزىء بنا وتلعب بنا يا موسى؟ حيث نسألك عن أمر القتيل فتأمرنا بذبح بقرة، ولا جامع بينهما، وإنما قالوا ذلك: لأنهم لم يعلموا أن الحكمة هي حياة القتيل بضربه ببعض البقرة، وإخباره بقاتله. قال بعض العلماء: كان ذلك هفوة منهم وجهالة، فما انقادوا للطاعة وذبحها، وقد كان الواجب عليهم أن يمتثلوا أمره ويقابلوه بالإجلال والاحترام، ثم ينتظروا ما يحدث بعد ﴿قالَ﴾ موسى وهو استئناف أيضا {أَعُوذُ
(٢) البحر المحيط.
وأين وجدت المزاح جهلا؟ فتلا هذه الآية، فأعرض عنه عبيد الله؛ لأنه رآه جاهلا لا يعرف المزاح من الاستهزاء، أو المعنى من المبلّغين عن الله الكذب. اه. «صاوي».
وأصل هذه القصة (٢): أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل، وله عجلة أتى بها إلى غيضة، وقال: اللهم! إني استودعك هذه العجلة لابني حتى يكبر، ومات الرجل، فصارت العجلة في الغيضة عوانا؛ أي: نصفا بين المسنّة والشابّة، وكانت تهرب من كل من رآها، فلما كبر الابن كان بارا بوالدته، وكان يقسم الليل ثلاثة أثلاث، يصلي ثلثا، وينام ثلثا، ويجلس عند رأس أمه ثلثا، فإذا أصبح انطلق فاحتطب على ظهره فيأتي به إلى السوق فيبيعه بما شاء الله، ثم يتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطي والدته ثلثه، فقالت له أمه يوما: إن أباك قد ورثك عجلة استودعها في غيضة كذا، فانطلق وادع إله إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، أن يردها عليك،
وعلامتها أنك إذا نظرت إليها يخيّل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تلك البقرة تسمّى المذهبة؛ لحسنها وصفرتها؛ لأن صفرتها كانت صفرة زين لا صفرة شين، فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى فصاح بها، وقال: أعزم عليك بإله إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه، فقبض على عنقها يقودها فتكلّمت البقرة بإذن الله تعالى، وقالت: أيها الفتى البارّ لوالدته! اركبني، فإن ذلك أهون عليك، فقال الفتى: إن أمّي لم تأمرني بذلك، ولكن قالت: خذ بعنقها، فقالت البقرة: بإله
(٢) روح البيان.
وفي هذه القصة (١) بيان نوع آخر من مساويهم، لنعتبر به ونتعظ، وفيه من
١ - أن التنطع في الدين والإلحاف في السؤال، مما يقضي التشديد في الأحكام، ومن ثم نهينا عن ذلك بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وبما جاء في الأحاديث الصحيحة من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وكره لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال».
٢ - أنهم أمروا بذبح بقرة دون غيرها من الحيوان؛ لأنها من جنس ما عبدوه وهو العجل، ليهون عندهم ما كانوا يرون من تعظيمه، وليعلم بأجابتهم ما كان في نفوسهم من حب عبادته.
٣ - استهزاؤهم بأوامر الأنبياء.
٤ - أن يحيا القتيل بقتل حي، فيكون أظهر لقدرته تعالى في اختراع الأشياء من أضدداها.
٦٨ - ثم إن القوم (١) لما علموا أن ذبح البقرة عزم من الله وجدّ، استوصفوها من موسى فـ ﴿قالُوا﴾ كأنه قيل: فماذا قال قوم موسى بعد ذلك؟ فقيل: توجهوا نحو الامتثال، وقالوا: يا موسى! ﴿ادْعُ لَنا﴾؛ أي: سل لأجلنا ﴿رَبَّكَ﴾ أن يبين لنا سنّها إن دعوته ﴿يُبَيِّنْ﴾ ويوضح ﴿لَنا﴾ ويعرّف ويعيّن ﴿ما هِيَ﴾؛ أي: جواب ما تلك البقرة؛ أي: ما سنّها؟ أصغيرة أم كبيرة. وهذا تشديد منهم على أنفسهم.
و ﴿ما﴾ مبتدأ و ﴿هِيَ﴾ خبره، والجملة في حيز النصب بيبين؛ أي: يبين لنا جواب السؤال. وقد سألوا عن حالها وصفتها، لمّا قرع أسماعهم ما لم يعهدوه من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيى، فما ههنا سؤال عن الحال والصفة. تقول: ما زيد، فيقال: طبيب أو عالم؛ أي: ما سنّها وما صفتها من الصغر والكبر ﴿قالَ﴾؛ أي: موسى عليه السلام، بعد ما دعا ربه بالبيان وأتاه الوحي ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الله سبحانه وتعالى ﴿يَقُولُ إِنَّها﴾؛ أي: إن البقرة المأمور بذبحها ﴿بَقَرَةٌ لا﴾ هي ﴿فارِضٌ﴾؛ أي: مسنة هرمة من الفرض وهو القطع، كأنها قطعت سنّها وبلغت
٦٩ - قالوا: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾؛ أي: سل لنا ربك ما لونها؟ أهي سوداء أم صفراء أم حمراء؟ ﴿يُبَيِّنْ لَنا﴾ جواب ﴿ما لَوْنُها﴾ من الألوان حتى تتبين لنا البقرة المأمور بها، واللون عرض مشاهد يتعاقب على بعض الجواهر.
﴿قالَ﴾ موسى عليه السلام، بعد المناجاة إلى الله تعالى ومجيء البيان منه تعالى ﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿يَقُولُ إِنَّها﴾؛ أي: إن البقرة التي أمرتكم بذبحها ﴿بَقَرَةٌ صَفْراءُ﴾ والصفرة لون بين البياض والسواد وهي الصفرة المعروفة، وليس المراد بها هنا السواد، كما في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾؛ أي: سود، والتعبير عن السواد بالصفرة؛ لما أنها من مقدماته؛ وإما لأن سواد الإبل يعلوه صفرة ﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾؛ أي: صافية صفرتها لم يخالطها لون آخر، وهو مبتدأ وخبر، والجملة صفة ثانية لبقرة، والفقوع نصوع الصفرة وخلوصها. يقال في التأكيد: أصفر فاقع، كما يقال: أسود حالك. وفي إسناده إلى اللون مع كونه من أحوال اللون؛ لملابسته به ما لا يخفى من فضل التأكيد، كأنه قيل: صفراء شديدة الصفرة صفرتها، كما في جد جده، وجنونك جنون. قيل: كانت صفراء الكل حتى القرن والظلف ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ إليها وتبهجّهم، أي: تعجبهم لحسن صورتها، ومنظرها، وهيئتها، وشدة صفرتها لغرابتها وخروجها عن المعتاد، والمعنى: يعجبهم حسنها، وصفاء لونها، ويفرّح قلوبهم لتمام خلقتها، ولطافة قرونها وأظلافها، والسرور: لذّة في القلب عند حصول نفع أو توقعه، وعن علي - رضي الله عنه - (من لبس نعلا صفراء قلّ همّه)؛ لأن الله تعالى قال: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ ونهى ابن الزبير، ومحمد بن كثير عن لباس النعال السود؛ لأنها تهمّ. وذكر أنّ الخفّ الأحمر خفّ فرعون، والخفّ
٧٠ - ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾؛ أي: سل لنا ربك ما حالها؟ أعاملة هي أم سائمة؟ إن دعوته ﴿يُبَيِّنْ لَنا﴾ جواب ﴿ما هِيَ﴾؛ أي: ما حال تلك البقرة؟ أعاملة أم سائمة؟ وفي «الكشاف» هذا تكرير للسؤال عن حالها وصفتها، واستكشاف زائد؛ ليزدادوا بيانا لوصفها، والاستقصاء شؤم. وعن عمر بن عبد العزيز: إذا أمرتك أن تعطي فلانا شاة، سألتني أضائن أم ماعز؟ فإن بينت لك قلت: أذكر أم أنثى؟ فإن أخبرتك قلت: أسوداء أم بيضاء؟ فإذا أمرتك بشيء فلا تراجعني وفي الحديث: «أعظم الناس جرما من سأل عن شيء لم يحرّم فحرّم لأجل مسألته».
﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾؛ أي: إن (١) جنس البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فـ ﴿تَشابَهَ﴾ أي: تشاكل ﴿عَلَيْنا﴾؛ أي: فاشتبه أمرها علينا، فلم ندر ما البقرة المأمور بذبحها ﴿وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ﴾ هدايتنا ﴿لَمُهْتَدُونَ﴾ إلى وصفها، وسنعرف ما التبس علينا من أمرها وتشابه، أو لمهتدون إلى البقرة المراد ذبحها. وعن عطاء: لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد؛ أي: لو لم يقولوا إن شاء الله. وقال الطبري: لما زادوا نبيهم أذى وتعنتا، زادهم الله عقوبة وتشديدا، ولو أنّ بني إسرائيل، كما قال ابن عباس (أخذوا أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شدّدوا فشدد الله عليهم) والمراد بالاستثناء هنا التعليق بالمشيئة، وسمي التعليق بها استثناء؛ لصرفه الكلام عن الجزم، وعن الثبوت في الحال من حيث التعليق بما لا يعلمه إلا الله تعالى. اه. «كرخي» قال أبو عبد الله (٢)، محمد بن أبي الفضل المرسيّ في «ريّ الظمآن»: وجه الاشتباه عليهم: أنّ كلّ بقرة لا تصلح عندهم أن تكون آية؛ لما علموا من ناقة صالح، وما كان فيها من العجائب، فظنّوا أن الحيوان لا يكون آية إلا إذا كان على ذلك الأسلوب، وذلك لمّا نبّئوا أنها آية سألوا عن ماهيتها وكيفيتها، ولذلك لم يسألوا موسى عن ذلك، بل سألوه أن يسأل الله لهم عن ذلك، إذ الله تعالى هو العالم بالآيات، وإنما سألوا عن
(٢) البحر المحيط.
وقرأ الجمهور (١) ﴿تَشابَهَ﴾ جعلوه فعلا ماضيا على وزن تفاعل مسندا لضمير البقر على أنّ البقر مذكر. وقرأ الحسن ﴿تشابه﴾ بضم الهاء جعله مضارعا محذوف التاء، وماضيه ﴿تَشابَهَ﴾ وفيه ضمير يعود على البقر على أنّ البقر مؤنث. وقرأ الأعرج كذلك، إلا أنه شدّد الشين جعله مضارعا وماضيه ﴿تشابه﴾ أصله: تتشابه، فأدغم، وفيه ضمير يعود على البقر. وروي عن الحسن أيضا. وقرأ محمد المعيطيّ المعروف بذي الشامة (تشبّه علينا) جعله ماضيا على تفعل. وقرأ ابن مسعود ﴿يشّابه﴾ بالياء وتشديد الشين جعله مضارعا من تفاعل، ولكنه أدغم التاء في الشين. وقرىء ﴿متشبّه﴾ اسم فاعل من تشبّه. وقرأ بعضهم ﴿يتشابه﴾ مضارع تشابه، وفيه ضمير يعود على البقر. وقرأ أبيّ ﴿تشابهت﴾ وقرأ الأعمش متشابه ومتشابهة وقرأ ابن أبي إسحاق ﴿تشّابهت﴾ بتشديد الشين مع كونه فعلا ماضيا وبتاء التأنيث آخره. فهذه اثنتا عشرة قراءة، وتوجيه هذه القراءات ظاهر إلا قراءة ابن أبي إسحاق تشابهت، فقال بعض الناس: لا وجه لها، وتبيين ما قاله: أنّ تشديد الشين إنما يكون بإدغام التاء فيها، والماضي لا يكون فيه تاءان، فتبقى إحداهما وتدغم الأخرى، ويمكن أن توجه هذه القراءة على أن أصله: اشابهت، والتاء هي تاء البقرة، وأصله: إن البقرة اشابهت علينا، فأدغمت التاء في الشين فاجتلبت همزة الوصل. وقد أطال الكلام هنا أبو حيان، فراجعه فإنه لا يليق بمختصرنا هذا.
٧١ - ﴿قالَ﴾ موسى عليه السلام ﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿يَقُولُ إِنَّها﴾؛ أي: إن البقرة التي أمرتكم بذبحها ﴿بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾؛ أي؛ لا مذللة ذللها العمل. يقال: دابة ذلول بيّنة الذل بالكسر، وهو خلاف الصعوبة، وهو صفة لبقرة، بمعنى: أنها بقرة غير مذللة بأيّ عمل، ولا مهيّأة لأي خدمة. قال الحسن: كانت البقرة وحشية، ولهذا وصفت بأنها لا تثير الأرض بالحرث، ولا يسنى عليها فتسقي، ولم يقل: ذلولة بالتاء؛ لأن فعولا إذا كان وصفا لم تدخله الهاء، كصبور وقوله: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أي تقلب الأرض للزراعة صفة ذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة للأرض، وقوله: ﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ معطوف على تثير على كونه صفة لذلول؛ أي: ليست بسانية يسقي عليها بالسواني، ولا الأولى للنفي، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى؛ لأن المعنى: لا ذلول تثير وتسقي على أن الفعلين صفتان لذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية، كذا في «الكشاف» والمعنى؛ أي: ولا تحمل الماء إلى الأرض المهيأة للزراعة، يعني: أنها فارغة من أي عمل ليست مسخرة لحرث الأرض، ولا لسقاية الزرع، ولا لغيرهما.
قال الإمام أبو منصور - رحمه الله تعالى -: دلت الآية على أن البقرة كانت ذكرا؛ لأن إثارة الأرض وسقي الحرث من عمل الثيران، وأما الضمائر الراجعة إليها على التأنيث فللفظها، كما في قوله: ﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ﴾ فالتاء للتوحيد لا للتأنيث خلافا لأبي يوسف، إلا أن يكون أهل ذلك الزمان يحرثون بالأنثى، كما يحرث أهل هذا الزمان بالذكر ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾؛ أي: سليمة من جميع العيوب، سلمها الله تعالى منها، أو معافاة من العمل وآثاره، سلّمها أهلها منه، أو مخلصة اللون
والمعنى: أي في هذا الوقت الحاضر الذي قلت فيه: ﴿مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها﴾ نطقت بالبيان الشافي، وأتيت بالوصف التام الذي تتميّز به عن أجناسها، فطلبوها فوجدوها عند الفتى البار لأمه، فاشتروها بملىء جلدها ذهبا ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم ما قاربوا أن يذبحوها، لأجل غلاء ثمنها؛ أو لخوف الفضيحة بإظهار الله نبيه موسى على القاتل؛ أي: قاربوا أن يتركوا ذبحها لأجل ذلك، والجملة حال من ضمير ذبحوا؛ أي: فذبحوها والحال أنهم كانوا قبل ذلك بمعزل منه. والخلاصة: أنهم ذبحوها بعد توقف وبطء. قيل: مضى من أول الأمر إلى الامتثال أربعون سنة، فعلى العاقل أن يسارع إلى الامتثال، وترك التفحص عن حقيقة الحال، فإن قضية التوحيد تستدعي ذلك،
٧٢ - ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عن سبب أمرهم بذبح البقرة، وعمّا شاهدوه من آيات الله الباهرة، فقال: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ وهذا مؤخر لفظا مقدّم معنى؛ لأنه أول القصة؛ لأنّ أصيل
قال أبو حيان (٢): ويحتمل هذا التدارؤ وهو التدافع أن يكون حقيقة، وهو أن يدفع بعضهم بعضا بالأيدي لشدة الاختصام، ويحتمل المجاز بأن يكون بعضهم طرح قتله على بعض فدفع المطروح عليه ذلك إلى الطارح، أو بأن دفع بعضهم بعضا بالتّهمة والبراءة. اه.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ بالإدغام. أصله: تدارأتم، فأدغمت التاء في الدال فتعذّر الابتداء بالمدغم الساكن، فاجتلبوا همزة الوصل، فصار ادرأتم. وقرأ أبو حيوة، وأبو السوار الغنويّ ﴿فادّرأتم﴾ بغير ألف قبل الراء، وجملة قوله: ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى ﴿مُخْرِجٌ﴾؛ أي: مظهر لا محالة ﴿ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ـه،
(٢) البحر المحيط.
(٣) البحر المحيط.
٧٣ - ﴿فَقُلْنا﴾ لموسى ﴿اضْرِبُوهُ﴾؛ أي: اضربوا هذا القتيل، والضمير راجع إلى النفس بمعنى القتيل، أو بمعنى الشخص، أو بمعنى الإنسان ﴿بِبَعْضِها﴾؛ أي: ببعض البقرة أيّ بعض كان؛ أي: بعضو من أعضائها. قيل: بلسانها؛ لأنه آلة الكلام، أو بعجب الذنب؛ لأنه أوّل ما يخلق وآخر ما يبلى، ويركّب عليه الخلق. وقيل: بفخذها الأيمن. وقيل: غير ذلك من الأعضاء، والبعض أقلّ من النصف، وفي الكلام حذف، تقديره: فضربوه ببعضها، فقام القتيل حيا بإذن الله تعالى وأوداجه تشخب دما، فقال: قتلني فلان، ثم سقط ومات مكانه، فقتل قاتله، فحرم ميراثه الذي استعجله؛ لأن من استعجل بالشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. وفي الحديث: «ما ورث قاتل بعد صاحب البقرة» ثمّ إنّ موسى عليه السلام، أمرهم بضربه ببعضها وما ضربه بنفسه؛ نفيا للتهمة، كيلا ينسب إلى السحر، أو الحيلة. والخطاب في قوله: ﴿كَذلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك الإحياء العجيب ﴿يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى﴾ يوم القيامة لمنكري البعث في زمنه صلّى الله عليه وسلّم، والحاضرين عند نزول الآية الكريمة، فلا حاجة إلى تقدير القول، كما في القول الآتي، بل تنتهي الحكاية عند قوله: فـ ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ وقيل: الخطاب للحاضرين عند حياة القتيل، والكلام حينئذ على تقدير القول؛ أي: فضربوه فحيي وقلنا كذلك. إلخ؛ أي: كما أحيا الله سبحانه هذا القتيل بعد موته في الدنيا يحيي الله الموتى في الآخرة من غير احتياج إلى آلة.
فإن قلت: إن بني إسرائيل كانوا مقرين بالبعث، فما معنى إلزامهم بقوله: ﴿كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى﴾؟.
قلت: كانوا مقرين قولا وتقليدا، فثبته عيانا وإيقانا، وهو كقول إبراهيم عليه السلام: ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
﴿وَيُرِيكُمْ﴾ أيها الكافرون المكذبون بمحمد صلّى الله عليه وسلّم أو أيها الحاضرون حياة القتيل ﴿آياتِهِ﴾؛ أي: دلائله الدالة على أنه تعالى على كل شيء قدير، ويجعلكم مبصرين براهين قدرته وتوحيده، وإحيائه للموتى عند البعث، وصدق رسله ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: لكي تعلموا وتفهموا قدرة الله، وأن محمدا محقّ صادق،
واعلم: أن الضرب كان على جيد القتيل، وذلك قبل دفنه، ومن قال: إنهم مكثوا في طلبها أربعين سنة، أو من يقول: إنهم أمروا بطلبها ولم تكن في صلب ولا رحم، فلا يكون الضرب إلا بعد دفنه. قيل: على قبره. والأظهر أنه المباشر بالضرب لا القبر،
٧٤ - ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عن جفائهم وقسوة قلوبهم، فقال: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ خطاب لأهل عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم من الأحبار، و ﴿ثُمَّ﴾؛ لاستبعاد القسوة من بعد ذكر ما يوجب لين القلوب ورقتها. وعبارة «الصاوي» هنا: نزّل استبعاد قسوة قلوبهم؛ لظهور خوارق العادات العظيمة منزلة التراخي، فأتى بثم، وأكده بالظرف بعده. اه. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ والقسوة والقساوة: عبارة عن الغلظ والصلابة، كما في الحجر، ووصف القلوب بالقسوة والغلظ؛ مثل لنبوّها وتكبرها عن الاعتبار، وأنّ المواعظ لا تؤثر فيها، أي ثمّ صلبت وغلظت قلوبكم يا كفار بني إسرائيل! فلم تقبل الحق الذي جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾؛ أي: من بعد سماع تلك الآيات الباهرة، أو رؤيتها من إحياء القتيل وإخباره بقاتله، والمسخ قردة وخنازير، ورفع الجبل فوقهم، وانبجاس الماء من حجر، وغيرها من الآيات، والقوارع التي تميع منها الجبال، وتلين بها الصخور ﴿فَهِيَ﴾؛ أي: القلوب ﴿كَالْحِجارَةِ﴾؛ أي: مثل الحجارة في
فإن قلت: لم قيل: ﴿أَشَدُّ قَسْوَةً﴾؟ وفعل القسوة مما يبنى فيه أفعل التفضيل وفعل التعجب؟
قلت: لكونه أبين وأدلّ على فرط القسوة من لفظ أقسى؛ لأن دلالته على الشدة بجوهر اللفظ الموضوع لها مع هيئة موضوعة للزيادة في معنى الشدة، بخلاف لفظ الأقسى، فإن دلالته على الشدة والزيادة في القسوة بالهيئة فقط.
والحكمة في ضرب قلوبهم مثلا بالحجارة، وتشبيهها بها دون غيرها من الأشياء الصلبة من الحديد، والصفر، وغيرهما؛ لأن الحديد تلينه النار وهو قابل للتليين، كما لان لداود عليه السلام، وكذا الصفر حتى يضرب منها الأواني والحجر لا يلينه نار ولا شيء آخر، فلذلك شبّه قلب الكافر بها، وهذا والله أعلم في حقّ قوم علم الله سبحانه أنهم لا يؤمنون، والمعنى؛ أي: إن قلوبكم صلبت بعد إذ رأيتم الحقّ وعرفتموه، واستكبرت عن الخضوع والإذعان لأمر الدين، فهي كالحجارة صلابة ويبسا، بل أشدّ
منها. وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ﴾ (١) بيان لفضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة، وتقرير لقوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ و ﴿مِنَ الْحِجارَةِ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ والاسم قوله: ﴿لَما﴾ واللام لام الابتداء؛ أي: لأحجارا ﴿يَتَفَجَّرُ﴾؛ أي: يتفتح بكثرة وسعة ﴿مِنْهُ﴾ عائد إلى ما ﴿الْأَنْهارُ﴾ جمع
وقرأ الجمهور (١): ﴿يَتَفَجَّرُ﴾ بالياء مضارع تفجر. وقرأ مالك بن دينار ﴿ينفجر﴾ بالياء، والنون مضارع انفجر، وكلاهما مطاوع، أمّا يتفجر فمطاوع فجّر بالتشديد، وأما ينفجر فمطاوع فجر مخففا، والتفجّر التفتّح بالسعة والكثرة، والانفجار دونه، والمعنى: إن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يندفق منها الماء الكثير الغمر. وقرأ أبيّ، والضحاك ﴿منها الأنهار﴾ بتأنيث الضمير. وقرأ الجمهور ﴿مِنْهُ﴾ بتذكيره، فالقراءة الأولى حمل على المعنى، وقراءة الجمهور حمل على اللفظ؛ لأنّ ما، لها هنا لفظ ومعنى؛ لأن المراد به الحجارة، ولا يمكن أن يراد به مفرد المعنى فيكون لفظه ومعناه واحدا، إذ ليس المعنى وإن من الحجارة للحجر الذي يتفجر منه الأنهار؛ إنما المعنى وإن من الحجارة للأحجار التي يتفجر منها الأنهار، كما مرّ. وقرأ الجمهور (٢) ﴿يَشَّقَّقُ﴾ بتشديد الشين، وأصله: يتشقق، فبه قرأ الأعمش، فقلبت التاء شينا وأدغمت الشين في الشين، فصار يشقق. وقرأ الأعمش أيضا تشقق بالتاء والشين المخففة، ورأيتها معزوة لابن مصرف، ورأيت في بعض نسخ تفسير ابن عطية ما نصه: وقرأ ابن مصرف ﴿ينشقق﴾ بالنون وقافين، والذي يقتضيه اللسان بقاف واحدة مشددة، وقد يجىء
(٢) البحر المحيط.
والمعنى: أن الحجارة تتأثر وتنفعل، فإن منها ما يتشقق فينبع منه الماء، ويتفجر منه الأنهار، ومنها ما يتردى من أعلى الجبل انقيادا لما أراد الله تعالى به، وقلوب هؤلاء اليهود لا تتأثر ولا تنفعل عن أمره تعالى ﴿وَمَا اللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى ﴿بِغافِلٍ﴾؛ أي: بساه ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: عن العمل الذي تعملونه، أو عن عملكم، فما إما موصول اسمي أو حرفي، وهو وعيد شديد على ما هم عليه من قساوة القلوب، وما يترتّب عليها من الأعمال السيئة، فقلب الكافر أشدّ في القساوة في الحجارة، وإنها مع فقد أسباب الفهم والعقل منه، وزوال الخطاب عنها تخضع له تعالى وتتصدع. قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ وقلب الكافر مع وجود أسباب الفهم والعقل، وسعة هيئة القبول لا يخضع، ولا يلين، والمعنى (٢)؛ أي: وليس الله سبحانه غافلا عن أفعالكم الخبيثة، ولا ساهيا عنها، بل هو محص لها وحافظ إياها، وسيعاقبكم عليها في الآخرة؛ أي: وإن الله لبالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم، وحافظ لأعمالهم حتى يجازيهم عليها في الآخرة.
قرأ الجمهور (٣): ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء، وهو الجاري على نسق قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وقرأ ابن كثير، ونافع، ويعقوب، وخلف، وأبو بكر بالياء؛ نظرا
(٢) العمدة.
(٣) البحر المحيط.
الإعراب
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب معطوف على نعمتي، والمعنى: واذكروا يا بني إسرائيل! نعمتي، وحين قال موسى لقومه ﴿قالَ مُوسى﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿لِقَوْمِهِ﴾ متعلق بقال ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ فعل ومفعول به، والفاعل ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إن، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول قال. ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر ﴿تَذْبَحُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بحذف النون ﴿بَقَرَةً﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر مجرور بباء محذوفة متعلقة بيأمركم، تقديره: إن الله يأمركم بذبح
﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨)﴾.
﴿قالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة المستأنفة ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ مقول محكي منصوب بقالوا، وإن شئت قلت: ﴿ادْعُ﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وهي الواو، وفاعله ضمير مستتر يعود على موسى، والجملة في محل النصب مقول قالوا ﴿لَنا﴾ جار ومجرور متعلق بادع ﴿رَبَّكَ﴾ مفعول به ومضاف إليه ﴿يُبَيِّنْ﴾ فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَنا﴾ متعلق بيبين، والجملة جواب الطلب لا محل لها من الإعراب ﴿ما﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ﴿هِيَ﴾ ضمير للمفردة المؤنثة الغائبة في محل الرفع خبر لما الاستفهامية، والجملة الإسمية في محل النصب مفعول به ليبين، ولكنه على تقدير مضاف، تقديره: يبين لنا جواب ما هي ﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على موسى، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿إِنَّهُ يَقُولُ...﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لقال، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿يَقُولُ﴾ خبره، وجملة إن في محل النصب مقول قال ﴿إِنَّها﴾ ناصب واسمه ﴿بَقَرَةٌ﴾
| إنّ للخير وللشرّ مدى | وكلا ذلك وجه وقبل |
﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)﴾.
﴿قالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿ادْعُ لَنا﴾ إلى قوله: ﴿قالَ﴾ مقول محكي لقالوا، وإن شئت قلت: ﴿ادْعُ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر ﴿لَنا﴾ متعلق به ﴿رَبَّكَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قالوا. ﴿يُبَيِّنْ﴾ فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على الرب لَنا متعلق بيبين، والجملة جملة جوابية لا محل لها من الإعراب ﴿ما﴾ اسم استفهام في
﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)﴾.
﴿قالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ مقول محكي لقالوا، وإن أردت بسط إعرابه، فقد تقدّم لك قريبا، فجدّد به عهدا ﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾ ناصب واسمه ﴿تَشابَهَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على البقر ﴿عَلَيْنا﴾ متعلق بتشابه، وجملة تشابه في محل الرفع خبر إن، وجملة إن جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب، ولكن في محل النصب مقول قالوا ﴿وَإِنَّا﴾ ناصب واسمه ﴿إِنَّ﴾ حرف شرط جازم ﴿شاءَ﴾ في محل الجزم بأن على كونه فعل شرط لها ﴿اللَّهُ﴾ فاعل، وجواب الشرط محذوف، تقديره: اهتدينا، وجملة إن الشرطية معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين إن وخبرها لَمُهْتَدُونَ اللام حرف ابتداء ﴿مهتدون﴾ خبر إن مرفوع بالواو وجملة إن معطوفة على جملة قوله ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ على كونها مقولا لقالوا، وعلى كونها تعليلية.
﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾.
﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿يَقُولُ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محل النصب مقول قال ﴿إِنَّها بَقَرَةٌ﴾ ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول يقول ﴿لا﴾ نافية ﴿ذَلُولٌ﴾ صفة لبقرة، وإن شئت قلت ﴿لا﴾ اسم بمعنى غير في محل الرفع صفة
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة قصة على قصة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في
فإن قلت: كيف أعمل مخرج وهو في معنى المضي؟
قلت: قد حكي ما كان مستقبلا في وقت التدارؤ، كما حكي الحاضر في قوله: ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾.
﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾.
﴿فَقُلْنا﴾ الفاء عاطفة ﴿قلنا﴾ فعل وفاعل معطوف على جملة قوله: فذبحوها ﴿اضْرِبُوهُ﴾، فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مقول القول ﴿بِبَعْضِها﴾ جار ومجرور متعلق باضربوه ﴿كَذلِكَ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف وجوبا؛ لوقوعه صفة لمصدر محذوف، تقديره: يحيي الله الموتى يوم القيامة إحياء مثل إحياء هذا القتيل ﴿يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية معترضة لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين قصتي بني إسرائيل ردا على مشركي العرب المنكرين للبعث، كما سبق في مبحث التفسير ﴿وَيُرِيكُمْ﴾ الواو عاطفة ﴿يُرِيكُمْ﴾ فعل مضارع ومفعول أول، والفاعل ضمير مستتر يعود على الله ﴿آياتِهِ﴾ مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة قوله كذلك: ﴿كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى﴾ على كونها معترضة لا محل لها من الإعراب ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لعل حرف نصب وتعليل بمعنى كي، والكاف اسمها، وجملة ﴿تَعْقِلُونَ﴾ خبرها،
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ﴾.
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب مع تراخ ﴿قَسَتْ﴾ فعل ماض مبني بفتحة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتاء علامة تأنيث الفاعل ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ فاعل، والجملة معطوفة على مقدر، تقديره: فضربوه فحيي القتيل، ثم قست قلوبكم، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾ والأول أوضح وأولى ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بقست ﴿فَهِيَ﴾ الفاء حرف عطف وتفريع ﴿هي﴾ مبتدأ ﴿كَالْحِجارَةِ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، أو الكاف اسم بمعنى مثل في محل الرفع خبر المبتدأ ﴿الحجارة﴾ مضاف إليه، والجملة الإسمية معطوفة مفرّعة على جملة قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. ﴿أَوْ﴾ حرف عطف بمعنى بل ﴿أَشَدُّ﴾ بالرفع معطوف على الكاف إذا كانت اسما، أو على ﴿كَالْحِجارَةِ﴾؛ لأن الجار والمجرور في موضع رفع. وقرىء أشد بالفتح على أنه معطوف على الحجارة ﴿قَسْوَةً﴾ تمييز نسبة منصوب بأشد ﴿وَإِنَّ﴾ الواو استئنافية ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب وتوكيد ﴿مِنَ الْحِجارَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم لأنّ ﴿لَما﴾ اللام حرف ابتداء ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب اسم إن مؤخر، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة ﴿يَتَفَجَّرُ﴾ فعل مضارع ﴿مِنْهُ﴾ متعلق به ﴿الْأَنْهارُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، وتقدير الكلام: وإن الذي يتفجر منه الأنهار لكائن من الحجارة.
﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾.
﴿وَإِنَّ﴾ الواو عاطفة ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿مِنْها﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم على اسمها ﴿لَما﴾ اللام حرف ابتداء ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر ﴿يَشَّقَّقُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ما، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل، وتقدير الكلام: وإن الذي يشقق فيخرج منه الماء لكائن من الحجارة، وجملة ﴿إِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ الأولى
التصريف ومفردات اللغة
﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الذبح: قطع أعلى العنق. والنحر: طعن أسفله. والبقرة واحد البقر تقع على الذكر والأنثى، نحو: حمامة وحمام، والصفة تميّز الذكر من الأنثى. تقول: بقرة ذكر وبقرة أنثى. وقيل: بقرة اسم للأنثى خاصة من هذا الجنس، والذكر الثور، نحو: ناقة وجمل، وأتان وحمار، وسمي هذا الجنس بذلك؛ لأنه يبقر الأرض؛ أي: يشقها بالحرث، أو بقرنه، ومنه: بقر بطنه إذا شقّه، ومنه سمي محمد الباقر، وهو محمد بن علي، بن الحسين، بن علي بن أبي طالب، وكان هو وأخوه زيد بن علي من العلماء الفصحاء.
وفي «المصباح» وبقرت الشيء بقرا من باب قتل، شققته وبقرته فتحته، والمراد بقرة مبهمة، كما هو ظاهر النظم، فكانوا يخرجون من العهدة بذبح أي بقرة كانت، كما في الحديث السابق، لكن ترتب على تعنتهم فسخ الحكم الأول بالثاني، والثاني بالثالث تشديدا عليهم، لكن لا على وجه ارتفاع حكم المطلق
أحدها: على حذف مضاف، أي: ذوي هزؤ.
والثاني: أنه اسم مصدر واقع موقع المفعول؛ أي مهزوا بنا.
والثالث: أنهم جعلوا نفس الهزؤ مبالغة وهذا أولى. اه. «سمين». ﴿قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ والعياذ والمعاذ: الاعتصام والالتجاء، والفعل.
منه عاذ يعوذ، وأصل أعوذ: أعوذ بوزن أفعل، نقلت حركة الواو إلى العين، فسكنت إثر ضمة فصارت حرف مد ﴿أَكُونَ﴾ أصله: أكون، نقلت حركة الواو إلى الكاف، فسكنت الواو وضمت الكاف فجعلت الواو حرف مد، كما مر في أعوذ ﴿مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ الجهل معروف وهو ضد العلم، والفعل منه جهل يجهل. قيل: وقد جمع على أجهال وهو شاذ. قال الشّنفرى:
| ولا تزدهي الأجهال حلمي ولا أرى | سؤولا بأطراف الأقاويل أنمل |
| لعمري لقد أعطيت ضيفك فارضا | تساق إليه ما تقوم على رجل |
| ولم تعطه بكرا فيرضى سمينه | فكيف تجازى بالمودّة والفضل |
| يا بكر بكرين ويا خلب الكبد | أصبحت منّي كذراع من عضد |
﴿ما لَوْنُها﴾ واللون: عرض مشاهد يتعاقب على بعض الجواهر، كما مر. وجمعه على القياس ألوان، واللون أيضا النوع، ومنه ألوان الطعام؛ أي: أنواعه. وقالوا: فلان متلوّن إذا كان لا يثبت على خلق واحد وحال واحد، ومنه قولهم: يتلون تلون الحرباء، وذلك أن الحرباء لصفاء جسمها أيّ لون قابلته ظهر عليها، فتنقلب من لون إلى لون ﴿صَفْراءُ﴾ والصّفرة: لون بين البياض والسواد وقياس الفعل من هذا المصدر صفر فهو أصفر وهي صفراء، كقولهم: شهب فهو أشهب
| من حرف لين آخر بعد ألف | مزيد ابدل همزة وذا ألف |
| يثرن الحصى حتّى يباشرن تربه | إذا الشّمس مجّت ريقها بالكلاكل |
﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ المسلمة: المخلصة المبرأة من العيوب. يقال: سلم له كذا؛ أي: خلص سلاما، وسلامة مثل لذاذا ولذاذة ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ والشّية: مصدر وشي الثوب يشيه وشيا وشية، إذا حسّنه وزيّنه بخطوط مختلفة الألوان، ومنه قيل للساعي في الإفساد بين الناس: واش؛ لأنه يحسّن كذبه عندهم حتى يقبل. والشية: اللّمعة المخالفة للون البدن، كما مر. ومنه ثور موشّى القوائم، والشية في الأصل: مصدر وشي من باب وعد وشيا وشية، إذا خلط لونا بلون آخر، والمراد هنا نفس اللون، والتصرّف فيها كالتصرف في عدة. اه. شيخنا. وفي «السمين» وشية مصدر وشيت الثوب أشيه وشيا وشية، فحذفت فاؤها؛ لوقوعها بين ياء وكسرة في المضارع، ثم حمل ما في الباب عليه وعوّض عنها تاء التأنيث في المصدر، ووزنها علة، ومثلها صلة وعدة وزنة ومنه ثوب موشى؛ أي: منسوج بلونين فأكثر، وثور موشى القوائم؛ أي: أبلقها، ويقال: ثور أشيه، وفرس أبلق، وكبش أخرج، وتيس أبرق، وغراب أبقع، كلّ ذلك بمعنى أبلق. اه.
﴿الْآنَ﴾ ظرف زمان يقتضي الحال ويخلص المضارع له عند جمهور البصريين، وهو لازم للظرفية لا يتصرّف غالبا بني؛ لتضمنه معنى حرف الإشارة، كأنك قلت: هذا الوقت؛ أو لتضمنه معنى حرف التعريف، كأنك قلت: الوقت الحاضر. واختلف في أل التي فيه، فقيل: للتعريف الحضوريّ. وقيل: زائدة لازمة. اه. «كرخي» وزعم الفراء أنه منقول من الفعل. يقال: آن يئين أينا؛ أي: حان ﴿جِئْتَ﴾ أصل الفعل: جيأ بوزن فعل من باب ضرب، تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، فصار جاء، فأسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرّك فسكّن آخره، فصار جاءت، فالتقى ساكنان الألف وآخر الفعل، فحذفت الألف فصار
﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ﴾ فيه حذف همزة أفعل من اسم الفاعل، إذ القياس مؤخرج ﴿كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى﴾ أصله يحيي بوزن يفعل، حذفت منه همزة أفعل وسكنت ياؤه الأخيرة؛ للتخفيف، ثم حذفت لالتقاء الساكنين ﴿وَيُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ مضارع الرباعي، والرؤية هنا بصرية، فالهمزة للتعدية أكسبت الفعل مفعولا ثانيا وهو آياته، والمعنى: ويجعلكم مبصرين آياته، والكاف هو المفعول الأول، وأصله: يرئيكم بوزن يفعل، نقلت حركة الهمزة عين الفعل إلى الراء فائه، ثم حذفت الهمزة تخفيفا، فقيل: يرى، فالعين من أرى الرباعي في الماضي والمضارع محذوفة دائما ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ القساوة والقسوة: غلظ القلب وصلابته وعدم لينه لقبول الخير. يقال: قسا يقسو من باب عدا قسوا، وقساوة وقسوة، وفيه إعلال بالحذف. أصله: قسو، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها بعد فتح، فلما اتصلت
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة، وأنواعا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التكرير للسؤال والجواب وهو داخل في باب الإطناب، كأنهم يكررون السؤال استكناها لحقيقة البقرة.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ لأنّ قبل هذه الجملة جمل محذوفة، تقديرها: فطلبوها ووجدوها عند فتى بار لوالدته، فاشتروها فذبحوها.
ومنها: الاعتراض بقوله: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾؛ لأن هذه الجملة معترضة بين قوله: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ وقوله: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾ والجملة المعترضة بين ما شأنهما الاتصال، تجيء تحلية يزداد بها الكلام البليغ حسنا. وفائدة الاعتراض هنا: إشعار المخاطبين بأنّ الحقيقة ستنجلي لا محالة.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ حيث شبه عدم الإذعان بالقسوة بجامع عدم قبول التأثير في كل، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من القساوة قست بمعنى لم تذعن، فلم تقبل المواعظ ولم تؤثر فيها. اه. «صاوي» وقيل: فيه الاستعارة المكنية التبعية تشبيها لحال القلوب في عدم الاعتبار والاتعاظ بما هو ماثل أمامها، ناطق بلسان الحال بالحجارة النابية التي من خصائصها القسوة والصلابة.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ﴾ حيث أطلق المحلّ الذي هو المجرى المسمّى بالنهر، وأراد الحالّ فيه وهو الماء، والقرينة حالية؛ لأن التفجر إنما يكون للماء لا للنهر.
ومنها: المجاز العقليّ في إسناد الخشية إلى الحجارة، ؛ لأنه مجاز عن انقيادها لأمر الله تعالى، وأنها لا تمتنع عمّا يريد منها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد، ولا تلين، ولا تخشع، ولا تفعل ما أمرت به.
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، ومنه يرجى نجاح كل الآراب، لا سيما تفسير أفضل الكتاب (١).
* * *
انتهى المجلد الأول على الحزب الأول من تفسير حدائق الروح والريحان، ويليه المجلد الثاني وأوّله قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ الآية.
تم تصحيح هذا المجلد بيد مؤلفه ليلة السبت بعيد العشاء الموافق تاريخ ١١/ ٤/ ١٤٢٠ هـ.
| العَبْدُ ذُو ضَجَرٍ والربُّ ذُو قدَرٍ | والدَّهْرُ ذُو دُوَلٍ والعِلْمُ مَقْسُوم |
| والخَيْرُ أجْمعُ فيما اخْتار خالِقُنَا | وفي اختيار سواه اللُّومُ والشُّوم |
| فَلَيْتَكَ تَحْلُو والحياةُ مَرِيْرَةٌ | وَلَيْتَكَ تَرْضَى والأنامُ غِضَابُ |
| ولَيْتَ الذي بَيْنِي وبَيْنَكَ عَامِرٌ | وبَيْني وبَيْنَ العَالَمِين خَرَابُ |
| فَزادِي قَلِيلٌ ما أُراه مُبلِّغي | على الزادِ أبكي أم لِبُعْدِ مَسافَتي |
| أتَيْتُ بأعمالٍ قِبَاحٍ رَدِيئَةٍ | وَمَا في الوَرى خَلْقٌ جَنَى كَجِنَايتي |
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد الثاني»
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
[٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
| الصَّبْرُ مفتاحُ ما يُرَجَّى | وكُلُّ خَيْرٍ بِهِ يَكُونُ |
| وَرُبَّما نِيْلَ بِاصْطِبَارٍ | مَا قِيْل هَيْهَاتَ لا يَكونُ |
| إنَّما النَفْس كالزُّجَاجَةِ والعِلْـ | ـمُ سِرَاجٌ وحِكْمةُ الله زَيْتُ |
| فَإذَا أَبْصَرَت فَإنَّكَ حَيُّ | وَإِذَا أظْلَمَتْ فَإنَّكَ مَيْتُ |
| أخو العِلْم حيٌّ خالِدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ | وَأوْصَالُه تَحْتَ التُّراب رمِيمُ |
| وَذُو الجَهْلِ مَيْتٌ وَهُوَ ماشٍ عَلَى الثَّرَى | يُظَنُّ مِنَ الأحْيَاءِ وَهُوَ عَدِيْمُ |
| تَعلَّم يا فَتَى فالجَهْلُ عارُ | وَلاَ يَرْضَى بِهِ إلاَّ الحِمَارُ |
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أنزل القرآن موعظة وشفاء لما في الصدور، وجعله منهلًا عذبًا للورود والصدور، جمع فيه علوم الأوّلين والآخرين، فلا رطب ولا يابس إلّا في كتاب مبين. والصلاة والسلام على من أُوحي إليه ذلك القرآن، من لوح الوجوب والأمر والشان، سيدنا محمد، الذي أجرى من مسجله ما يحاكي السلسبيل والرحيق، وأفحم ببلاغته كُلَّ متكلّم مِنطيق، وفسَّر الآيات في الأنفس والآفاق، على مراد الله الملك الخلّاق، وعلى آله وأصحابه المقتبسين من مشكاة أنواره، المغترفين بحار أسراره، ومن تبعهم بإحسان ممَّن تخلَّق بالقرآن في كُلّ آنٍ وزمانٍ، صلاة وسلامًا دائمين بدوام المدى والأوان.أمَّا بعد: فيقول العُبَيْد المعترف بذنبه وخَطاه، المنادي لربه في عفوه وعطاه، الراجي في إسبال سجاف النَّدى عليه، المناجي في إرسال رسول الهدى إليه، حفظه الله سبحانه وأخلَّاءه، وأعاذه وإيَّاهم من الشيطان الرجيم، وجعل يومه خيرًا من أمسه إلى الإياس من حياة نفسه، سميُّ محمد الأمين الهرريُّ.
إنّي لمّا فرغْتُ من تفسير المجلّد الأول على الحزب الأوّل من القرآن الكريم.. عزمتُ إن شاء الله تعالى على الشروع في المجلّد الثاني على الحزب الثاني، وقد قصدت أن أخُصَّ كلَّ حزب من الأحزاب الستِّين بمجلَّدٍ، فيكون الكتاب ستين مجلّدًا، ولكن ما أدري ما سيفعل بي ربّي، وإنْ كان علم التفسير لا يقحم في معاركه كُلُّ ذمير، وإن كان أسدًا، ولا يحمل لواءه كُلُّ أميرٍ، وإن مات حسدًا، وذلك أظهر من أن يورد عليه دليلٌ، كالنَّيرين لغير كليلٍ، ومع خطر هذا الأمر فالأمد قصير، وفي العبد تقصيرٌ، وكَمْ ترى مِنْ تَحْرِيرٍ كاملٍ في التحرير
اللهم كما وفَّقتني في الأوَّل خيرًا كثيرًا؛ فيسِّر لي الأمر تيسيرًا، واجعل رقيمي هذا سببًا للفوز بجنّات النعيم، بحقِّ كتابك الكريم، ذلك الحمد في الأولى والعُقبى على عنايتك الكبرى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
والله أعلم
* * *
{أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)}.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى، لمَّا ذكر تعنُّت اليهود، وعدم انقيادهم لأمر الله تعالى ومجادلتهم للأنبياء.. أردف ذلك بذكر بعض قبائحهم التي ارتكبوها، كتحريف كلام الله تعالى، وادعائهم بأنّهم أحباب الله، وأنّ النار لن تمسَّهم إلّا أيّامًا معدودةً، وبدأ ذلك بتيئيس المؤمنين من إيمانهم؛ لأنّهم فُطِروا على الضلال، وجُبِلوا على العناد.
قال أبو حيان: قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ الآية، مناسبة ارتباط هذه الآية لما قبلها: أنَّ الله تعالى لمَّا بيَّن أمر الفرقة الضالّة التي حرَّفت كتاب الله، وهم قد عقلوه وعلموا بسوء مرتكبهم، ثُمَّ بيَّن أمر الفرقة الثانية المنافقين، وأمر الثالثة المجادلة.. أخذ يُبيِّن أمر الفرقة الرابعة، وهي العامَّة وهي التي طريقها التقليد وقبول ما يقال لهم، قال أبو العالية، ومجاهد، وغيرهما: ومن هؤلاء
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ الآية، نزلت في الأنصار (١)، كانوا حلفاء لليهود، وبينهم جوارٌ ورضاعةٌ، وكانوا يودُّون لو أسلموا، فنزلت هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه ابن جرير، عن السُّدّيّ قال: نزلت في ناسٍ من اليهود آمنوا ثُمَّ نافقوا، وكانوا يأتون المؤمنين من العرب بما تحدَّثُوا به، فقال بعضهم لبعض: أتحدِّثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ليقولوا: نحن أحبُّ إلى الله منكم وأكرم على الله منكم، فنزلت هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عكرمة، عن ابن عباس قال: نزلت في أحبار اليهود، وجدوا صفة النبي - ﷺ -، مكتوبةً في التوراة: أَكْحَلُ أَعْيَنُ، رَبْعَةٌ، جَعْدُ الشعر، حَسَنُ الوجه، فَمَسَحُوا ذلك حسدًا وبغيًا، وقالوا: نجده طويلًا، أزرق، سَبِطَ الشعرِ.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ الآية، سبب نزولها (٣): ما أخرجه ابن جرير من طريق الضحاك، عن ابن عباس قالوا: لن ندخل النار إلّا تَحِلَّة القسم الأيام التي عبدنا فيها العجل أربعين ليلةً، فإذا انقضت انقطع عنّا العذاب، فنزلت الآية.
قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها:
(٢) لباب النقول.
(٣) لباب النقول.
قصَّ الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات على المؤمنين من أنبائهم، ما أزال به أطْماعهم وإياسهم من إيمانهم، بذكر ما يحدث من أسلافهم مع نبيِّهم موسى عليه السلام بَيْنَ آنٍ وآخر، من تمرُّدٍ وعنادٍ، وجحود وإنكار، فتأتيهم الآية تِلْو الآية، ويحلُّ بهم من العقاب ما هم له أهلٌ، فيطلبون من موسى أن يدعو الله، ليرفع عنهم العذاب ويستجيبوا لدعوته، حتى إذا ما رفعه عنهم عادوا سيرتهم الأولى معاندين جاحدين، وقد بلغ من عنادهم أن قالوا له: لا نصدِّق بك، ولا نطيع أوامرك حتى نسمع كلام الله، ومناجاته إيّاك، فاختار موسى بأمر الله تعالى، سبعين رجلًا منهم لسماع الوحي، ومصاحبته حيث يناجي ربَّه، فسمعوا كلامه بطريقٍ نحن لا نعرفها، ولا ندرك كنهها، واستيقنوا مناجاته ربَّه، وسمعوا أوامره ونواهيه.
ثمَّ كان منهم أن حرَّفوا كلام الله الذي حضروا وحيه، وصرفوه عن وجهه بالتأويل والتحريف، وهذا مثبتٌ عندهم في التوراة، وهي كتابهم المقدَّس. فلا عجيب إذًا في إعراض الحاضرين عن هدى الله الذي جئتَ به، فالمعارضة والاستكبار دأبهم، ورثوهما من أسلافهم الذين كانوا يحرِّفون، ويبدّلون، ويكابرون وهم يشاهدون الدلائل الحسّية تَتْرى بين يدي موسى عليه السلام، فأَحْرِ بهم أن يَجْحَدُوا دينًا دلائله عقليَّةٌ، وآياته الكبرى معنويَّةٌ، وهو القرآن الكريم، بِمَا اشتمل عليه من تشريعٍ فيه سهولةٌ وتيسيرٌ للناس، وفيه فصاحةٌ أعجزت فُصحاءَ العرب عن محاكاته، لجأُوا إلى السيف والسِّنان، بعد أن أعجزتهم الحجَّة والبرهان، ثم ذكر حالًا أخرى لعلمائهم هي: أنَّ علماءهم وقعوا في الحيرة
أمَّا عامَّتهم: فلا علم لهم بشيء من الكتاب، وما عندهم من الدين إلّا ظُنونٌ أخذوها عن أسلافهم، دون أن يكون لديهم دليلٌ على صحتها أو فسادها، ومثل هذا لا يسمَّى عِلْمًا، إنّما العلم ما كان عن حجّة وبرهان، ولا يقبل الله إلّا العلم الصحيح في عقائد الأديان.
التفسير وأوجه القراءة
٧٥ - والخطاب في قوله (١): ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ للنبي - ﷺ - وأصحابه، وكان - ﷺ -، شديد الحرص على الدعاء إلى الحق، وقبول الناس الإيمانَ منه، وكان يضيق صدره بسبب عنادهم وتمرّدهم، فقصَّ الله تعالى عليه أخبار بني إسرائيل في العناد العظيم مع نبيّهم، مع مشاهدة الآيات الباهرة منه؛ تسليةً لرسوله - ﷺ - فيما يظهر من أهل الكتاب، في زمانه، من قلّة القبول، والاستجابة. والطَّمَعُ: تَعلُّقُ النفس بإدراك ما تُحِبُّ تعلُّقًا قويًّا، وهو أشدُّ من الرجاء. والهمزة فيه للاستفهام الإنكاريِّ الاستبعاديِّ، وهو حمل المخاطب على الإنكار، بأمر علم عنده نفيه مع استبعاده؛ أي: لإنكار الواقع واستبعاده، كما في قولك: أتضرب أباك، لا لإنكار الوقوع، كما في قولك: أأضرب أبي، داخلةٌ على محذوف يقتضيه المقام، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير؛ أي: أتسمعون أخبارهم، وتعلمون أحوالهم، فتطمعون بعد ذلك في إيمانهم. ومآل المعنى: أي: أَبَعْدَ أَنْ علمتم تفاصيلَ شؤونِهم المُؤيسَة، من إيمانهم تطمعون في: ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ جميع اليهود أو علماؤهم، فإنّهم متماثلون في شدّة الشَّكيمة والأخلاق الذميمة، لا يتأتَّى من
قال في "التيسير": الصحيحُ أنهم لم يسمعوا كلام الله بلا واسطةٍ، فإنَّ ذلك كان لموسى عليه السلام على الخصوص، لم يشركه فيه غيره في الدنيا.
ومعنى يسمعون كلام الله؛ أي: التوراة من موسى بقراءته، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾؛ أي: من بعدما فهموه وضبطوه بعقولهم، ولم يبق لهم شبهةٌ في صحته؛ أي: يحرِّفونه من بعد تعقُّلهم، ومعرفتهم تأويله ومعناه بعقولهم؛ أي: لم يفعلوا (٣) ذلك عن خطأ ونسيان، بل فعلوه عن تعمُّد ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم يعلمون أنّهم مبطلون، ومفترون كاذبون، وذلك كنعت محمد - ﷺ -، فكانت صفته - ﷺ - في التوراة: أكحل العين، ربعة القامة، جعد الشعر، حسن
(٢) روح البيان.
(٣) العمدة.
٧٦ - يقول سبحانه: كيف يؤمن هؤلاء وهم يقلّدون أولئك الآباء، فهم من أهل السوء الذين مضوا بالعناد، فلا تطمعوا في الإيمان منهم، ﴿وَإِذَا لَقُوا﴾ أي اليهود ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من أصحاب محمد - ﷺ - ﴿قَالُوا﴾ أي: منافقوهم ﴿آمَنَّا﴾ كإيمانكم، وأنَّ محمدًا هو الرسول المُبشَّر به؛ أي: إذا رأى منافقوا اليهود المؤمنين قالوا لهم: ﴿آمَنَّا﴾ وصدَّقنا بما جاء به محمد - ﷺ -، وبأنَّكم على الحق، وأن رسولكم هو المُبشَّر به في التوراة، وقرأ الجمهور (١): ﴿لَقُوا﴾ من لقى الثلاثي. وقرأ ابن السميقع: ﴿لاقَوا﴾ من باب فاعل الرباعي الذي هو بمعنى المجرد، فمعنى القراءتين هنا واحد.
قال أبو حيان: ويحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفةً مُنْبئةً عن نوع آخر من قبائح اليهود، الذين كانوا في زمان رسول الله - ﷺ -، وكاشفةً عمَّا أكنُّوه من النفاق، ويحتمل أن تكون جملةً حاليةً معطوفةً على قوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ الآية؛ أي: كيف يطمع في إيمانهم، وقد كان من أسلافهم من يحرِّف كلام الله، وهؤلاء سالكوا طريقتهم، وهم في أنفسهم منافقون يظهرون موافقتكم إذا لقوكم، وأنَّهم منكم، وهم في الباطن كفارٌ، فمن جمع بين هاتين الحالتين، من اقتدائهم بأسلافهم الضُّلَّال، ومنافقتهم للمؤمنين، لا يطمع في إيمانهم، والذين آمنوا هنا هم: أبو بكر، وعمر، وجماعةٌ من المؤمنين. قاله جمهور المفسّرين، وقال بعضهم: المؤمنون هنا: جماعة من اليهود، آمنوا وأخلصوا في إيمانهم، والضمير في: ﴿لَقُوا﴾ لجماعةٍ من اليهود غير معيَّنة، باقين على دينهم، أو لجماعةٍ منهم أسلموا ثُم نافقوا، أو لليهود الذين أمرهم رؤساؤهم من بني قريظة أن يدخلوا المدينة، ويتجسَّسُوا أخبار النبي - ﷺ -، قالوا: ادخلوا المدينة، وأظهروا الإيمان، فإنّه نهى أن يدخل المدينة إلا مؤمنٌ. انتهى.
﴿قَالُوا﴾ أي: قال الرؤساء للمنافقين الذين جاءوا من عند المؤمنين موبِّخين، وعاتبين لهم على ما صنعوا ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ أي: أتحدّثون أيّها المنافقون، وتخبرون لأصحاب محمَّد - ﷺ -، والهمزة للاستفهام الإنكاري المضمَّن للنهي؛ أي: لا تحدِّثوهم، يعني: المؤمنين. ﴿بِمَا فَتَحَ الله﴾ سبحانه وتعالى، وبيَّنه لكم في التوراة خاصّةً، من نعت النبيِّ المَبشَّر به في التوراة، والتعبير عنه بالفتح؛ للإيذان بأنَّه سرّ مكنون، وبابٌ مُغْلَقٌ لا يقف عليه أحدٌ، والسلام في قوله: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ﴾ متعلقة بالتحديث (٢)، لا بالفتح كما توهَّمه بعضهم، والضمير في به، لما فتح الله؛ أي: ليجادلوكم ويخاصموكم بما أخبرتموهم، بما فتح الله عليكم، ويحتجُّوا عليكم به، ويبكتوكم ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ في الآخرة، أو في حكمه وكتابه، كما يقال: هو عند الله كذا؛ أي: في كتابه وشرعه، والمحدِّثون به، وإن لم يحوموا حول ذلك الغرض، وهو المحاجَّة، لكن فعلهم ذلك لمَّا كان مستتبعًا له ألبتة، جُعلوا فاعلين للغرض المذكور إظهارًا لكمال سخافة عقلهم وركاكة آرائهم؛ أي (٣): أتحدِّثون أصحاب محمَّد - ﷺ - بما فتح الله عليكم في التوراة.
وبيَّنه لكم، ليخاصموكم ويحتجّوا عليكم بإخباركم، فيقولوا لكم: قد أقررتم أنّه نبيٌّ حقٌّ في كتابكم، فلم لا تتبعونه، وذلك: أنَّ اليهود قالوا لأهل المدينة، حين مشاورتهم في اتّباع محمَّد - ﷺ -: آمنوا به، فإنّه نبيّ حقّ، ثُمَّ لام بعضهم بعضًا، فقالوا: أتحدِّثونهم بما فتح الله عليكم، لتكون لهم الحجَّة عليكم، عند
(٢) روح البيان.
(٣) الخازن بتصرف.
قال أبو حيان: قوله: ﴿بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ﴾ ﴿مَا﴾ (١) موصولة، والضمير العائد عليها محذوف، تقديره: بما فتحه الله عليكم، وقد جوَّزوا في ﴿مَا﴾: أن تكون نكرةً موصوفة، وأن تكون مصدريَّة؛ أي: بفتح الله عليكم، والوجه الأوَّل هو الأولى، والذي تحدثوا به هو ما تكلَّم به جماعةٌ من اليهود من صفة رسول الله - ﷺ -، قاله أبو العالية وقتادة، أو عُذِّب به أسلافهم، قاله: السدّيُّ، وقال مجاهد: إنّ رسول الله - ﷺ -، قال لبني قريظة: "يا إخوة الخنازير والقردة"، فقال الأحبار لأتباعهم: ما عُرِفَ هذا إلّا عندكم.
وقال ابن زيد؛ كانوا إذا سئلوا عن شيء قالوا: في التوراة كذا وكذا، فكره ذلك أحبارهم، ونهوا عن الخلوة عنه. فعلى ما قاله أبو العالية: يكون الفتح بمعنى: الإعلام والإذكار؛ أي: أتحدِّثونهم بما أعلمكم الله به من صفة نبيّهم. ورواه الضحاك، عن ابن عباس. وعلى قول السدي يكون بمعنى: الحكم والقضاء؛ أي: أتحدِّثونهم بما حكم الله به على أسلافكم وقضاه من تعذيبهم. وعلى قول ابن زيد: يكون بمعنى: الإنزال؛ أي: أتحدِّثونهم بما أنزل الله عليكم في التوراة. وقال الكَلْبِيُّ: المعنى: بما قضى الله عليكم، وهو راجع لمعنى الإنزال. وقيل المعنى: بما بيَّن الله لكم من أمر محمَّد - ﷺ - وصفته، وشريعته، وما دعاكم إليه من الإيمان به، وأخذ العهود على أنبيائكم بتصديقه ونصرته.
وقيل المعنى: بما مَنَّ الله عليكم من النصر على عدوّكم، ومن تأويل كتابكم. والسلام في قوله: ﴿ليحاجوكم﴾ لام كي، والنصب بأن مضمرةٍ بعدها،
والأولى: حمل اللفظ على ظاهره من غير تقديمٍ ولا تأخيرٍ إذا أمكن ذلك، وقد أمكن حمل قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ على بعض المعاني التي ذكرنا.
وفي "الخازن" (١): نزلت هذه الآية في اليهود الذين كانوا في زمن النبي - ﷺ - قال ابن عباس - رضي الله عنهما: - (إنّ منافقي اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب رسول الله - ﷺ - قالوا لهم: آمنّا بالذي آمنتم به، وإنّ صاحبكم صادقٌ، وقوله حق، وإنّا نجد نعته في كتابنا)، قال تعالى ردًّا عليهم:
٧٧ - ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: اللائمون، أو المنافقون، أو كلاهما ﴿أَنَّ اللهَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾؛ أي: ما يخفون من التكذيب بمحمّد - ﷺ - ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؛ أي: وما يظهرون من التصديق له - ﷺ -، أو من إخفاء ما فتح الله عليهم وإظهار غيره، فيرتدعوا عن ذلك. والهمزة في قوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ للاستفهام التقريري، داخلةٌ على مقدّر ينساق إليه الذهن. والواو عاطفة ما بعدها على ذلك المقدَّر (٢)، وضمير الفاعل للموبِّخين، والتقدير: أيلومونهم على التحديث بما ذكر مخافة المحاجة، ولا يعلمون أنَّ الله يعلم ما يسرون وما يعلنون؛ أي: بجميع ما يسرّونه وما يعلنونه، ومن ذلك إسرارهم الكفر، وإعلانهم الإيمان، فحينئذٍ يظهر الله للمؤمنين ما أرادوا إخفاءه بواسطة الوحي إلى النبي - ﷺ -، فتحصل المحاجَّة والتبكيت، كما وقع في آية الرجم، وتحريم بعض المحرّمات عليهم، فأيُّ فائدةٍ في اللوم والعتاب؟
قال أبو حيان: قوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ توبيخ من الله تعالى لهم (٣)؛ أي: إذا كان علم الله محيطًا بجميع أفعالهم، وهم عالمون بذلك، فكيف يسوغ لهم أن
(٢) جمل.
(٣) البحر المحيط.
٧٨ - ﴿وَمِنْهُمْ﴾؛ أي: ومن اليهود رهْطٌ ﴿أُمِّيُّونَ﴾ لا يحسنون الكتْب، ولا يقدرون على القراءة جمع أمّيّ، والأُمِّيُّ: من لا يكتب ولا يقرأ، منسوبٌ إلى أمّة العرب، وهي الأمة الخالية عن العلم والقراءة، فاستعير لمن لا يعرف الكتابة والقراءة أو إلى الأُمّ؛ لأنّه على حالة ولادة أُمّه، وظاهر الكلام أنّها نزلت في اليهود المذكورين في الآية التي قبل هذه الآية، قاله ابن عباس. وقيل: في المجوس، قاله عليُّ بن أبي طالب. وقيل: في اليهود والمنافقين، وقال عكرمة، والضحاك: في نصارى العرب، فإنَّهم كانوا لا يحسنون الكتابة. وقيل: في قوم من أهل الكتاب رفع كتابهم لذنوب ارتكبوها، فصاروا أمّيِّين؛ لجحودهم الكتاب، فصاروا بمنزلة من لا يحسن شيئًا، والقول الأوّل هو الأظهر؛ لأنَّ سياق الكلام إنما هو مع اليهود، فالضمير لهم، وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة: ﴿أُمِّيُّونَ﴾ بتخفيف الميم؛ أي: ومن (٢) اليهود جهلةٌ لا يكتبون ولا يقرؤون، ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: لا يعرفون التوراة بكتابةٍ ولا قراءةٍ، وطريقتهم التقليد،
(٢) العمدة.
أحدهما: النصب على الاستثناء وهي لغة أهل الحجاز.
والوجه الثاني؛ الاتباع على البدل بشرط التأخُّر وهي لغة تميم، فنصب أمانيّ هنا يصحُّ من الوجهين.
والمعنى: إلّا ما هم عليه من أمانيِّهم، وأمانيُّهم أنّ الله يعفو عنهم، ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، إلى غير ذلك ما مرّ، أو ما يُمنِّيم أحبارهم من أنَّ النار لا تمسُّهم، إلّا أيّامًا معدودة، أو لا يعلمون إلّا أكاذيب مختلقةً سمعوها من علمائهم نقلوها على التقليد، قاله ابن عباس، ومجاهد، واختاره
(٢) روح البيان.
(٣) البحر المحيط.
وقرأ الجمهور (١): ﴿أَمَانِيَّ﴾ بالتشديد. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، والأعرج، وابن جمَّاز عن نافع، وهارون عن أبي عمرو: ﴿أَمَانِيَّ﴾ بالتخفيف، جمعه على أفاعل، ولم يعتدَّ بحرف المدّ الذي في المفرد. قال أبو حاتم: كُلُّ ما جاء من هذا النحو واحده مشددٌ فلك فيه التشديد والتخفيف، مثل: أثافي، وأغاني، وأماني، ونحوها. قال الأخفش: هذا كما يقال: في جمع مفتاح مفاتيح ومفاتح. وقال النحَّاس: الحذف في المعتل أكثر، كما قال:
| وَهَلْ رَجَّعَ التَّسْلِيمَ أوْ يَكْشِفُ العَمَى | ثَلاثُ الأثافِي والرُّسُومُ البَلاقِعُ |
قال أبو حيان: و ﴿إِنْ﴾ (٣) هنا هي: النافية بمعنى ما، و ﴿هُمْ﴾ مرفوع بالابتداء، و ﴿إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ في موضع الخبر وهو من الاستثناء المفرَّغ، وإذا كانت إن نافية فدخلت على المبتدأ والخبر لم تعمل عمل ما الحجازيّة؛ لانتقاض نفيها هنا بإلا الاستثنائيّة، ومن أجاز شَرَطَ نَفْيَ الخبرِ وتأخيرَهُ، والصحيح أنّه لا يجوز إعمالها؛ لأنّه لم يحفظ من ذلك إلا بيتٌ نادرٌ، وهو قوله:
(٢) روح البيان.
(٣) البحر المحيط.
| إنْ هُو مُسْتَوْلِيًا عَلَى أحدِ | إلّا عَلَى أضْعَفِ المَجَانِين |
وفي هذه الآية (١): دليلٌ على أن المعارف كسبيَّةٌ، وعلى بطلان التقليد، وعلى أنّ المغترَّ بإضلال المُضِلّ مذمومٌ، وعلى أنَّ الاكتفاء بالظنّ في الأصول غير جائز، وعلى أنَّ القول بغير دليل باطلٌ، وعلى أنَّ ما تساوى وجوده وعدمه لا يجوز المصير إلى أحدهما إلّا بدليل سمعيّ، وتمسَّك بها أيضًا منكروا القياس وخبر الواحد؛ لأنَّهما لا يفيدان العلم. ثُمَّ ذكر الله سبحانه وتعالى، جريمة هؤلاء الرؤساء المُضلين الذين أضلُّوا العوامَّ،
٧٩ - فقال: ﴿فَوَيْلٌ﴾؛ أي: عذابٌ شديد، أو وادٍ في جهنّم، والويل كلمةٌ يقولها كُلُّ مَنْ وقع في هلكة بمعنى الدعاء على النفس بالعذاب؛ أي: عقوبةٌ عظيمةٌ وهلكةٌ شديدة، أو هو وادٍ في جهنّم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا، قبل أن يبلغ قعره، كما روي عن أبي سعيد الخدريِّ. وقال سعيد بن المسيّب إنه وادٍ في جهنّم لو سُجّرت فيه جبال الدنيا، لذابت من شدّة حرّه. رواه الترمذي وغيره مرفوعًا. وهو مبتدأ خبره ما بعده، وسوَّغ الابتداء به مع كونه نكرة؛ ما فيه من معنى الدعاء، إذ الدعاء أحد المسوغات للابتداء بالنكرة، وهي تقارب ثلاثين مسوّغًا، كما هو مبسوط في كتب النحو؛ أي: فعذابٌ شديدٌ وعقوبةٌ عظيمة كائنة ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: يُحرِّفون التوراة عمَّا أنزلت عليه، ويكتبونه كتابةً مختلقةً من عند أنفسهم موافقةً لهواهم، وهم أحبار اليهود، وقوله: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ تأكيدٌ؛ لأنَّ الكتابة لا تكون إلّا بالأيدي؛ أو لأنّه يحتمل أن يأمر غيره بأن يكتب، فقال: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ لرفع هذه الشُّبهة، والمراد (٢) بالذين يكتبون الكتابَ اليهودُ، وذلك أنَّ رؤساء اليهود خافوا ذهاب مآكلهم، وزوال رياستهم حين قدم النبيُّ - ﷺ - المدينة، فاحتالوا في تعويق سفلتهم عن
(٢) خازن وأبو سعود.
والكتابة معروفة ويقال: أوّل من كتب بالقلم إدريس عليه السلام. وقيل: آدم أبو البشر عليه السلام. وقيل: كتبوا في التوراة ما يدلُّ على خلاف صفة رسول الله - ﷺ -، وبثُّوها في سفهائهم، وفي العرب وأخفوا تلك النسخ التي كانت عندهم بغير تبديل، وصار سفهاؤهم ومن يأتيهم من مشركي العرب إذا سألوهم عن صفة رسول الله - ﷺ - يقولون: ما هو هذا الموصوف عندنا في التوراة المبدَّلة المغيَّرة، ويقرؤونها عليهم، ويقولون: هذه التوراة التي أنزلت من عند الله ليشتروا بها ثمنًا قليلًا. وقيل: خاف ملوكهم على ملكهم إذا آمن الناس كُلُّهم، فجاؤوا إلى أحبار اليهود فجعلوا لهم عليهم وضائع ومآكل، وكشطوها من التوراة وكتبوا بأيديهم كتابًا، وحلَّلوا فيه ما اختاروا، وحرَّموا ما اختاروا.
وقوله: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ قال أبو حيان: تأكيدٌ يَرْفَعُ توهُّمَ المجاز؛ لأنّ قولك: زيد يكتب، ظاهره أنّه يباشر الكتابة، ويحتمل أن يُنسب إليه على طريقة المجاز، ويكون آمرًا بذلك، كما جاء في الحديث: (إن رسول الله - ﷺ - كتب)، وإنّما المعنى أمر بالكتابة؛ لأنّ الله تعالى قد أخبر أنّه النبيُّ الأمّيُّ، وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ في كتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ ونظير هذا التأكيد ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ و ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ وقوله:
نظَرْتَ فلم تَنْظُر بَعْينيك مَنْظرًا
فهذه كلَّها أُتى بها؛ لتأكيد ما يقتضيه ظاهر اللفظ؛ ولرفع المجاز الذي كان يحتمله، وفي هذا التأكيد أيضًا تقبيحٌ لفعلهم إذ لم يكتفوا بأن يأمروا بالاختلاق والتغيير، حتى كانوا هم الذين تعاطوا ذلك بأنفسهم واجترحوه بأيديهم ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ﴾ لأتباعهم (١) وسفلتهم الأميين الذين لا يعلمون إلا ما قُرىء لهم، ومعمول
وقد جمعوا (٢) في هذا الفعل أنّهم ضلوا وأضلُّوا، وكذبوا على الله، وضمُّوا إلى ذلك حُبَّ الدنيا، وهذا الوعيد مرتَّب على كتابة الكتاب المحرَّف، وعلى إسناده إلى الله تعالى وكلاهما منكرٌ، والجمع بينهما أنكر، وهذا يدلُّ على تحريم أخذ المال على الباطل، وإن كان برضا المعطي ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾؛ أي: العقوبة العظيمة ثابتةٌ لهم ﴿مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: من أصل كتابهم إيّاه ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ﴾؛ أي: عذابٌ شديد حاصلٌ لهم ﴿مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾؛ أي: من أصل كسبهم وأخذهم الرشوة، وعملهم المعاصي، وأصل الكسب: الفعل لجر نفعٍ أو دفع ضرٍّ، ولهذا لا يوصف به سبحانه وتعالى.
وكتابتهم (٣) مقدّمةٌ نتيجتها كسب المال الحرام، فلذلك كرَّر الويل في كل
(٢) البحر المحيط.
(٣) البحر المحيط.
وفي الآيات إشاراتٌ (١):
الأولى: أنَّ علم الرجل، ويقينه، ومعرفته، ومكالمته مع الله لا يفيده الإيمان الحقيقيّ، إلّا أن يتداركه الله سبحانه بفضله ورحمته، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ وأنَّ الله تعالى كلَّم إبليس وخاطبه بقوله: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وما أفاده ذلك الإيمان الحقيقيُّ، إذ لم يكن مؤيَّدًا من الله بفضله ورحمته، ولم يبق على الإيمان بعد العيان، فكيف يؤمن بالبرهان.
والثانية: أنَّ العالم المعاند، والعاميَّ المُقلِّد سواءٌ في الضلال؛ لأنَّ العالم عليه أن يعمل بعلمه، وعلى العامي أن لا يرضى بالتقليد والظن وهو متمكنٌ من العلم، وأنَّ الدين ليس بالتَّمَنِّي، فالذين ركنوا إلى التقليد المحض واغترُّوا بظنونٍ فاسدةٍ، وتخميناتٍ مبهمةٍ، فهم الذين لا نصيب لهم من كتبهم إلّا قراءتها دون معرفة معانيها، وإدراك أسرارها وحقائقها، وهذا حال أكثر أهل زماننا من مدّعي الإِسلام بلا معرفة قواعده، وامتثال مأموراته واجتناب منهيّاته، فالمدَّعي والمُتمنِّي عاقبتهما خسرانٌ وضلالٌ، وحسرةٌ وندامة، ووبال وأنكال.
والثالثة: أنَّ من بدَّل، أو غيَّر، أو ابتدع في دين الله ما ليس منه فهو داخلٌ في الوعيد المذكور، وقد حذَّر رسول الله - ﷺ - أمته عن ذلك؛ لما علم ما يكون في آخر الزمان، فقال: "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنين
فحذَّرهم أن يحدثوا من تلقاء أنفسهم في الدين خلاف كتاب الله، أو سنّة رسوله - ﷺ -، أو سنّة خلفائه، فيضلُّوا به الناس، وقد وقع ما حذره، وشاع، وكثر، وذاع، فإنا لله وإنّا إليه راجعون.
فعلى العاقل أن يجتهد في الوصول إلى الحق، ويتخلَّص من الموهوم الباطل، ولا يغترَّ بظواهر الحالات غافلًا عن بطون الاعتبارات، فإنَّ طريق الحق أدقُّ من كُلِّ دقيقٍ، وماءٍ عَمِيقٍ، وفجٍّ سحيقٍ، وأجهلُ (١) الناس من يترك يقين ما عنده من صفات نفسه التي لا شكّ فيها، لظنِّ ما عند الناس من صلاحية حاله.
قال الحارث المحاسبيُّ رحمه الله تعالى: الراضي بالمدح الباطل كمن يهزأ به، ويقال له: إنّ العذرة التي تخرج من جوفك لها رائحةٌ كرائحة المسك، وهو يفرح ويرضى بالسُّخرية به، فالعاقل لا يغترُّ بمثله، بل يجتهد إلى أن يصل إلى رضا ربّه، ويفتح له باب قربه بأن يكون سمعه، وبصره، ولسانه، ورجله، ويده التي يبطش بها، فويلٌ لواعظٍ تكبر وافتخر بتقبيل الناس يده، ورأى نفسه خيرًا من السامعين، ويتقيَّد بالمدح والذمّ، اللهم إلّا أن يخرج ذلك من قلبه، والمعيار مساواة المقبِّل، واللَّاطم عنده، بل رجحان اللاطم والضارب عنده. قال الجُنيد البغداديُّ في مجلس وعظه: لو لم أسمع قول النبي - ﷺ -: "إن الله يؤيِّد هذا الدين بالرجل الفاجر لما اجترأت على الوعظ، فأنا ذلك الرجل الفاجر. اهـ. ولمَّا أوعدهم رسول الله - ﷺ - بالنار عند تكذيبهم إيّاه
٨٠ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالت اليهود زعمًا منهم ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾؛ أي: لن تصيبنا النار، ولن تصل إلينا في الآخرة ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾؛ أي: أيامًا قلائل محصورةً يسهل عدُّها قدر سبعة أيّام، فإنّهم يقولون: إنّ أيّام الدنيا سبعة آلاف سنة، فنعذَّب مكان كُل ألف سنةٍ يومًا واحدًا، أو قدر أربعين يومًا مقدار عبادة آبائهم العجل، ثم يزول عنّا العذاب.
والضمير في قوله (٢): ﴿وَقَالُوا﴾ عائد على الذين يكتبون الكتاب، جمعوا إلى تبديل كتاب الله وتحريفه، وأخذهم به المال الحرام، وكذبهم على أنّه من عند الله، الإخبار بالكذب البحت عن مدّة إقامتهم في النار.
فإن قلت (٣): لِمَ قال هنا ﴿مَعْدُودَةً﴾ بالإفراد، وفي آل عمران ﴿معدودات﴾ بالجمع؟.
قلت: إشارةً إلى الجمع بين الأصل والفرع، إذ الأصل في الجمع بالألف والتاء: إذا كان واحده مذكّرًا أن يقتصر في الوصف على تأنيثه مفردًا، كقوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾ وقد يقال: (سرر مرفوعات) على الجمع، فهو فرعٌ عن الأول، فذكر في البقرة على الأصل؛ لكونها أوّل، وفي آل عمران على الفرع؛ لكونها آخرًا، ثُمَّ قال تعالى رَدًّا عليهم وتكذيبًا لهم: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد!
(٢) البحر المحيط.
(٣) فتح الرحمن.
أحدهما: هل عندكم خبرٌ عن الله تعالى؟ أنّكم لا تعذَّبون أبدًا لكن أيامًا معدودة، فإن كان لكم هذا فهو لا يخلف عهده ووعده.
والثاني: ألكم عند الله أعمالٌ صالحةٌ، ووعدكم بها الجنة؟ فهو لا يخلف وعده ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ ذلك مفترين ﴿عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقوعه؛ أي: أم لم تتَّخذوا من الله عهدًا، بل تتقولون على الله الباطل والكذب، وأم معادلةٌ لهمزة الاستفهام، بمعنى: أيُّ الأمرين المتساويين كائنٌ على سبيل التقرير؟ لأنَّ العلم واقعٌ يكون أحدهما. خلاصته: إن لكم عنده عهد فلا ينقض، ولكنّكم تخرصون وتكذبون. روي أنهم إذا مضت تلك المدة عليهم في النار، يقول لهم خزنة جهنّم: يا أعداء الله! ذهب الأجل وبقي الأبد، فأيقنوا بالخلود. انتهت.
والمعنى: قل لهم يا محمد (٢) أعَهِد إليكم ربُّكم بذلك، ووعدكم به وعدًا حقًّا؟ إن كان كما تقولون، فلن يخلف الله وعده، أم أنتم تقولون على الله شيئًا لا
(٢) المراغي.
وخلاصة هذا (١): إنّ مثل ذلك القول لا يصدر إلّا عن أحد أمرين: إمّا اتخاذ عهدٍ من الله، وإمّا افتراءٌ وتقوُّلٌ عليه، وإِنْ كان اتخاذُ العهد لم يحصل، فأنتم كاذبون في دعواكم، مفترون بأنسابكم حين تدَّعون أنَّكم أبناء الله وأحبّاؤه.
٨١ - ثُمَّ ردَّ الله سبحانه وتعالى على اليهود قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ بقوله: ﴿بَلَى﴾ تمسُّكم النار، وتخلدون فيها أبدًا، و ﴿بَلَى﴾ (٢) إثباتٌ لما بعد النفي، فهو جواب النفي، ونعم: جواب الإيجاب؛ أي إنّكم قلتم: لن تمسَّنا النار سوى الأيام المعدودة، بلى تمسُّكم أبدًا بدليل ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وبيَّن ذلك بالشرط والجزاء، وهما قوله: ﴿مَن...﴾ إلخ. ومن يحتمل أن تكون موصولة، ودخلت الفاء حينئذٍ في الخبر، لما في المبتدأ من العموم؛ لشبه الموصول بالشرط في العموم ﴿كَسَبَ﴾ وعمل وارتكب ﴿سَيِّئَةً﴾ من السيئات يعني: كبيرةً من الكبائر، والمراد بالسيئة هنا: الكفر والشرك، قاله ابن عباس، ومجاهد. والكسب: استجلاب النفع، والاكتساب: استجلاب الضرّ. واستعمال الكسب هنا في استجلاب الضرّ، كالسيئة، على سبيل التهكُّم، ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ تلك واستولت عليه من جميع جوانبه، من قلبه، ولسانه، ويده، كما يحيط العدوُّ، وهذا إنّما يتحقق في الكافر، ولذلك فسَّر السلف السيئة بالكفر ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر من كسب السيئات، وإحاطة خطاياهم بهم، أشير إليهم بعنوان الجمعيَّة؛ مراعاةً لجانب المعنى في كلمة ﴿مَن﴾ بعد مراعاة جانب اللفظ في الضمائر الثلاثة ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾؛ أي: ملازموها في الآخرة حسب ملازمتهم في الدنيا؛ لما يستوجبها من الأسباب التي من جملتها ما هم عليه من تكذيب آيات الله، وتحريف كلامه، والافتراء عليه، وغير ذلك، وهو خبر أولئك، والجملة خبر للمبتدأ {هُمْ
(٢) روح البيان.
وقرأ الجمهور (١): ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ بالإفراد، ونافع: ﴿خطيئاته﴾ جمع سلامة، وقرأ بعض القرَّاء: ﴿خطاياه﴾ جمع تكسير. وقريء: ﴿خطيَّته﴾ و ﴿خطيَّاته﴾ على القلب والإدغام فيهما، والمعنى: أنَّها أخذته من جميع جوانبه، ومعنى الإحاطة به: أنّه يوافي على الكفر والإشراك، هذا إذا (٢) فسرت الخطيئة بالشرك، ومن فسَّرها بالكبيرة، فمعنى الإحاطة به: أن يموت وهو مُصِرٌّ عليها، فيكون الخلود على القول الأوّل، المراد به الإقامة لا إلى انتهاء، وعلى القول الثاني المراد به: الإقامة دهرًا طويلًا؛ إذ مآله إلى الخروج من النار. قال الكلبيُّ: أوثقته ذنوبه. وقال ابن عباس: أحبطت حسناته. وقال مجاهد: غشيت قلبه. وقال مقاتل: أصرَّ عليها. وقال الربيع: مات على الشرك. وقال الحسن: كل ما توعَّد الله عليه بالنار، فهو الخطيئة المحيطة.
ومعنى الآية: ليس (٣) الأمر كما ذكرتم، بل تمسُّكم النار وتمسُّ غيركم دهرًا طويلًا، فكلُّ من أحاطت به خطيئته، وأخذت بجوانب إحساسه ووجدانه، واسترسل في شهواته، وأصبح سجين آثامه، فجزاؤه النار خالدًا فيها أبدًا؛ لما اقترف من أسبابها بانغماسه في الشهوات التي استوجبت ذلك العقاب.
وعبارة "العمدة" (٤): ﴿بَلَى﴾ تمسُّكم النار، وتخلدون فيها أبدًا ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ أي عمل شركًا ﴿وَأَحَاطَتْ﴾؛ أي: أحدقت ﴿بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ وذنوبه،
(٢) البحر المحيط.
(٣) المراغي.
(٤) العمدة.
٨٢ - ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾؛ أي: دائمون فيها، لا يموتون فيها ولا يخرجون منها. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله تعالى، وصدَّقوا بما جاء به محمد - ﷺ - بقلوبهم ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: وأطاعوا الله تعالى بأداء فرائضه، واجتناب محارمه ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾؛ أي: ملازموا الجنّة ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾؛ أي: مخلَّدون فيها، لا يموتون فيها ولا يخرجون منها أبدًا.
والمعنى (١): أي وأمَّا الذين صدَّقوا الله ورسله، وآمنوا باليوم الآخر، وعملوا صالح الأعمال، فأدُّوا الواجبات، وانتهوا عن المعاصي، فأولئك جديرون بدخول الجنّة؛ جزاءً وفاقًا على إخباتهم لربّهم، وإنابتهم إليه، وإخلاصهم له في السرّ والعلن.
وفي هذا دليلٌ على أنَّ دخول الجنّة منوطٌ بالإيمان الصحيح، والعمل الصالح معًا، كما روي: أنَّ النبي - ﷺ -، قال لسفيان بن عبد الله الثقفي - رضي الله عنه - وقد قال له: يا رسول الله؛ قل لي في الإِسلام قولًا، لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: "قل آمنت بالله ثم استقم" رواه مسلم. وقد جرت سنّة الله في القرآن، أن يَشْفَع الوعد بالوعيد؛ مراعاةً لما تقتضيه الحكمة في إرشاد العباد من الترغيب تارةً، والترهيب أخرى، والتبشير مرّة، والإنذار أخرى؛ إذ باللُّطف والقهر يَرْقَى الإنسان إلى درجة الكمال، ويفوز برضوان الله، وحسن توفيقه ورضوان الله أكبر. وأتى (٢) في الشقّ الأوّل؛ أعني: أصحاب النار، بالفاء دون
(٢) الفتوحات.
٨٣ - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ في التوراة، والميثاق: العهد المؤكَّد باليمين، وهو قسمان: عهد خلقة وفطرةٍ، وعهد نبوّةٍ ورسالةٍ، وهو المراد هنا، وهذا العهد أخذ عليهم وجعل على لسان موسى، وغيره من أنبيائهم. قال أبو السعود: وهذا شروع في تعداد بعضٍ آخر من قبائح أسلاف بني إسرائيل، بما ينادي بعدم إيمان أخلافهم. وكلمة ﴿إِذْ﴾ نصبت بإضمار فعل خوطب به اليهود الموجودون في عهد النبي - ﷺ -؛ توبيخًا لهم بسوء صنيع أسلافهم، تقديره: واذكروا يا بني إسرائيل! الموجودين في عهد محمد - ﷺ - إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل الموجودين في زمن موسى عليه السلام، الذين هم أسلافكم وأصولكم، أو خوطب به النبيُّ - ﷺ - والمؤمنون؛ ليؤدِّيهم التأمُّل في أحوالهم إلى قطع الطمع في إيمان أخلافهم؛ لأنَّ قبائح أسلافهم ممَّا يؤدِّي إلى عدم إيمانهم، ولا تلد الحيّة إلّا الحيَّة، ومن ها هنا قل: إذا طاب أصل المرء طابت فروعه؛ أي: واذكروا يا أيها الرسول والمؤمنون! حين جعلنا عليهم الميثاق.
ثم بيَّن الميثاق، فقال: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى؛ أي: بأن لا تعبدوا إلّا الله تعالى، ولا تشركوا به شيئًا؛ أي: فاعبدوه دون غيره؛ لأنّه المستحقّ للعبادة، فلمّا أسقط (أن) رفع تعبدون لزوال الناصب، أو على أن يكون إخبارًا بمعنى النهي؛ أي: لا تعبدوا إلّا الله، ولا تجعلوا الألُوهيَّة إلّا لله، كأنَّ المخاطب سيمتثل النهي حتمًا، ويسارع إلى الترك، فيخبر به الناهي، وقيل: إنّه جواب قسم دلَّ عليه المعنى، كأنَّه قيل: واستحلفناهم، أو قلنا بالله لا تعبدون إلّا الله، وقد نهوا عن عبادتهم غير الله تعالى، مع أنّهم كانوا يعبدون الله خوفًا من أن يشركوا به سواه، من ملك، أو بشر، أو صنم بدعاء، أو غيره من أنواع العبادات، ودين الله على ألسنة الرسل جميعًا، فيه الحثُّ على عبادة الله وعدم
وقرأ عبدُ الله، وأُبيٌّ: ﴿لا تعبدوا﴾ بصريح النهي، وهذه قراءة شاذة، ﴿و﴾ تحسنون ﴿بالوالدين إحسانًا﴾ على لفظ تعبدون؛ لأنّه إخبارٌ، أو وأحسنوا بالوالدين إحسانًا على معناه؛ لأنّه إنشاءٌ؛ أي: وأحسنوا بالوالدين، وإنْ عَلَيا إحسانًا كثيرًا؛ أي (٣): برًّا، وعطفًا، ورحمةً لهما، ونزولًا عند أمرهما فيما لا يخالف أمر الله تعالى، ويوصل إليهما ما يحتاجان إليه ولا يؤذيهما ألبتة، وإن كانا كافرين، بل يجب عليه الإحسان إليهما، ومن الإحسان إليهما. أن يدعوهما إلى الإيمان بالرفق واللين، وكذا إن كانا فاسقين، يأمرهما بالمعروف بالرفق واللين من غير عُنْفٍ.
وإنّما عطف (٤) برّ الوالدين على الأمر بعبادة الله تعالى؛ لأنَّ شكر المنعم واجبٌ، ولله على عبده أعظم النعم؛ لأنّه أوجده بعد العدم، فيجب تقديم شكره على شكر غيره، ثُمَّ إنّ للوالدين على الولد نعمةً عظيمة؛ لأنّهما السبب في وجوده، ولهما عليه حقُّ التربية أيضًا، فحقُّهما يلي حقّ المنعم بالوجود الحقيقيِّ. وقد جاء في التوراة: أنَّ من يسبَّ والديه يقتل. والحكمة في البرّ بهما: أنّهما قد بذلا للولد وهو صغير كُلَّ عنايةٍ وعطفٍ، بتربيته، والقيام بشؤونه حين كان عاجزًا
(٢) النسفي.
(٣) الخازن.
(٤) جمل.
ولِحُبِّ الوالدين لولدهما أسبابٌ:
١ - الحنان الفِطريُّ الذي أودعه الله فيهما، إتمامًا لحكمته في بقاء الأنواع إلى الأمد الذي قدَّره في سابق علمه.
٢ - التفاخر بالأبناء، كما قال ابن الروميِّ:
| وَكَمْ أبٍ قَدْ عَلاَ بابْنٍ ذُرَى شَرَفِ | كَمَا عَلَتْ بِرَسُولِ الله عَدْنَانُ |
| أحسن إلى الناسِ تَسْتَعْبِد قُلُوبهم | فَطالمَا اسْتَعْبَدَ الإنْسَانَ إحسانُ |
ونظام الفطرة (١) قاضٍ بأنَّ صلة القرابة أَمْتَنُ الصِلات، وجاء الدين حاثًّا عليها، مؤكِّدًا لأوَاصِرها، مقوِّيًا لأركانها، مقدِّمًا لحقوقها على سائر الحقوق بحسب درجات القرابة، وعَطَف على برِّ الوالدين بر ذوي القربى؛ لأنَّ حقَّ القرابة تابعٌ لحقّ الوالدين، والإحسان إليهم إنّما هو بواسطة الوالدين ﴿و﴾ أحسنوا بـ ﴿اليتامى﴾ أو وتحسنون إلى ﴿اليتامى﴾، بأن (٢) تتعطَّفوا عليهم بالرأفة والرحمة
(٢) العمدة.
والحكمة في وجوب الإحسان إلى اليتيم: أنّه لا يجد في الغالب من تبعثه العاطفة على تربيته، والقيام بشؤونه، وحفظ أمواله، والأُمُّ وإن وُجدت، تكون في الغالب عاجزةً عن تنشئته وتربيته التربيةَ المُثْلى، إلى أنَّ الأيتام أعضاءٌ في جسم الأُمة، فإذا فسدت أخلاقهم، وساءت أحوالهم، تسرَّب الفساد إلى الأُمَّة جمعاء، إذ يُصْبِحُون قُدْوةً سيّئةً بينَ نَشئْها، فيدِبُّ فيها الفساد، ويتطرَّقُ إليها الانحلال، وتأَخذ في الفناء ﴿و﴾ أحسنوا بـ ﴿المساكين﴾ أو وتحسنون إلى ﴿المساكين﴾ المتذلِّلين من الفاقة والحاجة، وعجزوا عن الكسب بأن تُواسوهم، وتؤتوهم حقوقَهم التي فُرض لهم في أموالكم، جمع مسكين بوزن مفعيل من السكون، كأنَّ الفقر أسكنه عن الحراك؛ أي: الحركة، وأثقله عن التقلّب، والمراد بهم (١): ما يشمل الفقراء، فإنّ الفقير والمسكين متى اجتمعا افترقا، ومتى افترقا اجتمعا، وإنّما تأخَّرت درجة المساكين عن اليتامى؛ لأنّه قد يُمْكِن أن ينتفع بنفسه، وينفع غيره بالخدمة، بخلاف اليتيم، فإنّ الصغر مانعٌ له من ذلك، والحاصل: أن الإحسان إلى المساكين يكون بالصدقة عليهم، ومواساتهم حين البأس والضراء. روى مسلم، عن أبي هريرة أنّ النبي - ﷺ - قال: "الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله" وأحسبه قال: "وكالقائم لا يفتر، والصائم لا يفطر" ﴿و﴾ قلنا لهم ﴿قولوا للناس﴾ عمومًا قولًا ﴿حُسْنًا﴾ ونَحْوُه الحديثُ: "وخالق الناس بخلق حسن" وسمَّاه حسنًا بفتحتين مبالغةً، لفرط حسنه؛ أي: هو حسنٌ في
وقيل المعنى: قولوا للناس صدقًا وحقًّا في شأن محمد - ﷺ -، فمن سألكم عنه فاصدقوه وبيِّنوا صفته، ولا تكتموها، كما قاله ابن عباس - رضي الله عنهما - إن كان الخطاب للحاضرين في زمن النبي - ﷺ -، وفي القيام بهذه الفرائض إصلاحٌ لحال المجتمع، وسعيٌ في رُقيِّه وتقدُّمه حتى يبلغ ذروة المجد والشرف. وقرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب (٢): ﴿حَسَنًا﴾ بفتحتين على أنّه صفة مشبهة لمصدر محذوف، تقديره: وقولوا للناس قولًا حسنًا. وقرأ الباقون: ﴿حُسْنًا﴾ بضمّ الحاء وسكون السين على أنّه مصدر وصف به مبالغةً. وقرأ عطاء بن أبي رباح، وعيسى بن عمر: ﴿حُسُنًا﴾ بضمّهما، فضمّة السين اتباع بضمّة الحاء، وهي قراءة شاذة. وقرأ أبي، وطلحة بن مصرف: ﴿حُسْنَى﴾ على وزن فُعْلى على أنّه مصدر كالرُّجْعَى، والعُقْبَى، والبشرى. وقرأ الجحدريّ: ﴿إحسانًا﴾ على أنّه نعت لمصدر محذوف؛ أي: قولًا إحسانًا، وإحسانًا مصدرٌ من أحسن الذي همزته للصيرورة؛ أي: قولًا ذا حسنٍ، كما تقول أعشبت الأرض إعشابًا؛ أي: صارت ذات عُشْبٍ.
وبعد أن أمرهم سبحانه بعبادته وحده على سبيل الإجمال، فصَّل بعضًا من ذلك ممَّا لا يُهتدى إليه إلّا بهُدًى إلهيّ، ووحيٍ سماويٍّ، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؛ أي: أدّوا الصلاة التي فرضت عليكم في ملتكم وشريعتكم، فقبلتم
(٢) البحر المحيط بتصرف.
وذكر الصلاة والزكاة مع دخولهما في عموم العبادة المذكور أوّلًا، من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ؛ إظهارًا لمزيته وفضله على غيره؛ لأنَّ الصلاة أفضل عبادات البدن، والزكاة أفضل عبادات المال؛ لأنّ الصلاة هي التي تصلح النفوس، وتنقّيها من أدران الرذائل، وتحلِّيها بأنواع الفضائل، وروحها هو الإخلاص لله، والخشوع لعظمته وسلطانه، فإن فقدته كانت صورًا ورسومًا لا تغني فتيلًا، وهم ما تولَّوا ولا أعرضوا عن تلك الصُّور والرسوم إلى عصر التنزيل ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ أي: وأعطوا الزكاة المفروضة عليكم في ملّتكم، أو ادفعوا زكاة أموالكم إلى المُسْتَحقّين؛ لما (١) في الزكاة من إصلاح شؤون المجتمع، وقد كان لهم ضروبٌ من الزكاة:
منها: مالٌ خاصٌّ يؤدَّى لآل هارون، وهو إلى الآن في اللَّاوِيِّين - سبطٌ من أسباطهم -.
ومنها: مالٌ للمساكين.
ومنها: ما يؤخذ من ثمرات الأرض.
ومنها: سَبْتُ الأرض، وهو تركها في كلِّ سبع سنين مرَّةً بلا حرث ولا زرعٍ، وكل ما يخرج منها في تلك السنة فهو صدقةٌ.
ولمَّا أمرهم الله تعالى بهذه التكاليف الثمانية لتكون لهم المنزلة عنده بما التزموا به، أخبر عنهم أنّهم ما وَفَوا بذلك بقوله: ﴿ثُمَّ﴾ بعدما قبلتم الميثاق أوّلًا ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ وأعرضتم، ورفضتموه ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾؛ أي: إلّا قليلًا من أسلافكم، وهم الذين أقاموا اليهوديَّة على طريقتها قبل النسخ، أو من أخلافكم،
وقيل هذه الجملة: تذييليَّةٌ (٢)؛ أي: وأنتم قومٌ عادتكم الإعراض عن الطاعة، ومراعاة حقوق الميثاق، وليس الواو للحال؛ لاتحاد التولِّي والإعراض، فالجملة اعتراضٌ؛ للتأكيد في التوبيخ، وأصل الإعراض: الذهاب عن المواجهة، والإقبال إلى جانب العرض. وعبارة المراغي: وفي قوله: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ مبالغةٌ (٣) في الترك المستفاد من التولّي؛ لأنّ الإنسان قد يتولَّى عن شيء وهو عازمٌ على أن يعود إليه، ويؤدِّي ما يجب عليه، فليس كُلُّ من تولَّى عن شيء يكون معرضًا عنه، وقد كان من تولّيهم وإعراضهم، أن تخذوا الأحبار والرهبان أربابًا مشرِّعين، يُحِلُّون، ويحرّمون، ويبيحون، ويحظرون، ويزيدون، ما شاءوا من الشعائر والمناسك الدينيَّة، فكأنّهم شركاء لله، يشرِّعون لهم ما لم يأذن به الله، كما كان من توّليهم أن بخلوا بالمال في الواجبات الدينيَّة، كالنفقة على ذوي القربى، وأداء الزكاة، وتركوا النهي عن المنكر، إلى نحو ذلك بما يدل على الاستهتار بأمور الدين.
وفائدة ذكر قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾؛ إفادة عدم بخس العاملين حقَّهم،
(٢) روح البيان.
(٣) المراغي.
فصلٌ فيما يتعلَّق بهذه الآية
واعلم: أنَّ في هذه الآية عدَّة أشياء (٢):
منها: العبادة، فمِنْ شَرْط العُبودية: تفَرُّد العبد لعبادة المعبود، وتجرُّده عن كل مقصود، فمن لاحظ خلقًا، أو استحلى ثناءً، أو استجلب بطاعته إلى نفسه حظًّا من حظوظ الدنيا والآخرة، أو داخله بوجهٍ من الوجوه مزجٌ، أو شوبٌ، فهو ساقطٌ عن مرتبة الإخلاص برؤية نفسه.
ومنها: الإحسان إلى الوالدين، وقد عظَّم الله حقَّ الوالدين، حيث قرن حقَّه بحقّهما في آياتٍ من القرآن؛ لأنَّ النَّشْأة الأولى من عند الله سبحانه، والنشأة الثانية وهي التربية من جهة الوالدين، ويقال: ثلاث آيات أنزلت مقرونةً بثلاث آيات، ولا تقبل إحداها بغير قرينتها إحداها، قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ والثانية: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ والثالثة ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ والإحسان إلى الوالدين معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، والامتثال إلى أمرهما، وصلة أهل وُدِّهما، والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما. وفي "التأويلات النجمية": إنّ في قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إشارةٌ إلى أنَّ أعزَّ الخلق على الولد والداه، لأجل أنَّهما سُدَا وجوده في الظاهر، ولكن ينبغي أن يحسن
(٢) روح البيان.
وقال - ﷺ -: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنّة". وأشار بالسبابة والوسطى، والسبابة من الأصابع هي التي تلي الإبهام، وكانت في الجاهليّة تدعى بالسبَّابة؛ لأنّهم كانوا يسبُّون بها، فلما جاء الله بالإِسلام كرهوا هذا الاسم، فسمَّوها بالمشيرة؛ لأنّهم كانوا يشيرون بها إلى الله بالتوحيد، والمُشيرة من أصابع رسول الله - ﷺ - كانت أطول من الوسطى، ثم الوسطى أقصر منها، ثمّ البنصر أقصر من الوسطى، فقوله - ﷺ -: "أنا وهو كهاتين في الجنة" وقوله في الحديث الآخر: "أُحْشر أنا، وأبو بكر، وعمر يوم القيامة هكذا". وأشار بأصابعه الثلاث، فإنّما أراد ذكر المنازل والإشراف على الخلق، فقال: نحشر هكذا، ونحن مشرفون، وكذلك كافل اليتيم يكون له منزلةٌ رفيعةٌ، فمن لم يعرف شأن أصابع رسول الله - ﷺ - حمل تأويل الحديث على الانضمام، واقتراب - بعضهم من بعض في محل القربة، وهذا معنى بعيد؛ لأنّ منازل الأنبياء، والمرسلين، والصدّيقين، والشهداء، والصالحين، مراتب متباينة، ومنازل مختلفةٌ. كذا في "تفسير القرطبي".
ومنها: البِرُّ إلى المساكين، وهم الذين أسكنتهم الحاجة وذلَّلتهم، وهذا يتضمَّن الحضَّ على الصدقة، والمواساة، وتفقد أحوال المساكين والضعفاء، وفي الحديث: "السَّاعي على الأرملة والمساكين، كالمجاهد في سبيل الله" وكان طاووسٌ يرى السعي على الأخوات، أفضل من الجهاد في سبيل الله.
الإعراب
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾.
﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ الهمزة فيه للاستفهام الاستبعاديّ، وتدخل على ثلاثة من حروف العطف، الفاءُ كما هنا، والواو كقوله الآتي: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾، وثُمَّ كقوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾. واختلف في مثل هذه التراكيب بين الجمهور والزمخشري، فذهب الجمهور: إلى أنّ الهمزة مقدّمة من تأخير؛ لأنّ لها الصدر، ولا حذف في الكلام، والفاء زائدة عندهم، والتقدير:... (أتَطُمْعَوُن) و (أَلاَ يعلمون)، و (ثُمَّ إذا ما وقع). وذهب الزمخشري: إلى أنها داخلة على محذوف دلَّ عليه سياق الكلام، والتقدير هنا: أتسمعون أخبارهم، وتعلمون أحوالهم، فتطمعون في إيمانهم. انتهى من "أبي السعود". ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ الهمزة فيه للاستفهام الإنكاريِّ، المضمّن للنهي داخلة على محذوف، والفاء عاطفة ما بعدها على ذلك المحذوف؛ أي: أتسمعون، وتعلمون أحوالهم فتطمعون ﴿تطمعون﴾ فعل وفاعل مرفوع بثبات النون، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة على كونها إنشائيّة، أو مستأنفة لا محل لها من الإعراب، والمعنى: لا تطمعوا في إيمان هؤلاء العتاة الجفاة القاسية قلوبهم، ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر ﴿يُؤمِنُوا﴾ فعل وفاعل منصوب
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦)﴾.
﴿وَإِذَا لَقُوا﴾ الواو استئنافية أو عاطفة ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان في محل النصب على الظرفية متعلّق بالجواب الآتي ﴿لَقُوا الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجرّ مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب إذا لا
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾.
﴿أَوَلَا﴾ الهمزة للاستفهام التقريريّ المضمّن للتوبيخ داخلة على محذوف، والاستفهام التقريري: هو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقرّ عنده ثبوته، مع التوبيخ والتقريع له، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره:
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾.
﴿وَمِنْهُمْ﴾ الواو عاطفة أو استئنافية منهم جار ومجرور خبر مقدّم ﴿أُمِّيُّونَ﴾ مبتدأ مؤخّر مرفوع بالواو؛ لأنّه جمع مذكر سالم، تقديره: وأمّيون كائنون منهم، والجملة الإسمية مستأنفة، أو في محل النصب على الحالية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ وقال أبو السعود: هذه الجملة معطوفة على الجمل الثلاث الحالية؛ لمشاركتها لهنّ، فإنّ مضمونها مناف لرجاء الخير منهم، وإن لم يكن فيها ما يحسم مادة الطمع في إيمانهم، كما هو مضمون الجمل الثلاث، فإن الجهل بالكتاب في منافاة الإيمان ليس بمثابة تحريف كلام الله تعالى، ولا بمثابة النفاق، ولا بمثابة النهي عن إظهار ما في التوراة. اهـ. ﴿لَا﴾ نافية ﴿يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الرفع صفة لأمّيون، تقديره: ومنهم أمّيون عادمون علم الكتاب ﴿إلّا﴾ أداة استثناء منقطع بمعنى لكن ﴿أَمَانِيَّ﴾ منصوب على الاستثناء، ولكن بعامل محذوف، تقديره: لكن يعتقدون أماني، كما أشار إليه البيضاوي في "الحلّ"، ولا يصحّ نصبه بيعلمون؛ لأنّ إدراك الأماني؛ أي: الأكاذيب لي علمًا، بل هو جهل مركّب، أو اعتقاد ناشيء عن تقليد. اهـ. "جمل". ﴿وَإِنْ﴾ والواو استئنافية، أو حالية ﴿إِنْ﴾ نافية لا عمل لها عند الجمهور؛
| إن هو مستوليًا على أحد | إلّا على أضعف المجانين |
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾.
﴿فَوَيْلٌ﴾ الفاء استئنافية، أو فصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدّر، تقديره: إذا عرفت هؤلاء اليهود يسمعون كلام الله، ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه، وأردت بيان عاقبة من فعل ذلك، فأقول لك: ويل للذين يكتبون الكتاب ﴿ويل﴾ مبتدأ مرفوع، وسوّغ الابتداء بالنكرة ما فيه من معنى الدعاء ﴿لِلَّذِينَ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو في محل النصب مقول لجواب إذا المقدّرة، وجملة إذا المقدّرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة صلة الموصول ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بيكتبون ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب ﴿يَقُولُونَ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿يَكْتُبُونَ﴾ على كونه صلة الموصول ﴿هَذَا﴾ مبتدأ ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلقّ بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ليقولون ﴿لِيَشْتَرُوا﴾ اللام حرف جرّ وتعليل ﴿يشتروا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي ﴿به﴾ جار ومجرور متعلق بيشتروا ﴿ثَمَنًا﴾ مفعول به ﴿قَلِيلًا﴾ صفة لثمنا، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لاشترائهم به ثمنًا قليلًا، الجار والمجرور
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ الواو استئنافية ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿لَنْ﴾ حرف نفي ونصب ﴿تَمَسَّنَا﴾ فعل مضارع ومفعول به منصوب بلن ﴿النَّارُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرّغ ﴿أَيَّامًا﴾ منصوب على الظرفية الزمانيّة بالفعل المذكور قبله متعلق به، والتقدير: لن تمسّنا النار أبدًا إلّا في أيام قلائل يحصرها العدّ؛ لأنّ العدّ يحصر القليل ﴿مَعْدُودَةً﴾ صفة ﴿أَيَّامًا﴾ ﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد - ﷺ -،
﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾.
﴿بَلَى﴾ حرف جواب يجاب بها النفي، فيصير إثباتًا بخلاف نعم، وجير، وأجل، وإيْ، فإنها لتقرير ما قبلها إثباتًا أو نفيًا ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ أوّل، ويصحّ كونها شرطيّة في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله ﴿كَسَبَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر صلة لمن الموصولة، أو في محل الجزم بمن الشرطيّة على كونها فعل شرط لها ﴿سَيِّئَةً﴾ مفعول به ﴿وَأَحَاطَتْ﴾ الواو عاطفة ﴿أحاط﴾ فعل ماض،
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إذْ﴾ ظرفٌ لما مضى من الزمان في محل النصب معطوفة على ﴿نِعْمَتِيَ﴾ كالظروف السابقة ﴿أَخَذْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل
التصريف ومفردات اللغة
﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ الطمع: تعلق النفس بإدراك مطلوب تعلقًا قويًّا، وهو أشدّ من الرجاء؛ لأنّه لا يحدث إلّا عن قوّة رغبة، وشدّة إرادة، وإذا اشتدّ صار طمعًا، وإذا ضعف كان رغبة ورجاء، يقال: طمع يطمع طمعًا وطماعة وطماعية مخفّفًا، كطواعية، كقول الشاعر:
واسم الفاعل طَمِعٌ وطامعٌ، ويعدَّى بالهمزة، ويقال: طامعه مطامعةً، ويقال: طمُع بضم الميم كثر طمعه، وضِدُّ الطمع اليأس، قال كُثيِّرٌ:
| لاَ خَيْرَ في الحُبِّ وَقْفًا لا يُحرِّكُهُ | عَوَارِضُ اليَأْسِ أوْ يَرْتَاجُهُ الطَّمَعُ |
﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ والفريق: اسم جمع لا واحد له من لفظه، كرهط، وقوم. اهـ. "سمين".
﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ والكلام: هو القول الدالُّ على نسبةٍ إسناديَّةٍ مقصودةٍ لذاتها، ويطلق أيضًا على الكلمة، ويُعبَّر به أيضًا عن الخَطِّ والإشارة، وما يفهم من حال الشيء، وهل يطلق على المعاني القائمة بالذهن التي يعبّر عنها بالكلام في ذلك خلاف، ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ التحريف: إِمالة الشيء من حال إلى حال، والحرف الحدُّ المائل. ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾ والتحديث: الإخبار عن حادث، ويقال منه: يُحدِّث، وأصله: من الحدوث، وأصل فعله أن يتعدَّى إلى واحد بنفسه، وإلى آخر بعن، وإلى ثالثٍ بالباء، فقال: حدثت زيدًا عن بكر بكذا، ثم إنه قد يضمَّن معنى أعلم المنقولة من علم المتعدّية إلى اثنين، فيتعدَّى إلى ثلاثة، ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ والفتح: القضاء بلغة اليمن، ومنه الفتَّاح العليم والإِذْكَار، ومنه فتَحَ على الإِمام والظفُرُ، فمنه ﴿فقد جاءكم الفتح﴾. قال الكلبي: وبمعنى القصص. قال الكسائي: وبمعنى التبيين. قال الأخفش: وبمعنى المنِّ، وأصل الفتح: خرق الشيء، والسدُّ ضدُّه.
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أصلُ لقوا: لقيوا بوزن فعلوا، استثقلت الحركة على الياء فحذفت للتخفيف، فسكنت الياء لمَّا حذفت حركتها، فالتقت ساكنةً مع واو الجماعة فحذفت، ثُمَّ ضُمّت القاف؛ لمناسبة الواو، فصار وزنها فَعُوا بعد أن كان فعلوا، كما مرّ ﴿خَلَا﴾ أصله: خلَوَ من الخلوة فعلٌ ناقصٌ، واويُّ اللام، قُلبت الواو ألفًا؛ لتحرّكها بعد فتح، ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أصله يحاجِّجونكم حذفت نون الرفع لمَّا دخلت لام التعليل على الفعل، ونصب بأن
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ جمع أُمِّي، والأمّيُّ: هو الذي لا يقرأ في كتاب ولا يكتب، نسب إلى الأُمّ؛ لأنه ليس من شغل النساء أن يكتبن، أو يقرأن في كتاب، أو لأنه بحال ولدَتْه أُمُّه لم ينتقل عنها، أو نسب إلى الأمّة وهي القامة والخلقة، كأنَّ الذي لا يكتب ولا يقرأ قائمٌ على الفطرة والجِبلَّة، أو إلى الأُمَّة، إذ هي سَاذجَةٌ قبل أن تَعِرف المعارف ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ الأماني: جمع أُمنيَّة بضم الهمزة، وكسر النون، وتشديد الياء، وأصلها: أُمْنُوية بوزن أفُعولة، اجتمعت الواو والياء، وسُبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، وكسرت النون؛ لمناسبة الياء، فجمعت على أفاعيل، وما روي من تخفيفها فجَمْعُه على أفاعِل، كما يقال: في جمع مفتاح مفاتحِ، وكأنَّ من قرأ بالتخفيف لم يعتد بحرف المدّ الذي في المفرد، كما مرّ مِن مَنَى إذا قدَّر؛ لأنّ المُتَمنِّي يقدِّر في نفسه، ويَحْزَرُ ما يتمنَّاه، أو من تمنَّى إذا كذب، قال أعرابي لابن دأبٍ في شيء حدَّث به: أهذا شيء رويته أم تمنيته؟ أي: اختلقته، وقال عثمان رضي الله عنه: ما تمنيت ولا تغنيت منذ أسلمت، أو من تمنَّى إذا تلا، قال تعالى: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾؛ أي: إذا تلا وقرأ، وقال الشاعر:
| تَمَنَّى كِتابَ الله أوَّل لَيْلهِ | وآخِرَه لاقَى حِمَامَ المَقَادِرِ |
| وَلاَ تَقُولَنَّ لشيءٍ سَوْف أَفْعَلُه | حتَّى تَبَيَّنَ ما يُمْنِي لَكَ المَانِي |
| ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْر خِدْرَ عُنيزةٍ | فقالَتْ لك الوَيْلاَتُ إنّك مُرْجل |
فَويْلًا لِتَيْمٍ مِنْ سَرابِيْلها الخُضْرِ
والوَيْلُ معناه: الفضيحة والحسرة، وقال الخليل: الوَيْلُ: شِدَّةُ الشرِّ، وقال غيره: الويل: الهلكة، وكُلُّ مَنْ وقع في هلكةٍ دعا بالوَيْلِ، وقال الأصمعيُّ: هي كلمة تفجُّعٍ، وقد يكون ترحُّمًا، ومنه قوله:
وَيْلَ أُمِّه مِسْعَرُ حَرْبِ
﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ والأيدي جمع يدٍ، ويدٌ مما حذف منه اللام، كدم، ووزنه فعلٌ، وقد صرح بالأصل، فقالوا يَدْيٌ، وقد أبدلوا من الياء الأولى همزة، قالوا: قطع الله أَدْيَهُ، وأبدلوا منها أيضًا جيمًا، قالوا: لا أفعل ذلك جَدَ الدهر، يريدون يد الدهر، وهي حقيقةٌ في الجارحة مجازٌ في غيرها، وأمَّا الأيادي فجمع الجمع، وأكثر استعمال الأيادي في النعم، وأَصْلُ الأيْدي أيْدُي، استثقلت الضمّةُ على الياء، فحذفت، فسكنت الياء، وقبلها ضمّةٌ، فانقلبت واوًا، فصار الأيْدُوُ، كما قيل: في مِيقنٍ موقِنٌ، ثمّ إنّه لم يوجد في لسانهم واوٌ ساكنةٌ قبلها ضمَّةٌ في اسم، وإذا أدَّى القياسُ إلى ذلك قُلِبَت تلك الواو ياءً، وتلك الضمَّةُ قبلها
فأكْسَبَني مَالًا وأكْسبته حمدًا
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ المَسُّ: الإصابة، المسُّ: الجمع بين الشيئين على نهاية القرب، واللَّمْسُ مثله لكن مع الإحساس، وقد يجيءُ المسُّ مع الإحساس، وحقيقة المسّ واللَّمس باليد، ونقل من الإحساس إلى المعاني، مثل: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ كـ ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ ومنه سمّي المجنون مسًّا.
وقيل: المسُّ واللَّمْسُ والجسُّ متقاربٌ، إلّا أنّ الجسَّ عامٌ في المحسوسات، والمسُّ فيما يخفى ويدقُّ، كنَبْضِ العروق، والمسُّ واللَّمْسُ بظاهر البشرة، والمَسُّ كنايةٌ عن النكاح وعن الجنُون، وقد تقدّم أنَّ ﴿النَّارُ﴾ ألفها منقلبةٌ عن واو؛ بدليل تصغيرها على نويرة، وأصل أيَّامٍ: أيوامٌ بوزن أفعال، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياءً، وأدغمت الياء في الياء فصار أيَّامًا. المعدود: اسم مفعول من عدَّ بمعنى حَسَب، والعدد هو الحساب.
﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ ﴿قُلْ﴾ فيه إعلال بالحذف، أصله: قُوْلْ، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين ﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ حذفت منه همزة الوصل؛ للاستغناء عنها بهمزة الاستفهام؛ لأنّها إنّما جيء بها للتوصُّل إلى النُّطق بالساكن، وهمزة الاستفهام حصل بها ذلك، وتقدَّم الكلام على مادَّة الاتخاذ عند الآية: (٥١)، والإخلاف عدم الإيفاء بالشيء الموعود.
فائدة: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ بلى حرف جواب، مثل: نعم، وجير، وأجل، وإي، والفرق بينها وبين بلى: أنَّ بلى جواب لنفي متقدّمٍ، أي: إبطالٍ،
| بَلَى سَوْفَ نُبْكِيْهِمْ بِكُلِّ مُهَنَّدِ | وَنُبْكِي نُمَيْرًا بالرِّمَاحِ الخَواطِرِ |
| ألا فَاسْأَل الجَحَّافَ هَلْ هُوَ ثَائِرٌ | بِقَتْلَى أُصِيْبَتْ مِنْ نُميْر بنِ عَامِرِ |
وأمَّا حَسَنٌ بفتحتين على قراءة حمزة والكسائي، فهو صفة مشبَّهة لا مصدرٌ، كما فهم من عبارة "القاموس"، فسقط ما للكرخي هنا.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أصله: أَقْوِمُوا بوزن أَفْعِلُوا، نقلت حركة الواو إلى القاف، فسكنت إثر كسرة، فقلبت ياءً حرف مدّ ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ آتوا أصله: أَأْتِيوا، أمرٌ من آتى الرباعيّ، حذفت منه نون الرفع لبناء الأمر، ثُمَّ أبدلت الهمزة الثانية الساكنة حرف مدّ مجانسًا لحركة الأولى، ثُمَّ استثقلت الضمة على الياء،
البلاغة
وقد تضمّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ استبعادًا لعدم قبولهم الإيمان مع مشاهدة الآيات الباهرة، وتسليةً للنبي - ﷺ -، وللمؤمنين؛ لأنّهم كانوا شديدي الحرص على إيمانهم.
ومنها: الإتيان بالجملة الحالية في قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ إفادةً لكمال قُبْحِ صنيعهم، وأنَّ تحريفهم للتوراة كان عن قصدٍ وتصميمٍ، لا عن جهل ونسيانٍ، ومن يرتكب المعصية عن علم يستحقُّ الذمَّ والتوبيخ، أكثر ممن ارتكبها وهو جاهل.
ومنها: الاستفهام بمعنى النهي في قوله: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾؛ لأنَّ المعنى: لا تحدِّثوهم يعنون المؤمنين.
ومنها: التعبير بالفتح في قوله: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ للإيذان بأنّه سِرٌّ مكنون، وبابٌ مغلقٌ لا يقف عليه أحدٌ.
ومنها: التوبيخ والعتاب في قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿يسرون ويعلنون﴾ حيث قابل بين لفظتي يسرّون ويعلنون، وهو نوع طباق الإيجاب.
ومنها: ذكر الأيدي في قوله: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ مع أنَّ الكتابة لا تكون إلّا بالأيدي؛ لدفع توهُّم المجاز بأنَّ المراد أَمْلَوْهُ لغيرهم، وللتأكيد بأنَّ الكتابة باشروها بأنفسهم، كما يقول القائل: كتبته بيميني وسمعته بأذني، وفيه الإطناب أيضًا لتصوير حالة الكتابة في النفس، كما وقعت، وتجسيدها أمام السامع حتى يكاد يكون مشاهدًا لها، ولتسجيل الأمر عليهم، كما تقول لمن ينكر معرفته: ما كتب ووقع أنت كتبته بيمينك.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾، وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ للتوبيخ، والتقريع، ولبيان أنَّ جريمتهم بلغت من القبح والشناعة الغاية القصوى.
ومنها: التهكُّم في قوله: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾؛ لأنّ الكسب حقيقةٌ في استجلاب النفع، فاستعماله في استجلاب الضُرّ، كالسيئة على سبيل التهكّم.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ حيث شبَّه الخطايا بعدوٍ نزل بقوم، وأحاطوا بهم من كل الجوانب إحاطة السِوَار بالمعصم، واستعار لفظة الإحاطة؛ لغلبة السيّئات على الحسنات، فكأنَّها أحاطت بها من جميع الجهات.
ومنها: الإشارة بعنوان الجمع في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ مراعاةً لجانب المعنى في كلمة (مَنْ) بعد مراعاة جانب اللفظ في الضمائر الثلاثة قبله.
ومنها: المقابلة بين فريقي الأشقياء والسعداء في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾.
ومنها: الإتيان بالفاء في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ دون قوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ إشارة إلى أنَّ خلود النار تسبَّب عن الكفر، بخلاف خلود الجنّة، فلا يتسبَّب عن الإيمان، بل بمحض فضل الله تعالى كذا قاله بعض الأشياخ. اهـ. "صاوي".
ومنها: الإتيان بالجملة الخَبَريَّة في قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ مرادًا بها النهي؛ لأنّها أبلغ من صريح النهي؛ لما فيه من الاعتناء بشأن المنهي عنه، وتأكُّد طلب امتثاله حتى كأنّه امتثل وأخبر عنه.
ومنها: الالتافات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ وفي قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ على قراءة التاء؛ لأن ذكر بني إسرائيل إنّما وقع بطريق الغيبة، ومن فوائد الالتفات: تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر والإملال؛ لما جبلت عليه النفوس من حبّ التنقُّلات، والسآمة
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)}.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى، لمَّا ذكر بني (١) إسرائيل في الآية السابقة بأهمّ ما أُمروا به، من إفراده تعالى بالعبادة، والإحسان إلى الوالدين وذي القربى، ثُمَّ بيَّن أنهم لم يأتمروا بذلك. ذكّرهم في هذه الآيات بأهم المنهيات التي أخذ عليهم العهد باجتنابها، ثم نقضوا الميثاق
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه الحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في "الدلائل" بسند ضعيف، عن ابن عباس قال: (كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلّما التقوا هزموا يهود، فعاذت يهود بهذا الدعاء: اللهمّ! إنّا نسألك بحقّ محمدٍ النبيّ الأمّي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلّا نصرتنا عليهم، فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا فيهزمون غطفان، فلمَّا بعث النبيُّ - ﷺ - كفروا به، فأنزل الله سبحانه ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيدٍ، أو عكرمة عن ابن عباس: (أنَّ يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله - ﷺ - قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء، وداود بن سلمة: يا معشر اليهود! اتَّقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمدٍ - ﷺ - ونحن أهل شرك، وتخبروننا بأنَّه مبعوثٌ، وتصفونه بصفته، فقال سلام بن مشكم أحد بني نضير: ما جاءنا بشيءٍ نعرفه، وما هو بالذي كنَّا نذكر لكم) فأنزل الله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ هو الآية.
التفسير وأوجه القراءة
٨٤ - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ وهذا شروع في بيان ما فعلوا بالعهد المتعلِّق بحقوق
الأوّل: لا يسفك بعضهم دماء بعضٍ.
الثاني: لا يخرج بعضهم بعضًا من ديارهم.
الثالث: لا يتظاهر بعضهم على بعض بالإثم والعدوان.
الرابع: إن وجد بعضهم بعضًا أسيرًا فداه ولو بجميع ما يملك.
والخطاب (٢) هنا لليهود المعاصرين له - ﷺ -، والمراد أسلافهم المعاصرون لموسى عليه السلام، على سنن التذكيرات السابقة.
أي: واذكروا أيّها اليهود المعاصرون لمحمد - ﷺ - وقت أن أخذنا الميثاق، وجعلنا العهد على آبائكم في التوراة، وقلنا لهم: ﴿لَا تَسْفِكُونَ﴾ ولا تريقون ﴿دِمَاءَكُمْ﴾ أي: لا يُرقْ بعضكم دم بعض، ولا يقتله ظلمًا وعدوانًا، فهو إخبارٌ بمعنى النهي، كأنّه سورع إلى الانتهاء فهو يخبر عنه، وإنّما جعل (٣) قتل الرجل غيره قتل نفسه؛ لاتصاله به نسبًا أو دينًا؛ أو لأنَّ من أراق دم غيره فكأنَّما أراق دم نفسه؛ لأنّه يوجب قصاصًا.
وقرأ الجمهور (٤): ﴿تَسْفِكُونَ﴾ بفتح التاء، وسكون السين، وكسر الفاء، وقرأ طلحة، وشعيب بن أبي حمزة كذلك، إلّا أنهما ضَمَّا الفاء، وقرأ أبو نهيك، وأبو مجلز بضمّ التاء، وفتح السين، وكسر الفاء المشدّدة، وقرأ ابن أبي إسحاق كذلك، إلّا أنّه سكَّن السين وخفف الفاء. قال أبو حيان: وظاهر قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾؛ أي: لا تفعلون ذلك بأنفسكم لشدَّةٍ تُصِيبكُم، وحَنَق يَلْحَقُكم،
(٢) الفتوحات.
(٣) الخازن.
(٤) البحر المحيط.
وقيل معناه: لا تسفكوا دماءَ الناس، فإنَّ من سَفك دماءهم سُفك دمه، قال الشاعر:
| سَقَيْناهُمُ كَأْسًا سَقُونَا بِمِثْلِهَا | وَلَكِنَّهم كانوا على الموت أصبرا |
قال ابن عطيّة: إن الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقًا أن لا يقتل بعضهم بعضًا، ولا ينفيه، ولا يسترقّه، ولا يدعه يُسترق، إلى غير ذلك من الطاعات. اهـ. ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ وأوطانكم، والديار: جمع دار، وهو المنزلة الذي فيه أبنية المقام، بخلاف منزل الارتحال؛ أي: لا يخرج (١) بعضكم بعضًا من منزله ووطنه، أو لا تسيئوا جوار من جاوركم، فتلجئوهم إلى الخروج من دياركم، أو لا تفعلوا ما تخرجون به أنفسكم من الجنّة التي هي داركم، أو لا تخرجون أنفسكم؛ أي: إخوانكم؛ لأنّكم كنفسٍ واحدةٍ، أو لا تفسدوا فيكون سببًا لإخراجكم من دياركم، كأنَّه يشير إلى تغريب الجاني، أو لا تفسدوا وتشاقوا الأنبياء والمؤمنين، فيكتب عليكم الجلاء، أقوالٌ ستّةٌ.
وفي اقتران الإخراج من الديار بالقتل (٢)، إيذانٌ بأنّه بمنزلة القَتْلِ.
(٢) روح البيان.
﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ ذلك الميثاق، وقبلتموه، واعترفتم بلزومه، وبوجوب المحافظة عليه، يعني: قَبِلَ ذلك الميثاق، وأقرّ به أسلافكم ﴿وَأَنْتُمْ﴾ أيّها المعاصرون لمحمدٍ - ﷺ - ﴿تَشْهَدُونَ﴾ على أسلافكم قَبُولَهم ذلك الميثاقَ والعهدَ، وتعلمون ذلك، أو المعنى؛ أي: ثمّ أقررتم بهذا الميثاق أيها الحاضرون المخاطبون، واعترفتم به، ولم تنكروه بألسنتكم، بل شهدتم به وأعلنتموه، فالحجة قائمةٌ عليكم، وقد يراد وأنتم أيها الحاضرون تشهدون على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق وقبوله، وشهودهم الوحي الذي نزل به على موسى عليه السلام، إِمَّا بالنقل المتواتر، وإمّا بما تتلونه في التوراة، وإن كان معنى الشهادة الحضور، فيتعيَّن أن يكون الخطاب لأسلافهم. وقال بعض المفسرين: ثمّ أقررتم عائدٌ إلى الخلق، وأنتم تشهدون عائد إلى السَّلفِ؛ لأنّهم عاينوا سَفْكَ دماءِ بعضهم بعضًا، وقال: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾؛ لأنَّ الأوائل والأصاغر صاروا كالشيء الواحد، فلذلك أطلق عليهم خطاب الحضرة. وقيل: إنَّ قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ تأكيدٌ للإقرار،
٨٥ - ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ مبتدأ ﴿هَؤُلَاءِ﴾؛ خبرٌ، أي: ثم بعد ذلك الإقرار والشهادة، أنتم أيها المعاصرون لمحمد - ﷺ -! هؤلاء المشاهدون، الحاضرون، الناقضون، الذين يخالفون ما أخذه الله تعالى عليهم في التوراة، فتقتلون أنفسكم وأهل دينكم مع المشركين إلى آخر الآية؛ يعني: أنكم - أيُّها المعاصرون لمحمد - ﷺ - قومٌ آخرون غير أولئك المقرّين الذين هم أسلافكم، وكأنّهم قالوا: كيف نحن، فقيل لهم: إنّكم ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: أهل دينكم مع حلفائكم من المشركين؛ أي: تقتلون الفريق الجارين مجرى أنفسكم باتحادكم في الدين، وهذا وما بعده من الإخراج، والمظاهرة، والمفاداة بيانٌ لقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾؛ لأنّ معنى قوله: ﴿أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ أنّكم على حالة أسلافكم من نقض الميثاق، وقال الزجاج: هؤلاء بمعنى الذين؛ أي: ثمّ أنتم الذين تقتلون أنفسكم... إلخ.
وقيل: ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿هَؤُلَاءِ﴾ منادى، حذف منه حرف النداء، وجملة ﴿تَقْتُلُونَ﴾ وما بعده خبرٌ له، والمعنى عليه، ثُمَّ بعد إقرار أسلافكم الميثاق، وشهادتكم على أسلافكم بقبول الميثاق، أنتم - يا هؤلاء المعاصرون لمحمد - ﷺ - تقتلون أنفسكم؛ أي: أهل دينكم مع المشركين، أي: ثُمَّ أنتم بعد ذلك التوكيد في الميثاق تنقضون العهد، فتقتلون أنفسكم؛ أي: يقتل بعضكم بعضًا، كما كان يفعل مَن قبلكم، مع أنّكم معترفون بأن الميثاق أخذ عليكم كما أخذ عليهم، ومن أمثلة ذلك: أنَّ بني قينقاع من اليهود كانوا حلفاء الأوس، وأعداءً لإخوانهم في الدين بني قريظة، كما كان بنو النضير حلفاء الخزرج، وكان الأوس والخزرج قبل الإِسلام أعداء يقتتلون، ومع كلٍّ حلفاؤه، وهذا ما نعاه الله على اليهود بقوله: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ كما سيأتي بسط هذه القصة عن السدّي.
وقرأ الجمهور ﴿تَقْتُلُونَ﴾ مخففًا من قَتَلَ الثلاثي. وقرأ الحسن ﴿تُقَتِّلونَ﴾ مشدَّدًا من قَتَّل الرباعيِّ، هكذا في بعض التفاسير، وفي تفسير المهدويّ: إنّها قراءة أبي نَهِيْك، قال: والزهريِّ والحسنِ ﴿تُقَتِّلونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ﴾ من قتَّلَ؛ يعني: مشدّدًا. والله أعلم بصواب ذلك.
| تَعاطسون جميعًا حولَ دارِكُمُ | فكلُّكُمْ يا بني حمدانَ مزكومُ |
والأسير: من أُخذ قهرًا، فهو فعيل بمعنى مفعول من الأسر بمعنى الشدِّ والإيثاق، كما سيأتي بسط الكلام فيه في مبحث اللغة. وقرأ الجمهور (١) ﴿أُسَارَى﴾ بضمّ الهمزة بوزن فعالى. وقرأ حمزة أسرى بفتح الهمزة بوزن فَعْلَى، وقوله: ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ جواب إن الشرطيّة؛ أي: تخرجوهم من الأسر بأعطاء الفداء، والمفاداة تجري بين الفادي وبين قابل الفداء. وقرأ عاصم (٢)، ونافع، والكسائي ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ بضمّ التاء وفتح الفاء، من فادى الرباعي. وقرأ الباقون ﴿تَفْدُوهُم﴾ بفتح التاء وسكون الفاء من فدى، ومعنى تفادوهم: تفدوهم إذ المفاعلة تكون من اثنين ومن واحدٍ، ففاعل بمعنى فعل المجرد وهو أحد معانيه وقيل: معنى فادى بادل أسيرًا بأسير، ومعنى فدى: دفع الفداء، ويشهد للأوّل قول العباس: (فادَيْتَ نَفسي وفاديت عقيلًا) ومعلوم أنّه ما بادل أسيرًا بأسير. وقيل: معنى تفدوهم بالصلح، وتفادوهم بالعنف. وقيل. تفادوهم: تطلبوا الفدية من الأسير، الذي في أيديكم من أعدائكم، ومنه قوله:
| قِفِي فَادِي أَسِيْرَكِ إنَّ قَوْمِي | وَقَوْمَكِ ما أَرَى لَهُمُ اجْتِمَاعَا |
والمعنى: أي وإن يقع ذلك الفريق الذي تخرجونه من دياره وقت الحرب حال كونه أسيرًا في يد حلفائكم المشركين، تُخلِّصونه من الأسر بدفع مال الفداء
(٢) البحر المحيط.
والمعنى (٢): أي وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم، والحال أنَّ الشأن محرَّم عليكم إخراجهم من ديارهم أوّل مرّةٍ، وذلك أنَّ الله سبحانه وتعالى، أخذ على بني إسرائيل في التوراة أربعة عهودٍ: ترك القتل؛ أي: أن لا يقتل بعضهم بعضًا، وترك الإخراج؛ أي: لا يخرج بعضهم بعضًا من ديارهم، وترك المظاهرة على أهل دينهم مع أعدائهم، وفك أسراهم من أيدي أعدائهم، وأيما عبدٍ، أو أمةٍ، وجدتموه من بني إسرائيل، فاشتروه، وأعتِقوه، فأَعْرَضوا عن الكلِّ إلّا الفداء.
وكان النضير (٣)، وقريظة أخوين، كالأوس والخزرج، فافترقوا، فكانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج حين كان بينهما ما كان من العداوة، فكان كُلُّ فريق يقاتل مع حلفائه، فإذا غلبوا خرَّبوا ديارهم، وأخرجوهم من ديارهم، ثُم إذا أُسِرَ رجلٌ من الفريقين فدوه، كما لو أُسِرَ واحدٌ من النضير، ووقع في يد الأوس، افتدته قريظة منهم بالمال، وهكذا يقال في عكس ذلك، وكانت الأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، ولا يعرفون جنّةً ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامةً، ولا كتابًا، ولا حلالًا، ولا حرامًا، يُعيِّرون قريظة والنضير، ويقولون لهم: كيف تقاتلونهم أوَّلًا ثم تفادونهم؟ فيقولون: أُمِرْنَا أن نفديهم، وحُرِّم علينا قتالهم، ولكن نستحي أن تُذَلَّ حلفاؤنا، فذمَّهم الله تعالى بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ﴾ ما في ﴿الْكِتَابِ﴾ والتوراة، وتصدِّقونه، وتمتثلونه وهو
(٢) العمدة.
(٣) المراح.
والهمزة في قوله (١): ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي المضمَّن للإنكار، داخلةٌ على محذوف يستدعيه المقام، والفاء عاطفةٌ على ذلك المحذوف، والتقدير: أتفعلون ذلك، فتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعضٍ، مع أنَّ قضيَّة الإيمان، الإيمان بالباقي؛ لكون الكل من عند الله تعالى داخلًا في الميثاق، فمناط التوبيخ كفرهم بالبعض مع إيمانهم بالبعض ﴿فَمَا جَزَاءُ﴾ نفي؛ أي: ليس جزاء ﴿مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾؛ أي: الكفر ببعض الكتاب مع الإيمان بالبعض ﴿مِنْكُمْ﴾ يا معشر اليهود: حالٌ من فاعل يفعل، ﴿إِلَّا خِزْيٌ﴾ استثناءٌ (٢) مفرع وقع خبرًا للمبتدأ؛ أي: ذُلٌّ وهوانٌ مع الفضيحة، وهو قتل بني قريظة، وأسرهم، وإجلاء بني النضير إلى أذرعات، وأريحا من الشام، وقيل: هو أخذ الجزية ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ صفة خزي، ولعلَّ بيان جزائهم بطريق القصر على ما ذكر؛ لقطع أطماعهم الفارغة من ثمرات إيمانهم ببعض الكتاب، وإظهار أنَّه لا أثر له أصلًا مع الكفر بالبعض ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: ويوم تقام فيه الأجزية، وهو عبارةٌ عن زمانٍ مُمْتَدٍّ إلى أن يفصل بين العباد، ويدخل أهل الجنّة الجنّة، وأهل النار النار، ﴿يُرَدُّونَ﴾؛ أي: يرجعون، والردُّ: الرَّجع بعد الأخذ ﴿إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ وهو التعذيب في جهنّم، وهو أشدُّ من خزيهم في الدنيا، وأشدُّ من كل عذاب كان قبله، فإنَّه ينقطع وهذا لا ينقطع، وفي الحديث: "فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة"، وإنّما كان أشدَّ؛ لما أنَّ معصيتهم كانت أشدَّ المعاصي.
(٢) روح البيان.
وقرأ الجمهور (١): ﴿يُرَدُّونَ﴾ بالياء، وهو مناسب لما قبله من قوله: ﴿مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾ ويحتمل أن يكون التفاتًا، فيكون راجعًا إلى قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ فيكون قد خرج من ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة. وقرأ الحسن، وابن الهرمز باختلاف عنهما (تُردُّون) بالتاء، وهو مناسبٌ لقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ ويحتمل أن يكون التفاتًا بالنسبة إلى قوله: ﴿مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾ فيكون قد خرج من ضمير الغيبة إلى ضمير الخطاب، وأشدُّ العذاب الخلود في النار، وأشديته من حيث إنه لا انقضاء له، أو أنواع عذاب جهنّم؛ لأنّها دركاتٌ مختلفةٌ، وفيها أوديةٌ، وحَيَّاتٌ، أو العذاب الذي لا فرح فيه ولا رَوح مع اليأس من التخلُّصِ، أو الأشدِّية بالنسبة إلى عذاب الدنيا، أو الأشدِّية بالنسبة إلى عذاب عامَّتهم؛ لأنّهم الذين أضلُّوهم ودلَّسُوا عليهم، أقوالٌ خمسةٌ. وقرأ نافع (٢)، وابن كثير، وأبو بكر: (عمّا يعملون) بالياء، والباقون بالتاء من فوق، فبالياء ناسب ﴿يُرَدُّونَ﴾ قراءة الجمهور، وبالتاء تُناسب قراءةَ ﴿تُردُّون﴾ بالتاء، فيكون المخاطب بذلك من كان مخاطبًا في الآية قبل، ويحتمل أن يكون الخطاب لأمّةِ محمد - ﷺ -، فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (إنَّ بني إسرائيل قد مضوا، وأنتم الذين تُعنَوْن بهذا يا أُمّة محمدٍ! وبما يجري مجراه). وهذه الآية من أوعظ الآيات إذ المعنى: إنّ الله بالمرصاد لكل كافرٍ وعاصٍ، ثُمَّ أكَّد عظيم حماقتهم وسيىء، إجرامهم، ثم شديد نكالهم على ما اجترحوا، فقال:
٨٦ - ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة التي منها الجمع بين
(٢) البحر المحيط.
وهذا (٤) إخبار من الله سبحانه وتعالى، بأنَّ اليهود لا يزالون في عذاب موفَّر، لازم لهم بالجزية، والصغار، والذلّة، والمهانة، فلا يُخفَّف عنهم ذلك أبدًا ما داموا، ولا يوجد لهم ناصر يدفع عنهم، ولا يثبت لهم نصر في أنفسهم على عدوِّهم.
واعلم: أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنعٌ غير
(٢) البيضاوي.
(٣) ابن كثير.
(٤) الشوكاني.
قال أبو حيان: وقد تضمّنت (١) هذه الآيات الكريمة من قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ إلى هنا، إخبار الله تعالى، أنّه أخذ الميثاق على بني إسرائيل بإفراد العبادة لله تعالى، والإحسان إلى الوالدين، وإلى ذي القربى، واليتامى، والمساكين، وبالقول الحسن للناس، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأنّهم نقضوا الميثاق بتولِّيهم، وإعراضهم، وأنه أخذ عليهم أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، وأنهم أقروا، والتزموا ذلك، فإن الميثاق الأول يتضمَّن الأوامر، والميثاق الثاني يتضمَّن النواهي؛ لأنَّ التكاليف الإلهيّة مبنيَّةٌ على الأوامر والنواهي، وكان البدء بالأوامر آكد؛ لأنّها تتضمَّن أفعالًا والنواهي. تتضمَّن تُروكًا، والأفعال أشقُّ من التروك، وكان من الأوامر: الأمر بإفراد الله بالعبادة وهو رأس الإيمان، إِذ مُتعلَّقه أشرف المتعلَّقات، فكان البدء به أولى، ثمَّ نعى عليهم التباسهم بما نهوا عنه، وإن كان قد تقدَّم إخباره أنَّهم خالفوا في الأوامر بقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ لأنَّ فعل المنهيات أقبح من ترك المأمورات؛ لأنَّها تروك، كما ذكرنا.
ثمّ قرَّعهم بمخالفة نواهي الله، وأنّهم مستعينون في ذلك بغير الحق، بل بالإثم والعدوان، ثمَّ ذكر تناقض آرائهم، وسخف عقولهم بفداء من أتى إليهم
٨٧ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾؛ أي: بالله لقد أعطينا يا بني إسرائيل ﴿مُوسَى﴾ بن عمران؛ أي: وعزّتي وجلالي، لقد أعطينا موسى بن عمران ﴿الْكِتَابَ﴾ أي: التوراة جملةً واحدةً.
ومناسبة هذه الآية لِمَا قبلها (١): أنّ إيتاء موسى الكتاب هو نعمة لهم، إذْ فيه أحكامهم وشرائعهم، ثُمَّ قابلوا تلك النعمة بالكفران، وذلك جَرْيٌ على ما سبق من عادتهم، إذ قد أمروا بأشياء ونهوا عن أشياء، فخالفوا أمر الله ونهيه، فناسب ذكْرُ هذه الآية ما قبلها، والإيتاء (٢): الإعطاء، فيحتمل أن يراد به الإنزال؛ لأنَّه أنزله عليه جملةً واحدةً، ويحتمل أن يراد آتيناه: أفهمناه ما انطوى عليه من الحدود، والأحكام، والأنباء، والقصص، وغير ذلك ممَّا فيه، فيكون على حذف مضاف؛ أي: آتينا موسى علم الكتاب، أو فهم الكتاب، وموسى هو نبيُّ الله موسى بن عمران صلى الله على نبيّنا وعليه وسلّم، وهو لغةٌ عبرانيةٌ، قد سبق عند قوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ﴾ الآية. والكتاب هنا: التوراة في قول الجمهور، والألف واللام فيه للعهد إذ قرن بموسى، وانتصابه على أنّه مفعول ثان
(٢) البحر المحيط.
قيل (١): إنّ الرسل بعد موسى هم: يوشع بن نون، وشمويل، وشمعون، وداود، وسليمان، وشعياء، وأرميا، وعزيرٌ، وحزقيلٌ، وإلياسُ، واليسعُ، ويونسُ، وزكريا، ويحيى، وغيرهم، ومنْ في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ لابتداء الغاية وهو ظاهرٌ؛ لأنَّه يُحْكَى: أنَّ موسى لم يَمُتْ حتى نُبِّىء يوشعُ، والباء في قوله: ﴿بِالرُّسُلِ﴾ متعلقةٌ بقفينا، والألف واللام يحتمل أن تكون للجنس الخاص، ويحتمل أن تكون للعهد؛ لما استفيد من القرآن وغيره، أنَّ هؤلاء بعثوا من بعده، ويحتمل أن تكون التقفية هي كونهم يتَّبعون في العمل بالتوراة، وأحكامها، ويأمرون باتباعها والبقاء على التزامها. وقرأ الجمهور (٢). ﴿بِالرُّسُلِ﴾ بضمّ السين. وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر بتسكينها، وهما لغتان فيه، ووافقهما أبو عَمْرو إن أُضيف إلى ضمير جمع، نحو: (رُسْلهم ورُسْلكم ورُسْلنا)؛ استُثقل توالي أربع متحركات، فسُكِّن تخفيفًا ﴿وَآتَيْنَا﴾؛ أي: أعطينا ﴿عِيسَى﴾ بالسريانة (٣) اليسوع، ومعناه: المبارك، والأصحّ: أنّه لا اشتقاق له ولأمثاله في العربية، وأضافه إلى مريم أمّه؛ ردًّا على اليهود فيما أضافوه إليه. ﴿ابْنَ﴾ بإثبات الألف، وإن كان واقعًا بين العلمين؛ لندرة الإضافة إلى الأمّ ﴿مَرْيَمَ﴾ بالسريانية بمعنى الخادمة والعابدة، قد جعلتها أمّها محرّرة لخدمة المسجد، ولكمال عبادتها
(٢) البحر المحيط.
(٣) روح البيان.
وقد أجمل (١) الله سبحانه ذكر الرسل، وفصل ذكر عيسى؛ لأنّ من قبله كانوا متّبعين شريعة موسى، وأمّا عيسى فنسَخَ شَرْعُه كثيرًا من شرع موسى؛ أي: وآتينا عيسى ابن مريم ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: الحجج الواضحات والمعجزات الباهرات الدَالَّة على نُبوّته، فيشمل كل معجزة أوتيها عيسى عليه السلام، وهذا هو الظاهر. وقيل: الإنجيل. وقيل: الحجج التي أقامها الله على اليهود، كإحياء الموتى وهو أربعةٌ: سامُ بن نوح، والعازِرو ابنُ العَجوز، وبنتُ العَشَّار، ومن الطير الخفاش. قيل: لم يكن مِنْ قَبْلِ عيسى، بل هو صوَّرهُ، والله نفخ فيه الروح، وقيل: كان قَبْلَهُ، فوضَع عيسى على مثاله. قالوا: وإنّما اختصَّ هذا النوع من الطير؛ لأنّه ليس شيءٌ من الطير أشدَّ خلقًا منه؛ لأنّه لحمٌ كلُّه، وكإبراء الأكمه سواء كان كمهه خلقيًّا، أو طارئًا، وإبراء الأبرص، والإخبار بالمغيَّبات.
فائدة: ولفظ عيسى (٢) لغةٌ عبرانيةٌ معناه: السَّبُوح بفتح السين وضمّ الباء المخفّفة بمعنى: السَّابح، وهو من الخيل السريعُ الجري، وبالسريانية اسمه: أيشوع، ومعناه: المبارك، ولفظ مريم لغة سريانية معناه: خادمة الله، وفي كتاب "لسان العرب" هي: المرأة التي تكره مخالطة الرجال، وإنّما خصَّ عيسى بالذكر مع دخوله في قوله: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾؛ إشعارًا بفضله، ومزيَّته على غيره لكونه رسولًا مستقلًّا بشرع يخصه: لأنّه نسخ بعض ما في التوراة، وردًّا على اليهود حيث ادَّعوا أنهم قتلوه، وما بين موسى وعيسى: أربعة آلاف نبيٍّ، وقيل: سبعون ألف نبيٍّ، ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ أي: قوَّينا عيسى عليه السلام. وقرأ الجمهور (٣) على
(٢) العمدة.
(٣) البحر المحيط.
قال أبو حيان: والرُّوح هنا: اسم الله الأعظم الذي كان به عيسى عليه السلام يُحيي الموتى. قاله ابن عباس، أو الإنجيل، كما سَمَّى الله تعالى القرآن روحًا في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ قاله ابن زيد، أو الروح الَّتي نفخها الله تعالى في عيسى عليه السلام، أو جبريل عليه السلام. قاله قتادة، والسديّ، والضحاك، والربيع، ونسب هذا القول لابن عباس. قاله ابن عطيّة.
وهذا أصحُّ الأقوال، وقد قال النبيُّ - ﷺ - لحسَّان بن ثابت: "أُهْجُ قُريشًا وروح القدس معك" ومرَّةً قال له: "وجبريل معك". انتهى كلامه.
(٢) البحر المحيط.
| وجبريلُ رسولُ اللهِ فينا | وروحُ القُدْسِ لَيْس لَهُ كِفَاءُ |
وخلاصة معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ إلخ؛ أي (١): ولقد أعطينا موسى الكتاب المقدس وهي التوراة، ثمّ أتبعنا من بعده رسولًا بعد رسول مقتفين إثره، فلم يمض زمنٌ إلّا كان فيه نبيٌّ، أو أنبياء، يأمرون وينهون، فلا عذر لهم في نسيان الشرائع، أو تحريفها، وتغيير أوضاعها، ثُمَّ خصَّ من أولئك الرسل عيسى عليه السلام، فقال: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾.. الخ؛ أي: وأعطينا عيسى المعجزات الباهرة التي تدلُّ على صدق نُبوّته، وأنّه مُوحًى إليه من ربّه، وأيّدناه بروح الوحي الذي يُؤيِّد الله تعالى به أنبياءه في عقولهم، ومعارفهم، وأرسلناه بعد ظهور كثيرٍ من الرسل، ولم يكن حظّهُ بينهم أحسن من حظِّ سابقيه، ثُمَّ بين ماذا كان حظُّ الرسل من بني إسرائيل، فقال: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ خاطب بهذا أهل عصر محمد - ﷺ -، وقد فعله أسلافهم؛ يعني: لم يوجد منهم القتل، وإن وجد منهم الاستكبار؛ لأنّهم يتولَّونهم ويرضون بفعلهم، والراضي بفعل الغير كفاعله، وقد كذَّبوا رسول الله - ﷺ - فيما جاء به، وسقوه السُمَّ ليقتلوه، وسحروه. ويجوز أن (٢) يكون الخطاب عامًّا لجميع بني إسرائيل،
(٢) البحر المحيط.
والمعنى: أدمتم يا معشر اليهود! على التكذيب، فاستكبرتم عن الإيمان كُلَّما جاءكم رسولٌ من الرسل بما لا تهوى، ولا تُحِبُّ أنفسكم؛ أي: استكبرتم عن الإيمان، ودمتم على التكذيب كُلَّ وقتٍ جاءكم رسولٌ منهم بالحقِّ الذي لا يوافق هواكم. ﴿فَفَرِيقًا﴾؛ أي: طائفةً منهم ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ كعيسى، ومحمدٍ عليهما السلام، والجملة معطوفة على قوله: ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾؛ أي: فنشأ عن الاستكبار مبادرتهم فريقًا من الرسل بالتكذيب فقط، حيث لا يقدرون على قتله، ولم يتمكَّنوا منه ﴿وفريقًا﴾ منهم ﴿تَقْتُلُونَ﴾ كزكريا، ويحيى، وغيرهما عليهم السلام؛ أي: وفريقًا منهم بادروه بالقتل إذ قدروا على قتله، وتهيَّأ لهم ذلك، ومعلوم (٢) أنَّ من قتلوه فقد كذّبوه، واستغنى عن التصريح بتكذيبه؛ للعلم بذلك، فذكر أقبح أفعالهم معه، وأجاز أبو القاسم الراغب أن يكون ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾ معطوفًا على قوله: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ ويكون قوله: أفكُلَّمَا مع ما بعده اعتراضًا بينهما على سبيل الإنكار، والأظهرُ في ترتيب الكلام الأوّلُ، وهذا أيضًا محتملٌ. وقدَّم المفعول وأخر العامل في قوله: ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾؛ ليتَواخى رؤُوسُ الآي، وثَمَّ محذوف،
(٢) البحر المحيط.
والمعنى: إنَّه نشأ من استبكارهم مبادرتهم لفريق من الرسل بالتكذيب، ومبادرتهم لآخرين بالقتل. وعبارة "الروح" هنا؛ وقدَّم (١) فريقًا في الموضعين؛ للاهتمام، وتشويق السامع إلى ما فعلوا بهم، لا للقصر، ولم يقل قتلتم، وإن أريد الماضي؛ تفظيعًا لهذه الحالة، فكأنَّها - وإن مضت - حاضرةٌ لشناعتها، ولثبوت عارها عليهم، وعلى ذرِّيتهم بعدهم، أو يراد: وفريقًا تقتلونهم بعد، وإنّكم على هذه النيَّة؛ لأنّكم حاولتم قتل محمد - ﷺ -، لولا أنَّي عصمته منكم، ولذلك سحرتموه، وسممتم له الشاة حتى قال - ﷺ - عند موته: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني"؛ أي: يراجعني أثر سُمِّها في أوقاتٍ معدودة: "فهذا أوان قَطعَتْ أبهري" وهو عرقٌ منبسطٌ في القلب، إذا انقطع مات صاحبه. وقصته: أنّه لمّا فتحت خيبر وهو موضع بالحجاز قرب المدينة، أهديت لرسول الله - ﷺ - شاةٌ فيها سُمٌّ، فقال رسول الله - ﷺ -: "إنّي سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقيّ فيه" قالوا: نعم يا أبا القاسم! قال: "هل جعلتم في هذه الشاة سُمًّا" قالوا: نعم، قال: "فما حملكم على ذلك" قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت صادقًا لم يضرَّك.
واعلم: أنَّ اليهود أَنِفُوا من أن يكونوا أتباعًا، وكانت لهم رئاسةٌ، وكانوا متبوعين، فلم يؤمنوا مخافة أن تذهب عنهم الرئاسة، فما دام لم يخرج حُبُّ الرئاسة من القلب، لا تكون النَّفس مؤمنةً بالإيمان الكامل.
وللنفس صفاتٌ سبعٌ مذمومةٌ: العجب، والكبر، والرياء، والغضب، والحسد، وحُبُّ المال، وحبّ الجاه. ولجهنَّم أيضًا أبوابٌ سبعةٌ: فمن زكى نفسه
٨٨ - ثُمَّ أخبر سبحانه وتعالى عن اليهود المعاصرين لمحمد - ﷺ - وبين ضلالهم في اقتدائهم بأسلافهم، فقال حكايةً عنهم: ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: اليهود المعاصرون لمحمد - ﷺ - ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ جمع أغلف، كحمر جمع أحمر، مستعارٌ من الأغلف الذي لم يختن؛ أي: قلوبنا مغشّاة مغطّاة بأغشيةٍ جِبِليَّةٍ، وأغطية خِلْقية لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمد - ﷺ -، ولا تفقهُهُ، ولا تفهمُهُ. وقرأ الجمهور (٢) ﴿غُلْفٌ﴾ بإسكان اللام، واختلف في سكون اللام، أهو سكونٌ أصليٌّ، فيكون جمع أغلف، كحمر وأحمر؟ أم هو سكون تخفيف، فيكون جمع غلاف؟ وأصله: الضُمُّ، كحمار وحمر. وقرأ ابن عباس، والأعرج، وابن هرمز، وابن محيصن ﴿غُلُف﴾ بضمّ اللام وهي مرويّةٌ عن أبي عمرو - وليست في المتواتر عنه - وهو جمع غلاف، ولا يجوز أن يكون في هذه القراءة جمع أغلف؛ لأنّ تثقيل فُعَّل الصحيح العين لا يجوز إلّا في الشعر، يقال: غلفت السيف، جعلت فيه غلافًا، وأمّا من قرأ ﴿غُلْفٌ﴾ بالإسكان، فمعناه: أنَّها مستورة عن الفهم والتمييز، وقال مجاهد؛ أي: عليها غشاوة. وقال عكرمة: عليها طابعٌ. وقال الزجاج: ذوات غلفٍ؛ أي: عليها غُلْفٌ لا تصل إليها الموعظة.
(٢) البحر المحيط.
وأمّا من قرأ بضمّ اللام (١)، فمعناه: أنّها أوعيةٌ للعلم، أقاموا العلم مقام شيءٍ مجسَّدٍ، وجعلوا الموانع التي يمنعهم غلفًا له؛ ليستدلّ بالمحسوس على المعقول، ويحتمل أن يريدوا بذلك أنَّها أوعية للعلم، فلو كان ما تقوله حقًّا وصدقًا لوَعَتْهُ، قاله ابن عباس، وقتادة، والسدي، ويحتمل أنّ يكون المعنى: أنَّ قلوبنا غُلُفٌ؛ أي: مملوءة علمًا فلا تسع شيئًا، ولا تحتاجُ إلى علمٍ غيرِه، فإنَّ الشيء المغلق لا يسع غلافه غيره، ويحتمل أن يكون المعنى: إنّ قلوبهم غُلْفٌ على ما فيها من دينهم وشريعتهم واعتقادهم؛ أي: أنَّ دوامَ ملَّتهم إلى يوم القيامة، وهي لصلابتها، وقوَّتها، تمنع أن يصل إليها غير ما فيها، كالغلاف الذي يَصُونُ المُغَلَّف أن يصل إليه ما يغيِّره. وقيل المعنى: كالغلاف الخالي الذي لا شيء فيه. اهـ. من "البحر".
والغرض (٢): إقناطه - ﷺ - من إيمانهم، رَدَّ الله تعالى أن تكون قلوبهم مخلوقةً كذلك؛ لأنها خلقت على الفطرة، والتمكُّن من قبول الحق، وأضرب وقال: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ﴾ وطردهم وأبعدهم ﴿اللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى عن رحمته ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾؛ أي: بسبب كفرهم وضلالهم: أي: ليس عدم قبولهم لخللٍ في قلوبهم، ولكنَّ الله سبحانه أبعدهم عن رحمته، وخَذلَهم، وخلَّاهُم وشَأنَهم بسبب كفرهم العارض، وإبطالهم لاستعدادهم بسوءِ اختيارهم بالمرَّةِ. وقال أبو حيَّانْ و ﴿بَلْ﴾ هنا (٣) للإضراب الإبطاليّ عن النسبة التي تضمَّنها قولهم: إنّ قلوبهم غُلفٌ، وليس
(٢) العمدة.
(٣) البحر المحيط.
٨٩ - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: ولما جاء اليهود المعاصرين لمحمد - ﷺ - ﴿كِتَابٌ﴾ وقرآن نازلٌ ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ سبحانه وتعالى، ووصفه بقوله: من عند الله؛ للتشريف؛ وللدلالة على أنَّه جديرٌ بأن يقبل، ويُتَّبع ما فيه، ويعمل بمضمونه، إذ هو واردٌ من عند خالقهم، وإلههم الذي هو ناظرٌ في مصالحهم، ﴿مُصَدِّقٌ﴾؛ أي: موافقٌ ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾؛ أي: لكتابهم؛ أي: للتوراة التي في أيديهم في التوحيد، وبعض الشرائع، وصفة محمد - ﷺ -، وهو صفةٌ ثانيةٌ، وقُدّمت (٢) الأولى عليها؛ لأنّ الوصف بكينونته من عند الله آكد، ووصفه بالتصديق ناشيءٌ عن كونه
(٢) البحر المحيط.
قال ابن التمجيد: المصدَّق به: ما يختصُّ ببعثة محمد - ﷺ -، وما يدلُّ عليها من العلامات لا الشرائع والأحكام؛ لأنَّ القرآن نسخَ أكثرها.
وجواب (١) ﴿لِمَا﴾ محذوفٌ دلَّ عليه جواب ﴿لِمَا﴾ الثانية تقديره: ولمَّا جاءهم كتابٌ من عند الله مصدّق لما معهم كذَّبوه. وقيل: جوابها جملة قوله الآتي: ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ كما سيأتي قريبًا. ﴿و﴾ قد ﴿كانوا﴾؛ أي: اليهود ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل مبعث محمد - ﷺ -، ونزول القرآن، وبُني لقطعِه عن الإضافة إلى معرفة ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ ويستنصرون؛ أي: يطلبون من الله الفتح والنصر ﴿عَلَى﴾ أعدائهم ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأشركوا بالله؛ أي: يستنصرون به على مشركي العرب، وكفار مكة من أَسَدٍ، وغَطَفَانَ، ومُزَيْنَةَ، وجُهَيْنَةَ، ويقولون: اللهمّ! انصرنا عليهم بالنبيِّ الأميّ المبعوث في آخر الزمان، الذي نجد نعته في التوراة، فكانوا يُنصَرون عليهم، وكانوا يقولون: لأعدائهم المشركين قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا، فنقتلكم معه قَتلَ عاد وإرم ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ وظهر لهم ﴿مَا عَرَفُوا﴾ وما سبق لهم تعريفه للمشركين؛ أي: الحقُّ الذي عرفوه أوّلًا من كتابهم حقَّ المعرفة، وأخبروه للمشركين من بعثة محمد - ﷺ -، ونزول القرآن: لأنَّ معرفة من أنزل هو عليه معرفةٌ له، والفاء (٢) للدلالة على تعقيب مجيئه للاستفتاح به من غير أن يتخلَّل بينهما مدّةٌ مَنْسِيَّةٌ ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بذلك الحق؛ أي:
(٢) روح البيان.
واعلم: أنّ (٢) اللعنة في حقّ الكفار: الطرد والإبعاد من الرحمة، والكرامة، والجنّة على الإطلاق، وفي حقّ المذنبين من المؤمنين: الإبعاد عن الكرامة التي وعد بها من لم يَخُضْ في ذلك الذنب، ومنه قوله - ﷺ -: "مَن احتكر فهو ملعون"؛ أي: من ادّخر ما يشتريه وقت الغلاء لبيعه وقت زيادة الغلاء، فهو مطرودٌ من درجة الأبرار لا من رحمة الغفار.
واعلم: أن الصفات المقتضية للعن ثلاثٌ: الكفر، والبدعة، والفسق، وله في كل واحدة ثلاث مراتب:
الأولى: اللعن بالوصف الأعم، كقولك: لعنة الله على الكافرين، أو المبتدعة والفسقة.
والثانية: اللعن بأوصافٍ أخصَّ منه، كقولك: لعنة الله على اليهود والنصارى، أو على القدريّة، والخوارج، والروافض، أو على الزُّناة والظلمة، وآكل الربا، وكُلُّ ذلك جائزٌ.
والثالثة: اللعن علي الشخص، فإن كان ممن ثبت كفرهم شرعًا، يجوز لعنه
(٢) روح البيان.
قال بعضُهم: لَعْنُ يزيد على اشتهارِ كفره، وتواترِ فظاعةِ شرّه؛ لَمَّا أنَّه كفَرَ حين أمر بقتل الحُسين - رضي الله عنه - ولمَا قال في الخمر:
| فإنْ حُرِّمَتْ يومًا على دينِ أَحمدٍ | فخُذْهَا على دينِ المسيحِ ابنِ مريمِ |
ثم اعلم (١): أن اللعنة ترتدُّ على اللاعن إن لم يكنْ الملعون أهلًا لذلك، ولعن المؤمن كقتله في الإثم، وربَّما يلعن شيئًا من ماله، فتنزع منه البركة، فلا يلعن شيئًا من خلق الله تعالى، لا للجماد ولا للحيوان، ولا للإنسان، قال - ﷺ -: "إذا قال العبد لعن الله الدنيا، قالت الدنيا: لعن الله أعصانا لربّه" فالأولى أن يترك، ويشتغل بدله بالذكر والتسبيح، إذ فيه ثوابٌ، ولا ثواب في اللعن، وإن كان يستحقُّ اللعن.
٩٠ - ﴿بِئْسَمَا﴾ نكرةٌ موصوفة منصوبةٌ على التمييز، مفسّرةٌ لفاعل بئس المحذوف وجوبًا، تقديره: بئس وقبح الشيء شيئًا ﴿اشْتَرَوْا﴾ صفة لما، واشترى بمعنى: باع وابتاع، والمراد هنا الأوَّل ﴿بِهِ﴾ عائد إلى ﴿مَا﴾؛ أي: بذلك الشيء ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ المرادُ (٣) بها الإيمان، وإنَّما وضع الأنفسَ موضع الإيمان؛ إيذانا بأنّها إنّما خُلقت للعلم، والعملِ به المُعبَّر عنه الإيمان، ولمّا بدّلوا الإيمان بالكفر كانوا كأنّهم بدَّلوا الأنفس به؛ أي: بئس الشيء شيئًا باعوا به أنفسهم؛ أي: إيمانَهم، والمخصوص بالذمِّ ما ذكره بقوله: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ على محمد - ﷺ -؛ أي: بالكتاب المصدِّق لما معهم بعد الوقوف على حقيقته؛ أي: والمخصوص بالذمّ كفرهم بالقرآن الذي أنزل الله سبحانه على محمد - ﷺ -، المصدّق للتوارة التي معهم ﴿بَغْيًا﴾ علّة (٤) لأنْ يَكْفُروا أي: حسدًا وطلبًا لما ليس لهم، كما أنّ الحاسد يطلب ما ليس له لنفسه مما للمحسود من
(٢) العمدة.
(٣) روح البيان.
(٤) روح البيان.
وقرأ أبو عمرو (١)، وابن كثير: جميع المضارع مخفَّفًا من أنزل، إلّا ما وقع الإجماع على تشديده وهو في الحِجْرِ ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ﴾ إلّا أن أبا عمرو شدَّد ﴿على أن ننزل﴾ آيةٌ في الأنعام، وابن كثير شدد، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ و ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا﴾ وشدَّد الباقون المضارع حيثما وقع إلّا حمزة، والكسائي فخفَّفا ﴿وينزل الغيث﴾ في آخر لقمان ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ في الشورى والهمزة والتشديد كُلٌّ منهما للتعدية.
﴿فَبَاءُوا﴾ أي: رجعوا وانصرفوا من الله ملتبسين ﴿بِغَضَبٍ﴾ كائنٍ ﴿عَلَى غَضَبٍ﴾ أي: احتملوا بلعنةٍ من الله بسبب كفرهم بمحمد - ﷺ -، وبالقرآن مع غضبٍ استحقُّوه، أوَّلًا بتضييع التوراة وبتبديله، وبالكفر بعيسى؛ أي: استحقُّوا غضبًا لاحقًا مع غضبٍ سابقٍ لهم، فاستحقُّوا لعنةً بعد لعنةٍ لأمور صدرت منهم،
ودلَّت الآية على أنَّ عذاب المؤمنين تأديبٌ وتطهيرٌ، وعذاب الكافرين إهانةٌ وإذلالٌ، وأنّ المراتب الدُّنيويَّة والأخرويَّة كُلَّها من فيض الله وفضله، فليس لأحدٍ أن يعترض عليه، ويحسده على الألطاف الإلهيَّة، فإنَّ الكمالات، مثل: النبوّة والولاية، ليست من الأمور الاكتسابيَّة التي يصل إليها العبد بجهد كثير، وكمال اهتمامٍ.
والمعنى: أي (٢) ولهم بسبب كفرهم عذابٌ يصحبه إهانةٌ وإذلالٌ في الدنيا والآخرة، أمّا في الدنيا فيما يصيبهم من الخزي، والنكال، وسوء الحال، ليكونوا عبرة لمن يخلفهم من بعدهم، وأمّا في الآخرة فبخلودهم في جهنَّم وبئس المصير. ثمَّ ذكر ما يكون منهم لدى الحوار مع رسول الله - ﷺ -، فقال:
٩١ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أي: وإذا قال المسلمون لليهود الموجودين في عصر النبي - ﷺ - في المدينة وما حولها، ومعنى اللام: الإنهاء، والتبليغ. وإسناد ﴿قِيلَ﴾ إلى ﴿آمِنُوا﴾ إسنادٌ له إلى لفظه، كأنّه قيل: وإذا قيل لهم هذا القول، كقولك: أُلِّف (ضَرَبَ) من
(٢) المراغي.
ثمَّ اعترض عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادِّعَائهم الإيمانَ بالتوراة (١)، والتوراة لا تسوِّغ قتل نبي بقوله: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد! تبكيتًا لهم من جهة الله تعالى، ببيان التناقض بين أقوالهم وأفعالهم؛ أي: إلزامًا وبيانًا لكفرهم بالتوراة التي ادَّعوا الإيمان بها، إذا كان إيمانكم بالتوراة صحيحًا ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ أي فلم قتلتم أنبياء الله ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل نزول القرآن، كزكريَّا ويحيى ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بالتوراة حقًّا، فإنَّ في التوراة تحريمَ القتل بغير حقّ، فأيُّ كتاب جوَّز لكم قتلهم؟ والمعنى: أنّهم لو آمنوا بالتوراة لما قتلوا الأنبياء، فآلَ أمْرُهُم إلى كفرهم بجميع ما أنزل الله تعالى، لا بالبعض فقط كما ادَّعوه.
فإن قلت: الخطاب (١) مع الموجودين في زمن النبي - ﷺ -، فلم خوطبوا بالقتل مع أنَّ قتل الأنبياء ليس واقعًا منهم، بل من أسلافهم؟.
قلتُ: خوطبوا بذلك؛ لأنّهم رضوا بفعل أسلافهم، والرضا بالكفر كفرٌ؛ أو لأنّهم أصرُّوا على قتل محمدٍ - ﷺ -، وقد تسبَّبُوا في ذلك مرارًا، كما مرّ. وعبارة "الروح": وأسند فعل الآباء وهو القتل إلى الأبناء؛ للملابسة بين الآباء والأبناء. اهـ.
قال أبو الليث: وفي الآية دليل على أنّ من رضي بالمعصية، فكأنَّه فاعلٌ لها؛ لأنّ اليهود راضون بقتل آبائهم، فسمَّاهم الله تعالى قاتلين، حيث قال: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ الآية. وقرأ نافع وحده ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ مهموزًا في جميع القرآن، ووقف (٢) البزّيُّ (فَلِمَهْ) بالهاء، ووقف غيره بغير هاء، ولا يجوز هذا الوقف إلا للاختبار، أو لانقطاع النفس. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ شرط جوابه محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه؛ أي: إن كنتم مؤمنين فلم تقتلونهم، وهو تكريرٌ للاعتراض؛ لتأكيد الإلزام، وتشديد التهديد. وقيل: ﴿إن﴾ نافية؛ أي: ما كنتم مؤمنين؛ لأنَّ من قتل أنبياء الله لا يكون مؤمنًا، فأخبر تعالى: أنَّ الإيمان لا يجامع مع قتل الأنبياء؛ أي ما اتَّصف بالإيمان مَنْ هذه صفته. قيل: والأظهر أنَّ ﴿إن﴾ شرطية، والجواب محذوف كما مرَّ آنفًا.
٩٢ - ثمّ ذكر سبحانه: أنّهم كفروا بالله مع وضوح الآيات في زمن موسى عليه
(٢) البحر المحيط.
الإعراب
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الجرّ بإضافة ﴿إذ﴾ إليها، والظرف في محل النصب معطوف على الظروف السابقة المعطوفة على ﴿نِعْمَتِيَ﴾ تقديره: واذكروا يا بني إسرائيل! وقت أخذنا ميثاقكم ﴿لَا﴾ نافية ﴿تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية جملة مفسّرة للميثاق لا محل لها من الإعراب، أو في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: وإذ أخذنا ميثاقكم وقلنا: لا تسفكون دماءَكم ﴿وَلَا﴾ الواو عاطفة ﴿لَا﴾ نافية ﴿تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به ﴿مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بتخرجون، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب ﴿أَقْرَرْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الجرّ معطوفة على جملة ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾. ﴿وَأَنْتُمْ﴾ الواو حالية ﴿أنتم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿تَشْهَدُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من تاء ﴿أَقْرَرْتُمْ﴾، تقديره: حالة كونكم شاهدين على آبائكم قبول ذلك الميثاق.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾.
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ ها حرف تنبيه ﴿أولاء﴾ اسم إشارة للجمع المطلق في محل النصب منادى نكرة مقصودة، حذف منه حرف النداء للتخفيف، مبني بضمّ مقدّر على الأخير منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة البناء الأصلي، وجملة النداء جملة معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين المبتدأ والخبر ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به
أحدها: عوده على ما بعده لزومًا، إذ لا يجوز للجملة المفسِّرة له أن تتقدَّم عليه، ولا شيءٌ منه.
الثاني: أنَّ مفسِّره لا يكون إلّا جملةً.
الرابع: أنّه لا يعمل فيه إلّا الابتداء، أو ناسخٌ.
الخامس: أنّه ملازم للإفراد، ومن أمثلته: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾. اهـ. "كرخي".
﴿مُحَرَّمٌ﴾ خبر مقدّم، وفيه ضمير قائم مقام الفاعل ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بمحرّم. ﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾ مبتدأ مؤخّر، والجملة الاسمية في محل الرفع خبرٌ لضمير الشأن، ولم يحتج هنا إلى عائدٍ على المبتدأ؛ لأنَّ الخبر نفس المبتدأ وعينه. اهـ. "كرخي"، والجملة الاسمية من المبتدأ الأول وخبره في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ على كونها حالًا من فاعل ﴿تخرجون﴾، تقديره: وحالة كونكم محرّمًا عليكم إخراجهم، ولكنّها حالةٌ سببيّةٌ، أو من مفعوله، أو منهما، وما بينهما اعتراض.
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، داخلة على محذوف، تقديره: أتفعلون ذلك، والجملة المحذوفة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف ﴿تؤمنون﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة ﴿بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بتؤمنون ﴿وَتَكْفُرُونَ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿تؤمنون﴾ ﴿بِبَعْضٍ﴾ متعلق بتكفرون ﴿فَمَا﴾ الفاء فاء الفصيحة؛ لأنَّها أفصحت عن جواب شرط مقدّر، تقديره: إذا عرفتم قبح صنيعكم، وأردتم بيان جزاء من يفعل ذلك، فأقول لكم: ما جزاء ﴿مَا﴾ نافيةٌ مهملةٌ؛ لانتقاض نفيها بإلَّا ﴿جَزَاءُ﴾ مبتدأ، وهو مضاف ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل الجرّ مضاف إليه ﴿يَفْعَلُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ مفعول به، والجملة صلةُ ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد ضمير الفاعل ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوفٍ حالٍ من فاعل ﴿يَفْعَلُ﴾، تقديره: حالة كونه كائنًا منكم ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرّغ ﴿خِزْيٌ﴾ خبر
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ ﴿الَّذِينَ﴾ خبره، والجملة مستأنفة ﴿اشْتَرَوُا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد واو الفاعل ﴿الْحَيَاةَ﴾ مفعول به ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة للحياة ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ متعلّق باشتروا ﴿فَلَا﴾ الفاء حرف عطف وتفريغ، ﴿لَا﴾ نافية ﴿يُخَفَّفُ﴾ فعل مضارع مغيَّر الصيغة ﴿عَنْهُمُ﴾ متعلق به ﴿الْعَذَابُ﴾ نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿اشْتَرَوُا﴾ على كونها صلة الموصول ﴿وَلَا﴾ الواو عاطفة ﴿لَا﴾ نافية ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يُنْصَرُونَ﴾ خبره، تقديره: ولا هم منصورون، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ﴾ عطف إسميةٍ على فعليّة.
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا
﴿وَلَقَدْ﴾ الواو استئنافية ﴿لقد﴾ اللام موطِّئةٌ للقسم ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿آتَيْنَا﴾ فعل وفاعل، وهو بمعنى، أعطينا يتعدَّى لمفعولين ﴿مُوسَى﴾ مفعول أوّل ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول ثانٍ، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محلٌ لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ الواو عاطفة قفينا فعل وفاعل معطوفٌ على آتينا وهو بمعنى جئنا يتعدّى إلى المفعول بواسطة حرف الجر ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بقفَّيْنا، أو متعلقٌ بمحذوفٍ حال من الرُّسل ﴿بِالرُّسُلِ﴾ جار ومجرور متعلِّق بقفينا أيضًا ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى﴾ فعل وفاعل ومفعول أوّل معطوف على ﴿قفينا﴾. ﴿ابْنَ﴾ هو بدل أو صفة لعيسى ﴿مَرْيَمَ﴾ مضاف إليه مجرور بالفتحة للعَلَميَّة والعجمية، أو التأنيث المعنوي ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾ مفعول ثان منصوب بالكسرة ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿آتينا﴾. ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بأيدناه ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ﴾ الهمزة للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة لجواب كلّما على ذلك المحذوف؛ لأنّ حقَّ الهمزة والفاء أن يدخلا على الجواب؛ لأنّه المستفهم عنه، والموبَّخ عليه، والمعيَّر به، والتقدير: أدمتم على التكذيب يا معشر اليهود! واستكبرتم عن الإيمان كلّما ﴿جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾. ﴿كلّما﴾ اسم شرط غير جازم في محل النصب على الظرفية الزمانية، مبنيٌّ على السكون؛ لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا، والظرف متعلِّق بالجواب ﴿جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ فعل ومفعول به وفاعل، و ﴿جاء﴾ هنا بمعنى: أتى يتعدَّى إلى المفعول بلا واسطة حرف جرٍّ، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿كلّما﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بجاءكم ﴿لَا﴾ نافية ﴿تَهْوَى﴾ فعل مضارع ﴿أَنْفُسُكُمُ﴾ فاعل، والجملة صِلةٌ لما الموصولة لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف، تقديره: بما لا تهواه أنفسكم ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿كُلَّمَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿كلّما﴾ من فعل شرطها وجوابها، جملةٌ إنشائيّة لا محل لها من الإعراب ﴿فَفَرِيقًا﴾ الفاء عاطفة ﴿فَرِيقًا﴾ مفعول به مقدَّم لكذبتم؛ قُدِّم للاهتمام به ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ الواو استئنافية ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب وعطف، للإضراب الإبطالي ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ فعل ماض ومفعول مقدّم وفاعل مؤخر وجوبًا ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ مُتعلِّق بلعنهم، والجملة معطوفة على جملة ﴿قَالُوا﴾، ﴿فَقَلِيلًا﴾ الفاء استئنافية، أو عاطفة ﴿قليلًا﴾ منصوب على المصدرية بيؤمنون، قدّم عليه؛ لرعاية الفاصلة؛ لأنّه صفة لمصدر محذوف؛ أي: يؤمنون إيمانًا قليلًا، أو منصوب على الظرفية بيؤمنون أيضًا؛ لأنّه صفة لزمان محذوف، تقديره: أي يؤمنون زمانًا قليلًا، أو على الحالية من فاعل ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: حال كونهم جمعًا قليلًا و ﴿مَا﴾ زائدة؛ زيدت لتأكيد القلّة، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أو مستأنفة.
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾.
﴿وَلَمَّا﴾ الواو استئنافية ﴿لمَّا﴾ حرف شرط غير جازم ﴿جَاءَهُمْ﴾ فعل ومفعول به ﴿كِتَابٌ﴾ فاعل، والجملة فعل شرطٍ للمَّا لا محل لها من الإعراب ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة أولى لكتاب، تقديره: منزَّلٌ من عند الله ﴿مُصَدِّقٌ﴾ صفة ثانية لكتاب، وفي قراءة: بالنصب على الحال من ﴿كِتَابٌ﴾ كما مرّ ﴿لِمَا﴾ اللام حرف جرٍ ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الجرّ باللام متعلِّق بمصدق ﴿مَعَهُمْ﴾ (مع) منصوب على الظرفية، والهاء ضمير الغائبين في محل الجر مضاف إليه، والظرف متعلق بمحذوفٍ صلة ﴿لِمَا﴾ الموصولة، وجواب ﴿لِمَا﴾ محذوف؛ لعلمه من جواب ﴿لمَّا﴾ الآتية، تقديره: كذّبوه وأنكروه، وجملة ﴿لِمَا﴾ مع جوابها المحذوف مستأنفة ﴿وَكَانُوا﴾ الواو حالية ﴿كانوا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿مِن﴾ حرف جر ﴿قَبْلُ﴾ ظرف زمان في محل الجر بمن، مبني على الضمّ؛ لشبهه بالحرف شبهًا افتقاريًّا؛ لافتقاره إلى المضاف إليه
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾.
﴿بِئْسَمَا﴾ ﴿بئس﴾ فعل ماض من أفعال الذمّ، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا؛ لشبهه بالمثل، تقديره: يعود على شيء ﴿مَا﴾ نكرة موصوفة بمعنى شيء في محل النصب تمييز لفاعل ﴿بئس﴾. ﴿اشْتَرَوْا﴾ فعل وفاعل ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلق باشتروا، والجملة صفة لما، والرابط ضمير ﴿بِهِ﴾. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لما، ولكنّها سببية، والتقدير: بئْسَ الشيء شيئًا مشترًى به أنفسهم ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر ﴿يَكْفُرُوا﴾ فعل مضارع منصوب بأن، والواو فاعل ﴿بِمَا﴾ جار - ومجرور متعلق بيكفروا ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد محذوف، تقديره: بما أنزل الله به، وجملة ﴿يَكْفُرُوا﴾ صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية و ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، على كونه
| ويُعْرَبُ المَخْصُوص بَعْدَ مُبْتَدَا | أوْ خَبَر اسْمٍ لَيْسَ يَبْدُو أبدَا |
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾.
وفي "الفتوحات الإلهية" قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في ﴿إن﴾ قولان:
أحدهما: أنّها شرطيّة، وجوابها محذوف، تقديره: إن كنتم مؤمنين، فَلِم فعلتم ذلك، ويكون الشرط وجوابه قد ذكر مرتين، فحذف الشرط من الجملة الأولى، وبقي جوابها وهو فلِمَ تقتلون، وحذف الجواب من الثانية، وبقي شرطه، فقد حُذف من كل واحدٌ ما أثبت في الأخرى، فيُسمَّى هذا احتباكًا، عند البديعيين، وقال ابن عطيّة: جوابها متقدّم وهو قوله: ﴿فَلِمَ﴾ وهذا إنّما يتأتَّى على قول الكوفيين، وأبي زيد.
والقول الثاني: أَنّ ﴿إِن﴾ نافية بمعنى (ما)، أي: ما كنتم مؤمنين لمنافاة ما صدر منكم للإيمان. اهـ. "سمين".
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ الواو عاطفة جملة القسم على جملة قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ على كونها مقولًا لقل، أو استئنافية، واللام موطِّئة للقسم ﴿قَدْ﴾ حرف
التصريف ومفردات اللغة
﴿لَا تَسْفِكُونَ﴾ السفك: الصبُّ والإراقة، وفي "المصباح"؛ سفكت الدمع والدمّ سَفْكًا من باب ضرب، وفي لغةٍ من باب قتل، أَرَقْتُه، والفاعل السَّافِكُ وسَفَّاكٌ مبالغةٌ. اهـ. وفي "السمين": وقرىء: ﴿لَا تَسْفُكُون﴾ بضم الفاء، وتُسْفِكُون من أسفك الرباعيِّ. اهـ.
﴿دِمَاءَكُمْ﴾ جمع دم، والدم معروفٌ وهو محذوف اللام، وهي ياءٌ لقول الشاعر:
لَقَدْ جَرَى الدَّمْيانِ بِالخَبرِ اليْقِينِ
أو واوٌ لقولهم: (دَمَوان) ووزنه فَعْلٌ، وقيل: فَعَلٌ، وقد سمع مقصورًا، قال:
| غفلَتْ ثُمَّ أتَتْ تَطْلُبُهُ | فَإذا هِيَ بعِظَامٍ وَدَمَا |
في رواية من رواه كذلك، وقد سمع مشدَّد الميم، قال الشاعر:
| أَهَانَ دَمَّكَ فَرْغًا بَعْدَ عِزَّتِهِ | يَا عَمْرُو نَعْيُكَ إصْرارًا عَلَى الحَسَدِ |
﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ أقرَّ الشي اعترف به، والإقرار: شهادة المرء على نفسه وهو مجازٌ عن القبول، والرضا بالشيء. ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ تتعاونون عليهم كأنَّ المتظاهرين يسند كُلُّ واحد منهم ظهره إلى صاحبه، والظهر المعين، قريء
| وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِى قدْ يُقْتَصَرْ | فِيهِ عَلَى تَا كَـ (تَبَيَّنُ) العِبَرْ |
﴿أُسَارَى﴾ وفي "المصباح": أنَّ كُلًّا من أسرى، وأُسارى جمع أسير، وفي "السمين": يحتمل أنَّ أُسارى جمع أسرى، وأسرى جمع أسير. اهـ. وفي "البحر": الأسرى: جمع أسير، وفعلى مقيسٌ في فعيلٍ بمعنى: مُمْسَكٍ، أو مُوجَعٍ، كقتيلٍ، وجريحٍ، وأمّا الأُسارى فقيل: جمع أسير، وسمع الأَسارى بفتح الهمزة، وليست بالعالية، وقيل أُسارى: جمع أسرى، فيكون جمع الجمع، قاله المفضَّلُ. وقال أبو عمرو بن العلاء: الأسرى من في اليد، والأسارى من في الوِثاقِ، والأسير هو المأخوذ على سبيل القهر والغلبة ﴿تُفَادُوهُمْ﴾؛ أي: تنقذوهم. من الأسر بالمال، وفي "المختار": فاداه، وفداه: أعطى فداءه من المال، أو الرجال، فأنقذه. اهـ. وفي "البحر" الفداء بالكسر فيُمدُّ، كما قال النابغة:
| مَهْلًا فِدَاءً لَكَ الأقْوَامُ كُلُّهُم | وَمَا أثْمَرُوا مِنْ مَالٍ وَمِنْ وَلَدِ |
فِدًا لله مِنْ رَبِّ طَرِيْفِي وَتالِدِي
وإذا فُتح أوّلهُ قصر يقال قُمْ فَدًا لَكَ أَبِي قاله الجوهري، ومعنى: فَدَى فلانٌ فلانًا أي أعطى عوضه.
﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ المحرَّم: اسم مفعول من حرَّم، وهو راجع إلى معنى المنع، تقول: حرَّمه يحرِّمه إذا منعه ﴿فَمَا جَزَاءُ﴾ الجزاء: المقابلة، ويطلق في الخير والشرّ، والهمزة فيه مبدلة من ياء؛ لتطرّفها إثر ألفٍ زائدة، فالأصل: جزايُ ﴿إِلَّا خِزْيٌ﴾ الخزي: الهوان، قال الجوهري: خَزِي بالكسر يخزَى خِزْيًا، وقال ابن السكيت: وقع في بليّةٍ، وأخزاه الله أيضًا، وخزِي الرجل في نفسه، يخزى خزايةً إذا استحيا وهو خزيانٌ، وقومٌ خَزَايا، وامرأةٌ خَزْيا، وفي "المصباح": خَزِي خِزْيًا من باب علم، إذا ذَلَّ وهان، وأخزاه الله أذلَّه وأهانه، وخَزِي خَزايةً بالفتح وهو الاستحياء، فهو خَزْيانٌ. اهـ. ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾ تقدَّم أن ألف الحياة منقلبةٌ عن واو ﴿الدُّنْيَا﴾ وصفٌ جاء على وزن فعلى هو من الدُّنُوِّ بمعنى: القرب، والمعروف أنَّ فُعلى إذا كانت وصْفًا، وكانت لامُها واوًا أُعِلَّت؛ أي: أبدلت ياءً، كما في الدنيا، أصلها: الدُّنْو، أبدلت الواو ياءً، وسلمت في الاسم فلم تُبْدَل، ولم يأت ذلك في القرآن، ولكن ورد في "لسان العرب"، قال ذُو الرُّمَّةِ:
| أَدَارٌ بِحُزْوَى هُجْتِ لِلْعَيْنِ عَبْرَةً | فَمَاءُ الهَوَى يَرْفَضُّ أوْ يَتَرَقْرَقُ |
| مِنْ لاَمِ فَعْلَى اسْمًا أتَى الوَاوُ بَدَلْ | يَاءٍ كَتَقْوَى غَالِبًا جَا ذَا البَدَلْ |
| بِالعَكْسِ جَاءَ لاَمُ فُعْلَى وَصْفاَ | وَكَوْنُ قُصْوَى نَادِرًا لا يَخْفَى |
في سَعْي دُنْيَا طَالَمَا قَدْ سُدَّت
والدنيا تارةً تستعمل صفةً، وتارة تستعمل استعمال الأسماء، فإذا استعملت صفةً، فالياء مُبْدَلة من واوٍ إذْ هي مشتقَّةٌ من الدُّنُوّ، وذلك نحو: العليا، ولذلك جَرَتْ صفةً على الحياة في قوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ فأمَّا القصوى والحلوى: فشاذٌّ، وإذا استعملت استعمال الأسماء فكذلك، وقال أبو بكر بن السرَّاج في "المقصور والممدود" له: الدُّنيا مؤنّثةُ الأدنى، مقصورةٌ تكتب بالألف، هذه لغة نجدٍ، وتميمٍ خاصَّةً، إلّا أنَّ أهل الحجاز، وبني أسد يلحقونها ونظائرها بالمصادر ذوات الواو، فيقولون: دُنْوَى، مثل: شُرْوَى، وكذلك يستعملون بكل فُعْلى موضع لامها واوًا يفتتحون أوَّلها، ويقلبون الواوَ ياءً؛ لأنّهم يستثقلون الضمّة والواو. انتهى. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ القيامة فيه إعلال بالقلب، فالياء فيه منقلبة عن واو؛ لأنّه من قام يقوم، واويَّ العين، أعلَّت عين المصدر حملًا له على الفعل قام، فالأصل: القوامة، أبدلت الواو ياءً؛ لوقوعها إثر كسرةٍ وبعدها ألفٌ ﴿يُرَدُّونَ﴾ أصله: يردد، نقلت حركة الدال الأولى إلى الراء فسكنت، فأدغمت في الدال الثانية ﴿إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ أصله: أشدد، نقلت حركة الدال الأولى إلى الشين فسكنت، فأدغمت في الدال الثانية ﴿اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أصله: اشتريوا من اشترى بوزن افتعل من الشراء، تحرَّكت الياء وانفتح ما قبلها، فَقُلِبَتْ ألفًا، فالتقى ساكنان الألف، وواو الجماعة، فحذفت الألف ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ آتينا أصله: أَأْتينا بوزن أَفْعلنا، أبدلت الهمزة الساكنة حرف مدّ للأولى ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ يقال: قفوت الأثر اتَّبعته، والأصل: أن يجيء الإنسان تابعًا لقفا الذي اتَّبعه، ثُمَّ تُوسِّع فيه حتى صار لمطلق الاتباع، وإنْ بَعُد زمان المتبوع من زمان التابع، وقال أُميَّةُ:
| قَالَتْ لأخْتٍ لَهُ قُصِّيْهِ عَنْ جُنُبٍ | وَكيَفْ تَقْفُو ولا سَهْلَ ولا جُدَدُ |
﴿بِالرُّسُلِ﴾ جمع رسول بمعنى: المرسل، ولا ينقاس فُعْلٌ في فعول بمعنى مفعول، وتسكين عينه لغة أهل الحجاز، والتحريك لغة بني تميم ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عيسى: اسمٌ أعجميٌّ، علم لا يصرف للعجمة والعَلَميَّة، ووزنه عند سيبويه: فِعْلى، والياء فيه مُلْحَقةٌ ببنات الأربعة بمنزلة ياء معزى؛ يعني: بالياء، الألف سمَّاها ياءً؛ لكتابتهم إيّاها ياءً. قال أبو علي: وليست، ألفه للتأنيث، كالتي في ذكرى؛ بدلالة صرفهم له في النكرة، ومن زعم أنّه مشتقٌّ من العيس وهو بياضٌ يخالطه شُقْرةٌ، فغير مُصيب؛ لأنَّ الاشتقاق العربيَّ لا يدخل الأسماء الأعجمية ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ مريم باللُّغة السريانية، معناه: الخادم، وسُمّيت به أمُّ عيسى، فصار علمًا، فامتنع الصرف للتأنيث والعلمية، ومريم باللِّسان العربي من النساء، كالزِّيْرِ من الرجال، وبه فُسِّر قول رؤْبة:
قُلْتُ لِزِيْرٍ لَمْ تَصلْهُ مَرْيَمُهْ
والزِّيْرُ: الذي يُكْثِرُ خُلطةَ النساء وزيارتَهنّ، والياء فيه مبدلة من واو، كالريح، إذ هما من الزَّوْرِ، والرَّوْحِ، فصار هذا اللفظ مشتركًا بالنسبة إلى اللِّسانين، ووزن مَرْيَم عند النحويِّين مَفْعَلٌ؛ لأنَّ فَعْيَلًا بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية، كما ثبت نحو: عَثْبَرٍ، وعَلْبَبٍ. قاله الزمخشري، وغيره ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾ جمع بَيِّنَة بوزن فَيْعِلَة، فأصلها: بَيْيَنَةٌ بوزن فيْعَلَة، أدغمت ياء فيعل في عين الكلمة، وكذلك بَيِّنَاتٌ وَزْنُه فَيْعِلاتٌ، والبَيّنُ: الواضح من كل شيء من بان إذا وضح وظهر. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ وفي "المختار": آد الرجل: اشتدَّ وقوى، وبابه: باع، والأيد والآد بالمدِّ: القوَّةُ، تقول: أيَّده تأييدًا، والفاعل منه مُؤيِّد بوزن مُكَرِّم، وتأيَّد الشيء تقوَّى، ورجلٌ أيِّدٌ بوزن جَيّدٍ؛ أي: قَوِيٌّ. اهـ. يقال: أيَّد تأييدًا من باب
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ وفي "السمين": وغُلْفٌ بسكون اللام: جمع أغلف، كأحمر وحُمْرٍ، وأصفر وصفر، وهو الذي لا يفقه، والمعنى على هذا: إنّها خلقت وجبلت مُغشَّاةً لا يصل إليها الحق. اهـ. أو جمع غلافٍ وهو الغشاء، فيكون أصله التثقيل فخفِّف. اهـ. من "البحر" ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ واللَّعْنُ: الطَّرد والإبعاد، يقال: شَأْوٌ لَعِينٌ؛ أي: بعيدٌ، وقال الشَّمَّاخُ:
| ذَعَرْتُ بِهِ القَطَا وَنُغَيْتُ عَنْهُ | مَقامَ الذِئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِيْنِ |
البلاغة
وقد تضمّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾؛ أي: لا تُسَبِّبُوْا في إراقة دمائكم؛ لأنَّ من أراق دم غيره، فكأنَّما أراق دم نفسه، فهو من باب المجاز بأدنى ملابسةٍ؛ أو لأنّه يوجب قصاصًا، فهو من باب إطلاق المسبَّب وإرادة السبب.
ومنها: الاستعارة التصريحيَّة التبعيَّة في قوله: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾؛ لأنّه استعار الإقرار لقبول الميثاق ورضاه، ثُمَّ اشتقَّ منه أقررتم بمعنى: قبلتم على طريقة الاستعارة التصريحية التبعيَّة.
ومنها: الإسناد العقليُّ في قوله: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾؛ لأنَّ الإقرار إنَّما وقع للأسلاف، فأسنده إلى الأخلاف الذين خوطبوا بهذا الكلام؛ لرضاهم بما فعل أسلافهم.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ عبَّر عن قتل الغير
ومنها: الاستفهام الإنكاري التوبيخي في قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾.
ومنها: بيان جزائهم بطريق القصر في قوله: ﴿إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ لقطع أطماعهم الفارغة من ثمرات إيمانهم بِبَعْضِ الكتاب، وإظهار أنّه لا أثر له أصلًا مع الكفر ببعض.
ومنها: التنكير في قوله: ﴿إِلَّا خِزْيٌ﴾؛ لإفادة التهويل والتفخيم.
ومنها: الاستعارة المكنية التبعية في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ حيث استعار الشراء للاستبدال تقدّم نظيرها.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ فإنّه أطلق الملزوم الذي هو الإيمان، وأراد لازمه الشرعي وهو فعل الواجبات، وترك المنهيات، وقد فعلوا بعض الواجبات، وهو الفداء، ولم يتركوا المحرم، وهو القتال والإخراج.
ومنها: تقديم المفعول على عامله في قوله: ﴿فريقا كذّبتم﴾ وقوله: ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾؛ للاهتمام به، وتشويق السامع إلى ما يلقى إليه؛ وللفاصلة.
ومنها: التعبير بالمضارع في قوله: ﴿فريقا تقتلون﴾ ولم يقل قتلتم، كما قال ﴿كذبتم﴾؛ لأنّ الفعل المضارع كما هو المألوف في أساليب البلاغة، يستعمل في الأفعال الماضية التي بلغت من الفظاعة مبلغًا عظيمًا، فكأنّه أحضر صورة قتل الأنبياء أمام السَّامع، وجعله ينظر إليها بعينه، فيكون إنكاره لها أبلغ، واستفظاعه لها أعظم، ويسمَّى هذا عند البلغاء: حكايته الحال الماضية، وصورتها: أن يُقدَّر، ويفرض الواقع في الماضي واقعًا وقت التكلُّم، ويخبرَ عنه بالمضارع الدال على الحال اهـ. من "الفتوحات".
ومنها: إضافة الموصوف إلى الصفة في قوله: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ أي:
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ جمع أغلف مستعارٌ من الأغلف الذي لا يُختَن؛ أي: مغشَّاةٌ بالغشاء المعنويِّ، كما أنَّ الحشفة مُغطَّاةٌ بالقُلْفة.
ومنها: زيادة ما في قوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ لإفادة المبالغة في القِلَّة.
ومنها: وصف الكتاب بكونه من عند الله في قوله: ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ للتشريف.
ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ حيث لم يقل: عليهم؛ للدلالة على أنَّ اللَّعنة لحقتهم لكفرهم.
ومنها: التعبير بالمضارع في قوله: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا﴾؛ حكايةً للحال الماضية، واستحضارًا لفعلهم الشَّنِيع.
ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ حيث لم يقل: ولهم؛ للإشعار بعِلِّية كفرهم لما حاق بهم.
ومنها: المجاز العقليُّ في قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ حيث أسند الإهانة إلى العذاب؛ لكونه سببها.
ومنها: التعبير بالمضارع في قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ حيث لم يقل: فلم قتلتم أنبياء الله؛ لحكاية الحال الماضية.
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦) قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)}.
المناسبة
قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر في الآيات السالفة معاذير لليهود اعتذروا بها عن الإيمان بمحمد - ﷺ -، وما جاء به من الآيات البينات، كقولهم: إنهم مؤمنون بكتابٍ من ربّهم، فلا حاجة لهم بهداية غيره، فَنَقَض دعواهم، وأَلْزمَهم الحجة، وقولَهم: إنّهم ناجون حتمًا في الآخرة؛ لأنّهم شَعْبُ الله وأبناؤُه، فأبطل مزاعمهم، ودَحضَ حُجَجهم... ذكر (٢) هنا تَعِلَّةً أخرى هي أعجبُ من كل ما تقدَّم، وفنَّدَها كما فنَّد ما قبلها، تلك هي قولهم: إنَّ جبريل الذي يَنِزل على محمد - ﷺ - بالوحي عدوُّهم، فلا يؤمنون بما يجيء به منه، وقد أُثِر عنهم عدَّة روايات تشرحُ هذه المقالةَ:
منها: أن أحد علمائهم وهو عبد الله بن صوريا، سأل النبي - ﷺ - عن الملك الذي ينزل عليه بالوحي؟ فقال: هو جبريل، فقال ابن صوريا: هو عدو اليهود؛ لأنّه أنذرهم بخراب بيت المقدس، فكان ما أنذر به.
ومنها: أنّ عمر بن الخطاب دخل مِدْراسهم، فذكر جبريل، فقالوا: ذاك
(٢) المراغي.
ولا شكّ أنّ هذا منهم دليل على خطل الرأي، وعدم التدبُّر، وإنّما ذكره الكتاب الكريم؛ ليستبين للناس حجج أهل الكتابِ، ويعرفوا مِقدارَ مِرائهِم وسخفهم في جَدَلهِم، وأنهم ضعات الأحلام، قليلوا التَدبرِ في عواقب ما يقولون.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله سبحانه وتعالى، لمَّا ذَكَّر فيما سبق ببعض أحوالهم الشَّنيعة، ومقالاتهم القبيحة.. بيَّن في هذه الآيات حالًا من أحوالهم هي عِلَّةُ ما يصدر عنهم من جحود، وعناد، ومعاداةٍ للنبي - ﷺ -، هي أنَّ فريقًا منهم نبذوا كتاب الله الذي به يَفْخَروُن حين جاء الرسول بكتابٍ مصدِّقٍ لما بين أيديهم، فإنَّ ما في كتابهم من البشارة بنبيٍّ يجيءُ من ولد إسماعيل لا ينطبق إلّا على هذا النبي الكريم، وليس المراد (١): أنّهم نبذوا الكتاب جملةً وتفصيلًا، بل نبذوا منه ما يُبشّر بالنبي - ﷺ -، ويُبيِّن صفاته، وما يأمرهم بالإيمان به واتباعه، ولا شك أنَّ ترك بعضه كترك كله، إذ إنَّه يُذْهِب باحترام، ويفتح البابَ لترك الباقي، وهذا الجحود لم يكن بِضَائرٍ للنبي - ﷺ -، ولا لدعوته، وقد قبلها، واهتدى بها كثيرٌ من اليهود، ومن غيرهم، وحين نبذوه اشتغلوا بصناعات، وأعمال صادَّةٍ عن الأديان من صنع شياطين الإنس والجنّ، فاشتغلوا بالسحر، والشَّعوذة، والطلسمات التي نسبوها إلى سليمان، وزعموا أنَّ ملكه كان قائمًا عليها، وهذه أباطيل منهم وسوسوا بها إلى بعض المسلمين، فصدَّقوهم فيما زعموا منها، وكذّبوهم فيما رموا به سليمان من الكفر، ولا يزال حال الدجالين من المسلمين إلى اليوم يتلون العزائم، ويخطُّون خطوطًا، ويعملون طلسمات يسمُّونها خاتم سليمان، وعهودًا يزعمون أنّها تحفظ
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنّه سبحانه وتعالى، لما فرغ من الأحاديث الخاصَّة باليهود، انتقل إلى حديثٍ مشترك بينهم وبين المؤمنين، والنصارى في أمرٍ من أمور الدِّين.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه ابن جرير عن أبي العالية قال: قالت اليهود: لن يدخل الجنَّة إلّا من كان هودًا، فأنزل الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية، سبب نزولها: ما روى البخاري عن أنس - رضي الله عنه - قال: سمع عبد الله بن سلام، مقدم رسول الله وهو في أرضٍ يخترف، فأتى النبي - ﷺ -، فقال: إنّي سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلّا نبيٌّ ما أوّلُ أشراط الساعة؟ وما أوّل طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمّه؟ قال: أخبرني بهنّ جبريل آنفًا، قال جبريل: قال نعم، قال: ذاك عدوُّ اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾.
قال شيخ الإِسلام ابن حجر العسقلانيُّ في "فتح الباري": ظاهر السياق: أن النبي - ﷺ - قرأ الآية ردًّا على اليهود، ولا يستلزم ذلك نزولها حينئذ، قال: وهذا هو المعتمد: فقد صحَّ في سبب نزول الآية: قصّةٌ غير قصّة عبد الله بن سلام، فأخرج أحمد، والترمذي، والنسائي من طريق بكر بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن
(٢) لباب النقول.
وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده، وابن جرير عن طريق الشعبي: أنَّ عمر كان يأتي اليهود فيسمع من التوراة، فيتعجَّب كيف تُصدِّق ما في القرآن، فمرَّ بهم النبيُّ - ﷺ -، فقلت: نشدتكم بالله، أتعلمون أنّه رسول الله؟ فقال عالمهم: نعم نعلم أنَّه رسول الله، قلت: فلم لا تتبعونه؟ قالوا: سألناه عمَّن يأتيه بنبوّته، فقال: عدوُّنا جبريل؛ لأنّه ينزل بالغلظة، والشدّة، والحرب، والهلاك، قلت: فمن رسلكم من الملائكة؟ قالوا: ميكائيل ينزل بالقطر، والرحمة، قلت: وكيف منزلتهما من ربّهما؟ قالوا: أحدهما عن يمينه، والآخر عن الجانب الآخر قلت: فإنّه لا يحلُّ لجبريل أن يعادي ميكائيل، ولا يحلُّ لميكائيل أن يسالم عدوَّ جبريل، وإنني أشهد أنَّهما وربَّهما سِلْمٌ لمن سالموا، وحَرْبٌ لمن حاربوا، ثمَّ أتيت النبيَّ - ﷺ -، وأنا أريد أن أخبره، فلمَّا لقيته قال: ألا أخبرك بآياتٍ - أنزلت عليَّ؟ فقلت: بلى يا رسول الله! فقرأ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ حتى بلغ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ قلت: يا رسول الله! والله ما قمت من عند اليهود إلّا إليك، لأخبرك بما قالوا لي وقلت لهم، فوجدت الله سبقني. وإسناده صحيح إلى الشعبي، لكنّه لم يدرك عمر، وقد أخرجه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم من طريق آخر عن الشعبي، وأخرجه ابن جرير من طريق السدي، عن عمر، ومن طريق قتادة عن عمر، وهما أيضًا منقطعان.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق آخر، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنَّ يهوديًّا لقي عمر بن الخطاب، فقال: إن جبريل الذي يذكر صاحبكم هو عدوّ لنا، فقال عمر: من كان عدوًّا لله، وملائكته، ورسله، وجبريل، وميكائيل فإنَّ الله عدوُّه، قال: فنزلت على لسان عمر، فهذه طرقٌ يقوِّي بعضها بعضًا. وقد نقل ابن جرير الإجماع على أنَّ سبب الآية ذلك؛ أي: أنّها نزلت جوابًا لليهود، إذْ زعموا
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ الآيتين، سبب نزولهما (١): ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد، أو عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال ابن صوريا للنبيِّ - ﷺ -: يا محمد! ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة، فأنزل في ذلك: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ الآية. وقال: مالكُ بن الصيف حِينَ بُعِثَ رسول الله - ﷺ -، وذكَرَ ما أُخذ عليهم من الميثاق، وما عُهد إليهم في محمد، والله ما عُهِدَ إلينا في محمدٍ، ولا أُخذَ علينا ميثاق، فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير، عن شهر بن حوشب، قال: قالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلُط الحقَّ بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء، أفما كان ساحرًا يركب الريح؟! فأنزل الله عزّ وجل: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ...﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية: أنَّ اليهود سألوا النبيَّ - ﷺ -: زمانًا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلّا أنزل الله عليه ما سألوا عنه، فلمَّا رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل إلينا منّا، وأنَّهم سألوا عن السحر وخاصموه به، فأنزل الله عزّ وجل: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه ابن المنذر (٢)، عن السدي قال: كان رجلان من اليهود مالك ابن الصيف، ورفاعة بن زيد، إذا لقيا النبي - ﷺ - قالا وهما يكلِّمانه: راعنا سمعك، واسمع غير مسمع، فظنَّ المسلمون أنّ هذا اللفظ كان أهل الكتاب يعظِّمون به أنبيائهم، فقالوا للنبي - ﷺ - ذلك، فأنزل تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
(٢) لباب النقول.
وأخرج أبو نعيم في "الدلائل" من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن ابن عباس قال: راعنا بلسان - اليهود: السَّبُّ القبيح، فلمَّا سمعوا أصحابه يقولون، أعلنوا بها له، فكانوا يقولون ذلك، ويضحكون فيما بينهم، فنزلت هذه الآية، فسمعها منهم سعد بن معاذ، فقال لليهود: يا أعداء الله! لئن سمعتها من رجل منكم بعد هذا المجلس لأضربنَّ عنقه. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك قال: كان الرجل يقول: أرعني سمعك، فنزلت الآية.
وأخرج عن عطية قال: كان أناسٌ من اليهود يقولون: أرعنا سمعك، حتى قالها أناسٌ من المسلمين، فكره الله لهم ذلك، فنزلت الآية. وأخرج عن قتادة قال: كانوا يقولون: راعنا سمعك؛ فكان اليهود يأتون، فيقولون مثل ذلك، فنزلت الآية. وأخرج عن عطاء قال: كانت لغة الأنصار في الجاهليّة، فنزلت. وأخرج عن أبي العالية قال: إنّ العرب كانوا إذا حدَّث بعضهم يقول أحدهم لصاحبه: أرعني سمعك، فنهوا عن ذلك.
التفسير وأوجه القراءة
٩٣ - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾؛ أي: العهد منكم؛ أي: واذكروا يا بني إسرائيل! قصّة حين أخذنا العهد المؤكَّد باليمين منكم، على العمل بما في التوراة ﴿وَرَفَعْنَا﴾ أي: قلعنا وحبسنا ﴿فَوْقَكُمُ﴾؛ أي: فوق رؤوسكم ﴿الطُّورَ﴾ أي: جبله ليسقط عليكم حين أبيتم، وامتنعتم من قبول التوراة قائلين لكم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ﴾؛ أي: اعملوا بما أعطيناكم من الكتاب ﴿بِقُوَّةٍ﴾؛ أي: بجدٍّ واجتهادٍ ﴿وَاسْمَعُوا﴾ ما أمرتم به في الكتاب سماع قبول وطاعةٍ ﴿قَالُوا﴾ كلام مستأنف واقع في جواب سؤال مقدر، كأنّه قيل: فماذا قالوا؟ فقيل: قالوا: ﴿سَمِعْنَا﴾ قولك بآذاننا، ولكن لا سماع طاعةٍ وقبولٍ ﴿وَعَصَيْنَا﴾ وخالفنا أمرك بقلوبنا، ولولا مخافة الجبل ما قبلنا في الظاهر، فإذا كان حال أسلافهم هكذا فكيف يتصوَّر من أخلافهم الإيمان؟ وقيل: إنّهم يقولون ذلك بألسنتهم، ولكن لَمَّا سمعوه وتلقَّوه، تلقوه بالعصيان، فنسب ذلك إليهم. وقيل كأنَّهم يقولون: لولا
وحقيقة (١) أُشربَه كذا جعله شاربًا لذلك، فالمعنى: جُعلوا شاربين حبَّ العجل نافذًا فيهم نفوذ الماء فيما يَتغَلْغَلُ فيه. قال الراغب: من عاداتهم إذا أرادوا محاصرة حبِّ، أو بغضٍ في القلب، أن يستعيروا لها اسم الشراب، إذ هو أبلغ مساغًا في البدن، ولذلك قالت الأطباء: الماء مطيَّة الأغذية والأدوية ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: بسبب كفرهم السابق لهم في مصر من الوثنية الموجب لذلك، والمعنى: حُبّب إليهم العجل، وخالط حبُّه قلوبهم، كما يخالط الشراب أجزاء البدن الباطنة. قيل: كانوا مُجسِّمةً، أو حُلُوليَّةً، ولم يروا جسمًا أعجب منه، فتمكَّن في قلوبهم ما سوَّل لهم السامريُّ، وجَعَل حلاوةَ عبادةِ العجل في قلوبهم مجازاة لكفرهم. وفي القصص: أنَّ موسى عليه السلام، لمَّا خرج إلى قومه أمَرَ أَنْ يُبْرَدَ العجل بالمِبْرد ثم يُدرَّى في النهر، فلم يبق نهرٌ يجري يومئذٍ إلّا وقع فيه منه شيءٌ، ثم قال لهم: اشربوا منه فمن بقي، في قلبه شيءٌ من حبّ العجل ظهَرَتْ سُحَالة الذَهب على شاربه؛ أي: خَرَجت بُرادَتهُ على شاربه، وهذا (٢) قولٌ يردُّهُ قولهُ: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾ وروي أنَّ الذين تبيَّن لهم حُبُّ العجل أصابهم من ذلك الماء الجُبْنُ، وبناؤه للمفعول في قوله: ﴿وَأُشْرِبُوا﴾ دليلٌ على أنَّ ذلك فُعِل بهم، ولا يفعلُه إلّا الله تعالى. وقال أبو حيان: ومعناه: أنَّه داخلهم حبُّ عبادته، كما داخل الصبغُ الثوبَ، وأنشدوا:
(٢) البحر المحيط.
| إِذا مَا القَلْبُ أُشْرِبَ حُبَّ شيءٍ | فَلاَ تَأْمَلْ لَهُ عَنْهُ انْصِرَافا |
| جَرَى حُبُّها مَجْرَى دَمِي في مَفَاصِلِي | فَأصْبَحَ لِي عَنْ كُلِّ شُغْلٍ بهَا شُغْلُ |
| تَغَلْغَلَ حُبُّ عَثْمَةَ في فُؤَادِيْ | فَبَادِيْه مَعَ الخَافِي يَسِيرُ |
(٢) روح البيان.
والخلاصة: لو كنتم مؤمنين ما عبدتم العجل؛ يعني آباءهم، وكذلك كذبهم في قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ حيث قال:
٩٤ - ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد! أيضًا: ﴿إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾؛ أي: نعيمها وهي الجنة مُدَّخرةً ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ سبحانه وتعالى، ظَرْفٌ للاستقرار في الخير؛ أعني: لكم حالة كونها ﴿خَالِصَةً﴾؛ أي: خاصَّةً بكم منصوبٌ على الحالية من الدار؛ أي: إن كانت لكم الدار الآخرة حالة كونها سالمةً لكم خاصَّةً بكم ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ في محل النصب بـ ﴿خَالِصَةً﴾؛ أي: من دون محمد وأصحابه، فاللام في الناس للعهد، وتستعمل هذه اللفظة للاختصاص، يقال: هذا إليَّ من دون الناس؛ أي: أنا مختصُّ به؛ أي: ليس لأحد سواكم فيها حقٌّ بأن صحَّ قولكم ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾.
والمعنى: إن صحّ قولكم لن يدخل الجنّة إلّا من كان هودًا ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾؛ أي: أَحِبُّوه، واسألوه بالقلب واللسان، وقولوا: اللهم! أمتنا، فإنَّ من أيقن بدخول الجنّة اشتاق إليها، وتمنَّى سرعة الوصول إلى النعيم، والتخلُّص من دار البوار، وقرارة الأكدار، ولا سبيل إلى دخولها إلّا بعد الموت، فاستَعْجِلُوه بالتَّمنِّي ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم: إنّ الجنة خاصَّةٌ لكم فتمنَّوه، وأصل التمنّي: تقدير شيء في النفس، وأكثر ما يستعمل فيما لا حقيقة له. قوله: ﴿إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ فسَّرُوا الدار الآخرة بأنّها هي موضع الإقامة بعد انقضاء الدنيا، وسميت آخرة؛ لأنّها متأخّرة عن الدنيا، أو هي آخر ما يسكن، فتشمل الجنة والنار، ولكن الكلام هنا على تقدير مضاف؛ أي: نعيم الآخرة.
وقرأ الجمهور ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ بضمّ الواو، وهي اللغة المشهورة في مثل: اخشوا القوم، ويجوز الكسر؛ تشبيهًا لهذه الواو بواو لو استطعنا، كما شبَّهوا واو
وقد روي عن كثير من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - تمنّي الموت عند القتال، معبِّرين بألسنتهم عمّا يجول في صدورهم من صدق الإيمان بما أعدَّ الله للمؤمنين في الدار الآخرة، فقد جاء في الأخبار: أنَّ عبد الله بن رواحة كان ينشد وهو يقاتل الروم:
يَا حَبَّذَا الجَنَّةُ واقْتِرابها
طَيِّبةٌ وَبارِدٌ شَرابُها
والرُّومُ رُوْمٌ قَدْ دَنَا عَذابُهَا
وأنَّ عمَّار بن ياسر في حرب صفين قال:
| غَدًا نَلْقَى الأحِبَّهْ | مُحمَّدًا وصَحْبَه |
وروي عن النبي - ﷺ - (١): لو تمنَّوا الموت - يعني: اليهود - لغص كل إنسانٍ منهم بريقه فمات مكانه، وما بقي على وجه الأرض يهوديٌّ، وذلك: أنَّ الله سبحانه، أمر نبيه أن يدعوهم إلى تمنّي الموت، وأن يعلمهم أنَّه من تمنَّاه منهم مات، ففعل النبيُّ - ﷺ - فعلم اليهود صدقه، فأحجموا عن تمنيه فرقًا من الله سبحانه، وهذا من المعجزات؛ لأنّه إخبارٌ بالغيب، وكان كما أخبر به ولو وقع من أحد منهم تمني موته لنقل واشتُهر.
وحاصل معنى الآية: أي إن صدق (٢) قولكم وصحت دعواكم: أنَّ الجنة لا يدخلها إلّا من كان هودًا، وفي أنّكم شعب الله المختار، وأنَّ النار تمسُّكم أيامًا معدودات، فتمنَّوا الموت الذي يوصلكم إلى ذلك النعيم، الخالص، الدائم، الذي لا ينازعكم فيه أحدٌ، إذ لا يرغب الإنسان عن السعادة، ويختار الشقاء، فإن لم تتمنَّوه، بل كنتم شديدي الحرص على هذه الحياة، فما أنتم بصادقي الإيمان، وهذه حجةٌ تنطبق على الناس عامَّة، فيجب على المسلمين أن يجعلوها ميزانًا يزنون بها دعواهم اليقين بالإيمان، والقيام بحقوق الله، فإن ارتاحت نفوسهم لبذل أرواحهم في سبيل الله، والذود عن الدين، كانوا مؤمنين حقًّا، وإن ضنُّوا بها وكانوا شديدي الحرص على الحياة إذا جدَّ الجِدُّ، ودعا الداعي، كانوا بعكس ما يدَّعون.
٩٥ - ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾؛ أي: الموت ﴿أَبَدًا﴾ أي: في جميع الزمن المستقبل؛ لأنّ
(٢) المراغي.
فإن قلت: لِمَ قال هنا (لن) وفي الجمعة (لا)؟
قلت: لأنَّ (لن) أبلغ في النفي من (لا) حتى قيل: إنّها لتأبيد النفي، ودعواهم في (البقرة) بالغةٌ قاطعةٌ، وهي كون الجنة لهم بصفة الخلوص، فناسب ذكر (لن) فيها، ودعواهم في الجمعة قاصرةٌ مردودة، وهي زعمهم أنّهم أولياء لله، فناسب ذكر (لا) فيها. انتهى من "فتح الرحمن".
والمعنى: أي ولن يقع منهم هذا التمنِّي بحالٍ؛ لأنّهم يعرفون ما اجترحته أنفسهم من المعاصي، والذنوب التي يستحقون بها العقوبة، كتحريف التوراة وتبديلها، وتكذيب محمد - ﷺ - مع البشارة به في كتابهم.
وخصَّ الأيدي بالذكر (٢)؛ لأنّ الأعمال غالبًا تكون بها، وهي من بين جوارح الإنسان مناط عامَّة صنائعه، ومدار أكثر منافعه، ولذا عبَّر بها تارةً عن النفس، والشخص، كما هنا، والأخرى عن القدرة ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى ﴿عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾؛ أي: بالكافرين من اليهود، والنصارى، وغيرهم؛ أي: محيط علمه بهم، وبما صدر عنهم، وسيجازيهم عليه، ففيه معنى التهديد، والتخويف لهم، وإنّما (٣) خصَّهم بالظلم؛ لأنّه أعمّ من الكفر عمومًا وخصوصًا مطلقًا؛ لأنّ كلَّ كافر ظالم، وليس كل ظالم كافرًا، فلهذا كان أعم، وكانوا أولى به.
(٢) روح البيان.
(٣) الخازن.
فإن قلت: الذين أشركوا قد دخلوا في الناس في قوله: ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ ولمَ أفردهم بالذكر؟
قلت: أفردهم بالذكر؛ لشدَّة حرصهم على الحياة، وفيه توبيخٌ عظيم لليهود؛ لأنَّ الذين أشركوا لا يؤمنون بالمعاد، ولا بالمجازاة، ولا يعرفون إلّا الحياة الدنيا، فلا يستبعد حرصهم عليها؛ لأنّها جنّتهم، فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتابٌ، وهو مقرٌّ بالبعث والجزاء، كان حقيقًا بالتوبيخ العظيم.
فإن قلت: لِمَ زاد حرصهم على حرص المشركين؟
قلت: لأنّهم علموا لعلمهم بحالهم أنّهم صائرون إلى النار لا محالة، والمشركون لا يعلمون ذلك. وقيل: إنّ الواو في قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ استئنافية، تقديره: ومن الذين أشركوا أُناسٌ يودُّون تعميرهم ألف سنة، أو أُناسٌ
(٢) الخازن.
وقوله: ﴿أَحَدُهُمْ﴾؛ أي: واحدٌ (٢) منهم، وليس أحدٌ هنا هو الذي في قولهم: (ما قام أحدٌ)؛ لأنَّ هذا مستعملٌ في النَّفْي، أو ما جرى مجراه، والفرق بينهما: أنَّ أحدًا هذا أصوله همزةٌ وحاءٌ ودالٌ، وأصول ذلك واو وحاء ودال، فالهمزة في أحدهم بدلٌ من واو، والإتيان (٣) بالمضارع في ﴿يَوَدُّ﴾ حكايةٌ لودادهم و ﴿لَوْ﴾ مصدريَّةٌ فيه معنى التمنِّي، كأنَّه قيل: ليتني أُعمَّر، إلّا أنَّه جرى على لفظ الغيبة لقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ كقولك: حلف بالله ليفعلنّ، ومحلُّه النصب على أنه معمول ليودُّ إجراءً له مجرى القول؛ لأنّه فعلٌ قلْبيٌّ، والمعنى: تمنَّى أحدهم أن يعطى البقاء والعمر ألف سنة، وهي للمجوسي، وخصَّ هذا العدد؛ لأنّهم يقولون ذلك فيما بينهم عند العُطَاس والتحية: عشر ألف سنةٍ وألف نورٍ، وصحَّ إطلاق المشركين على المجوس؛ لأنّهم يقولون بالنور والظلمة، ﴿وَمَا هُوَ﴾؛ أي: وما طول عمره وتعميره ألف سنة، ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ أي: بمبعده، ومنجيه ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: من عذاب الله؛ لأنّه لا بدَّ للعمر، وإن طال من الفناء، والعمر: مدَّةٌ أجلها الله تعالى لعباده في دار الفناء، وجملة قوله: ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ بدلٌ من الضمير الذي فسَّرناه سابقًا بالتعمير، ويحتمل عود الضمير على أحدهم، وهو اسم ﴿مَا﴾ ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ خبر ﴿مَا﴾ والباء زائدة، و ﴿أنْ يُعَمَّرَ﴾ فاعلُ بمزحزحه.
والمعنى عليه: وما أحدهم بمن يزحزحه ويبعده من العذاب والنار تعميره
(٢) البحر المحيط.
(٣) روح البيان.
| مَا زَالَ يَلْهَجُ بِالرَحِيْلِ وذِكْرِهِ | حَتَّى أناخَ بِبَابِهِ الجَمَّالُ |
| فأصَابَهُ مُسْتَيْقِظًا مُتَسَمِّرًا | ذَا أُهْبَةٍ لَمْ تُلْهِهِ الآمَالُ |
وقد تضمَّنت هذه الآية الكريمة: الامتنان على بني إسرائيل، وتذكارهم بنعم الله تعالى، إذ أتى موسى التوراة المشتملة على الهدى والنور، ووالى بعده بالرسل؛ لتجديد دين الله وشرائعه، وأتى عيسى الأمور الخارقة للعادة من إحياء الأموات، وإبراء الأكمه والأبرص، وإيجاد المخلوق، ونفخ الروح فيه، والإنباء بالمغيَّبات، وغير ذلك، وأيَّده بمن ينزل الوحي على يديه وهو جبريل عليه
ثُمَّ أخبر تعالى بكذبهم في قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ وذلك بأنّهم قتلوا الأنبياء، والتوراة ناطقةٌ باتّباع الأنبياء، والاقتداء بهم، فقد خالف قولهم فعلهم، ثُمَّ كرَّر عليهم؛ توبيخًا لهم أنَّ موسى الذي أنزل عليه التوراة، وأنّهم يزعمون أنهم آمنوا بها، قد جاءهم بالأشياء الواضحة، والمعجزات الخارقة، من نجاتهم من فرعون، وفلق البحر، وغير ذلك، ومع ذلك اتخذوا من بعد ذهابه إلى مناجاةِ ربِّه إلهًا من أبعد الحيوان ذهنًا، وأبلدها، وهو العجل المصنوع من حُليِّهم، المشاهد إنشاؤهُ وعمله، وموسى لم يَمُتْ بَعْدُ، وكتاب الله طريٌّ نزولُه عليهم، لم
| مَلأْتُ بِبَعْضِ حُبِّكَ كُلَّ قَلْبِي | فَإنْ تُرِدْ الزِيَادَة هَاتِ قَلْبَا |
ثُمَّ ختم الآيات بأنَّ الله تعالى، مطلع على قبائح أفعالهم، ومجازيهم عليها، وتبيَّن بمجموع هذه الآيات ما جبل عليه اليهود من فرط كذبهم، وتناقض أفعالهم وأقوالهم، ونقص عقولهم، وكثرة بهتهم، أعاذنا الله من ذلك، وسلك بنا أنهج المسالك
٩٧ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد! لهؤلاء اليهود الذين زعموا أنَّ جبريل عدوٌّ لهم من بين الملائكة؛ لأنّه ينزل بالعذاب والشدّة ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ بِسَبَب نزوله بالقرآن المشتمل على سبِّهم وتكذيبهم، فليمت غيظًا؛ لأنَّ من عاداه فقد
وخصَّ القلب ولم يقل عليك؛ لأن القلب هو محلُّ العقل، والعلم، وتلقِّي الواردات؛ أو لأنَّه صحيفته التي يرقم فيها، وخزانته التي يحفظ فيها؛ أو لأنَّه سلطان الجسد. وفي الحديث: "إنَّ في الجسد مضغةً، ثُمَّ قال أخيرًا: ألا وهي القلب"؛ أو لأنَّ القلب خيار الشيء وأشرفه، أو لأنّه بيت الله؛ أو لأنّه كنى به عن العقل إطلاقًا للمحلِّ على الحالِّ؛ أو عن الجملة الإنسانية، إذ قد ذكر الإنزال عليه في أماكن ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾
(٢) البحر المحيط.
وأضاف القلب إلى الكاف التي للخطاب، ولم يُضفه إلى ياء المتكلم، وإن كان نظم الكلم يقتضيه ظاهرًا؛ لأنَّ قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ هو معمولٌ لقول مضمر، التقدير: قل يا محمد! قال الله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بأمر الله (١) اختاره في المنتخب، ومنه: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقد صرَّح ذلك في قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾، أو بعلمه وتمكينه إيّاه من هذه المنزلة، قاله ابن عطيّة، أو باختياره، قاله الماوردي، أو بتيسيره وتسهيله، قاله الزمخشري.
وقوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ من الضمير المنصوب في ﴿نَزَّلَهُ﴾ إن كان يعود على القرآن، والمعنى: أي: حالة كون القرآن مصدِّقًا وموافقًا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: لما قبله من الكتب الإلهية في التوحيد وبعض الشرائع، وإن قلنا: إنّ ضمير ﴿نَزَّلَهُ﴾ عائد على جبريل، فيحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون حالًا من المجرور المحذوف لفهم المعنى، والمعنى: فإنّ الله نزّل جبريل بالقرآن حال كون القرآن مصدِّقًا لما بين يديه.
والثاني: أن يكون حالًا من جبريل، وما في قوله: ﴿لِمَا﴾ موصولةٌ، وعنى بها الكتب التي أنزل الله على الأمم قبل إنزاله، أو التوراة والإنجيل. والهاء في ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يحتمل أن تكون عائدةً على القرآن، ويحتمل أن تعود على جبريل، فالمعنى: مصدّقًا لما بين يديه من الرسل والكتب ﴿و﴾ حالة كون القرآن ﴿هُدًى﴾؛ أي: هاديًا للناس من الضلالة إلى دين الحق ﴿و﴾ حالة كونه ﴿بُشْرَى﴾؛ أي: مبشِّرًا ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: للموحِّدين بالجنة، فلا وجه لمعاداته، فلو أنصفوا لأحبُّوه، وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم، ويَنْصَحُ المُنزَّل عليهم.
والخلاصة: أنَّه وصف القرآن بتصديقه لِمَا تقَّدمه من الكتب الإلهية، وأنّه هدى، إذ فيه بيان ما وقع التَّكْليف به من أعمال القلوب والجوارح، وأنّه بشرى لمن حصل له الهدى، فصار هذا الترتيب اللفظيُّ في هذه الأحوال؛ لكون مدلولاتها ترتبت ترتيبًا وجوديًّا:
فالأوّل: كونه مصدِّقًا للكتب، وذلك؛ لأنَّ الكتب كلَّها من ينبوع واحد.
والثاني: أنَّ الهداية حصلت به بعد نزوله على هذه الحال من التصديق.
والثالث: أنَّه بشرى لمن حصلت له به الهداية، وقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ خصَّ الهدى والبشرى بالمؤمنين؛ لأنَّ غير المؤمنين لا يكون لهم هُدًى به ولا بشرى، كما قال: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾؛ ولأنَّ المؤمنين هم المبشَّرون، كما قال: ﴿فبشِّر عبادي﴾ ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾. ودلَّت هذه الآية على تعظيم جبريل، والتنويه بقدره، حيث جعله الواسطة بينه تعالى وبين أشرف خلقه، والمنزَّل بالكتاب الجامع للأوصاف المذكورة، ودلت على ذم اليهود حيث أبغضوا من كان بهذه المنزلة الرفيعة عند الله تعالى.
وهذه الآية (٣) تعلَّقت بها الباطنية حيث قالوا: إنّ القرآن إلهامٌ، والحروف
(٢) البحر المحيط.
(٣) البحر المحيط.
٩٨ - ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ بمخالفته أمر الله عنادًا، وخروجه عن طاعته مكابرةً، أو بمعاداة المقرَّبين من عباده، وصدَّر (١) الكلم بذكر الله؛ تفخيمًا لشأنهم ﴿و﴾ لـ ﴿ملائكته﴾ ﴿و﴾ لـ ﴿رسله﴾ ﴿و﴾ لـ ﴿جبريل و﴾ لـ ﴿ميكال﴾ أفردهما بالذكر مع كونهما داخلين في جملة الملائكة؛ لبيان شرفهما؛ وإظهار فضلهما؛ وعلوِّ منزلتهما، فكأنَّهما جنسٌ آخر أشرف ممَّا ذكر تنزيلًا؛ للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الجنس، وللردّ على اليهود حيث قالوا: جبريل عدوُّنا، وميكال ولِيُّنا. قال عكرمة: جبرَ، وميك، وإسراف، معناها: العبد بالسُّريانية، وإيل، وآيْل، معناهما: الله، ومعنى هذه الأسماء: عبد الله، أو عبد الرحمن، وحكى الماوردي عن ابن عباس: أن جبر بمعنى: عبد بالتكبير، وميكا بمعنى: عبيدٍ بالتصغير، فمعنى جبريل: عبد الله، ومعنى ميكائيل: عبيد الله، قال: ولا نعلم لابن عباس في هذا مخالفًا. اهـ. "سمين".
أي: من عادى هؤلاء المذكورين، فقد كفر، والكافر عدوٌّ لله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ جواب الشرط (٢)، ولم يقل: فإنَّه؛ لاحتمال أن يعود إلى جبريل، أو ميكال ﴿عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾؛ أي: عدوٌّ لهؤلاء اليهود، وغيرهم من الكفرة، وأظهر في موضع الإضمار؛ لأنَّ مقتضى السياق، فإنَّ الله عدوٌّ لهم؛ ليدلَّ على أنَّ الله إنّما عاداهم لكفرهم، والمعنى: من عاداهم عاداه الله، وعاقبه أشدَّ العقاب، أي: فإنّ الله سبحانه تولَّى بنفسه عداوة ذلك الكافر بالانتقام منه، وكفى رسله، وملائكته عن أمر من عاداهم.
قال الواحديُّ: والمعنى: أنَّ من كان عدوًّا لأحد من هؤلاء، فإنَّ الله عدوٌّ له؛ لأنَّ عَدُوَّ الواحد منهم عدوٌّ للجمع، وعدوُّ محمدٍ - ﷺ - عدوُّ الله، وليس
(٢) روح البيان.
وليس المراد (١): من كان عدوًّا لجميع الملائكة، وجميع الرسل، بل هذا من باب التعليق على الجنس بصورة الجمع، كقوله: (إنْ كلَّمْتِ الرجال فأنتِ طالق) لا يريد بذلك إن كلمت كُلَّ الرجال، ولا أقلَّ ما ينطلق عليه الجمع، وإنّما علَّق بالجنس، وإن كان بصورة الجمع، فلو كلَّمَتْ رجلًا واحدًا طلقتْ، فكذلك هذا الجمع في الملائكة والرسل.
فالمعنى: أن من عادى الله، أو ملكًا من ملائكته، أو رسولًا من رسله، فالله عدوٌّ له، والعداوة بين الله والعبد لا تكون حقيقةً، وعداوة العبد لله تعالى مجازٌ. ومعناها: مخالفة أمره، وعداوة الله للعبد مجازاته على مخالفته. وقرأ حمزة (٢)، والكسائي: جبرائيل بفتح الجيم والراء وهمزةٍ مكسورةٍ بعد الراء. وقرأ شعبة كذلك، إلّا أنه حذف الياء بعد الهمزة وكسر الراء، والباقون بكسر الجيم والراء من غير همزٍ بعد الراء، إلّا أنَّ ابن كثير: فتح الجيم. وقرأ أبو عمرو، وحفصٌ: ﴿ميكال﴾ بغير همزة، ولا ياءٍ بين الألف واللام. وقرأ نافع بهمزةٍ بعد الألف، ولا ياء بعد الهمزة، والباقون بهمزةٍ بعد الألف وياءٍ.
والخلاصة: أي إنَّ (٣) من عادى الله وعادى هؤلاء المقرَّبين عنده، فالله عدوٌّ له؛ لأنَّه كافرٌ به ومعادٍ له، وهو الظالم لنفسه حين دعاه فلم يجب، وفي هذا من شديد الوعيد ما لا يخفى، إذ فيه تصريحٌ بأنّهم أعداء الحق، وأعداء كلِّ من يدعو إليه، ومعاداة القرآن، كمعاداة سائر الكتب السماويّة؛ لأنَّ المقصد من الجميع واحدٌ، وهو هداية الناس، وإرشادهم إلى سبيل الخير، ومعاداة محمد - ﷺ -، كمعاداة سائر الأنبياء؛ لأنَّ رسالتهم واحدة، والمقصد واحدٌ. والواو في قوله:
(٢) المراح.
(٣) المراغي.
واعلم: أنَّ القرآن هو النور الإلهيُّ الذي كشف الله به الظُّلمات، واليهود أرادوا أن يُطفِئُوا نور الله، والله متم نوره، وليس لهم في ذلك إلا الفضاحة والخزي، كما إذا دخل الحمام ناسٌ في ليلٍ مظلم، وفيهم الأصحاء وأهل العيوب، فجاء واحدٌ بسراج مضيءٍ لا يسارع إلى إطفائه إلّا أهل العيوب، مخافة أن يُظهر عيوبهم للأصحَّاء، ويلحق بهم مذمَّةً (أو) الهمزة (١) فيه للاستفهام الإنكاري، داخلةٌ على محذوف معلوم من السياق، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، كما هو مذهب الزمخشري، والتقدير: أكفروا بهذه الآيات البيِّنات مع كونها في غاية الوضوح؟
١٠٠ - ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا﴾؛ أي: أعطوا ﴿عَهْدًا﴾ لله سبحانه في حقِّ محمد - ﷺ - وهو مصدرٌ مؤكِّد لعاهدوا من غير لفظه بمعنى: معاهدةً. وقرأ أبو السمال العدويُّ (٢)، وغيره ﴿أوْكُلَّما﴾ بسكون الواو، وخرَّج ذلك الزمخشري على أن يكون للعطف على الفاسقين وقدَّره: وما يكفر بها إلّا الذين فسقوا، أو
(٢) البحر المحيط.
أي: أكفروا (١) بتلك الآيات البينات؟ وكلَّما عاهدوا وأعطوا عهد الله في حق محمد - ﷺ - نقضه، ورماه جماعةٌ منهم، وقوله: ﴿نَبَذَهُ﴾ جواب ﴿كلما﴾ وهو محلُّ الاستفهام الإنكاري، والمعنى: أنقضوا العهد كُلَّما عاهدوا عهدًا، ولا ينبغي ولا يليق بهم ذلك النقض، وذلك (٢) العهد، كقولهم قبل مبعث محمد - ﷺ -: لئن خرج نبيُّ آخر الزمان لنؤمننَّ به، ولنخرجنَّ المشركين من ديارهم، وككونهم عاهدوا الله على أن لا يعينوا عليه - ﷺ - أحدًا من المشركين، ثم أعانوا عليه قريشًا يوم الخندق.
وفي "المراغي": والمراد بالعهود هنا: هي عهودهم للنبي - ﷺ -، ولمَّا كان لفظ الفريق يُوهم قلّةَ العدد، مع أن الناقِضينَ للعهد هم أكثر، أَضْرَبَ عنه،
(٢) المراح.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وقيل المعنى: بل أكثر اليهود لا يؤمنون بالتوراة، وليسوا من الدين في شيء، فلا يعتدُّون - نقض العهد والمواثيق ذنبًا، ولا يبالون، وهذا ردٌّ لما يتوهَّم من أنَّ الفريق النابذين هم الأقلُّون، أو أنّ من لم ينبذ جهارًا فهم مؤمنون به خفاءً. وهذا من (١) إخبار الغيب، إذ أنَّ أكثر اليهود ما آمنوا بالنبي - ﷺ - ولن يؤمنوا به، فمثل هذا الحكم لا يصدر إلّا ممَّن يعلم خفيَّات الأمور.
والخلاصة: أنَّ الله سبحانه وتعالى، بيَّن في هذه الآية حالين لأهل الكتاب.
أولاهما: أنّه لا يوثق بهم في شيء؛ لما عرف عن كثير منهم من نقض العهود في كل زمان.
ثانيتهما: أنّه لا يرجى إيمان أكثرهم؛ لأنّ الضلال قد استحوذ عليهم، وجعلهم في طغيانهم يعمهون.
١٠١ - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: ولمَّا أتى اليهود ﴿رَسُولٌ﴾ هو محمد - ﷺ - ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ متعلِّق بجاء ﴿مُصَدِّقٌ﴾؛ أي: مُقرِّرٌ ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾؛ أي: لما مع اليهود من التوراة من (٢) حيث إنّه - ﷺ - قرَّر صحتها، أو حقَّق حقيقة نبوّة موسى عليه السلام بما أنزل الله تعالى عليه، أو من حيث إنه - ﷺ - جاء على وفق ما نعت له فيها ﴿نَبَذَ﴾؛ أي: طرح ورمى جواب ﴿لَمَّا﴾ ﴿فَرِيقٌ﴾؛ أي: طائفةٌ ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا﴾ وأعطوا ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: التوراة، وتمسَّكوا به أوَّلًا، يعني: علماء اليهود وأحبارهم ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ الذي أوتوه وهو مفعول نبذ؛ أي: التوراة؛ أي، طرح
(٢) المراغي.
(٣) كرخي.
قيل (٢): أصل اليهود: أربع فرقٍ: فرقةٌ آمنوا بالتوراة، وقاموا بحقوقها، كمؤمن أهل الكتاب، وهم الأقلُّون المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وفرقةٌ جاهروا بنبذ العهود تمردًا وفسوقًا، وهم المعنيُّون بقوله عَزَّ وَجَلَّ ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ﴾ وفرقةٌ لم يجاهروا بنبذها، ولكن نبذوها لجهلهم، وهم الأكثرون، وفرقةٌ تمسَّكوا بها ظاهرًا، ونبذوها خفيةً وهم المتجاهلون. وفيه إشارةٌ إلى أن مَنْ فَعَل فِعْل الجاهل، وتعمَّدَ الخلافَ مع علمه، يلتحقُ بالجُهَّال، وهو والجاهل سواءٌ، فكما أنَّ الجاهلَ لا يجَيِءُ منه خيرٌ، فكذا العالم لا يعمل بِعلْمِه، ولذا قال النبي - ﷺ -: "واعظُ اللِّسان ضائعٌ كلامه، وواعظ القلب نافذٌ
(٢) روح البيان.
ومعنى الآية (١): أيْ: إنّه حين جاء النبيُّ - ﷺ - بكتابٍ مصدِّقٍ للتوراة التي بين أيديهم بما فيه من أصول التوحيد، وقواعد التشريع، وروائع الحكم والمواعظ، وأخبار الأمم الغابرة، نبذ فريقٌ من اليهود كتابهم وهو التوراة؛ لأنّهم حين كفروا بالرسول المصدِّق لما معهم، فقد نبذوا التوراة التي فيها أنَّ محمد رسول الله، وأهملوها إهمالًا تامًّا كأنَّهم لا يعلمون أنها من عند الله تعالى، وقد جعل تركهم إيَّاها، وإنكارهم لها إلقاءً لها وراء الظهر؛ لأنَّ من يلقي الشيء وراء ظهره لا يراه فلا يتذكَّره.
فعلى العاقل (٢): أن يسارع إلى الامتثال خوفًا مِنْ بطشِ يدِ ذي الجلال، ويقال: الندامةُ أربعٌ: ندامةُ يومٍ: وهي أنْ يَخْرُج الرجلُ من منزله قبل أن يتغدَّى، وندامةُ سنة: وهي تَرْكُ الزراعة في وقتها، وندامةُ عُمْر: وهو أن يتزوَّج امرأة غير موافقة، وندامةُ الأبَدِ: وهي أن يترك أَمْرَ الله، ومجرَّدُ قراءة الكتاب بِترْياقِ الظاهر لا يدفع سُمَّ الباطن، فلا بدّ من العمل بما علم، كما أنَّ من كان ينظر إلى كُتُب الطبّ، وكان مريضًا، فما دام لم يباشر العلاج لا يفيد نظره بالأدوية، وكان خُلقه - ﷺ -: القرآن؛ يعني: يعملُ بأوامره، وينتهي عن نواهيه. وقال السدي (٣) لمَّا جاءهم محمدٌ - ﷺ - خاصموه بالتوراة، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة لموافقة القرآن لها، وأخذوا بكتابِ آصفِ بن بَرْخِيَا، وسِحْر هاروت وماروت، فلم يوافق ذلك القرآن، كما قال تعالى:
١٠٢ - ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ معطوف على نَبَذ؛ أي: ولمَّا جاءهم كتاب مِنْ عند الله، نبذ فريق من أهل الكتاب كتاب الله وراءَ ظهورهم واتَّبعوا؛ أي: واتبع أولئك الفريق؛ يعني: علماءَهم وأحبارَهم ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾؛ أي: تَلَتْهُ الشياطين وقرأَتْهُ، والإتيان (٤) بصيغة المضارع في تَتْلُوا؛
(٢) روح البيان.
(٣) المراح.
(٤) روح البيان.
أي: واتَّبعوا ما كانت الشياطين تتلوه وتقرؤه ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ بن داود عليهما السلام؛ أي: في عهده وزمان ملكه من السحر، وتكذيبه على سليمان، والكلام على حذف مضاف، وعَلَى بمعنى: في، وكانت الشياطين دفنتهُ تحت كرسيه لمَّا نُزِع ملكه، فلم يشعر بذلك سليمان، فلمَّا مات استخرجوه، وقالوا للناس: إنّما مَلككم سليمان بهذا، فتعلَّموه، وأقبلوا على تعلُّمه، ورفضوا كتب أنبيائهم، وفشَتْ الملامةُ على سليمان، فلم تزل هذه حالَهم حتى بعث الله تعالى محمدًا - ﷺ - وأنزل الله عليه براءةَ سليمان، فقال: وما كفر سليمان الخ.
قال السديُّ (٢): كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت، وغيره، ويأتون الكهنة ويُخلِّطون بما سمعوا في كُلِّ كلمة سبعين كذبةً، ويخبرونهم بها، فاكتتبت الناس ذلك، وفشا في بني إسرائيل: أنَّ الجنّ تعلم الغيب، وبعث سليمان في الناس، وجمع تلك الكتب، وجعلها في صندوق، ودفنه تحت كرسيه، وقال: لا أسمع أحدًا يقول: إنّ الشيطان يعلم الغيب إلّا ضرَبْتُ عنقهَ، فلما مات سليمان، وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون أَمْرَ سليمان، ودَفْنَه الكُتبَ، وخَلفَ من بعدهم خلفٌ تمثَّل الشيطان على صورة إنسان، فأتى نفرًا من بني إسرائيل، فقال: هل أدلُّكم على كنزٍ تأكلونه أبدًا؟ قالوا: نعم، قال: تحت الكرسي، وذهب معهم، فأراهم المكان، وقام ناحيةً، فقالوا: ادْنُ، قال: لا ولكني ها هنا، فإِنْ لم تجدوه، فاقتلوني، وذلك أنَّه
(٢) روح البيان.
أي: ما كتب سليمان السحر، وما عمل به؛ لأنّ عمل السحر كفر في شريعته، وأمّا في شريعتنا (١)، فإن اعتقد فاعله حِل استعماله كَفَر، وإلّا فلا، وأمّا تعلّمه، فإن كان ليعمل به فحرام، أو ليتوقّاه فمباح أولًا، ولا، فمكروه، والسحرُ (٢): كُلُّ ما دَقَّ ولَطُفَ، يقال: سحره إذا أبدى له أمرًا يَدِقُّ عليه، ويَخْفَى. وعرَّفه ابنُ العربي (٣): بأنّه كلام مؤلَّف يُعظَّم به غير الله، وتُنْسَب له المقادير، فعليه فهو كفر، حتى في شَرْعِنا ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ باستعمال السحر، وتعليمِه، وتدوينِه، وِإمّا بتكفيرهم سليمانَ به، ويحتمل كفرهم بغير ذلك، واستعمالُ لكن هنا حَسَنٌ؛ لأنّها بين نفي وإثبات. وقرىء ﴿وَلَكِنَّ﴾ بالتشديد، فيجب إعمالها، وهي قراءة نافع، وعاصم، وابن كثير، وأبي عمرو. وقرىء بتخفيفِ النون، ورفعِ ما بعدها بالابتداء والخبر، وهي قراءة ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وإذا خُففت، فهل يجوز إعمالُها؟ مسألةُ خلافٍ: الجمهورُ على المنع، وقال الكسائي، والفراء: الاختيارُ التشديد إذا كان قبلها واو، والتخفيف إذا لم يكن معها واو؛ ذلك لأنّها مخفّفة تكون عاطفة، ولا تحتاجُ إلى واو كبَلْ، وإذا كانت قبلها واوٌ لم تشبه بل؛ لأنَّ بل لا تدخل عليها الواو،
(٢) الفتوحات.
(٣) الصاوي.
واعلم: أَنَّهُ (١) قد جاء ذِكْرُ السحر في القرآن في مواضع كثيرة، ولا سيما في قصَص موسى وفرعون، ووصفه بأنه خداعٌ، وتخييلٌ للأعين، حتى ترى ما ليس بكائنٍ كائنًا، كما قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ وقال في آية أخرى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ والآية نصٌّ صريح على أنَّ السحر يُعلَّم، ويُلقَّن، والتاريخ يؤيِّد هذا.
والسحر (٢): إمَّا حيلةٌ وشعوذةٌ، وإما صناعةٌ، وعلمٌ خفيٌّ يعرفه بعض الناس، ويجهله الكثير منهم، ومن ثَمَّ يسمُّون العمل به سحرًا؛ لخفاء سببه عليهم، وقد روى المؤرِّخون: أن سحرة فرعون استعانوا بالزئبق على إظهار الحِبَال والعِصي بصُوَر الحيَّاتِ والثَّعابِين، حتى خُيِّل إلى الناس أنَّها تَسْعى. وقد اعتاد الذين اتخذوه صناعةً للمعاش، أن يتكلَّموا بأسماءٍ غريبةٍ، وألفاظ مبهمةٍ اشتهر بين الناس أنها من أسماءِ الشياطين، وملوكِ الجن، لِيوهموُهم أنَّ الجنَّ يَسْتَجِيبون دُعاءهم، ويُسخرِّون لهم، وهذا هو منشأ اعتقاد العامَّة أنَّ السحر عملٌ يستعان عليه بالشياطينِ، وأرواحِ الكواكب، ولمثل هذا تأثيرٌ في إثارة الوهم دلَّت التجربة على وجوده، وهو يُغْنِي مُنتحِلَ السحر عن توجيهِ هِمتِه، وتأثير إرادته فيمن يُعملُ له السحرُ، وسيأتي بَسْطهُ أواخرَ هذه الآيات ﴿و﴾ حالة كونهم يعلِّمونهم أيضًا ﴿ما أنزل على الملكين﴾ فهو معطوف على السحر؛ أي: (٣) ويُعلِّمُون الناسَ
(٢) المراغي.
(٣) الواحدي.
وقيل: معطوفٌ على تتلو الشياطين، والمعنى عليه، وكما اتَّبع رؤساء اليهود السحر، كذلك اتَّبعوا ما أنزل على الملكين، وقرىء في الشواذ المَلِكينِ بكسر اللام، قيل: هما رجلان ساحران كانا ببابل، وقيل: عِلْجَان، والقراءة (١) المشهورة بفتح اللام، وهما ملكان من الملائكة، وقرأ ابن عباس، والحسن، وأبو الأسود الدؤلي، والضحَّاك، وابن أبزي المَلِكين بكسر اللام، فقال ابن عباس: هما رجلان ساحران ببابل، واعلم أنَّ الملكيَنِ أنزلا لتعليم السحر امتحانًا من الله تعالى للناس، هل يتعلَّمونه أم لا؟ كما امتحن قوم طالوت بالشرب من النهر، فمَنْ تعلَّمه منهم وعَمِلَ به كان كافرًا، ومن تَجنَّبه أو تعلَّمه لا يعمل به، ولكن ليتوقَّاه كان مؤمنًا، كما قيل:
عَرَفْتُ الشَرَّ لا للشَّرِّ ولكن لِتوَقِّيه
وهذا كما إذا أتى عرَّافًا فسأله عن شيء؛ لِيَمْتَحِن حالَه؛ ويختبر باطنَ ما عنده، وعنده ما يَميِّزُ بهِ صدقُه من كذبه، فهذا جائزٌ. قال الإِمام فخر الدين الرازيُّ: كانت الحكمة في إنزالهما: أنَّ السَّحرة كانوا يسترقُون السمعَ من الشياطين، ويُلقون ما سمعوا بين الخلق، وكانوا بسببِ ذلك يُثْبِتُون لأنفسهم الوَحْي النازلَ، على الأنبياء، فأَنْزلَهما إلى الأرضِ ليعلِّما الناسَ كيفيةَ السحر، ليظهر بذلك الفَرْقُ بين لام الله، وكلام السحرة؛ لئلا يغترَّ الناس بالسحر؛ لأنَّ السحرةَ كثرُوا في ذلك الزمن، واستنبطوا أبوابًا - غريبةً من السحر، وكانوا يدَّعون النبوة، فبعث الله تعالى هذين الملكين ليعلِّما الناس أبواب السحر، حتّى يتمكنوا
﴿بِبَابِلَ﴾ الباء (١) بمعنى في، وهي متعلقةٌ بأنزل، أو بمحذوف وقع حالًا من الملكين، وهي: بابل العراق، أو بابل أرض الكوفة، ومنع الصرف للعجمة والعلمية، وأحسن ما قيل في تسميتها ببابل: أنَّ نوحًا عليه السلام، لمَّا هبط إلى أسفل الجوديِّ، بَنَى قريةً وسمَّاها ثمانين، فأصبح ذات يوم، وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة، إحداها اللسان العربيُّ، وكان لا يفهم بعضهم من بعض. كذا في "تفسير القرطبي"، واختصت بابل بالإنزال؛ لأنّها كانت أكثر البلاد سحرًا ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ عطف بيان للملكين؛ لأنَّهما علمان لملكين نَزَلا من السماء، كما أخرجه ابن جرير، عن ابن عباس، ومُنع صرفهما للعلمية والعجمية، وما روي في قصتهما من أنَّها شربا الخمر، وسفكا الدم، وزنيا، وقتلا نفسًا، وسجدا للصنم، فَمِمَّا لا تعويل عليه؛ لأنَّ مداره رِوايةُ اليهود مع ما فيه من المخالفة لأدلَّة النقل والعقل.
يقول الفقير: قد تصَفَّحْتُ كتبَ أرباب الخبر والبيان، وأصحاب الشهود والعيان، فوُجدتُ عامَّتَها مشحونةً بذكر ما جرى من قصتهما، وكيف يجوز الاتِّفاق من الجمِّ الغفير على ما مداره - روايةُ اليهود، خُصوصًا في مثل هذا الأمر الهائل، فأقول: وَصْفُ الملائكِةِ بأنَّهم لا يعصون، ولا يستكبرون، يسبِّحون الليل والنهار، لا يفتُرون، ويفعلون ما يؤمرون، دليلُ تصوُّرِ العصيان منهم، ولولا ذلك لما مدحوا به، إذ لا يُمْدَح أحدٌ على الممتنع، لكن طاعتهم طبعٌ، وعصيانهم تكلُّفٌ، على عكس حال البشر، كما في "التيسير"، فهذا يقتضي جوازُ الوقوع مع أنَّ فيما روي في سبب نزولهما ما يزيل الإشكال قطعًا، وهو أنَّهم لمَّا عيَّروا بني آدم بقلّة الأعمال، وكثرة الذنوب في زمن إدريس عليه السلام، قال الله تعالى: (لو أنزلتكم إلى الأرض وركَّبت فيكم ما ركَّبت فيهم لفعلتم مثل ما فعلوا)، فقالوا: سبحانك ربَّنا، ما كان ينبغي لنا أن نعصيك، قال الله تعالى:
وفي الحديث: إنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "اتقوا الدُّنيا، فوالذي نفسي بيده، إنَّها لأَسْحَرُ من هاروت وماروت" قال العلماء: إنّما كانت الدنيا أسحر منهما؛ لأنّها تدعوك إلى التَّحارص عليها، والتَّنافس فيها، والجمع لها، والمنع حتى تُفرِّق بينك وبين طاعة الله تعالى، وتُفرِّق بينك وبين رؤية الحق ورعايته، وسحر الدنيا محبتها، وتلذُّذك بشهواتها، وتمنِّيك بأمانيها الكاذبة حتى تأخذ بقلبك، ولهذا قال النبيُّ - ﷺ -: "حُبُّك الشيءَ يُعْمِي ويُصِمُّ" أَرَادَ النبيُّ - ﷺ -: أنَّ من الحُبِّ ما يعمي عن طريق الحقّ والرَّشدِ، ويُصِمُّكَ عن استماع الحق، وإنَّ الرجل إذا غلب الحُبُّ على قلبه، ولم يكن له رادعٌ من عقلٍ، أو ديْنٍ أصمَّهُ حُبُّه عن
أي: فلا تتعلَّم السحر (٣)، ولا تعمل به؛ لأنَّ عمله كفرٌ باللهِ؛ أي: لا يصفان السحر لأحدٍ حتى يبذلا - النصيحةَ له أوَّلًا، فيقولا لَهُ: هذا الذي نَصِفُه
(٢) روح البيان.
(٣) عمدة التفاسير.
وفي هذا (١) إيماءٌ إلى أنَّ تعلُّم السحر، وكُلِّ ما لا يجوز اتباعه، والعمل به ليس محظورًا، وإنّما الذي يحظر ويمنع هو العمل به فحَسْبُ. وإنما كانا يقولان ذلك إِبْقاءً على حسن اعتقاد الناس فيهما، إذ كانا يقولان: إنّهما ملكان، كما نسمع الآن من الدجالين يحترفون مثل ذلك، لمن يعلِّمونهم الكتابة للحبِّ، والبغض، نوصيك بأن لا تكتب هذا لجلب امرأةٍ إلى حبِّ غير زوجها، ولا تكتب لأحد زوجين أن يبغض الآخر، بل تجعل ذلك للمصلحة العامَّة، كالحُبِّ بين الزوجين، والتفريق بين عاشقين فاسقين، وهذا منهم إيهامٌ بأنَّ علومهم إلهِيَّةٌ، وقرأ الجمهور ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ بفتح التاء، وهما بدلٌ من الملكين، وتكون الفتحة علامةً للجر؛ لأنّهما ممنوعان من الصرف لما مرَّ. وقرأ الحسن، والزهريُّ: ﴿هاروتُ وماروتُ﴾ بالرفع، فيجوز أن يكونا خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هما هاروت وماروت ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ عطف (٢) على الجملة المنفيَّة، فإنّها في قوَّة المثبتة، كأنّه قيل: يعلِّمانهم بعد قولهما، إنما نحن فتنة... الخ، والضمير لأحد حملًا على المعنى، والمراد به: السحرة؛ أي: فالنَّاس يتعلَّمون ﴿مِنْهُمَا﴾؛ أي: من الملكين، أو من السحرِ، والمنزَّلِ على الملكين، أو من الفتنة والكفر؛ أي: فيأتي السحرة من الناس الملكين، فيتعلَّمون من الملكين ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ﴾، أي: بسببهِ واستعمالهِ ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾؛ أي: يتعلَّمون منهما من علم السحر ما يكون سببًا في التفريق بين الزوجين ببغض كل واحدٍ منهما إلى الآخر، فبعد أن كانت المودَّة، والمحبة بينهما، يُصبح الشقاق، والفراق، والخِلاف بينهما، عند ما فعلوا من السحر، كالتَّمويه، والتَّخييل، والنَّفث في العقد، ونحو ذلك ممَّا يُحدث الله عنده البغضاء، والنشوز، والخلافَ بين الزوجين، ابتلاءً من الله تعالى؛ لأنَّ
(٢) روح البيان.
قال السدي (١): كانا يقولان لمن جاءهما: إنّما نحن فتنة فلا تكفر، فإن أبى أن يرجع قالا له: ائت الرَّماد فَبُلْ فيه، فإذا بال فيه خرج نورٌ يَسْطَعُ إلى السماء، وهو الإيمان، والمعرفةُ، وينزل شيءٌ أسود شِبهُ الدُّخان، فيدخل في أذنيه، ومسامعه، وهو الكفر، وغضبُ الله، فإذا أخبرهما بما رآه من ذلك، علَّماه ما يفرِّق به بين المرء وزوجه، ويقدر الساحر على أكثر ممَّا أخبر الله عنه من التفريق؛ لأنَّ ذلك خُرِّج على الأغلب. قيل: يُؤخذ الرجلُ عن المرأة بالسحر لا يقدر على الجماع. قال في نصابِ الاحتساب: إنَّ الرجل إذا لم يَقْدِر على مجامعة أهله، وأطاق ما سواها، فإنّ - المُبْتلى بذلك يأخذ حُزْمَة قصبات، ويطلب فأسًا ذا فقارين، ويضعه في وسط تلك الحزمة، ثم يؤجِّجُ نارًا في تلك الحزمة، حتى إذا أُحمي الفأس استخرجه من النار، وبال على حدّه، يبرأ بإذن الله تعالى. انتهى.
والآية (٢) لا ترشد إلى حقيقة ما يتعلَّمُونه من السحر أمؤثرٌ بطبعه، أو بسببٍ خفيٍّ، أو بخارقٍ من خوارق العادات، أم غير مؤثّر؟ كما أنَّها لم تُبيِّن نوعَ ما يتعلَّمونه، أتمائمٌ وكتابةٌ هو، أم تلاوةُ رُقًى وعزائمَ، أم أسَالِيب سِعَايةٍ، أم دسَائسُ تنفيرٍ ونكايةٍ، أم تأثيرٌ نفسانيٌّ أم وسواسٌ شيطانيٌّ؟ فأيُّ ذلك أثبته العِلْمُ، كان تفِصيلًا لما أَجْملَه القرآن، ولا نتَحكَّم في حَمْله على نوعٍ منها، ولو علم الله الخَيْر في بيَانهِ لبينه، ولكنَّه وَكَل ذلك إلى بُحُوث الناس، وارتقائهم في العلم، فهو الذي يُجلِّي الغوامضَ، ويكشف الحقائق ﴿وَمَا هُمْ﴾؛ أي: ليس السَّاحرون
(٢) المراغي.
وإن أردت التفصيلَ وحقيقةَ الحال (٢)، فاستمع لما نَتْلُو عليك من المقال، وهو أن السحر: إظهار أمرٍ خارقٍ للعادة، من نفسٍ شِرِّيرةٍ خِبَيثةٍ، بمباشرة أعمال مخصوصةٍ، يَجْرِي فيه التعلُّم والتعليم، وبهذين الاعتبارين يُفارق المعجزة، والكرامة؛ وذلك لأنَّ المعجزة: أمرٌ خارق للعادة، يظهر على يد من يدَّعي النبوة والرسالة عند ردِّ الملحدة، والكرامة: أمرٌ خارق للعادة، يظهر على يد عبدٍ من عباد الله الصالحين، والسِّحر: أمرٌ خارقٌ للعادة، يظهر على يد نفسٍ شريرةٍ خبيثةٍ، بمباشرة أعمالٍ مخصوصة.
فَصْل في بيان حقيقة السحر
واختلف العلماء في حقيقة السحر بمعنى ثبوته في الخارج:
(٢) روح البيان.
قال العلماء: إن كان في السحر ما يخل شرطًا من شرائط الإيمان، من قول، وفعل، كان كفرًا، وإلا لم يكن كفرًا، وعامَّة ما بأيدي الناس من العزائم، والطَّلاسم، والرُّقي التي لا تفهم بالعربية، فيها ما هو شِرْكٌ وتعظيمٌ للجن، ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرُّقي التي لا يفهم معناها بالعربية؛ لأنَّها مظنَّة الشرك، وإن لم يعرف الرَّاقي أنّها شركٌ، وفي الصحيح عن النبي - ﷺ -: أنَّه رخّص في الرُّقي ما لم تكن شركًا، وقال "مَن استطاع أن ينفع أخاه فليفعل" ولذا نقول: إنه يجوز أن يكتب للمصاب، وغيره من المرضى شيءٌ من كتاب الله تعالى، وذكره. بالمداد المباح، ويُسقى، أو يعلَّق عليه، وفي أسماء الله تعالى، وذكره خاصَّةً قمع الشياطين، وإذلالهم، ولأنفاس أهل الحق تأثيراتٌ عجيبةٌ؛ لأنّهم تركوا الشهوات، ولزموا العبادات على الوجه الشرعيِّ، وظهر لهم حكم قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ولذا يطيعهم الجنُّ والشياطين، ويستعبدونهم، كما استعبدها سليمان عليه السلام، بتسخير من الله تعالى، وإقداره.
واعلم: أنَّ حكم الساحر القتل ذكرًا كان أو أنثى، إذا كان سعيه بالإفساد، والإهلاك في الأرض، وإذا كان سعيه بالكفر، فيقتل الذكر دون الأنثى، فتضرب، وتحبس؛ لأنَّ الساحرة كافرةٌ، والكافرةُ ليست من أهل الحرب، فإذا كان الكفر
قوله ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ قرأ الجمهور (١) بفتح الميم وسكون الراء والهمزة. وقرأ الحسن، والزهري، وقتادة ﴿المَرِ﴾ بغير همز مخففًا. وقرأ ابن أبي إسحاق: ﴿المُرءُ﴾ بضمّ الميم والهمزة. وقرأ الأشهب العقيلي ﴿المِرْءِ﴾ بكسر الميم والهمزة، ورُويت عن الحسين. وقرأ الزهري أيضًا ﴿المَرِّ﴾ بفتح الميم وإسقاط الهمزة وتشديد الراء، فأمَّا فتح الميم وكسرها وضمُّها، فلغاتٌ، وأمَّا المرِ بكسر الراء، فوجهه أنّه نقل حركة الهمزة إلى الراء، وخفَّف الهمزة، وأمّا تشديدها بعد الحذف، فوجهه أنّه نوى الوقف فشدَّد، كما روي عن عاصم مستطرّ بتشديد الراء في الوقف، ثُمَّ أُجري الوصل مجرى الوقف، فأقرَّها على تشديدٍ فيه، قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ﴾ قرأ الجمهور بإثبات النون في ﴿بِضَارِّينَ﴾ وقرأ الأعمش بحذفها، وخرج ذلك على وجهين: أحدهما: أنّها حذفت تخفيفًا، والثاني: أنَّ حذفها لأجل الإضافة إلى أحد، وفصل بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور الذي هو ﴿بِهِ﴾ كما قال:
هما أخوا في الحرب من لا أخا لَهُ
وكما قال:
كما خُطَّ الكتابُ بِكَفِّ يَوْمًا يَهُودِيٍّ
وهذا التخريج ليس بجيد؛ لأنَّ الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف
قَطَاقطَا بَيْضُكِ ثِنْتَا وَبَيْضِي مائتا
يُريدُون ثِنْتَان ومِائتَانِ ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ﴾ منهما ﴿مَا يَضُرُّهُمْ﴾ في الدنيا والآخرة، ولا ينفعهم، صرَّح (١) بذلك؛ إيذانًا بأنّه ليس من الأمور المشوبة بالنفع والضَّرر، بل هو شرٌّ بحتٌ وضررٌ محضٌ، لأنّهم لا يقصدون به التخلُّصَ عن الاغترار بأكاذيب من يدَّعي النبوَّة مثلًا من السحرة، أو تخليصَ النَّاس منه حتى يكون فيه نفعٌ في الجملة. وعبارة أبي حيان: لمَّا ذكر أنّه يحصل به الضرر لمن يفرَّق بينهما، ذكر أيضًا أنَّ الضرر لا يقتصر على من يُفعل به ذلك، بل هو أيضًا يضرُّ مَن تعلَّمه، ولمَّا كان إثبات الضرر بشيء لا ينفي النَّفع؛ لأنّه قد يوجد الشيء فيحصل به الضرر، ويحصل به النفع، نَفَى النفع عنه بالكليَّة وأتى بلفظ لا؛ لأنّها يُنفى بها الحال والمستقبل، والظاهر أنَّ ﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ معطوفٌ على ﴿يَضُرُّهُمْ﴾ وكلا الفعلين صلةٌ لما، فلا يكون لها موضعٌ من الإعراب، وجوَّز بعضهم أن يكون ﴿لا ينفعهم﴾ على إضمار هو؛ أي: وهو لا ينفعهم فيكون في موضع رفعٍ، وتكون الواو للحال، وتكون جملةً حاليَّةً، وهذا الوجه ضعيفٌ، وقد قيل: الضرر وعدم النفع مختصٌّ بالآخرة.
وقيل: هو في الدنيا والآخرة، فإنَّ تعلُّمه إن كان غير مباح، فهو يجرُّ إلى العمل به، وإلى التنكيل به إذا عُثِر عليه، وإلى أنَّ ما يأخذه عليه حرامٌ، هذا في الدنيا، وأمَّا في الآخرة فلِمَا يترتَّب عليه من العقاب. انتهى. قال المراغي: وهذا مِما يعاقبُ الله عليه، ومَنْ عُرِف بإيذاء الناس أبغضوه، واجتنبوه، ولا نفع لهم فيه، فإنَّا نرى منتحلي هذه المِهَنِ مِنْ أفقر الناس وأَحْقِرهم، وذلك حالُهم في
وفي الآية: إيماءٌ إلى أنَّ الاجتناب عما لا يؤمن غوَائلِهُ واجب، كتعلُّم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجرَّ إلى الغَواية، وإن قال مَنْ قال:
| عرفت الشرَّ لا للشرِّ لكنْ لِتَوَقِّيهِ | ومَنْ لا يعرف الشرَّ مِنَ الناسِ يَقَعْ فيهِ |
وقال أبو حيان (١): الضمير في علموا قيل: عائدٌ على اليهود الذين كانوا في عهد سليمان بن داود عليه السلام، وكانوا حاضرين استخراجَ الشياطين السحرَ ودفنه، أو أَخْذَ سليمان السحر ودفنه تحت كرسيّه، ولمَّا أخرجوه بعد موته، قالوا: والله ما هذا مِن عمل سليمان، ولا من ذخائره، وقيل: عائدٌ على من بحضرة رسول الله - ﷺ - من اليهود، وقيل: يعود على اليهود قاطبةً؛ أي: علموا ذلك في التوراة، وقيل: عائدٌ على علماء اليهود، وقيل: عائدٌ على الشياطين، وقيل: على الملكين؛ لأنَّهما كانا يقولان لمن يتعلَّم السحر فلا تكفر، فقد علموا أنَّه لا خَلاق له في الآخرة وأتى بضمير الجمع على قول: مَنْ يرى ذلك وعَلِم هنا يحتمل أن تكون المتعدية لمفعولين وعُلِّقت عن الجملة، ويحتمل أن تكون المتعدية لمفعول واحد، وعلقت أيضًا كما علقت عرفتُ، والفرق بين هذين التقديرين يظهر في العطف على موضعها. انتهى.
| كَذاكَ أُدِّبْتُ حتَّى صَارَ مِنْ خُلُقِي | إنّي وجدتُ مِلاكُ الشِيمةِ الأَدبُ |
والمعنى (٢): أي إنَّهم عالمون بأنَّ من اختار هذا، وقدَّمه على العلم بأصول الدين وأحكام الشريعة التي توصل إلى السعادة في الدارين، فليس له حظٌّ في الآخرة؛ لأنّه خالف حكم التوراة التي حظَرت تعلُّم السحر، وجعلت عقوبة من اتبع الجنَّ، والشياطين، والكهان، كعقوبة عابدي الأصنام والأوثان، واللام في قوله: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ موطئةٌ (٣) لقسم محذوف، والشراء هنا بِمَعْنَى: البيعِ؛ لأنَّ الشراء من الأضداد، والمخصوص بالذمّ محذوف.
والمعنى (٤): وعزّتي وجلالي: لبئس وقَبُح الشيء شيئًا باعوا به حظوظ أنفسهم في الآخرة، والمخصوص بالذمّ تعلُّم السحر، أو الكفر حيث اختاروا السحر ونبذوا كتاب الله تعالى؛ يعني: أنَّ اليهود لمَّا نبذوا كتاب الله تعالى وراء ظهورهم، وأقبلوا على التَّمسُّكِ بما تتلو الشياطين، فكأنَّهم قد اشتروا ذلك السحر بكتاب الله تعالى.
(٢) المراغي.
(٣) روح البيان.
(٤) العمدة.
وعبارة "الخازن" هنا: فإن قلت (٢): كيف أثبت الله لهم العلم أوَّلًا في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ على - التوكيد القسميّ، ثُمَّ نفاه آخرًا في قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، ففيه تناقضٌ؟
قلت: إنّهم قد علموا أنَّ من اشترى السحر ما له في الآخرة من خلاق، ثُمَّ مع هذا العلم خالفوا واشتغلوا بالسحر، وتركوا العمل بكتاب الله تعالى، وما جاءت به الرسل؛ عنادًا منهم وبغيًا، وذلك على معرفةٍ منهم بما لِمَنْ فعَلَ ذلك منهم من العقاب، فكأنَّهم حين لم يعملوا بعلمهم كانوا منسلخين منه، والمعنى هنا: لو كانوا يَعْمَلُون بعلمهم ذلك ما تعلَّموه؛ فالمثبت أوّلًا العلم، والمنفيُّ هنا العمل به. انتهى. وهذا هو ما يفعلُ مِثْلهَ بعضُ المسلمين اليوم، إِذْ يَنْتَهِكون بعض حرماتِ الدين بمثل تلك التأويلات، فيمنعون الزكاة بحيلةٍ، ويأكلون أموال الناس بحيلةٍ أخرى ويشهدون الزور بحيلةٍ ثالثة، وهكذا.
١٠٣ - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ أي ولو أنَّ اليهود الذين اتَّبعوا ما تتلوا الشياطين، وتعلَّموا السحر ﴿آمَنُوا﴾ بمحمدٍ - ﷺ - وبالقرآن ﴿وَاتَّقَوْا﴾؛ أي: واجتنبوا اليهوديَّة، والسحر، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف دَلَّ عليه قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، تقديره: لأُثيبوا ما هو خيرٌ لهم من الكسب بالسحر، والمثوبةُ مَفْعُلةٌ (٣) من الثواب، مِنْ ثاب يثوب إذا رجع، وسُمِّي الجزاء
(٢) الخازن.
(٣) روح البيان.
وقرأ الجمهور (١): ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ بضم الثاء، كالمَشُورة. وقرأ قتادة، وأبو السمال، وعبد الله بن بريدة بسكون الثاء، كمَشْوُرةٍ، ومعنى قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾؛ أي: لثَوابٌ وهو الجزاء، والأَجر على الإيمان، والتقوى بأنواع الإحسان. وقيل: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ لرجعةٌ إلى الله خيرٌ، والجارُّ والمجرور في قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ في موضع الصفة؛ أي: كائنةٌ من عند الله تعالى، وهذا الوصف هو المسوِّغ لجواز الابتداء بالنكرة، وفي وصف المثوبة بكونها من عند الله تفخيمٌ وتعظيمٌ لها، ولمناسبة الإيمان والتقوى لذلك كان المعنى: إنّ الذي آمنتم به، واتقيتم محارمه هو الذي ثوابكم منه على ذلك، فهو المُتكفِّل بذلك لكم، وحذف المفضَّل عليه؛ إجلالًا للمفضَّل من أن ينسب إليه ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ خيريةَ ثوابِ الله وجزاءه، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، تقديره: ما اختاروا السحر على الإيمان بمحمد - ﷺ -.
فإن قلت (٢): قد علموا ذلك من كتابهم، فكيف جهَّلهم؟.
قلت: جهَّلهم لعدم عملهم بعلمهم، فإنَّ من لم يعمل بما علم، فهو كمن لم يعلم، ومجرد العلم باللسان لا ينفع بدون أن يصل التأثير إلى القلب، ويظهر ذلك التأثير بالمسارعة إلى الأعمال الصالحة، والاتباع للكتاب والسنة، فمن أمَّر السُّنَّة على نفسه أخذًا وتركًا، حُبًّا وبغضًا، نطق بالحكمة، ومن أمَّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة. قال بعض (٣) العلماء: زيادة العلم في الرجل السوء، كزيادة الماء في أصول الحنظل، كلما ازداد، ريًّا ازداد مرارةً ومثل من تعلم العلم لاكتساب الدنيا، وتحصيل الرفعة فيها، كمثل من رفع العذرة بملعقة من الياقوت،
(٢) العمدة.
(٣) روح البيان.
ومعنى الآية: أي ولو أنَّهم آمنوا الإيمان الحق بكتابهم، وفيه البشارة بمحمد - ﷺ -، والأمر باتّباعه، واتقوا الله بالمحافظة على أوامره واجتناب نواهيه، لكان هذا الثواب العظيم الذي ينتظرونه من الله جزاءً على أعمالهم الصالحة، خيرًا لهم من كلِّ ما يتوقَّعُون من المنافع، والمصالح الدنيوية. ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: إنّهم (١) ليسوا على شيء من العلم الصحيح، إذْ لو كان كذلك لظهرت نتائجه في أعمالهم، ولآمنوا بالنبي - ﷺ - واتبعوه، وصاروا من المفلحين، لكنهم يتَّبعون الظنَّ، ويعتمدون على التقليد، ومن جرّاء هذا خالفوا الكتاب، وساروا وراء أهوائهم وشهواتهم، فوقعوا في الضلال البعيد.
١٠٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بمحمد - ﷺ -، وبما جاء به (٢)، وهذا النداء وقع في القرآن في ثمانية وثمانين موضعًا، وهذا أوَّل خطاب خوطب به المؤمنون في هذه السورة بالنداء الدال على الإقبال عليه، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين، يذكرهم بأنَّ الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقَّى أوامر الله تعالى ونواهيه، ويحسن الطاعة والامتثال. قال أبو حيان (٣): إنَّ أوّل نداءٍ أتى عامًّا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ وثاني: نداء أتى خاصًّا ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا﴾ وهي الطائفة العظيمة، اشتملت على الملّتين اليهودية والنصرانية، وثالث نداءٍ لأمّة محمد - ﷺ - المؤمنين، فكان أوّل نداء عامًّا أمروا فيه بأصل الإِسلام، وهو عبادة الله، وثاني نداء ذُكّرُوا فيه بالنعم الجزيلة، وتُعِبِّدُوا بالتكاليف الجليلة، وخُوّفوا من حلول النقم الوبيلة،
(٢) العمدة.
(٣) روح البيان.
﴿لَا تَقُولُوا﴾ (١) لنبيّكم محمد - ﷺ -، إذا ألقى عليكم شيئًا من العلم، وأكثر عليكم في الإلقاء وتابع فيه، وصَعُب عليكم الأَخْذُ منه مع الموالاة، وطلبتم منه الإمهال والتأنّي في الإلقاء؛ لِيُحفَظَ لكم ما سمعتم منه أوَّلًا، قبل الإلقاء الثاني ﴿رَاعِنَا﴾ يا رسول الله!؛ أي: أمهلنا وانظرنا في الإلقاء، وتأنَّ، ولا تتابعه علينا؛ لنحفظ ما سمعنا منك أوَّلًا قبل أن تُلْقي علينا ثانيًا؛ لأنَّ هذه الكلمة وإن كان معناها في لغة العرب هكذا، فإنَّها توَافق في اللفظ كلمةً عبرانيةً، أو سريانيَّةً، وضعت للمَسبَّة كانت اليهود يتسابُّون بها فيما بينهم؛ لأنَّ معنى ﴿رَاعِنَا﴾ عندهم: اشملَنْا بحُمْقِك، وأَفِدْنا ولَهَك، وخاطِبْنَا بكلامك الخسيس، فإنَّ اليهود إذا سمعت مخاطبتكم للنبي - ﷺ - بهذه الكلمة، وأنتم تريدون معناها العربيَّ، فإنَّهم يخاطبون النبيَّ بهذه.
روي: أنَّ (٢) المسلمين كانوا يقولون لرسول الله - ﷺ -: إذا تلا عليهم شيئًا من العلم: راعنا يا رسول الله! أي: تأنَّ بنا، وأمهل في الإلقاء حتى نفهم كلامك، واليهود كانت لهم كلمةٌ عبرانيةٌ يتسابُّون بها فيما بينهم، فلمَّا سمعوا المؤمنين يقولون: ﴿رَاعِنَا﴾ خاطبوا به النبيَّ - ﷺ -، وهم يريدون بها تلك المسبَّة، ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ منهم، وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده: لئن سمعتها من أحد منكم يقولها: لرسول الله - ﷺ -، لأضربنَّ عنقه، قالوا: أو لستم تقولون بها؟ فنهي المؤمنون عنها، فأُمِروا بلفظةٍ أخرى؛ لئلا يجد اليهود بذلك سبيلًا إلى شتم
(٢) المراح.
وقرأ الحسن، وابن أبي ليلى، وأبو حيوة، وابن مُحيصن: ﴿رَاعِنًا﴾ بالتنوين جعله صفةً لمصدر محذوف؛ أي: لا تقولوا قولًا راعنًا، وهو على طريق النسب، كلابن، وتامر، وقال الحسنُ: الراعن من القول، السُّخريُّ منه. اهـ. ولمّا كان القول سببًا في السَّبِّ اتَّصف بالرعْنِ، فنُهوا في هذه القراءة أن يخاطبوا الرسولَ بلفظٍ يكون، أو يوهم شيئًا من الغَضِّ والنَّقص، ممَّا يستحقُّه - ﷺ - من التعظيم، وتلطيفِ القول وأدَبِهِ، مأخوذٌ من الرُّعونة وهو الحُمْقُ، وكذا قيل: في ﴿راعونا﴾ إنّه فاعولا من الرعونة، كعاشورا. وقيل: إنّ اليهود تقول: راعنا؛ أي: رَاعِي غنمنا ﴿وَقُولُوا﴾ أيها المؤمنون عند طلب الإمهال منه، والتأني في الإلقاء ﴿انْظُرْنَا﴾؛ أي: انتظرنا وأَمْهِل لنا، ولا تُوال في الإلقاء من نظره إذا انتظره.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿انْظُرْنَا﴾ موصولَ الهمزة مضمومَ الظاء من النظرة وهي التأخير؛ أي: انتظرنا وتأنَّ علينا، نحو قوله:
| فإِنَّكُمَا إنْ تَنْظُرَانِي سَاعَةً | مِنَ الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدَى أُمِّ جُنْدُبِ |
(٢) البحر المحيط.
| ظَاهِراتُ الجَمَالِ والحُسْن يَنْظُرْ | نَ كَمَا يَنْظُرُ الأَرَاكَ الظِّبَاءُ |
| أبا هند فلا تَعْجَلْ علينا | وأَنظِرنا نُخَبِّرْك اليقينا |
ولمَّا نهى أوّلًا، وأمر ثانيًا، وأمر بالسمع وحضَّ عليه إذ في ضِمْنهِ الطاعةُ، أخَذَ يُذَكِّرُ لِمَنْ خالَف أَمْرَه بقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾؛ أي: ولليهود الذين سبُّوا رسول الله - ﷺ -، وتهاونوا بأمر الرسول، وظاهره العموم، فيدخل فيه اليهود دخولًا أوَّليًّا
(٢) المراح.
قال الأستاذ الإمام (٢): إنَّ هذا التأديب ليس خاصًّا بمن كان في عصره - ﷺ - من المؤمنين، بل يعم من جاء بعدهم أيضًا، فهذا كتاب الله الذي كان يتلوه عليهم، وكان يجب عليهم الاستماع له، والإنصات لتدبره، هو الذي يتلى علينا بعينه لم يذهب منه شيءٌ، وهو كلام الله الذي به كان الرسول رسولًا تجب طاعته، والاهتداء بهديه، فما هذا الأدب الذي يقابله به الأكثرون، إنهم يلغطون في مجلس القرآن، فلا يستمعون، ولا ينصتون، ومن أنصت، واستمع؛ فإنَّما ينصت طربًا بالصوت، واستلذاذًا بتوقيع نغمات القارئ، وإنّهم ليقولون في استحسان ذلك، واستجادته ما يقولون في مجلس الغناء، ويهتزُّون للتلاوة، ويصوِّتون بأصواتٍ مخصوصة، كما يفعلون عند سماع الغناء بلا فرق، ولا يلتفتون إلى شيءٍ من معانيه إلّا ما يرونه مدعاةً لسرورهم في مثل قصة يوسف عليه السلام، مع الغفلة عمَّا فيها من العبرة، وإعلاء شأن الفضيلة، ولا سيما العِفَّةُ والأمانة، أليس هذا أقربَ إلى الاستهانة بالقرآن، منه بالأدب اللائق الذي ترشد إليه هذه الآية الكريمة، وأمثالها؟ ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.
١٠٥ - ﴿مَا يَوَدُّ﴾ ويحبُّ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأنكروا بما جاء به محمدٌ - ﷺ - ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ أي: من اليهود والنصارى، ككعب بن الأشرف ﴿وَلَا﴾ من
(٢) المراغي.
فائدةٌ: وقرأ أبو عمرو بالتخفيف.
﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ هو قائم مقام فاعله، و ﴿مِنْ﴾ مزيدةٌ لاستغراق الخير، والخير الوحي، والقرآن، والنصرة كائنٌ ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: أن ينزَّل عليكم وحيٌ من ربّكم؛ لأنّهم يحسدونكم فيه، و ﴿مِنْ﴾ هنا لابتداء الغاية، كما تقول: هذا الخير من زيد، ويجوز (٢) أن تكون، للتبعيض، والمعنى: من خير كائن من خيوركم، فإذا كانت لابتداء الغاية تعلَّقت بقوله: ﴿يُنَزَّلَ﴾، وإذا كانت للتبعيض تعلَّقت بمحذوف، وكان ذلك على حذف مضافٍ، كما قدَّرناه آنفًا. ذكره في "البحر".
والمعنى (٣): إنّهم يرون أنفسهم أحقَّ بأن يوحى إليهم، فيحسدونكم، ويكرهون أن يُنزَّل عليكم شيءٌ من الوحي، أمَّا اليهود فَبِناءً على أنّهم أهلُ الكتاب وأبناءُ الأنبياء النَّاشِئُون في مَهابِطِ الوحي، وأنتم أميُّون، وأمَّا المشركون فإدْلاَلًا بما كان لهم من الجاه والمال، زعمًا منهم أنَّ رياسة الرسالة كسائر الرياسات
(٢) البحر المحيط.
(٣) روح البيان.
يقال: خصَّه بالشيء. واختصه، إذا أفرده به دون غيره، ومفعول المشيئة محذوفٌ، تقديره: من يشاء تخصيصه بفضله، والرحمة (١) هنا عامَّةٌ بجميع أنواعها، أو النبوة، والوحي، والحكمة، والنصرة، اختصَّ بها محمدٌ - ﷺ - قاله عليٌّ، والباقر، ومجاهدٌ، والزجَّاجُ، أو الإِسلام، قاله ابن عباس، أو القرآن، أو النبيُّ - ﷺ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ وهو نبيُّ الرحمة أقوالٌ خمسةٌ أظهرها الأول.
والمعنى: يفرد (٢) سبحانه برحمته من يشاء إفراده بها، ويجعَلها مقصورة عليه؛ لاستحقاقه الذاتيِّ الفائض عليهِ بحُبِّ إرادته عزّ وجلّ، لا تتعدَّاه إلى غيره، لا يجب علِيه شيءٌ، وليس لأحدٍ عليه حقٌّ، وسبب (٣) عدم ودهم ذلك، أمَّا في اليهود، فلِكون النبوة كانت في بني إسماعيل؛ ولخوفهم على رئاستهم، وأمَّا النصارى؛ فلتكذيبهم في ادعائهم ألوهيَّة عيسى، وأنّه ابنُ الله؛ ولخوفهم على رئاستهم، وأمَّا المشركون؛ فلسبِّ آلهتهم، وتسفيه أحلامهم، ولحسدهم أن يكون رجلٌ منهم يختصُّ بالرسالة، واتباع الناس له. ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ أي: صاحب المَنِّ الكبير، والعطاء الكثير بالوحي على محمد - ﷺ -، وبالإِسلام بلا غرض، ولا علَّةٍ؛ يعني (٤): أنَّ الله تعالى يخصُّ بنبوّته ورسالته من يشاء من عباده، ويتفضَّل بالإيمان والهداية على من أحبَّ من خلقه
(٢) روح البيان.
(٣) البحر المحيط.
(٤) العمدة.
فائدةٌ: قال بعض الحكماء: بارز الحاسد ربَّه من خمسة أوجهٍ:
أولها: أنّه أبغض كُلَّ نعمةٍ ظهرت على غيره.
والثاني: أنّه يتسخَّطُ قسمته تعالى، ويقول لربّه: لِمَ قسمت هكذا.
والثالث: أنَّ فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضله.
والرابع: أنّه خذل وليَّ الله تعالى؛ لأنّه يريد خذلانه، وزوال النعمة عنه.
والخامس: أنّه أعان عدوَّه؛ يعني: إبليس اللعين.
واعلم: أنَّ حسدك لا ينفذ على عدوِّك، بل على نفسك، بل لو كوشفت بحالك في يقظةٍ، أو منام لرأيت نفسك أيها الحاسد في صورة من يرمي حجرًا إلى عدوّه ليصيب به مقلته، فلا يصيبه، بل يرجع إلى حدقته اليُمْنى فيقلعها، فيزيد غضبه ثانيًا، فيعود ويرمي أشدَّ من الأولى، فيرجع على عينه اليسرى فيعميها، فيزداد - غضبه ثالثًا، فيعود ويرميه، فيرجع الحجر على رأسه فيشُجُّه، وعدوُّه سالمٌ في كُل حال، وهو إليه راجعٌ كرَّةً بعد أُخرى، وأعداؤه حواليه يفرحون ويضحكون، وهذا حال الحسود، وسخرية الشياطين.
وقال بكر بن عبد الله: كان رجل يأتي بعض الملوك، فيقوم بحذائه ويقول: أَحْسِنْ إلى المحسنِ بإحسانه، فإنَّ المسيء يكفيه إساءته، فحسده رجلٌ على ذلك المقام والكلام، فسعى به إلى الملك، وقال: إنّ هذا الرجل يَزْعُم أنَّ الملك أبْخَرُ، فقال الملك: وكيف يصحُّ ذلك عندي؟ قال: تدعو به إليك فانظر، فإنّه إذا دنا منك وضع يده على أنفه أن لا يشمّ ريح البخر، فخرج من عند الملك، فدعا الرجل إلى منزله، فأطعمه طعامًا فيه ثوم، فخرج الرجل من عنده، فقام بحذاء الملك، فقال على عادته مثل ما قال، فقال له الملك: ادن منّي، فدنا منه واضعًا يده على فيه مخافة أن يشمَّ الملك منه ريح الثوم، فصدَّق الملك في نفسه قول
وخلاصة معنى الآية (١): أي إنَّ الذين عرفتم شأنهم مع أنبيائهم من أهل الكتاب حسدةٌ لكم، لا يودُّون أن ينزل عليكم خيرٌ من ربّكم، والكتاب الكريم أعظم الخيرات، فهو الهداية العظمى، به جمع الله شملكم، ووحَّد شعوبكم، وقبائلكم، وطهَّر عقولكم من زيغ الوثنية، وأقامكم على سنن الفطرة، وكذلك المشركون، إذ يرون في نزول القرآن على طريق التتابع الوقت بعد الوقت قوَّةً للإسلام، ورسوخًا لقواعده، وتثبيتًا لأركانه، وانتشارًا لهديه، وهم يودُّون أن تدور عليكم الدَّوائر، وينتهي أمركم، ويزول دينكم من صفحة الوجود. وحسد الحاسد يدلُّ على أنَّه ساخطٌ على ربّه معترضٌ عليه؛ لأنَّه أنعم على المحسود بما أنعم، والله لا يضيره سخط الساخطين ولا يحول مجاري نعمته حسد الحاسدين، فهو يختص من يشاء برحمته متى شاء، وهو ذو الفضل العظيم على من اختاره للنبوة، وهو صاحب الإحسان والمنَّة، وكُلُّ عباده غارقٌ في بحار نعمته، فلا ينبغي لأحدٍ أن يحسد أحدًا على خيرٍ أصابه، وفضلٍ أوتيه من عند ربه.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو استئنافية ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب، معطوف على ﴿نِعْمَتِيَ﴾ كما مرّ مرارًا ﴿أَخَذْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ، والتقدير: واذكروا يا بني إسرائيل! نعمتي عليكم، وحين أخذنا ميثاقكم ﴿مِيثَاقَكُمْ﴾ مفعول به ومضاف إليه ﴿وَرَفَعْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿أَخَذْنَا﴾. ﴿فَوْقَكُمُ﴾ ظرف مكان ومضاف إليه، والظرف متعلق برفعنا ﴿الطُّورَ﴾ مفعول به ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾ مقول محكي لقول محذوف معطوف على ﴿رفعنا﴾، تقديره: ورفعنا فوقكم الطور فقلنا خذوا ما آتيناكم، وإن شئت قلت: ﴿خُذُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة في محل النصب مقول لقلنا المحذوف ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به لخذوا ﴿آتَيْنَاكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أوّل، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: ما آتيناكموه؛ لأنّ آتى بمعنى: أعطى يتعدى إلى مفعولين، والجملة صلة لما الموصولة، والعائد المفعول الثاني المحذوف ﴿بِقُوَّةٍ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ضمير المخاطبين، تقديره: حال كونكم ملتبسين بقوّة وعزيمة ﴿وَاسْمَعُوا﴾ الواو عاطفة ﴿اسمعوا﴾ فعل أمر وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿خُذُوا﴾. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ مقول محكي لقالوا منصوب بفتحة مقدّرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية، وإن شئت قلت: ﴿سَمِعْنَا﴾ فعل وفاعل، ومفعوله محذوف، تقديره: سمعنا قولك، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَعَصَيْنَا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿سَمِعْنَا﴾، ومفعوله محذوف، تقديره: وعصينا أمرك ﴿وَأُشْرِبُوا﴾ الواو حالية ﴿أشربوا﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، ونائب فاعل ﴿في قُلُوبِهِمُ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بأُشربوا ﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول به ثان لأُشربوا؛ لأن الأول كان نائب فاعل، والجملة
﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد - ﷺ -، والجملة مستأنفة ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم ﴿كَانَتْ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بإن الشرطية، والتاء علامة تأنيث اسمها ﴿لَكُمُ﴾ جار ومجرور خبر لكان، مقدّم على اسمها ﴿الدَّارُ﴾ اسمها مؤخّر، ﴿الْآخِرَةُ﴾ صفة للدار ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ظرف مكان ومضاف إليه، متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، والتقدير: إن كانت الدار الآخرة كائنة
أحدها: أنّه ﴿خَالِصَةً﴾ فيكون ﴿عِنْدَ﴾ ظرفًا لخالصةً، وللاستقرار الذي في ﴿لَكُمُ﴾.
والثاني: أنَّ الخبر ﴿لَكُمُ﴾ فيتعلَّق بمحذوف، ونصب ﴿خَالِصَةً﴾ حينئذٍ على الحال.
والثالث: أنَّ الخبر هو الظرف و ﴿خَالِصَةً﴾ حال أيضًا. انتهى.
وفي "الكرخي": ﴿خَالِصَةً﴾ مصدرٌ جاء على وزن فاعلة، كالعافية، والعاقبة، وهو بمعنى الخلوص. اهـ. ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ الفاء رابطةٌ لجواب ﴿إِن﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة طلبية ﴿تمنّوا﴾ فعل أمر في محل الجزم بإنْ الشرطية على كونها جوابًا لها مبني على حذف النون، والواو فاعل ﴿الْمَوْتَ﴾ مفعول به، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية مع جوابها في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إن﴾ حرف شرط جازم ﴿كنتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بإنْ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿صَادِقِينَ﴾ خبر كان منصوب بالياء، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية معلومٌ مما قبلها، تقديره: إن كنتم صادقين فتمنَّوا الموت، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية في محلِّ النصب مقول ﴿قُل﴾ أيضًا.
فائدة: ولا تدخل ﴿إِن﴾ الشرطية على فعل ماض في المعنى إلّا على كان؛ لكثرة استعمالها، وأنها لا تدلّ على حدث. ذكره العكبريُّ.
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾.
﴿وَلَنْ﴾ الواو استئنافية ﴿لن﴾ حرف نفي ونصب واستقبال ﴿يَتَمَنَّوْهُ﴾ فعل مضارع منصوب بلن، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به ﴿أَبَدًا﴾ ظرف زمان متعلق بيتمنوه ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بيتمنوه أيضًا، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ فعل وفاعل صلة لما الموصولة، والعائد
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ الواو استئنافية، واللام موطئة للقسم ﴿لتجدنّ﴾ فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد حرف لا محل لها من الإعراب، والهاء ضمير الغائبين في محل النصب مفعول أوّل، وفاعله ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت يعود على محمد - ﷺ -، أو على أيِّ مخاطب ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ مفعول ثاني لتجد ومضاف إليه ﴿عَلَى حَيَاةٍ﴾ جار ومجرور متعلقٌ بأحرص، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ﴾ الواو عاطفة ﴿من الذين﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف دل عليه السياق، معطوف ذلك المحذوف على ﴿أَحْرَصَ﴾ لغرض التخصيص بعد التعميم، والتقدير: ولتجدنّهم أحرص من جميع الناس على حياةٍ متطاولة، وأحرص من الذين أشركوا ﴿أَشْرَكُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد واو الفاعل ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ فعل وفاعل ومضاف إليه ﴿لَوْ﴾ حرف مصدر ﴿يُعَمَّرُ﴾ فعل مضارع مغيّر الصيغة مرفوع، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿أَحَدُهُمْ﴾. ﴿أَلْفَ﴾ منصوب على الظرفية متعلق بيعمّر، وهو مضاف ﴿سَنَةٍ﴾ مضاف إليه، وجملة ﴿يُعَمَّرَ﴾ صلة ﴿لَوْ﴾ المصدرية و ﴿لَوْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية ليودّ، تقديره: يودّ أحدهم تعميره ألف سنة، وجملة ﴿يَوَدُّ﴾ من الفعل والفاعل في محل النصب حال من ضمير المفعول في ﴿تجدنّهم﴾، تقديره: لتجدن اليهود أحرص الناس على حياة حالة كون أحدهم وادًّا تعميره ألف سنة، أو مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب ﴿وَمَا﴾ الواو حالية ﴿مَا﴾ حجازيّة ﴿هُوَ﴾ ضمير يعود على التعمير المفهوم من السياق، في محل الرفع اسم ﴿مَا﴾ الحجازيّة ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ الباء زائدة في خبر ﴿مَا﴾ الحجازيّة ﴿مزحزحه﴾ مجرور لفظًا منصوب محلًا على أنّه خبر ﴿مَا﴾ وهو مضاف،
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ إلخ مقول محكي لقل، وإن شئت قلت: ﴿مَن﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، وفي خبره ثلاثة أقوال: قيل: فعل الشرط وهو الراجح، كما في "أبي النجا على الأجرومية"، وقيل: جوابه، وقيل: هما معًا ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بمن على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿عَدُوًّا﴾ خبرها ﴿لِجِبْرِيلَ﴾ اللام حرف جرّ ﴿جبريل﴾ مجرور بالفتحة للعلمية والعجمية، والجار والمجرور متعلق بعدوًّا؛ لأنّه بمعنى معاديًا، وجواب الشرط محذوف جوازًا، تقديره: فليمت غيظًا، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قُل﴾. ﴿فَإِنَّهُ﴾ الفاء تعليلية للجواب المحذوف ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، والهاء اسمها، وهو عائد على جبريل ﴿نَزَّلَهُ﴾ فعل ومفعول، والهاء عائد على القرآن، وفي إضماره على ما لم يسبق ذكره؛ تفخيم لشأن صاحبه، كأنّه يدلُّ على نفسه، وفاعله ضمير مستتر يعود على جبريل، ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ جار ومجرور
﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾:
﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، خبره جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، كما مرّ آنفًا. ﴿كاَنَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بمن على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على ﴿مَن﴾ ﴿عَدُوًّا﴾ خبرها منصوب ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بعدوًّا ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾ معطوف على الجلالة، وهو مضاف، والضمير مضاف إليه، وكذلك ﴿وَرُسُلِهِ﴾ معطوف على الجلالة، وكذلك ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ معطوفان على الجلالة مجروران بالفتحة للعلمية والعجمة، وذكرهما من بعد الملائكة من ذكر الخاص بعد العام؛ إظهارًا لمزيّته، كما مرّ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ الفاء رابطة لجواب مَن الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة اسمية ﴿إنّ الله﴾ ناصب واسمه، وأُظهِر في موضع الإضمار؛ دفعًا لإيهام أنّه يعود إلى جبريل ﴿عَدُوٌّ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ متعلق به، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الجزم بمن الشرطية على كونها جوابًا لها، والرابط موجود، وهو الاسم الظاهر؛ أعني: لفظ الجلالة؛ لقيامه مقام الضمير؛ لأنّ الأصل من كان عدوًّا لله، وملائكته، ورسله، فإنّ الله عدوٌّ له، أو لهم، وقيل: الرابط العموم، وله في القرآن
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ الواو استئنافية، واللام موطئة للقسم ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق ﴿أَنْزَلْنَا﴾ فعل وفاعل ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق به ﴿آيَاتٍ﴾ مفعول به ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ صفة لآيات، والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف، تقديره: وعزّتي وجلالي، لقد أنزلنا إليك... الخ. وجملة القسم مستأنفة ﴿وَمَا يَكْفُرُ﴾ الواو حالية ﴿مَا﴾ نافية ﴿يَكْفُرُ﴾ فعل مضارع ﴿بِهَا﴾ متعلق بيكفر ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرّغ ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ فاعل مرفوع بالواو، والجملة الفعلية في محل النصب حال من آيات، وسوّغ مجيء الحال من النكرة وصفها بما بعدها ﴿أَوَكُلَّمَا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، والجملة المحذوفة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب ﴿كلما﴾ اسم شرط غير جازم في محل النصب على الظرفية الزمانية، مبني على السكون؛ لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا؛ لتضمّنه معنى إن الشرطية، والظرف متعلق بالجواب ﴿عَاهَدُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لكلما لا محل لها من الإعراب ﴿عَهْدًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، أو منصوب على أنّه مفعول به ثان لعاهدوا، إذا كان ﴿عَاهَدُوا﴾ بمعنى أعطوا، والأوّل محذوف، تقديره: عاهدوا الله عهدًا ﴿نَبَذَهُ﴾ فعل ومفعول ﴿فَرِيقٌ﴾ فاعل ﴿مِنْهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لفريق، والجملة جواب ﴿كلما﴾ لا محل لها من الإعراب، وهذه الجملة هي محل الاستفهام الإنكاري، وجملة ﴿كلما﴾ من فعل شرطها وجوابها معطوفة على الجملة المحذوفة على كونها مستأنفة ﴿بَلْ﴾ حرف عطف وإضراب ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ مبتدأ ومضاف إليه، وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة السابقة. أو مستأنفة، إن قلنا: إنّ بَلْ حرف ابتداء.
﴿وَلَمَّا﴾ الواو عاطفة ﴿لَمَّا﴾ حرف شرط غير جازم ﴿جَاءَهُمْ﴾ فعل ماض ومفعول به ﴿رَسُولٌ﴾ فاعل، والجملة الفعلية فعل شرط للمَّا لا محل لها من الإعراب ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، صفة أولى لرسول، تقديره: رسول مرسل من عند الله ﴿مُصَدِّقٌ﴾ صفة ثانية لرسول ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ اللام حرف جرّ ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الجر باللام، الجار والمجرور متعلق بمصدّق ﴿مَعَهُمْ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف صلة لما الموصولة، تقديره: مصدّق للذي استقرّ معهم ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَمَّا﴾ معطوفة على جملة ﴿كلما﴾ أو مستأنفة ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ جار ومجرور صفة لفريق ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، والواو نائب فاعل والكتاب مفعول ثانٍ لأوتوا، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ مفعول به لنبذ ﴿وَرَاءَ﴾ منصوب على الظرفية المكانية متعلق بنبذ، وهو مضاف ﴿ظُهُورِهِمْ﴾ مضاف إليه ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ كأنّ حرف نصب وتشبيه، والهاء اسمها، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿كأنّ﴾ في محل النصب حال من فريق؛ لتخصّصه بالوصف، تقديره: حالة كونهم مشبهين بمن لا يعلم.
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾.
﴿وَاتَّبَعُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على جملة قوله: نَبَذَ فَرِيق على كونها جوابًا للمّا، وفي "الفتوحات": والأولى أن تكون هذه الجملة معطوفة على مجموع الجملة السابقة من قوله: وَلَمَّا جَاءَهُمْ إلى آخرها؛ لأنّ عطفها على نَبَذَةُ يقتضي كونها جوابًا لقوله: وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ منْ عِندِ الله. واتِّباعهم لما تتلو الشياطين ليس مترتِّبًا على مجيء الرسول، بل كان اتباعهم لذلك قبله ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول اتبعوا ﴿تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ فعل مضارع معتلّ
وفي "الفتوحات": واختلفوا في هذه الجملة على خمسة أقوال:
أحدها: أنّها حال من فاعل ﴿كَفَرُوا﴾؛ أي: كفروا معلمين الناس.
الثاني: أنّها حال من ﴿الشَّيَاطِينَ﴾ وردّه أبو البقاء بأن ﴿لَكِنِ﴾ لا تعمل في الحال، وليس بشيء، فإنّ ﴿لَكِنِ﴾ فيها رائحة الفعل.
الثالث: أنها في محل الرفع على أنّها خبر ثان للشياطين.
الرابع: أنها بدل من ﴿كفروا﴾ أبدل الفعل من الفعل.
الخامس: أنّها استئنافية أخبر عنهم بذلك.
هذا إذا أعدنا الضمير من ﴿يُعَلِّمُونَ﴾ على ﴿الشَّيَاطِينَ﴾، أما إذا أعدناه على الذين اتبعوا ما تتلو الشياطين، فتكون حالًا من فاعل اتبعوا، أو استئنافية فقط. انتهى. ﴿وَمَا﴾ الواو عاطفة ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب معطوفة على
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾.
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ الفاء استئنافية، أو فصيحة، مبني على الفتح؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أن الملكين لا يعلمان أحدًا حتى
وفي "الفتوحات": وفي صاحب هذه الحال أربعة أوجه:
أحدها: أنّه الفاعل المستكن في ﴿بِضَارِّينَ﴾ والتقدير: وما هم بضارين به أحدًا إلّا حالة كونهم ملتبسين بإذن الله.
والثاني: أنّه المفعول وهو أحد، وسوّغ مجيء الحال من النكرة اعتمادها على النفي، والتقدير: وما هم بضارين به أحدًا إلّا حالة كونه ملتبسًا بإذن الله.
والثالث: أنه الهاء في ﴿بِهِ﴾؛ أي: بالسحر، والتقدير: وما هم بضارين به أحدًا إلّا حالة كون ذلك السحر مقرونًا بإذن الله، وإرادته.
والرابع: أنّه المصدر المعرف وهو الضرر، إلّا أنّه حذف؛ للدلالة عليه، والتقدير: وما هم بضارين به أحدًا الضرر إلّا حالة كون ذلك الضرر واقعًا بإذن الله وقدرته ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ﴾ فعل وفاعل معطوف على قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا﴾ ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به ﴿يَضُرُّهُمْ﴾ فعل وفاعل مستتر
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ الواو استئنافية مسوقة للشروع في بيان حالهم بعد تعلم السحر، واللام موطئة لقسم محذوف ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق ﴿عَلِمُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ اللام حرف ابتداء مُعلِّقَةٌ لما قبلها عن العمل فيما بعدها لفظًا ﴿مَنِ﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ ﴿اشْتَرَاهُ﴾ فعل ومفعول، والفاعل ضمير مستتر يعود على ﴿مَنِ﴾ والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿مَا﴾ نافية ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور خبر مقدم ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ متعلق بمحذوف حال مقدمة على صاحبها الذي هو ﴿خَلَاقٍ﴾. ﴿مِنْ﴾ زائدة ﴿خَلَاقٍ﴾ مبتدأ مؤخّر، والتقدير: ما خلاق كائن له حال كونه في الآخرة، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ﴿لَمَنِ﴾ الموصولة.
وجملة ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ من المبتدأ والخبر في محل النصب سادّة مسدّ مفعولَي ﴿عَلِمُوا﴾ إن كان متعديًا لاثنين، ومسد مفعوله إن كان متعديًا لواحد.
﴿وَلَبِئْسَ﴾ الواو استئنافية، أو عاطفة، واللام موطئة لقسم محذوف ﴿بئس﴾ فعل ماض جامد من أفعال الذم وفاعله ضمير مستتر وجوبًا يعود على الشيء المبهم ﴿مَا﴾ نكرة موصوفة بمعنى شيء في محل النصب على التمييز مفسّرة لفاعل ﴿بئس﴾. ﴿شَرَوْا﴾ فعل وفاعل ﴿بِهِ﴾ متعلق بشروا، وهذا الضمير هو الرابط بين جملة الصفة والموصوف ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول به لشروا، والتقدير: ولبئس الشيء شيئًا شروا به أنفسهم، وجملة ﴿بئس﴾ من الفعل والفاعل جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، أو معطوفة على جملة
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾.
﴿وَلَوْ﴾ الواو استئنافية ﴿لَوْ﴾ حرف شرط غير جازم ﴿أَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾ وجملة ﴿وَاتَّقَوْا﴾ معطوفة على جملة ﴿آمَنُوا﴾ والتقدير: ولو أنّهم مؤمنون بالله ومتّقون إيّاه، وجملة أنّ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لفعل محذوف جوازًا؛ لأنَّ لو الشرطية لا يليها إلّا الفعل، والتقدير: ولو ثبت إيمانهم وتقواهم ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ اللام رابطة لجواب لَّوْ الشرطية، وقيل: هي لام الابتداء مثوبة مبتدأ ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ وهذا الوصف سوّغ الابتداء بالنكرة، والتقدير: لمثوبة كائنة من عند الله ﴿خَيْرٌ﴾ لهم خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب لو الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة لو الشرطية مستأنفة ﴿لَوْ﴾ حرف شرط غير جازم، ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ خبره، وجملة كان من اسمها وخبرها فعل شرط للو لا محل لها من الإعراب، وجواب لو محذوف دلّ عليه ما قبلها، تقديره: لو كانوا يعلمون خيرية الثواب من عند الله لما اختاروا السحر عليه، وجملة لو الشرطية من فعل شرطها وجوابها مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾.
﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾.
﴿مَا﴾ نافية، ﴿يَوَدُّ﴾ فعل مضارع مرفوع ﴿الَّذِينَ﴾ فاعل، والجملة مستأنفة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من الواو في كَفَرُوا ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ معطوف على أَهْلِ الكِتَاب وزيدت لا هنا؛ لتأكيد النفي السابق، ولو كان في غير القرآن لجاز حذفها ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر ﴿يُنَزَّلَ﴾ فعل مضارع مغيّر الصيغة منصوب بأن المصدرية
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ تقدّم أن أصل الميثاق مِوْثاق، قلبت الواو ياءً لمَّا سُكِّنت بعد كسرةٍ ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ أمر من أخذ، والقياس أن يسكن فاؤه، ويؤتى بهمزة وصل؛ للتوصل بها إلى النطق بالساكن، كما قالوا: اضرب، اصبر، ولكن قدَّمنا أنَّ هذا الفعل وهو أخذ، وكذلك أكَلَ، وأَمَر، أنَّ الأمر منها دائمًا، هكذا: خُذ، كُل، مُر ﴿مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ أصله: أأتيناكم بهمزتين، أبدلت الثانية ألفًا حرف مدِّ للأولى ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ وبئس فعلٌ، وضع لإنشاء الذمّ، وأصله. فعِلَ، ولكنّهم خفَّفوا بسكون الوسط وله ولنِعْمَ باب معقود في النحو، وأصل إيمانكم: إئمانكم بهمزتين، أبدلت الثانية الساكنة حرف مدّ مجانسًا لحركة الأولى.
﴿إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ الدار فيه إعلال بالقلب، فألفه منقلبة عن واو، وأصله؛ دَوَرٌ تحركت الواو بعد فتح فقلبت ألفًا، ولذلك يصغر على دويرة ﴿خَالِصَةً﴾ الخالص: الذي لا يشوبه شيء، يقال: خلص يخلص خلوصًا، إذا
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ تجدنهم مضارع وجَدَ، وأصله: يَوْجِدُ من فَعَل بفتح العين في الماضي يفعِل بكسرها في المضارع، فهو مثالٌ وقعت الواو بين عدوَّتيها الياء المفتوحة والكسرة فحذفت، ثُمَّ بني الفعل على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد المباشرة، وقس على هذا ما شابهه، ومادَّة. وجد مشتركٌ بين الإصابة، والعلم، والغنى، والحرج، ويختلف بالمصادر، كالوجدان، والوجد، والموجدة، والحرص شدَّة الطلب، وفي "المصباح": وحَرَص عليه حرصًا من باب ضرب إذا اجتهد، والاسم الحِرص بالكسر، وحرص على الدنيا من باب ضرب أيضًا، وحَرِص حرصًا من باب تعب إذا رغب رغبةً مذمومةً. اهـ.
﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ من الود وهو المحبَّة للشيء والإيثار له، وهو مضارع وَدِدَ بكسر العين في الماضي، يَوْدَدُ بفتحها في المضارع من باب فَعِلَ يَفْعَلَ، نقلت حركة الدال إلى الواو، فسكنت، فأدغمت في الدال الثانية ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ من عمَّر المضعَّف، والتضعيف فيه للنقل، إذ هو من عَمَّر الرجل إذا طال عمره، وعمَّره الله إذا أطال عمره، والعمر مدَّةُ البقاء ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ والألف عشر من المئين، وقد يتجاوز فيه فيدلُّ على الشيء الكثير وهو من الألفة، إذ هو ما لَفَّ أنواعَ الأعداد، إذ العشرات ما لَفَّ الآحاد، والمئون ما لفَّ العشرات، والألف ما لفَّ المِئِين
| خَلِيْلَيَّ ما بَالُ الدُّجَى لا يُزَحْزَحُ | وَمَا بالُ ضَوءِ الصُّبْحِ لا يتَوضَّحُ |
| وَمَدًّا ابْدِل ثَانِيَ الهَمْزَيْنِ مِنْ | كِلْمَةٍ إنْ يَسْكُنْ كَآثِرْ وائتُمِينْ |
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ أصله؛ أَأْمنُوا، أبدلت الهمزة الثانية ألفًا حرف مَدٍّ للأولى ﴿وَاتَّقَوْا﴾ أصله: أوْتَقَيُوا، أبدلت الواو التي هي فاء الكلمة تاء، وأدغمت في تاء الافتعال، ثم أبدلت الياء ألفًا؛ لتحركها بعد فتح، فالتقى ساكنان الألف والواو، فحذفت الألف، وبقيت الفتحة دالةً عليها ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ وَزْنهُ مَفْعُلَةً بضمّ العين من الثواب، نقلت حركة الواو إلى الفاء، فسكنت الواو إثر ضمة، فجعلت حرف مدّ. ونقل الواحديُّ: أنَّ المثوبة فيها قولان:
أحدهما: أنّ وزنها مَفْعُولة، والأصلُ: مَثْوُوْبةٌ بواوين، فثقلت الضمةُ على الواو الأولى، فنقلت إلى الساكن قبلها، فالتقى ساكنان، فحذف أوّلهما الذي هو عين الكلمة، فصار مثوبة على وزن مفولة، ومحوزة، ومصونة، ومشوبة، وقد جاءت مصادر على وزن مفعول، كالمعقود، فهي مصدر نقل ذلك الواحديُّ.
والثاني: أنّها مفعُلةٌ بضم العين، وإنما نُقلت الضمة منها إلى الثاء، وكان من حقّها الإعلال، فيقال: مَثابة، كمَقالة، إلّا أنّها صحَّحوها. اهـ. "سمين". ﴿تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ يقال: تلا يتلو إذا تبع، وتلا القرآن؛ قرأه. وتلا عليه؛ كذَب. قاله أبو مسلم، وقال أيضًا: تلا عنه؛ صدف. فإذا لم يذكر الصِلَتَين احتمل الأمرين ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾؛ أي: في زمنه، وسليمان: اسم أعجمي، وامتنع من الصرف للعلمية والعجمة، ونظيره من الأعجمية في أنَّ آخرُهُ ألفًا ونونًا هامان، وماهان، وسامان، وليس امتناعه من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون كعثمان؛ لأنَّ زيادة الألف والنون موقوفةٌ على الاشتقاق، والتصريف، والاشتقاق، والتصريف العربيان لا يدخلان الأسماء العجمية ﴿السِّحْرَ﴾ مصدر سَحَر يَسْحَر سِحْرًا على وزن فِعْلٍ، ولا يوجد مصدرٌ على وزن فِعْلٍ إلّا سِحْرٌ وفِعْلٌ، قاله بعض أهل العلم، قال الجوهري: كُلُّ ما لطَفُ ودقَّ فهو سِحر، يقال: سحَرَهَ؛ أَبْدَى، له أمرًا يَدِقُّ عليه ويَخْفَى. انتهى. وقال الشاعر:
أدَاءٌ عرَانِي مِنْ حَيائِكَ أمْ سِحْرُ
ويقال: سحَرَه إذا خدَعه، ومنه قولُ امريء القيس:
| أَرانَا موضعيَنِ لأمْرِ عيْب | وَنُسْحَرُ بالطَّعَامِ وَبالشرَابِ |
| يَقُولُ أُناسٌ لا يَضِيْرُكَ نَابُهَا | بَلَى كُلُّ مَا شَفَّ النُّفُوسَ يضيْرُهَا |
| يَدْعُوْنَ بالوَيْلِ فِيْهَا لا خَلاَقَ لَهُمْ | إلّا السَّرَابِيْلُ مِنْ قَطْرٍ وأغلاَلُ |
| فَمَا لَكَ بَيْتٌ لَدَى الشَّامِخَاتِ | وَمالَكَ في غَالِب مِنْ خَلاق |
| تَمِيمُ بنُ مُرٍّ لا تَكُونَنْ حَاجَتِي | بِظَهْرٍ وَلاَ يَعْيَا عَلَيْكَ جَوَابُهَا |
البلاغة
وقد تضمّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ حيث شبَّه حبَّ عبادة العجل بمشروب لذيذ سائغ الشراب، وطوى ذكر المشبَّه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الإشراب على طريق الاستعارة المكنية، قال في "تلخيص البيان"، وهذه استعارةٌ، والمراد: وصف قلوبهم بالمبالغة في حُبِّ العجل، فكأنَّها تشرَّبَتْ حُبَّه، فمازجها ممازجة المشروب، وخالطها مخالطة الشيء الملذوذ، وقال بعضهم فيه: التشبيه البليغ؛ أي: جعلت قلوبهم لتَمَكُّن حب العجل منها، كأنَّها تشرب، ومثله قول زهير:
| فصحوتَ عَنْهَا بَعْدَ حُبٍّ داخِلٍ | وَالْحُبُّ يَشْرَبُهُ فُؤَادُكَ دَائِمًا |
ومنها: التهكُّم في قوله: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ حيث أسند الأمر إلى إيمانهم، وكذلك إضافةُ الإيمان إليهم، أمَّا الثاني فظاهرٌ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ تحقيرًا ودلالة على أنَّ مثل هذا لا يليق أن يسمَّى إيمانًا إلّا بالإضافة إليكم، وأمَّا الأوّل؛ فلأنَّ الإيمان إنّما يأمر ويدعو إلى عبادة من هو في غاية العلم والحكمة، فالإخبار بأنَّ إيمانهم يأمر بعبادة ما هو في غاية البلادة، في غاية التهكم والاستهزاء، سواءٌ جعل يأمر به بمعنى يدعو إليه أم لا. انتهى. من "الكرخي".
ومنها: التنكير في قوله: ﴿عَلَى حَيَاةٍ﴾؛ للتنبيه على أنَّ المراد بها حياةٌ مخصوصة، وهي الحياة المتطاولة التي يعمر فيها الشخص ألوفًا من السنين.
ومنها: الإتيانُ بالجملة الاسمية في جواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾؛ لزيادة التقبيح والتشنيع؛ لأنّها تُفِيدُ الثباتَ والدوامَ.
ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ حيث لم يقل: عدوٌّ لهم؛ لتسجيل صفة الكفر عليهم، وأنّهم بسبب عداوتهم للملائكة أصبحوا من الكافرين.
ومنها: الإظهار في قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ حيث لم يقل: فإنه؛ دفعًا لاحتمال أن يعود الضمير إلى جبريل، أو ميكائيل.
ومنها: ذكر الخاص بعد العام في قوله: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾، إظهارًا لمزيَّتِهِ وشرفه.
ومها؛ إسناد النبذ إلى فريق منهم في قوله: ﴿نبذ فريق منهم﴾؛ إشعارًا بأنَّ منهم من لم ينبذ.
ومنها: خُروج الأمر عن معناه الأصليِّ إلى معنى التعجيز، في قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ هو لأنَّ ذلك ليس من سِماتهم، ولا من ظواهرهم المألوفة، فإنَّ تمني الموت من شأن الأبرار المقرَّبين؛ لأنَّ من أيقن بالشهادة اشتاق إليها، وبكى حنينًا إليها، وقد رُوي عن علي بن أبي طالب (أنّه كان يطوف بين الصفين، في غلالة، فقال ابنه الحسن: ما هذا بزيِّ المحاربين؟ فقال: يا بنيّ! لا يبالي أبوك سقط على الموت أم سقط عليه الموت)، ولمَّا احتضر خالد بن الوليد بكى، فقيل له: ما يبكيك؛ قال: (والله ما أُبالي إشفاقًا من الموت، ولكن لأنّي حضرت كذا وكذا معركةً، ثمّ أموت هكذا، كما تموت العنز، فلا نامت أعين الجبناء) وعن حذيفة أنّه كان يتمنَّى الموت، فلما احتضر قال: (حبيبٌ جاء على فاقةٍ لا أفلح من ندم! يعني: على التمنِّي، وعن النبي - ﷺ -: (لو تمنَّوا الموت لغَصَّ كُلُّ إنسان منهم بريقه فمات مكانه، وما بقي على وجه الأرض يهوديٌّ).
ومنها: الكناية في قوله: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾؛ لأنّه كنايةٌ عن الكثرة، فليس المراد خصوص الألف.
ومنها: التنكير في قوله: ﴿رَسُولٌ﴾؛ للدلالة على التفخيم والتعظيم.
ومنها: وصفه بقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: بأنَّه آتٍ من عند الله، إفادةً لمزيد التعظيم.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ كناقة الله وبيت الله.
ومنها: التمثيل في قوله: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾؛ لأنّه تمثيل لتركهم وإعراضهم عن كتاب الله بالكلية، حيث رموه بالعناد، ولم يعملوا به بما يرمى به وراء الظهر استغناءً عنه، وقلَّة التفاتٍ إليه.
ومنها: حكاية حالٍ ماضيةٍ في قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ حيث لم يقل تلت الشياطين؛ لأنَّ تلاوتهم من الأمور الماضية فعبَّر عنها بالمستقبل حكايةً لها.
ومنها: زيادة مِنْ في المفعول في قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾؛ لإفادة تأكيد الاستغراق المستفاد من أحد.
ومنها: القصر في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾؛ لبيان أنّه ليس لهما فيما يتعاطيانه شأنٌ سواها؛ لِنَصْرِفَ الناسَ عن تعلُّمِه.
ومنها: فنٌّ رفيعٌ في فنون البلاغة في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾؛ الخ. وقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وهو تنزيل العلم منزلة الجاهل، فإنَّ صدر الآية يدلُّ على ثبوت العلم في أنّه لا نفع لهم في اشتراء كتب السحر والشعوذة، واختيارها على كتب الله تعالى، وآخر الآية ينفي عنهم العلم، فإنَّ لو تدلُّ على امتناع الثاني لامتناع الأول، إلا أنَّ نفي العلم عنهم لأمرٍ خطابيٍّ، نظرًا إلى أنَّهم لا يعملون على مقتضى العلم، ولكن في ذلك مبالغةٌ من حيث الإشارة، إلى أنَّ علمهم بعدم الثواب كافٍ في الامتناع، فكيف العلم بالذمِّ والرداءة.
ومنها: الإتيان بالجملة الاسمية في جواب لو الشرطية في قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ بدل الجملة الفعلية؛ للدلالة على الثبوت والاستمرار.
ومنها: تنكير مثوبة في قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾؛ لإفادة التقليل؛ أي: شيءٌ قليلٌ من الثواب كائنٌ من عند الله خيرٌ.
ومنها: حذف المفضَّل عليه في قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾؛ إجلالًا للمفضَّل من أن ينسب إليه، وهو السحر.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ لأنَّ نفي الودِّ عنهم كنايةٌ عن الكراهة؛ أي: ما يحب الذين كفروا الخ.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
ومنها: تصدير الجملتين بلفظ الجلالة في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ﴾ وقوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ﴾ للإيذان بفخامة الأمر.
ومنها: فنُّ التهذيب في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ وهو ترداد النظر فيما يكتبه الكاتب، وينظمه الشاعر، فقد خلصت هذه الآية من الإيهام، ودلَّتْ على آداب المخاطبة ليكون الكلام بريئًا من المطاعن، بعيدًا عن الملاحن.
ومنها: الزيادة والحذف في عدَّة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠) وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنّ الله سبحانه، لمَّا بيَّن حقيقة الوحي (١)، وردَّ كلام الكارهين له جملةً.. بَيَّنَ سرَّ نسخه، وأبطل مقال الطاعنين فيه، بأنّه تعالى يأمر بالشيء لما يعلم فيه من المصلحة، ثمَّ ينهى عنه لما يرى في ذلك من الخير حينئذٍ، فأطيعوا أمره، واتَّبعوا رسله في تصديق ما به أخبروا، وترك ما عنه زجروا.
قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنَّ الله سبحانه وتعالى، لمَّا نهى في الآيات السابقة عن الاستماع لنصح
وقد كان لأهل الكتاب حيلٌ في تشكيك المسلمين في دينهم، فقد طلب بعضهم من بعض أن يؤمنوا أوَّل النهار، ويكفروا آخره كي يتأسَّى بهم بعض ضعاف الإيمان من المسلمين، وكانوا يلقون بعض الشبه على المؤمنين، ليشككوهم في دينهم.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها من حيث إنَّ هذه الآيات في بيان أباطيل أخر لأهل الكتاب وقبائحهم، حيث ادَّعى كلٌّ من الفريقين اليهود والنصارى أنَّ الجنّة خاصَّةٌ به، وطعن في دين الآخر، فأكذب الله الفريقين، وبيَّن أنّ الجنّة إنّما يفوز بها المؤمن التقيُّ الذي عمل الصالحات.
واعلم: أنّ الله سبحانه ذكر في هذه الآية حالين من أحوال اليهود (١):
أولاهما: تضليل من عداهم، وادعاؤهم أنَّ الحق لا يعدوهم، وأنّ النبوة مقصورةٌ عليهم.
وثانيهما: تضليل اليهود للنصارى، وتضليل النصارى لهم، كذلك مع أنَّ كتاب اليهود أصل لكتاب النصارى، وكتاب النصارى متمِّمٌ لكتاب اليهود.
والعبرة من هذا القصص: أنَّهم قد صاروا إلى حال من اتباع الأهواء، لا يعتدُّ معها بقول أحد منهم، لا في نفسه، ولا في غيره، فطعنهم في النبي - ﷺ -، وإعراضهم عن الإيمان به، لا يثبت دعواهم في أنّه مخالف للحق، فاليهود قد كفروا بعيسى، وقد كانوا ينتظرونه، والنصارى كفروا بموسى ورفضوا التوراة، وهي حجتهم على دينهم، فكيف بعدئذٍ يعتدُّ برأيهم في محمدٍ - ﷺ -؟ وهو من غير
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ سبحانه الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنَّ الله سبحانه وتعالى، لمَّا ذكر افتراء اليهود والنصارى وقولهم: إنّ الجنّة لا يدخلها إلّا من كان هودًا أو نصارى، وإنّها خاصة بهم.. أردف ذلك بذكر بعض قبائحهم، وقبائح المشركين في ادّعائهم: أنّ لله ولدًا، حيث زعمت اليهود: أنَّ عزيرًا ابن الله، وزعمت النصارى: أنّ المسيح ابن الله، وزعم المشركون: أنّ الملائكة بنات الله، فأكذبهم الله وردَّ عليهم دعواهم الباطلة.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عكرمة، عن ابن عباس قال: (كان ربما ينزل على النبي - ﷺ - الوحي بالليل وينساه في النهار، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ الآية).
وروي أنَّ هذه الآيات نزلت حين قال المشركون، أو اليهود: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمرٍ، ثُمَّ ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ويقول: اليوم قولا ويرجع عنه غدًا، فقد أمر في حد الزنا بإيذاء الزانيين باللِّسان حيث قال: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ ثُمَّ غيَّره وأمر بإمساكهن في البيوت، حيث قال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ ثمَّ غيَّره بقوله: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فما هذا القرآن إلّا كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه، يناقض بعضه بعضًا، ومقصدهم من ذلك الطعن في الدين؛ ليضعِّفوا عزيمة من يريد الدخول فيه، وينضوي تحت لوائه.
قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رفيع بن خزيمة، ووهب بن زيد لرسول الله - ﷺ -: يا محمد! ائتنا بكتابٍ تنزله علينا من السماء نقرؤه، أو فجر لنا أنهارًا نتَّبعك ونصدِّقك، فأنزل الله في ذلك: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية، سبب نزولها: أنّه كان حُييُّ بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب، من أشدّ اليهود حسدًا، للعرب، إذْ خصّهم الله تعالى برسوله، وكانوا جاهدين في رد الناس عن الإِسلام، فأنزل الله فيهما: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد، أو عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وعن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد أنّه أخبره: أنَّ رسول الله - ﷺ - ركب على حمار، فقال لسعد: "ألم تسمع ما قال أبو الحباب" يريد عبد الله بن أبي؟ قال: "كذا وكذا"، فقال سعد بن عبادة: اعف عنه واصفح، فعفا عنه رسول الله - ﷺ -، وكان رسول الله - ﷺ - يعفو عن أهل الكتاب والمشركين، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: لمَّا قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله - ﷺ -، أتتهم أحبار اليهود، فتنازعوا عند رسول الله - ﷺ -، فقال رافع بن حرملة من اليهود: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى، وبالإنجيل، وقال: رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء، وجحد نبوة موسى، وكفر بالتوراة، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية، ما أخرجه ابن جرير، عن ابن زيد قال: نزلت هذه الآية في المشركين حين صدُّوا رسول الله - ﷺ -، عن مكة يوم الحديبية، وأخرج ابن جرير من طريق سعيد، أو عكرمة عن ابن عباس قال: إنّ قريشًا منعوا النبيَّ - ﷺ - الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله سبحانه ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ...﴾ الآية.
١٠٦ - ولمَّا حرَّم الله سبحانه وتعالى قولهم: ﴿رَاعِنَا﴾ بعد حلِّه، وكان ذلك من باب النسخ، قال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ بغير عطف؛ لشدّة ارتباطه بما قبله. و ﴿مَا﴾ شرطية جازمة لننسخ، منتصبةٌ به على المفعولية؛ أي: أي شيء ﴿نَنْسَخْ﴾! ومحلُّ قوله: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ النَّصب تمييزًا لما الشرطيَّة، والنسخ في اللُّغة: الإزالة والنقل، يقال: نسخت الريح الأثر؛ أي: أزالته، ونسخت الشمس الظلَّ إذا أزالته، ونسخت الكتاب؛ أي: نقلته من نسخةٍ.
واصطلاحًا: بيان انتهاء حكم التعبُّد بتلاوة الآية، وقراءتها، أو انتهاء التعبُّد بالحكم المستفاد منها، أو بهما جميعًا.
فالأوَّل: أعني: نسخ التلاوة دون الحكم، كآية الرجم، كما روي أنَّ مما يتلى عليكم في كتاب الله (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتةَ) فهو منسوخ التلاوة دون الحكم، ومعنى النسخ في مثلها: انتهاء التكليف بقراءتها عند نسخ تلاوتها، وهذا القسم قليلٌ، وهو المراد بقوله: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾.
والثاني: أعني: نسخ الحكم دون التلاوة، فكآية عدّة الوفاة بالحول، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ نسخت بأربعة أشهر وعشرًا، المذكور في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ إلى غير ذلك من الأمثلة، كالآيات التي نسخت بآية السيف، وكمصابرة الواحد لعشرة في القتال، نسخت بمصابرة الواحد للاثنين، فهو منسوخ الحكم دون التلاوة، وهو المعروف الكثير من النسخ في القرآن، فتكون الآية الناسخة والمنسوخة ثابتتين في التلاوة، إلّا أنَّ المنسوخة لا يعمل بها، ومعنى النسخ في مثلها: بيان انتهاء التكليف بالحكم المستفاد منها عند نزول الآية المتأخِّرة عنها، وحسن بقاء التلاوة مع نسخ الحكم ورفعه؛ ليبقى حصول الثواب بقراءتها، فإنّ القرآن كما يتلى لحفظ حكمه لتيسير العمل به، يتلى أيضًا؛ لكونه كلام الله تعالى، فيثاب عليه.
وهذان القسمان هما المذكوران بقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ فدخل تحت قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ قسمان من أقسام النسخ، وهما: نسخ الحكم واللفظ معًا، أو الحكم فقط، وتحت قوله: ﴿أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ﴾ قسمٌ واحد، وهو نسخ اللفظ دون الحكم. قال القرطبي: الجمهور على أنَّ النسخ إنّما هو مختصٌّ بالأوامر، والنواهي، والخبر لا يدخله النسخ؛ لاستحالة الكذب على الله تعالى.
والمعنى: أيَّ شيء من الآيات ننسخ ونرفع حكمها مع بقاء لفظها؟ كآية عدّة الوفاة بالحول بآية أربعة أشهر وعشرة أيام، أو ننسخ ونرفع لفظها وحكمها جميعًا، كنسخ عشر رضعات بخمس رضعات ﴿أو ننسأها﴾؛ أي: نؤخِّر ونبق حكمها مع رفع تلاوتها، كآية الرجم؛ لأنّه إمّا من النَّسيء إنْ قرأنا بفتح النون والسين، أو من الإنساء إن قرأنا بضمّ النون وكسر السين، وكلاهما بمعنى التأخير، والمراد: تأخير حكمها وإبقاؤه مع نسخ تلاوتها، أو تأخيرها في اللوح المحفوظ عن الإنزال إلى وقتٍ أراد الله سبحانه إنزالها فيه، وفي "الروح" قوله: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾؛ أي: نذهبها عن قلوبكم، فإنساء الآية إذهابها من القلوب، كما روي إنَّ قومًا من الصحابة قاموا ليلةً ليقرؤوا سورةً، فلم يذكروا منها إلّا البسملة، فغدوا إلى النبي - ﷺ - وأخبروه، فقال - ﷺ -: "تلك سورةٌ رفعت بتلاوتها وأحكامها" ﴿نَأْتِ﴾؛ أي: نرسل جبريل ﴿بِخَيْرٍ﴾ أي: بآيةٍ هي خيرٌ وأسهل على العباد؛ أي: من المنسوخة؛ أي: نرسله (١) بما هو أنفع لكم، وأسهل عليكم، وأكثر لأجوركم، وليس معناه: أنَّ آيةً خيرٌ من آية؛ لأنَّ كلام الله تعالى واحدٌ، وكلُّه
والمعنى: إنّ كُلَّ آية نذهب بها على ما تقتضيه الحكمة، والمصلحة من إزالة لفظها، أو حكمها، أو كليهما معًا إلى بدلٍ، أو إلى غير بدل، كما في إنسائها، وإذهابها عن القلوب بالكلية، كما روي عن قومٍ من الصحابة ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾؛ أي: نوح إليك غيرها مما هو خيرٌ للعباد، بحسب الحال من الذاهبة، أو ممَّا هو مثلها في النفع والثواب. فكلُّ ما نسخ إلى أيسر، فهو أسهل في العمل، وما نسخ إلى الأشقّ، فهو في الثواب أكثر، أمَّا الأول: فكنسخ الاعتداد بحولٍ، ونقله إلى الاعتداد بأربعة أشهر وعشر، وأمَّا الثاني: فكنسخ ترك القتال بإيجابه، وقد يكون النسخ بمثل الأول لا أخفَّ ولا أشقَّ، كنسخ التوجُّه إلى بيت المقدس، بالتوجه إلى الكعبة، وهذا الحكم غير مختصٍّ بنسخ الآية التامَّة فما فوقها، بل جارٍ فيما دونها أيضًا، وتخصيصها بالذكر باعتبار الغالب.
واعلم: أنَّ الناسخ على الحقيقة هو الله تعالى، ويسمى الخطاب الشرعي ناسخًا تجوّزًا في الإسناد، بناءً على أنَّ النسخ يقع به، والمنسوخ هو الحكم المزال، والمنسوخ عنه: هو المُتعبِّدُ بالعبادةِ المُزالَةِ وهو المكلَّف، والحكمة (١) في النسخ: أنّ الطبيبَ المباشرَ لإصلاح البدن، يُغيِّر الأغذية، والأدوية، بحسب اختلاف الأمزجة، والأزمنة، كذلك الأنبياء المباشرون لإصلاح النفوس، يغيِّرون الأعمال الشرعية، والأحكام الخلقيَّة التي هي للنفوس بمنزلة العقاقير، والأغذية
قال الأستاذ الإمام: والمعنى الصحيح الذي يَلْتَئِمُ مع السياق: أنَّ الآية هنا ما يؤيّد الله تعالى به الأنبياء، من الدلائل على نبوتهم؛ أي: ما ننسخ من آية نقيمها دليلًا على نبوّة نبيّ من الأنبياء؛ أي: نزيلها، ونترك تأييد نبيٍّ آخر بها، أو ننسها الناس؛ لطول العهد بمن جاء بها، فإنَّا بما لنا من القدرة الكاملة، والتصرّف في الملك؛ نأت بخير منها في قوّة الإقناع، وإثبات النبوة، أو بمثلها في ذلك، ومن كان هذا شأنه في قدرته، وسعة ملكه، فلا يتقيَّدُ بآية مخصوصة يمنحها جميع أنبيائه. اهـ. وقد سبقه إلى مثله محيي الدين ابن العربي في "تفسيره". وقرأ الجمهور (٢) ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ من نسخ الثلاثي بمعنى: أزال. وقرأت طائفة، وابن عامر من السبعة ﴿ما نُنسِخ﴾ بضمّ النون الأولى من أنسخ الرباعي، وهو بمعنى: نسخ الثلاثي.
وقرأ عُمر وابن عباس، والنخعيُّ، ومجاهد، وعطاء، وعبيد بن عمير، ومن السبعة ابن كثير، وأبو عمرو ﴿أو نَنْسَأْهَا﴾ بفتح نون المضارعة والسين، وسكون الهمزة. وقرأ طائفة كذلك، إلّا أنّه بغير همز، وذكر أبو عبيد البكريُّ في كتاب "اللَّالي" ذلك، عن سعد بن أبي وقاص، وأراه وَهِمَ، وكذا قال ابن عطية، قال: وقرأ سعد بن أبي وقاص: ﴿تَنْسَاها﴾ بالتاء المفتوحة وسكون النون وفتح السين من غير همز، وهي قراءة الحسن، وابن يعمر، وقرأت فرقة كذلك، إلّا أنهم همَّزوا. وقرأ أبو حيوة كذلك، إلّا أنّه ضمَّ التاء. وقرأ سعيدٌ كذلك، إلّا أنه بغير همز، وقرأ باقي السبعة ﴿نُنْسِها﴾ بضمّ النون وكسر السين من غير همزت، وقرأ
(٢) البحر المحيط.
ثمّ أقام الدليل على إمكان الننسخ، فقال:
١٠٧ - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ يا محمد! الخطاب للنبي - ﷺ -، والمراد (١) غيره من المؤمنين الذين ربّما كان يؤذيهم ما كان يعترض به اليهود، وغيرهم على النسخ، وضعيف الإيمان يؤثِّر في نفسه أن يعاب ما يأخذ به، فيخشى عليه من الرُّكونِ إلى الشُّبهة، أو تدخل في قلبه الحيرة، فجاء ذلك؛ تثبيتًا لهم؛ وتقويةً لإيمانهم ببيان أنَّ القادر على كل شيء، لا يستنكر عليه نسخ الأحكام؛ لأنّها ممَّا تتناولها قدرته. والاستفهام فيه للتقرير؛ أي: إنك تعلم يا محمد! ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فمنه النسخ والتبديل ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر، فيقدر على النسخ، والإتيان بمثل المنسوخ، وبما هو خير منه.
والمعنى (٢): ألم تعلم يا محمد؟ أني قادر على تعويضك ممَّا نسخت من أحكامي، وغيرته من فرائضي التي كنت افترضتها عليك ما أشاء مما هو خيرٌ لك، ولعبادي المؤمنين، وأنفع لك ولهم عاجلًا، أو آجلًا، وسبق لك آنفًا أنَّ الهمزة للاستفهام التقريري، والمعنى: أي: أَقرَّ واعترفْ يا محمد! بكون الله
(٢) الخازن.
﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿لَهُ﴾ لا لغيره ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وما فيهما، وما بينهما، أي: سلطنتهما، فهو المتصرِّف فيهما دون غيره، يحكم فيهما، وفيما فيهما بما شاء من أمر، ونهي، ونسخ، وتبديل، فيفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو كالدليل على قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الملك: تمام القدرة واستحكامها، وتخصيص السموات والأرض بالذكر، وإن كان الله تعالى له ملك الدنيا والآخرة جميعًا؛ لكونهما أعظم المصنوعات المحسوسة، وأعجبها شأنًا. وهذا الخبر (٢)، وإن كان خطابًا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، لكن فيه تكذيبٌ لليهود الذين أنكروا النسخ، وجحدوا نبوّة عيسى، ومحمدٍ عليهما الصلاة والسلام، فأخبرهم أنَّ الله سبحانه وتعالى، له ملك السموات والأرض، وأنَّ الخلق كُلَّهم عبيده، وتحت تصرُّفه، يحكم فيهم ما يشاء، وعليهم السمع والطاعة، فعلم أنَّ هذه الجملة، كالدليل على قوله: ﴿أنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قديرٌ﴾، كما مرَّ، أو على جواز النسخ، ولذلك ترك العاطف ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
(٢) العمدة.
والمعنى: إن قضية العلم بما ذكر من الأمور الثلاثة وهو العلم بـ ﴿أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ والعلمُ بـ ﴿أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والعلمُ بأنْ ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ هو الجَزْمُ والإيقان، بأنّه تعالى لا يفعل بهم في أمرٍ من أمور دينهم، أو دنياهم إلّا ما هو خيرٌ لهم، والعمل بموجبه شيءٌ من الثقة والتوكّل عليه، وتفويض الأمر إليه من غير إصغاءٍ إلى أقاويلِ الكفرة، وتشكيكاتهم التي هي من جملتها ما قالوا في أمر النسخ. وقيل: المعنى: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ يا معشر اليهود والكفار! عند نزول العذاب ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾؛ أي: ممَّا سوى الله ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾؛ أي: قريبٍ وصديقٍ يحميكم من عذاب الله، وقيل: والٍ يلي أمركم ويقوم به ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾؛ أي: ولا ناصر يمنعكم من عذاب الله، وإنما هو الذي يملك أموركم، ويجريها على ما يصلح لكم، وفي هذا تحذيرٌ من عذاب الله، إذ لا مانع منه.
ولمَّا قالت اليهود: يا محمد! ائتنا بكتابٍ من السماء جملةً، كما أتى موسى بالتوراة، نزل قوله تعالى:
١٠٨ - ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ وأمْ هنا (١) منقطعةٌ تقدَّر ببل والهمزة، ويكون إضراب انتقال من قصّةٍ إلى أخرى، لا إضراب إبطالٍ،
وقيل (١): أم في قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ معادِلةٌ للهمزة في ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ والخطاب للمؤمنين؛ أي: ألم تَعْلَموا؟ أيها المؤمنون! أنّه سبحانه مالك الأمور، وقادرٌ على الأشياء كلِّها، يأمر وينهى كما أراد، أم تعلمون، وتقترحون بالسؤال، كما اقترحت اليهود على موسى عليه السلام، والمراد: توصية المؤمنين بالثقة به، وترك الاقتراح عليه، وهو المفاجأة بالسؤال من غير رويَّةٍ وفكرٍ ﴿أَنْ تَسْأَلُوا﴾ وأنتم مؤمنون ﴿رَسُولَكُمْ﴾ محمدًا - ﷺ -، وهو في تلك المرتبة من علوِّ الشأن، وتقترحوا عليه ما تشتهون، غير واثقين بأموركم بفضل الله تعالى، حسبما يوجبه قضيّةُ علمكم بشؤونه تعالى. قيل: لعلَّهم كانوا يطلبون منه - ﷺ -، تفاصيل الحِكَمِ الداعية إلى النسخ ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى﴾ مصدر تشبيهيٌّ! أي: نعت لمصدر مؤكّد محذوف، وما مصدرية؛ أي: تسألون رسولكم سؤالًا مشبهًا لله سؤال موسى عليه السلام، حيث قيل له: اجعل لنا إلهًا، وأرنا الله جهرةً، وغير ذلك. وقرىء (سِيْلَ بالياء) ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل محمد - ﷺ - متعلق بسئل؛ جيء به للتأكيد ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ﴾؛ أي: من يختر الكفر لنفسه، ويأخذه، ﴿بِالْإِيمَانِ﴾؛ أي: بدل الإيمان؛ أي: أخذه في مقابلة الإيمان بدلًا عنه؛ أي: ومن يختر الكفر على الإيمان، ويأخذه لنفسه بدل الإيمان.
وحاصله: من يترك الثقة بالآيات البينة المنزَّلة، بحسب المصالح التي من جملتها الآيات الناسخة التي هي خيرٌ محضٌ، وحقٌّ بحتٌ، واقترح غيرها {فَقَدْ
ومعنى ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: قصد الطريق السويّ، ووسطه الذي هو بين الغلوّ والتقصير وهو الحق، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: قد أخطأ الطريق المستوي؛ أي: المعتدل الحقَّ. وقرىء ﴿يُبْدِلْ﴾ من أبدل الرباعيِّ. وقد قرئ ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ بالإدغام، وبالإظهار في السبعة، والمعنى: ومن ترك الثقة بالآيات البينات المنزَّلة، وشكّ فيها، واقترح غيرها، فقد ضَلَّ الطريق المستوي حتى وقع في الكفر بعد الإيمان، وحاصل معنى الآية: لا تقترحوا فتضِلُّوا وسط السبيل وقصده، ويؤدِّي بكم إلى البعد عن المقصد، وتبديل الكفر بالإيمان.
وأكثر المفسرين (١): على أنَّ سبب نزول الآية اليهود حين قالوا: يا محمد! ائتنا بكتاب من عند الله جملةً، كما جاء موسى بالتوارة جملةً، فنزلت هذه الآية كما قال في آية أخرى ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿جَهْرَةً﴾ فالمخاطبون بقوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ هم اليهود، وإضافة الرسول إليهم في قوله: ﴿رَسُولَكُمْ﴾ باعتبار أنّهم من أمة الدعوة، ومعنى تبدُّل الكفر بالإيمان، ترك صرف قدرتهم إليه مع تمكنهم من ذلك، وإيثارهم للكفر عليه. قال الإِمام: وهذا القول أصحُّ؛ لأنَّ الآية مدنيَّةٌ؛ ولأنّ هذه السورة من أوّل قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ حكايةٌ عنهم، ومحاجَّةٌ معهم، وفي الآية إشارة إلى حفظ الآداب، فمن لم يتأدَّب بين يدي مولاه، ورسوله، وخلفائه، فقد تعرَّض للكفر، وحقيقة الأدب: اجتماع خصال الخير، وعن النبي - ﷺ - قال: "حقُّ الولد على والده أن يحسن اسمه، ويحسن مرضعه، ويحسن أدبه، فإنّه مسؤولٌ عنه يوم القيامة، ومؤاخذٌ بالتقصير فيه". وسئل ابن سيرين: أيُّ الأدب أقرب إلى الله؟ فقال: معرفة ربوبيته، والعمل بطاعته، والحمد على السراء، والصبر على الضرّاء. انتهى كلامه.
١٠٩ - ﴿وَدَّ﴾ أي: تمنَّى وأحبَّ ﴿كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛
﴿فَاعْفُوا﴾ واسمحوا عنهم أيها المؤمنون! إساءتهم، أي: اتركوهم، فلا تؤاخذوهم بهذه المقالة بالانتقام الفعلي، كالقتل والضرب ﴿وَاصْفَحُوا﴾؛ أي: أعرضوا عنهم، فلا تلوموهم على أخلاقهم، وكلامهم السيء، ولا تقابلوهم بالانتقام القولي؛ أي: فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح عمّا يكون منهم من الجهل، والعداوة. وأصل (٢) العفو: ترك عقوبة المذنب، يقال: عفت الريح المنزل درسته، وعفا المنزل يعفو درس، ويتعدّى، ولا يتعدّى، ومن ترك المذنب، فكأنّه درس ذنبه من حيث إنّه ترك المكافأة والمجازاة، وذلك لا يستلزم الصفح، ولذا قال تعالى: ﴿وَاصْفَحُوا﴾ فإنّه قد يعفو الإنسان ولا يصفح. والصفح: ترك التقريع باللسان والاستقصاء، يقال: صفحت عن فلانٍ، إذ أعْرضْتَ عن ذنبه بالكلية، وقد ضربت عنه وتركته، وليس المراد بالعفو والصفح المأمور بهما: الرضى بما فعلوا؛ لأنّ ذلك كفرٌ، والله تعالى لا يأمر به، بل المراد بهما: ترك المقاتلة والإعراض عن الجواب عن مساوي كلامهم. انتهى من "الروح".
والفرق بين العفو والصفح: أنّ العفو: ترك عقوبة المذنب، والصفح: ترك
(٢) روح البيان.
والمعنى (٢): حتى يحكم الله بحكمه الذي هو الإذن في قتالهم، وضرب الجزية عليهم، أو قتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير. روي أنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - استأذنوا رسول الله - ﷺ -، في أن يقتلوا هؤلاء اليهود الذين كفروا بأنفسهم، ودعوا المسلمين إلى الكفر، فنزلت الآية بترك القتال، والإعراض عن المكافأة إلى أن يجيء الإذن من الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ شاءه ﴿قَدِيرٌ﴾ فهو يقدر على الانتقام منهم بالقتل والإجلاء، وينتقم منهم إذا جاء أوانه، ففيه وعيدٌ وتهديدٌ لهم. والمعنى: أنّه تعالى قويٌّ قادرٌ على كل شيء، إن شاء انتقم منهم، وإن شاء هداهم. له الخلق والأمر. ولمَّا أمر الله سبحانه وتعالى، المؤمنين بالعفو والصفح عن اليهود، أمرهم بما فيه صلاحُ أنفسهم من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، الواجبتين، فقال:
١١٠ - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾
(٢) روح البيان.
| سَابِقْ إلى الخيرِ وبَادِر به | فإنَّما خَلْفَكَ ما تَعْلَمُ |
| وقدِّمَ الخَيْرَ فكُلُّ امرئٍ | عَلَى الَّذي قدَّمَهُ يَقْدُمُ |
وعن عُمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنّه مرَّ ببقيع الغرقد، فقال: (السلام عليكم أهل القبور أخبار ما عندنا، إنَّ نساءكم قد تزوَّجْنَ، ودوركم قد سكنت، وأموالكم قد قسمت، فأجابه هاتفٌ: يا ابن الخطاب! أخبار ما عندنا: إنّ ما قدَّمناه وجدناه، وما أنفقناه فقد ربحناه، وما خلَّفناه فقد خسرناه). ولقد أحسن هذا القائل:
| قَدِّم لِنَفْسِكَ قَبْلَ مَوْتِك صَالِحًا | واعْمَلْ فَلَيْس إلَى الخُلُودِ سَبِيلُ |
١١١ - ﴿وَقَالُوا﴾ معطوف (١) على ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ والضمير لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وتقدّم لك في الأسباب: أنَّ هذه المحاورة وقعت بين يهود المدينة ونصارى نجران، حينما اجتمعوا عند رسول الله - ﷺ - ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ لم يقل كانوا؛ حملًا للاسم على لفظ من، وجمع الخبر؛ حملًا على معناه، واليهود: جمع هائدٍ، اسم فاعل من هاد إذا تاب، نظير قوله: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ وكأنَّه في الأصل: اسم مدح لمن تاب من عبادة العجل، ثمّ صار بعد نسخ شريعتهم لازمًا لجماعتهم، كالعَلَم لهم، والنصارى: جمع نصران كسكران، والمعنى: أي قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديًّا، ولا دين إلّا دين اليهودية، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلّا من كان نصرانيًّا، ولا دين إلّا دين النصرانية، و ﴿أَوْ﴾ هنا للتفصيل.
وقدّمت اليهود على النصارى (٢)؛ لفظًا لتقدّمهم زمانًا ﴿تِلْكَ﴾ المقالة الباطلة وهي: أنّ الجنة لا يدخلها إلّا من كان هودًا أو نصارى. ﴿أَمَانِيُّهُمْ﴾؛ أي: متمنِّياتهم الكاذبة التي تمنّوها من الله من غير حجة ولا برهان، وشهواتهم الباطلة التي لا أصل لها، وخيالاتهم العاطلة التي لا وجود لها، والأمانيُّ: جمع أمنيَّةٍ أفعولةٌ من التَّمنِّي وهي: ما يتمنَّى، كالأضحوكة، والأعجوبة، والتَّمنِّي: التشهِّي، والعرب تُسمِّي الكلام العاري عن الحجة تمنِّيًا، وغرورًا، وضلالًا، وأحلامًا مجازًا، وجمع (٣) الأمانيّ باعتبار صدورها عن الجميع من اليهود والنصارى، وعبارة "الصاوي" هنا: وإنّما جمع الخبر مع كون المبتدأ مفردًا؛ لأنّه في المعنى جمعٌ؛ لأنّه عائد على القولة، وهي بمعنى: المقالات باعتبار القائلين. اهـ.
(٢) كرخي.
(٣) روح البيان.
١١٢ - ﴿بَلَى﴾ إثباتٌ لما نفوه من دخول غيرهم الجنة؛ لأنَّ بلى لإثبات النفي؛ أي: يدخلها غيركم، وعبارة "الروح": اعلم أنَّ قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾ إلخ. مشتملٌ على إيجاب ونفي، أمّا الإيجاب: فهو أن يدخل الجنّة اليهود والنصارى، وأمّا النفي: فهو أن لا يدخل الجنة غيرهم، فقوله: ﴿بَلَى﴾ إثبات لما نفوه في كلامهم، فكأنّهم قالوا: لا يدخل الجنة غيرنا، فأجيبوا بقوله: بلى يدخل الجنة غيركم، وليس الأمر كما تزعمون ﴿مَنْ أَسْلَمَ﴾ وبذل ﴿وَجْهَهُ﴾؛ أي: نفسه (لـ) ـطاعة ﴿لِلَّهِ﴾ سبحانه وتعالى، وأخلص إيمانه لا يشرك به شيئًا، وانقاد لأمره، وأخلص عبادته من شوائب الرياء والسمعة، فإنَّ إسلام (١) شيءٍ لشي جعله سالمًا بأن لا يكون لأحد حقٌّ فيه، لا من حيث التخليق والمالكية، ولا من حيث استحقاق العبادة والتعظيم، عبَّر عنها بالوجه؛ لكونه أشرف الأعضاء من حيث إنَّه معدن الحواس، والفكر، والتخيُّل، فهو مجاز من باب ذكر الجزء، وإرادة الكل، ومنهم قولهم: كرَّم الله وجهك، ويحتمل أن يكون إخلاص الوجه كنايةً عن إخلاص الذات؛ لأنَّ من جاد بوجهه لا يبخل بشيء من جوارحه، ويكون الوجه بمعنى العضو المخصوص، وقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ حالٌ من ضمير ﴿أَسْلَمَ﴾؛ أي: وهو مع إخلاصه وتسليم النفس إلى الله بالكلية بالخضوع والانقياد، محسنٌ في جميع أعماله، بأن يعملها على وجهةٍ يستصوبها، فإنَّ إخلاصها لله لا يستلزم كونها مستحسنة بحسب الشرع، وحقيقة الإحسان: الإتيان بالعمل على الوجه اللائق، وهو حسنه الوصفيُّ التابع لحسنه الذاتيِّ، وقد فسره - ﷺ - بقوله: "أن تعبد الله كأنّك تراه، وإن لم تكن تراه فإنه يراك" وهذا
| وأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ | لَهُ الأرضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالًا |
| وأسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أسْلمَتْ | لَهُ المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلاَلاَ |
أمَّا عابدوا الأوثان والأصنام، فهم في خوف مما يستقبلهم، وحزن مما ينزل بهم، فإذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، داخلهم الهلع، ولم يستطيعوا صبرًا على البأساء، وهم يَسْتَخْذُون للدجَّالين، والمُشَعْوِذين، ويعتقدون سَلْطَنةً غيبيَّة لكل من يعمل عملًا لا يهتدون إلى معرفة سببه. والآية (٢) ترشد إلى أنَّ الإيمان الخالص لا يكفي وحده للنجاة، بل لا بدّ أن يقرن بإحسان العمل، وقد جَرَتْ سنة القرآن، إذا ذكر الإيمان أردفه عمل الصالحات، كقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ ثُمَّ ذكر مقال كلٍّ من الفريقين في الآخرة بقوله:
١١٣ - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ إلخ. بيان لتضليل كل فريق من اليهود والنصارى صاحبه بخصوصه، إثر بيان تضليله كُلَّ من عداه على وجه العموم؛ أي: وقالت اليهود ﴿لَيْسَتِ النَّصَارَى﴾ في دينهم ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾؛ أي: على أمر يصحُّ، ويعتدُّ به عند الله؛ أي: ليسوا على صواب، فكفروا بعيسى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ في دينهم ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾؛ أي: على أمر يصحُّ، ويعتدُّ به عند الله تعالى، أي: ليسوا على صواب، فكفروا بموسى، وهذه المقالة منهما أصدق مقالةٍ قالتها اليهود والنصارى، وجملة قوله: {وَهُمْ يَتْلُونَ
(٢) المراغي.
﴿فَاللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى ﴿يَحْكُمُ﴾ ويَفْصِلُ، ويقضى ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين هؤلاء الفرق الثلاثة، وغيرهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: يوم الجزاء، سُمِّي يوم القيامة؛ لأنّه يوم يقوم الناس فيه لربّ العالمين ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ﴾ متعلِّقٌ بيختلفون، قدم عليه؛ للمحافظة على رؤوس الآي؛ أي: يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا
وقيل (١): معنى ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين الفرق المذكورة اليهود، والنصارى، ومشركي العرب، ومن أسلم وجهه لله وهو محسن، فيُدْخِل المحقَّ الجنة، والمبطل النار، وهذا المعنى الذي يقتضيه السياق؛ أي: فهو العليم بما عليه كُلُّ فريق من حقٍّ وباطل، فَيُحِقّ الحقَّ، ويجعل أهله في النعيم، ويبطل الباطل، ويُلْقيَ أهلَه في سواء الجحيم. وفِعْلُ الحُكْم يتعدَّى بجارّين، الباء، وفي، كما يقال: حكم الحاكم في هذه القضية بكذا، وفي الآية قد ذكر المحكوم فيه دون المحكوم به. واعلم أنَّ كُلَّ حزب بما لديهم فرحون، وليس ذلك في الفرق الضالة خاصَّةً.
١١٤ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ ﴿مَنْ﴾ للاستفهام الإنكاري المضَمَّن للنفي، مبتدأ، و ﴿أظلم﴾ خبره، أي: وأيُّ امرئٍ أشدُّ ظلمًا وتعدِّيًا على الله تعالى ﴿مِمَّنْ مَنَعَ﴾؛ أي: من امرئٍ منع ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾؟ والمراد بالمساجد: بيت المقدس، والمسجد الحرام، على الخلاف في سبب النزول، كما سيأتي، وصيغة الجمع؛ لكون حكم الآية عامًّا لكل من فعل ذلك في أيِّ مسجد كان، كما تقول: لمن آذى صالحًا واحدًا، ومن أظلم ممَّن آذى الصالحين؛ لأنّه لا عبرة بخصوص السبب، كما هو القاعدة في الأسباب، وقوله: ﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ثاني مفعولَي مَنَع، فإنَّه يقتضي ممنوعًا وممنوعًا عنه، فتارةً يتعدى إليهما بنفسه، كما في قَوْلِك: مَنَعْتُه الأمر، وتارة يتعدى إلى الأول بنفسه، وإلى الثاني بحرف الجرّ، وهو كلمة عن، أو من مذكورةً كانت كما في قولك: منعته من الأمر، أو محذوفةً، كما في الآية؛ أي: من أن يسبَّح ويقدَّس ويصلَّى له فيها ﴿وَسَعَى﴾؛ أي: عمل واجتهد ﴿فِي خَرَابِهَا﴾ بالهدم، والخراب: اسم مصدرٍ للتخريب، كالسلام للتسليم، وأصله: الثَّلْمُ والتفريقُ؛ أي: لا أحد من المانعين عن الخيرات أشدُّ ظلمًا وتعديًا على الله سبحانه ممن منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه،
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: (أن فَلَيْطَيُوسَ الرُّوميّ مَلِكَ النصارى، وأصحابه غزوا بني إسرائيل، فقتلوا مقاتلتهم، وسَبَوْا ذرارِيَّهم، وأحرقوا التوراة، وخرَّبوا بيت المقدس، وقذفوا فيه الجيف، وذبحوا فيه الخنازير، ولم يزل خرابًا حتى بناه المسلمون في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -) وذلك لمَّا استولى عُمر رضي الله عنه على ولاية كِسرى، وغنم أموالَهم، عَمَّر بها بَيْتَ المقدس، ثم صار في أيدي النصارى من الإفرنج أكثر من مائة سنة، حتى فتحه، واستخلصه من أيديهم، الملك الناصر صلاح الدين من آل أيوب، سنة خمسمائة وخمس وثمانين بعد الهجرة. وقيل: نزلت الآية في مشركي العرب الذين منعوا رسول الله عن الدعاء إلى الله تعالى بمكة، وألجؤوه إلى الهجرة، فصاروا بذلك مانعين له - ﷺ -، ولأصحابه أن يذكروا اسم الله في المسجد الحرام، وأيضًا: أنّهم صدُّوا رسول الله - ﷺ -، وأصحابه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من المدينة عام الحديبية، وهي السنة السادسة من الهجرة، والحديبية: موضعٌ على طريق مكة، فعلى هذا يكون المسجد الذي نزلت الآية فيه المسجد الحرام، فالمراد بالخراب في قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ تعطيلهم المسجد الحرام عن الذكر والعبادة، دون تخريبه وهدمه حقيقةً، ويجعل تعطيل المسجد عنهما تخريبًا؛ لأنَّ المقصود من بنائه إنما هو الذكرُ والعبادةُ فيه، فما دام لم يترتَّب عليه هذا
فإن قلت: إنّ هذه الآية تقتضي: أنَّ من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، لا يساويه أحدٌ في الظلم، فهي تعارض مع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ومع قوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ المقتضي كُلُّ آيةٍ منها بأنّه لا أحد أظلم ممن ذكر فيها؟
قلت: إنّ معنى المفاضلة في كل منها يعتبر بالنظر إلى صلته، فكأنَّه قال: لا أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد الله، ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله كذبًا، ولا أحد من الكذابين أظلم ممن كذب على الله سبحانه وتعالى، وهكذا كُلُّ ما جاء من أمثالها، وقد يجاب عنه بأجوبة أخرى، فليرجع إليها في المطولات.
أجيب عنه: بأنَّ من خرَّب مسجدًا من هذين، فكأنّما خرَّب مساجد كثيرة بالقوَّة؛ لأنَّهما أفضل المساجد، وغيرهما تبعٌ لهما ﴿أُولَئِكَ﴾ المانعون الذين يسعون في تخريب بيوت الله ﴿مَا كَانَ﴾ ينبغي ﴿لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا﴾؛ أي: أن يدخلوا المساجد ﴿إِلَّا خَائِفِينَ﴾ من المسلمين أن يبطشوا بهم فضلًا عن أن يمنعوهم منها، وهذا الحكم عامٌّ لكل من فعل ذلك في أيِّ مسجدٍ كان ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء المانعين ﴿فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾؛ أي: هوان بالقتل، والسبي، وضرب الجزية عليهم ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ أي: شديدٌ أشدَّ مما لهم في الدنيا؛ بسبب كفرهم، وظلمهم، وهو عذاب النار.
الإعراب
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾.
﴿مَا﴾ اسم شرط جازم في محل النصب مفعول مقدّم وجوبًا؛ لأنّه من أسماء الشروط لننسخ ﴿نَنْسَخْ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله مجزوم بما الشرطية ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لاسم الشرط، واسم الشرط ليس معرفة، فلا يجوز أن يكون الجار والمجرور حالًا منه، والتقدير: أي شيء كائنًا من الآيات ننسخه، فهو مفردٌ وقع موقع الجمع، وهذا مطردٌ بعد الشرط؛ لما فيه من معنى العموم، وعلى هذا يخرَّج كُلُّ ما جاء من هذا التركيب، كقوله: ما يفتح الله للناس من رحمة وما بكم من نعمة فمن الله، وأجاز بعضهم أن تكون من آية في موضع نصب على التمييز والمُميَّز ﴿مَا﴾ وليس ببعيدٍ أيضًا، وأعربها ابن هشام في موضع نصب على الحال، وليس ببعيدٍ أيضًا ﴿أَوْ﴾ حرف
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾.
﴿أَلَمْ﴾ الهمزة للاستفهام التقريري ﴿لم تعلم﴾ جازم وفعل مجزوم وفاعل مستتر يعود على محمد - ﷺ -، والجملة الاستفهامية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور خبر مقدّم ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ مبتدأ مؤخّر ومضاف إليه ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على السموات، والجملة من المبتدأ والخبر في محل رفع خبر أَنَّ وجملة أَنَّ من اسمها وخبرها سادة مسد مفعولي ﴿تَعْلَمْ﴾. ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ الواو عاطفة مَا نافية لَكُم جار ومجرور خبر مقدّم ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، أو متعلق بمحذوف حال من قوله: ﴿وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. ﴿مِنْ﴾ زائدة ﴿وَلِيٍّ﴾ مبتدأ مؤخّر ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ معطوف على ﴿وَلِيٍّ﴾، والتقدير: وما وليّ ولا نصير كائنان لكم من دون الله، أو حالة كونهما كائنين من دون الله، والجملة من المبتدأ والخبر في
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾.
﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل الإضرابية، والهمزة الاستفهامية أعني: الإضراب الانتقالي؛ أي: الانتقال من قصّة إلى أخرى، ولم تجعل متّصلة؛ لفقد شرطها وهو تقدم همزة الاستفهام، أو التسوية ﴿تُرِيدُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر ﴿تَسْأَلُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن ﴿رَسُولَكُمْ﴾ مفعول أوَّل ومضاف إليه، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: إنزال الكتاب جملةً، أو الإتيان بالله والملائكة قبيلًا، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية و ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعوليَّة لتريدون، تقديره: بل أتريدون سؤال رسولكم محمدٍ - ﷺ - إنزال الكتاب جملةً مثلًا ﴿كَمَا سُئِلَ﴾ الكاف حرف جرّ وتشبيه ﴿مَا﴾ مصدرية ﴿سُئِلَ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة ﴿مُوسَى﴾ نائب فاعل، وهو المفعول الأول لسئل، والثاني محذوف، تقديره: رؤية الربّ جهرةً ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ جار ومجرور متعلِّق بسئل، والجملة الفعلية صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، و ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، تقديره: كسؤال أسلافكم موسى رؤية الربّ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف، تقديره: أم تريدون أن تسألوا رسولكم سؤالًا كائنًا، كسؤال أسلافكم موسى عليه السلام، ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ﴾ الواو استئنافية ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، والأول أصحُّ ﴿يَتَبَدَّلِ﴾ فعل مضارع مجزوم بِمَنْ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿الْكُفْرَ﴾ مفعول به ﴿بِالْإِيمَانِ﴾ جار ومجرور متعلق بيتبدل، وهو المتروك ﴿فَقَدْ﴾ الفاء رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا؛ لاقترانه بقد ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق ﴿ضَلَّ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿سَوَاءَ﴾ مفعول به على التوسُّع، وهو مضاف ﴿السَّبِيلِ﴾ مضاف إليه وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: السبيل المستوي، والجملة الفعلية في محل الجزم بمن الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية من فعل شرطها وجوابها مستأنفة
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿وَدَّ كَثِيرٌ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه صفة لكثير ﴿لَوْ﴾ حرف مصدر ﴿يَرُدُّونَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أوّل مرفوع بثبات النون ﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بيردّون ﴿كُفَّارًا﴾ مفعول ثان ليردّونكم؛ لأنّه من أفعال التصيير، والجملة الفعلية صلة ﴿لَوْ﴾ المصدرية، و ﴿لَوْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لودَّ؛ تقديره: ودَّ كثيرٌ من أهل الكتاب ردَّكم كفارًا من بعد إيمانكم ﴿حَسَدًا﴾ مفعولٌ لأجله منصوب بودَّ ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلِّق بمحذوف صفةٍ لحسدًا، تقديره: حسدًا كائنًا من عند أنفسهم ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ جار ومجرور متعلّق بودَّ ﴿ما﴾ مصدرية ﴿تَبَيَّنَ﴾ فعل ماض ﴿لَهُمُ﴾ متعلق به ﴿الْحَقُّ﴾ فاعل، والجملة الفعلية صلة ﴿مَا﴾ المصدرية ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: من بعد تبيُّن الحق، وظهوره لهم ﴿فَاعْفُوا﴾ الفاء فاء الفصيحة، مبنيةٌ على الفتح؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم حسدهم، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم، فأقول لكم ﴿اعْفُوا﴾ فعل أمر وفاعل مبني على حذف النون، والجملة في محل النصب مقولٌ لجواب إذا المقدّرة، وجملة إذا المقدّرة مستأنفة ﴿وَاصْفَحُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿فَاعْفُوا﴾ ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية بمعنى إلى ﴿يَأْتِيَ﴾ فعل مضارع منصوب بأنْ مضمرة بعد حتى (ولفظ الجلالة) فاعل ﴿بِأَمْرِهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلِّق بيأتي، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحتى، تقديره: إلى إتيان الله بأمره، الجار والمجرور تنازع فيه كُلٌّ من الفعلين، فاعفوا واصفحوا ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ متعلِّق بقدير، و ﴿قَدِيرٌ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة؛ مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿فَاعْفُوا﴾. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ معطوف على ﴿فَاعْفُوا﴾.
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ الواو عاطفة ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ والضمير لأهل الكتاب ﴿لَنْ يَدْخُلَ﴾ ناصب ومنصوب ﴿الْجَنَّةَ﴾ مفعول به على السعة ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرَّغ ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿كاَنَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر، تقديره: هو يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿هُودًا﴾ خبرها منصوب ﴿أَوْ نَصَارَى﴾ معطوف على ﴿هُودًا﴾، والجملة صلة لِمَنْ الموصولة ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة الإسمية معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين الدعوى، وهي قوله: ﴿وَقَالُوا﴾، ودليلها وهو قوله: ﴿قُلْ...﴾ إلخ. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد - ﷺ -، والجملة مستأنفة ﴿هَاتُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل ﴿بُرْهَانَكُمْ﴾ مفعول به، والجملة مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط ﴿كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فعل
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾.
﴿وَقَالَتِ﴾ الواو استئنافية ﴿قالت اليهود﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة؛ مسوقة لبيان حالة من حالات جهالتهم المتأصّلة في نفوسهم ﴿لَيْسَتِ النَّصَارَى﴾ فعل ناقص واسمه ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ جار ومجرور خبره، وجملة ليس في محل النصب مقول ﴿قَالَتِ﴾. ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى﴾ فعل وفاعل معطوف على {قالت
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾.
﴿وَمَنْ﴾ الواو استئنافية ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ﴿أَظْلَمُ﴾ خبره، والجملة مستأنفة ﴿مِمَّنْ﴾ ﴿مِن﴾ حرف جرّ ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ النسخ: الإزالة والنقل، يقال: نسخت الريح الأثر، أي: أزالته، ونسختَ الكتاب إذا نقلتَه من كتاب إلى آخر ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ قرئ بغير همز من أنسى ينسى إنساء، يقال: أنسى الشيء جعله منسيًّا، فهو من النسيان الذي هو ضِدُّ الذكر، وهو ذهاب الشيء من الذاكرة؛ أي: نمحها من القلوب، وقرىء ﴿نَنْسَأها﴾ بفتح النون والسين، وبالهمز من قولهم: نَسَأتُ هذا الأمر إذا أخَّرته، وأنسأ الله أجلك أخَّره وأطاله، والإنساء: تأخير الشيء أو إذهابه عن الذاكرة، والإنساء: إذهاب الآية من ذاكرة النبي - ﷺ - بعد تبليغه إيّاها ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ الوليّ: القريب والصديق، وأصله: ولِيْيٌ على وزن فعِيْل، أدغمت ياء فعيل في ياء لام الكلمة، والنصير: المعين، وتقدم الفرق بينهما في مبحث التفسير.
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ وأصل تريدون: تُرْوِدون بوزن تُفْعِلون؛ لأنّه من راد لي رود، نقلت حركة الواو إلى الراء قبلها، فسكِّنت الواو بعد كسرة، فقلبت ياء حرف مدّ فصار تريدون، والسؤال: الاقتراح المقصود به التعنت ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ﴾ بدَّل وتبدَّل واستبدل: جعل شيئًا موضع آخر. بعد الإيمان، أصله: إءمان بوزن إفعال، أبدلت الهمزة الساكنة حرف مد مجانسًا لحركة الأولى ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾؛ أي: عَدَلَ وجار، أصله: ضَلَلَ بوزن فعل، أدغمت اللام الأولى في الثانية بعد أن سكنت ﴿سَوَاءَ﴾ تقدم أن الهمزة فيه مبدلة عن ياء ﴿وَدَّ كَثِيرٌ﴾ أصل ودَّ: وَدِدَ بكسر العين في الماضي، ومضارعه ودد، أدغمت الدال الأولى بعد تسكينها في الثانية، أمَّا في المضارع، فنقلت حركة الدال إلى الواو، ثمّ أدغمت الدال في الدال، فقيل: يَودُّ ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ أصله: يَرْدُدُونكم بوزن يفعُلُون، نقلت حركة الدال الأولى إلى الراء، فسكنت فأدغمت في الدال الثانية. ﴿فَاعْفُوا﴾ أمر من عفا يعفو، كصفا يصفو من باب فعل بفتح العين في الماضي، يفعُلُ بضمّها في المضارع، ولام الفعل واوٌ، وإذا أسند المضارع إلى واو الجماعة، صار يفعوون بوزن يفعلون، حذفت منه نون الرفع؛ لبناء الأمر على ما يجزم به مضارعه، ثُمَّ استثقلت الحركة على الواو، فحذفت فسكنت فالتقى ساكنان، لام الكلمة وواو الجماعة، فحذفت الأولى التي هي لام الكلمة، فصار
وفيه أيضًا: صفحت عن الذنب صفحًا من باب نفع: عفوت عنه، وصفحت عن الأمر: أعرضت عنه وتركته اهـ.
فعلى هذا يكون العطف في الآية للتأكيد، وحسَّنه تغاير اللفظين، وقال بعضهم: العفو: ترك العقوبة على الذنب، والصفح: ترك اللوم والعتاب عليه ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أصله: أَقْوِموا بوزن أَفْعِلوا، نقلت حركة الواو إلى القاف، فسكنت إثر كسرة، فقلبت ياءً حرف مدّ ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أصله: أأتيوا بوزن أفعلوا، أمر من أتى الرباعي، أبدلت الهمزة الثانية حرف مدٍّ مجانسًا لحركة الأولى، ثم استثقلت الضمة على الياء؛ فحذفت للتخفيف، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء كما حذفت نون الرفع، ثمَّ ضُمَّت التاء؛ لمناسبة الواو ﴿الزَّكَاةَ﴾ تقدَّم أنَّ ألفه منقلبة عن واوٍ؛ لأنّه من زكا يزكو زكاءً إذا نما.
﴿كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ والهود: جمع هائد على أظهر القولين فيه، نحو: بازلٍ وبُزْلٍ، وعائذٍ وعوذ، وحائل وحول، وبائر وبور، وهائدٌ من الأوصاف الفارق بين مذكَّرها ومؤنثها تاء التأنيث. اهـ. "سمين" والعوذ بالذال المعجمة، قال الجوهري: الحديثات النتاج من الظباء، والإبل، والخيل واحدها: عائذ. اهـ. زكريا، وفي "المختار": هاد إذا تاب ورجع، وبابه قال، فهو هائد، وقومُ هود. قال أبو عبيدة: التهوُّد: التوبة والعمل الصالح، يقال أيضًا: هاد وتهوَّد؛ أي: صار يهوديًّا، والهود بوزن العود: اليهود. اهـ. ﴿أَوْ نَصَارَى﴾ وفي "المختار": جمع نصران، ونصرانة كالندامى جمع ندمان، وندمانة، ولم يستعمل نصران إلا بياء النسب. اهـ. وفي "المصباح": والنصارى. جمع نصرى، كمهرى ومهارى، فتلخص أنّ نصارى له مفردان: نصرى ونصران ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ جمع
أحدها: أنّه فعل أمر، وهذا هو الصحيح؛ لاتصاله بالضمائر المرفوعة البارزة، نحو: هاتوا هاتي هاتيا هاتين.
الثاني: أنّه اسم فعل بمعنى أحضروا.
والثالث: وبه قال الزمخشري: أنّه اسم صوت بمعنى ها الَّتي بمعنى احضروا. اهـ. "سمين".
وقيل: الهاء فيه بدل من الهمزة في آتوا. وقيل: تنبيهٌ، وحذفت همزة آتى لزومًا، كذا في "تفسير ابن عطية" ﴿بُرْهَانَكُمْ﴾ واختلف في برهان على قولين:
أحدها: أنّه مشتق من البره وهو القطع، وذلك أنّه دليلٌ يفيد العلم القطعيَّ، ومنه برهة الزمان؛ أي: القطعة منه، فوزنه فعلان.
والثاني: أنَّ نونه أصلية؛ لثُبُوتها في برهن يبرهن برهنةً، والبرهنة: البيان، فبرهن من باب فعلل لا من فعلن؛ لأنّ فعلن غير موجود في أبنيتهم، فوزنه فعلان، وعلى هذين القولين يترتَّب الخلاف في صرف برهان وعدمه، إذا سُمِّي به. اهـ. "سمين".
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ وليس فعل ماض ناقص أبدًا من أخوات كان، ولا يتصرّف، ووزنه على فَعِل بكسر العين. اهـ. "سمين". وهو بناءٌ نادر في الثلاثي اليائي العين ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ أصله: يتلوون بوزن يفعلون، الواو الأولى لام الكلمة، والثانية واو الجماعة، استثقلت الحركة على الواو، فحذفت، فسكنت فالتقى ساكنان، فحذفت الواو الأولى، فوزنه يفعون {يَوْمَ
البلاغة
وقد تضمَّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستفهام التقريريُّ، وهو حمل المخاطب على الإقرار بما عُلِم عنده ثبوته، أو نفيه في قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ أي: إنّك علمت.
ومنها: تخصيصه - ﷺ - بالخطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مع أنَّ غيره داخلٌ في الخطاب أيضًا، بدليل قوله فيما بعد: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ إيذانًا بأنَّ المقصود من الخطاب تقرير علم المخاطب، وهو - ﷺ - أعلم الخلق.
ومنها: تخصيص السموات والأرض بالذكر مع أنّه تعالى له ملك الدنيا
ومنها: وضع الاسم الجليل موضع الضمير في قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ﴾ وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ومقتضى السياق أن يقال: ألم تعلم أنّه، من دونه؛ لسبق المرجع؛ لتربية الرَّوعة، والمهابة في النفوس.
ومنها: المصدر التشبيهي في قوله: ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾؛ لتأكيد الكلام؛ أي: سؤالًا مشبهًا بسؤال موسى عليه السلام.
ومنها: الإتيان بقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ لتأكيد الكلام؛ لأنّ كون سؤال موسى من قبل محمد - ﷺ - من المعلوم، فالإتيان به؛ لتأكيد الكلام.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾.
ومنها: إضافة الصفة إلى الموصوف في قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: الطريق المستوي، وفي التعبير به نهاية التَّبكيت والتشنيع لمن ظهر له الحق، فعدل عنه إلى الباطل.
ومنها: الاعتراض بين الدعوى ودليلها في قوله: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ فإنّها جملة اعتراض اعترض بها بينهما؛ لغرض بيان بطلان الدعوى، وأنّها دعوى كاذبة.
ومنها: الأمر للتعجيز والتبكيت في قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾.
ومنها: التعريض بكذبهم، وبطلان دعواهم في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وفيه أيضًا: الإيجاز بالحذف؛ لأنّه حُذف فيه جواب الشرط؛ لعلمه من السابق؛ أي: إن كنتم صادقين في دعواكم، فهاتوا برهانكم.
ومنها: تخصيص الوجه بالذكر في قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾؛ لكونه أشرف أعضاء الإنسان؛ لكونه مركز الحواس، ففيه إمّا استعارة تصريحية؛ لأنّه استعار الوجه للنفس، أو مجاز مرسل من إطلاق الجزء وإرادة الكل.
ومنها: العنديَّة؛ للتشريف في قوله ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ وفيه أيضًا: وضع
ومنها: تخصيص الصلاة والزكاة بالذكر مع كونهما داخلين في قوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾؛ تنبيهًا على عظيم شأنهما، وعلوِّ قدرهما عند الله تعالى؛ لأنّ الصلاة قربةٌ بدنية، والزكاة قربة مالية، كما مرّ في مبحث التفسير.
ومنها: التعبير بلفظ التقديم في قوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾؛ إشارةً إلى أنّ المقصود الأصليَّ، والحكمة الكلية في جميع ما أنعم الله تعالى به على المكلفين في الدنيا، أن يقدِّموه إلى معادهم، ويدّخروه ليومهم الآجل.
ومنها: تقديم المعمول على عامله؛ لإفادة الحصر في قوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: قال الذين لا يعلمون الكتاب قولًا مثل ذلك القول بعينه، لا قولًا مغايرًا له اهـ. "أبو السعود". وفيه أيضًا: توبيخ عظيم، وتقريع لأهل الكتاب، حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم أصلًا.
ومنها: تقديم المعمول على عامله في قوله: ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾؛ محافظةً على رؤوس الآي.
ومنها: الاستفهام الإنكاري المضمَّن معنى النفي في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾؛ أي: لا أحد أظلم منه.
ومنها: التنكير في قوله: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾؛ للتهويل؛ أي: خزي هائل فظيع، لا يوصف لهوله.
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
{وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)}.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ...﴾ الآية، قال أبو حيان (١): مناسبة هذه الآية لِمَا قبلها: هو أنَّه تعالى لما ذكر منع المساجد من ذكر الله، والسعي في تخريبها.. نبَّه على أن ذلك لا يمنع من أداء الصلوات، ولا من ذكر الله تعالى، ، إذ المشرق والمغرب كلاهما لله تعالى، فأيُّ جهةٍ أدَّيتم فيها العبادة فهي لله يثيب على ذلك، ولا يختص مكان التأدية بالمسجد، والمعنى:
قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنّه تعالى لمَّا ذكر أنَّه مالكٌ لجميع من في السموات والأرض، وأنَّ كُلَّهم قانتون له، وهم المظروف للسموات والأرض، ذكر الظرفين، وخصَّهما بالبداعة؛ لأنّهما أعظم ما نشاهده من المخلوقات.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها (١): أن الله سبحانه وتعالى، لمَّا ذكر ما دل على الاختراع، ذكر ما يدلُّ على طواعية المخترع، وسرعة تكوينه.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لِمَا قبلها: أنّه تعالى لمَّا ذكر (٢) فيما سلف الردَّ على من أنكر الوحدانية، واتخذ لله ولدًا، ذكر هنا من أنكر نبوَّة محمد - ﷺ -، وطعن في الآيات التي جاء بها، وتجنَّى بطلب آيات أخرى؛ تعنُّتًا وعنادًا؛ كما جاء في نحو قوله حكايةً عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾ وقوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنَّ الله سبحانه وتعالى، لمَّا ذكر فيما سلف أنَّ اليهود والنصارى لن ترضى عنك حتى تتَّبع ملَّتهم، وحذر رسوله - ﷺ -، من اتباع أهوائهم، وأعلمه بأنّ هدى الله هو الهدى الذي أعطاه، وبعثه به، ذكر هنا أنَّ فريقًا منهم يرجى إيمانهم، وهم الذين يتدبَّرون كتابهم، ويُمَيِّزُونَ بين الحق والباطل، ويفهمون أسرار الدِّين، ويعلمون أنّ ما جئت به هو الحقُّ الذي يتَّفِق مع صالح البشر، فهو الذي يهذِّب نفوسهم، ويصفِّي أرواحهم، ويُنظِّم معايشهم، وبه سعادتهم في الدنيا والآخرة.
(٢) المراغي.
قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أنّه لما جرى ذكر الكعبة والقبلة، وأنَّ اليهود عيَّروا المؤمنين بتوجُّههم إلى الكعبة، وترك بيت المقدس، كما قال: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ ذَكَر حديث إبراهيم، وما ابتلاه الله، واستطرد إلى ذكر البيت، وكيفية بنائه، وأنَّهم لمَّا كانوا من نسل إبراهيم، كان ينبغي أن يكونوا أكثر الناس اتباعًا لشرعه، واقتفاءً لآثاره فكان تعظيم البيت لازمًا لهم، فنبَّه الله بذلك على سوء اعتقادهم، وكثرة مخالفتهم، وخروجهم عن سنن من ينبغي اتباعه من آبائهم، وأنّهم وإن كانوا من نسله لا ينالون لظلمهم شيئًا من عهده.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٢): ما أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وأحمد، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: (كان رسول الله - ﷺ -، يصلي على راحلته تطوّعًا أينما توجّهت به، وهو مقبل من مكّة إلى المدينة، ثم قرأ ابن عمر ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ وقال: في هذه نزلت هذه الآية). وعن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: (أنّ رسول الله - ﷺ -، لمّا هاجر إلى المدينة، أمره الله سبحانه أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها بضعة عشر شهرًا، وكان يحبّ قبلة إبراهيم، وكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾
(٢) لباب النقول.
قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما رواه البخاري، وغيره، عن عمر - رضي الله عنه - قال: (وافقت ربّي في ثلاثٍ، قلت: يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلًّى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قلت: يا رسول الله! إنّ نساءك يدخل عليهنّ البرُّ والفاجر، فلو أمرتهنّ أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله - ﷺ - نساءه في الغَيرة، فقلت لهنَّ: عسى ربُّه إن طلَّقكنّ أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنّ، فنزلت كذلك، وللحديث طرقٌ كثيرةٌ.
التفسير وأوجه القراءة
١١٥ - ﴿وَلِلَّهِ﴾ سبحانه وتعالى لا لغيره ﴿الْمَشْرِقُ﴾؛ أي: مكان شروق الشمس ﴿وَالْمَغْرِبُ﴾؛ أي: مكان غروبها، يريد (١) بهما ناحيتي الأرض إذ لا وجه لإرادة موضعي الشروق والغروب بخصوصهما؛ أي: له الأرض كلُّها لا يختصُّ به من حيث الملك والتصرف ولا من حيث المحلية، لعبادته مكان منها دون مكان، فإن مُنعتم أن تصلُّوا في المسجد الحرام، أو الأقصى، فقد جعلت لكم الأرض كلَّها مسجدًا.
والمعنى: أي له (٢) سبحانه وتعالى جميع نواحي الأرض شرقًا وغربًا، جنوبًا وشمالًا؛ لأنّه خالقها، فإن مُنعتم أن تصلوا في المسجد الحرام، أو المسجد الأقصى، فقد جعلت لكم الأرض كلّها مسجدًا، فهذه الجملة مرتبطة بقوله: ﴿مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ يعني: أنّه إن سعى ساع في المنع من ذكره تعالى، وفي خراب بيوته، فليس ذلك مانعًا من أداء العبادة في غيرها؛
(٢) العمدة.
قال الإمام الراغب: ولَّى: إذا أقبل، ولَّى إذا أدبر، وهو من الأضداد، والمراد ها هنا: الإقبال. اهـ. ﴿فَثَمَّ﴾؛ أي: هناك ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ سبحانه وتعالى؛ أي: هناك (١) جهته التي أمر بها، ورضيها لكم قبلةً، فإنَّ إمكان التولية غير مختص بمسجدٍ دون مسجدٍ، أو مكانٍ دون آخر، أو فثمَّة ذاته تعالى، بمعنى: الحضور العِلْميِّ، فيكون الوجه مجازًا من قبل إطلاق اسم الجزء على الكل، والمعنى عليه: ففي أيِّ مكان فعلتم التولية، فهو سبحانه موجودٌ فيه، ويمكنكم الوصول إليه، إذْ ليس هو جوهرًا، ولا عرضًا حتى يكون بكونه في جانب مفرِّغًا جانبًا، ولمَّا امتنع عليه أن يكون في مكانٍ، أريد أنَّ علمه محيطٌ لما يكون في جميع الأماكن والنواحي؛ أي: فهو عالم بما يُفعل فيه، ومثيب لكم على ذلك. اهـ. من "الروح".
واعلم (٢): أنَّ ﴿أين﴾ اسم شرط في المكان، وهو ها هنا منصوب بتُوَلُّوا؛ لأنّه فعل شرطه، و ﴿ما﴾ مزيدةٌ؛ للتأكيد، و ﴿ثمَّ﴾ ظرف مكانٍ بمنزلة هناك، تقول لِمَا قَرُب من المكان هنا، ولِمَا بَعُد ثَمَّ وهناك، وهو خبر مقدَّمٌ، و ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ مبتدأٌ مؤخَّر، والجملة الإسمية في محل الجزم على أنّها جواب الشرط، كما سيأتي في مبحث الإعراب.
والمعنى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾؛ أي (٣): ففي أيِّ مكانٍ وبقعةٍ، تحوِّلوا، وتوجِّهوا فيه وجوهكم في الصلاة إلى القبلة التي أمرتم بالاستقبال إليها ﴿فَثَمَّ﴾؛ أي: هناك في الجهة التي أمرتم بالاستقبال إليها ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ سبحانه وتعالى؛ أي: جهته التي ارتضاها لكم قبلةً، وأمر بالتوجُّه إليها، فإن إمكان التولية والتحوّل لا
(٢) روح البيان.
(٣) العمدة.
ومعنى الآية (١): إنَّ لله المشرق والمغرب وما بينهما خلقًا وملكًا، وإنّما خصَّ المشرق والمغرب؛ اكتفاءً بهما عن جميع الجهات؛ لأنَّ له تعالى كُلَّها، وما بينهما خلقه وعبيده، وإنَّ على جميعهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه، فالجهة التي أمرهم باستقبالها، فهي القبلة، فإنَّ القبلة ليست قبلةً لذاتها؛ بل لأنَّ الله سبحانه جعلها قبلةً، وأمر بالتوجُّه إليها، فإن جعل الكعبة قبلةً، فلا تنكروا ذلك؛ لأنّه تعالى يُدبِّر عباده كيف يريد ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ أي: فَهُنَالِكَ قبلة الله التي وَجَّهَكُمْ إليها.
وقيل معناه: فثمَّ وجه الله سبحانه وتعالى بلا تأويلٍ، والوجه صفةٌ ثابتة لله تعالى، نثبتها، ونعتقدها من غير تشبيه ولا تمثيل، وهذا القول هو الصحيح الأسلم الذي ينبغي الاعتماد عليه. وقيل: المعنى: فثمَّ رضا الله؛ أي: يريدون بالتوجه إليه رضاه تعالى. وقال ابن العربي: مقتضى التوحيد أنَّ الصلاة لأيِّ جهةٍ تصحُّ، وإنّما أُمِرنا بجهةٍ مخصوصةٍ؛ تعبدًا، ولم نعقل له معنى. وقال ابن عباس (٢) - رضي الله تعالى عنهما -: (لمَّا حُوِّلت القبلة عن بيت المقدس، أنكر اليهود ذلك، فنزلت هذه الآية ردًّا عليهم). وقال أبو مسلم: إنَّ اليهود إنّما استقبلوا بيت المقدس؛ لأنّهم اعتقدوا أنَّ الله تعالى صعد السماء من الصخرة، والنصارى استقبلوا المشرق؛ لأنَّ عيسى عليه السلام ولد هناك، فردَّ الله سبحانه عليهما بهذه الآية.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿وَاسِعٌ﴾ بفضله، ورحمته، جميع الخلائق، يريد التوسعة على عباده في القبلة، وغيرها، أو واسعٌ بإحاطته بالأشياء ملكًا وخلقًا، فيكون تذييلًا لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ وكذا إن فسرت السعة بسعة الرحمة، فإنَّ قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ لمَّا اشتمل على معنى قولنا: لا
(٢) المراح.
فقد ظهر أنَّ هذه الآية مرتبطةٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الآية، وأنَّ المعنى: إنَّ بلاد الله تعالى أيها المؤمنون! تسعكم، فلا يمنعكم تخريب من خرَّب مساجد الله، أن تُولُّوا وجوهكم نحو قبلة الله تعالى أينما كنتم من أرضه.
فائدةٌ فقهيَّةٌ تتعلَّق بحكم الآية وهي: أنَّ المسافر إذا كان في مفازة، أو بلاد الشرك، واشتبهت عليه القبلة، فإنّه يجتهد في طلبها بنوع من الدلائل، ويصلّي إلى الجهة التي أدَّى إليها اجتهاده، ولا إعادة عليه، وإن لم يصادف القبلة، فإنّ جهة
وعبارة "المراغي" هنا: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾؛ أي: له (١) تعالى هاتان الجهتان المعلومتان لكل أحد، والمراد ربُّ الأرض كلِّها، فهو كقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ أي: أي مكانٍ تستقبلونه في صلاتكم، فهناك القبلة التي يرضاها الله لكم، ويأمركم بالتوجُّه إليها، فأينما توجه المصلِّي في صلاته، فهو متوجِّه إلى الله لا يقصد بصلاته غيره، والله تعالى راضٍ عنه، مقبلٌ عليه، والحكمة في استقبال القبلة: أنّه لما كان من شأن العابد أن يستقبل وجه المعبود، وهو بهذه الطريقة محال على الله تعالى، شرع للناس مكانًا مخصوصًا يستقبلونه في عبادتهم إيّاه، وجعل استقباله كاستقبال وجهه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: إنّه تعالى لا يُحْصَر، ولا يتحدَّد، فيصحُّ أن يُتوجَّه إليه في كل مكان، وهو عليم بالمتوجِّه إليه أينما كان، فاعبدوه حيثما كنتم، وتوجَّهوا إليه أينما حللتم، ولا تتقيدوا بالأمكنة، والمعبود غير مقيَّد، وقد نزلت هذه الآية قبل الأمر بالتوجه إلى استقبال الكعبة في الصلاة، وفيها إبطالٌ لما كان يعتقده أرباب الملل السابقة، من أنَّ العبادة لا تصحُّ إلّا في الهياكل، والمعابد، وإزالةٌ لما قد يتوهَّم من أنَّ الوعيد إنما كان على إبطالها في الأماكن المخصوصة، فأبان بها أنَّ الوعيد إنما كان لإبطالها مطلقًا؛ لأنَّ الله تعالى لا تحدِّده الجهات، ولا تحصره الأمكنة. انتهت. وروي (٢) عن ابن عباس ومقاتل: أنّه عبَّر عن الذات بالوجه، كقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ وقيل المعنى: العمل
(٢) البحر المحيط.
| أسْتَغْفِرُ الله ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيهِ | رَبَّ العِبَادِ إلَيْه الوَجْهُ والعَمَلُ |
وقرأ الجمهور (١). ﴿وَقَالُوا﴾ بواو العطف، وهو آكد في الربط، فيكون عطف جملة خبرية على جملة مثلها؛ أي: معطوفًا على قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾، أو على منع، أو على مفهوم قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾؛ أي: على معناه، وكأنّه قيل: لا أحد أظلم ممَّن منع مساجد الله، ولا ممَّن قال؛ اتخذ الله ولدًا، وإن كان الثاني أظلم من الأول. وقيل: هو معطوف على قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ فيكون معطوفًا على معطوف على الصلة، وفصل بينهما بالجمل الكثيرة، وهذا بعيدٌ جدًّا ينزَّه القرآن عن مثله. وقرأ ابن عباس، وابن عامر، وغيرهما: ﴿قالوا﴾ بغير واو، استئنافًا وملحوظًا فيه معنى العطف، واكتفى على هذا بالضمير، والربط به عن الربط بالواو. وقال الفارسيُّ: وبغير واوٍ هي في مصاحف أهل الشام، فالقراءتان سبعيتان، وأمَّا آية يونس، فبترك الواو لا غير؛ لعدم ما يناسب العطف؛ أي: وقالت اليهود، والنصارى، ومشركوا العرب ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ﴾؛ أي: صنع الله، وجعل لنفسه ﴿وَلَدًا﴾ ذكرًا أو أنثى، والاتخاذ (٢): إمّا بمعنى الصنع والعمل، فلا
(٢) روح البيان.
روى البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - ﷺ - قال: قال الله عَزَّ وَجَلَّ: (كذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له، فأمَّا تكذيبه إيَّاي، فزعم أنِّي لا أقدر أن أعيده كما كان، وأمَّا شتمه إيَّاي، فقوله: لي ولدٌ، فسبحاني أن أتَّخذ صاحبةً أو ولدًا) ولا فارق بين أن يكون هذا القول قد صدر من جميع أفراد الأمَّة، أو من بعضها، فإنَّ أفرادها متكافلون في كلّ ما يعملون، وما يقولون ممَّا يعود أثره من خيرٍ أو شرٍّ إلى الجميع ﴿بَل﴾ ليس الأمر كما زعموا ﴿لَهُ﴾ سبحانه وتعالى عبيدًا وملكًا ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: جميع ما فيهما، والملكية تنافي الولدية، فكيف ينسب إليه الولد، وهو داخل فيهما؟ بل هو خالق جميع الموجودات علويًّا وسفليًّا، التي من جملتها عزيرٌ، والمسيح، والملائكة، وهذا ردٌّ لما قالوه، واستدلالٌ على فساده، فإنَّ الإضراب عن قول المبطلين معناه: الردُّ، والإنكار، وفي "الوسيط" ﴿بَلْ﴾؛ أي: ليس الأمر كما زعموا، والمعنى: إنه خالق ما في السموات والأرض جميعًا، الذي يدخل فيه الملائكة، وعزيرٌ، والمسيح، دخولًا أوّليًّا، فكان المستفاد من الدليل، امتناع أن يكون شيءٌ ما مما في السموات والأرض ولدًا، سواءً كان ذلك ما زعموا أنّه
والخلاصة (٣): أي ليس الأمر كما زعموا، بل جميع ما في السموات والأرض ملك له، قانت لعزته، خاضع لسلطانه، منقاد لإرادته، فما وجه تخصيص واحد منهم بالانتساب إليه، وجعله ولدًا مجانسًا له ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ثمَّ إن الله سبحانه، يخصُّ من يشاء من عباده بما شاء من الفضل، كالأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ولكن هذا لا يرتقي بالمخلوق إلى أن يصل إلى مرتبة الخالق.
١١٧ - ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: هو سبحانه وتعالى مبدعهما، وموجدهما،
(٢) البحر المحيط.
(٣) المراغي.
وهذه حجة أخرى لإبطال مقالتهم الشنيعة (٢)، تقريرها: إنّ الوالد عنصر الولد المنفعل بانفصال مادّته عنه، والله تعالى مبدع الأشياء كلها على الإطلاق، منزَّهٌ عن الانفعال، فلا يكون والدًا، ومن قدر على خلق السموات والأرض من غير شيء، كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير أب؟! والمعنى: هو سبحانه وتعالى، موجدهما اختراعًا وابتكارًا لا على مثال سابق، وإذا كان هو المبدع لهما، والموجد لجميع من فيهما، فكيف يصحُّ أن ينسب إليه شيءٌ منهما على أنّه مجانسٌ له؟! تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بالرفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف، وقرأ المنصور بالنصب على المدح، وقرىء بالجر على أنّه بدل من الضمير في ﴿لَهُ﴾ ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾؛ أي: وإذا أراد سبحانه وتعالى إيجاد أمر من الأمور، وإحداث شيء من الأشياء ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ﴾ سبحانه ﴿لَهُ﴾؛ أي: لذلك الذي أراد إيجاده ﴿كُنْ﴾؛ أي: احْدُث ﴿فيكون﴾؛ أي: فذلك الأمر المأمور، يكون، ويحدث من غير توقُّفٍ، ولا إباءٍ، وبلا مهلةٍ، وتأخُّرٍ، وأصل القضاء: الأحكام، أطلق هنا على الإرادة الإلهيَّة المتعلقة بوجود الشيء؛ لإيجابها إيّاه ألبتة، والأمر واحد الأمور، و ﴿كُنْ﴾ و ﴿يكون﴾ هنا: من كان التامة بمعنى:
(٢) روح البيان.
(٣) البحر المحيط بتصرف.
والمعنى: أي (٢) وإذا أراد سبحانه إحداث أمرٍ وإيجاده، فإنَّما يأمره أن يكون موجودًا، فيكون والكلام تمثيلٌ وتشبيهٌ؛ لتعلُّق إرادته بإيجاد الشيء، فيعقبه وجوده بأمرٍ يصدر، فيعقبه الامتثال، والإيجاد، والتكوين من أسرار الألوهية عبَّر عنهما بما يُقَرِّبُهما من الفهم، وهو أن يقول للشيء: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. وقرأ ابن عامر (٣) ﴿كُنْ فَيَكُونَ﴾ بالنصب في كلِّ القرآن إلّا في موضعين: في أوّل آل عمران في قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ وفي الأنعام في قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ فإنّه رفعه فيهما، وقرأ الكسائي بالنصب في النحل ويس، وبالرفع في سائر القرآن، والباقون بالرفع في كُلِّ القرآن، أمَّا النصب فعلى جواب الأمر، وأمّا الرفع فإمّا على أنّه خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي: فهو يكون، أو معطوفٌ على ﴿يَقُولُ﴾ أو معطوفٌ على ﴿كُنْ﴾ من حيث المعنى، كما هو قول الفارسي.
واعلم: أنَّ (٤) أهل السنة لا يرون تعلُّق وجود الأشياء بهذا الأمر وهو ﴿كُنْ﴾ بل وجودها متعلِّق بخلقه، وإيجاده وتكوينه، وهو صفةٌ أزليةٌ، وهذا الكلام عبارةٌ عن سرعة حصول المخلوق بإيجاده، وكمال قدرته على ذلك، لكن لا يتعلق علم أحدٍ بكيفية تعلُّق القدرة بالمعدومات، فيجب الإمساك عن بحثها، وكذا عن بحث كيفية وجود الباري سبحانه، وكيفية العذاب بعد الموت، وأمثالها، فإنّها من الغوامض، والأمور المغيبة عنّا.
(٢) المراغي.
(٣) المراح.
(٤) روح البيان.
فإن قلت: قولهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ تكذيبٌ أيضًا؛ لأنّه تعالى أخبر أنّه لا
قلت: نفي الإعادة نفي صفة كمالٍ، واتخاذ الولد إثبات صفة نقصانٍ له، والشتم أفحش من التكذيب، والكذب على الله فوق الكذب على النبي - ﷺ -.
وفي الحديث: "إنّ كذبا عليَّ ليس ككذب على أحد"؛ يعني: الكذب على النبي - ﷺ -، أعظم أنواع الكذب سوى الكذب على الله؛ لأنّ الكذب على النبي - ﷺ - يؤدِّي إلى هدم قواعد الإِسلام، وإفساد الشريعة والأحكام. وفي الصحيح أيضًا: (من كذب عليّ متعمّدًا، فليتبوَّأ مقعده من النار).
فعلى المؤمن أن يتجنب عن الزيغ والضلال، وأشنع الفعال، وأسوإِ المقال، وأن يداوم على التوحيد في الأسحار والآصال، إلى أن لا يبقى للشرك الخفي أيضًا مجالٌ. وفي الحديث: "لو يعلم الأمير ماله في ذكر الله لترك إمارته، ولو يعلم التاجر ماله في ذكر الله لترك تجارته، ولو أنَّ ثواب تسبيحة قسم على أهل الأرض لأصاب كُلَّ واحد منهم عشرة أضعاف الدنيا" ولكن لا أصل له. وفي الحديث: "للمؤمن حصونٌ ثلاثة: ذكر الله، وقراءة القرآن، والمسجد" والمراد بالمسجد: مُصلَّاه، سواء كان في بيته، أو في الخارج، ولا بُدَّ من الصدق والإخلاص حتى يظهر أثر التوحيد في الملك والملكوت، اللهمّ! أوصلنا إلى اليقين، وهيِّىءْ لنا مقامًا من مقامات التمكين! آمين.
١١٨ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ توحيد الله؛ أي: جهلة المشركين من كفار مكة لمحمد - ﷺ -؛ أي: قال مشركوا العرب الجاهلون حقيقةً، وأهل الكتاب المتجاهلون ونفى عنهم العلم؛ لعدم انتفاعهم بعلمهم؛ لأنَّ المقصود هو العمل ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ مشافهةً بأنّك رسوله؛ أي: هلا يكلِّمنا مشافهةً من غير واسطة بالأمر والنهي، كما يُكلِّم الملائكة، أو موسى، وهلّا يَنُصُّ لنا على نبوّتك، وهذا منهم استكبارٌ. و ﴿لَوْلَا﴾ (١) هنا: للتحضيض، وحرف التحضيض إذ دخلت على
وقوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ﴾ مع قوله: ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ على (١) تشبيهين، تشبيه المقول بالمقول في المؤدَّى، والمحصول، وتشبيه القول بالقول في الصدور بلا رويّةٍ، بل بمجرد التشهي، واتباع الهوى، والاقتراح على سبيل التعنّت والعناد، لا على سبيل الإرشاد، وقصد الجدوى، والكاف في كذلك منصوب
والمعنى (٢): أي تشابهت، وتماثلت، وتوافقت، قلوب هؤلاء المكذبين لك يا محمد! مع قلوب كفار الأمم الماضية المكذِّبين لأنبيائهم؛ أي: أشبهت قلوبهم بعضها بعضًا في الكفر، والقسوة، وطلب المحال، وإلّا لما تشابهت أقاويلهم الباطلة، وفي هذا تسليةٌ له - ﷺ - ﴿قَدْ بَيَّنَّا﴾ ووضَّحنا ﴿الْآيَاتِ﴾؛ أي: الدلالات والمعجزات الدالَّة على صدقك، وصدق ما جئت به من الآيات القرآنية، والمعجزات الباهرة ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾؛ أي: لقوم ينصفون، فيوقنون، ويصدِّقون أنها آياتٌ يجب الاعتراف بها، والإذعان لها، والاكتفاء بها عن غيرها، أو المعنى ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾ أي (٣): قد نزلناها بيّنة بأن جعلناها كذلك في أنفسها، كما في قولهم: سبحان من صغر البعوض، وكبَّر الفيل، لا أنّا بيَّناها بعد أن لم تكن بينةً ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾؛ أي: لقوم يطلبون اليقين، واليقين أبلغ العلم،
(٢) العمدة.
(٣) روح البيان.
وفي الآيات (١): إشارةٌ إلى أنَّهم ما قالوا ذلك لخفاء في الآيات، أو لطلب مزيد اليقين، وإنّما قالوه؛ عتوًّا وعنادًا، وحاصل (٢) الجواب من الله تعالى: إنّا قد أيَّدْنا نبوة محمد - ﷺ - بالمعجزات، وبَيَّنَّا صدق ما جاء به بالآيات القرآنية، والمعجزات الباهرة، فكان طلب هذه الزوائد من باب التَّعنُّت، فإذا كان كذلك لم تجب إجابتها.
١١٩ - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد! كافَةً للناس حالة كونك ملتبسًا ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالدِّين الحق، والهدى المستقيم، والقرآن العظيم، وحالة كونك ﴿بَشِيرًا﴾؛ أي: مبشِّرًا للمؤمنين بالثواب الجسيم، وجنات النعيم ﴿وَنَذِيرًا﴾؛ أي: ومنذرًا ومخوِّفًا للكافرين من العقاب الأليم، وعذاب الجحيم، فلا بأس عليك إن أصرُّوا، أو كابروا.
والمعنى: إنَّ شأنك بعد إظهار صدقك في دعوى الرسالة بالدلائل، والمعجزات، ليس إلّا الدعوة والإبلاغ، والتبشير والإنذار، لا أنْ تجبرهم على القبول والإيمان، فلا عليك إن أصرُّوا على الكفر والعناد، فإنَّ الأحوال أوصافٌ لذي الحال، والأوصاف مقيِّدةٌ للموصوف ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ ما لَهُمْ يؤمنوا بعد أن بَلَّغْتَ، والجحيم: المكان الشديد الحرِّ، والمتأجِّجُ من النار؛ أي: ولست يا محمد! بمسؤولٍ عن أصحاب النار؛ أي: وليس عليك عهدةٌ وتبعةٌ في عدم إيمانهم بعد ما بلَّغت ما أرسلت به، وبذلت جهدك في دعوتهم، إنَّما عليك البلاغ، وعلينا الحساب، وذلك أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: "لو أنَّ الله عزَّ وجلّ أنزل بأسه باليهود لآمنوا" فأنزل الله هذه الآية.
(٢) المراح.
وقرأ نافعٌ، ويعقوبٌ ﴿ولا تَسْأَلْ﴾ بفتح التاء وجزم اللام على النهي؛ أي: (٢) لا تسأل يا محمد! عن حال كفار أهل الكتاب التي تكون لهم يوم القيامة، ولا يمكنك في هذه الدار الاطلاع عليها، وذلك إعلامٌ بكمال شدّة عقوبة الكفار، فلا يستطيع السامع أن يسمع خبرها، ولا يصبر على استماعه لشدّتها
١٢٠ - ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ﴾ يا محمد! ﴿الْيَهُودُ﴾ ولن تحب دينك، ولو خلَّيتهم وشأنهم حتى تتبع دينهم وقبلتهم ﴿وَلَا﴾ ترضى يا محمد! ﴿النَّصَارَى﴾ ولن تحبّ دينك، ولو تركتهم ودينهم ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ وتصلِّي إلى قبلتهم. قال الواحديُّ: الآية نزلت في تحويل القبلة، وذلك أنّ اليهود والنصارى كانوا يرجون أن يرجع محمدٌ - ﷺ - إلى دينهم، فلمَّا صرف الله القبلة إلى الكعبة، شقَّ عليهم، وأيسوا منه أن يوافقهم، فأنزل الله تعالى ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ يعني: دينهم وتُصلِّي إلى قبلتهم، وفي الآية مبالغةٌ في إقناط الرسول - ﷺ -، من طمعه في إسلامهم، حيث علَّق رضاهم عنه بما لا سبيل إليه، وما يستحيل وجوده، فإنَّهم إذا لم يرضوا عنه حتّى يتَّبع ملتهم، فكيف يتَّبعون ملَّته؟ أي: دينه، فكأنَّهم قالوا:
(٢) المراح.
﴿قُل﴾ لهم يا محمد! ردًّا لقولهم لك: لن نرضى عنك حتى تَتَّبع ملّتنا، وتصلي إلى قبلتنا، بطريق قصر القلب ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾؛ أي: إنّ دين الله الذي هو الإِسلام، وقبلته التي هي الكعبة ﴿هُوَ الْهُدَى﴾؛ أي: هو الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، ليس وراءه هدى، والذي تدعون إلى اتباعه ما هو هدى، إنّما هو هوى، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾؛ أي: وعزّتي وجلالي: لئن اتبعت، وسايرت يا محمد! على سبيل الفرض والتقدير ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ الفاسدة، وآراءَهم الزائغة، ومللهم الباطلة، وقبلتهم العاطلة، وهي التي عبَّر عنها فيما قَبْلُ بملّتهم، إذ هي التي ينتمون إليها، وأمّا ما شرعه الله تعالى من الشرعة على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهي المعنى الحقيقيُّ للملَّة، فقد غيروها تغييرًا، والأهواء: جمع هوًى: وهو رأيٌ عن شهوة داعٍ إلى الضلال، وسُمِّي بذلك؛ لأنّه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل واهيةٍ، وفي الآخرة إلى الهاوية.
وإنّما قال: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ بلفظ الجمع، ولم يقل: هواهم؛ تنبيهًا على أنَّ لكل واحد هوًى غير هوى الآخر، ثم هوى كُلِّ واحد منهم لا يتناهى، فلذلك أخبر سبحانه أنّه لا يرضى الكُلُّ إلّا باتباع أهواء الكل.
واعلم: أنّ الطريقة المشروعة تسمَّى ملّة باعتبار أنَّ الأنبياء الذين أظهروها قد أملوها، وكتبوها لأُمَّتهم، كما أنَّها تسمَّى دينًا باعتبار طاعة العباد لمن سنَّها، وانقيادهم لحكمه، وتسمَّى أيضًا شريعة باعتبار كونها موردًا للمتعطِّشين إلى زُلاَلِ ثوابه ورحمته.
﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ والبيان بأنَّ دين الله هو الإِسلام، وأنَّ ما هم عليه ضلالٌ، أو بعد ما ظهر لك الحقُّ بالبراهين الساطعة، والحجج القاطعة، أو بعد القرآن الموحى إليك، وهو حالٌ من فاعل جاءك ﴿مَا لَكَ﴾ يا محمد! ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛
لِمَيَّة موحشًا طللُ
والخطاب في قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ متوجِّهٌ إلى النبي - ﷺ - في الحقيقة، وقيل: المراد به: أمّته، والمعنى: حينئذٍ إيّاكم أُخاطب، ولكم أُؤَدِّب وأنهى، فقد علمتم أنَّ محمدًا - ﷺ - قد جاءكم بالحق والصدق، وقد عصمته، فلا تتبعوا أنتم أهواء الكافرين، ولئن اتبعتم أهواءَهم بعد الذي جاءكم من العلم والبيان، ما لكم من الله من وليّ ولا نصير، وما قيل على القول الأوّل (١): من أنّه تعالى حكم بعصمة الأنبياء، وعلم منهم أنّهم لا يعصون له، ولا يخالفون، ولا يرتكبون ما نهى عنه، فكانت عصمتهم واجبةً، فلا وجه لتحذيرهم عن اتباع هوى الكفرة، فوجب أن يكون التحذير متوجِّهًا إلى الأمّة لا إلى أنفسهم، فالجواب عنه: أنّ التكليف والتحذير؛ إنّما يعتمد على كون المكلف به محتملًا، ومتصوَّرًا في ذاته من حيث تحقُّق ما يتوقف عليه وجوده من الآلات، والقوى، والامتناع الحاصل من حكمه تعالى، بعصمتهم، وعلمه بها، امتناعٌ بالغير، وهو لا ينافي الإمكان الذاتي الذي هو شرط التكليف، والتحذير، فثبت أنّ الخطاب متوجِّهٌ إليه - ﷺ - حقيقةً، فلا اعتراض.
ولمَّا ذكر سبحانه قبائح المتعنِّتين الطالبين للرئَاسة من اليهود والنصارى،
١٢١ - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ من قبلك يا محمد! من مؤمني أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه، وبحيرا الراهب وأصحابه، والنجاشيِّ وأصحابه، من الذين أسلموا من اليهود والنصارى، وإنّما خصَّهم بذكر الإيتاء؛ لأنّهم هم الذين عملوا به فخُصُّوا به، والكتاب التوراة والإنجيل، واسم الموصول مبتدأ أول، خبره جملة قوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: الذين أعطيناهم التوراة والإنجيل حال كونهم ﴿يَتْلُونَهُ﴾، أي: يتلون ذلك الكتاب ويقرؤونه ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ بمراعاة لفظه عن التحريف، وبالتدبُّر في معانيه، والعمل بما فيه، وهو حال مقدَّرةٌ من الضمير المنصوب في آتيناهم، أو من الكتاب؛ لأنّهم لم يكونوا تالين له وقت الإيتاء، وقوله (١): ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ نعتٌ لمصدر محذوف دلَّ عليه الفعل المذكور؛ أي: يتلونه تلاوةً حقَّ تلاوته، واختار الكواشيُّ كونه منصوبًا على المصدرية على تقدير تلاوة حقًّا، فإنَّ نعت المصدر إذا قدم عليه، وأضيف إليه نصب المصادر، نحو: ضربت أشدَّ الضرب، بنصب أشدَّ على المصدرية، والمعنى: أي: يقرؤونه قراءةً حقَّةً، كما أنزل، لا يغيّرونه، ولا يحرّفونه، ولا يبدّلون ما فيه من نعت محمد - ﷺ -.
وقيل المعنى: أي يتبعونه حقَّ اتباعه، فيحلُّون حلاله، ويحرِّمون حرامه، ويبيِّنون أمره ونهيه لمن سألهم ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين يتلونه حقَّ تلاوته هو مبتدأٌ ثان، خبره قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، أي: بكتابهم المستلزم إيمانهم به الإيمان بمحمد - ﷺ - دون المحرِّفين، فإنّ بناء الفعل على المبتدأ، وإن كان اسمًا ظاهرًا يفيد الحصر، مثل: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أو يؤمنون بمحمد - ﷺ -، وبالقرآن المنزَّل عليه ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾ أي: بالكتاب المؤتى له بأن يغيِّره، ويحرِّفه، ويجحد ما فيه من فرائض الله، ونبَّوة محمدٍ - ﷺ -؛ أي: سواءٌ كان كفرهم بنفس التحريف، أو بغيره، كالكفر بالكتاب الذي يصدِّقه، أو يكفر بمحمد - ﷺ -، وبالقرآن ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الذين كفروا بكتابهم، أو بمحمدٍ - ﷺ - ﴿هُمُ﴾ لا غيرهم ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ أي: الهالكون، المغبونون
١٢٢ - ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ لمّا صدر (١) قصّتهم بالأمر بذكر النعم، والقيام بحقوقها، والحذر من إضاعتها، والخوف من الساعة وأهوالها، كرَّر ذلك وختم به الكلام معهم؛ مبالغةً في النصح لهم؛ وإيذانًا بأنّه فذلكة القصة، والمقصود من القصة، والمعنى: يا بني إسرائيل! اذكروا أيادييّ لديكم، وصنعي بكم، واستنقاذي إيّاكم من أيدي العدو في نعم كثيرة أنعمت بها عليكم، ومن جملة النعم: التوراة، وذكر النعمة إنّما يكون بشكرها، وشكرها الإيمان بجميع ما فيها، ومِنْ لازم الإيمان بها الإيمان بمحمد - ﷺ -؛ لأنَّ نعت النبي - ﷺ - من جملة ما فيها ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: واذكروا تفضيلي إيّاكم على عالمي زمانكم بكثرة الأنبياء فيكم، وإعطاء التوراة لكم.
١٢٣ - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾؛ أي: واخشوا، وخافوا عذاب يوم رهيب، وهو يوم القيامة ﴿لَا تَجْزِي﴾ ولا تدفع فيه، تقول: جزى عنّي هذا الأمر يجزي، كما تقول: قضى عنّي يقضي وزنًا، ومعنى؛ أي: لا تقضي في ذلك اليوم ﴿نَفْسٌ﴾ من النفوس، أو نفسٌ مؤمنةٌ ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾ أخرى أو كافرةٍ ﴿شَيْئًا﴾ من الحقوق التي لزمتها؛ أي: لا تقضي نفسٌ ليس عليها شيءٌ شيئًا من الحقوق التي وجبت على نفسٍ أخرى؛ أي: لا تؤخذ نفسٌ بذنب أخرى، ولا تدفع شيئًا، وأمّا إذا كان عليها شيءٌ، فإنّها تجزي وتقضي بغير اختيارها، بما لها من حسناتها ما عليها من الحقوق، كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - ﷺ - قال: "من كانت له مظلمة لأخيه من عرض، أو غيره، فليستحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عملٌ صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه، فحمل عليه".
﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا﴾؛ أي: من النفس الأولى أو الكافرة ﴿عَدْلٌ﴾؛ أي: فداءٌ، وهو بفتح العين: الفدية، وهي ما يماثل الشيء قيمةً، وإن لم يكن من جنسه، والعِدْل بالكسر: ما يساوي، الشيء في الوزن والجرم من جنسه.
والمعنى: لا يؤخذ منها فديةٌ تنجو بها من النار، ولا تجد ذلك لتفتدي به،
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
والمعنى: أي: واتقوا يا معشر بني إسرائيل! المبدِّلين كتابي، المحرِّفين له عن وجهه، المكذّبين برسولي محمد - ﷺ - عذاب يوم لا تقضي فيه نفسٌ عن نفس شيئًا من الحقوق التي لزمتها، فلا تؤخذ نفسٌ بذنب أخرى، ولا تدفع عنها شيئًا. وفي "الصحيحين": "يا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئت! لا أغني عنك من الله شيئًا" ولا يؤخذ فيه من نفسٍ فديةٌ تنجو بها من النار، إذ هي لا تجد ذلك لتفتدي به، ولا يشفع فيما وجب عليها من حقٍّ شافع، وقد كانوا يعتقدون بالمكفرات تؤخذ فديةٌ عمَّا فرَّطوا فيه، وبشفاعة أنبيائهم لهم، فأخبرهم الله تعالى أنّه لا يقوم مقام الاهتداء به شيءٌ آخر، وأنّهم لا يأتيهم ناصر ينصرهم، فيمنع عذاب الله عنهم إذا نزل بهم، وهذا ترهيبٌ لمن سلفت عظتهم في الآية قبلها.
١٢٤ - ﴿و﴾ اذكر يا محمد! لقومك قصّة ﴿إذ ابتلى﴾ اختبر وكلَّف ﴿إبراهيم﴾ عليه السلام، وهو اسم أعجميٌّ معناه: أبٌ رحيمٌ، قال السهيليُّ: وكثيرًا ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي، أو تقاربه في اللفظ ألا ترى: أن إبراهيم تفسيره: أب رحيم؛ لمرحمته بالأطفال ﴿رَبُّهُ﴾ سبحانه وتعالى، والضمير لإبراهيم، وقُدّم المفعول لفظًا وإن كان مؤخّرًا رتبةً؛ لاتصال الفاعل بضميرٍ يعود عليه؛ وللاهتمام به، فإنّ الذهن يتشوَّق، ويطلب معرفة المبتلى، والابتلاء في الأصل: الامتحان والاختبار، والتكليف بالأمر الشاقِّ؛ ليُعلم ما جُهل من حال الإنسان، من جودته، أو رداءته، ولكن ابتلاء الله سبحانه لعباده ليس ليعلم ما خفي عليه من أحوالهم؛ لأنّه عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد؛ ولكن ليعلم العباد أحوالهم من ظهور جودة أو رداءة، فالمراد هنا: عامله معاملة المختبر؛ ليظهر ذلك للخلق، فاختبر إبراهيم، فظهر صدقه، وإبليس، فظهر كذبه؛ أي: واذكر وقت اختباري إبراهيم، والمقصود من ذكر
وقال الحسن: ابتلاه الله بذبح ولده، فصبر على ذلك، وابتلاه بالنظر في الكواكب، والشمس والقمر، إقامةً للحجة على قومه، فأحسن النظر في ذلك، وعرف أن ربّه دائم لا يزول، ثمّ ابتلاه بالهجرة من وطنه، فخرج مهاجرًا إلى الله، ثم ابتلاه بالإلقاء في النار، فصبر عليها، وبالختان بعد الكبر، فصبر عليه، وهذا القول الأخير أرجح ما قيل هنا، وفي الخبر: أنّ إبراهيم أوّل من قصّ الشارب، وأوّل من اختتن، وأوّل من قلّم الأظفار، وأوّل من رأى الشيب، فلمّا رآه قال: يا ربّ! ما هو؟ قال: الوقار، قال: يا ربّ! زدني وقارًا.
وقرأ الجمهور ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ بالألف والياء. وقرأ ابن عامر بخلاف عن ابن ذكوان في البقرة بألفين، زاد هشام أنّه قرأ كذلك في إبراهيم والنحل ومريم
وقوله: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ كلام مستأنف أيضًا واقعٌ في جواب سؤال مقدر، كأنّه قيل: فماذا قال إبراهيم عنده؟ فقيل: ﴿قَالَ﴾ إبراهيم ﴿و﴾ اجعل يا ربّ! ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾؛ أي: من بعض أولادي أئمّةً يقتدى بهم في الدين؛ أي: أنبياء وملوكًا عدولًا، وعلماء يقتدى بهم، وتخصيص البعض بذلك؛ لبداهة استحالة
ودلَّت الآية بمفهومها على أنّه ينالها ويصيبها غير الظالم؛ يعني: من كان ظالمًا من أولادك، لا يكون إمامًا وقدوة للناس؛ لأنّ الإمامة في أوليائه لا في أعدائه. وقرأ قتادة والأعمش وأبو رجاء ﴿الظالمون﴾ بالرفع على الفاعلية و ﴿عَهْدِي﴾ مفعول به؛ لأنّ العهد يَنال كما يُنال، أي: عهدي لا يصل إلى الظالمين، أو لا يصل الظالمون إليه، ولا يُدْرِكُونَهُ، ومعنى: عهدي نبوّتي، وفي هذا دليلٌ على عصمة الأنبياء عليهم السلام من الكبائر. وفي (١) ذكر الظلم مانعًا من الإمامة، تنفيرٌ لذرية إبراهيم منه، وتبغيضٌ لهم فيه ليتحاموه، ويُنَشِّئُوا أولادهم على كراهته كيلا يَقَعُوْا فيه ويُحرَموا من هذا المنصب العظيم الذي هو أعلى المناصب وأشرفها، كما هو تنفيرٌ من الظالمين، وعن مخالطتهم، فالإمامة الصالحة لا تكون إلّا لذوي النفوس الفاضلة التي تَسوق صاحبهَا إلى خير العمل، وتَزَعُهُ عن الشرورِ والآثام، ولا حظَّ للظالمين في شيء من هذا.
١٢٥ - ﴿و﴾ اذكر يا محمد! لقومك قصة ﴿إذ جعلنا البيت﴾؛ أي: الكعبة، أو جميع الحرم، فإنَّه تعالى وصفه بكونه آمنًا، وهذا صفة جميع الحرم ﴿مَثَابَةً﴾ أي: مرجعًا ومعادًا ﴿لِلنَّاسِ﴾ يعودون إليه، ويقضون منه وطرًا، كلما انصرفوا اشتاقوا إليه، فإنّهم يثوبون إليه كل عام بأعيانهم، وبأمثالهم، كما قاله الحسن، أو المراد: لا ينصرف عنه أحد إلّا وهو يتمنّى العود إليه، كما قاله ابن عباس ومجاهد، أو المعنى: جعلنا الكعبة موضع ثواب، يثابون بحجِّهِ واعتماره، وعبارة "الروح" هنا: أي: (١) واذكر يا محمد! لقومك قصة وقت تصييرنا الكعبة المعظَّمة ﴿مَثَابَةً﴾ كائنةً للناس؛ أي: مباءةً، ومرجعًا للحجَّاج والمعتمرين، يتفرَّقون عنه، ثم يثوبون إليه؛ أي: يرجع إليه أعيان الذين يزورونه بأن يحجوه مرّةً بعد أخرى، أو يرجع أمثالهم وأشباههم في كونهم وفد الله، وزوار بيته، فإنَّهم لما كانوا أشباهًا للزائرين أوَّلًا، كان ما وقع منهم من الزيارة ابتداءً بمنزلة عود الأوَّلين، فتعريف الناس؛ للعهد الذهنيِّ، وهم الزوار؛ أو للاستغراق، كما سيأتي، والتاء في ﴿مثابة﴾؛ للمبالغة لكثرة ما يثوب إليه، قاله الأخفش؛ أو لتأنيث المصدر؛ أو لتأنيث البقعة، كما يقال: مقامٌ ومقامةٌ، قال الشاعر:
| ألَمْ تَرَ أنَّ الأرْضَ رَحْبٌ فَسِيحَةْ | فَهَلْ يُعْجِزَنِّي بُقْعَةٌ مِنْ بِقَاعِها |
| مَثابًا لأفناء القبائل كُلِّها | تَخِبُّ إلَيْهَا اليَعْمُلاتُ الطَّلائِحُ |
| جَعَلَ البَيْتَ مَثَابًا لَهُمُ | لَيسَ مِنْهُ الدَّهْرَ يَقْضُونَ الوَطَرْ |
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، والجمهور ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بكسر الخاء على صيغة الأمر، فلا بدّ على هذه القراءة من تقدير
أحدها: أنّه معطوف على ﴿جَعَلْنَا﴾ المخفوض بإذ تقديرًا، فيكون الكلام جملة واحدة.
الثاني: أنّه معطوف على مجموع قوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا﴾ فيحتاج إلى تقدير: إذ؛ أي، وإذ اتخذوا، ويكون الكلام جملتين.
الثالث: ذكره أبو البقاء: أن يكون معطوفًا على محذوف، تقديره: فثابوا واتخذوا.
وأمّا قراءة الأمر ففيها أربعة أوجه:
أحدها: أنّه عطف على ﴿اذْكروا﴾ إذ قيل إنَّ الخطاب هنا لبني إسرائيل؛ أي: اذكروا نعمتي، واتخذوا.
الثاني: أنها عطفٌ على الأمر الذي تضمنه قوله ﴿مَثَابَةً﴾ كأنَّه قال: ثوبوا، واتخذوا، ذكر هذين الوجهين المهدويّ.
الثالث: أنّه معمولٌ لقول محذوف؛ أي: وقلنا اتخذوا بأن قيل: إنّ الخطاب لإبراهيم وذرّيته، أو لمحمد - ﷺ - وأمّته.
الرابع: أن يكون مستأنفًا. اهـ. "سمين".
وروي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (أنّ إبراهيم عليه السلام كان يبني البيت، وإسماعيل يناول الحجارة، ويقول: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾! فلمَّا ارتفع البنيان، وضعف إبراهيم عن وضع الحجارة، قام على حجرٍ وهو مقام إبراهيم عليه السلام فبناء البيت كان متأخرًا من بناء مكة، وكُلّ منهما في زمن إبراهيم، أمّا الأول، فبناء إبراهيم، وأمّا الثاني، فبناء طائفة من جرهم، كما في تاريخ مكة.
ثمَّ لمَّا فرغ من بناء الكعبة قيل له: أَذِّنْ في الناس بالحج، فقال: أنادي وأنا بين الجبال! ولم يحضرني أحدٌ! فقال الله: عليك النداء، وعليَّ البلاغ، فصعد أَبَا قُبيسٍ، وصعد هذا الحجر، وكان قد خُبىءَ في أبي قُبيسٍ أيامَ الطوفان، فارتفع هذا الحجر حتى علا كُلَّ حجر في الدنيا، وجمع الله له الأرض كالسفرة، فنادى: يا معشر المسلمين! إنّ ربّكم بنى لكم بيتًا، وأمركم أن تحجُّوه، فأجابه الناس من أصلاب الآباء، وأرحام الأمهات، فمن أجابه مرّةً حجَّ مرة ومن أجابه عشرًا حج عشرًا. وفي الحديث: "إنَّ الركنَ والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، ولولا مماسة أيدي المشركين لأضاءتا. ما بَيْنَ المشرقِ والمغربِ" والمرادُ منهما: الحجر الأسود والحجر الذي قام عليه إبراهيم عند بناء البيت.
﴿و﴾ اذكر يا محمد! لأمّتك قصّة إذ ﴿عهدنا﴾ وأوصينا ﴿إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ وأمرناهما بـ ﴿أن﴾ أسِّسا بيتي على التقوى و ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ من الأوثان والأنجاس كُلِّها؛ يعني: الكعبة وأضافه إليه؛ تشريفًا له؛ أي: عهدنا إليهما، وأمرناهما أمرًا مؤكَّدًا، ووصَّينا إليهما، فإنَّ العهد قد يكون بمعنى الأمر والوصيّة، يقال: عهد إليه؛ أي: أمره ووصَّاه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ وسمَّاه بيته؛ لأنّه جعله معبدًا للعبادة الصحيحة، وأمر المُصلِّين بأن يتوجَّهُوا إليها، وفي إبراهيم (١) سبع لغات: أشهرها إبراهيم بألفٍ وياءٍ، وإبراهام بألفين، والثالثة: إبراهم بألف بعد الراء وكسر الهاء دون ياء، الرابعة: كذلك إلّا أنّه بفتح الهاء، والخامسة: كذلك إلّا أنّه بضمّ الهاء، السادسة: أبْرَهَم بفتح الهاء
والحكمة في جعل الله سبحانه معبدًا لعباده، وهو هذا البيت؛ لأنَّ الخلق في حاجةٍ إلى التوجّه إلى خالقهم بشكر، والثناء عليه، والتوسّل إليه لاستمداد رحمته، ومعونته، وهم يعجزون عن التوجه إلى موجودٍ غيبيٍّ، لا يتقيَّد بمكان، ولا ينحصر في جهة، فعيَّن لهم مكانًا نسبه إليه رمزًا إلى أنَّ ذاته المقدَّسة تحضره والحضور الحقيقيُّ مَحالٌ عليه، فالمراد: أنَّ رحمته الإلهية تحضره، ومن ثمَّ كان التوجُّه إلى هذا المكان، كالتوجُّه إلى تلك الذات العليَّة لو وجد العبد إلى ذلك سبيلًا، وانظر حكمة تخصيص هذه البقعة من بين بقاع الأرض باتخاذه معبدًا، فإنَّه من الذخائر المدفونة في قلوب خواص عباده.
﴿لِلطَّائِفِينَ﴾؛ أي: للزائرين الدائرين حوله ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾؛ أي: المقيمين عنده، والمعتكفين فيه؛ أي: المجاورين الذين عكفوا عنده؛ أي: أقاموا عنده لا يرجعون، ولا يذهبون، ولا يرتحلون منه، وهذا في أهل الحرم، والأول؛ أعني: الطائفين في الغرباء القادمين إلى مكة للزيارة والطواف، وإن كان الطواف لا
واعلم: أنّه تعالى لمّا قال: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ دخل فيه بالمعنى: جميع بيوته تعالى، فيكون حكمها حكمه في التطهير، والنظافة، وإنّما خصَّ الكعبة بالذكر؛ لأنّه لم يكن هناك غيرها، وفي الآية: إيماء إلى أنَّ إبراهيم كان مأمورًا هو ومن بعده بهذه العبادات، ولكن لا دليل إلى معرفة الطريق التي كانوا يؤدُّونها بها. فالمراد بالطائفين: من يقصد البيت حاجًّا، أو معتمرًا، فيطوف به، وبالعاكفين: من يقوم هناك ويجاور فيه، وبالركع السجود: من يصلّي إليه الصلوات الخمس، وغيرها. وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء: إنّ الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل.
١٢٦ - ﴿و﴾ واذكر يا محمد! لأمّتك قصّة ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ عليه السلام؛ أي: قصّة إذ دعا إبراهيم ربَّه، فقال: في دعائه يا ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا﴾ الوادي الأقفر الخالي عن الأنيس، الذي ليس فيه زرعٌ، ولا ماءٌ، ولا بناءٌ ﴿بَلَدًا﴾ مَسْكنًا ﴿آمِنًا﴾ أي: ذا أمنٍ يأمن فيه أهله من القحط، والجدب، والخسف، والمسخ، والزَّلازل، والجذام، والبرص، ونحو ذلك من المَثُلاَتِ التي تَحُلُّ بالبلاد غيرها، فهو من باب النَّسب؛ أي: بلدًا منسوبًا إلى الأمن كلابن، وتامر، فإنّهما لنسبة موصوفهما إلى مأخذهما، كأنّه قيل: لبنيٌّ وتمريٌّ، فالإسناد حقيقيٌّ، أو المعنى: بلدًا آمنًا أهله، فيكون من قبيل الإسناد المجازي؛ لأنَّ الأمن الذي هو صفةٌ لأهل البلد حقيقةً، قَدْ أُسْنِدَ إلى مكانهم للملابسة بينهما. وكان هذا الدعاء في أوَّلِ ما قَدِم إبراهيم عليه السلام مكة؛ لأنّه لما أسكن إسماعيل وهاجر هناك، وعاد مُتوجِّهًا إلى الشام تبعته هاجر، فجعلت تقول: إلى مَنْ تكلنا في هذا البَلْقَعِ؛ أي: المكانِ الخالي من الماء، والنبات،
فإن قُلْتَ: ما الفائدة في قول إبراهيم ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ مع قوله تعالى أوّلًا: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾؟
قلت: المراد من الأمن المذكور: أوّلًا الأمن من الأعداء، والخسف، والمسخ، ومن المذكور في دعاء إبراهيم: الأمن من القحط، والجوع، وقيل: معنى بلدًا آمنًا؛ أي: كثير الخصب، يؤمن فيه من الجوع، والقحط، فإن الدنيا إذا طلبت ليُتقوَّى على الدين، كان ذلك من أعظم أركان الدين، فإذا كان البلد آمنًا، وحصل فيه الخصب تفرَّغ أهله لطاعة الله، وأيضًا إنَّ الخصب مما يدعو الناس إلى تلك البلدة، فهو سبب اتصاله في الطاعة.
والمعنى (٢): أي قال إبراهيم: ربّ اجعل هذا الوادي من البلاد الآمنة! وهذا دعاء منه أن يكون البيت آمنًا في نفسه من الجبابرة، وغيرهم، أن يسلَّطوا عليه، ومن عقوبة الله أن تناله، كما تنال سائر البلدان من خسف، وزلزال، وغرق، ونحو ذلك ممَّا يُنْبِىءُ عن سخط الله، ومثلاته التي تصيب سائر البلاد، وقد استجاب الله دعاءه، فلم يقصده أحدٌ بسوءٍ إلا قصم ظهره، ومن تعدَّى عليه لم يطل زمن تعدِّيه، بل يكون تعدّيًا عارضًا ثمَّ يزول.
(٢) العمدة.
قاس إبراهيم عليه السلام الرزق على الإمامة، حيث سأل الرزق لأجل المؤمنين خاصة، كما خصّ الله تعالى الإمامة بهم في قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فلمّا ردّ سؤال الإمامة في حقّ ذرّيته على الإطلاق، حسب أن يردَّ سؤاله الرزق في حقّ أهل مكة على الإطلاق، فلذلك قيد بالإيمان تأدُّبًا بالسؤال الأول، فنبَّه سبحانه على أنَّ الرزق رحمةٌ دنيويَّةٌ تعمُّ المؤمن والكافر، بخلاف الإمامة والتقدُّم؛ أي: وأَرْزُقُ أيضًا من كفر باللهِ واليوم الآخر ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾؛ أي: أمدُّ له ليتناول من لذات الدنيا؛ إثباتًا للحجة عليه، وأمتعه تمتيعًا ﴿قَلِيلًا﴾ فإنّ الدنيا بكليتها قليلةٌ، وما يتمتَّع الكافر به منها قليلٌ من القليل، فإنَّ نعمته تعالى في الدنيا
وقرأ الجمهور (١) من السبعة ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ مشدَّدًا على الخبر. وقرأ ابن عامر ﴿فأمتعه﴾ مخفَّفًا على الخبر. وقرأ هؤلاء ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ خبرًا، وقرأ يحيى بن وثاب: ﴿فأُمْتِعهُ﴾ مخفَّفًا ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ بكسر الهمزة، وهما خبران. وقرأ ابن محيصن ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ بإدغام الضاد في الطاء خبرًا. وقرأ يزيد بن أبي حبيب {ثُمَّ
وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: ﴿فأَمْتِعْهُ قليلًا ثم اضْطرُّه﴾ على صيغة الأمر فيهما، فأمَّا على هذه - القراءة، فيتعيَّن أن يكون الضمير في ﴿قَالَ﴾ عائدًا على إبراهيم لمَّا دعا للمؤمنين بالرزق، دعا على الكافرين بالإمتاع القليل، والإلزاز إلى العذاب، ومَنْ على هذه القراءة يحتمل أن تكون في موضع رفع بالابتداء على أن تكون موصولة، أو شرطية، وفي موضع نصب على الاشتغال على الوصل أيضًا وأمّا على قراءة الباقين، فيتعيَّن أن يكون الضمير في قال عائدًا على الله تعالى، ومَنْ يحتمل أن يكون في موضع نصب على إضمار فعل، تقديره: قال الله: وأرزق مَنْ كفر فأمتعه، ويكون ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ معطوفًا على ذلك الفعلِ المحذوف الناصب لِمَنْ، ويحتمل أن تكون ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع على الابتداء إمّا موصولًا، وإمّا شرطًا، والفاء فاءُ جواب الشرط، أو الداخلة في خبر الموصول؛ لشبهه باسم الشرط. انتهى. ملخصًا من "البحر".
وحاصل مَعنى الآية: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾. الخ. أي: وارزق (١) أهله من أنواع الثمار، إمّا بزرعها بالقرب منه، وإمّا بأن تجبى إليه من الأقطار الشاسعة، وقد حصل كلاهما استجابةً لدعوة إبراهيم، كما هو مشاهدٌ، وقد جاء في سورة القصص ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وخصَّ إبراهيم بدعائه المؤمنين، وإن كان سبحانه لواسع رحمته، جعل رزق الدنيا عامًّا للمؤمنين والكافرين ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾؛ لأن تمتيع الكافرين قصيرٌ محدودٌ بذلك العمر القصير، ثمَّ إلى النار وبئس المصير، وهذا ما بيَّنه عز اسمه بقوله: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ إلخ. أي: قال الله سبحانه: يا إبراهيم! قد أجبت دعوتك، ورزقت مؤمن أهل البلد من الثمرات، ورزقت كفارهم أيضًا، وأمتعهم بهذا الرزق أمدًا قليلًا، وهو مدّة وجودهم في الدنيا، ثم أسوقهم إلى عذاب النار سوقًا اضطراريًّا لا اختيار لهم فيه، ولا يعلمون أنَّ عملهم ينتهي بهم إليه.
الإعراب
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَلِلَّهِ﴾ الواو استئنافية ﴿لله﴾ خبر مقدّم ﴿الْمَشْرِقُ﴾ مبتدأ مؤخّر ﴿وَالْمَغْرِبُ﴾ معطوف على ﴿الْمَشْرِقُ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، ولكنّها مرتبطة من حيث المعنى بقوله: ﴿مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ يعني: أنّه إن سعى ساع في المنع من ذكره تعالى، وفي خراب بيوته، فليس ذلك مانعًا من أداء العبادة في غيرها؛ لأنّ المشرق والمغرب وما بينهما له تعالى. ذكره في "الفتوحات" ﴿فَأَيْنَمَا﴾ الفاء فاء الفصيحة، مبنية على الفتح؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أن المشرق والمغرب لله تعالى، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم، فأقول لكم: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ ﴿أين﴾ اسم شرط جازم يجزم فعلين في محل النصب على الظرفية المكانية، مبني على الفتح، والظرف متعلق بفعل الشرط؛ أعني:
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾:
﴿وَقَالُوا﴾ الواو عاطفة، أو استئنافية ﴿قالوا﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾. ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾ و ﴿اتَّخَذَ﴾ هنا بمعنى: صنع، يتعدّى إلى مفعول واحد ﴿سُبْحَانَهُ﴾ ﴿سبحان﴾ مفعول مطلق منصوب بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: أسبّح سبحانه؛ أي: أنزّه الله تعالى عن اتخاذ الولد تنزيهًا، والهاء ضمير للمفرد المنزه عن الذكورة والأنوثة في محل البحر مضاف إليه، وجملة التسبيح معترضة، فهو تعالى نزّه نفسه بنفسه ﴿بَل﴾ حرف عطف وإضراب، أو حرف ابتداء وإضراب ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور خبر مقدّم ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخّر ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ متعلق بمحذوف صلة الموصول ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ والجملة الإسمية معطوفة على جملة ﴿قالوا﴾ عطف اسمية على فعلية، أو مستأنفة ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأ وسوّغ الابتداء بالنكرة؛ ما فيه من العموم، والتنوين عوض عن مضاف إليه محذوف؛ أي: كل فرد من أفراد المخلوقات ﴿لَهُ﴾ متعلق بقانتون، و ﴿قَانِتُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ﴾ هو فعل وفاعل معطوف على جملة قوله: ﴿وقالوا﴾ أو مستأنفة، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ مقول محكي، لقال، منصوب بفتحة مقدرة على الأخير، وإن شئت قلت: ﴿لَوْلَا﴾ حرف تحضيض بمعنى: هلّا، والتحضيض: الطلب بحثّ وإزعاج ﴿يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل النصب مقول قال ﴿أَوْ﴾
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾.
﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، والجملة الإسمية مستأنفة ﴿بِالْحَقِّ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من المفعول في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾؛ أي: حال كونك ملتبسًا بالحق، أو من الفاعل؛ أي: حالة كوننا ملتبسين بالحق، والأوّل أولى؛ لموافقة ما بعده ﴿بَشِيرًا﴾ حال ثانية من الكاف أيضًا، تقديره: حالة كونك مبشرًا بالجنة لمن اتبعك ﴿وَنَذِيرًا﴾ معطوف على ﴿بَشِيرًا﴾؛ أي: وحالة كونك منذرًا لمن خالفك بالعذاب ﴿وَلَا﴾ الواو استئنافية على الأرجح، أو عاطفة ﴿لَا﴾ نافية ﴿تُسْأَلُ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة مرفوع بالضمّة، ونائب فاعله ضمير يعود على محمد - ﷺ -، والجملة الفعلية مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿إن﴾ ﴿عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بتسأل.
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾.
﴿وَلَنْ﴾: الواو استئنافية ﴿لن﴾ حرف نصب ونفي ﴿تَرْضَى﴾ فعل مضارع منصوب بلن ﴿عَنْكَ﴾ متعلق بترضى، ﴿الْيَهُودُ﴾ فاعل ﴿وَلَا النَّصَارَى﴾ معطوف على
| واحذف لدى اجتماع شرط وقَسَمْ | جواب ما أخرّت فهو ملتَزَمْ |
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢)﴾.
﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ أول ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ فعل وفاعل ومفعولان، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير المفعول ﴿يَتْلُونَهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ضمير المفعول في ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ ولكنّها حال
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾.
﴿وَاتَّقُوا﴾ فعل أمر معطوف على ﴿اذْكُرُوا﴾ على كونها جواب النداء ﴿يَوْمًا﴾ مفعول به ﴿لَا﴾ نافية ﴿تَجْزِي نَفْسٌ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب صفة ليومًا، ولكنّها سببية، والرابط محذوف، تقديره: لا تجزي فيه نفس ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾ متعلق بتجزي ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به لتجزي ﴿وَلَا﴾ الواو عاطفة ﴿لَا﴾ زائدة زيدت؛ لتأكيد نفي ما قبلها ﴿يُقْبَلُ﴾ فعل مضارع مغيّر الصيغة ﴿مِنْهَا﴾ متعلق بيقبل
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾.
﴿وَإِذِ﴾ الواو استئنافية ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد! لأمتك قصة إذ ابتلى إبراهيم، والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿ابْتَلَى﴾ فعل ماض ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ مفعول مقدّم على فاعله وجوبًا؛ لاتصال الفاعل بضميره، فلو قدم الفاعل عليه لزم عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، قال ابن مالك:
| وشاع نحو خاف ربَّه عمرْ | وشذّ نحو زان نوره الشجر |
﴿قَالَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على إبراهيم، والجملة مستأنفة واقعة
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة، أو استئنافية ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد! قصة ﴿إذ قال ربّك﴾، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ أو مستأنفة ﴿جَعَلْنَا﴾ فعل وفاعل ﴿الْبَيْتَ﴾ مفعول أول ﴿مَثَابَةً﴾ مفعول ثان ﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلق بجعلنا، أو محذوف صفة لـ ﴿مَثَابَةً﴾. ﴿وَأَمْنًا﴾ معطوف على ﴿مَثَابَةً﴾، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ الواو عاطفة لقول محذوف، تقديره: وقلنا لهم، قلنا: فعل وفاعل، والجملة في محل البحر معطوفة على جملة ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿اتخذوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة في محل النصب مقول للقول المحذوف ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق باتخذوا ﴿مُصَلًّى﴾ مفعول ﴿اتخذوا﴾. ﴿وَعَهِدْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ متعلق بعهدنا ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ معطوف على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿أَن﴾ مفسرة، بمعنى: أي، مبني على السكون ﴿طَهِّرَا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعل ﴿بَيتِيَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ متعلق بطهِّرًا ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ معطوف على ﴿الطائفين﴾ ﴿وَالرُّكَّعِ﴾ معطوف أيضًا على ﴿الطائفين﴾ ﴿السُّجُودِ﴾ معطوف عليه أيضًا، ولما كان الركوع
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد! قصة ﴿إذ قال إبراهيم﴾، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل البحر مضاف إليه لإذ ﴿رَبِّ اجْعَلْ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ﴾ مقول محكي لقال إبراهيم، وإن شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾ منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿اجْعَلْ﴾ فعل دعاء سلوكًا مسلك الأدب مع الباري سبحانه، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿هَذَا﴾ اسم إشارة في محل النصب مفعول أوّل لاجْعل ﴿بَلَدًا﴾ مفعول ثان ﴿آمِنًا﴾ صفة لبلدًا، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾ فعل دعاء وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به معطوف على ﴿اجْعَلْ﴾. ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ متعلق بارزق ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل النصب بدل من ﴿أَهْلَهُ﴾ بدل بعض من كل، والرابط ضمير ﴿مِنْهُمْ﴾ ﴿آمَنَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿آمَنَ﴾. ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بآمن ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ معطوف على لفظ الجلالة ﴿قَالَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة مستأنفة ﴿وَمَنْ كَفَرَ...﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لقال، وإن شئت قلت: ﴿وَمَن﴾ الواو استئنافية، أو عاطفة عطفًا تلقينيًّا على محذوف، تقديره: من آمن أرزقه من الثمرات، ومن كفر أمتعه قليلًا، والجملة المحذوفة مع ما عطف عليها في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿مَنْ﴾ اسم موصول، أو اسم شرط في محل الرفع مبتدأ ﴿كَفَرَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ في محل الجزم بمن الشرطية على كونه فعل شرط لها، إن قلنا:
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ هما من الألفاظ الشاذة التي انفردت بالكسر على الشذّوذ، لما علم عند الصرفيين أنّه إذا لم تكسر عين المضارع، فحق اسم المصدر، والمكان، والزمان، فتح العين قياسًا لا تلاوة ﴿أينما تولوا﴾ أصل تولّوا: تُولِّيُون، حذفت منه نون الرفع للجازم، ثم استثقلت الضمة على الياء؛ فحذفت تخفيفًا، فسكنت فالتقى ساكنان، الياء، والواو، فحذفت الياء، وصُحِّحت حركة اللام بجعلها ضمة، لتناسب الواو، فصار تولّوا ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وثَمَّ: اسم إشارة للمكان البعيد خاصَّة، مثل: هَنَّا وهِنَّا بتشديد النون، وهو مبني؛ لتضمّنه معنى حرف الإشارة، وفي "المختار": الوجه والجهة بمعنًى، والهاء عِوضٌ عن الواو؛ أي: فثمّ جهته التي ارتضاها قبلةً، وأمر بالتوجه نحوها ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ واتخذ افتعَلَ من تَخِذَ بكسر العين يَتْخَذُ، بفتحها، في المضارع،
قلت: قول ابن الأثير: إنّ فاء الكلمة إذا كان همزة لا يبدل تاء إن كان يعني قياسًا، فمسلَّمٌ، وإلّا فإبدال الهمزة ياءً، وإبدال الياء تاءً، وإدغامها في تاء الافتعال واردٌ، لكنّه شاذٌّ كما عقد ذلك ابن مالك في باب التصريف بقوله:
| ذو اللِّيْنِ فَاتَا في افْتِعالٍ أُبْدِلا | وَشذّ في ذي الهمز نَحْوُ ائْتَكَلا |
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من باب الصفة المشبهة التي أضيفت إلى منصوبها الذي كان فاعلًا في الأصل، والأصل: بديعٌ سمواته؛ أي: بدعت لمجيئها على شكلٍ فائق حسنٍ غريب، ثمّ شبّهت هذه الصفة باسم الفاعل، فتنصب ما كان فاعلًا، ثُمَّ أضيفت إليه تخفيفًا، وهكذا كل ما جاء من نظائره بالإضافة لا بدّ، وأن تكون من نصبٍ؛ لئلا يلزم إضافة الصفة إلى فاعلها، وهو لا يجوز، كما لا يجوز في اسم الفاعل الذي هو الأصل. اهـ. "سمين". وفي "القاموس": وبَدُعَ، ككرم بداعةً وبدوعًا. اهـ.
﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أصله: قَضَيَ بوزن فعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، والقضاء له معانٍ كثيرةٌ، مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، فيكون
ووجب:
| إبدالُ واوٍ بَعْدَ ضمٍ مِنْ ألِفْ | وَيا كَمُوقِنٍ بِذَالِها اعْتَرِف |
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ﴾ أصل ترضى: ترضَي بوزن تفعَل، قلبت الياء ألفًا؛ لتحركها بعد فتح، والرضا ضدُّ الغضب، وهو من ذوات الواو لقولهم: الرضوان، والمصدر رِضًى ورضاءً بالقصر والمدّ، ورضوانٌ بكسر الراء وضمّها، وقد يضمَّن معنى عطف، فيتعدَّى بعلى، كقوله:
| إذا رَضِيَتْ عليَّ بنو قشير | لعمر الله أعجبني رضاها |
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ أصله: ابتلَيَ بوزن افتعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أصله: أتممهنَّ بوزن أفعل، نقلت حركة الميم الأولى إلى التاء، فسكنت فأدغمت في الميم الثانية ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ جاعلك: اسم فاعل من جعل بمعنى صيَّر، فيتعدَّى لاثنين أحدهما الكاف، وفيها الخلاف المشهور، والإمام: اسمٌ لكل ما يُؤْتمُّ به؛ أي: يقصد ويتَّبع، كالإزار: اسمٌ لما يؤتزر به، ومنه قيل لخيط البناء: إمام. اهـ. "سمين".
﴿يَنَالُ عَهْدِي﴾ أصله: يَنْيَل بوزن يفعل؛ لأنَّ نال أصله نيل بكسر العين في الماضي يائيُّ العين، نقلت حركة الياء إلى النون، ثمّ قلبت الياء ألفًا؛ لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن. فقيل: ينال. ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ أصله: مَثْوُبةٌ بوزن مفعلة: اسم مكان من ثاب يثوب، نقلت حركة الواو إلى الثاء، فسكنت الواو، وتحركت الثاء بالفتح، لكن الواو قلبت ألفًا؛ نظرًا لتحركها في الأصل، ونظرًا إلى فتح ما قبلها في الحال، ويحتمل أن تكون من الثواب؛ لأنَّ الناس يثابون عند البيت على الطواف به، والصلاة حوله، أمَّا على المعنى الأول، فلأنَّ الناس يثوبون إلى البيت؛ أي: يرجعون إليه لا يقضون وطرهم منه ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ اسم مكان من قام يقوم ووزنه مفعلٌ بفتح العين، نقلت حركة الواو إلى القاف، فسكنت ثمّ أبدلت ألفًا؛ لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن ﴿مُصَلًّى﴾ أصله: مصلوٌ؛ لأنّ ألفه منقلبةٌ عن واو؛ لأنّ الصلاة من ذوات الواو ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ أصله: للطاوفين من طاف يطوف، وأصل طاف: طَوَف، أعِلَّت بقلب الواو في الفعل ألفًا؛ لتحركها بعد فتح، ولمّا أُعلّ الفعل حمل عليه الوصف، فأُعِلَّ بإبدال الواو همزةً، وهو جمع طائف اسم فاعل من طاف يطوف، ويقال: أطاف رباعيًّا، وهذا من باب فعل وأفعل بمعنًى ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ جمع عاكف من العكوف، وهو لغة: اللزوم واللُّبْث، يقال: عكف يعكف، ويعكف بالفتح في الماضي، والضمّ والكسر في المضارع ﴿أَضْطَرُّهُ﴾ أصله: اضطرره بوزن افتعل، أبدلت تاء الافتعال طاء، ثمّ أدغمت الراء الأولى في الثانية ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ مصدرٌ ميميٌّ من صار،
البلاغة
وقد تضمَّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنوعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الجملة الاعتراضية في قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾، لغرض بيان بطلان دعوى الظالمين الذين زعموا أن لله ولدًا.
ومنها: تغليب العقلاء على غيرهم في قوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾؛ لأنَّ غيرهم لا يجمع هذا الجمع؛ لأن التغليب من المحسنات البديعيَّة.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ بأن شبِّهت الحال التي تتصوَّر من تعلق إرادته تعالى بشيء من المكوَّنات، وسرعة إيجاده إياه بحالة أمر الآمر النافذ تصرُّفه في المطيع، لا يتوقَّف في الامتثال، فأطلق على هذه الحالة ما كان يستعمل في تلك، من غير أن يكون هناك أمر ولا قولٌ.
ومنها: التعبير عن الكافرين والمكذبين بكلمة أصحاب الجحيم في قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾؛ إيذانًا بأنَّ أولئك المعاندِيْنَ من المطبوع على قلوبهم، فلا يرجى منهم الرجوع عن الكفر والضلال، إلى الإيمان والإذعان.
ومنها: إيراد الهدى معرَّفًا باللام، مع اقترانه بضمير الفصل في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾؛ لإفادة القصر؛ أي: قصر الهداية على دين الله، فهو من باب قصر الصفة على الموصوف، فالإِسلام هو الهدى كلُّه، وما عداه فهو هوًى وعمًى.
ومنها: التكرير في قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ إلخ. حيث كرَّره في أوّل السورة وهنا؛ لإفادة التوكيد، وتذكيرًا للنعم.
ومنها: التعرض بعنوان الربوبية في قوله: ﴿إذ ابتلى إبراهيم ربُّه﴾؛ إيذانًا بأنّ ذلك الابتلاء تربيةٌ له، وترشيحٌ لأمرٍ خطيرٍ، إذ المعنى: عامله معاملة
ومنها: الإضافة في قوله: ﴿رَبُّهُ﴾؛ لتشريف المضاف إليه الذي هو ضمير الخليل عليه السلام.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَأَمْنًا﴾؛ أي: ذا أمْنٍ، وهو أظهر من جعله بمعنى: اسم الفاعل؛ أي: آمنا على سبيل المجاز.
ومنها: الإضافة لتشريف المضاف في قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ نظير ناقة الله.
ومنها: عطف أحد الوصفين على الآخر في قوله: ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾؛ إفادةً لتباين ما بينهما.
ومنها: ترك عطف إحدى الصفتين على الأخرى في قوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾؛ إفادة بأنَّ المراد منهما شيءٌ واحدٌ وهو الصلاة، إذ لو عطف لتوهّم أنَّ كلا منهما عبادةٌ مستقلة.
ومنها: جمع الصفتين الأوليين جمع سلامة، والأخريين جمع تكسير؛ لغرض المقابلة، وهو نوع من الفصاحة.
ومنها: تأخير صيغة فُعول عن فعَّلٍ؛ لكونها فاصلةً.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ حيث أسند الأمن إلى البلد؛ للمبالغة، مع أنّ المقصود: أمن المتلجىء إليه من إسناد ما للحال إلى المحل.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعيّة في قوله: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ حيث شبه حالة الكافر المذكور، بحالة من لا يملك الامتناع مما اضطر إليه، فاستعمل في المشبَّه ما استعمل في المشبه به.
ومنها: الزيادة والحذف في عدَّة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)}.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله سبحانه وتعالى، لمَّا (١) ذكر العرب بما أنعم عليهم من بناء البيت، وجَعْلِهِ مثابةً للناس وأمْنًا، وبدعاء إبراهيم عليه السلام لقاطن هذا البلد الحرام باستجابته تعالى دعاءَه، إذ جعله بلدًا آمنًا تجبى إليه الثمرات من شاسع الأقطار؛ ليتمتَّع بها أهله، وبعهده إلى إبراهيم وإسماعيل بأن طهّرا بيته للطائفين، والعاكفين، والركّع السجود؛ تنبيهًا لهم إلى أنه لا ينبغي أن يعبد فيه غيره، فيجب تنزيهه عن الأصنام، والتماثيل، وعبادتها الفاسدة انتقل بهم إلى التذكير بأنَّ الذي بنى البيت هو أبوهم إبراهيم الخليل، بمعونة ابنه إسماعيل عليهما السلام؛ ليجذبهم بذلك إلى الاقتداء بسلفهم الصالح الذي ينتمون إليه، ويفاخرون به، وقد كانت قريشٌ تنتسب إلى إبراهيم وإسماعيل، وتدِّعي أنها على ملّة إبراهيم، وسائر العرب في ذلك تَبَعٌ لقريش.
| ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ | إِلَهًا وَاحِدًا﴾. |
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية، قد روي في سبب نزول هذه الآية: أنَّ عبد الله بن سلام، دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرًا إلى الإِسلام، قال لهما: قد علمتما أنَّ الله تعالى قال في التوراة: إنّي باعثٌ من ولد إسماعيل نبيًّا اسمه أحمد، من آمن به فقد اهتدى، ومن لم يؤمن فهو ملعون، فأسلم سلمة، وأَبَى مهاجرٌ الإِسلام، فنزلت فيه هذه الآية، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هي القاعدة، عندهم وفيه تعريضٌ لليهود، والنصارى، ومشركي العرب.
التفسير وأوجه القراءة
ثُمَّ قال تعالى: حكايته عن قصة بناء البيت العتيق:
١٢٧ - ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ﴾ فيه (٢) حكايته حالٍ ماضيةٍ، حيث عبَّر بلفظ المضارع عن الرفع الواقع في الزمان المتقدِّم على زمان نزول الوحي، بأن يقدَّر ذلك الرفع السابق واقعًا في الحال، كَأنَّكَ تُصَوِّرُه للمخاطب، وتُرِيْهِ على وَجْهِ المشاهدةِ والعِيان ﴿الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ جمع
(٢) روح البيان.
فإن قلت: رفع الشيء أن يفصل عن الأرض، ويجعل عاليًا مرتفعًا، والأساس أبدًا ثابتٌ على الأرض، فما معنى رفعه؟
قلت: المراد برفع الأساس: البناء عليه، وعبَّر عن البناء على الأساس برفعه؛ لأنَّ البناء ينقله عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، فيوجد الرفع حقيقةً إلّا أنَّ أساس البيت واحدٌ، وعبَّر عنه بلفظ القواعد باعتبار أجزائه، كأنَّ كُلَّ جزء من الأساس أساسٌ لما فوقه، والمعنى: واذكر يا محمد! وقت رفع إبراهيم أساس البيت؛ أي: الكعبة ﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾ ولده، وكان له أربعة بنين: إسماعيل من هاجر، وإسحاق من سارة، ومدين، ومداين من امرأة أخرى، وهو عطفٌ على إبراهيم، وتأخيره عن المفعول مع أنَّ حقَّ ما عطف على الفاعل أن يُقدَّم على المفعول؛ للإيذان بأنَّ الأصل في الرفع هو إبراهيم وإسماعيل تبعٌ له. قيل: إنّه كان يناوله الحجارة وهو يبنيها.
واعلم: أنَّ رفع الأساس الذي هو البناء عليه، يدلّ على أنَّ البيت كان مؤسَّسا قبل إبراهيم، وأنّه إنما بنى على الأساس الموجودة قبله، واختلف الناس فيمن بنى البيت أوّلًا، وأسَّسَه؟ فقيل: هو الملائكة، وذلك أنَّ الله تعالى لما قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فغضب عليهم، فعاذوا بعرشه، وطافوا حوله سبعة أطواف يسترضون ربهم حتى رضي عنهم، وقال لهم: (ابْنُوا لي بيتًا في الأرض، يتعوَّذ به من سخطت عليه من بني آدم، ويطوف حوله كما طفتم حول عرشي، فأرضى عنهم) فبنوا هذا البيت. وقيل: إنّ الله بنى في السماء
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنّه قال: (لمّا أهبط الله آدم من الجنة إلى الأرض، قال له: (يا آدم! اذهب فَابْنِ لي بيتًا، وطف به، واذكرني عنده كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي) فأقبل آدم يتخطَّى، وطويت له الأرض، وقيِّضت له المفاوز، فلا يقع قدمه على شيء من الأرض إلّا صار عامرًا، حتى انتهى إلى موضع البيت الحرام، وأنَّ جبريل ضرب بجناحه الأرض، فأبرز عن الأسِّ الثابت على الأرض السابعة السفلى، وقدَّمت إليه الملائكة بالصخر، فما يطيق حمل الصخرة منها ثلاثون رجلًا، وأنَّه بناه من خمسة أجبل: طور سيناء؛ وطور زيتاء، ولبنان وهو جبلٌ بالشام، والجوديِّ هو جبلٌ بالجزيرة، وحراء وهو جبلٌ بمكة، وكان رَبَضُهُ من حراء؛ أي: الأساس المستدير بالبيت من الصخر، فهذا بناء آدم) وروي أنَّ الله خلق موضع البيت قبل الأرض بألفي عام، وكانت زُبَيْدةً بيضاء على الماء، فدحيت الأرض من تحته، فلما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض استوحش، فشكا إلى الله، فأنزل الله البيت المعمور من ياقوتةٍ من يواقيت الجنة، له بابان من زمرد أخضر، بابٌ شرقيٌّ، وبابٌ غربيٌّ، فوضعه على موضع البيت، وقال (يا آدم! إنّي أهبطت لك بيتًا، فطف به كما يطاف حول عرشي، وصلّ عنده كما يُصلَّى عند عرشي، وأنزل الحجر، وكان أبيض، فاسودَّ من لمس الحيَّض في الجاهلية. فتوجَّه آدم من أرض الهند إلى مكة ماشيًا، وقيَّض الله له ملكًا يدله على البيت، قيل لمجاهد: لِمَ لَمْ يركب قال: وأيُّ شيء كان يحمله إنَّ خُطْوَتَهُ مسيرة ثلاثة أيام، فأتى مكة، وحجَّ البيت، وأقام المناسك، فلمَّا فرغ تلقَّته الملائكة، فقالوا: برَّ حجُّك يا آدم! لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام).
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: (حَجَّ آدم أربعين حجةً من الهند إلى مكة على رجليه، فبقي البيت يطوف به هو والمؤمنون من ولده إلى أيام الطوفان، فرفعه الله تعالى في تلك الأيام إلى السماء الرابعة، يدخله كُلَّ يوم سبعون ألف ملك، ثمّ لا يعودون إليه، وبعث الله جبرائيل حتى خبأ الحجر الأسود في جبل
وروي أنَّ إبراهيم وإسماعيل لمَّا فرغا من بناء البيت، أعطاهما الله تعالى الخيل جزاء معجَّلًا على رفع قواعد البيت، وكان الخيل قبل ذلك وحشيَّةً كسائر الوحوش، فلمَّا أذن الله لإبراهيم وإسماعيل برفع القواعد، قال الله تعالى: (إنّي معطيكما كنزًا ادّخرته لكما، ثُمّ أوحى إلى إسماعيل أن اخرج إلى أجياد، فادع يأتك الكنز) فخرج إلى أجياد ولا يدري ما الدعاء ولا الكنز، فألهمه الله تعالى، فدعا، فلم يبق على وجه الأرض فرسٌ بأرض العرب إلّا جاءته، فأمكنه من ناصيتها، وذلَّلها له وقال النبي - ﷺ -: "فاركبوها واعلفوها، فإنّها ميامين، وهي ميراث أبيكم إسماعيل" وإنّما سمّي الفرس عربيًّا؛ لأنَّ إسماعيل هو الذي أمر بدعائه، وهو أتى إليه، والعربيُّ: نسبةٌ إلى عربة بفتحتين، وهي باحة العرب؛ لأنَّ أباهم إسماعيل نشأ بها. قيل: كان إبراهيم يتكلَّم بالسريانية، وإسماعيل بالعربية، وكُلُّ واحد منهما يفهم ما يقوله صاحبه، ولا يمكنه التَّفوُّه به. وأمَّا بنيان قريش إياه فمشهور، فخبر الحيَّة في ذلك مذكور، وكانت تمنعهم من هدمه إلى أن
قيل: إنّ قريشًا وجدوا في الركن كتابًا بالسريانية، فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجلٌ من اليهود، فإذا فيه: أنا الله ذو مكة، خلقتها يوم خلقت السموات والأرض، وصوَّرت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاكٍ احتفاءً لا يزول حتى يزول أخشباها، مبارك لأهلها في الماء، واللبن. وعن أبي جعفر: كان باب الكعبة على عهد العماليق، وجرهم، وإبراهيم بالأرض، حتى بنته قريش. وعن عائشة - رضي الله عنها -: سألت رسول الله - ﷺ - عن الجدار، أمن البيت هو؟ قال: "نعم" قلت: فلم لَمْ يدخلوه؟ قال: "إنّ قومك قصرت بهم النفقة" قلت: فما شأن بابه مرتفعًا؟ قال: فعل ذلك قومك، ولو حِدْثَانُهُمْ بالجاهليَّة لهدمت الكعبة، فأُلَزِقُ بابها بالأرض، وجعلت له بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، وزدت فيه ستَّ أذرع من الحِجْر، فإنَّ قريشًا اقتصرتها حيث بنت الكعبة، فهذا بناء قريش. ثُمَّ لمّا غزا أهل الشام عبد الله بن الزبير، ووهنت الكعبة من حريقهم، هدَّمها ابن الزبير وبناها على ما أخبرته عائشة، فجعل لها بابين بابًا يدخلون منه، وبابًا يخرجون منه، وزاد فيه مما يلي الحجر ستَّ أذرعٍ، وكان طولها قبل ذلك ثماني أذرع، ولمَّا زاد في البناء مما يلي الحجر، استقصر ما كان من طولها تسع أذرع، فلمَّا
الأول: بناء الملائكة. روي أنّ الله أمرهم أن يبنوا في كل سماء بيتًا، وفي كل أرض بيتًا. قال مجاهد: هي أربعة عشر بيتًا. روي أنَّ الملائكة حين أسست الكعبة، انشقت الأرض إلى منتهاها، وقذفت الملائكة فيها حجارة، كأمثال الإبل، فتلك القواعد من البيت التي وضع عليها إبراهيم وإسماعيل بناءهما.
الثاني: بناء آدم. روي أنّه قيل له: أنت أوّل الناس، وهذا أوّل بيتٍ وضع للناس.
الثالث: بناء ابنه شيثٍ بالطين والحجارة، فلم يزل معمورًا به، وبأولاده، ومَن بعدهم حتى كان زمن نوح، فأغرقه الطوفان، وغيَّر مكانه.
الرابع: بناء إبراهيم، وقد كان المُبلِّغ له ببنائه جبريل من الملك الجليل، ومن ثمَّ قيل: ليس ثمَّ في هذا العالم بيت أشرف من الكعبة؛ لأنَّ الآمر ببنائها الملك الجليل، والمبلِّغ، والمهندس جبريل، والباني الخليل، والمعين إسماعيل.
الخامس: بناء العمالقة.
السادس: بناء جرهم، والذي بناه منهم هو الحارث بن مضَّاض الأصفر.
السابع: بناء قصيٍّ خامس جدِّ النبي - ﷺ -.
الثامن: بناء قريش وحضره النبيُّ - ﷺ - وهو ابن خمسٍ وثلاثين سنة.
التاسع: بناء عبد الله بن الزبير، وسببه: توهين الكعبة من حجارة المنجنيق
العاشر: بناء الحجاج، وكان بناؤه للجدار الذي من جهة الحجر بكسر الحاء، والباب الغربيُّ المسدود عند الركن اليماني، وما تحت عتبة الباب الشرقيّ، وهو أربع أذرع وشبر، وترك بقية الكعبة على بناء ابن الزبير، واستمرَّ بناء الحجاج إلى الآن. انتهى ملخصًا. وهذا بحسب ما اطلع عليه رحمه الله تعالى، وإلّا فقد بناه بعد ذلك بعض الملوك سنة ألفٍ وتسعٍ وثلاثين، كما نقله بعض المؤرِّخين. اهـ. وقد نظم العشرة الأولى بعضهم، فقال:
| بَنَى بَيْتَ ربِّ العَرْشِ عَشْرٌ فخذْهُمُ | ملائكةُ الله الكِرامِ وآدَمُ |
| فَشِيثٌ فَإبْرَاهِيْمُ ثُمَّ عَمَالِقٌ | قُصَيٌّ قُرَيْشٌ قَبْلَ هَذَينِ جُرْهُمُ |
| وَعَبْدُ الإلهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَنَى كَذَا | بِنَاءٌ لِحَجَّاجٍ وَهَذَا مُتمِّمُ |
ودلت الآية أيضًا (٢) على أنَّ الواجب على كُلِّ مأمور بعبادةٍ وقربةٍ إذا فرغ منها، وأدَّاها كما أمر بها، وبذل في ذلك ما في وسعه أن يتضرَّع إلى الله سبحانه، ويبتهل ليتقبَّل منه، ولا يردَّ عليه، فيضيع سعيه، وأن لا يقطع القول بأنَّ من أدَّى عبادةً وطاعةً تقبل منه لا محالةٍ، إذ لو كان هكذا لما كان لدعائهما بطريق التضرع ليقبل منهما معنًى، فالقبول والردُّ إليه تعالى، ولا يجب عليه شيءٌ
١٢٨ - ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ﴾؛ أي: منقادين لحكمك مخلصين ﴿لَكَ﴾ بالتوحيد والعبادة، لا نعبد إلّا إياك فالمراد بالمسلم: من يجعل نفسه وذاته خالصًا لله تعالى، بأن يجعل التذلُّلَ، والتعظيم الواقع منه لِلِّسانِ، والأركانِ، والجَنَان خالصًا له تعالى، ولا يُعظِّم معه تعالى غيره، ويعتقد بأنَّ ذاتَه، وصفاتِه، وأفعالَه خالصةٌ له تعالى، خلقًا، وملكًا، لا مدخل في شيءٍ منها لأحدٍ سواه، أو المعنى: واجعلنا
(٢) روح البيان.
فإنْ قلت (١): لا شكَّ أنَّهما كانا مخلصين، ومستسلمين في زمان صدور هذا الدعاء منهما.
قلت: المراد طلب الزيادة في الإخلاص، والإذعان، أو الثبات عليه، فهذا تعليمٌ منهما الناس الدعاء؛ للتثبيت على الإيمان، فإنّهما لمّا سألا ذلك مع أمنهما من زواله عنهما، فكيف غيرهما مع خوفه، وسألا أيضًا الثبات على الانقياد، فأجيبا إلى ذلك حتى أسلم إبراهيم للإلقاء في النار، إسماعيل للأمر بالذبح. ﴿وَ﴾ اجعل ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾؛ أي: بعض أولادنا ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾؛ أي: جماعةً منقادة لأمرك، مخلصةً لك بالتوحيد، والطاعة، والعبادة، خاضعةً لعظمتك؛ وإنَّما خصَّا الذريَّة بالدعاء مع أنَّ الأنسب بحال أصحاب الهمم، لا سيما الأنبياء أن لا يخصُّوا ذرّيَّتهم بالدعاء، لكنهما خصّاهم لوجهين:
الأول: كونهم أحقَّ بالشفقة، كما في قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ فدعوا لأولادهما؛ ليكثر ثوابهما بهم، وفي الحديث: "ما مِن رجلٍ من المسلمين، يخلف من بعده ذريةٌ يعبدون الله تعالى، إلّا جعل الله له مثل أجورهم ما عبد الله منهم عابدٌ حتى تقوم الساعة".
والثاني: إنّه وإن كان تخصيصًا صورةً، إلّا أنّه تعميمٌ معنى؛ لأنَّ صلاح أولاد الأنبياء سببٌ وطريقٌ لصلاح العامَّة، فكأنَّهما قالا: وأصلح عامة عبادك بإصلاح بعض ذريّتنا.
وخصَّا البعض من ذريّتهما (٢)؛ لما علما أنَّ من ذريّتهما محسنٌ، وظالمٌ
(٢) روح البيان.
وقد قيل: عمارة الدنيا بثلاثة أشياء: أحدها: الزراعة والغرس، والثاني: الحماية والحرب، والثالث: جلب الأشياء من مصرٍ إلى مصر، ومن أكبَّ على هذه الأشياء، ونسي الموت، والبعث، والحساب، وسعى لعمارة الدنيا سعيًا بليغًا، ودقَّق في إعمال فكره تدقيقًا عجيبًا، فهو متوغِّلٌ في الجهل، والحماقة، ولهذا قيل: لولا الحمقى لخربت الدنيا. ﴿وَأَرِنَا﴾ أي بصرنا، أو عرفنا ﴿مَنَاسِكَنَا﴾؛ أي: مواضع نسكنا، أو أعمال نسكنا، والمناسك: جمع منسكٍ بفتح السين وكسرها، ويحتمل أن يكون المراد به: اسم مكان، فتكون الرُّؤية حنيئذٍ بصريةً، والمعنى: بصّرنا مواضع نسكنا؛ أي: المواضع التي يتعلَّق بها النسك؛ أي: أفعال الحج، نحو: المواقيت التي يحرم منها، والموضع الذي يوقف بعرفة، ومزدلفة، وموضع الطواف، والصفا والمروة، وما بينهما من المسعى، وموضع رمي الجمار، ويحتمل أن يكون المراد به: مصدرًا لا اسم مكان؛ أي: أفعال الحج نفسها لا مواضعها، ويكون جمعه حينئذٍ لاختلاف أنواعه، وتكون الرُّؤية حينئذٍ علميَّةً؛ لأنَّ نفس الأفعال لا تدرك بالبصر بل ترى بعين القلب، والمعنى حينئذٍ: وعرِّفنا أفعال حجنا، وكيفيتها من الطواف، والوقوف، والرمي، والنُّسُك: كُلُّ ما يُتعبَّد به إلى الله تعالى، وشاع في أعمال الحج؛ لكونها أشقَّ الأعمال بحيث لا تتأتَّى إلّا بمزيد سعيٍ واجتهادٍ، فأجاب (١)
| أَرْنَا إدَاوَةَ عَبْدِ الله نَمْلَؤُهَا | مِنْ مَاءِ زَمْزَمٍ إنَّ القَوْمَ قَدْ ظَمِئُوا |
١٢٩ - ﴿رَبَّنَا﴾ ﴿و﴾ يا مَالِكَ أمرِنا ﴿ابعث﴾ وأرسل ﴿فِيهِمْ﴾؛ أي: في جماعة الأمة المسلمة من أولادنا، وهم
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ معطوف على يتلو؛ أي: يعلِّمهم بحسب قوَّتهم النظريَّة معاني الكتاب والقرآن، بتعليمهم ما فيه من دلائل التوحيد، والنبوة، والأحكام الشرعية، فلمَّا ذكر الله تعالى أوَّلًا أمر التلاوة، وهي حفظ القرآن، ودراسته؛ ليبقى مصونًا من التحريف والتبديل، وفيه إشارةٌ إلى فنِّ القراءة، وما يتعلَّق به، ذكر بعده تعليم معانيه، وحقائقه، وأسراره، وفيه إشارةٌ إلى فنِّ التفسير، وما يتعلَّق به ﴿وَ﴾ يعلمهم ﴿الحكمة﴾؛ أي: السنة والحديث، وفهم ما في القرآن، قاله قتادة، وفيه إشارةٌ إلى فنِّ الحديث، وما يتعلَّق به درايةً وروايةً، أو يعلِّمهم ما يُكمّل به نفوسهم من المعارف الحقّة، والأحكام الشرعيَّة. قال أبو بكر ابن دريد: وكُلُّ كلمةٍ وَعَظَتْك، أودعتك إلى مكرمةٍ، أو نَهَتْك عن قبيحٍ، فهي حكمةٌ ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ بحسب قوّتهم العمليَّة؛ أي: يطهِّرهم عن دنس الشرك والوثنيَّة، وفنون المعاصي، سواء كانت بترك الواجبات، أو بفعل المنكرات، وفيه إشارةٌ إلى علم العقائد. ثمَّ إنّ إبراهيم لمَّا ذكر هذه الدعوات الثلاث، ختمها بالثناء على الله تعالى؛ لأنّه أرجى للقبول، فقال: ﴿إِنَّكَ﴾ يا ربَّنا! ﴿أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب الذي لا يغالب ويقهر على ما يريد ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يفعل إلّا ما تقتضيه الحكمة البالغة، والمصلحة العامَّة لعباده، فهو سبحانه عزيزٌ حكيمٌ بذاته، وكُلُّ ما سواه ذليلٌ جاهلٌ في نفسه.
قلت: أجيب عنها بأجوبة كثيرة:
منها: أنّ إبراهيم دعا لمحمد بهذه الدعوات، فأجرى الله سبحانه ذكر إبراهيم على ألسنة أمَّة محمد - ﷺ - إلى يوم القيامة، أداءً لحقٍّ واجبٍ على محمد لإبراهيم عليهما الصلاة والسلام.
ومنها: أنَّ إبراهيم سأل ربَّه بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾؛ أي: أبق لي ثناءً حسنًا في أمّة محمد - ﷺ -.
ومنها: أنّ إبراهيم كان منادي الشريعة في الحجِّ، ومحمدًا كان منادي الإيمان، فجمع الله بينهما في الذكر الجميل إلى غير ذلك من الأجوبة.
١٣٠ - ومَن في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ﴾ للاستفهام الإنكاري التوبيخيِّ، فهو بمعنى: النفي؛ أي: لا يرغب، ولا يعرض ﴿عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ عليه السلام، ولا يترك دينه، وشريعته التي منها ما أرسل به محمدٌ - ﷺ - ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾؛ أي: إلا من استخفَّ، وأذلَّ، وامتهن نفسه، وأهلكها، وخسَّرها، وجهل قدرها بأن لم يعلم أنّها مخلوقةٌ لله، يجب عليها عبادة خالقها؛ لأن من عبد غير الله فقد جهل نفسه؛ لأنّه لم يعترف بأنَّ الله خالقها، وقد ورد: (من عرف نفسه فقد عرف ربّه). وعنى بذلك اليهود، والنصارى، ومشركي العرب لاختيارهم اليهوديَّة، والنصرانيَّة، والوثنية، على الإسلام.
فائدة: فالمِلَّة والدّين والشريعة بمعنى واحد، وهي: الأحكام التي شرعها الله تعالى لعباده للتَّعبُّد بها، فمن حيث إملاء الرسول إيَّاها علينا تسمَّى ملَّةً، ومن حيث إنَّها شرعها الله على لسان رسوله تسمَّى شريعةً، ومن حيث إنّا نتديَّن بها
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ﴾ متعلق (٢) بقوله: ﴿لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: لمن المشهود لهم بالثبات على الاستقامة، والخير، والصلاح، فمن كان صفوة العباد في الدنيا، مشهودًا له في الآخرة بالصلاح، كان حقيقًا بالاتباع، لا يرغب عن مِلَّتَهِ إلّا سفيهٌ؛ أي: في أصل الخلقة، أو متسفِّهٌ يتكلَّف السَّفاهة بمباشرة أفعال السفهاء باختياره، فيذلُّ نفسه بالجهل، والإعراض عن النظر، والتأمُّل، وفي قوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ بشارةٌ عظيمةٌ له في الدنيا بصلاح الخاتمة، ووعد له بذلك، وكم من صالحٍ في أوَّل حاله ذهب صلاحه في ماله، وكان في
الآخرة لعذابه، ونكاله، كبلعم بن باعوراء، وبرصيصا، وقارون. والمعنى (٣): أي: إنّ ملتكم هي ملة أبيكم إبراهيم الذي إليه تنسبون، وبه تفخرون، فكيف ترغبون وتحتقرون عقولكم، وتدعون أولياء من دون الله لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا؟! ولقد اجتبيناه من بين خلقنا، وجعلنا في ذريته أئمةً يهدون بأمرنا، وجعلناه في الآخرة من المشهود لهم بالخير، والصلاح، وإرشاد الناس للعمل بهذه الملّة، ولا شكّ (٤) أنَّ ملّةً هذا شأنها، وبها كانت له المكانة عند ربّه، لا يرغب عنها إلّا سفيهٌ يعرض عن التأمل في ملكوت السموات والأرض، ورؤية الآثار الكونية
(٢) روح البيان.
(٣) المراغي.
(٤) المراغي.
١٣١ - قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ﴾ متعلِّق باصطفيناه، وتعليلٌ له؛ أي: اصطفيناه واخترناه ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾؛ أي: أخلص دينك لربّك، واستقم على الإِسلام، واثبت عليه، وذلك حين كان في الرب، ونظر إلى الكواكب، والقمر، والشمس، فألهمه الله الإخلاص ﴿قَالَ﴾ إبراهيم ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: أخلصت ديني له، كقوله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية. وقد امتثل ما أمر به من الإخلاص والاستسلام، وأقام على ما قال، فسلَّم القلب، والنفس، والولد، والمال، ولمَّا قال له جبريل حين ألقي في النار: هل لك من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، فقال: ألا تسأل ربَّك؟ فقال: حسبي بسؤالي علمه بحالي.
وقيل: الظرف متعلق بمحذوف، كنظائره، تقديره: واذكر يا محمد! لأمَّتك قصة ﴿إذ قال له﴾؛ أي: لإبراهيم ﴿رَبُّهُ﴾ سبحانه وتعالي ﴿أَسْلِمْ﴾؛ أي: أخلص دينك وعملك لله ﴿قَالَ﴾ إبراهيم ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: أخلصت ديني وعملي لمالك الخلائق، ومدبِّرها، ومحدثها، ويقال: قال له ربُّه حين ألقي في النار: أسلم نفسك إليَّ. قال: أسلمت نفسي لله ربِّ العالمين؛ أي: فوَّضْتُ أمري إليه، وقد حقَّق ذلك حيث لم يستعن بأحدٍ من الملائكة حين ألقي في النار.
قال أهل التفسير (١): إنّ إبراهيم ولد في زمن النمروذ بن كنعان، وكان النمروذ أوّل من وضع التاج على رأسه، ودعا الناس إلى عبادته، وكان له كُهَّانٌ ومنجِّمون، فقالوا له: إنّه يولد في بلدك في هذه السنة غلامٌ يغيِّر دين أهل الأرض، ويكون هلاكك، وزوال ملكك على يديه. قالوا: فأمر بذبح كُلِّ غلام يولد في ناحيته في تلك السنة، فلمَّا دنت ولادة أُمّ إبراهيم، وأخذها المخاض خرجت هاربةً مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها، فولدته في نهرٍ يابسٍ، ثُمَّ لفَّته في خرقةٍ، ووضعته في حلفاء، وهو نبتٌ في الماء، يقال له بالتركي: حَصِير قَمشَي، ثُمَّ رجعت فأخبرت زوجها بأنَّها ولدت، وأنَّ الولد في موضع كذا، فانطلق أبوه، فأخذه من ذلك المكان، وحفر له سُرْبًا؛ أي: بيتًا في الأرض
والحاصل (١): أنّ إبراهيم مستسلم للربّ الكريم، وأنّه على الصراط المستقيم، لا يرغب عن طريقته إلّا من سفه نفسه؛ أي: لم يتفكَّر فيها كما تفكَّر إبراهيم في الأنفس، والآفاق، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ والسَّفاهة: الجهل وضعف الرأي، وكلُّ سفيه جاهلٌ، وذلك أنَّ من عبد غير الله فقد جهل نفسه؛ لأنّه لم يعرف الله خالقها، ولمَّا كمل إبراهيم في نفسه كمَّل غيره بالتوصية المذكورة في قوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾. قرأ نافع وابن عامر ﴿وأوصى﴾ بالهمزة
١٣٢ - ﴿وَوَصَّى﴾ وبها متعلق بوصَّى، والضمير عائدٌ على الملَّة المذكورة في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ وبه قال الزمخشري، أو الكلمة التي هي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والتوصية: هي التقديم إلى الغير بما فيه خيرٌ وصلاحٌ من قول، أو فعل على وجه التفضُّل والإحسان، سواءٌ كان أمرًا دينيًّا، أو دنيويًّا، وأصلها: الوصل، يقال: وصَّاه إذا أَوْصَلَه، وهي أبلغ من الإيصاء؛ أي: وأوصى إبراهيم عليه السلام بالملّة المذكورة في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ أو بكلمة: أسلمت لله ربّ العالمين، أو بكلمة: لا إله إلّا الله ﴿بَنِيهِ﴾؛ أي: أولاده الذُّكور، وقد سبق أنّهم كانوا أربعة: إسماعيل، وإسحاق، ومدين، ومدائن. وقيل (١): هم ثمانية: إسماعيل وهو أكبر أولاده، وأُمُّهُ هاجر القبطية، وإسحاق وأمّه سارةُ، ومدين، ومداين، وبُقْشَانُ، وزُمْرَانُ، وشَبقٌ، ونُوحٌ، وأمُّهم قنَطْوُراءُ بنتُ يَقْطَنَ الكنعانيةُ، تزوَّجها إبراهيم بعد وفاة سارة. وقيل أولادهُ: أربعة عشرة، والذي بقي نسله من هؤلاء الثمانية: إسماعيل، وإسحاق والمعنى: أي: أمر إبراهيم عليه السلام بنيه عند موته باتباع هذه الملة الحنيفية، وإنّما خصَّهم بهذه الوصية؛ لأنّ شفقة الرجل على بنيه أكثر من شفقته على غيرهم، وقيل: لأنّهم كانوا أئمّة يقتدى بهم، وكان صلاحهم صلاحًا لغيرهم. ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ بن إسحاق بالرفع عطفًا على إبراهيم؛ أي: ووصّى يعقوب بنيه عند موته بهذه الملة، كوصيّة إبراهيم، وقرىءَ بالنصب عطفًا على بنيه، والمعنى: ووصى إبراهيم بنيه ويعقوب نافلته بهذه الملة عند موته. وقرأ الجمهور ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ بالرفع. وقرأ إسماعيل بن عبد الله المكيُّ الضرير، وعمر بن فائد الأسواريُّ بالنصب، فأمَّا قراءة الرفع فتحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون معطوفًا على إبراهيم، ويكون دَاخِلًا في حكم توصية بنيه؛ أي: ووصى يعقوب بنيه.
الثاني: أن يكون مرفوعًا على الابتداء، وخبره محذوف، تقديره: ويعقوب
وأمّا قراءة النصب فيكون عليها معطوفًا على بنيه؛ أي: ووصَّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب نافلته؛ أي: ابن ابنه إسحاق، وكان (١) جملة أولاد يعقوب اثني عشر: روبين، وشمعون، ولاوى، ويهوذا، وشنوخون، وزبولون، وزَوَابِي، ونَفْتُونِي، وكُوْدا، وأوشيز، وبنيامين، ويوسف، وسُمّي يعقوب؛ لأنّه مع أخيه عَيْصُو كانا توأمين، فتقدَّم عيصو في الخروج من بطن أمِّه، وخرج يعقوب على أثره آخذًا بعقبه، وذلك أنَّ أُمَّ يعقوب حملَتْ في بطنٍ واحد بولدين توأمين، فلمَّا تكامل عدَّةٌ أشهر الحمل، وجاء وقت الوضع تكلَّما في بطنها وهي تسمع، فقال: أحدهما للآخر: طرِّق لي حتى أخرج قبلك، وقال الآخر: لئن خرجت قبلي لأشُقَّن بطنها حتى أخرج من خصرها، فقال الآخر: اخرج قبلي، ولا تقتل أمي. قال: فخرج الأول فسمَّته عيصو؛ لأنَّه عصاها في بطنها، وخرج الثاني وقد أمسك بعقبه فسمَّته يعقوب، فنشأ عيصو بالغلظة والفظاظة، صاحب صَيْدٍ وقَنَصٍ، ويعقوب بالرحمة واللين، صاحب زرع وماشية.
وروي: أنّهما ماتا في يوم واحد، ودُفنا في قبر واحد. قيل: عاش يعقوب مائةً وسبعًا وأربعين سنة بمصر، وأوصى أن يحمل إلى الأرض المقدَّسة، ويدفن عند أبيه إسحاق، فحمله يوسف فدفنه عند أبيه. وقال المؤرِّخون: نقل إبراهيم ولده إسماعيل إلى مكة وهو رضيعٌ، وقيل: ابن سنتين، وقيل: ابن أربع عشرة سنة، وولد قبل إسحاق بأربع عشرة سنة، ومات إسماعيلُ وله مائةٌ وثلاثون سنة، وكان لإسماعيل حين مات أبوه إبراهيم تسعٌ وثمانون سنةً، وعاش إسحاق مائةً وثمانين سنةً، ومات بالأرض المقدَّسة، ودفن عند أبيه، وكان بين وفاة إبراهيم الخليل ومولد محمد - ﷺ - نحوٌ من ألف سنةٍ وستمائة سنة، على ما قيل واليهود تنقص من ذلك نحوًا من أربعمائة سنة، وقوله: ﴿يَا بَنِيَّ﴾ على إضمار القول عند البصريين، تقديره: ووصَّى بها بنيه، وقال ﴿يَا بَنِيَّ﴾ الخ. وذلك؛ لأنّ يا بني
أحدهما: أنّه مقول إبراهيم، وذلك على القول بعطف يعقوب على إبراهيم، وهو الأظهر كما مرّ، ومقول يعقوب محذوفٌ؛ لدلالة مقول إبراهيم عليه، والتقدير: ووصَّى بها إبراهيم بنيه، وقال: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ الخ. ووصى بها يعقوب بنيه، وقال: ﴿يَا بَنِيَّ﴾ الخ.
والثاني: أنه من مقول يعقوب؛ إن قلنا رفعه بالابتداء، ومقول إبراهيم محذوف؛ لدلالة مقول يعقوب عليه، والتقدير: ووصَّى بها إبراهيم بنيه، وقال: ﴿يَا بَنِيَّ...﴾ الخ. ويعقوب وصَّى بها بنيه، وقال: ﴿يَا بَنِيَّ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿اصْطَفَى﴾ واختار ﴿لَكُمُ﴾ من بين الأديان ﴿الدِّينَ﴾؛ أي: دين الإِسلام الحنيفي الذي هو صفوة الأديان، ولا دين عنده غيره، والألف واللام في الدين للعهد؛ لأنهم كانوا قد عرفوا، كما في "الكرخي" ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ﴾؛ أي: لا يصادفنكم الموت في الظاهر، وفي الحقيقة: نهى عن ترك الإِسلام؛ لأنَّ الموت ليس في أيديهم، فكأنَّه قال: لا تموتوا على حالةٍ غير حالة الإِسلام، فليس فيه نهيٌ عن الموت الذي هو قَهْريٌّ، والاستثناء مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوال ﴿وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محلِّ النصب على الحال، والعامل فيها ما قبل ﴿إِلَّا﴾، كأنه قال: لا تموتنَّ على حالٍ من الأحوال إلّا على هذه الحالة التي هي اتصافكم بالإِسلام.
والمعنى: أي فاثبتوا على الإِسلام حتى تموتوا مسلمين مخلصين له تعالى بالتوحيد والعبادة، والمراد: نهيهم عن ترك الإِسلام، وأمرهم بالثبات عليه إلى مصادفة الموت، وإلَّا فالموت قهريٌّ ليس باختيارهم. وذلك حين دخل يعقوب مصر، فرأى أهلها يعبدون الأصنام، فأوصى بنيه بأن يثبتوا على الإِسلام، فإنَّ موتهم لا على حال الثبات على الإِسلام موتٌ لا خير فيه، وأنَّه ليس بموت السعداء، وأنَّ من حقّ هذا الموت أن لا يحلَّ فيهم. وتخصيص الأبناء بهذه
١٣٣ - ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ وأم فيه منقطعةٌ مقدَّرةٌ ببل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري. قال في "التيسير": أم إذا لم يتقدَّمها ألف الاستفهام كانت بمنزلة مجرَّد الاستفهام، ومعنى الهمزة فيها الإنكار، والشهداء: جمع شهيد بمعنى حاضر؛ أي: بل كنتم يا معشر اليهود! حاضرين وصيّة يعقوب، ﴿إِذْ حَضَر﴾ وقرىء بكسر (١) الضاد ﴿يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ وقرأ الجمهور (٢) بنصب يعقوب، ورفع الموت، وقرىء بالعكس، والمعنيان متقاربان، أي: أكنتم حاضرين يعقوب حين حضره أسباب الموت ومقدّماته؟ أي: (٣) إنّكم لم تحضروا ذلك فلا تدَّعوا على أنبيائي ورسلي الأباطيل، وتنسبوهم إلى اليهوديَّة، فإنّي ما ابتعثت خليلي إبراهيم، وولده، وأولاده إلا بدين الإِسلام، وبذلك وصّوا أولادهم، وبه عهدوا إليهم.
ثُمَّ بيَّن ما قال يعقوب لبنيه بقوله سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ﴾ يعقوب، ﴿إِذْ﴾ بدلٌ من إذ الأولى بدل اشتمال، والعامل فيهما شهداء، أو ظرفٌ لحضر، أي: أكنتم حاضرين وصيّته؟ إذ قال: ﴿لِبَنِيهِ﴾؛ أي: لأولاده الاثني عشر ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾؛ أي: أيَّ شيء تعبدونه؟ ﴿مِنْ بَعْدِي﴾؛ أي: من بعد موتي، أراد به تقريرهم على التوحيد والإِسلام، وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما؛ أي: فأنتم لم تحضروا وصيته، فكيف تنسبونه إلى اليهودية؟ قيل: إنّ الله تعالى لم يقبض نبيًّا حتى يخيّره بين الحياة والموت، فلمَّا خيِّر يعقوب، وكان قد رأى أهل مصر يعبدون الأوثان والنيران، قال: أنظروني حتى أسأل أولادي، وأوصيهم، فأمهل، فجمع أولاده،
(٢) العكبري.
(٣) الخازن.
وتمَّ الإنكار عليهم عند قوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ ثُمَّ استأنف وبيَّن أنَّ الأمر قد جرى على خلاف ما زعموا، فقال: و ﴿قَالُوا﴾ كأنَّه قيل: فماذا قال أولاد يعقوب؟ فقيل: قالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ ربَّ العالمين ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ معبود الأولين والآخرين، وأعيد ذكر الإله؛ لئلَّا يعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار. وقرأ الجمهور ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾. وقرأ أُبيٌّ ﴿وإلهَ إبراهيم﴾ بإسقاط آبائك. وقرأ ابن عباس، والحسن، وابن يعمر، والجحدريُّ وأبو رجاء ﴿وإله أبيك﴾ وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ عطف بيان لآبائك، أو بدل تفصيل له؛ أي: نعبد الإله المتفق على وجوده، وإلهيته، ووجوب عبادته، وقدَّم إسماعيل؛ لأنّه كان أكبر من إسحاق، وجعله من جملة آبائه مع كونه عمًّا له؛ تغليبًا للأب والجدِّ؛ ولأنَّ العمَّ أبٌ، والخالة أُمٌّ؛ لانْخِرَاطِهما في سلكٍ واحدٍ، وهو الأخوَّة لا تفاوت بينهما، ولقوله - ﷺ - في العباس: "هذا بقيَّة آبائي" وفي "الصحيحين": "عمُّ الرجل صنو أبيه"؛ أي: مثله في أنَّ أصلهما واحدٌ؛ أي: لا تفاوت بينهما، كما لا تفاوت بين صنوي النخلة. وقوله: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ بدلٌ من ﴿إله آبائك﴾ كقوله تعالي: ﴿بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ وفائدته: التصريح بالتوحيد، ودفع التوهُّم الناشىء من تكرار المضاف لتعذّر العطف على المجرور، والتأكيد، أو
١٣٤ - ﴿تِلْكَ﴾ الجماعة المذكورة التي هي إبراهيم، ويعقوب، وبنوهما المُوحِّدون ﴿أُمَّةٌ﴾؛ أي: جماعةٌ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ ومضت وسلفت بالموت، والأمَّة في الأصل: المقصود، كالعهدة بمعنى: المعهود، وسمّي بها الجماعة؛ لأنَّ فِرَقَ الناس تؤمُّها؛ أي يقصدونها، ويقتدون بها، وهي خبر تلك، وجملة قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ نعتٌ لأمّةٍ؛ تلك الجماعة المذكورة أمّةٌ قد خلت ومضت بالموت، وانفردت عمَّن عداها، وأصله: صارت إلى الخلاء، وهي الأرض التي لا أنيس بها ﴿لَهَا﴾؛ أي: لتلك الأمة ﴿مَا كَسَبَتْ﴾؛ أي: جزاء ما عملت من الخيرات، ودَعُوا يا معشر اليهود والنصارى! ذِكْرهم، ولا تقولوا عليهم ما ليس فيهم، وتقديم المسند؛ لقصره على المسند إليه؛ أي: لها كسبها لا كسب غيرها ﴿وَلَكُمْ﴾ يا معشر اليهود والنصارى ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ لا كسب غيركم؛ أي: جزاء ما كسبتموه من العمل، أي: إنَّ أحدًا من الناس لا ينفعه كسب غيره متقدِّمًا كان أو متأخرًا، فكما أنَّ أولئك لا ينفعهم إلّا ما اكتسبوا، فكذلك أنتم لا ينفعكم إلّا ما اكتسبتم، فلا ينفعكم الانتساب إليهم، بل إنّما ينفعكم موافقتهم واتباعهم ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: لا تؤاخذون بسيئات الأمّة الماضية، كما أنهم لا يؤاخذون بسيئاتكم، بل كُلُّ فريق يسأل عن عمله لا عن عمل غيره، ففي الكلام حذفٌ، تقديره ولا يسألون عما كنتم تعملون، ودلَّ على المحذوف قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ وذلك لمَّا ادعى اليهود أنَّ يعقوب عليه السلام مات على اليهودية، وأنه عليه السلام، وصَّى بها بنيه يوم مات، ورُدُّوا بقوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ الآية، قالوا: هب أنَّ الأمر كذلك، أليسوا آباءنا، وإليهم ينتمي نسبنا؟ فلا جرم ننتفع بصلاحهم، ومنزلتهم عند الله تعالى. قالوا ذلك: مفتخرين بأوائلهم، فرُدُّوا بأنّهم لا ينفعهم انتسابهم إليهم، وإنَّما ينفعهم اتباعهم في الأعمال، فإنَّ أحدًا لا ينفعه كسب غيره، كما روي عن النبي - ﷺ -: "يا صفية عمة محمد! يا فاطمة بنت محمد! ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم، فإنّي لا أغني عنكم من الله
قال الشاعر:
| أَتَفْخَرُ باتّصالِكَ مِنْ عَلِيٍّ | وَأصْلُ البَوْلَةِ الماءُ القَراحُ |
| وَلَيْسَ بِنَافِعٍ نسَبٌ زكّي | يُدَنِّسُهُ صَنَائِعُكَ القِبَاحُ |
إذا طَابَ أصْلُ المَرْءِ طَابَتْ فُرُوعُهُ
فباعتبار الغالب، فمن عادته تعالى أن يخرج الحيَّ من الميت، والميت من الحيّ.
الإعراب
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾:
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد! قصّة ﴿إذ يرفع إبراهيم﴾، والجملة معطوفة على جملة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾. ﴿يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿مِنَ الْبَيْتِ﴾ جار ومجرور حال من ﴿الْقَوَاعِدَ﴾. ﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾ معطوف على إبراهيم ﴿رَبَّنَا﴾ منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء وما بعدها في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: يقولان: ربّنا تقبّل منا، وجملة القول المحذوف حال من إبراهيم وإسماعيل، كما أشرنا إليه في الحلّ ﴿تَقَبَّلْ﴾ فعل دعاء وفاعل مستتر يعود على الله سبحانه ﴿مِنَّا﴾ جار
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾:
﴿رَبَّنَا﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول للقول المحذوف ﴿وَاجْعَلْنَا﴾ الواو عاطفة ﴿اجعلنا﴾ فعل ومفعول أوّل، وفاعل مستتر يعود على الله ﴿مُسْلِمَيْنِ﴾ مفعول ثان ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور متعلق بمسلمين، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على المفعول الأول في قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا﴾؛ أي: على كونه متعلقًا بمحذوف، تقديره: واجعل من ذرّيتنا أمّة مسلمة، وإن شئت قلت: الواو عاطفة ﴿مِنْ﴾ اسمٌ بمعنى بعض في محل النصب معطوفٌ على المفعول الأول في قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا﴾ ﴿منْ﴾ مضافٌ ﴿ذريّة﴾ مضافٌ إليه ﴿ذرية﴾ مضافٌ (نا) مضاف إليه، ﴿أُمَّةً﴾ مفعول ثانٍ ﴿مُسْلِمَةً﴾ صفةٌ لأمة ﴿لَكَ﴾ متعلِّق بمسلمة ﴿وَأَرِنَا﴾ الواو عاطفة ﴿أرنا﴾ فعل ومفعول أوّل، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿مناسكنا﴾ مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿تقبل﴾ على كونها مقولًا للقول المحذوف، ﴿وَتُبْ﴾ الواو عاطفة ﴿تب﴾ فعل دعاءٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿تقبل﴾، ﴿عَلَيْنَا﴾ جار ومجرور متعلق بتب ﴿إِنَّكَ﴾ ناصب واسمه ﴿أَنتَ﴾ ضمير فصل ﴿التَّوَّابُ﴾ خبر أول، لـ ﴿إنَّ﴾ ﴿الرَّحِيمُ﴾ خبر ثان لها، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة؛ لتعليل ما قبلها على كونها مقولًا للقول المحذوف.
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾.
﴿رَبَّنَا﴾ منادى مضاف، والجملة في محل النصب مقول للقول المحذوف، ﴿وَابْعَثْ﴾ الواو عاطفة ﴿بعث﴾ فعل دعاء سُلُوكًا مسلك الأدب مع الباري جلَّ
﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾:
﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل الرفع بدل من فاعل ﴿يَرْغَبُ﴾، أو في محل النصب على الاستثناء ﴿سَفِهَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿نَفْسَهُ﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿وَلَقَدِ﴾ الواو استئنافية، واللام موطئة للقسم، ﴿قد﴾ حرف تحقيق، ﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ جار ومجرور متعلق باصطفينا ﴿وَإِنَّهُ﴾ الواو عاطفة، أو استئنافية ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ متعلق بالصالحين، أو حال من الضمير المستكن في الظرف الخبري ﴿لَمِنَ﴾ اللام حرف ابتداء ﴿من الصالحين﴾ جار ومجرور خبر ﴿إنّ﴾؛ أي: وإنّه لكائن من الصالحين؛ أي: الفائزين في الآخرة، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة، أو معطوفة على جملة القسم المذكور قبلها.
{إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ
﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف، تقديره: اذكر، والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿قَالَ﴾ فعل ماض ﴿لَهُ﴾ متعلق بقال ﴿رَبُّهُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿أَسْلِمْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر والجملة في محل النصب مقول قال (قال) فعل ماضي وفاعل مستتر يعود على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾، والجملة مستأنفة ﴿أَسْلَمْتُ﴾ فعل وفاعل ﴿لِرَبِّ﴾ متعلق بأسلمت، ﴿الْعَالَمِينَ﴾ مضاف إليه، وجملة ﴿أَسْلَمْتُ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَوَصَّى﴾ الواو استئنافية ﴿وَصَّى﴾ فعل ماض ﴿بِهَا﴾ متعلق بوصى ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ فاعل ﴿بَنِيهِ﴾ مفعول به منصوب بالياء؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم، والهاء ضمير متصل في محل البحر مضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ بالرفع معطوف على إبراهيم وهو الأظهر، ومفعوله محذوف، تقديره: ووصّى يعقوب بنيه أيضًا، أو مبتدأ خبره محذوف، تقديره: ويعقوب قال: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ ومفعول ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ﴾ محذوف؛ لعلمه ممَّا بعده، والجملة الإسمية معطوفة على جملة ﴿وصَّى بها إبراهيم﴾، وبالنصب معطوفٌ على ﴿بَنِيهِ﴾ كما سبق في مبحث التفسير في ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ مقول محكي للقول المحذوف الواقع حالًا من فاعل ﴿وصى﴾ والتقدير: ووصى بها إبراهيم حال كونه قائلًا يا بني إنّ الله. الخ. وإن شئت قلت: ﴿يَا بَنِيَّ﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء، ﴿بني﴾ منادى مضاف منصوب وعلامة نصبه الياء المدغمة في ياء المتكلم؛ لأنّه ملحق بجمع المذكر السالم؛ لأنّ أصله يا بنين لي ﴿بني﴾ مضاف، وياء المتكلم في محل الجر مضاف إليه، وجملة النداء في محل النصب مقول لقال المحذوفة ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه، ﴿اصْطَفَى﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهَ﴾ ﴿لَكُمُ﴾ متعلق باصطفى، ﴿الدِّينَ﴾ مفعول به وجملة ﴿اصْطَفَى﴾ خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب مقول لقال المحذوفة ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ﴾، الفاء عاطفة تفريعية ﴿لَا﴾ ناهية جازمة ﴿تَمُوتُنَّ﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل الرفع فاعل، والنون المشددة حرف توكيد، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة مفرعة على جملة ﴿إنَّ﴾ على
﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾.
﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه ﴿شُهَدَاءَ﴾ خبره، وجملة كان مستأنفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بشهداء ﴿حَضَرَ﴾ فعل ماض ﴿يَعْقُوبَ﴾ مفعول به ﴿الْمَوْتُ﴾ فاعل، والجملة في محل البحر مضاف إليه لإذ ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان بدل من ﴿إِذْ﴾ الأولى، فيكون متعلِّقًا بشهداء، أو متعلِّقٌ بحضر ﴿قَالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير ﴿يَعْقُوبَ﴾، والجملة الفعلية في محل البحر مضاف إليه لإذْ ﴿لِبَنِيهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بقال ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ مقول محكي لقال، وإن شئت قلت: ﴿مَا﴾ اسم استفهام في محل النصب مفعول مقدّم وجوبًا لتعبدون، ﴿تَعْبُدُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلِّق بتعبدون، أو بمحذوف حال من فاعل تعبدون، ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ إلى آخر الآية، مقولٌ محكيٌّ لقالوا، وإن شئت قلت: ﴿نَعْبُدُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على أولاد يعقوب، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿إِلَهَكَ﴾ مفعول به ومضاف إليه ﴿وَإِلَهَ﴾ الواو عاطفة ﴿إِلَهَ﴾ معطوف على ﴿إِلَهَكَ﴾ ﴿إِلَهَ﴾ مضاف ﴿آبَائِكَ﴾ مضاف إليه ﴿آباء﴾ مضاف، والكاف مضاف إليه ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ بدل من ﴿آبَائِكَ﴾ بدل تفصيل من مجمل تبعه بالجر، وعلامة جره الفتحة ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ معطوفان على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ وإنّما كرَّر إله؛ ليصحَّ عطف ﴿آبَائِكَ﴾ على ضمير المخاطب المجرور بإضافة ﴿إلهٍ﴾ إليه؛ أعني: ﴿إِلَهَكَ﴾ كما قال ابن مالك:
| وعَوْدُ خَافضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى | ضَمِيرِ خَفْضٍ لاَزِمًا قَدْ جُعِلاَ |
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾.
﴿تِلْكَ﴾ تي: اسم إشارة يشار به للمفردة المؤنثة البعيدة في محل الرفع مبتدأ، مبنيٌّ بسكون على الياء المحذوفة، للتخلُّص من التقاء الساكنين، لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا؛ لأنَّ أصله: تِي كذِي، فالياء جزء الكلمة عند البصريين، وقال الكوفيون: التاء وحدها هي اسم الإشارة، والياء زائدةٌ، وعلى كلا المذهبين حذفت الياء؛ لالتقاء الساكنين مع اللام؛ لسكونها وسكون اللام بعدها، واللام لبعد المشار إليه، والكاف حرف قال على الخطاب ﴿أُمَّةٌ﴾ خبر، والجملة مستأنفة ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق ﴿خَلَتْ﴾ فعل ماض مبني بفتحة مقدّرة على الألف المحذوفة؛ للتخلص من التقاء الساكنين؛ لأنّه فعل معتلٌّ بالألف، والتاء علامة تأنيث الفاعل، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿أُمَّةٌ﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع صفةٌ أولى لأمَّةٍ ﴿لَهَا﴾ جار ومجرور خبر مقدّم ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخّر، والجملة الإسمية في محل الرفع صفة ثانية لأمّة، أو في محل النصب حالٌ من الضمير في ﴿خَلَتْ﴾ أو مستأنفة وهو أولى، وجملة ﴿كَسَبَتْ﴾ صلةٌ لما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما كسبته ﴿وَلَكُمْ﴾ الواو استئنافية ﴿لكم﴾ خبر مقدّم ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، والجملة مستأنفة، وجملة ﴿كَسَبْتُمْ﴾ صلةٌ لما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما كسبتموه ﴿وَلَا﴾ الواو استئنافية ﴿لَا﴾ نافية ﴿تُسْأَلُونَ﴾ فعل
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ قال الكسائي، والفراء: القواعد: الجدر جمع جدار، ككتاب، وكتب: الحائط. وقال أبو عبيدة: القواعد: الأساس، وأساس البناء أصله الثابت في الأرض. وقال بعضهم: القواعد: جمع قاعدةٍ، والقاعدة: هي ما يقعد ويقوم عليه البناء من الأساس، أو من السَّافات (طاقات البناء)، ورفعُها إعلاءُ البناء عليها، قال الشاعر:
| في ذِرْوَةٍ مِنْ بِقَاعِ أوَّلِهِم | زَانَتْ عَوالِيهَا قَواعِدُهَا |
﴿وَأَرِنَا﴾ أصلُه: أَرْءِيْنَا، أمرٌ من أرى الرباعيِّ، فالهمزة الثانية عين الكلمة، والياء لامها، فحذفت الياء؛ لأجل بناء الفعل، فصار أرئنا بوزن أَفْعِنا، ثُمَّ نقلت
| طاتا افْتِعَالٍ رُدَّ إثر مُطْبَقِ | في ادَّان وازْدَدْ وادَّكِر دالًا بَقي |
﴿فَلَا تَمُوتُنَّ﴾ أصله: تموتونن بثلاث نونات، الأولى علامة الرفع، والثانية
البلاغة
وقد تضمَّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التعبير بصيغة الاستقبال في قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾؛ لحكاية الحال الماضية، ومعنى حكاية الحال الماضية: أن يفرض ويقدَّر الواقع الماضي واقعًا وقت التكلم، ويخبر عنه بالمضارع الدال على الحال، وفي ذلك غرضٌ معروفٌ عند أهل المعاني، وهو استحضار الصورة الماضية، كأنّها مشاهدة بالعيان، فكأنَّ السامعُ ينظرُ إلى البُنْيانِ وهو يرتفعُ، والبَنَّاءِ وهو إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾؛ لأنه على تقدير القول؛ أي: يقولان: ربَّنا تقبَّل منَّا.
ومنها: الاستفهام الإنكاري الذي يراد به التقريع، والنفي في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ لأنَّ الجملة واردةٌ مورد التوبيخ والتقريع للكافرين، كما
ومنها: التأكيد بإنَّ واللام معًا في قوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ مع أنَّه أكَّد باللام فقط فيما قبله؛ أعني: قوله: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾؛ إشعارًا بأنَّ الجملة الثانية محتاجةٌ لمزيد التأكيد دون الأولى، وذلك أنَّ كونه في الآخرة من الصالحين أمرٌ مغيَّبٌ، فاحتاج الإخبار عنه إلى زيادة تأكيد، وأمَّا اصطفاء الله تعالى له في الدنيا، فأمر مشاهدٌ نقله جيلٌ عن جيل.
ومنها: الالتفات من التكلم في قوله: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾؛ لأنَّ الأسماء الظاهرة من قبيل الغيبة، إذ مقتضى السياق أن يقال: إذ قلنا له أسلم، وكذا قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إذ مقتضاه أن يقال: أسلمت لك؛ لأنَّ الالتفات من المحسِّنات البديعة، ولهم فيه غرضٌ، والغرض من الالتفات في الأوَّل؛ إظهار مزيد اللُّطف به، والاعتناء بتربيتِهِ بذكر عنوان الربوبية، وفي الثاني: الإيذان بكمال قوّة إسلامه، والإشارة إلى أنَّ من كان ربًّا للعالمين لا يليق به إلّا أن يُتلقَّى أمره بالقبول، والإذعان، والخضوع...
ومنها: التعبير بما الموضوعة لغير العاقل دون مَن الموضوعة للعاقل في قوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾؛ لأنَّ المعبودات في ذلك الوقت كانت من غير العقلاء، كالأوثان، والأصنام، والشمس، والقمر، فاستفهم بما التي لغير العاقل، فَعرَف بَنوُهُ ما أَرَادَ، فأجابوه بالحق، إذ الجواب على وَفْقِ السؤال، ففيه مطابقة الكلام لمقتضَى الحال.
ومنها: فنُون البلاغة التي تضمَّنها قولُه: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ إلى آخره.
ومنها: الاطراد وهو: أن يذكر المتكلم أسماء آباء المخاطب مرتَّبةً على طبق ترتيبها في الميلاد، فقد تجاوز جدَّهم الأدنى إلى جدِّهم الأعلى؛ لكونه المبتدأ بالملة المتبعة.
ومنها: حسن البيان؛ لأنَّ فيها بيانًا عن الدين بأحسن بيانٍ، لا يتوقَّف أحدٌ في فهمه.
ومنها: الاحتراس؛ لأنّه لو وقف عند آبائك ولم يذكر ما بعده لاختلَّت صحة المعنى؛ لأنَّ مطلق الآباء يتأول من الأب الأدنى إلى آدم، وفي آباء يعقوب عليه السلام من لا يجب اتباع ملّته، فاحترس بذكر البدل عمَّا يرد على المبدل منه، لو كان وقع الاختصار عليه، فتأمَّل واعجب، وفيه أيضًا التغليب؛ لأنّ قوله: ﴿آبَائِكَ﴾ شمل العمَّ الذي هو إسماعيل، والجدَّ الذي هو إبراهيم والأب الذي هو إسحاق، فغلَّب الأب على غيره، فعبَّر عن الكل بالآباء من المجازات المعهودة، في فصيح الكلام.
ومنها: النهي عن الموت في قوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مع أنَّ الموت ليس من الأمور التي تدخل تحت إرادة الإنسان؛ إشعارًا بأنَّ الموت على خلاف الإِسلام هو موتٌ لا خير فيه، وأنّه ليس بموت السعداء.
ومنها: الزيادة والحذف في عدَّة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)}.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى، لما (١) ذكر أنَّ ملة إبراهيم هي الملة الحنيفية السمحة، وأنَّ من لم يؤمن بها، أو رغب عنها، فقد بلغ الذروة العليا في الجهالة والسفاهة.. ذكر تعالى ما عليه أهل الكتاب من الدعاوى الباطلة، من زعمهم أنَّ الهداية في اتباع اليهودية والنصرانية، وبيَّن أنَّ تلك الدعاوي لم تكن عن دليلٍ، أو شبهةٍ، بل هي مجرَّد جحود وعناد، ثُمَّ عقَّب ذلك بأنَّ الدين الحق هو التمسك بالإِسلام دين جميع الأنبياء والمرسلين.
قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية، قال أبو حيان: وارتبطت (٢) هذه الآية بما قبلها؛ لأنّه لمَّا ذكر في قوله: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ جوابًا إلزاميًّا، وهم ما
(٢) البحر المحيط.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: لمَّا بيَّن (١) سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أنَّ الملَّة الصحيحة هي ملة إبراهيم، وليست هي باليهودية والنصرانية، بل هي صبغة الله التي لا دخل لأحد فيها، وهي بعيدةٌ عن اصطلاحات الناس وأوضاعهم، ولكن نشأت بعد ذلك أوضاعُ الرؤساء، فطمست ما جرى عليه الأنبياء، حتى خفيت أوامرهم فيها إلى أن أرسل الله سبحانه محمدًا - ﷺ -، ودعا الناس إلى الرجوع إليها، وأرشد إلى الحق الذي عليه صلاح المجتمع في دينه ودنياه.. شرع هنا يُبطل الشبهاتِ التي تعترض سبيل الحق، فلقَّن نبيَّه الحجج التي يدفع بها تلك المفتريات.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٢): ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد، أو عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما - قال: (قال ابن صُوريا للنبي - ﷺ -: ما الهدى إلّا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد! تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله فيهم ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى...﴾ الآية.
(٢) لباب النقول.
التفسير وأوجه القراءة
١٣٥ - وقوله: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ في المعنى معطوف على قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾. الخ. وهو بيان فن آخر من فنون كفرهم، وإضلالهم لغيرهم إثر بيان ضلالتهم في أنفسهم قبل، نزلت هذه الآية في رؤساء يهود المدينة، وفي نصارى نجران، والضمير في ﴿قالوا﴾ لأهل الكتابين، وأو في قوله: ﴿أَوْ نَصَارَى﴾؛ لتفصيل القول المجمل بقوله: ﴿قالوا﴾؛ أي: قالت اليهود للمؤمنين: ﴿كُونُوا هُودًا﴾؛ أي: اتَّبعوا اليهوديَّة تهتدوا من الضلالة، وتصلوا إلى الخير، وتظفروا بالسعادة، فإنّ نبيَّنا موسى أفضل الأنبياء، وكتابنا التوراة أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، وكفروا بعيسى والإنجيل، وبمحمدٍ والقرآن، وقالت النصارى للمؤمنين: كونوا نصارى؛ أي: اتبعوا النصرانية تهتدوا، فإنّ نبينا عيسى أفضل الأنبياء، وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، وكفروا بموسى والتوراة، وبمحمدٍ والقرآن؛ أي: قال كُلُّ واحدٍ من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا، فلا دين إلّا ذلك، وقوله: ﴿تَهْتَدُوا﴾ جوابٌ للأمر؛ أي: إن تكونوا كذلك تجدوا الهداية من الضلالة، فأنزل الله تعالى ردًّا عليهم ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد! على سبيل الردِّ، ببيان ما هو الحقُّ لا نتَّبعُ دينكم ﴿بَلْ﴾ نتبع ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ ودينه.
وقرأ الجمهور (١): بنصب (مِلَّةَ) بإضمار فعل، إمّا على المفعول؛ أي: بل نتبع ملة إبراهيم؛ لأنَّ معنى قوله: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ اتَّبعوا اليهوديَّة والنصرانيَّة، وإمَّا على أنَّه خبر كان؛ أي: بل نكون ملة إبراهيم؛ أي: أهل ملة
وقرأ ابن هرمز الأعرج، وابن أبي عبلة: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ برفع ملَّة وهو خبر مبتدإٍ محذوف؛ أي: بل الهدى ملة إبراهيم، أو أمْرُنا ملَّتُه، أو نحن ملَّتُه؛ أي؛ أهل ملته، أو مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: بل ملة إبراهيم حنيفًا ملَّتنا؛ أي: بل نتبع ملة إبراهيم حالة كون إبراهيم ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مائلًا عن الأديان الباطلة كُلِّها من اليهودية، والنصرانية، والوثنية، إلى الدين الحق السَّمح الذي هو التوحيد، وهو حالٌ من المضاف إليه، وهو إبراهيم، كما في قولهم: رأيت وجه هندٍ قائمةً؛ لأنَّ رؤية وجه هندٍ يستلزم رؤيتها، فالحال هنا تبين هيئة المفعول، أو من المضاف وهو المِلَّة، وتذكير حنيفًا حينئذٍ بتأويل الملة بالدين؛ لأنّهما متَّحدان ذاتًا، والتغاير بالاعتبار، وإنَّما خصَّ (١) إبراهيم دون غيره من الأنبياء، وإن كان كُلُّهم مائلين إلى الحق مستقيمين في الطريقة حنفاء؛ لأنّ الله تعالى اختصَّ إبراهيم بالإمامة؛ لِمَا سنَّه من مناسك الحج، والختان، وغير ذلك من شرائع الإِسلام ممَّا يقتدى به إلى قيام الساعة ﴿وَمَا كاَنَ﴾ إبراهيم ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بالله تعالى؛ أي: وما كان على دينهم، والمراد بالإشراك: مطلق الكفر، وفي هذا تعريضٌ بهم، وإيذانٌ ببطلان دعاويهم اتباع إبراهيم عليه السلام مع إشراكهم، فإشراك اليهود بقولهم: عزير ابن الله، وإشراك النصارى بقولهم: المسيح ابن الله وإشراك غيرهما بعبادة الأوثان، والشمس، والقمر، والكواكب، والملائكة، وغيرها.
وفي الآية: إرشاد (٢) إلى اتباع دين إبراهيم، وهو الدين الذي عليه نبيُّنا محمدٌ - ﷺ - وأصحابه، وأتباعه، وبعد أن أمر الله سبحانه نبيَّه - ﷺ - أن يدعو الناس إلى اتّباع ملة إبراهيم، أمر المؤمنين بمثل ذلك، فقال:
١٣٦ - (قُولُوا) أيُّها المؤمنون!
(٢) روح البيان.
أخرج البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسِّرونها بالعربية لأهل الإِسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: "لا تصدِّقوا أهل الكتاب، ولا تكذِّبوهم، ولكن قولوا: آمنا باللهِ وما أنزل إلينا، فإن كان حقًّا لم تكذبوه، وإن كان كذبًا لم تصدقوه". وروى ابن أبي حاتم عن معقل مرفوعًا: (آمِنُوا بالتوارة والإنجيل، وليسعكم القرآن) ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ من صحفه العشر، قال تعالى: ﴿إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى﴾ وكرَّر الموصول؛ لأنّ المنزل إلينا وهو القرآن غير تلك الصحائف التي أنزلت على إبراهيم، فلو حذف الموصول لأوهم أنَّ المنزل إلينا هو المنزل إلى إبراهيم، وعطف قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ على إبراهيم مع أنَّه لم ينزل إليهم شيءٌ؛ لأنّهم كلِّفوا العمل بما أنزل إلى إبراهيم، والدعاء إليه، فأضيف الإنزال إليهم كما أضيف إلينا في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ والأسباط: جمع سبطٍ وهو في الأصل شجرةٌ واحدةٌ لها أغصانٌ كثيرةٌ، والمراد هنا: أولاد يعقوب من صلبه اثنا عشر، كما مر، سُمُّوا بذلك؛ لأنّه وُلد لكلٍ منهم جماعةٌ، وسبط الرجل: حافده؛ أي: ولد ولده، وحينئذٍ تسمية أولاد يعقوب بالأسباط بالنظر، لكونهم أولاد أولاد إسحاق وإبراهيم، وقيل: المراد: أولاد أولاد يعقوب وتسميتهم أسباطًا ظاهرةٌ، والأسباط من بني إسرائيل، كالقبائل من العرب، والشعوب من العجم، وهم جماعةٌ من أبٍ وأمٍ، وكان في الأسباط أنبياء ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾؛ أي: وآمنَّا بالذي أوتي، وأعطي موسى بن عمران، كليم الله من التوراة، والآيات ﴿و﴾ ما أوتى ﴿عيسى﴾ ابن مريم من الإنجيل، والآيات، ونصَّ على موسى وعيسى؛ لأنّهما متبوعا اليهود والنصارى بزعمهم، والكلام هنا معهم، ولم يكرِّر الموصول في عيسى؛ لأنه إنّما جاء مصدِّقًا لما في التوراة، ولم ينسخ منها إلّا نزرًا يسيرًا، فالذي أوتي عيسى هو ما أوتي موسى، وإن كان قد
﴿لَا نُفَرِّقُ﴾ في الإيمان لا في الأفضليَّة ﴿بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾؛ أي: بين أحدٍ من الأنبياء؛ أي: لا نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعضٍ، كما فعلت اليهود والنصارى، فاليهود كفرت بعيسى ومحمد - ﷺ -، وأقرَّت ببعض الأنبياء، بل نؤمن نحن بكلِّ الأنبياء، وأنَّ جميعهم كانوا على حقّ وهدى؛ لأنَّ تصديق الكُل واجبٌ، والدليل الذي أوجب علينا أن نؤمن ببعض الأنبياء، وهو تصديق الله إياه بخلق المعجزات على يديه، يوجب الإيمان بالباقين، فلو آمنَّا ببعضهم، وكفرنا بالبعض لناقضنا أنفسنا، والجملة حال من الضمير في آمنا، ولفظ أحد (٢)؛ لوقوعه في سياق النفي عامٌّ، فساغ أن يضاف إليه (بين) من غير تقدير معطوفٍ، نحو: المال بين الناس، ووجَّهَهُ في "الكشاف" بقوله: وأحدٌ في معنى الجماعة بحسب الوضع، وعلَّله التفتازانيُّ بقوله: لأنّه اسمٌ لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمثنى والمجموع، ويشترط أن يكون استعماله مع كُلٍّ، أو في كلام غير موجب، وهذا غير الأحد الذي هو أوَّل العدد في مثل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وليس كونه في معنى الجماعة من جهة كونه نكرةً في سياق النفي على
(٢) الفتوحات.
﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ سبحانه وتعالى ﴿مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: منقادون خاضعون بالطاعة، مذعنون له بالعبودية؛ أي: آمنَّا بالله، والحال أنَّا مخلصون لله تعالى جميع أعمالنا، ومذعنون له، وله متعلِّقٌ بمسلمون، وتأخَّر عنه العامل؛ لرعاية الفواصل، أو قدَّم له؛ للاعتناء بالضمير العائد على الله تعالى.
فائدةٌ: وابتدأ أوّلًا بالإيمان بالله (١)؛ لأنَّ ذلك أصل الشرائع، وقدَّم ما أنزل إلينا، وإن كان متأخِّرًا في الإنزال عن ما بعده؛ لأنّه أولى بالذكر؛ لأنَّ الناس بعد بعثة محمدٍ - ﷺ - مدعوون إلى الإيمان بما أنزل إليه جملةً وتفصيلًا، وقدَّم ما أنزل إلى إبراهيم على ما أوتى موسى وعيسى؛ للتقدم في الزمان؛ أو لأنَّ المنزل على موسى ومن ذكر معه هو المنزل إلى إبراهيم، إذ هم داخلون تحت شريعته،
وأنزل (٢) يتعدَّى بعلى، وإلى، فلذا أورد بإلى، وفي آل عمران بعلى.
فائدة أخرى: وظاهر قوله (٣): ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ يقتضي التعميم في الكتب، والشرائع، وعن أبي سعيد الخدري قال: قلت: يا رسول الله! كم أنزل الله من كتاب؟ قال: "مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيثٍ خمسين صحيفة، وأنزل على أخنوخ ثلاثين صحيفة، وأنزل على إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف، ثُمَّ أنزل التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان"، وأمَّا عدد الأنبياء: فروي عن ابن عباس، ووهب بن منبه أنّهم مائة ألف نبيٍّ وأربعة وعشرون ألف نبي، كُلُّهم من بني إسرائيل إلّا عشرين ألف نبيٍّ، وعدد الرسل: ثلاثمائة وثلاثة عشر، كُلُّهم من ولد يعقوب إلّا عشرين رسولًا، ذُكِر منهم في القرآن خمسةٌ وعشرون، نصَّ على أسمائهم وهم: آدم، وإدريس،
(٢) النفي.
(٣) البحر المحيط.
١٣٧ - ﴿فَإِنْ آمَنُوا﴾؛ أي: اليهود والنصارى ﴿بِمِثْلِ مَا﴾؛ أي: بمثل الدين الذي ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ هذا من (١) باب التعجيز والتبكيت؛ أي: إلزام الخصم، وإلجائه إلى الاعتراف بالحق بإرخاء عنانه، وسدِّ طرق المجادلة عليه، والمثل مقحمٌ هنا، كما تدلُّ عليه القراءتان الآتيتان.
والمعنى: فإن آمنوا بما آمنتم به وهو الله تعالى، فإنَّه ليس لله تعالى مثلٌ، وكذا دين الإِسلام. وقرأ عبد الله بن مسعود، وابن عباس: ﴿بما آمنتم﴾ وقرأ أُبيٌّ ﴿بالذي آمنتم به﴾ وقرأ الجمهور ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ومثل على هذه القراءة مقحمٌ كما ذكرناه آنفًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾؛ أي: عليه، وتشهد له قراءة من قرأ ﴿بما آمنتم به﴾ ﴿وبالذي آمنتم به﴾؛ لئلّا يلزم علينا ثبوت المثل لله تعالى، وللقرآن.
وهذا مُرتب على قوله (٢): ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ...﴾ إلخ. أي: وإذا قلتم ما ذكر فحال اليهود، إمَّا مساواتكم فيما ذكر، أو مخالفتكم فيه، والمعنى: أي: فإن آمنت اليهود والنصارى، وغيرهم، بجميع ما آمنتم به من سائر كتب الله تعالى، وجميع رسله ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ من الضلالة إلى الحق، وأصابوه، كما اهتديتم، وحصل بينكم الاتحاد والاتفاق؛ أي: فقد صاروا مهتدين مسلمين مثلكم، وقيل:
(٢) العمدة.
وهذا (٢) لدفع ما يتوهَّم من احتمال الوفاق بسبب إيمانهم ببعض ما آمن به المؤمنون، فقوله: ﴿فِي شِقَاقٍ﴾ خبرٌ لقوله: ﴿هم﴾ وجَعْلُ الشقاق ظرفًا لهم، هم مظروفون له مبالغةً في الإخبار باستيلائه عليهم، فإنَّه أبلغُ من قولك هم مشاقُّون، والشِقاقُ: مأخوذٌ من الشِّقِّ وهو الجانب، فكأنَّ كُلَّ واحدٍ من الفريقين في شقٍّ غير شقِّ صاحبه؛ بسبب العداوة، ولمَّا دلَّ تنكير الشقاق على امتناع الوفاق، وأنَّ ذلك ممَّا يؤدِّي إلى الجدال، والقتال لا محالة، عقَّب ذلك بتسلية رسول الله - ﷺ - وتفريح المؤمنين بوعد النصرة والغلبة، وضمان التأييد، والإعزاز بالسين الموضوعة للتأكيد الدالَّة على تحقُّق الوقوع ألبتة، فقال: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: فسيكفيك الله يا محمد! ويقيك شرَّ شقاقهم، ومكر عنادهم، والضميران منصوبا المحلِّ على أنَّهما مفعولان ليكفي، يقال: (٣) كَفَاهُ مؤونتَهُ كفايةً، وإن كثر استعماله معدًّى إلى واحد، نحو: كفاك الشيء، والظاهر: أنَّ المفعول الثاني حقيقةً في الآية هو المضاف المقدَّرُ؛ أي: فسيكفي الله إياك أَمْر اليهود والنصارى، ويدفع شرَّهم عنك، وينصرك عليهم، فإنَّ الكفاية لا تتعلَّق بالأعيان، بل بالأفعال، وقد
(٢) روح البيان.
(٣) روح البيان.
وقال أبو حيَّان: ومناسبة هاتين الصفتين هنا (١): أنَّ كُلًّا من الإيمان وضدِّه مشتملٌ على أقوالٍ وأفعالٍ، وعلى عقائد تنشأ عنها تلك الأقوال والأفعال، فناسب أن يختم ذلك بهما؛ أي: وهو السميع لأقوالكم العليم بنياتكم واعتقادكم، ولمَّا كانت الأقوال هي الظاهرة لنا، الدالَّة على ما في الباطن، قُدِّمت صفة السميع على العلم؛ ولأنَّ العلم فاصلةٌ أيضًا، وتضمنت هاتان الصفتان الوعيد؛ لأنَّ المعنى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فيجازيكم بما يصدر منكم.
١٣٨ - وقرأ الجمهور ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ بالنصب، فيكون إمّا على الإغراء؛ أي: إلزموا يا أهل الكتاب! صبغة الله، ودينه الذي هو دين الإِسلام، وتمسَّكوا به واتَّبعوه، لا صبغة أحباركم، ورهبانكم، وسمِّي الدين صبغةً؛ لظهور أثره على صاحبه، كظهور أثر الصبغ على الثوب؛ ولأنَّه يلزمه، ولا يفارقه، كالصبغ في الثوب؛ لأنَّ الصبغ
فأخبر الله تعالى: أنَّ دين الإِسلام ليس ما تفعله النصارى. وقيل: إنّه منصوب على كونه بدلًا من ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ وقيل: إنّه منصوبٌ انتصاب المصدر المؤكد عن قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾. وقيل: عن قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. وقيل عن قوله: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ والتقدير: قولوا آمنا بالله، وصبغنا الله صبغةً؛ أي: فطرنا، وخلقنا على استعداد قبول الحق، والإيمان فطرته، فهذا المصدر مفعولٌ مطلق مؤكِّد لنفسه؛ لأنَّه مع عامله المقدَّر بعينه، وقع مؤكّدًا لمضمون الجملة المتقدمة، وهو قوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، لا محتمل لها من المصادر إلّا ذلك المصدر؛ لأنَّ إيمانهم بالله يحصل بخلق الله إيّاهم على استعداد اتباع الحق، والتحلِّي بحلية الإيمان. وهذا الوجه؛ أعني: كونه منتصبًا انتصاب المصدر المؤكد عن قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ أحسنها، وأظهرها، لما سيأتي عند قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ من تنافر آخر الآية لأوَّلها إذ نَصَبْنَا على الإغراء، ولأنَّ نصبه على الإبدال من ملة إبراهيم بعيدٌ؛ لطول الفصل بين البدل والمبدل منه، ويحتمل أن يكون التقدير: طهَّرنا الله تطهيره؛ لأنَّ الإيمان يُطهِّر النفوس من أوضار الكفر، وسمَّاه صبغةً؛ للمشاكلة لما فعلته النصارى، والمشاكلة: هي ذكر الشيء
وقرأ الأعرج (١)، وابن أبي عبلة: بالرفع على أنّه خبر لمبتدأ محذوف، تقدير: ذلك الإيمان صبغة الله؛ أي: دين الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾؛ أي: دينًا. وقيل: تطهيرًا؛ لأنّه يطهِّر من أوساخ الكفر؛ أي: لا صبغة أحسن من صبغته تعالى؛ لأنّه تعالى يصبغ عباده بالإيمان، ويطهِّرهم به من أوضار الشرك. وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ مبتدأٌ (٢) وخبرٌ، والاستفهام فيه للإنكار بمعنى النفي ﴿مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ نصب على التمييز من أحسن، منقولٌ من المبتدأ، والتقدير: ومَنْ صِبْغَتُهُ أحسنُ من صبغته تعالى، فالتفضيل جارٍ بين الصبغتين لا بين فاعليهما، والمعنى: أيُّ شخصٍ تكون صبغته أحسن من صبغة الله تعالى؟ فإنّه
(٢) روح البيان.
والمعنى (٢): أي ونحن معاشر المسلمين له تعالى عابدون، ولا نعبد سواه، فلا نتَّخذ الأحبار والرهبان أربابًا يزيدون في ديننا، وينقصون، ويحلُّون، ويحرِّمون، ويَمْحُون مِنْ نفُوسِنا صبغةَ التوحيد، ويُثْبِتُون مكانَها صبغة البشر التي تُفْضِي إلى الإشراك بالله، واتخاذِ الأنداد له، وفي الآية إيماءٌ إلى أنَّ الإِسلام لم
(٢) المراغي.
١٣٩ - ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾ والخطابُ في قل لمحمد - ﷺ -، أو لكلِّ من يصلح للخطاب، والهمزة فيه للإنكار، والتوبيخ، والمحاجَّةُ المجادلةُ، ودعوى الحق، وإقامة الحُجَّة على ذلك من كلِّ واحدٍ، وسبب نزول هذه الآية: أنَّ اليهود والنصارى قالوا: إنَّ الأنبياء كانوا منَّا، وعلى ديننا، وديننا أقدمُ، فقال تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد! لليهود والنصارى أتجادلوننا، وتخاصموننا ﴿فِي﴾ شأن دين ﴿الله﴾ واصطفائه النَّبيَّ من العرب دونكم، وتدَّعون أنَّ دينه الحقَّ هو اليهوديَّة والنصرانيَّة، وتبنون دخول الجنَّة، والاهتداء عليهما، وتقولون تارةً: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ وتارةً: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾، وتقولون: (لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا) وترونكم أحقَّ بالنبوَّة منَّا ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾؛ أي: والحال أنّه تعالى خالقنا وخالقكم، ومالك أمرنا وأمركم، لا اختصاص له بقومٍ دون قوم، يصيب برحمته وكرامته من يشاء من عباده وهو أعلم بتدبير خلقه، وبمن يصلح للرسالة، وبمن لا يصلح لها، فلا وجه للمجادلة، فحينئذٍ لا تعترضوا على خالقكم، فإنَّ العبد ليس له أن يعترض على ربّه، بل يجب عليه تفويض الأمر. بالكلية إليه تعالى ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا﴾ فنجازى عليها خيرًا أو شرًّا، ولا يصيبكم منَّا ضررٌ ولا أجرٌ، ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ السيئة المخالفة لأمر الله، فلا يرجع علينا من أعمالكم ضررٌ، وإنما مرادنا نصحكم وإرشادكم، فكيف تدعون أنّكم أولى بالله؟! قال البيضاويُّ: كأنَّه ألزمهم على كُلِّ مذهب ينتحلونه إقحامًا وتبكيتًا، فإنّ كرامة النبوة: إمَّا تفضُّلٌ من الله تعالى على من يشاء، والكُلُّ فيه سواءٌ، وإما إفاضة حقّ على مستعدِّين لها بالمواظبة على الطاعة، والتحلِّي بالإخلاص، فكما أنَّ لكم أعمالًا ربما يعتبرها الله في إعظامها، فلنا أيضًا أعمالٌ، فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ تعالى ﴿مُخْلِصُونَ﴾ في تلك الأعمال، لا نبتغي بها إلّا وجهه، فأنّى لكم المحاجَّة، وادعاء حقيّة ما أنتم
وحاصل المعنى (٢): أي ومن أين جاءكم هذا القرب من الله دوننا، والله ربُّنا وربُّكم، وربُّ العالمين. فهو الخالق، وجميعنا خلقه، وإنّما يتفاضل الناس بأعمالهم، وآثار أعمالنا عائدةٌ إلينا خيرًا أو شرًّا، وآثار أعمالكم كذلك لكم على هذا النحو، ونحن له مخلصون في أعمالنا، لا نبتغي إلّا وجهه، أما أنتم فقد اتكلتم على أسلافكم من الصالحين، وزعمتم أنَّهم شفعاء لكم عند ربكم مع انحرافكم عن سيرتهم، إذ هم ما كانوا يتقرَّبون إلّا بصالح العمل، وصادق الإيمان، فاجعلوهم رائدكم، وانهجوا نهجهم تنالوا الفوز والسعادة.
وخلاصة مما سبق: أنَّ روح الدين هو التوحيد، وملاك أمره الإخلاص المعبر عنه بالإِسلام، فإذا زال هذا المقصد، وحفظت الأعمال الصوريَّة، لم يغن ذلك شيئًا، وأهل كتاب أزهقوا هذا الروح، وحفظوا الرسوم والتقاليد، فهم ليسوا على شيء من الدين، ولكنّ محمدًا - ﷺ - جاء بما أحيا ذلك الروح الذي كان عليه جميع الأنبياء، والمرسلين، فهو الذي كمَّل شريعتهم بشريعته التي تصلح لجميع البشر في كلِّ زمان، ومكان. وقرأ الجمهور (٣): ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ بنونين: إحداهما: نون الرفع، والأخرى ضمير المتكلمين. وقرأ زيد بن ثابت، والحسن،
(٢) المراغي.
(٣) البحر المحيط.
١٤٠ - ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ قرأ حمزة (١)، وابن عامر، والكسائي، وعاصم في روايةِ حفصٍ: بالتاء الفوقية، وعلى هذه القراءة تكون أم هنا متَّصلة معادلةً للهمزة في قوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ أي: أتحاجوننا في الله أم تقولون: إنّ هؤلاء الأنبياء على دينكم، فالاستفهام عن وقوع أحد هذين الأمرين: المحاجَّة في الله، والادِّعاء على إبراهيم، ومن ذكر معه أنَّهم كانوا يهودًا أو نصارى؛ أي: أيُّ الأمرين وقع منكم؟ وقرأ الباقون بالياء التحتية، فعلى هذه القراءة تكون أم منقطعةً تقدَّر ببل، وهمزة الإنكار؛ أي: بل أيقولون: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ﴾ وهم حفدة يعقوب، وهم أولاد أولاده الاثني عشر. وعن الزجَّاج أنّه قال: الأسباط في ولد إسحاق بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل، فولد كل واحدٍ من ولد إسحاق سبطٌ، ومن ولد إسماعيل قبيلةٌ. اهـ.
﴿كَانُوا﴾ قبل نزول التوراة والإنجيل ﴿هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ فهم مقتدون بهم، والاستفهام إنكاريٌّ بمعنى: النَّفي؛ أي: لا ينبغي لهم أن يقولوا ذلك؛ لأنَّ اليهوديَّة والنصرانيَّة إنّما حدثت، ووقعت بعدهم في زمن موسى وعيسى، وإبراهيم ومن ذكر معه قبلها بزمانٍ، فكيف يقال فيهم إنَّهم كانوا هودًا أو نصارى؟ كما قال سبحانه في آيةٍ أخرى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾ عبارة "السمين". والاستفهام للإنكار والتوبيخ أيضًا، فيكون قد انتقل عن قوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ وأخذ في الاستفهام عن قضيةٍ أخرى، والمعنى: على إنكار نسبة اليهودية والنصرانية إلى إبراهيم، ومن ذكر معه. انتهت.
والخلاصة: أي: أتقولون إنَّ اختصاصكم بالقرب من الله دوننا هو من الله، وهو ربُّنا وربُّكم؟ أم تقولون: إنّ امتيازكم باليهودية والنصرانية التي أنتم عليها، إنّما كان بأنَّ هؤلاء الأنبياء كانوا عليها، فنحن مقتدون بهم. فإن كان هذا ما تدَّعون، فأنتم كاذبون فيما تقولون، فإنَّ هذين الإسمين إنّما حدثا فيما بعد، فما حدث اسم اليهودية إلّا بعد موسى، وما حدث اسم النصرانية إلّا بعد عيسى، فكيف تزعمون أنَّ إبراهيم كان يهوديًّا أو نصرانيًّا وقضيَّة العقل شاهدةٌ بكذبكم؟ ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد! ﴿أَأَنْتُمْ﴾ الاستفهام للتقرير والتوبيخ ﴿أَعْلَمُ﴾ بدينهم ﴿أَمِ اللَّهُ﴾ أعلم به؛ أي: أأنتم أعلم بدين إبراهيم ومن ذكر معه من الله، أم الله أعلم منكم، حيث نفى عن إبراهيم ومن ذكر معه ما نسبتم إليهم من اليهودية والنصرانية، بل الله أعلم منكم، وخبره أصدق، وقد أخبر سبحانه في التوراة، والإنجيل، وفي القرآن على لسان محمد - ﷺ -، أنّهم كانوا مسلمين مبرَّئين من اليهودية والنصرانية، حيث قال سبحانه: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ والمذكور معه تبعٌ.
والمعنى: أي أأنتم أعلم بالمرضِيِّ عند الله، أم الله أعلم بما يرضيه وما يتقبَّله، لا شكّ أنَّ الله هو العليم بذلك دونكم، وقد ارتضى للناس ملة إبراهيم، وأنتم تعترفون بذلك، وكتبكم تصدِّقه قبل أن تجيء اليهودية والنصرانية، فلم لا ترضون لأنفسكم هذه الملة. وقال أبو حيان: والقول في القراءة في ﴿أَأَنْتُمْ﴾ كهو في قوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ وقد توسَّط السؤال عنه هنا، وهو أحسن من تقدُّمه، نحو: أعلم أنتم أم الله، أو تأخُّره، نحو: أأنتم أم الله أعلم، وهذا تهكُّم
وتعليقُ الأظلمية بمطلق الكِتْمَانِ؛ للإِيمْاء إلى أنَّ مرتبة مَنْ يَدْرِيها، ويَشْهَدُ بخلافها في الظلم، خارجةٌ عن دائرة البيان. وعن ابن عباس: (أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة) ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ والمراد: مَسْخُ القلب، وطَبْعُه، ونعوذ بالله من ذلك ﴿وَمَا اللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى ﴿بِغَافِلٍ﴾ أي: بساهٍ ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (ما) موصولة عامّة لجميع ما يكتسب بالجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، ويدخل فيه كتمان شهادة الله دخولًا أوّليًّا؛ أي: هو سبحانه وتعالى محيط بجميع ما تأتون، وما تذرون، فيعاقبكم بذلك أشدَّ عقاب، ويجوز كونها مصدرية؛ أي: بغافلٍ عن عملكم من الكتمان، وغيره، بل محصيه عليكم، ثمّ يعاقبكم عليه في الآخرة، وفيه وعيد شديد، وتهديد ليس عليه مزيدٌ، وإعلامٌ بأنَّ الله سبحانه لا يترك عقوبتهم على الظلم القبيح، والذنب الفظيع. وقرىء ﴿يعملون﴾ بالياء التحتانية؛ يعني: أنَّ الله لا يترك أمركم سُدًى، بل يعذِّبكم أشدَّ العذاب، وهو محيطٌ بما تأتون، وما تذرون.
١٤١ - ﴿تِلْكَ﴾ الجماعة المذكورة من إبراهيم، ومَنْ معه ﴿أُمَّةٌ﴾؛ أي: جماعةٌ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾؛ أي: مضت وسلفت بالموت ﴿لَهَا﴾ جزاء ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ من الأعمال خيرًا أو شرًّا ﴿وَلَكُمْ﴾ أيها اليهود والنصارى جزاء ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ من الأعمال، كذلك ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ﴾ أيها اليهود والنصارى يوم القيامة ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا، كما أنَّهم لا يسألون عما تعملون.
والمعنى: أنّ جماعة الأنبياء قد مضت بالموت ولها ما كسبت من الأعمال، ولكم ما كسبتم منها، ولا يُسأل أحدٌ عن عمل غيره، بل كُلُّ إنسان يسأل يوم القيامة عن كسبه وعمله، ويجازى به، فلا يضرُّه، ولا ينفعه سواه.
وهذه قاعدةٌ أقرَّتها الأديان جميعًا، وأيَّدها العقل، كما قال تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ لكن غلبة الجهل جعلت الناس يعتمدون في طلب سعادة الآخرة، وبعض مصالح الدنيا على كرامات الصالحين، وساعدهم على ذلك رؤساء الأديان، فأوَّلوهم نصوص الدين اتِّباعًا للهوى، ومن ثمَّ جاء القرآن يقرِّر ارتباط السعادة بالكتب، والعمل، وينفي الانتفاع بالأنبياء والصالحين لمن لم يقتد بهم في صالح أعمالهم، وقد حاجَّ بذلك أهل الكتاب الذين يفتخرون بأسلافهم، ويعتمدون على شفاعتهم وجاههم، ليقطع أطماعهم في تلك الشفاعة. وعلينا معشر المسلمين أن نجعل نصب أعيننا، ورائدنا في أعمالنا، تلك القاعدة: الجزاء على العمل، ولا نغترَّ بشفاعة سلفنا الصالح ونجعلها وسيلةً لنا في النجاة إذا نحن قصَّرنا في عملنا، فكلٌّ من السلف والخلف مجزيٌّ بعمله، ولا ينفع أحدًا عملُ غيره، وفَّقنا الله تعالى لما يحبّه ويرضاه ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾.
وبالجملة، ففي الآية: وعظٌ لليهود، ولكل من يتكل على فضل الآباء، وشرفهم، أن لا يتَّكلوا على فضل الآباء، فكلٌّ يؤخذ بعمله، ولا ينفعه غيره، وإنّما كُرِّرت هذه الآية؛ لأنّه إذا اختلف مواطن الحِجاج، والمجادلة، حسن
الإعراب
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ٣٥)﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ الواو استئنافية، أو عاطفة ﴿قالوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾ هو الخ. ﴿كُونُوا هُودًا﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ﴾ مقولٌ محكيٌّ لقالوا، وإن شئت قلت: ﴿كُونُوا﴾ فعل أمر ناقص مبني على حذف النون، والواو اسمها ﴿هُودًا﴾ خبرها، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ ﴿أَوْ﴾ حرف عطف وتفصيل ﴿نَصَارَى﴾ معطوف على ﴿هُودًا﴾. ﴿تَهْتَدُوا﴾ فعل مضارع وفاعل مجزوم بالطلب السابق، والجملة جوابية لا محل لها من الإعراب ﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد - ﷺ -، والجملة مستأنفة ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿بَلْ﴾ حرف عطف وإضراب ﴿مِلَّةَ﴾ مفعول به لفعل محذوف، تقديره: بل نتَّبع ملة إبراهيم، أو منصوب على الإغراء بتقدير الزموا، والجملة المحذوفة معطوفة على جملةٍ مقدّرةٍ قبلها، تقديرها: لا نتبع اليهودية، ولا النصرانية، بل نتّبع ملة إبراهيم، والجملة المقدرة مع ما عطف عليها في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿مِلَّةَ﴾ مضاف ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ مضاف إليه مجرور بالفتحة للعلمية والعجمة ﴿حَنِيفًا﴾ حال من إبراهيم؛ لأنّ الملة كالجزء من إبراهيم، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
| ولا تُجِزْ حالًا من الْمُضافِ لَه | إِلَّا إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَه |
| أو كانَ جُزْءَ مَا لَهُ أضيفَا | أو مِثْلَ جُزْئهِ فلا تَحِيفَا |
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾.
﴿قُولُوا﴾ فعل أمر مبنيٌّ على حذف النون، والواو فاعل، والجملة مستأنفة ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ...﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لقولوا، وإن شئت قلت: ﴿آمَنَّا﴾ فعل وفاعل، والملة في محل النصب مقول ﴿قُولُوا﴾ ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بآمنَّا، ﴿وَمَا﴾ الواو عاطفة ﴿ما﴾ اسم موصول في محل الجر معطوفة على لفظ الجلالة ﴿أُنْزِلَ﴾ فعل ماض مغيَّر الصيغة، ونائب فاعل مستترٌ فيه، والجملة صلة لما الموصولة، والعائد ضمير النائب ﴿إِلَيْنَا﴾ جار ومجرور متعلق بأنزل ﴿وَمَا﴾ موصول معطوف على لفظ الجلالة، وجملة ﴿أُنْزِلَ﴾ صلتها ﴿إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ متعلِّق بأنزل ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ معطوفات على إبراهيم، مجروراتٌ بالفتحة للعلمية والعجمية، والأسباط معطوف أيضًا على إبراهيم مجرور بالكسرة الظاهرة ﴿وَمَا﴾ معطوف أيضًا على الجلالة ﴿أُوتِيَ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة ﴿مُوسَى﴾ نائب فاعل ﴿وَعِيسَى﴾ معطوف على ﴿مُوسَى﴾، والجملة صلة لما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: وما أوتيه موسى ﴿وما﴾ معطوف على لفظ الجلالة أيضًا، ﴿أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ فعل ماض ونائب فاعل، والجملة صلة لما، والعائد محذوف، تقديره: وما أوتيه النبيون ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ جار ومجرور متعلق بأوتي ﴿لَا﴾ نافية ﴿نُفَرِّقُ﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير يعود على المتكلمين، تقديره: نحن ﴿بَيْنَ أَحَدٍ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بنفرق ﴿مِنْهُمْ﴾ صفة لأحد، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿آمَنَّا﴾، أو مستأنفة ﴿وَنَحْنُ﴾ الواو حالية ﴿نحن﴾ مبتدأ ﴿لَهُ﴾ متعلق بمسلمون، قدّم عليه؛ للاهتمام به ﴿مُسْلِمُونَ﴾ خبر
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾.
﴿فَإِنْ﴾ الفاء استئنافية، أو فصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا امتثلتم ما أمرتكم به، وأردتم بيان حال أهل الكتاب، فأقول لكم: إن آمنوا. الخ. ﴿إن﴾ حرف شرط جازم ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بإن الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿بِمِثْلِ﴾ الباء حرف جر ﴿مثل﴾ زائدة ﴿ما﴾ موصول في محل الجر بالباء الجار والمجرور متعلق بآمنوا؛ أي: فإن آمنوا بما آمنتم ﴿آمَنْتُمْ﴾ فعل وفاعل ﴿به﴾ متعلق بآمنتم، وجملة ﴿آمَنْتُمْ﴾ صلةٌ لما الموصولة، والعائد ضمير ﴿بِهِ﴾. ﴿فَقَدِ﴾ الفاء رابطةٌ لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب مقرونًا بقد، ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿اهْتَدَوْا﴾ فعل ماض وفاعل في محل الجزم بإنْ الشرطية على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مع جوابها مستأنفة، أو مقولٌ لجواب إذا المقدَّرة وجملة إذ المقدرة مستأنفة ﴿وَإِنْ﴾ الواو عاطفة ﴿إن﴾ حرف شرط جازم ﴿تَوَلَّوْا﴾ فعل ماض وفاعل في محلِّ الجزم بإنْ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿فَإِنَّمَا﴾ الفاء رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة إسمية، ﴿إنما﴾ أداة حصر ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ﴿فِي شِقَاقٍ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوفٍ خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل الجزم بإن الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ الفاء حرف عطف وتعقيب؛ لإشعارها بوقوع الكفاية عقب شقاقهم، والسين حرف تنفيس للاستقبال القريب ﴿يكفي﴾ فعل مضارع، والكاف مفعول أوّل، والهاء مفعول ثانِ ﴿اللَّهُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل الجزم معطوفة على جملة الجواب، ولذا دخلت الفاء الرابطة عليه؛ لاشتماله على حرف التنفيس ﴿وَهُوَ﴾ الواو استئنافية ﴿هو﴾ مبتدأ ﴿السَّمِيعُ﴾ خبر أول ﴿الْعَلِيمُ﴾ خبر ثان، والجملة الإسمية مستأنفة؛ مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكّد لفعله المحذوف، منصوب على المفعولية المطلقة، تقديره: صبغنا الله صبغته، والجملة معطوفة في المعنى على جملة ﴿آمَنَّا﴾ داخلةٌ تحت حكم الأمر في قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا﴾؛ أي: قولوا آمنَّا بالله، وصبغنا الله صبغته، وهذا أحسن الأوجه في إعرابه كما مرّ، وقيل: منصوبٌ على الإغراء؛ أي: الزموا صبغة الله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ الواو استئنافية ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ﴿أَحْسَنُ﴾ خبره والجملة مستأنفة ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بأحسن ﴿صِبْغَةً﴾ تمييزٌ محوَّل عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل، والأصل: ومن صبغته أحسن من صبغة الله؛ أي: لا أحسن منها ﴿وَنَحْنُ﴾ الواو استئنافية، أو عاطفة ﴿نحن﴾ مبتدأ ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿عَابِدُونَ﴾، وهو خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على ﴿آمنّا﴾ فهو داخلٌ معه تحت الأمر؛ أي: وقولوا نحن... الخ. وقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه. انتهى. "أبو السعود".
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد - ﷺ -، والجملة مستأنفة ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: الهمزة للاستفهام الإنكاري ﴿تحاجُّوننا﴾ فعل وفاعل ومفعول به مرفوع بثبات النون، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿فِي اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بتحاجون ﴿وَهُوَ﴾ الواو حالية ﴿هو﴾ مبتدأ ﴿رَبُّنَا﴾ خبر ومضاف إليه ﴿وَرَبُّكُمْ﴾ معطوف على ﴿رَبُّنَا﴾، والجملة في محل النصب حالٌ من الواو في ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾، وكذا قالوا، أو من ضمير المفعول، أو من الجلالة ﴿وَلَنَا﴾ الواو حالية ﴿لنا﴾ خبر مقدّم ﴿أَعْمَالُنَا﴾ مبتدأ مؤخّر، والجملة في محل النصب حال من ضمير المفعول في ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ ﴿وَلَكُمْ﴾ الواو عاطفة ﴿لكم﴾ خبر مقدّم، ﴿أَعْمَالُكُمْ﴾ مبتدأ مؤخّر، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿لنا أعمالنا﴾ ﴿وَنَحْنُ﴾ الواو حالية ﴿نحن﴾ مبتدأ ﴿لَهُ﴾ متعلق بمخلصون ﴿مُخْلِصُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة في محل
﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾.
﴿أَمْ﴾ عاطفة متصلة معادلة لهمزة ﴿أتحاجون﴾ ﴿تَقُولُونَ﴾ بالتاء فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿تحاجون﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الإنكار ﴿يقولون﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. وقال أبو البقاء: قرئ ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ بالياء ردًّا على قوله: ﴿فسيكفكهم﴾ وبالتاء ردًّا على قوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾؛ انتهى. ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ ناصب واسمه ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ﴾ معطوفاتٌ على إبراهيم ﴿كَانُوا﴾ فعل ماض ناقص واسمه ﴿هُودًا﴾ خبره ﴿أَوْ نَصَارَى﴾ معطوف على ﴿هُودًا﴾، وجملة كان في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿تَقُولُونَ﴾.
﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد - ﷺ -، والجملة مستأنفة ﴿أَأَنْتُمْ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري ﴿أنتم﴾ مبتدأ ﴿أَعْلَمُ﴾ خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿أَمِ﴾ عاطفة متّصلة ﴿اللَّهُ﴾ معطوف على ﴿أنتم﴾، ولكنه فصل بين المتعاطفين بالمسؤول عنه ﴿وَمَنْ﴾ الواو استئنافية ﴿من﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ﴿أَظْلَمُ﴾ خبره، والجملة مستأنفة؛ مسوقة للتعريض بكتمانهم شهادة الله، وهذا دَيْدَنُ اليهود دائمًا ﴿مِمَّن﴾ جار ومجرور متعلق بأظلم ﴿كَتَمَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿شَهَادَةً﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب ﴿عِنْدَهُ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف صفة لشهادة ﴿وَمَا﴾ الواو استئنافية، أو عاطفة ﴿ما﴾ حجازية
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾.
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق ﴿خَلَتْ﴾ فعل ماض مبني بفتحة مقدرة على الألف المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين، والتاء علامة تأنيث الفاعل، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿أُمَّةٌ﴾ والجملة في محل الرفع صفةٌ لأُمَّةٌ ﴿لَهَا﴾ خبر مقدم ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخّر، والجملة الإسمية مستأنفة، أو حال من ﴿أُمَّةٌ﴾ أو صفة ثانية لها، والأول أظهر، وجملة ﴿كَسَبَتْ﴾ صلة لما الموصولة، ﴿وَلَكُمْ﴾ خبر مقدم ﴿مَا﴾ مبتدأ مؤخّر، وجملة ﴿كَسَبْتُمْ﴾ صلة لما الموصولة، والجملة الإسمية معطوفة على ما قبلها، ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ﴾ الواو عاطفة ﴿لا﴾ نافية ﴿تُسْأَلُونَ﴾ فعل مضارع مغيّر الصيغة، والواو نائب فاعله، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ مسوقة؛ لتأكيد ما قبلها ﴿عَمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُسْأَلُونَ﴾ ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبره، وجملة كان صلة لما الموصولة، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿حَنِيفًا﴾ الحنيف: المائل عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، يقال: حَنَف حَنْفًا من باب ضرب إذا مال، وحَنِف من باب تعب حَنَفًا، وحَنُف حنافة من باب ظرف اعوجَّت رجله إلى داخلٍ، فهي حنفاء، فالحنيف في أصل اللغة الذي تميل قدماه كُلُّ واحدة إلى أختها، وقد يستعمل في اليدين ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ أصله: تهتديوا بوزن تفتعلوا من اهتدى الخماسيِّ، استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فلمَّا سكنت التقى ساكنان، فحذفت الياء وضمت الدال؛ لمناسبة واو الجماعة، وهذا بعد حذف نون الرفع للجازم، وهو الطلب السابق
﴿فإن تولّوا﴾ أصله: تَوَلَّيُوا أيضًا، فُعِل به ما فعل بـ ﴿اهْتَدَوْا﴾ المذكور قبله، فوزن اهتدوا افتعوا، ووزن تَوَلَّوا تفعَّوا ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ الشقاق: المخالفة والعداوة، وأصله: من الشقِّ وهو الجانب؛ لأنّ كل واحد من المتشاققين يكون في شقٍّ غير شق صاحبه؛ أي: في ناحيةٍ منه، وهو مصدر شاقَّ شقاقًا من باب فاعَلَ، وفيما ذكر إشارة إلى بيان المراد بالشقاق هنا؛ لأنَّ له في اللغة ثلاث معان:
أحدها: الخلاف، ومنه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾.
والثاني: العداوة، ومنه قوله: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾.
والثالث: الضلال، مثل: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ والصبغ بالكسر: ما يلوَّن به الثياب، وبالفتح: المصدر، والصبغة: الحالة التي تبنى لبيان النوع، كصبغت صِبغةَ الأمير نظير جِلسةَ الإقعاء، والصَبغة بالفتح: المرَّة من الصبغ، كصبغت صبغةً. وفي "المصباح": صبغت الثوب صبغًا من بابي نفع وقتل، وفي لغة من باب ضرب. انتهى. والصبغة، كالجلسة من جلس، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ، والعرب تسمِّي ديانة الشخص لشيء، واتصافه به صبغةً، قال بعض ملوكهم:
| وكُلُّ أُناسٍ لهم صبغةٌ | وصِبغة همدان خير الصِّبَغْ |
| صبغنا على ذاك أبناءَنا | فأَكْرِم بصبغتنا في الصِّبَغْ |
البلاغة
وقد تضمّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾؛ أي: قالت اليهود: كونوا هودًا، وقالت النصارى: كونوا نصارى، وليس المعنى: إنّ الفريقين قالوا ذلك؛ لأنّ كل فريق يعدُّ دين الآخر باطلًا.
ومنها: جعل الشقاق ظرفًا لهُمْ في قوله: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾؛ مبالغةً في الإخبار عن استيلائه عليهم، فإنّه أبلغ من قولك: هم مشاقون.
ومنها: تنكير شقاق؛ دلالةً على امتناع وفاق بينهم أصلًا.
ومنها: التذييل بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ لأنّه تذييلٌ لما سبق من الوعد، وتأكيدٌ له.
ومنها: الإيجاز بالحذف في ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾؛ لأنّ الأصل: فسيكفيك شرَّهم، وفيه تصدير الفعل بالسين دون سوف؛ إشعارًا بأنَّ ظهوره عليهم واقعٌ في زمن قريبٍ.
ومنها: التعجيز والتبكيت في قوله: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾؛ لأنّ المراد منه إلزام الخصم، وإلجاءَه إلى الاعتراف بالحق بإرخاء عِنانه، وسدّ طرق المجادلة عليه؛ لأنّه ليس لله سبحانه، وكذا لدين الإِسلام مثلٌ، فيؤمنون به.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ حيث شبَّه الدين الإِسلاميَّ بالصبغة، وحذف المشبَّه، وأبقى المشبه به بجامع أنَّ في كل منهما حليةً وزينةً، لِمَا قام به، وفيه أيضًا: فنُّ المشاكلة: وهو ذكر الشيء بلفظ غيره، لوقوع ذلك الشيء في صحبة الغير، إمّا بحسب المقال المحقَّق، أو المقدَّر بأن لا يكون ذلك الغير مذكورًا حقيقةً، ويكون في حكم المذكور؛ لكونه مدلولًا عليه بقرينة الحال، فسمي الدين هنا صبغةً؛ لوقوعه في مقابلة صبغة النصارى
وتقرير المشاكلة مبسوط في "التلخيص" وشرحه للسعد التفتازاني، فراجعهما.
ومنها: تقديم المعمول على عامله في قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ وقوله ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾؛ لرعاية الفواصل، وللاعتناء بالضمير المجرور العائد إلى الله سبحانه وتعالى.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ والتوبيخيُّ في قوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ والتقريري في قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾.
ومنها: التهديد في قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
ومنها: تكرير الآية ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ بعينها؛ مبالغة في الزجر عمَّا هم عليه من الافتخار بالآباء، والاتكال على أعمالهم.
ومنها: الزيادة والحذف في عدَّة مواضع (١).
* * *
١٤١٧ - هـ، في اليوم السابع عشر قبيل الظهر من شهر رمضان المبارك من شهور سنة: ألفٍ وأربعمائة وسبع عشرة سنة من سني الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة، وأزكى التحية، ويليه المجلَّد الثالث، وأوَّله قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾. وصلَّى الله وسلَّم على سيّدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه السادة الغُرِّ المحجَّلين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، آمين.
تم تصحيح هذا المجلد بيد مؤلفه يوم الجمعة وقت الضحى من شهر ربيع الآخر في تاريخ ١٧/ ٤/ ١٤٢٠ من الهجرة المصطفية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية آمين.
| إِذَا رَأيْتَ زَلِيقًا | كُنْ سَاتِرًا وحَلِيما |
| يا مَنْ يُعَيِّبُ تَفْسِيري | لِمَ لا تَمُرُّ كَرِيمَا |
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد الثالث»
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
[٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
| وَعيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيْلَةٌ | وَلَكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِيْ الْمَسَاوِيَا |
| قَدَّمْتُهُ لِلِإخْوَانِ مُعْتَذِرَا | وَالْعُذْرُ مِنْ شِيَمِ السَّادَاتِ مَقْبُوْلُ |
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾.
المناسبة
قوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية، مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها: أن اليهود والنصارى قالوا: إن إبراهيم ومَن ذكر معه كانوا يهودًا أو نصارى، ذكروا ذلك طعنًا في الإِسلام؛ لأن النسخ عند اليهود باطل، فقالوا: الانتقال عن قبلتنا باطلٌ وسفَهٌ، فرد الله تعالى ذلك عليهم بقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ...﴾ الآية، فبين ما كان هداية وما كان سفهًا.
وحاصل ما ذكر في المناسبة: أن اليهود والنصارى زعموا أن إبراهيم والأنبياء الذين ذُكروا معه كانوا يهودًا أو نصارى، وقد كانت قِبْلةُ الأنبياء بيتَ المقدس، وكان - ﷺ - وهو بمكة يستقبل بيت المقدس، فلما أمر - ﷺ - بالتوجه إلى الكعبة المشرفة.. طعن اليهود في رسالته، واتخذوا ذلك ذريعةً للنيل من
أسباب النزول
قوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ إلى آخر الآية قال ابن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن البراء رضي الله عنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي نحو بيت المقدس ويُكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فقال رجال من المسلمين: وددنا لو علمنا علم من مات قبل أن نُصرف إلى القبلة، وكيف بصلاتنا قبل بيت المقدس، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، وقال السفهاء من الناس: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ...﴾ إلى آخر الآية.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال الإِمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا أبو نعيم، سمع زهيرًا، عن أبي إسحاق، عن البراء رضي الله عنه: أن النبي - ﷺ - صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وأنه صلى - أو صلاها - صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه، فمرَّ على أهل المسجد وهم راكعون قال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله - ﷺ - قِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل البيت رجال قُتلوا، فلم نَدْرِ ما نقول فيهم؛ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
سبب نزول قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية، أخرج البخاري أيضًا رحمه الله تعالى في "صحيحه" قال: حدثنا عبد الله بن
وأخرج هذا الحديث أيضًا الترمذي، وابن ماجه، والإمام أحمد، والدارقطني، وابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير"، وابن سعد في "الطبقات"، وعندهما زيادة: (وقال السفهاء من الناس: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟) فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وأخرجه مسلم أيضًا من حديث أنس.
التفسير وأوجه القراءة
١٤٢ - ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾؛ أي: الجهال الذين خفت أحلامهم، وضعفت عقولهم ﴿مِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: من اليهود والمشركين والمنافقين و ﴿السُّفَهَاءُ﴾: جمع سفيه، والسفيه (١): من لا يميز ما له وما عليه، ويعدل عن طريق منافعه إلى ما يضره. ولا شك أن الخطأ في باب الدين أعظم مضرة منه في باب الدنيا، فيكون الكافر أولى بهذا الاسم، فلا كافر إلا وهو سفيه. وقيده (٢) بالناس؛ لأن السفه كما يوصف به الناس يوصف به غيرهم من الحيوان والجماد، وكما ينسب القول إليهم حقيقة ينسب إلى غيرهم مجازًا، فرفع المجاز بقوله: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ ذكره ابن عطيه وغيره.
(٢) سمين.
وفائدة تقدم الإخبار به - أي: على المخبر عنه - توطين النفس، وإعداد الجواب. وقيل: فائدته أن مفاجأة المكروه أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد عن الاضطراب إذا وقع، وإعداد الجواب قبل الحاجة إليه أقطع للخصم، فقبل الرمي يراش السهم.
﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ صرفَ النبي والمؤمنين وحوَّلَهم إلى الكعبة ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أولًا وهي بيت المقدس. والقِبْلة: هي الجهة التي يستقبلها الإنسان، وإنما سميت قِبْلةً؛ لأن المصلي يقابلها وهي تقابله. والاستفهام هنا للإنكار؛ أي: أيُّ شيء، وأيُّ سبب اقتضى انصرافهم عن قبلتهم التي كانوا عليها التي هي قبلة الأنبياء والمرسلين؛ أي: لا سبب يقتضي ذلك، وإنما هو من تشهيهم وتصرفهم برأيهم. ومحصل الجواب المذكور بقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ إلخ بيان السب المقتضي لذلك، وهو: إرادة المالك المختار.
﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾؛ أي: جميع الجهات من المشارق، والمغارب، وما بينهما كلها لله ملكًا، والخلق عبيده. لا يختص به مكان دون مكان، وإنما العبرة بامتثال أمره، لا بخصوص المكان، يكلف عباده أن يستقبلوا بما شاء منها، وأن تجعل قبلة لهم، فلا اعتراض عليه. ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ هدايته ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: إلى طريق قويم، موصل إلى سعادة
(٢) جمل.
والظاهر: أن الصراط المستقيم هو ملة الإِسلام وشرائعه، فالكعبة من بعض مشروعاته. والإشارة في قوله:
١٤٣ - ﴿وَكَذَلِكَ﴾ راجعة إلى مفهوم الآية المذكورة قبله؛ أي: كما جعلناكم معديين إلى الصراط المستقيم، أو هديناكم إلى قبلة هي أوسط القبل، أو جعلنا قِبلتكم أفضل القبل ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ يا أمة محمد ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾؛ أي: أمة خيارًا عدولًا ممدوحين بالعلم والعمل. ﴿لِتَكُونُوا﴾؛ أي: لكي تكونوا يوم القيامة ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾؛ أي: على الأمم الماضية بأن رسلهم قد بلغتهم رسالات ربهم؛ وذلك (١) لأن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار الأمم: ألم يأتكم نذير؟ فينكرون ويقولون: ما جاءنا من نذير، فيسأل الله الأنبياء عن ذلك، فيقولون: كذبوا قد بلغناهم، فيسألهم البينة - وهو أعلم بهم - إقامة للحجة، فيقولون: أمة محمد تشهد لنا، فيؤتى بأمة محمد - ﷺ -، فيشهدون لهم بأنهم قد بلغوا فتقول الأمم الماضية: من أين علموا وإنما أتوا بعدنا؟ فيسأل الله تعالى هذه الأمة، فيقولون: أرسلت إلينا رسولًا، وأنزلت علينا كتابًا أخبرتنا فيه بتبليغ الرسل، وأنت صادق فيما أخبرت، ثم يؤتى بمحمد - ﷺ -، فيُسأل عن حال أمته، فيزكيهم ويشهد بصدقهم.
وأخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يجاء بنوح وأمته يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم أي رب، فيسأل أمته هل بلَّغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيجاء بكم، فتشهدون، ثم قرأ رسول الله - ﷺ - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ". زاد الترمذي "وسطًا عدولًا". ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ محمد - ﷺ - ﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾؛ أي: يشهد بعدالتكم، وعلى صدقكم في شهادتكم على الأمم
وأخرت (٢) صلة الشهادة أولًا، وقدمت آخرًا؛ لأن المراد في الأول: إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر: اختصاصهم بكون الرسول شهيدًا عليهم.
وقيل (٣): معنى قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ أنه - ﷺ - إذا ادعى على أمته أنه بلغهم.. تقبل منه هذه الدعوى، ولا يطالب بشهيد يشهد له، فسميت دعواه شهادة من حيث قَبولها، وعدمِ توقفها على شيء آخر، بخلاف سائر الأنبياء لا تقبل دعواهم على أممهم إلا بشادة الشهود، وهم هذه الأمة ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾؛ أي: وما صيرنا لك القبلة الآن بعد الهجرة الجهة ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: كنت على استقبالها أولًا في مكة قبل الهجرة، وتلك الجهة الكعبة، فـ ﴿القبلة﴾: هو المفعول الثاني لـ ﴿جعل﴾ مقدمًا، و ﴿التي﴾ صفة لموصوف محذوف؛ أي: الجهة التي كنت عليها، وهذا هو المفعول الأول مؤخرًا، وجعل: بمعنى صير، والتقدير: وما صيرنا الجهة التي كنت عليها أولًا قبل الهجرة - وهي الكعبة - القبلة الآن؛ أي: بعد نسخ استقبال بيت المقدس؛ أي: وما جعلنا قبلتك الأولى قبلة لك ثانيًا؛ أي: ما حولناك ورجعناك إليها ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾؛ أي: إلا لنعاملهم معاملة مَنْ يمتحنهم، ونعلم حينئذ مَنْ يتبع الرسول محمدًا - ﷺ - في التوجه إلى ما أُمر به - وهو الكعبة - ويصدقه، ممن ينقلب ويرجع إلى الكفر مرتدًا، وراجعًا على عقبيه شكًّا في الدين، وظنًّا منه أن النبي - ﷺ - في حيرة من أمره، وكان - ﷺ - يصلي إلى الكعبة قبل الهجرة، فلما هاجر أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس تألفًا لليهود، فصلى إليها سبعة عشر شهرًا، ثم حول إلى الكعبة، وارتد قوم من المسلمين إلى اليهودية، وقالوا: رجعَ محمد إلى دين آبائه. وقرأ الزهري: ﴿ليُعلَم﴾ بالبناء للمفعول وقرىء: {على
(٢) نسفي.
(٣) مراح.
﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ منهم؛ أي: هداهم ووفَّقهم لاتّبَاع الرسول، وهم الثابتون على الإيمان ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾؛ أي: تصديقكم بالقِبْلة الأولى المنسوخة، وصلاتكم إليها؛ أي: لا يجعل صلاتكم إليها ضائعًا غير محسوب لكم، بل يثيبكم عليها؛ لأن سبب نزولها: السؤال عمن مات قبل التحويل. وذلك (٢) أن حيي بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس، إن كانت على هدى فقد تحولتم عنه، وإن كانت على ضلالة فقد دنتم الله بها مدة، ومن مات عليها فقد مات على ضلالة، فقال المسلمون: إنما الهدى فيما أمر الله به، والضلالة فيما نهى الله عنه. قالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قِبْلتنا وكان قد مات قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة: أسعد بن زرارة من بني النجار، والبراء بن معرور من بني سلمة وكانا من النقبا ورجال آخرون؟ فانطلقت عشائرهم إلى النبي - ﷺ -، فقالوا: يا رسول الله، قد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم، فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾؛ يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس. وقرأ الضحاك ﴿ليضَيَّع﴾ بفتح الضاد، وتشديد الياء، مضاعف ضاع، وهي قراءة شاذة ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ﴾ أي: بالمؤمنين ﴿لَرَءُوفٌ﴾؛ أي: لمنعم لهم بجلائل النعم. ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم بدقائقها. وهذه الجملة جارية مجرى التعليل لما قبلها؛ أي: للطف رأفته، وسعة رحمته، لا يضيع إيمان من آمن، ولا عمل من عمل صالحًا.
(٢) الخازن.
| نُطِيْعَ رَسُوَلَنَا وَنُطِيْعُ رَبًّا | هُوَ الرَّحْمَنُ كَانَ بِنَا رَؤُوْفَا |
١٤٤ - ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ قال القرطبي في "تفسيره": قال العلماء: هذه الآية مقدمة في النزول على قوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ و ﴿قد﴾ هنا للتحقيق، أو للتكثير؛ أي: حقًّا نرى تحول وجهك إلى السماء، وتردد نظرك في السماء طالبًا قبلة غير التي أنت مستقبلها، أو كثيرًا نرى تصرف نظرك في جهة السماء انتظارًا وتطلعًا للوحي؛ وذلك أن رسول الله - ﷺ - كان يترجى من ربه أن يحوله إلى الكعبة؛ لأنها قبلة إبراهيم أبيه، وأَدْعَى للعرب إلى الإيمان؛ لأنها مفخرة لهم، ولمخالفة اليهود، فكان ينتظر نزول جبريل بالوحي بالتحويل، وذلك يدل على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾؛ أي: فلَنحولنك في الصلاة إلى قِبْلةٍ تحبها وتهواها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها في قلبك ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾؛ أي: فاصرف جملة بدنك ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: تلقاء الكعبة، وفي حرف (٣) عبد الله شذوذًا: ﴿فول وجهك تلقاء المسجد الحرام﴾؛ أي: استقبل عينها بصدرك في الصلاة إن كنت قريبًا، واستقبل جهتها
(٢) الخازن.
(٣) حرف: قراءة.
وقال القرطبي: روى ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - ﷺ - قال: "البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي".
﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾؛ أي: وفي أي موضع كنتم فيه يا أمة محمد، من بر أو بحر، مشرق أو مغرب، ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾؛ أي: فاصرفوا، وحولوا وجوهكم في الصلاة جهة المسجد الحرام الذي هو بمعنى الكعبة. خص (١) الرسول أولًا بالخطاب تعظيمًا له، وإيجابًا لرغبته، ثم عمم تصريحًا بعموم الحكم، وتأكيدًا لأمر القبلة، وتحضيضًا للأمة على المتابعة.
وقال (٢) ابن كثير: أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنه يصليها حيث ما توجه قالبه، وقلبُه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا مَنْ جَهِلَ جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئًا في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها. انتهى.
وأخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما دخل النبي - ﷺ - البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصل حتى خرج منه، ولما خرج ركع ركعتين قبل الكعبة، وقال: "هذه القبلة؛ يعني: أن أمر القبلة قد استقر على هذا البيت، فلا ينسخ بعد اليوم، فصلوا إلى الكعبة أبدًا، فهي قبلتكم".
(٢) ابن كثير.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا﴾ من قبلكم؛ يعني: أحبار اليهود، وعلماء النصارى ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾؛ أي: أن التولي والتحويل إلى الكعبة هو ﴿الْحَقُّ﴾؛ أي: الأمر الثابت ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ لمعاينتهم لما هو مسطور في كتبهم من أنه - ﷺ - يصلي إلى القبلتين، ولكن يكتمونه ﴿وَمَا اللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى: ﴿بِغَافِلٍ﴾؛ أي: بساه ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء إما خطابًا للمؤمنين؛ أي: وما الله بساه عما تعملون أيها المسلمون من امتثال أمر القبلة. وقال (١) ابن عباس رضي الله عنهما: يريد: أنكم - يا معشر المؤمنين - تطلبون مرضاتي، وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم، فأنا أثيبكم على طاعتكم أفضل الثواب، وأجزيكم أحسن الجزاء. وإما خطابًا لأهل الكتاب؛ أي: وما الله بغافل عما تكتمون - يا أهل الكتاب - خبر الرسول، وخبر القبلة. وقرأ الباقون: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ بالياء على أنه راجع لأهل الكتاب؛ يعني: وما أنا بساه عما يفعل هؤلاء اليهود والنصارى، فأنا أجازيهم عليه في الدنيا والآخرة، فهو على هذا القول وعلى القول الثاني: وعد للكافرين، وتهديد لهم بالعقاب على الجحود والإباء، وعلى القول الأول: وعد للمؤمنين بالثواب على القبول والأداء.
الإعراب
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.
سَيَقُولُ: ﴿السين﴾: حرف تنفيس واستقبال، ﴿يقول السفهاء﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿مِنَ النَّاسِ﴾: جار ومجرور، حال من ﴿السُّفَهَاءُ﴾. ﴿مَا وَلَّاهُمْ...﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿مَاَ﴾: استفهامية في محل الرفع
﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد - ﷺ -، والجملة مستأنفة. ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿الْمَشْرِقُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿وَالْمَغْرِبُ﴾: معطوف عليه، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿يَهْدِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب حال من لفظ الجلالة. (مَن: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَهْدِي﴾، ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: يشاء هدايته. ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: جار ومجرور، صفة متعلق بـ ﴿يَهْدِي﴾.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿كذلك﴾: جار ومجرور، صفة لمصدر محذوف. ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿أُمَّةً﴾. مفعول ثان. ﴿وَسَطًا﴾: صفة لـ ﴿أُمَّةً﴾، والتقدير: وجعلناكم أمة وسطًا جعلًا كائنًا كجَعْلِنا إياكم على صراط مستقيم؛ لأن معنى ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يجعل من يشاء على صراط مستقيم.
﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
﴿لِتَكُونُوا﴾: (اللام): لام كي. ﴿تكونوا﴾: فعل ناقص، واسمه منصوب بأن مضمرة بعد لام كي. ﴿شُهَدَاءَ﴾: خبر ﴿تكونوا﴾. ﴿عَلَى النَّاسِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿شُهَدَاءَ﴾، وجملة (تكونوا): صلة ﴿أن﴾ المضمرة، ﴿أن﴾ مع صلتها في
﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾.
﴿وَمَا جَعَلْنَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿ما﴾: نافية ﴿جَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿الْقِبْلَةَ﴾: مفعول ثانٍ مقدم. ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول في محل النصب، صفة لمحذوف هو المفعول الأول، والتقدير: وما جعلنا الجهة التي كنت على استقبالها أولًا قبل الهجرة - وهي الكعبة - القبلة لك الآن بعد نسخ بيت المقدس إلا لنعلم.. إلخ. وجملة ﴿جَعَلْنَا﴾ من الفعل والفاعل مستأنفة. ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَلَيْهَا﴾: خبر كان، وجملة (كان): صلة الموصول، والعائد ضمير ﴿عَلَيْهَا﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿لِنَعْلَمَ﴾: (اللام)، لام كي. نعلم: منصوب بأن مضمرة، وفاعله ضمير يعود على الله، وهو بمعنى (عرف) يتعدى لمفعول واحد، والجملة صلة (أن) المضمرة، (أن) مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام؛ تقديره: إلا لعلمنا من يتبع، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿لِنَعْلَمَ﴾، ﴿يَتَّبِعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على (مَنْ)، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد ضمير الفاعل. ﴿الرَّسُولَ﴾: مفعول لـ ﴿يتبع﴾. ﴿مِمَّنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نعلم﴾، ﴿يَنْقَلِبُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿يَنْقَلِبُ﴾.
﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾.
﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إن﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن؛ تقديره: وإنها، أي: القصة. ﴿كان﴾ فعل ناقص واسمها ضمير يعود على
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿ما﴾ نافية. ﴿كَانَ اللَّهُ﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿لِيُضِيعَ﴾: (اللام): حرف جر وجحود. (يضيع): فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿إِيمَانَكُمْ﴾: مفعول به، ومضاف إليه. والجملة الفعلية صلة (أن) المضمرة، (أن) مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام الجحود، ولام الجحود متعلقة بمحذوف خبر كان؛ تقديره: وما كان الله مريدًا لإضاعة إيمانكم، وجملة ﴿كَانَ﴾: مستأنفة. وهذا الإعراب على مذهب البصريين ويدل لمذهبهم التصريح بالخبر المحذوف في قوله:
سَمَوْتَ وَلَمْ تَكُنْ أَهْلًا لِتَسْمُوْ
وأما على مذهب الكوفيين: فاللام وما بعدها في محل الخبر، ولا يقدِّرون شيئًا، وإنّ (اللام) للتأكيد. وقد أشبعتُ الكلام على لام الجحود بإعرابها على كلا المذهبين في كتابي "الخريدة البهية في إعراب أمثلة الأجرومية" فراجعه إن شئت.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿بِالنَّاسِ﴾: جار ومجرور تنازع فيه ما بعده. ﴿لَرَءُوفٌ﴾ (اللام): لام الابتداء. ﴿رءوف﴾: خبر أول لـ ﴿إنَّ﴾.
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق أو تكثير. ﴿نَرَى﴾: فعل مضارع، وهي بصرية، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿تَقَلُّبَ﴾: مفعول به، وهو مضاف ﴿وَجْهِكَ﴾: (وجه): مضاف إليه وهو مضاف، و ﴿الكاف﴾ مضاف إليه، والجملة مستأنفة وهي في المعنى علة ثانية لقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ إلخ؛ أي: إنما حولنا القبلة؛ لنعلم... الخ، ولأنا نرى... الخ. ﴿فِي السَّمَاءِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَقَلُّبَ﴾، وقال أبو البقاء: ولو جعل حالًا من الوجه لجاز ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية (اللام): موطئة لقسم محذوف جوازًا؛ تقديره: وعزتي وجلالي لنولينك. (نولين): فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم معطوفة على جملة قوله ﴿قَدْ نَرَى﴾ و (الكاف): مفعول أول لـ (نولي) ﴿قِبْلَةً﴾: مفعول ثان. ﴿تَرْضَاهَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿قِبْلَةً﴾. ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾: (الفاء): عاطفة تفريعية. (ولّ): فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة القسم. ﴿وَجْهَكَ﴾: مفعول أول ومضاف إليه. ﴿شَطْرَ﴾: مفعول ثان وهو مضاف. ﴿الْمَسْجِدِ﴾: مضاف إليه. ﴿الْحَرَامِ﴾: صفة له.
﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
﴿وَحَيْثُ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿حيث﴾ اسم شرط جازم في محل النصب على الظرفية المكانية، والظرف متعلق بـ ﴿كُنْتُمْ﴾. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿حيثما﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَوَلُّوا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب حيثما وجوبًا؛ لكون الجواب جملة طلبية ﴿ولوا﴾ فعل أمر وفاعل مبني على حذف النون، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿حيثما﴾ على كونها جواب شرط
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَإِنَّ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية: (إن) حرف نصب. ﴿الَّذِينَ﴾: اسمها. ﴿أُوتُوا﴾: فعل ماض مغير ونائب فاعل، وهو بمعنى أعطى يتعدى لمفعولين والأول منهما نائب الفاعل. ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول ثان، وجملة ﴿أُوتُوا﴾: صلة الموصول، والعائد ضمير الغائب. ﴿لَيَعْلَمُونَ﴾: (اللام): لام الابتداء. ﴿يعلمون﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إن، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة. ﴿أَنَّهُ﴾: ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر. و ﴿الهاء﴾: اسمها. ﴿الْحَقُّ﴾: خبرها، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر سادّ مسد مفعولي علم؛ تقديره: ليعلمون حقِيَّة التولي. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من الحق؛ تقديره: حال كونه كائنًا من ربهم ﴿وَمَا اللَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿ما﴾: حجازية. ﴿اللَّهُ﴾: اسمها. ﴿بِغَافِلٍ﴾: (الباء) زائدة. ﴿غافل﴾: خبر ﴿ما﴾ منصوب ﴿عَمَّا﴾: ﴿عن﴾ حرف جر. ﴿ما﴾: مصدرية، أو موصولة، أو موصوفة. ﴿يَعْمَلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ (عن)؛ تقديره: عن عملهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿غافل﴾، أو الجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، أو صفة للموصوفة، والعائد أو الرابط محذوف؛ تقديره: يعملونه، وجملة ﴿ما﴾ الحجازية مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿السُّفَهَاءُ﴾ جمع سفيه، ككرماء جمع كريم، والسفيه: هو الكذاب البهات المعتمد خلاف ما يعلم. كذا قال بعض أهل اللغة، وقال في "الكشاف": هم خفاف الأحلام، ومثله في "القاموس".
﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ يقال: ولاه عن الشيء يوليه إذا صرفه وحوله عنه، من باب فعل
﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾: الوسط: الخيار أو العدل. وقد ثبت عن النبي - ﷺ - في حديث رواه الترمذي كما مر في مبحث المناسبة تفسير الوسط هنا بالعدل، فوجب الرجوع إلى ذلك. ومنه قول الراجز:
| لاَ تَذْهَبَنَّ في الأُمُوْرِ مُفْرِطَا | لاَ تَسْألنَّ إِنْ سَأَلْتَ شَطَطَا |
والآية تحتمل المعنيين، ومما يحتملها قول الآخر:
| هُمْ وَسَطٌ تَرْضَى الأنَامُ بِحُكْمِهِمْ | إِذَا نَزَلَتْ إِحْدَى اللَّيَالِي بِمُعَظَّمِ |
﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: جمع شهيد من الشهادة. وقد اختص هذا اللفظ في عرف الشرع بمن يخبِر عن حقوق الناس بألفاظٍ مخصوصةٍ على جهات.
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾: و ﴿نَرَى﴾: هنا مضارعٌ بمعنى الماضي، وقد ذكر بعض النحويين أن مما يصرف المضارع إلى الماضي ﴿قَدْ﴾ في بعض المواضع، ومنه ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾، ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾، ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾. ويقال: تَقَلَّب تقلُّبًا - من باب تفعَّل - إذا تحول عن وجهه، وتقلب على فراشه إذا تحول من جانبٍ إلى جانبٍ آخر، وتقلب في الأمور إذا تصرف فيها، وانتقل من أمرٍ إلى غيره.
﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾: الشطر يكون بمعنى النصف من الشيء والجزء منه. ومنه
﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾: وأصلُ ولُّوا: وليوا، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان فحذف أولهما وهو الياء، وضم ما قبله لتجانس الضمير، فوزنه فعوا.
البلاغة
﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؛ أي: على استقبالها، أو على اعتقادها، ففيه إيجازٌ بالحذفِ، والاستعلاء في قوله: ﴿عليها﴾ فيه مجاز بالاستعارة حيث شبه مواظبتهم على المحافظة عليها باستعلاء من استعلى على الشيء.
﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾؛ أي: خيارًا عدولًا، فالوسط مستلزِم للخيار والعدول، فأطلق الملزوم وأراد اللازم، فيكونان استعارةً. وأصل الوسط: مكانٌ تستوي إليه المساحة من سائر الجوانب، ثم استعير للخصال المحمودة، ثم أطلق على المتصِف بها.
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾: والالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿الرَّسُولَ﴾ مع إيراده عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة للإشعار بعلة الإتباع. قاله أبو السعود.
﴿يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾: فيه استعارةٌ تمثيليةٌ حيث مثل لمن يرتدّ عن دينه بمن ينقلب على عقبيه. أفاده الفخر الرازي.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: ولما كان نفي الجملة السابقة مبالغًا فيها من حيث لام الجحود.. ناسب إثبات الجملة الخاتمة مبالغًا فيها، فبولغ فيها بإن
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾: والوجه (١) هنا قيل: أُريد به مدلول ظاهره. قال قتادة والسدي وغيرهما: (كان رسول الله - ﷺ - يقلب وجهه في الدعاء إلى الله تعالى أن يحوِّله إلى قبلة مكة)، وقيل: كُنِّي بالوجه عن البصر؛ لأنه أشرف، وهو المستعمل في طلب الرغائب. تقول: بذلت وجهي في كذا، وهو من الكناية بالكل عن الجزء. وفي قوله: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ مجازٌ مرسل من إطلاق اسم الكل على الجزء إن قلنا المراد منه الكعبة كما علله الأكثرون.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ الآيات، مناسبتها (١) لما قبلها: أنه تعالى لمّا ذكر لنبيه - ﷺ - ما يقوله السفهاء من اليهود عند تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، وأمر رسوله - ﷺ - بأن يتوجه في صلاته نحو الكعبة، وأعلمه أنهم يعلمون أنه الحق وهم يكتمونه، ولا يرتبون على العلم به مقتضاه.. سلَّاه - ﷺ - عن قبولهم الحق بأنهم قد انتهوا في العناد وإظهار المعاداة إلى رتبةٍ لو جئتهم فيها بجميع المعجزات التي كل معجزة منها تقتضي قبول الحق.. ما تبعوك، ولا سلكوا طريقك، وإذا كانوا لا يتبعونك مع مجيئك لهم بجميع المعجزات.. فأحرى أن لا يتبعوك إذا جئتهم بمعجزةٍ واحدة، والمعنى بكل آيةٍ يدل على أن توجهك إلى الكعبة هو الحق.
التفسير وأوجه القراءة
١٤٥ - ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾؛ أي: وعزَّتي وجلالتي لَئِن جئتَ يا محمدُ
وفي "بدائع الفوائد" لابن القيم: قبلةُ أهل الكتاب ليست بوحي ولا توقيف من الله تعالى، بل بمشورةٍ واجتهادٍ منهم، أما النصارى: فلا ريب أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يأمرهم في الإنجيل ولا في غيرِه باستقبالِ المشرقِ، وهم يُقرُّون بأنَّ قبلة المسيح عليه السلام قبلةُ بني إسرائيل وهي الصخرة، وإنما وضع لهم أشياخهم هذه القبلةَ وهم يعتذرون عنهم بأنَّ المسيحَ عليه السلام فوَّض إليهمُ التحليلَ والتحريم وشرع الأحكامِ، وأنَّ ما حلّلوه وحرّموه فقد حلّله هو وحرّمه في السماء، فهم واليهود متفقون على أنَّ الله تعالى لم يشرع استقبال بيت المقدس على رسوله أبدًا، والمسلمونَ شاهدون عليهم بذلك الأمر، وأما قبلة اليهود: فليس في التوراة الأمر باستقبالِ الصخرةِ البتة، وإنما كانوا ينصبون التابوت، ويصلون إليه حيث خرجوا، فإذا قدموا نصبوه على الصخرةِ وصلّوا إليه، فلما رُفع صلوا إلى موضعه، وهو الصخرة. انتهى.
ووقع في بعض كتب القصص (١): أن قبلة عيسى عليه السلام كانت بيتَ المقدس، وبَعْد رَفْعِه ظهر بولس ودسَّ في دينهم دسائسَ، منها أنه قال: لقيتُ عيسى عليه السلام فقال لي: إن الشمس كوكبٌ أحبه يبلِّغ سلامي في كل يومٍ فَمُرْ قومي ليتوجهوا إليها في صلاتهم، ففعلوا ذلك.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لَئِن اتبعتَ يا محمدُ - فَرَضًا - أهواءهم وشهواتهم؛ أي: الأمورَ التي يهوونها، ويحبونها، ويطلبونها منك، ومنها: رجوعك إلى قبلتهم ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ والوحي من أمر القبلةِ بأنَّك لا تعود إلى قبلتهم، وأنَّ القبلةَ هي الكعبةُ، وأنَّ دينَ اللهِ هو الإِسلامُ، وقيل (٢) معناه: من بعد ما وصل إليك من العلم بأنَّ اليهود والنصارى مقيمون على باطلٍ وعنادٍ للحقِ ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿إِذًا﴾ ولفظ ﴿إذا﴾ هنا
(٢) الخازن.
ولزم الوقف على الظالمين؛ إذ لو وصل لصار ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ صفة للظالمين، وليس كذلك.
وقال الشوكاني (٢): وفي قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ إلى آخر الآية، من التهديد العظيم، والزجر البليغ ما تقشعر له الجلود، وترجف منه الأفئدة، وإذا كان الميل إلى أهوية المخالفين لهذه الشريعة الغراء والملة الشريفة من رسول الله - ﷺ - الذي هو سيد ولد آدم يوجب عليه أن يكون - وحاشاه - من الظالمين.. فما ظنك بغيره من أمته؛! وقد صان الله هذه الفرقة الإِسلامية بعث ثبوت قدم الإِسلام وارتفاع مناره عن أن يميلوا إلى شيء من هوى أهل الكتاب ولم تبق إلا دسيسة شيطانية، ووسيلة طاغوتية؛ وهو ميل بعض من تحمل حجج الله إلى هوى بعض طوائف المبتدعة؛ لما يرجوه من الحطام العاجل من أيديهم، أو الجاه لديهم إن كان لهم في الناس دولة، أو كانوا من ذوي الصولة، وهذا الميل ليس بدون ذلك الميل، بل اتباع أهوية المبتدعة تشبه اتباع أهوية أهل الكتاب، كما يشبه الماء الماء، والبيضة البيضة، والثمرة الثمرة، وقد تكون مَفْسدة اتباع أهوية المبتدعة أشد على هذه الملة من مفسدة أتباع أهويةِ أهل الملل، فإن المبتدعة ينتمون إلى الإِسلام، ويظهرون للناس أنهم ينصرون الدين ويتبعون أحسنه، وهم على العكس من ذلك والضد لما هنالك، فلا يزالون ينقُلون مَنْ يميل إلى أهويتهم مِن بدعة إلى بدعة، ويدفعونه من شنعة إلى شنعة حتى يسلخوه من الدين، ويخرجوه وهو يظن أنه منه في الصميم، وأن الصراط الذي
(٢) بيضاوي.
وإن كان من أهل العلم والفهم المميِزين بين الحق والباطل.. كان باتباعه لأهوتيهم ممن أضله الله على علم، وختمَ على قلبه، وصار نقمةً على عباد الله، ومصيبةً صبّها الله على المقصرين؛ لأنهم يعتقدون أنه في علمه وفهمه لا يميل إلّا إلى الحق، ولا يتبع إلّا الصواب فيضلّون بضلاله، فيكون عليه إثمه وإثم من اقتدى به إلى يوم القيامة. نسأل الله اللطف والسلامة والهداية. انتهى.
١٤٦ - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: أعطيناهم علم التوراة والإنجيل ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾؛ أي: يعرفون محمدًا - ﷺ - معرفةً جليةً واضحةً، يميزون بينه وبين غيره بالوصف المعين الذي يجدونه في كتابهم، أو يعرفون القرآن، أو تحويل القبلة. والأول أظهر؛ لقوله: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾؛ أي: يعرفون أنهم منهم، وأنهم من نسلهم؛ أي: يعرفونه بأوصافه كمعرفتهم أبناءهم، لا يلتبس عليهم بغيره.
روي: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لعبد الله بن سلام رضي الله عنه: كيف هذه المعرفة المذكورة في هذه الآية؟ فقال عبد الله: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني، ومعرفتي بمحمدٍ أشد من معرفتي بابني، فقال عمر: فكيف ذلك؟ فقال: أشهد أنه رسول الله - ﷺ - حقًّا، وقد نعته الله تعالى في كتابنا ولا أدري ما تصنع النساء، فقبّل عمر رأسه وقال: وفقك الله يا أبا سلام، فقد صدقت.
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: وإن جماعةً من أهل الكتاب - وهم علمائهم - ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾؛ أي: ليخفون الأمر الحق الذي هو نعتُ محمد - ﷺ -، ولا يعلنونه للناس، أو ما هو أعم منه ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: والحال أنهم ﴿يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: يعرفون ذلك الحق بما يجدونه في كتابهم، أو يعلمون أن كتمان الحق معصية.
١٤٧ - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ قرأ الجمهور: برفع ﴿الْحَقُّ﴾ على أنه مبتدأ، والخبر ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، و (اللام) (١): إما للعهد؛ أي: الحق الذي أنت عليه يا محمد، أو الحق
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بالنصب على أنه بدل من ﴿الحق﴾ المكتوم وهي قراءة شاذة، والتقدير: يكتمون الحق من ربك، أو منصوب على الإغراء؛ أي: الزم الحق، أو مفعول لـ ﴿يعلمون﴾ ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾ يا محمدُ ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾؛ أي: من الشَّاكين في أنه الحق من ربك، أو في كتمانهم الحق عالمين به، أو في أن علماء أهل الكتاب علموا صحة نبوءتك وشريعتك. وعلى الأول فالخطاب مع الرسول، والمراد به الأمة؛ أي: لا يكن أحد من أمته من الممترين في ذلك؛ لأنه - ﷺ - لا يشك في كون ذلك هو الحق من الله سبحانه وتعالى.
وقال أبو العالية (١): يقول الله سبحانه لنبيه - ﷺ -: فلا تكونن - يا محمد - في شكٍّ أن الكعبة هي قبلتك، وكانت قبلة الأنبياء من قبلك.
١٤٨ - ﴿وَلِكُلٍّ﴾ بحذفِ المضاف إليه؛ لدلالة التنوين عليه؛ أي: ولكل أهل دينٍ سواء كان بحقٍ أو بباطلٍ ﴿وِجْهَةٌ﴾؛ أي: جهة وقبلة يستقبلها؛ أي: أنهم لا يتبعون قبلتك، وأنت لا تتبع قبلتهم. والضمير في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ راجعٌ إلى لفظ ﴿كل﴾، و (الهاء) في قوله: ﴿مُوَلِّيهَا﴾ عائد على الـ ﴿وجهة﴾ وهو المفعول الأول. والمفعول الثاني محذوفٌ؛ تقديره: موليها وجهه. والمعنى: أن لكل صاحب ملة قبلةً، صاحبُ تلك القبلة موليها وجهه، أو المعنى ولكل قومٍ من المسلمين جهة من الكعبة يصلي إليها، جنوبية أو شمالية، أو شرقية أو غربية، إذا كان الكلام في المسلمين. ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ عائدًا على الله سبحانه، وإن لم يسبق له ذكر لعلمه من السياق؛ إذ من المعلوم أن الله
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَلِكُلٍّ﴾ منوَّنًا: ﴿وِجْهَةٌ﴾ مرفوعًا، ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ بكسر اللام اسم فاعل.
وفي قراءة عبد الله بن عامر النخعي ﴿هوَ مُوَلَّاها﴾ بفتح اللام اسم مفعول، وهي قراءة ابن عباس، وأبي جعفر محمد بن علي الباقر، والمعنى: ﴿هو﴾؛ أي: كل قوم مولَّى لتلك الجهة؛ أي: مأمور باستقبالها، وقرىء شاذًا: ﴿ولكلِّ وجهةٍ﴾ بالإضافة؛ أي: بخفض اللام من ﴿كل﴾ بلا تنوين، ﴿وجهةٍ﴾ بالخفضِ منونًا على الإضافة، قال في "الكشاف": والمعنى عليها: وكل وجهة وقبلة الله موليها، فزيدت اللام لتقدم المفعول، كقولك لزيد ضربت. وقال ابن جرير: هي خطأ لا سيما وهي معزوة إلى ابن عامر أحد القراء السبعة، وقرأ أبي: (ولكل قبلة) وهي قراءة شاذة، وقرأ عبد الله: ﴿ولكل جعلنا قبلة﴾ وهي قراءة شاذة أيضًا.
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: فبادروا - يا أمة محمد - إلى الطاعات والأعمال الصالحة، وقبول أوامرها، من التوجه إلى القبلة وغيره مما تنال به سعادة الدارين. ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾؛ أي: في أي موضع تكونوا من برٍّ أو بحرٍ أنتم وأعداءكم من موافق ومخالف، مجتمع الأجزاء ومفترقها ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾؛ أي: يبعثكم الله جميعًا، ويحشركم إلى المحشر يوم القيامة للمجازاة، فيجازيكم على أعمالكم خيرًا أو شرًّا، أو (٢) أينما تكونوا من أعماق الأرض، وقلل الجبال يقبض أرواحكم، أو أينما تكونوا من الجهات المتقابلة.. يأت بكم الله جميعًا، ويجعل صلواتكم كأنّها إلى جهةٍ واحدة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ شاءه مِنْ جَمْعِكم وغيره ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر يقدر على الإعادة بعد الموت، والإثابة لأهل الطاعة، والعقاب لمستحق العقوبة.
(٢) البحر المحيط.
١٤٩ - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾؛ أي: وفي أي مكانٍ خرجت إليه يا محمد لسفرٍ، أو غزو. وقرأ عبد الله بن عمير: ﴿وَمِنْ حَيْثُ﴾ بفتح المثلثة تخفيفًا، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾؛ أي: فاصرف، وحول، ووجه ذاتك في صلاتك ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: تلقاء المسجد الحرام وجهة الكعبة. ﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: وإن التولي إلى المسجد الحرام في الصلاة ﴿لَلْحَقُّ﴾؛ أي: للأمر الموافق للحكمة الثابت الذي لا يعرض له نسخ، ولا تبديل حال كونه واقعًا ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قرأ أبو عمرو: ﴿يعملون﴾ بالياء على الغيبة، وهو راجع للكفار؛ أي: من إنكار أمر القبلة، والباقون: ﴿تعملون﴾ بالتاء على الخطاب؛ أي: ليس هو بساهٍ عن أعمالكم، ولكنه محصيها لكم وعليكم، فيجازيكم بها يوم القيامة.
١٥٠ - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ في أسفارك ومغازيك من المنازل القريبة والبعيدة ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ في الصلاة ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: تلقاءه ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾؛ أي: وفي أي مكان كنتم فيه - يا أمة محمد - من أقطار الأرض مقيمين، أو مسافرين في برٍّ أو بحرٍ ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾؛ أي: فوجِّهوا وجوهكم في الصلاة من محالكم ﴿شَطْرَهُ﴾؛ أي: شطر المسجد الحرام وتلقاءه.
وكرّر (٢) الله سبحانه وتعالى أمرَ التولي لشطرِ المسجد الحرام ثلاثَ مرات؛ لتأكيد أمر القبلة، فالثالثة مؤكدةٌ للثانية لا للأولى؛ لأنّا بينّا أن الأولى: في الإقامة، والثانية: في السفر، وأما الثالثة: ففي السفر أيضًا، فهي مؤكدةٌ للثانية، وحكمة هذا التأكيد: تثبيت هذا الحكم، وتقرير نسخ استقبال بيت المقدس؛ لأن النسخ من مظانِّ الفتنة والشبهة، مع أنه تعالى علق بكل آية فائدةً. أما في الآية الأولى فبيّن أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر نبوة محمد، وأمر هذه القبله حق؛
(٢) البحر المحيط.
| وَمَا بِالْمَدِينَةِ دَارٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ | دَارُ الْخَلِيْفَةِ إلا دَارُ مَرْوَانَا |
قلنا: تمام النعمة في كل وقتٍ بما يليق به، فلا معارضة بين الآيتين.
الإعراب
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾.
﴿وَلَئِنْ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، أو داخلة على مقسم به محذوف، تقديره: وعزتي وجلالي ﴿اللام﴾: موطئة للقسم ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿أَتَيْتَ﴾: فعل، وفاعل في محل الجزم بإن على كونه فعل شرط لها. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر في محل النصب مفعول به؛ لأن (أتى) هنا بمعنى جاء. ﴿أُوتُوا﴾: فعل ماض مُغيَّر ونائب فاعل وهو المفعول الأول. ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول ثان؛ لأن (أتى) هنا بمعنى أعطى، والجملة من الفعل المغيَّر ونائب فاعل صلة الموصول، والعائد ضمير الغائب. ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَتَيْتَ﴾. ﴿مَا تَبِعُوا﴾: ﴿ما﴾: نافية. ﴿تَبِعُوا﴾ فعل وفاعل، ﴿قِبْلَتَكَ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه ساد مسد جواب الشرط، وجملة الشرط مستأنفة استئنافًا نحويًّا لا محل لها من الإعراب، وإنما جعلنا المذكور جوابًا للقسم لا للشرط جريًا على القاعدة النحوية: أنه إذا اجتمع شرط وقسم فإنه يحذف جواب المتأخر
| وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ | جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ |
﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾.
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿ما﴾: حجازية أو تميمية. ﴿أَنْتَ﴾: في محل الرفع اسمها، أو مبتدأ. ﴿بِتَابِعٍ﴾ ﴿الباء﴾: زائدة، ﴿تابع﴾: خبر ﴿ما﴾ منصوب، أو خبر المبتدأ مرفوع. ﴿قِبْلَتَهُمْ﴾: مفعول لـ ﴿تابع﴾ ومضاف إليه، والجملة الإسمية معطوفة على جملة الشرط وجوابه، لا على الجواب وحده، إذ لا تحل محله؛ لأن نفي تبعيتهم مقيد بشرطٍ لا يصح أن يكون قيدًا في نفي تبعيته قبلتهم.
﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾.
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿ما﴾: حجازية أو تميمية. ﴿بَعْضُهُمْ﴾: اسم ﴿ما﴾ ومضاف إليه، أو مبتدأ ﴿بِتَابِعٍ﴾ ﴿الباء﴾: زائدة ﴿تابع﴾: خبر ما، أو خبر المبتدأ. ﴿قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾: مفعول ﴿تابع﴾، ومضاف إليه، والجملة الإسمية معطوفة على جملة الشرط وجوابه في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ﴾... إلخ.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَلَئِنِ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية فيه، أو داخلة على مقسم به محذوف، وتقديره: وعزتي وجلالي. ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿اتَّبَعْتَ﴾. فعل وفاعل في محل الجزم بأن على كونه فعل شرط لها. ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور متعلق
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾
﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول ثانٍ، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الغائبين. ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿كَمَا﴾ (الكاف): حرف جر وتشبيه، ﴿ما﴾ مصدرية. ﴿يَعْرِفُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿أَبْنَاءَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة صلة (ما) المصدرية. (ما) مع صلتها في تأويل مصدرٍ مجرور بالكاف، تقديره: كمعرفتهم أبناءهم، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف، تقديره: يعرفونه معرفةً كائنةً كمعرفتهم أبناءهم، وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾ بدلًا من ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ في الآية قبلها، ويجوز أن يكون بدلًا من ﴿الظَّالِمِينَ﴾، فيكون ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ حالًا من الكتاب، ويجوز أن يكون نصبًا على تقدير: أعني، ورفعًا على تقديرهم: انتهى. ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ﴾: الواو استثنائية، ﴿إن﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿فَرِيقًا﴾: اسمها. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿فَرِيقًا﴾، ﴿لَيَكْتُمُونَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿يكتمون﴾: فعل وفاعل. ﴿الْحَقَّ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية خبر (إن)، تقديره: وإن فريقًا منهم لكاتمون الحق، وجملة (إن) مستأنفة. ﴿وَهُمْ﴾
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾.
﴿الْحَقُّ﴾: مبتدأ. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة، وقيل: خبرٌ لمبتدأ محذوف؛ تقديره: هو؛ أي: ما كتموه، وقيل: الحق. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ جار ومجرور حال من الحق، وقيل: غير ذلك ﴿فَلَا﴾ (الفاء): عاطفة تفريعية ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَكُونَنَّ﴾: فعل مضارع ناقص في محل الجزم بـ (لا) مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: جار ومجرور خبر (تكون)، وجملة (تكون) معطوفة على جملة المبتدأ.
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾.
﴿وَلِكُلٍّ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. (لكل): جار ومجرور خبر مقدم. ﴿وِجْهَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر، وسَوَّغ الابتداء بالنكرة وصفه بما بعده، والجملة مستأنفة. ﴿هُوَ﴾: ضمير يعود على (كل) في محل الرفع مبتدأ. ﴿مُوَلِّيهَا﴾: خبر ومضاف إلى المفعول الأول، والضمير عائد على وجهة، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: وَجْهَهُ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع صفةٌ لوجهة ﴿فَاسْتَبِقُوا﴾ (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم ما ذكرته لكم، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم فأقول ﴿استبقوا﴾ فعل وفاعل، ﴿الْخَيْرَاتِ﴾: منصوب بنزع الخافض تقديره: إلى الخيرات والجملة الفعلية في محل النصب مفعول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿أَيْنَ﴾: اسم شرط جازم في محل النصب على الظرفية مبنية على الفتح، والظرف متعلق بـ ﴿تَكُونُوا﴾. ﴿مَا﴾: زائدة. ﴿تَكُونُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿أَيْنَ﴾ على كونه فعل شرط لها، وهو من كان التامة، ﴿يَأْتِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿أَيْنَ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿بِكُمُ﴾: جار ومجرور متعلق به.
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
﴿وَمِنْ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿من حيث﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ولِّ﴾ الآتي. ﴿خَرَجْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾. ﴿فَوَلِّ﴾: ﴿الفاء﴾: زائدة، ﴿ولِّ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿وَجْهَكَ﴾: مفعول أول ومضاف إليه. ﴿شَطْرَ﴾: مفعول ثانٍ وهو مضاف. ﴿الْمَسْجِدِ﴾: مضاف إليه. ﴿الْحَرَامِ﴾: صفة له، والجملة الفعلية مستأنفة.
﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَإِنَّهُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿إن﴾: حرف نصب، و ﴿الهاء﴾: اسمها ﴿لَلْحَقُّ﴾: اللام حرف ابتداء، الحق: خبرها، والجملة مستأنفة. ﴿مِن رَبِّكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من الحق. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿ما﴾ نافية ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ. أو: ﴿ما﴾: حجازية، ﴿اللَّهُ﴾: اسمها. ﴿بِغَافِلٍ﴾: ﴿الباء﴾ زائدة، ﴿غافل﴾: خبر المبتدأ، أو خبر ﴿ما﴾، والجملة صلة لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف؛ تقديره: تعملونه، أو صلة ﴿ما﴾ المصدرية؛ تقديره: عن عملكم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿غافل﴾.
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: تقدم إعرابه آنفًا، فلا عود ولا إعادة، فراجعه إن شئت.
﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
﴿وَحَيْثُ مَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿حيث ما﴾: اسم شرط جازم في محل النصب على الظرفية المكانية، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل وفاعل؛ لأنه من كان التامة في محل الجزم بـ ﴿حيث ما﴾ على كونها فعل شرط
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.
﴿لِئَلَّا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿أن﴾ حرف مصدري ونصب ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَكُونَ﴾ فعل مضارع منصوب بأن المذكورة في ﴿لِئَلَّا﴾. ﴿لِلنَّاسِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿لِيَكُونَ﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من ﴿حُجَّةٌ﴾؛ لأنه نعت نكرة قُدِّم عليها. ﴿حُجَّةٌ﴾: اسم ﴿يَكُونَ﴾: مؤخر، وجملة ﴿يَكُونَ﴾ من اسمها وخبرها صلة ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدرٍ مجرور بلام التعليل؛ تقديره: لعدم كون حجة ثابتة للناس عليكم، الجار والمجرور متعلق بمحذوف؛ تقديره: عرفناكم وجه الصواب في قبلتكم وكيفية الاحتجاج في القبلة بما بيَّنا في قولنا: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ لإعدام كون حجة للناس عليكم ونفيها.
﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من الناس متصل؛ لأن ما قبل إلا ظالمون أيضًا، والمعنى: لئلا تكون حجةً لأحد من الناس - أي: اليهود والمشركين - عليكم إلا المعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلًا إلى دين قومه وحبًّا لبلده، ولو كان على الحق.. للزم قبلة الأنبياء قَبْله عليهم السلام. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب على الاستثناء. ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿ظَلَمُوا﴾.
﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾.
﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرطٍ مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم أنما فعلنا بكم ذلك لقطع حجة الناس عنكم، وأردتم بيان ما يلزمكم.. فأقول لكم ﴿لا تخشوهم﴾ ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَخْشَوْهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول
﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
وَلأُتِمَّ: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿أتم﴾: منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿نِعْمَتِي﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أتم﴾، أو حال من (نعمتي)، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام؛ تقديره: ولإتمام نعمتي عليكم، الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، والتقدير: عرفناكم وجه الصواب في قبلتكم لقطع حجة الناس عنكم، ولإتمام نعمتي عليكم بتحويلكم إلى أشرف القبل، قبلة أبيكم إبراهيم عليه السلام. ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لعل﴾: حرف نصب وتعليل بمعنى كي، ﴿الكاف﴾): اسمها، وجملة ﴿تَهْتَدُونَ﴾ في محل الرفع خبرها، وجملة (لعل) في محل الجر بـ ﴿لام﴾ التعليل المقدرة؛ تقديره: ولإرادتي هدايتكم إلى الحق، الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، وتقدير الكلام: عرفناكم وجه الصواب في قبلتكم لقطع حجة الناس عنكم، ولإتمام نعمتي عليكم، ولإرادتي هدايتكم إلى الحق، والله أعلم بمعنى كلامه.
التصريف ومفردات اللغة
﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ الآية: الحجة والعلامة. قيل: أصلها أيَيَة كتمرة، قلبت عينها ألفًا على غير قياس، وقيل: أصلها آئية كقائلة، حذفت همزتها تخفيفًا، وقيل: غير ذلك.
﴿مَا تَبِعُوا﴾؛ أي: لا يتبعوا، فهو ماض في معنى المستقبل، ودخلت ﴿مَا﴾ حملًا على لفظ الماضي، وحذفت الفاء في الجواب مع كونه منفيًّا بها؛ لأن فعل
﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾: جمع هوى مقصورًا، والهوى: كل ما تحبه النفس وتميل إليه طبعًا. ﴿إِذًا﴾: حرف، والنون فيه أصل، ولا تستعمل إلا في الجواب، ولا تعمل هنا شيئًا؛ لأن عملها في الفعل، ولا فعل هنا، فهي هنا مؤكدةٌ لجواب ارتبط بمتقدم، ولا عمل لها إذا كانت مؤكدة.
﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: اسم فاعل من الامتراء؛ وهو الشك، يقال: امترى في الشيء - من باب افتعل - إذا شك فيه، ومثله: المراء والمرية.
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾: وعبارة "السمين" هنا: وفي ﴿وِجْهَةٌ﴾ قولان:
أحدهما: اسم للمكان المتوجه إليه كالكعبة، وعلى هذا يكون إثبات ﴿الواو﴾ قياسًا؛ إذ هي غير مصدر.
والثاني: أنها مصدر بوزن فِعْلةٌ، وعلى هذا يكون ثبوت ﴿الواو﴾ شاذًا منبِّهًا على الأصل المتروك في عدة ونحوها. انتهت.
وقال أبو البقاء: ﴿وِجْهَةٌ﴾ مصدر جاء على الأصل، والقياس: جهة مثل (عِدَة) و (زِنَه)، و ﴿الوجهة﴾: مصدر في معنى المتوجه إليه، كالخلق بمعنى المخلوق، وهي مصدر محذوف الزوائد؛ لأن الفعل تَوجّه أو اتجه، والمصدر التوجه أو الاتجاه؛ لأنه لم يستعمل منه وَجْهٌ كَوْعدٌ.
﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ بكسر اللام على قراءة الجمهور اسم فاعل من ولّى يولّي توليةً من باب فَعّل المضاعف المعتل، وأما بفتح اللام: فاسم مفعول منه.
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾: والخيرات جمع خيرة، وفيها احتمالان:
أحدهما: أن تكون مخففة من خيرة بالتشديد بوزن فيعلة، نحو ميِّت في ميْت.
والثاني: أن تكون غير مخففة من خَيِّرة، بل ثبتت على فَعْلَة بوزن جَفْنَة. يقال: رجل خَيْر وامرأة خَيْرَة، وعلى كلا التقديرين فليستا للتفضيل، والسبق: الوصول إلى
البلاغة
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: فيه وضع اسم الموصول موضع الضمير؛ للإيذان بكمال سوء حالهم من العناد؛ يعني: أنهم قد انتهوا في العناد، وإظهار المعاداة إلى رتبةٍ لو جئتهم فيها بجميع المعجزات.. ما تبعوك، ولا سلكوا طريقك.
﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾: وهذه الجملة أبلغ في النفي من قوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ من وجوه: كونها اسميةً، وتكرر الاسم فيها، وكون نفيها مؤكدًا بالباء.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾: هذا من باب التهييج والإلهاب للثبات على الحق.
﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾: فيه تشبيه مرسل مفصل؛ أي: يعرفون محمدًا - ﷺ - معرفةً واضحةً كمعرفة أبنائهم الذين من أصلابهم، وخصَّ الأبناء دون البنات أو الأولاد؛ لأن الذكور أعرف وأشهر، وهم لصحبة الآباء ألزم، وبقلوبهم ألصق. والالتفات عن الخطاب إلى الغيبة؛ للإيذان بأن المراد ليس معرفتهم له - ﷺ - من حيث ذاته ونسبه الزاهر، بل من حيث كونه مسطورًا في الكتاب منعوتًا بالنعوت التي من جملتها أنه - ﷺ - يصلي إلى القبلتين، كأنه قيل: الذين آتيناهم الكتاب يعرفون من وصفناه فيه، وبهذا تظهر جزالة النظم الكريم وبلاغة القرآن العظيم.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ الآيات، لمّا ذكر الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة النعم التي أنعمها على بني إسرائيل التي قابلوها بالجحود والكفران فيما يزيد على ثلث السورة، وعدد جرائمهم؛ ليعتبر ويتعظ بها المؤمنون، وأنهى الكلام عليهم.. بدأ هنا بمخاطبة المؤمنين وتذكيرهم بنعمةِ الله العظمى عليهم ببعثة خاتم المرسلين محمد - ﷺ -، وبالتشريعات الحكيمة التي بها سعادتهم في الدارين قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة؛ لأنهم سمعوا من طعن الكفار على التوجه إلى الكعبة والصلاة إليها أذى كثيرًا، فأمروا عند ذلك بالاستعانة بالصبر والصلاة. انتهى.
أسباب النزول
قوله تعالى (١): ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، أخرج ابن منده في "المعرفة" من طريق السُدِّي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قتل تميم بن الحمام ببدر، وفيه وفي غيره نزلت: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ الآية. قال أبو نعيم: اتفقوا على
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
التفسير وأوجه القراءة
١٥١ - والكاف في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ التشبيه المستفاد منها؛ إما عائد (١) إلى ما قبلها، والتقدير: ولأتم نعمتي عليكم في أمر القبلة، أو في الآخرة كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال رسول من جنسكم ونسبكم فيكم يا معشر العرب، قاله الفراء، ورجّحه ابن عطيه، أو عائد إلى ما بعدها، والتقدير: فاذكروني بالطاعة كما ذكرتكم بإرسال رسولٍ منكم فيكم أذكركم بالثواب والمغفرة، قاله الزجاج. والخطاب (٢) في الآية لأهلِ مكة ولجميع العرب، وفي إرساله رسولًا منهم نعمة عظيمة عليهم؛ لما فيه من الشرف لهم، ولأن المعروف من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد للغير، فكان بعثه الرسول منهم وفيهم أقرب إلى قبولِ قوله والانقياد له.
والمعنى: كما أرسلنا فيكم يا معشر العرب رسولًا فيكم محمدًا - ﷺ -. ﴿يَتْلُو﴾: أي يقرأ ﴿عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ القرآنية المشتملة على الأوامر والنواهي؛ لتتعبدوا بتلاوتها، وهي من أعظم النعم؛ لأنها معجزة باقية مستمرة على ممر الدهور، وفي هذا احتجاج عليهم؛ لأنهم عرفوا أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، فلما قرأ عليهم القرآن تبين صدقه في النبوة ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾؛ أي: يطهركم من دنس الشرك والمعاصي بالتوحيد والطاعات والصدقات، وقيل: معناه يحملكم على ما إذا فعلتموه صرتم أزكياء مثل محاسن الأخلاق ومكارم الأفعال، وقدّمه (٣) هنا باعتبار القصد، وأخره في دعوة إبراهيم عليه السلام باعتبار الفعل. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: يفهمكم معاني القرآن وأحكامه لتعملوا بها، فالتعليم غير التلاوة، فليس بتكرار. ﴿وَ﴾ يعلمكم ﴿الحكمة﴾؛ أي: السنة والفقه في الدين. ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: يعلمكم أمورًا لم تكونوا عالمين بها قبل بعثه - ﷺ - من
(٢) بيضاوي وشوكاني.
(٣) خازن.
١٥٢ - ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ باللسان والقلب والجوارح، فالصلاة مشملة على الثلاثة:
فالأول: كالتسبيح والتكبير.
والثاني: كالخشوع وتدبر القراءة.
والثالث: كالركوع والسجود.
﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ بالإحسان والرحمة والنعمة في الدنيا والآخرة ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ بالطاعة ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾؛ أي: لا تتركوا شكرها بكفرانها وجحدها، وعصيان الأمر، فمن أطاع الله فقد شكره، ومن عصاه فقد كفره.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، يقول الله عز وجل: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه". متفق عليه. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت" متفق عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - ﷺ - قال: "سبق المفردون" قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: "الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات" أخرجه مسلم، المفردون (١): الذين ذهب القرن الذي كانوا فيه وبقوا، وهم يذكرون الله تعالى، ويقال: تفرد الرجل إذا تفقه واعتزل.
١٥٣ - ثم نادى تبارك وتعالى عباده المؤمنين بلفظ الإيمان؛ ليستنهض هممهم إلى امتثال الأوامر الإلهية، وهو النداء الثاني الذي جاء في هذه السورة الكريمة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: صدقوا بما جاء به محمد - ﷺ - ﴿اسْتَعِينُوا﴾؛ أي: اطلبوا المعونة من الله على أمور دنياكم وآخرتكم ﴿بِالصَّبْرِ﴾ على مشقة أداء فرائض الله، وترك المعاصي، وحظوظ النفس وعلى المرازي والمصائب وإذاية الكفار ﴿و﴾ بـ ﴿الصلاة﴾؛ أي: وبإكثار صلاة التطوع في الليل والنهار، إنما (٢)
(٢) الخازن.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ على مشاق التكاليف، والمصائب بالعون والنصر والتأييد؛ أي: معين وحافظ وناصر للصابرين على ذلك. وفي ذلك ترغيب لعباده سبحانه إلى لزوم الصبر على ما ينوب من الخطوب، فمن كان الله معه لم يخش من الأهوال وإن كانت كالجبال.
ولمَّا قال المنافقون وبعض الناس لشهداء أحد وبدر: مات فلان وفلان، وذهب عنهم نعيم الدنيا ولذاتها.. أنزل الله هذه الآية فقال:
١٥٤ - ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ أيها الناس ﴿لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في طاعة الله في قتال المشركين وجهادهم لإعلاء كلمة الله؛ أي: لا تقولوا للشهداء: إنهم ﴿أَمْوَاتٌ﴾ كسائر الأموات ﴿بَلْ﴾ هم ﴿أَحْيَاءٌ﴾ أهل الجنة في الجنة يرزقون من التحف؛ أي: بل هم أحياء تصل أرواحهم إلى الجنان، كما ورد: (أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة). أخرجه أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، فهم أحياء من هذه الجهة وإن كانوا أمواتًا من جهة خروج الروح من أجسادهم ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾؛ أي: لا تعلمون بحياتهم وحالهم، وما هم فيه من النعيم والكرامة.
وعن الحسن: أن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم، فيصل إليهم الروح والفرح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوًا وعشيًّا، فيصل إليهم الوجع. وعن مجاهد: يرزقون ثمر الجنة، ويجدون ريحها، وليسوا فيها.
إنما (١) قلله بالإضافة والنسبة إلى ما وقاهم منه؛ ليخفف عليهم ويريهم أن رحمته لا تفارقهم، أو بالنسبة إلى ما يصيب به معانديهم في الآخرة، وإنما أخبرهم به قبل وقوعه؛ ليوطنوا عليه أنفسهم ﴿و﴾ شيء من ﴿الجوع﴾ بسبب القحط وتعذر حصول القوت ﴿و﴾ شيء من ﴿نقص من الأموال﴾ والمواشي بسبب النقصان والخسران الحاصل في النقود والهلاك في المواشي ﴿و﴾ بشيء من نقص ﴿الأنفس﴾ بالقتل والموت، أو بالمرض والشيب ﴿و﴾ شيء من نقص ﴿الثمرات﴾ والحبوب بالجوائح والآفات.
وقال (٢) الشافعي رحمه الله تعالى: الخوف خوف الله، والجوع صيام شهر رمضان، والنقص من الأموال الزكاة والصدقات، والنقص من الأنفس الأمراض، ومن الثمرات موت الأولاد ﴿وَبَشِّرِ﴾ يا محمد ﴿الصَّابِرِينَ﴾ على تجرع غصص هذه المصائب والبلايا بجنات النعيم، والأجر الجسيم.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته أقبضتم ولد عبدي؟ قالوا: نعم قال: أقبضتم ثمرةَ فؤاده؟ قالوا: نعم، قال: فماذا قال؟ قالوا: حمدك واسترجع، قال: ابنوا له بيتًا في الجنة، وسمّوه بيت الحمد" أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن.
١٥٦ - ثم وصف تعالى الصابرين الذين يستحقون تلك البشارة وبيّنهم بقوله: {الَّذِينَ إِذَا
(٢) بيضاوي.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ما من عبدٍ تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجُرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها.. إلا آجره الله في مصيبته واخلف له خيرًا منها" أخرجه مسلم. وعن عائشة رضي الله عنها: أن مصباح النبي - ﷺ - طفىء فاسترجع، فقلت: إنما هو مصباح. فقال: "كل ما ساء المؤمن فهو مصيبة" رواه أبو داود في مراسله.
قيل: ما أعطي أحد مثل ما أعطيت هذه الأمة يعني الاسترجاع عند المصيبة، ولو أعطيه أحد لأعطي يعقوب عليه السلام، ألا تسمع إلى قوله عند فقد يوسف: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ قيل: وفي قول العبد ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
١٥٧ - تفويض منه إلى الله وأنه راض بكل ما نزل به من المصائب ﴿أُولَئِكَ﴾ الصابرون المسترجعون عند المصيبة ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾ ومغفرة ﴿مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾؛ أي: نعمة وإنما جمع الصلوات للتنبيه على كثرتها وتنوعها؛ لأنه أراد مغفرة بعد مغفرة، والرحمة من الله إنعامه وإحسانه وإفضاله، وذكر الرحمة بعد الصلاة للتأكيد. وقيل: ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾؛ أي: مغفرة من ربهم في الدنيا، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾؛ أي: مغفرة من ربهم في الدنيا، ورحمة؛ أي: سلامة من العذاب في الآخرة ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ إلى الحق والصواب؛ حيث استرجعوا لمصيبتهم واستسلموا لقضاء الله تعالى، وقيل: المهتدون إلى الجنة الفائزون بالثواب.
فصل
في ذكر أحاديث وردت في ثواب أهل البلاء، وأجر الصابرين:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من يرد الله به خيرًا.. يصب منه" يعني: يبتليه بالمصائب حتى يأجره على ذلك. أخرجه البخاري.
وعن أبي سعيد، وأبي هريرة رضي الله عنهما، عن النبي - ﷺ - قال: "ما يصيب المؤمن من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا حزَنٍ ولا أذىً ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها.. إلا كفر الله عنه بها خطاياه" متفق عليه.
وعن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما من مسلم يصيبه أذى، من مرض فما سواه.. إلا حط الله به عنه من سيئاته كما تحط الشجرة ورقها" متفق عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال قال رسول الله - ﷺ -: "مثل المؤمن كمثل الزرع، لا تزال الريح تفيئه، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء. ومثل المنافق كمثل شجرة الأرزة لا تهتز حتى تحصد" متفق عليه. الأرزة: شجرٍ معروف بالشام، ويعرف في العراق ومصر بالصنوبر، والصنوبر ثمر الأرزة، وقيل: الأرزة الثابتة في الأرض.
وعن أنسٍ رضي الله عنه، أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا.. عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد شرًّا.. أمسك عنه حتى يوافى يوم القيامة" أخرجه الترمذي.
وعن أنس أيضًا رضي الله عنه، عن النبي - ﷺ - قال: "إن عظم الجزاء مع عظم النبلاء، وإن الله إذا أحب قومًا.. ابتلاهم، فمن رضي.. فله الرضا، ومن سخط.. فله السخط" أخرجه الترمذي.
وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "قال الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم أحتسبه إلا الجنة" أخرجه البخاري.
وعن سعد بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، أيّ الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا.. اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة (١).. هون عليه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة" أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن.
الإعراب
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ﴾.
﴿كَمَا﴾: ﴿الكاف﴾: حرف جر وتشبيه، ما: مصدرية. ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿فِيكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بأرسلنا. ﴿رَسُولًا﴾: مفعول به. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿رَسُولًا﴾، والجملة الفعلية صلة ما المصدرية، (ما) مع صلتها في تأويل مصدرٍ مجرور بالكاف؛ تقديره: كإرسالنا فيكم رسولًا ﴿مِنْكُمْ﴾، الجار والمجرور متعلق بواجب الحذف؛ لوقوعه صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: ولأتم نعمتي عليكم في أمر القبلة إتمامًا كائنًا كإرسالنا رسولًا؛ أي: إتمامًا كائنًا كإتمامها عليكم بإرسال رسول منكم ﴿يَتْلُو﴾: فعل مضارع معتل بالواو، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَسُولًا﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿يعلمكم﴾: مضارع معطوف على يتلوا. ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول به ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: معطوفة على الكتاب ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ﴾ الواو: عاطفة، ﴿يعلمكم﴾: فعل مضارع ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَسُولًا﴾، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَتْلُو﴾ على كونها صفة لـ ﴿رَسُولًا﴾. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة، في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿علم﴾، ﴿لم﴾ حرف نفي. ﴿تَكُونُوا﴾: فعل مضارع ناقص، واسمه مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، وهو بمعنى (عرف) يتعدى إلى واحد؛ تقديره: تعلمونه، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿تَكُونُوا﴾ تقديره: ما لم تكونوا عالمين، وجملة ﴿تَكُونُوا﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف من ﴿تَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.
﴿فَاذْكُرُونِي﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم إتمام نعمتي عليكم بما ذكر، وأردتم بيان ما هو الواجب عليكم.. فأقول لكم: ﴿اذكروني﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مفعول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾: ﴿أَذْكُرْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير مستتر يعود على الله، و ﴿الكاف﴾: مفعول به، والجملة جملة جوابية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَاشْكُرُوا﴾: الواو: عاطفة، ﴿اشكروا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِي﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فَاذْكُرُونِي﴾، ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَكْفُرُونِ﴾: فعل مضارع
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء؛ ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات؛ أي: من الإضافة. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة لـ ﴿أي﴾، تابع للفظه، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿اسْتَعِينُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿بِالصَّبْرِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اسْتَعِينُوا﴾. ﴿وَالصَّلَاةِ﴾: معطوف عليه. ﴿إن﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: ظرف ومضاف إليه والظرف متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ تقديره: كائن مع الصابرين، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل الجر بـ ﴿لام﴾ التعليل المقدرة.
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾.
﴿وَلَا تَقُولُوا﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَقُولُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة مستأنفة. ﴿لِمَن﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَقُولُوا﴾. ﴿يُقْتَلُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة صلة لـ ﴿من﴾ الموصولة. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُقْتَلُ﴾. ﴿أَمْوَاتٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: هم أموات، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره في محل النصب مقول لـ ﴿تَقُولُوا﴾. ﴿بَلْ﴾ حرف ابتداء. ﴿أَحْيَاءٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: بل هم أحياء، والجملة مستأنفة. ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿لكن﴾: حرف استدراك. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَشْعُرُونَ﴾ فعل وفاعل، ومفعوله محذوف؛ تقديره: ولكن لا تشعرون ما هم فيه من الكرامة والنعيم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، أو حرف جر وقسم داخلة على مقسم به محذوف تقديره: وعزتي وجلالي، ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، (نبلون): فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الله، و ﴿الكاف﴾: مفعول به، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف مع جوابه مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿بِشَيْءٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نبلونكم﴾. ﴿مِنَ الْخَوْفِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿شيء﴾؛ تقديره: بشيء كائن من الخوف، ﴿وَالْجُوعِ﴾: معطوف على الخوف. ﴿وَنَقْصٍ﴾: معطوف على شيء. ﴿مِنَ الْأَمْوَالِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لمحذوف؛ تقديره: وبنقص شيء كائن من الأموال؛ لأن النقص مصدر نقصت؛ وهو متعد إلى مفعول، وقد حذف المفعول، تقديره: وبنقص شيء من الأموال، ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾: معطوف على الأموال. ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾: معطوف على الأموال أيضًا، عطف خاصٍّ على عام. ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة.
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب صفة للصابرين، أو منصوب بـ (أعني) ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب إذا لا محل لها، وجملة إذا صلة الموصول لا محل لها من الإعراب ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالوا﴾، وإن شئت قلت ﴿إن﴾: حرف نصب، و ﴿نا﴾: اسمها، ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور خبر إن، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿وَإِنَّا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿إنّا﴾ حرف واسمها. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿رَاجِعُونَ﴾؛ وهو خبر إن، والجملة في محل النصب
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ أول. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم للمبتدأ الثاني. ﴿صَلَوَاتٌ﴾: مبتدأ ثان. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾: صفة لـ ﴿صَلَوَاتٌ﴾، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره مستأنفة استئنافًا بيانيًّا لا محل لها من الإعراب، كأنه قيل: ما الذي بشروا به؟ فقيل: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: معطوف على ﴿صَلَوَاتٌ﴾: ﴿وَأُولَئِكَ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿أولئك﴾ مبتدأ. ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل. ﴿الْمُهْتَدُونَ﴾: خبره، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ وشكرٌ يتعدى تارةً بنفسه، وتارةً بحرف جرٍ على حدٍّ سواء على الصحيح، وقال بعضهم: إذا قلت: شكرت لزيدٍ: فمعناه: شكرت لزيد صنيعه، فجعلوه متعديًا لاثنين: أحدهما: بنفسه، والآخر: بحرف الجر، ولذلك فسر الزمخشري هذا الموضع بقوله: واشكروا لي ما أنعمت عليكم.
وقال ابن عطية: ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ واشكروني بمعنى واحد، و ﴿لي﴾ أفصح وأشهر مع الشكر، ومعناه: اشكروا نعمتي وأياديَّ، وكذلك إذا قلت: شكرتك فالمعنى: شكرت لك صنيعك وذكرته. فَحَذَف المضاف؛ إذ معنى الشكر: ذكر اليد وذكر مسديها معًا، فما حذف من ذلك فهو اختصار لدلالة ما بقي على ما حذف انتهى "سمين" وقيل: معنى الشكر هنا: الاعتراف بحق المنعم والثناء عليه، ولذلك قابله بقوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.
﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ هو من كفر النعمة، وهو على حذف مضاف؛ أي: ولا تكفروا نعمتي، ولو كان من الكفر ضد الإيمان لقال: ولا تكفروا، أو: ولا تكفروا بي، وهذه النون نون الوقاية حذفت ياء المتكلم بعدها تخفيفًا لتناسب الفواصل، وقيل: المعنى واشكروا لي بالطاعة، ولا تكفرون بالمعصية.
قال القفال: ليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه، ولا أن لا يكره ذلك، إنما هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع وإن ظهر دمع عين أو تغير لون ولو ظهر منه أولًا ما لا يُعد معه صابرًا ثُمَّ صبر لم يعد ذلك إلا سلوانًا.
﴿مُصِيبَةٌ﴾: اسم فاعل من أصابت، والمصيبة: كل ما أذى المؤمن في نفسٍ أو مالٍ أو أهلٍ، صغرت أو كبرت حتى انطفاء المصباح لمن يحتاجه يُسمى: مصيبة.
البلاغة
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾: والتعبير بصيغة التكلم الدالّة على العظمة بعد التعبير بالصيغة التي لا دلالة لها عليها من قبيل التفنن، وجريًا على سَنَنِ الكبراء. أفاده أبو السعود.
وبين كلمتي ﴿أَرْسَلْنَا﴾ و ﴿رَسُولًا﴾ من المحسنات البديعية جناس الاشتقاق؛ وهو توافق الكلمتين في الحروف والأصول مع الاتفاق في أصل المعنى.
﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾: فيه إيجاز بالحذف؛ أي: لا تقولوا: هم أموات، بل هم أحياء وبينهما طباق.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ﴾: والإتيان بالجملة الخبرية مقسمًا عليها تأكيدٌ لوقوع الابتلاء، وإسناد الفعل إليه صريح في إضافة أسباب البلايا إليه، وأن هذه المحن من الله تعالى. ﴿بِشَيْءٍ﴾ الباء فيه للإلصاق، وأفرده ليدل على التقليل؛ أي: بشيءٍ قليلٍ؛ إذ لو جمعه فقال: بأشياء.. لاحتمل أن تكون ضروبًا من كل واحدٍ مما بعده.
قوله: ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾: ذكره بعد ذكر الأموال من ذكر الخاص بعد العام اهتمامًا به؛ لاندراجها تحت الأموال.
قوله: ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾: فيه من المحسنات البديعية التجنيس المغاير؛ وهو أن تكون إحدى الكلمتين اسمًا، والأخرى فعلًا، ومنه قوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾، ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾، وفي "المنتخب" ما ملخَّصه: إن إسناد الإصابة إلى المصيبة لا إلى الله تعالى؛ ليعم ما كان من الله وما كان من غيره، فما كان من الله فهو داخل تحت قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾؛ لأن في الإقرار بالعبودية تفويضًا للأمور إليه، وما كان في غيره فتكليفه أن يرجع إلى الله في الإنصاف منه، ولا يتعدى. كأنه في الأول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ يدبر كيف يشاء، وفي الثاني: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ﴾ ينصف لنا كيف يشاء انتهى.
﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾: التنوين فيهما للتفخيم، وجمع صلوات؛ ليدل على أن ذلك ليس مطلق صلاة، بل صلاة بعد صلاة، ووصفها بكونها ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ليدل بـ ﴿من﴾ على ابتدائها من الله؛ إذ تنشأ تلك الصلوات وتبتدىء من الله تعالى، ويحتمل أن تكون ﴿من﴾ تبعيضية، فيكون ثَمَّ حذف مضاف؛ أي: صلوات من صلوات ربهم، وأتى بلفظ الرب مع إضافته إلى ضميرهم؛ لما فيه من
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾: أكّد بقوله: ﴿هُمُ﴾ وبالألف واللام؛ لإفادة الحصر، كأن الهدايةَ انحصرت فيهم، وهو من قَصْرِ الصفة على الموصوف، وأتى باسم الفاعل، ليدل على الثبوت؛ لأن الهداية ليست من الأفعال المتجددة وقتًا بعد وقت فيخبر عنها بالفعل، بل هي وصف ثابتٌ.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾.
المناسبة
لما أمر الله سبحانه وتعالى بذكره وشكره، ودعا المؤمنين إلى الاستعانة بالصبر والصلاة، وأثنى على الصابرين، وكان الحج من الأعمال الشاقة المفنية للمال والبدن، وكان أحد أركان الإِسلام.. أعقب ذلك ببيان أهمية الحج، وأنه من شعائر دين الله، ثم نبه تعالى على وجوب نشر العلم، وعدم كتمانه، وذكر خطر كتمان ما أنزل الله من البينات والهدى، كما فعل اليهود والنصارى في كتبهم، فاستحقوا اللعنة والغضب من الله تعالى ومن عباده.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ...﴾ قال الإِمام البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه" (ج ٤ ص ٢٤٤): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال عروة: سألت عائشة رضي الله عنها، فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فوالله ما على أحد جناح ألا يطّوف بالصفا والمروة؟ فقالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه الآية لو كانت كما أوَّلتها عليه كانت لا جناح عليه ألا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار؛ كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها بالمشلل (١)، فكان مَنْ أهلَّ يتحرج أن
وأخرج البخاري في "صحيحه" ومسلم والترمذي، وصححه عن أنس رضي الله عنه؛ أنه سئل عن الصفا والمروة، فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإِسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ...﴾ الآية. ولا مانع من أن الآية نزلت في الجميع.
وأخرج الحاكم (١) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الشياطين في الجاهلية تطوف الليل أجمع بين الصفا والمروة، وكان بينهما أصنام لهم، فلما جاء الإِسلام قال المسلمون: يا رسول الله لا نطوف بين الصفا والمروة، فإنه
قوله تعالى (١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾ الآية. أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق سعيد، أو عكرمة عن ابن عباس قال: سأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وخارجة بن زيد نفرًا من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة، فكتموهم إياه، وأبوا أن يخبروهم، فأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
١٥٨ - ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾: اسمان للجبَلَيْنِ المعروفين بمكة في طرفي المسْعى. ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ لا من شعائر الجاهلية؛ أي: من علامات مواضع عبادة الله تعالى الحج والعمرة، جمع شعيرة وهي العلامة؛ لأن الصفا والمروة كانا حدين وغايتين لطرفي المسعى، أو الكلام على حذف مضافٍ تقديره: إن الطواف والسعي بين الصفا والمروة من شعائر الله؛ أي: من أحكام دين الله وعبادته (٢)، ولما كان الطواف بينهما ليس عبادة مستقلة، بل إنما يكون عبادةً إذا كان بعض حج أو عمرة، بين تعالى ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾؛ أي: قصد الكعبة لعبادة مخصوصة معروفة في الشرع ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾؛ أي: أو زار الكعبة لعبادة مخصوصة معروفة في الشرع؛ لأن الحج لغة: القصد، والعمرة كذلك الزيارة، وفي الشرع: عبادتان معروفتان. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: فلا ذنب، ولا إثم على ذلك الحاج أو المعتمر ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؛ أي: أن يدور ويسعى بينهما؛ أي: فلا إثم عليه في سعيه بين الصفا والمروة سبعة أشواط.
قال ابن عباس: كان على الصفا صنم اسمه: إساف، وعلى المروة صنم آخر اسمه: نائلة، وكان أهل الجاهلية يطوفون بهما، ويتمسحون بهما، فلما جاء
(٢) البحر المحيط.
وأخرج مسلم (١) عن جابر رضي الله عنه في حديثه الطويل في صفة حجة الوداع قال: ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ "ابدأ بما بدأ الله به"، فبدأ بالصفا، الحديث. فإذا ثبت أن النبي - ﷺ - سعى وجب علينا السعي، لقوله تعالى: ﴿فاتَّبِعُوه﴾، ولقوله - ﷺ -: "خذوا عني مناسككم" والأمر للوجوب.
وأخرج مسلم (٢)، وغيره عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لعمري ما أتم الله حج من لم يسع بين الصفا والمروة ولا عمرته؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله - ﷺ - فقال: "إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا".
فائدة (٣): اختلف العلماء في حكم السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة، فذهب جماعة إلى وجوبه؛ وهو قول ابن عمر وجابر وعائشة رضي الله عنهم، وبه قال الحسن، وإليه ذهب مالك والشافعي.
وذهب قوم إلى أنه تطوع؛ وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال ابن سيرين، وذهب الثوري وأبو حنيفة إلى أنه ليس بركن، وعلى من تركه دم. وروي عن ابن الزبير، ومجاهد، وعطاء أنّ من تركه فلا شيء عليه، واختلفت الرواية عن أحمد في ذلك، فروي عنه أن من ترك السعي بين الصفا والمروة لم يُجْزِه حجه ولا عمرته، وروي عنه أنه لا شيء في تركه عمدًا ولا سهوًا، ولا
(٢) شوكاني.
(٣) الخازن.
وسبب هذا الاختلاف أن قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ يصدق عليه أنه لا إثم عليه في فعله، فدخل تحته الواجب والمندوب والمباح، فظاهر هذه الآية لا يدل على أن السعي بين الصفا والمروة واجب، أو غير واجب. فحجة الشافعي ومن وافقه في أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة.. ما روى الشافعي وغيره عن حبيبة بنت أبي تَجْرَأَةَ قالت: رأيت رسول الله - ﷺ - يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه، وهو وراءهم يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي، يدور به إزاره، وهو يقول: "اسعوا فإن الله عَزَّ وَجَلَّ كتب عليكم السعي" ويؤيد ذلك حديث: "خذوا عني مناسككم".
وقرأ الجمهور (١): ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ أصله: يتطوف، فأدغمت التاء في الطاء، ماضيه تطوف، وقرأ أنس، وابن عباس، وابن سيرين، وشُهِر ﴿أن لا﴾ وكذلك في مصحف أُبي، وعبد الله، وخرج ذلك على زيادة ﴿لا﴾ نظير: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ فتتحد معنى القراءتين، وقرأ أبو حمزة: ﴿أن يطُوف بهما﴾ مِن طاف، يطوف الثلاثي، وهي قراءة ظاهرة، وقرأ ابن عباس، وأبو السمال ﴿يَطَّاف بهما﴾ أصله يطتوف بوزن يفتعل، وماضيه اطتوف بوزن افتعل، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا، وأدغمت الطاء في التاء بعد قلب التاء طاء، فصارا اطّاف، وجاء مضارعه يطّاف، ومصدره اطيافًا وكل القراءات المذكورة شاذة عدا قراءة الجمهور.
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾؛ أي: تبرع وزاد على ما فرض الله عليه من حج وعمرة تطوعًا ونفلًا، فطاف بين الصفا والمروة في ضمن حج تطوع وعمرته، لا استقلالًا؛ لأن السعي لا يتنفل به. ﴿فَإِنَّ اللهَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿شَاكِرٌ﴾ له على طاعته، وقابل منه، ومجازٍ له عليها. ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيته، ويعلم قدر الجزاء، فلا يبخس المستحق حقه، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
١٥٩ - ونزل في أحبار اليهود قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾؛ أي: يخفون الناس ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾ في التوراة، وهم علماء اليهود. ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: من العلامات الواضحة الدالة على صدق محمَّد - ﷺ - ونبوته، من نعوته وأخلاقه وأفعاله. ﴿وَالْهُدَى﴾؛ أي: ومن الأحكام التي هدى الله الخلق إليها، ودعاهم لها، وشرعها لهم من الأوامر والنواهي كآية الرجم. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ﴾ وأوضحناه. ﴿لِلنَّاسِ﴾؛ أي: لبني إسرائيل ﴿في الْكِتَابِ﴾؛ أي: في التوراة، والمراد بالكتم هنا: إزالة ما أنزل الله، ووضع غيره في موضعه؛ فإنهم محوا آية الرجم، ونعته - ﷺ -، وكتبوا مكان ذلك ما يخالفه. ومعلوم أن الكتم والكتمان: ترك إظهار الشيء قصدًا مع مسيس الحاجة إليه، وتحقق الداعي إلى إظهاره؛ لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد من الكتمان، وذلك قد يكون بمجرد ستره وإخفائه، ويكون بإزالته ووضع شيء آخر مكانه.
وقرأ الجمهور: ﴿بَيَّنَّاهُ﴾ مطابقة لقوله: ﴿أنزلنا﴾، وقرأ طلحة بن مصرف شذوذًا: ﴿بينة﴾ بضمير مفرد غائب، ففيه حينئذٍ التفات من التكلم إلى الغيبة. ﴿أُولَئِكَ﴾ الكاتمون لما أنزلنا. ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾؛ أي: يبعدهم الله من رحمته ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ من الملائكة والمؤمنين، أو جميع الخلائق؛ أي: يسألون الله أن يلعنهم ويطردهم من رحمتهم، ويقولون: اللهم العنهم.
١٦٠ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾؛ أي: ندموا على ما فعلوا، فرجعوا عن الكفر إلى الإِسلام ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ ما بينهم وبين الله تعالى بالتوحيد والطاعات ﴿وَبَيَّنُوا﴾؛ أي: أوضحوا للناس ما كتموا من العلم ﴿فَأُولَئِكَ﴾ التائبون المصلحون البيِّنون ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: أقبل منهم
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئًا أبدًا وهما قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ إلى آخر الآيتين. متفق عليه.
وهل (١) إظهار علوم الدين فرض كفاية أو فرض عين؟ فيه خلاف، والأصح أنه إذا ظهر للبعض بحيث يتمكن كل واحد من الوصول إليه لم يبق مكتومًا، وقيل: متى سئل العالم عن شيءٍ يعلمه من أمر الدين يجب عليه إظهاره، وإلا فلا. وفي "الكرخي": وهذه الآية: تدل على أن من أمكنه بيان أصول الدين بالدلائل العقلية لمن كان محتاجًا إليها، ثم تركها أو كتمها، وكتم شيئًا من أحكام الشرع مع الحاجة إليه لحقه هذا الوعيد.
١٦١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالكتمان وغيره ﴿وَمَاتُوا﴾؛ أي: واستمروا على ذلك حتى داهمهم الموت. ﴿وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ بالله ورسوله. ﴿أُولَئِكَ﴾ المستمرون على كفرهم حتى ماتوا عليه. ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ﴾ وطرده لهم من رحمته ﴿و﴾ لعنة ﴿الملائكة والناس﴾ كلهم ﴿أجمعين﴾ حتى أهل دينهم، فإنهم يوم القيامة يلعن بعضهم بعضًا، وقرأ الجمهور: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ بالجر عطفًا على لفظ الجلالة، وقرأ الحسن: ﴿والملائكة والناس أجمعون﴾ بالرفع، وخرج على أنه مبتدأ حذف خبره تقديره: والملائكة والناس أجمعون يلعنونهم حالة كونهم
الإعراب
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿الصَّفَا﴾: اسمها. ﴿وَالْمَرْوَةَ﴾: معطوف عليه. ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر إن؛ تقديره: كائنان من شعائر الله، وجملة إنّ مستأنفة.
﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
﴿فَمَن﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتم أن الصفا والمروة من شعائر الله، وأردتم بيان حكم السعي بينهما.. فأقول لكم: ﴿مَن حج البيت﴾: ﴿مَن﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله. ﴿حَجَّ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل الشرط لها، وفاعله ضمير يعود على (مَن). ﴿الْبَيْتَ﴾: مفعول به. ﴿أَوِ﴾: حرف عطف وتفصيل ﴿اعْتَمَرَ﴾؛ فعل ماضٍ في محل الجزم معطوف على ﴿حَجَّ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل إن. ﴿جُنَاحَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لا، وجملة ﴿لا﴾ من اسمها وخبرها في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها،
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾.
﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿مَن﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط. ﴿تَطَوَّعَ﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل الشرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾، ﴿خَيْرًا﴾: منصوب؛ إما على (١) إسقاط حرف الجر؛ أي: تطوع بخيرٍ، فلما حذف الحرف انتصب على حد قوله:
تَمُرُّوْنَ الدِّيَارَ فَلَمْ تُعَوِّجُوا
أو على أن يكون نعت مصدر محذوف؛ أي: تطوعًا خيرًا، أو على أن يكون حالًا من ذلك المصدر المقدر معرفةً، وهذا مذهب سيبويه. اهـ "سمين".
﴿فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب.
﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿شَاكِرٌ﴾: خبر أول لها. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان. وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾.
جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَكْتُمُونَ﴾ ﴿بَعْدِ﴾: مضاف. ﴿مَا﴾ مصدرية. ﴿بَيَّنَّاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والضمير عائد على ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه؛ تقديره: من بعد تبيننا إياه ﴿لِلنَّاسِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَيَّنَّاهُ﴾. ﴿في الْكِتَابِ﴾: جار ومجرور متعلق أيضًا بـ ﴿بَيَّنَّاهُ﴾، فإن تعلق جارين بفعل واحد عند اختلاف المعنى أو اللفظ مما لا خلاف في جوازه. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾، وجملة إن من اسمها وخبرها جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، ويصح أن يكون ﴿أُولَئِكَ﴾ بدلًا من اسم إن، وجملة ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾: خبرها. ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿يلعنهم اللاعنون﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ﴾ على كونها خبر إن.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب مستثنى من المفعول في قوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. ﴿تَابُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على ﴿تَابُوا﴾ على كونها صلة الموصول، وكذا جملة قوله: ﴿وَبَيَّنُوا﴾:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب اسمها. ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿وَمَاتُوا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿مَاتُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿كَفَرُوا﴾ على كونها صلة الموصول. ﴿وَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾ حالية، ﴿هم﴾ مبتدأ. ﴿كُفَّارٌ﴾: خبره، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿ماتوا﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ أول. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿لَعْنَةُ اللهِ﴾: مبتدأ ثان ومضاف إليه، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ من اسمها وخبرها: مستأنفة استئنافًا نحويًّا. ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾: معطوف على لفظ الجلالة، وكذا قوله ﴿وَالنَّاسِ﴾: معطوف على لفظ الجلالة. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: توكيد للملائكة والناس.
{خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ {١٦٢}}.
﴿خَالِدِينَ﴾: حال من الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُخَفَّفُ﴾: فعل مضارع مغيَّر الصيغة. ﴿عَنْهُمُ﴾: متعلق به. ﴿الْعَذَابُ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال من الضمير المستتر في ﴿خَالِدِينَ﴾ أو مستأنفة. ﴿وَلَا هُمْ﴾: الواو عاطفة، ﴿لَا﴾
التصريف ومفردات اللغة
﴿الصَّفَا﴾: جمع صفاة، وهي الصخرة الصلبة الملساء، وعبارة "السمين": وألف الصفا منقلبة عن واو؛ بدليل قلبها في التثنية واوًا، فإنهم قالوا في تثنيته: صفوان، والاشتقاق يدل عليه أيضًا؛ لأنه من الصفو، وهو الخلوص، والصفا الحجر الأملس، وقيل: الذي لا يخالطه غيره من طين أو تراب، ويفرق بين واحده وجمعه بتاء التأنيث نحو: صفا كثيرة وصفاة واحدة، وقد يجمع الصفا على فعول وأفعال، فإنهم قالوا: صُفِي بكسر الصاد وضمها كعِصي وأصفاء، والأصل صفوو وأصفاو، فقلبت الواوان في صفوو يائين، والواو في أصفاو همزةً ككساء وبابه.
﴿وَالْمَرْوَةَ﴾: الحجارة الصغار، فقيل: اللينة، وقيل: الصلبة، وقيل: البيض، وقيل: السود. انتهت. وجمعها: مرو ومروات، وهذا بالنظر إلى أصلهما وإلا فهما عَلَمان للجبلين المعروفين في مكة.
﴿مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ والشعائر: جمع شعيرة؛ وهي العلامة؛ أي: من أعلام مناسكه، والمراد بها مواضع العبادة التي أشعرها الله تعالى أعلامًا للناس من الموقف والمسعى والمنحر.
﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ يقال: حج يحج حجًّا - من باب رَدَّ - فهو حاجّ، والحج لغةً: القصد، وشرعًا: قصد مكة لنسك مخصوص.
﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾: من باب افتعل، والمصدر الاعتمار، وهو الزيارة، والعمرة مأخوذة منه؛ وهي زيارة مكة لنسك معلوم.
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾: تطوع - من باب تفعَّل - من الطوع؛ وهو الانقياد، ولكن المراد هنا: التبرع بأي طاعة كانت، أو بالحج والعمرة بعد قضاء الواجب عليه.
البلاغة
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾: في هذا التركيب مجازٌ بالحذف؛ إما من الأول تقديره: إن السعي بين الصفا والمروة من أحكام شرع الله التي شرعها لعباده، أو من الآخر تقديره: إن الصفا والمروة من أعلام عبادة الله وحدودها.
﴿فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾: وشكرُ اللهِ العبدَ بأحد معنيين: إما بالثواب، وإما بالثناء عليه.
قال أبو السعود: عبر عن ذلك بالشكر مبالغةً في الإحسان على العباد، فأطلق الشكر، وأراد به الجزاء بطريق المجاز. وعلمه (١) هنا؛ هو علمه بقدر الجزاء الذي للعبد على فعل الطاعة، أو بنيته وإخلاصه في العمل، وقد وقعت الصفتان الموقَع الحسن؛ لأن التطوع بالخير يتضمن الفعل والقصد، فناسب ذكر الشكر باعتبار الفعل، وذكر العلم باعتبار القصد، وأخرت صفة العلم وإن كانت متقدمة على الشكر، كما أن النية مقدمة على الفعل؛ لتواخي رؤوس الآي. ذكره أبو حيان.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا﴾: فيه خروج من ظاهر إلى ضمير متكلم.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ﴾ وتبيينه (٢) لهم تلخيصه وإيضاحه، بحيث يتلقاه كل واحد منهم من غير أن يكون له فيه شبهة، وهذا عنوان مغاير؛ لكونه بينًا في
(٢) أبو السعود.
﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ وأبرز (١) الخبر في صورة جملتين: توكيدًا وتعظيمًا، وأتى بالفعل المضارع المقتضي التجدد؛ لتجدد مقتضيه، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾، ولذلك أتى بصلة ﴿الَّذِينَ﴾ فعلًا مضارعًا ليدل أيضًا على التجدد؛ لأن بقاءهم في الكتمان هو تجدد كتمانٍ، وجاء بالجملة المسند فيها الفعل إلى الله؛ لأنه هو المجازي على ما اجترحوه من الذنب، وجاءت الجملة الثانية؛ لأن لعنة اللاعنين مترتبة على لعنة الله للكاتمين، وأبرز اسم الجلالة بلفظ الله على سبيل الالتفات؛ إذ لو جرى على نسق الكلام السابق.. لكان أولئك نلعنهم، لكن في إظهار هذا الاسم الشريف من الفخامة، وإلقاء الروعة والمهابة في القلب ما لا يكون في الضمير، وفي قوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ من المحسنات البديعية التجنيس المغاير؛ وهو أن يكون إحدى الكلمتين اسمًا والأخرى فعلًا.
وقوله (٢): ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: اعتراض تذييلي محقق لمضمون ما قبله، والالتفات إلى التكلم؛ للتفنن في النظم الكريم، مع ما فيه من التلويح والرمز إلى ما مر من اختلاف المبدأ في فعليه تعالى: السابق وهو اللعن، واللاحق وهو الرحمة.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: من الإنظار لا من النظر، فإيثار الجملة الإسمية لإفادة دوام النفي واستمراره. ذكره الكرخي.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
(٢) جمل.
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها:
| أنه لما كان كفر معظم الكفار المستحقين اللعنة والخلود في النار؛ لاتخاذهم آلهة مع الله | أخبر تعالى أن الإله واحد لا يتعدد، ولا يتجزأ، ولا مثيل له في صفاته، وحصر الإلهية فيه. |
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ سبب (١) نزول هذه الآية: أن كفار قريش قالوا: يا محمَّد صف، لنا ربك، وانسبه؟ فأنزل الله هذه الآية وسورة الإخلاص.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ سبب نزولها: ما روي عن (٢) عطاء قال: نزل على النبي - ﷺ - بالمدينة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ...﴾ الآية. فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١٦٣ - ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ روي: أنه كان للمشركين ثلاث مدّة صنم يعبدونها من دون الله، فبين الله أنه إلههم، وأنه واحد، فقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾؛ أي: معبودكم الذي يستحق العبادة منكم أيها العباد ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: إله منفرد في ألوهيته وربوبيته، ليس له شريك فيهما، ومنفرد في ذاته وصفاته وأفعاله ليس له نظير فيها (٣)، وظاهر الخطاب أنه لجميع المخلوقات المُتصوّر منهم العبادة؛ فهو إعلام لهم بوحدانية الله تعالى، ويحتمل أن يكون خطابًا للمشركين الذين قالوا لرسول الله - ﷺ -:
(٢) لباب النقول.
(٣) البحر المحيط.
وقال في "المنتخب": لمّا قال تعالى: ﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ أمكن أن يخطر ببال أحد أن يقول: هب أن إلهنا واحد، فلعل إله غيرنا مغاير لإلهنا، فلا جرم أن يزيل ذلك الوهم ببيان التوحيد المطلق، فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فقوله: ﴿لَا إِلَهَ﴾: يقتضي النفي العام الشامل، فإذا قال بعده: ﴿إلا الله﴾ أفاد التوحيد التام المطلق المحقق. انتهى.
﴿لَا إِلَهَ﴾؛ أي: لا معبود بحق في الوجود ﴿إِلَّا هُوَ﴾؛ أي: إلا الله الواحد الفرد الصمد، وهذه (١) الجملة توكيدٌ لمعنى الوحدانية، ونفي الإلهية عن غيره، وهي جملة جاءت لنفي كل فرد فرد من الإلهية، ثم حصر ذلك المعنى فيه تبارك وتعالى، فدلت الجملة الأولى على نسبة الوحدانية إليه تعالى، ودلت الثانية على حصر الإلهية فيه.
والمعنى (٢): إلهكم الحقيق بالعبادة إله واحد، فلا تشركوا به أحدًا، والشرك به ضربان.
الأول: شرك في الألوهية والعبادة: بأنْ يعتقد المرء أن في الخلق من يشارك الله، أو يعينه في أفعاله، أو يحمله على بعضها، ويصده عن بعض، فيتوجه إليه في الدعاء عندما يتوجه إلى الله ويدعوه معه، أو يدعوه من دون الله؛ ليكشف عنه ضرًّا، أو يجلب له نفعًا.
الثاني: شرك به في الربوبية: بأنْ يسند الخلق والتدبير إلى غيره معه، أو أخذ أحكام الدين من عبادة وتحليل وتحريم من غير كتبه ووحيه الذي بلغه عنه الرسل استنادًا إلى أن من يؤخذ عنهم الدين هم أعلم بمراد الله؛ وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾.
فواجب على علماء الدين أن يبينوا للناس ما نزله الله ولا يكتموه، لا أن يزيدوا فيه، أو ينقصوا منه كما فعل مَنْ قبلَهم من أهل الكتب المنزلة حين زادوا
(٢) مراغي.
وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ خبران آخران للمبتدأ؛ أي: وإلهكم هو الرحمن؛ أي: كثير الرحمة والإنعام لعباده بحلائل النعم، الرحيم؛ أي: كثير الرحمة والإحسان لعباده بدقائق النعم.
فالله تعالى (١) هو الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، فحسب المرء أن يرجوها، ولا يعتمد على رحمة سواه ممن يظن أنهم مقربون إليه؛ إذ كل ما يعتمد عليه من دونه، فليس أهلًا للاعتماد عليه، بل الاعتماد عليه من قبيل الشرك.
والإله الذي بيده أزمة المنافع، والقادر على دفع المضار؛ واحدٌ لا سلطان لأحد على إرادته، ولا مبدل لكلماته، ولا أوسع من رحمته.
وإنما ذكر الوحدة والرحمة دون غيرهما من صفاته؛ لأن الوحدة تذكر أولئك الكافرين الكاتمين للحق بأنهم لا يجدون ملجأ غيرَ الله يقيهم عقوبته ولعنته، والرحمة بعدها ترغبهم في التوبة، وتحول بينهم وبين اليأس من فضله بعد أن اتخذوا الوسطاء والشفعاء عنده.
وعن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ وفاتحة آل عمران ﴿الم (١) اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ أخرجه أبو داود والترمذي، وقال حديث صحيح.
١٦٤ - ثم ذكر الله سبحانه وتعالى بعض ظواهر الكون الدالة على وحدانيته ورحمته؛ لتكون برهانًا على ما ذكر في الآية قبلها فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخر الآية، فذكر من عجائب مخلوقاته ودلائل قدرته ووحدانيته
الأول والثاني منها ذكره بقوله: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: إن في إيجادهما على غير مثال سبق مع عظمهما وكثرة أجزائهما، وقيل: الخَلْقُ هنا بمعنى المخلوق؛ إذ الآيات التي تشاهد إنما هي في المخلوق الذي هو السموات والأرض، وحينئذ فإضافته بيانية، وإنما جمع السموات؛ لأنها أجناس مختلفة كل سماء من جنس غير جنس الأخرى، وأفرد الأرض؛ لأنها جنس واحد وهو التراب.
والآيات في السماء هي: سمكها، وارتفاعها بغير عمد ولا علَّاقة، وما يُرى فيها من الشمس والقمر والنجوم، وفي ذلك كله ما يدل على أنه صادر من إله واحد لا شريك له في الخلق والتقدير، والحكمة والتدبير.
| وَفِي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ | تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ |
وذكر الثالث منها بقوله: ﴿و﴾ في ﴿اختلاف الليل والنهار﴾؛ أي: في تعاقبهما بمجيء أحدهما، وذهاب الآخر، واختلافهما في الطول والقصر، والزيادة والنقصان، والنور والظلمة، وإنما قُدِّم الليل على النهار؛ لأن الظلمة أقدم، والآيات في الليل والنهار تعاقبهما بالمجيء والذهاب واختلافهما فيما ذكر، واختلاف انتظام أحوال العباد في معاشهم بالراحة في الليل، والسعي والكسب في النهار.
وذكر الرابع منها بقوله: ﴿و﴾ في الفلك والسفن ﴿الَّتِي تَجْرِي﴾ وتسير ﴿في الْبَحْرِ﴾ والماء العميق.
فدلالتها (٢) على الوحدانية يحتاج إلى معرفة طبيعة الماء، وقانون الثقل في الأجسام، وطبيعة الهواء والريح والبخار والكهرباء التي هي العمدة في سير السفن الكبرى في هذا العصر، وكل ذلك يجري على سنن مطردة تدل على أنها صادرة عن قوة بديعة النظام؛ هي قدرة الإله الواحد العليم كما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ في الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾.
النوع الخامس منها: ركوب السفن، والحمل عليها في التجارة. وذكره بقوله: ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾؛ أي: ينفعهم في أسفارهم وتجارتهم؛ فهي تحمل أصناف المتاجر من إقليم إلى إقليم، ومن قطر إلى قطر آخر، فتجعل العالم كله مشتركًا في المطاعم والمشارب والملابس وأصناف الأدوية وغيرها، والآيات في ذلك أن الله تعالى لو لم يقوِّ قلوب من يركب هذه السفن.. لما تم الغرض في تجاراتهم ومنافعهم، وأيضًا فإن الله تعالى خص كل قطر من أقطار العالم بشيء معين فصار ذلك سببًا يدعوهم إلى اقتحام الأخطار في الأسفار من ركوب السفن، وخوض البحر، وغير ذلك.
والنوع السادس منها: نزول المطر من السماء، وذكره بقوله: ﴿و﴾ في ﴿مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: من السحاب ﴿مِنْ مَاءٍ﴾؛ أي: من المطر الذي به حياة البلاد والعباد، فـ ﴿من﴾ الأولى للابتداء، والثانية للبيان. قيل: أراد بالسماء السحاب، سُمي سماء لأن كل ما علاك فأظلك فهو سماء؛ لأنه خلق الله الماء في السحاب، ومنه ينزل إلى الأرض، وقيل: أراد السماء بعينها؛ لأنه خلق الله الماء في السماء، ومنه ينزل إلى السحاب، ثم منه إلى الأرض، ثم عطف على
(٢) مراغي.
والآيات في ذلك: أنّ الله جعل الماء سببًا لحياة جميع الموجودات من حيوان ونبات، وأنه ينزله عند الحاجة إليه بمقدار المنفعة، وعند الاستسقاء، وينزله بمكان دون مكان.
والسابع منها: انتشار كل دابةٍ في الأرض، وذكره بقوله: ﴿و﴾ في ﴿بث﴾ وفرق ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾؛ أي: من كل حيوان. قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد كل ما دبّ على وجه الأرض من جميع الخلق من الناس وغيرهم، فقوله: ﴿بث﴾ إما معطوف على ﴿أنزل﴾ فتقدر ﴿ما﴾ الموصولة قبلها، فتكون الآيات حينئذ تسعة أنواع، أو معطوف على ﴿أحيا﴾، فتكون الآيات ثمانية كما أشرنا إليه فيما مر، والآيات في ذلك: أن جنس الإنسان مثلًا يرجع إلى أصل واحد وهو آدم، مع ما فيهم من الاختلاف في الصور، والأشكال، والألوان والألسنة، والطبائع، والأخلاق، والأوصاف إلى غير ذلك، ثم يقاس على بني آدم سائر الحيوان.
والثامن منها: الريح وذكره بقوله: ﴿يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: وفي تقليب الرياح وتحويلها، وتوجيهها مرة جنوبًا ومرة من شمالًا، وباردةً وحارةً، ولينةً وعاصفةً.
والآيات فيها: أنها جسم لطيف لا يمسك ولا يرى؛ وهي مع ذلك في غاية القوة بحيث تقلع الشجر والصخر، وتخرب البنيان، وهي مع ذلك حياة الوجود، فلو أمسكها طرفة عين.. لمات كل ذي روح، وأنتن ما على وجه الأرض.
والنوع التاسع منها: السحاب وذكره بقوله: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾؛ أي: وفي الغيم المذلل لقدرة الله تعالى يسير ﴿بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ بواسطة الرياح حيث شاء الله تعالى، وهو يحمل الماء الغزير، ثم يصبه على الأرض قطرات قطرات.
﴿لَآيَاتٍ﴾؛ أي: إن في جميع ما ذكر من خلق السموات والأرض إلى هنا لدلائل وبراهين عظيمة دالة على وحدانية الرب الحكيم، ودالة على القدرة القاهرة، والحكمة الباهرة، والرحمة الواسعة. قيل: وإنما جمع آيات؛ لأن في كل واحد مما ذكر من هذه الأنواع آيات كثيرة تدل على أن لها خالقًا مدبرًا مختارًا ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: يتفكرون فيها وينظرون إليها بعيون عقولهم، فيعرفون بأن هذه الأمور من صنع إله قادرٍ حكيم، وفيه تعريضٌ بجهلِ المشركين الذين اقترحوا على النبي - ﷺ - آية تصدقه، وفي الحديث (٢): "ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها"؛ أي: لم يتفكر فيها.
١٦٥ - ثم أخبر الله سبحانه وتعالى عن سوء عاقبة المشركين الذين عبدوا غير الله تعالى فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: ومن الكفار أهل الكتاب، وعبدة الأوثان ﴿مَنْ يَتَّخِذُ﴾؛ أي: يعبد ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾؛ أي: من غير الله ﴿أَنْدَادًا﴾؛ أي: أصنامًا وأحبارًا أندادًا؛ أي: أمثالًا وأشباه يشبه بعضها بعضًا في العجز، وعدم النفع والضر، والأحسن (٣) حمل ﴿النَّاسِ﴾ على الطائفتين: من أهل الكتاب وعبدة الأوثان، فالأنداد باعتبار أهل الكتاب هم رؤساؤهم وأحبارهم اتبعوا ما رتبوه وشرعوه لهم من أمر ونهي، وإن خالف أمر الله ونهيه، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ والأنداد باعتبار عبدة الأوثان هي الأصنام اتخذوها آلهةً، وعبدوها من دون الله.
(٢) البحر المحيط.
(٣) بيضاوي.
﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾؛ أي: يود العابدون المعبودين، ويعظمونهم، ويخضعون لهم ﴿كَحُبِّ اللهِ﴾؛ أي: يحبونم حبًّا كائنًا كحب الله؛ أي: كحبهم الله تعالى؛ أي: يسوون (١) بينه تعالى وبين الأصنام في الطاعة والتعظيم، ويتقربون إليهم كما يتقربون إليه تعالى إذ هم لا يرجون من الله شيئًا إلا وقد جعلوا لأندادهم ضربًا من التوسط الغيبي فيه، فهم مشركون بهذا الحب الذي لا يصدر من مؤمنٍ موحدٍ، وللمشركين أندادٌ متعددون وأرباب متفرقون، فإذا حزبه أمر، أو نزل به ضرٌّ.. لجأ إلى بشرٍ، أو حجر، فهو دائمًا مبلبل البال، لا يستقر من القلق على حال.
وقيل المعنى (٢): يحبون الأصنام كما يحب المؤمنون ربهم عز وجل، ومن قال بالقول الأول.. فقد أثبت للكفار محبةَ اللهِ تعالى، لكن جعلوا الأصنام شركاء له في الحب، ومن قال بالثاني.. لم يثبت للكفار محبةَ الله تعالى. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾؛ أي: أكثر وأثبت وأدوم على محبتهم لله تعالى من الكفار لأصنامهم؛ لأنهم لا يختارون مع الله غيره والمشركون قد اتخذوا صنمًا، ثم رأوا آخر أحسن منه، طرحوا الأول واختاروا الثاني.
وقيل: إن الكفار يعدلون عن أصنامهم في الشدائد، ويقبلون إلى الله تعالى كما أخبر عنهم. ﴿فَإِذَا رَكِبُوا في الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ والمؤمنون لا يعدلون عن الله تعالى في السرّاء ولا في الضّراء، ولا في الشدة ولا في الرخاء.
وقيل: إن المؤمنين يوحدون ربهم، والكفار يعبدون أصنامًا كثيرة؛ فتنقص المحبة لصنم واحد، قال أبو حيان: والمفضل عليه محذوف؛ وهم المتخذون الأنداد، وهذه الجملة كالاستدراك (٣)؛ لما يفيده التشبيه من التساوي؛ أي: لكن
(٢) المراغي.
(٣) الخازن.
﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قرأ الجمهور: بالياء التحتانية، و ﴿إذ﴾ في قوله: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ بمعنى إذا الدالة على المستقبل، وقرأ الجمهور أيضًا قوله: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ بفتح همزة ﴿أن﴾ في الموضعين، و ﴿يَرَى﴾ بصرية، وجواب ﴿لو﴾ محذوف، وجملة ﴿أن﴾ معمولة لجواب ﴿لو﴾ المحذوف؛ والمعنى: ولو رأى وشاهد الذين ظلموا أنفسهم بالشرك، واتخاذ الأنداد في الدنيا وقت رؤيتهم العذاب يوم القيامة.. لعلموا أن القوة لله جميعًا، وأن الله شديد العذاب، وأن الأنداد عاجزة لا تنفع ولا تضر. وعلى قراءة بعض القراء، غير السبع - أي في الشواذة - بكسر الهمزة من ﴿أن﴾؛ والمعنى حينئذ: ولو يرى الذين ظلموا بعبادة الأصنام عجزها حال مشاهدتهم عذاب الله.. لقالوا: إن القوة لله جميعًا.
وقرأ نافع وابن عامر في المتواتر: ﴿ترى﴾ بالتاء الفوقية مع فتح الهمزة في ﴿أن﴾ على الخطاب للرسول - ﷺ -، أو لكل من يصلح للخطاب؛ والمعنى: ولو ترى يا محمَّد الذين ظلموا حالهم إذ يرون العذاب.. لعلمت أن القوة لله جميعًا، ولو كسرت الهمزة.. كان المعنى: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب.. لقلت: إن القوة لله جميعًا، وقرأ ابن عامر: ﴿إذ يُرون﴾ بضم الياء.
وقال أبو حيان (١): قال عطاء: المعنى: ولو يرى الذين ظلموا يوم القيامة إذ يرون العذاب حين تخرج إليهم جهنم من مسيرة خمس مئة عام، تلتقطهم كما يلتقط الحمام الحبة.. لعلموا أن القوة لله والقدرة لله جميعًا.
وقيل المعنى: لو يعلمون في الدنيا ما يعلمونه إذ يرون العذاب.. لأقروا
١٦٦ - ﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ بدل من قوله: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾؛ أي: ولو يرى الذين ظلموا حالهم إذ يتبرأ ويتخلص الرؤساء الذين اتبعوا، وأضلوا أتباعهم لعلموا أن القوة لله جميعًا، وأن الله شديد العذاب. ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾؛ أي: من السفلة والأتباع الذين اتبعوهم في الضلال، كما قال تعالى: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾، ﴿و﴾ قد ﴿رأوا العذاب﴾؛ أي: والحال أن الرؤساء والسفلة كلهم قد رأوا العذاب ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾؛ أي: وقد انقطعت عنهم الأسباب والمواصلات التي كانت بينهم في الدنيا من الأرحام والمودة على الكفر، وأنكر المتبوعون إضلال الأتباع، وانقلبت مودتهم عداوة.
وقرأ الجمهور: ﴿اتُّبِعُوا﴾ الأول مبنيًّا للمفعول والثاني مبنيًّا للفاعل، وقرأ مجاهد في الشواذ: بالعكس، ومعنى تبرأ المتبوعين: قولهم إنا لم نضل هؤلاء، بل كفروا بإرادتهم، وعقاب كفرهم عليهم لا علينا، ومعنى تبرأ التابعين: هو انفصالهم عن متبوعيهم، والندم على عبادتهم وطاعتهم.
١٦٧ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾؛ أي: الأتْباع ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾؛ أي: ليت لنا رجعة إلى الدنيا ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: نتخلص من المتبوعين في الدنيا إذا رجعنا إليها، فنتبع سبيل الحق، ونأخذ بالتوحيد الخالص، ونهتدي بكتاب الله وسنة رسوله، ثم نعود إلى موضع الحساب، فنتبرأ من هؤلاء الضالين ﴿كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾؛ أي: كما تبرأ المتبوعون منا في هذا اليوم العصيب، ونسعد بعملنا حيث هم أشقياء بأعمالهم ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كما أراهم شدة عذابه ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ السيئة من الشرك وغيره حالة كونها ﴿حَسَرَاتٍ﴾؛ أي: ندامات شديدة ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على تفريطهم فيها؛ لأنهم أيقنوا بالهلاك والعذاب الشديد عليها، والحسرة (١) الغم على ما فاته، وشدة الندم عليه، كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما
الإعراب
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿وَإِلَهُكُمْ﴾: الواو استئنافية ﴿إلهكم﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿إِلَهٌ﴾: خبر. ﴿وَاحِدٌ﴾: صفة له، والجملة مستأنفة. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿إِلَهَ﴾: في محل النصب اسمها، وخبر (لا) محذوف جوازًا، تقديره: موجود، وجملة ﴿لَا﴾ من اسمها وخبرها في محل الرفع خبر ثان لـ ﴿إلهكم﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل في محل الرفع بدل من الضمير المستكن في خبر لا.
وعبارة "السمين" هنا: ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون بدلًا من ﴿هُوَ﴾ بدل ظاهر من مضمر، إلا أن هذا يؤدي إلى البدل بالمشتقات وهو قليل، ويمكن الجواب عنه: بأن هاتين الصفتين جريا مجرى الجوامد، ولا سيما عند من يجعل الرحمن عَلَمًا.
الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو الرحمن، وحسّن حذفه توالي اللفظ بـ ﴿هُوَ﴾ مرتين.
الثالث: أن يكون خبرًا ثالثًا لقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾ أخبر عنه بقوله: {إِلَهٌ