تفسير سورة سورة فاطر

في ظلال القرآن

مقدمة التفسير

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة فاطر مكية وآياتها خمس وأربعون
هذه السورة المكّية نسق خاص في موضوعها وفي سياقها. أقرب ما تكون إلى نسق سورة الرعد. فهي تمضي في إيقاعات تتوالى على القلب البشري من بدئها إلى نهايتها. إيقاعات موحية مؤثرة تهزه هزاً، وتوقظه من غفلته ليتأمل عظمة هذا الوجود، وروعة هذا الكون ؛ وليتدبر آيات الله المبثوثة في تضاعيفه، المتناثرة في صفحاته ؛ وليتذكر آلاء الله، ويشعر برحمته ورعايته ؛ وليتصور مصارع الغابرين في الأرض ومشاهدهم يوم القيامة ؛ وليخشع ويعنو وهو يواجه بدائع صنع الله، وآثار يده في أطواء الكون، وفي أغوار النفس، وفي حياة البشر، وفي أحداث التاريخ. وهو يرى ويلمس في تلك البدائع وهذه الآثار وحدة الحق ووحدة الناموس، ووحدة اليد الصانعة المبدعة القوية القديرة... ذلك كله في أسلوب وفي إيقاع لا يتماسك له قلب يحس ويدرك، ويتأثر تأثر الأحياء.
والسورة وحدة متماسكة متوالية الحلقات متتالية الإيقاعات. يصعب تقسيمها إلى فصول متميزة الموضوعات فهي كلها موضوع واحد. كلها إيقاعات على أوتار القلب البشري، تستمد من ينابيع الكون والنفس والحياة والتاريخ والبعث. فتأخذ على النفس أقطارها وتهتف بالقلب من كل مطلع، إلى الإيمان والخشوع والإذعان.
والسمة البارزة الملحوظة في هذه الإيقاعات هي تجميع الخيوط كلها في يد القدرة المبدعة. وإظهار هذه اليدتحرك الخيوط كلها وتجمعها ؛ وتقبضها وتبسطها، وتشدها وترخيها. بلا معقب ولا شريك ولا ظهير.
ومنذ ابتداء السورة نلمح هذه السمة البارزة، وتطرد إلى ختامها..
هذا الكون الهائل نلمح اليد القادرة القاهرة تبرزه إلى الوجود وفق ما تريد :( الحمد لله فاطر السماوات والأرض، جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع. يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير )..
وهذه القبضة القوية تنفرج فترسل بالرحمة تتدفق وتفيض، وتنقبض فتغلق ينابيعها وتغيض. بلا معقب ولا شريك :
( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده، وهو العزيز الحكيم )..
والهدى والضلال رحمة تتدفق أو تغيض :( فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ).. ( إن الله يُسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور. إن أنت إلا نذير )..
وهذه اليد تصنع الحياة الأولى وتنشر الموتى في الحياة الآخرة :( والله الذي أرسل الرياح، فتثير سحاباً، فسقناه إلى بلد ميت، فأحيينا به الأرض بعد موتها. كذلك النشور )..
والعزة كلها لله ومنه وحده تستمد :( من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً )..
والخلق والتكوين والنسل والأجل خيوطها كلها في تلك اليد لا تند عنها :( والله خلقكم من تراب، ثم من نطفة، ثم جعلكم أزواجاً. وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه. وما يعمر من معمر، ولا ينقص من عمره إلا في كتاب. إن ذلك على الله يسير ) :
وفي تلك القبضة تتجمع مقاليد السماوات والأرض وحركات الكواكب والأفلاك ( يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى. ذلكم الله ربكم له الملك. والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير..
ويد الله المبدعة تعمل في هذا الكون بطريقتها المعلمة، وتصبغ وتلون في الجماد والنبات والحيوان والإنسان :
( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء، فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها، ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك ).
وهذه اليد تنقل خطى البشر، وتورث الجيل الجيل :( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ).. ( هو الذي جعلكم خلائف في الأرض )..
وهي تمسك بهذا الكون الهائل تحفظه من الزوال. ( إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده )..
وهي القابضة على أزمة الأمور لا يعجزها شيء على الإطلاق :( وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض )..
وهو ( على كل شيء قدير ).. وهو ( العزيز الحكيم ).. ( وإلى الله ترجع الأمور )وهو ( عليم بما يصنعون ).. ( وله الملك ).. وهو ( الغني الحميد ).. ( وإلى الله المصير ).. وهو ( عزيز غفور ).. وهو ( غفور شكور ).. وإنه بعباده ( لخبير بصير ).. وهو ( عالم غيب السماوات والأرض ).. وهو ( عليم بذات الصدور ).. وكان ( حليماً غفوراً ).. وكان ( عليماً قديراً ).. وكان ( بعباده بصيراً )..
ومن تلك الآيات وهذه التعقيبات يرتسم جو السورة، والسمة الغالبة عليها، والظل الذي تلقيه في النفس على وجه العموم.
ونظراً لطبيعة السورة فقد اخترنا تقسيمها إلى ستة مقاطع متجانسة المعاني لتيسير تناولها. وإلا فهي شوط واحد متصل الإيقاعات والحلقات من بدئها إلى نهايتها...
( الحمد لله فاطر السماوات والأرض، جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير )..
تبدأ السورة بتقديم الحمد لله. فهي سورة قوامها توجيه القلب إلى الله، وإيقاظه لرؤية آلائه، واستشعار رحمته وفضله، وتملي بدائع صنعه في خلقه، وامتلاء الحس بهذه البدائع، وفيضه بالتسبيح والحمد والابتهال :
( الحمد لله )..
ويتلو حمد الله ذكر صفته الدالة على الخلق والإبداع :
( فاطر السماوات والأرض )..
فهو منشىء هذه الخلائق الهائلة التي نرى بعضها من فوقنا ومن تحتنا حيث كنا، والتي لا نعرف إلا القليل عن أصغرها وأقربها إلينا.. أمنا الأرض.. والتي ينتظمها ناموس واحد يحفظها في تناسق وتوافق، على ما بينها من أبعاد هائلة لا يتصورها خيالنا البشري إلا بمشقة عظيمة ؛ والتي تحوي - مع ضخامتها وتباعد أفلاكها ومداراتها - من أسرار التناسب فيما بينها ما لو اختلت فيه نسبة صغيرة لتحطمت كلها وتناثرت بدداً.
وإننا لنمر على مثل هذه الإشارة في القرآن الكريم إلى خلق السماوات والأرض، دون أن نقف أمامها طويلاً لنتدبر مدلولها الهائل ؛ كما نمر على مشاهد السماوات والأرض ذاتها بمثل هذه البلادة، لا نقف أمامها إلا قليلاً. ذلك أن حسنا قد تبلد، فلم تعد تلك المشاهد توقع على أوتاره تلك الإيقاعات الموقظة الموحية، التي توقعها على القلوب الموصولة بذكر الله، المتيقظة لآثار يده المبدعة في هذا الوجود. وذلك أن الألفة قد أفقدتنا الوهلة والروعة التي يحسها القلب وهو ينظر إلى مثل هذه البدائع للمرة الأولى.
ولا يحتاج القلب المفتوح الواعي الموصول بالله إلى علم دقيق بمواقع النجوم في السماء، وأحجامها ونسبها، ونسب الفضاء حولها، وطرق سيرها في مداراتها، وعلاقة بعضها ببعض في أحجامها وأوضاعها وحركاتها... لا يحتاج القلب المفتوح الواعي الموصول بالله إلى علم دقيق بهذا كله ليستشعر الروعة والرهبة أمام هذا الخلق الهائل الجميل العجيب. فحسبه إيقاع هذه المشاهد بذاتها على أوتاره. حسبه مشهد النجوم المتناثرة في الليلة الظلماء. حسبه مشهد النور الفائض في الليلة القمراء. حسبه الفجر المشقشق بالنور الموحي بالتنفس والانطلاق. حسبه الغروب الزاحف بالظلام الموحي بالوداع والانتهاء.. بل حسبه هذه الأرض وما فيها من مشاهد لا تنتهي ولا يستقصيها سائح يقضي عمره في السياحة والتطلع والتملي.. بل حسبه زهرة واحدة لا ينتهي التأمل في ألوانها وأصباغها وتشكيلها وتنسيقها...
والقرآن يشير إشاراته الموحية لتدبُّر هذه الخلائق... الجليل منها والدقيق... وحسب القلب واحدة منها لإدراك عظمة فاطرها، والتوجه إليه بالتسبيح والحمد والابتهال..
( الحمد لله فاطر السماوات والأرض ).. ( جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع )..
والحديث في هذه السورة يتردد حول الرسل والوحي وما أنزل الله من الحق.. والملائكة هم رسل الله بالوحي إلى من يختاره من عباده في الأرض. وهذه الرسالة هي أعظم شيء وأجله. ومن ثم يذكر الله الملائكة بصفتهم رسلاً عقب ذكره لخلق السماوات والأرض. وهم صلة ما بين السماء والأرض. وهم يقومون بين فاطر السماوات والأرض، وأنبيائه ورسله إلى الخلق بأعظم وظيفة وأجلها.
ولأول مرة - فيما مر بنا من القرآن في هذه الظلال - نجد وصفاً للملائكة يختص بهيئتهم. وقد ورد وصفهم من قبل من ناحية طبيعتهم ووظيفتهم، مثل قوله تعالى : ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون.. وقوله : إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون.. أما هنا فنجد شيئاً يختص بتكوينهم الخلقي :( أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ).. وهو وصف لا يمثلهم للتصور. لأننا لا نعرف كيف هم ولا كيف أجنحتهم هذه. ولا نملك إلا الوقوف عند هذا الوصف، دون تصور معين له. فكل تصور قد يخطى ء. ولم يرد إلينا وصف محدد للشكل والهيئة من طريق معتمد. والذي ورد في القرآن هو هذا ؛ وهو قوله تعالى في وصف جهنم : عليها ملائكة غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.. وهو كذلك لا يحدد شكلاً ولا هيئة. والذي ورد في الأثر :" أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] رأى جبريل في صورته مرتين " وفي رواية :" له ستمائة جناح ".. وهو كذلك لا يعين شكلاً ولا هيئة. فالأمر إذن مطلق. والعلم لله وحده في هذه الغيبيات.
وبمناسبة ذكر الأجنحة مثنى وثلاث ورباع. حيث لا يعرف الإنسان إلا شكل الجناحين للطائر. يذكر أن الله ( يزيد في الخلق ما يشاء ).. فيقرر طلاقة المشيئة، وعدم تقيدها بشكل من أشكال الخلق.. وفيما نشهده نحن ونعلمه أشكال لا تحصى من الخلق. ووراء ما نعلم أكثر وأكثر.. ( إن الله على كل شيء قدير ).. وهذا التعقيب أوسع من سابقه وأشمل. فلا تبقى وراءه صورة لا يتناولها مدلوله، من صور الخلق والإنشاء والتغيير والتبديل.
( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده، وهو العزيز الحكيم )..
في هذه الآية الثانية من السورة صورة من صور قدرة الله التي ختم بها الآية الأولى. وحين تستقر هذه الصورة في قلب بشري يتم فيه تحول كامل في تصوراته ومشاعره واتجاهاته وموازينه وقيمه في هذه الحياة جميعاً.
إنها تقطعه عن شبهة كل قوة في السماوات والأرض وتصله بقوة الله. وتيئسه من مظنة كل رحمة في السماوات والأرض وتصله برحمة الله. وتوصد أمامه كل باب في السماوات والأرض وتفتح أمامه باب الله. وتغلق في وجهه كل طريق في السماوات والأرض وتشرع له طريقه إلى الله.
ورحمة الله تتمثل في مظاهر لا يحصيها العد ؛ ويعجز الإنسان عن مجرد ملاحقتها وتسجيلها في ذات نفسه وتكوينه، وتكريمه بما كرمه ؛ وفيما سخر له من حوله ومن فوقه ومن تحته ؛ وفيما أنعم به عليه مما يعلمه ومما لا يعلمه وهو كثير
ورحمة الله تتمثل في الممنوع تمثلها في الممنوح. ويجدها من يفتحها الله له في كل شيء، وفي كل وضع، وفي كل حال، وفي كل مكان.. يجدها في نفسه، وفي مشاعره ؛ ويجدها فيما حوله، وحيثما كان، وكيفما كان. ولو فقد كل شيء مما يعد الناس فقده هو الحرمان.. ويفتقدها من يمسكها الله عنه في كل شيء، وفي كل وضع، وفي كل حالة، وفي كل مكان. ولو وجد كل شيء مما يعده الناس علامة الوجدان والرضوان !
وما من نعمة - يمسك الله معها رحمته - حتى تنقلب هي بذاتها نقمة. وما من محنة - تحفها رحمة الله - حتى تكون هي بذاتها نعمة.. ينام الإنسان على الشوك - مع رحمة الله - فإذا هو مهاد. وينام على الحرير - وقد أمسكت عنه - فإذا هو شوك القتاد. ويعالج أعسر الأمور - برحمة الله - فإذا هي هوادة ويسر. ويعالج أيسر الأمور - وقد تخلت رحمة الله - فإذا هي مشقة وعسر. ويخوض بها المخاوف والأخطار فإذا هي أمن وسلام. ويعبر بدونها المناهج والمسالك فإذا هي مهلكة وبوار !
ولا ضيق مع رحمة الله. إنما الضيق في إمساكها دون سواه. لا ضيق ولو كان صاحبها في غياهب السجن، أو في جحيم العذاب أو في شعاب الهلاك. ولا وسعة مع إمساكها ولو تقلب الإنسان في أعطاف النعيم، وفي مراتع الرخاء. فمن داخل النفس برحمة الله تتفجَّر ينابيع السعادة والرضا والطمأنينة. ومن داخل النفس مع إمساكها تدب عقارب القلق والتعب والنصب والكد والمعاناة !
هذا الباب وحده يفتح وتغلق جميع الأبواب، وتوصد جميع النوافذ، وتسد جميع المسالك.. فلا عليك. فهو الفرج والفسحة واليسر والرخاء.. وهذا الباب وحده يغلق وتفتح جميع الأبواب والنوافذ والمسالك فما هو بنافع. وهو الضيق والكرب والشدة والقلق والعناء !
هذا الفيض يفتح، ثم يضيق الرزق. ويضيق السكن. ويضيق العيش، وتخشن الحياة، ويشوك المضجع.. فلا عليك. فهو الرخاء والراحة والطمأنينة والسعادة. وهذا الفيض يمسك. ثم يفيض الرزق ويقبل كل شيء. فلا جدوى. وإنما هو الضنك والحرج والشقاوة والبلاء !
المال والولد، والصحة والقوة، والجاه والسلطان.. تصبح مصادر قلق وتعب ونكد وجهد إذا أمسكت عنها رحمة الله. فإذا فتح الله أبواب رحمته كان فيها السكن والراحة والسعادة والاطمئنان.
يبسط الله الرزق - مع رحمته - فإذا هو متاع طيب ورخاء ؛ وإذا هو رغد في الدنيا وزاد إلى الآخرة. ويمسك رحمته، فإذا هو مثار قلق وخوف، وإذا هو مثار حسد وبغض، وقد يكون معه الحرمان ببخل أو مرض، وقد يكون معه التلف بإفراط أو استهتار.
ويمنح الله الذرية - مع رحمته - فإذا هي زينة في الحياة ومصدر فرح واستمتاع، ومضاعفة للأجر في الآخرة بالخلف الصالح الذي يذكر الله. ويمسك رحمته فإذا الذرية بلاء ونكد وعنت وشقاء، وسهر بالليل وتعب بالنهار !
ويهب الله الصحة والقوة - مع رحمته - فإذا هي نعمة وحياة طيبة، والتذاذ بالحياة. ويمسك نعمته فإذا الصحة والقوة بلاء يسلطه الله على الصحيح القوي، فينفق الصحة والقوة فيما يحطم الجسم ويفسد الروح، ويدخر السوء ليوم الحساب !
ويعطي الله السلطان والجاه - مع رحمته - فإذا هي أداة إصلاح، ومصدر أمن، ووسيلة لادخار الطيب الصالح من العمل والأثر. ويمسك الله رحمته فإذا الجاه والسلطان مصدر قلق على فوتهما، ومصدر طغيان وبغي بهما، ومثار حقد وموجدة على صاحبهما لا يقر له معهما قرار، ولا يستمتع بجاه ولا سلطان، ويدخربهما للآخرة رصيداً ضخماً من النار !
والعلم الغزير. والعمر الطويل. والمقام الطيب. كلها تتغير وتتبدل من حال إلى حال... مع الإمساك ومع الإرسال.. وقليل من المعرفة يثمر وينفع، وقليل من العمر يبارك الله فيه. وزهيد من المتاع يجعل الله فيه السعادة.
والجماعات كالآحاد. والأمم كالأفراد. في كل أمر وفي كل وضع، وفي كل حال.. ولا يصعب القياس على هذه الأمثال !
ومن رحمة الله أن تحس برحمة الله ! فرحمة الله تضمك وتغمرك وتفيض عليك. ولكن شعورك بوجودها هو الرحمة. ورجاؤك فيها وتطلعك إليها هو الرحمة. وثقتك بها وتوقعها في كل أمر هو الرحمة. والعذاب هو العذاب في احتجابك عنها أو يأسك منها أو شكك فيها. وهو عذاب لا يصبه الله على مؤمن أبداً. ( إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ).
ورحمة الله لا تعز على طالب في أي مكان ولا في أي حال. وجدها إبراهيم - عليه السلام - في النار. ووجدها يوسف - عليه السلام - في الجب كما وجدها في السجن. ووجدها يونس - عليه السلام - في بطن الحوت في ظلمات ثلاث. ووجدها موسى - عليه السلام - في اليم وهو طفل مجرد من كل قوة ومن كل حراسة، كما وجدها في قصر فرعون وهو عدو له متربص به ويبحث عنه. ووجدها أصحاب الكهف في الكهف حين افتقدوها في القصور والدور. فقال بعضهم لبعض :( فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ). ووجدها رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وصاحبه في الغار والقوم يتعقبونهما ويقصون الآثار.. ووجدها كل من آوى إليها يأساً من كل ما سواها. منقطعاً عن كل شبهة في قوة، وعن كل مظنة في رحمة، قاصداً باب الله وحده دون الأبواب.
ثم إنه متى فتح الله أبواب رحمته فلا ممسك لها. ومتى أمسكها فلا مرسل لها. ومن ثم فلا مخافة من أحد. ولا رجاء في أحد. ولا مخافة من شيء، ولا رجاء في شيء. ولا خوف من فوت وسيلة، ولا رجاء مع الوسيلة. إنما هي مشيئة الله. ما يفتح الله فلا ممسك. وما يمسك الله فلا مرسل. والأمر مباشرة إلى الله.. ( وهو العزيز الحكيم ).. يقدر بلا معقب على الإرسال والإمساك. ويرسل ويمسك وفق حكمة تكمن وراء الإرسال والإمساك.
( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها )..
وما بين الناس ورحمة الله إلا أن يطلبوها مباشرة منه، بلا وساطة وبلا وسيلة إلا التوجه إليه في طاعة وفي رجاء وفي ثقة وفي استسلام.
( وما يمسك فلا مرسل له من بعده ).
فلا رجاء في أحد من خلقه، ولا خوف لأحد من خلقه. فما أحد بمرسل من رحمة الله ما أمسكه الله.
أية طمأنينة ؟ وأي قرار ؟ وأي وضوح في التصورات والمشاعر والقيم والموازين تقره هذه الآية في الضمير ؟ !
آية واحدة ترسم للحياة صورة جديدة ؛ وتنشىء في الشعور قيماً لهذه الحياة ثابتة ؛ وموازين لا تهتز ولا تتأرجح ولا تتأثر بالمؤثرات كلها. ذهبت أم جاءت. كبرت أم صغرت. جلت أم هانت. كان مصدرها الناس أو الأحداث أو الأشياء !
صورة واحدة لو استقرت في قلب إنسان لصمد كالطود للأحداث والأشياء والأشخاص والقوى والقيم والاعتبارات. ولو تضافر عليها الإنس والجن. وهم لا يفتحون رحمة الله حين يمسكها، ولا يمسكونها حين يفتحها.. ( وهو العزيز الحكيم )..
وهكذا أنشأ القرآن بمثل هذه الآية وهذه الصورة تلك الفئة العجيبة من البشر في صدر الإسلام. الفئة التي صنعت على عين الله بقرآنه هذا لتكون أداة من أدوات القدرة، تنشىء في الأرض ما شاء الله أن ينشىء من عقيدة وتصور، وقيم وموازين، ونظم وأوضاع. وتقر في الأرض ما شاء الله أن يقر من نماذج الحياة الواقعة التي تبدو لنا اليوم كالأساطير والأحلام. الفئة التي كانت قدراً من قدر الله يسلطه على من يشاء في الأرض فيمحو ويثبت في واقع الحياة والناس ما شاء الله من محو ومن إثبات. ذلك أنها لم تكن تتعامل مع ألفاظ هذا القرآن، ولا مع المعاني الجميلة التي تصورها.. وكفى.. ولكنها كانت تتعامل مع الحقيقة التي تمثلها آيات القرآن، وتعيش في واقعها بها، ولها..
وما يزال هذا القرآن بين أيدي الناس، قادراً على أن ينشىء بآياته تلك أفراداً وفئات تمحو وتثبت في الأرض - بإذن الله - ما يشاء الله.. ذلك حين تستقر هذه الصور في القلوب، فتأخذها جداً، وتتمثلها حقاً. حقاً تحسه، كأنها تلمسه بالأيدي وتراه بالأبصار..
ويبقى أن أتوجه أنا بالحمد لله على رحمة منه خاصة عرفتها منه في هذه الآية..
لقد واجهتني هذه الآية في هذه اللحظة وأنا في عسر وجهد وضيق ومشقة. واجهتني في لحظة جفاف روحي، وشقاء نفسي، وضيق بضائقة، وعسر من مشقة.. واجهتني في ذات اللحظة. ويسر الله لي أن أطلع منها على حقيقتها. وأن تسكب حقيقتها في روحي ؛ كأنما هي رحيق أرشفه وأحس سريانه ودبيبه في كياني. حقيقة أذوقها لا معنى أدركه. فكانت رحمة بذاتها. تقدم نفسها لي تفسيراً واقعياً لحقيقة الآية التي تفتحت لي تفتحها هذا. وقد قرأتها من قبل كثيراً. ومررت بها من قبل كثيراً. ولكنها اللحظة تسكب رحيقها وتحقق معناها، وتنزل بحقيقتها المجردة، وتقول : هأنذا.. نموذجاً من رحمة الله حين يفتحها. فانظر كيف تكون !
إنه لم يتغير شيء مما حولي. ولكن لقد تغير كل شيء في حسي ! إنها نعمة ضخمة أن يتفتح القلب لحقيقة كبرى من حقائق هذا الوجود، كالحقيقة الكبرى التي تتضمنها هذه الآية. نعمة يتذوقها الإنسان ويعيشها ؛ ولكنه قلما يقدر على تصويرها، أو نقلها للآخرين عن طريق الكتابة. وقد عشتها وتذوقتها وعرفتها. وتم هذا كله في أشد لحظات الضيق والجفاف التي مرت بي في حياتي. وهأنذا أجد الفرج والفرح والري والاسترواح والانطلاق من كل قيد ومن كل كرب ومن كل ضيق. وأنا في مكاني ! إنها رحمة الله يفتح الله بابها ويسكب فيضها في آية من آياته. آية من القرآن تفتح كوة من النور. وتفجر ينبوعاً من الرحمة. وتشق طريقاً ممهوداً إلى الرضا والثقة والطمأنينة والراحة في ومضة عين وفي نبضة قلب وفي خفقة جنان. اللهم حمداً لك. اللهم منزل هذا القرآن. هدى ورحمة للمؤمنين...
ونعود بعد تسجيل هذه الومضة إلى سياق السورة.. فنجده يؤكد في الآية الثالثة إيحاء الآيتين الأولى والثانية ؛ فيذكر الناس بنعمة الله عليهم ؛ وهو وحده الخالق وهو وحده الرازق. الذي لا إله إلا هو ؛ ويعجب كيف يصرفون عن هذا الحق الواضح المبين :
( يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم. هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض ؟ لا إله إلا هو. فأنى تؤفكون ؟ )..
ونعمة الله على الناس لا تتطلب إلا مجرد الذكر ؛ فإذا هي واضحة بينة يرونها ويحسونها ويلمسونها، ولكنهم ينسون فلا يذكرون.
وحولهم السماء والأرض تفيضان عليهم بالنعم، وتفيضان عليهم بالرزق ؛ وفي كل خطوة، وفي كل لحظة فيض ينسكب من خيرات الله ونعمه من السماء والأرض. يفيضها الخالق على خلقه. فهل من خالق غيره يرزقهم بما في أيديهم من هذا الفيض العميم ؟ إنهم لا يملكون أن يقولوا هذا، وما كانوا يدعونه وهم في أغلظ شركهم وأضله. فإذا لم يكن هناك خالق رازق غير الله، فما لهم لا يذكرون ولا يشكرون ؟ وما لهم ينصرفون عن حمد الله والتوجه إليه وحده بالحمد والابتهال ؟ إنه ( لا إله إلا هو )فكيف يصرفون عن الإيمان بهذا الحق الذي لا مراء فيه.. ( فأنى تؤفكون ؟ ).. وإنه لعجيب أن ينصرف منصرف عن مثل هذا الحق الذي يواجههم به ما بين أيديهم من الرزق وإنه لعجيب أن ينصرف عن حمد الله وشكره من لا يجد مفراً من الاعتراف بذلك الحق المبين !
هذه الإيقاعات الثلاثة القوية العميقة هي المقطع الأول في السورة. وفي كل منها صورة تخلق الإنسان خلقاً جديداً حين تستقر في ضميره على حقيقتها العميقة. وهي في مجموعها متكاملة متناسقة في شتى الاتجاهات
انتهى المقطع الأول من السورة بتلك الإيقاعات الثلاثة العميقة، بتلك الحقائق الكبيرة الأصيلة : حقيقة وحدانية الخالق المبدع. وحقيقة الاختصاص بالرحمة. وحقيقة الانفراد بالرزق.
وفي المقطع الثاني يتجه أولاً إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بالتسلية والتسرية عن تكذيبهم له، ويرجع الأمر كله إلى الله. ويتجه ثانياً إلى الناس يهتف بهم : إن وعد الله حق، ويحذرهم لعب الشيطان بهم ليخدعهم عن تلك الحقائق الكبرى، ويذهب بهم إلى السعير - وهو عدوهم الأصيل - ويكشف لهم عن جزاء المؤمنين وجزاء المخدوعين بالعدو الأصيل ! ويتجه أخيراً إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ألا يأسى عليهم وتذهب نفسه حسرات فإن الهدى والضلال بيد الله. والله عليم بما يصنعون.
انتهى المقطع الأول من السورة بتلك الإيقاعات الثلاثة العميقة، بتلك الحقائق الكبيرة الأصيلة : حقيقة وحدانية الخالق المبدع. وحقيقة الاختصاص بالرحمة. وحقيقة الانفراد بالرزق.
وفي المقطع الثاني يتجه أولاً إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بالتسلية والتسرية عن تكذيبهم له، ويرجع الأمر كله إلى الله. ويتجه ثانياً إلى الناس يهتف بهم : إن وعد الله حق، ويحذرهم لعب الشيطان بهم ليخدعهم عن تلك الحقائق الكبرى، ويذهب بهم إلى السعير - وهو عدوهم الأصيل - ويكشف لهم عن جزاء المؤمنين وجزاء المخدوعين بالعدو الأصيل ! ويتجه أخيراً إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ألا يأسى عليهم وتذهب نفسه حسرات فإن الهدى والضلال بيد الله. والله عليم بما يصنعون.

ويهتف بالناس :

( يا أيها الناس إن وعد الله حق. فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور. إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً. إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير )..
إن وعد الله حق.. إنه آت لا ريب فيه. إنه واقع لا يتخلف. إنه حق والحق لا بد أن يقع، والحق لا يضيع ولا يبطل ولا يتبدد ولا يحيد. ولكن الحياة الدنيا تغر وتخدع. ( فلا تغرنكم الحياة الدنيا ). ولكن الشيطان يغر ويخدع فلا تمكنوه من أنفسكم ( ولا يغرنكم بالله الغرور ).. والشيطان قد أعلن عداءه لكم وإصراره على عدائكم ( فاتخذوه عدواً )لا تركنوا إليه، ولا تتخذوه ناصحاً لكم ولا تتبعوا خطاه، فالعدو لا يتبع خطى عدوه وهو يعقل ! وهو لا يدعوكم إلى خير، ولا ينتهي بكم إلى نجاة :( إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) ! فهل من عاقل يجيب دعوة الداعي إلى عذاب السعير ؟ !
إنها لمسة وجدانية صادقة. فحين يستحضر الإنسان صورة المعركة الخالدة بينه وبين عدوه الشيطان، فإنه يتحفز بكل قواه وبكل يقظته وبغريزة الدفاع عن النفس وحماية الذات. يتحفز لدفع الغواية والإغراء ؛ ويستيقظ لمداخل الشيطان إلى نفسه، ويتوجس من كل هاجسة، ويسرع ليعرضها على ميزان الله الذي أقامه له ليتبين، فلعلها خدعة مستترة من عدوه القديم !
وهذه هي الحالة الوجدانية التي يريد القرآن أن ينشئها في الضمير. حالة التوفز والتحفز لدفع وسوسة الشيطان بالغواية ؛ كما يتوفز الإنسان ويتحفز لكل بادر ة من عدوه وكل حركة خفية ! حالة التعبئة الشعوريه ضد الشر ودواعيه، وضد هواتفه المستسرة في النفس، وأسبابه الظاهرة للعيان. حالة الاستعداد الدائم للمعركة التي لا تهدأ لحظة ولا تضع أوزارها في هذه الأرض أبداً.
انتهى المقطع الأول من السورة بتلك الإيقاعات الثلاثة العميقة، بتلك الحقائق الكبيرة الأصيلة : حقيقة وحدانية الخالق المبدع. وحقيقة الاختصاص بالرحمة. وحقيقة الانفراد بالرزق.
وفي المقطع الثاني يتجه أولاً إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بالتسلية والتسرية عن تكذيبهم له، ويرجع الأمر كله إلى الله. ويتجه ثانياً إلى الناس يهتف بهم : إن وعد الله حق، ويحذرهم لعب الشيطان بهم ليخدعهم عن تلك الحقائق الكبرى، ويذهب بهم إلى السعير - وهو عدوهم الأصيل - ويكشف لهم عن جزاء المؤمنين وجزاء المخدوعين بالعدو الأصيل ! ويتجه أخيراً إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ألا يأسى عليهم وتذهب نفسه حسرات فإن الهدى والضلال بيد الله. والله عليم بما يصنعون.
ثم يدعم هذه التعبئة وهذا الحذر وهذا التوفز ببيان عاقبة الكافرين الذين لبوا دعوة الشيطان، وحالة المؤمنين الذين طاردوه :
( الذين كفروا لهم عذاب شديد. والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير )..
انتهى المقطع الأول من السورة بتلك الإيقاعات الثلاثة العميقة، بتلك الحقائق الكبيرة الأصيلة : حقيقة وحدانية الخالق المبدع. وحقيقة الاختصاص بالرحمة. وحقيقة الانفراد بالرزق.
وفي المقطع الثاني يتجه أولاً إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بالتسلية والتسرية عن تكذيبهم له، ويرجع الأمر كله إلى الله. ويتجه ثانياً إلى الناس يهتف بهم : إن وعد الله حق، ويحذرهم لعب الشيطان بهم ليخدعهم عن تلك الحقائق الكبرى، ويذهب بهم إلى السعير - وهو عدوهم الأصيل - ويكشف لهم عن جزاء المؤمنين وجزاء المخدوعين بالعدو الأصيل ! ويتجه أخيراً إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ألا يأسى عليهم وتذهب نفسه حسرات فإن الهدى والضلال بيد الله. والله عليم بما يصنعون.
ويعقب على هذا بتصوير طبيعة الغواية، وحقيقة عمل الشيطان، والباب الذي يفتح فيجيء منه الشر كله ؛ ويمتد منه طريق الضلال الذي لا يرجع منه سالك متى أبعدت فيه خطاه :
( أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً... ؟ )..
هذا هو مفتاح الشر كله.. أن يزين الشيطان للإنسان سوء عمله فيراه حسناً. أن يعجب بنفسه وبكل ما يصدر عنها. ألا يفتش في عمله ليرى مواضع الخطأ والنقص فيه، لأنه واثق من أنه لا يخطىء ! متأكد أنه دائماً على صواب ! معجب بكل ما يصدر منه ! مفتون بكل ما يتعلق بذاته. لا يخطر على باله أن يراجع نفسه في شيء، ولا أن يحاسبها على أمر. وبطبيعة الحال لا يطيق أن يراجعه أحد في عمل يعمله أو في رأي يراه. لأنه حسن في عين نفسه. مزين لنفسه وحسه. لا مجال فيه للنقد، ولا موضع فيه للنقصان !
هذا هو البلاء الذي يصبه الشيطان على إنسان ؛ وهذا هو المقود الذي يقوده منه إلى الضلال. فإلى البوار !
إن الذي يكتب الله له الهدى والخير يضع في قلبه الحساسية والحذر والتلفت والحساب. فلا يأمن مكر الله. ولا يأمن تقلب القلب. ولا يأمن الخطأ والزلل. ولا يأمن النقص والعجز. فهو دائم التفتيش في عمله. دائم الحساب لنفسه. دائم الحذر من الشيطان. دائم التطلع لعون الله.
وهذا هو مفرق الطريق بين الهدى والضلال، وبين الفلاح والبوار.
إنها حقيقة نفسية دقيقة عميقة يصورها القرآن في ألفاظ معدودة :
( أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً )..
إنه نموذج الضال الهالك البائر الصائر إلى شر مصير. ومفتاح هذا كله هو هذا التزيين. هو هذا الغرور. هو هذا الستار الذي يعمي قلبه وعينه فلا يرى مخاطر الطريق. ولا يحسن عملاً لأنه مطمئن إلى حسن عمله وهو سوء. ولا يصلح خطأ لأنه واثق أنه لا يخطىء ! ولا يصلح فاسداً لأنه مستيقن أنه لا يفسد ! ولا يقف عند حد لأنه يحسب أن كل خطوة من خطواته إصلاح !
إنه باب الشر. ونافذة السوء. ومفتاح الضلال الأخير..
ويدع السؤال بلا جواب.. ( أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً ؟ ).. ليشمل كل جواب. كأن يقال : أفهذا يرجى له صلاح ومتاب ؟ أفهذا كمن يحاسب نفسه ويراقب الله ؟ أفهذا يستوي مع المتواضعين الأتقياء ؟... إلى آخر صور الإجابة على مثل هذا السؤال. وهو أسلوب كثير التردد في القرآن.
وتجيب الآية بأحد هذه الأجوبة من بعيد :
( فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) :
وكأنما يقول : إن مثل هذا قد كتب الله عليه الضلالة ؛ مستحقا لها بما زين له الشيطان من سوء عمله ؛ وبما فتح عليه هذا الباب الذي لا يعود منه ضال !
فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ؛ بما تقتضيه طبيعة الضلال في ذلك وطبيعة الهدى في هذا. طبيعة الضلال برؤية العمل حسنا وهو سوء. وطبيعة الهدى بالتفتيش والحذر والمحاسبة والتقوى.. وهو مفرق الطريق الحاسم بين الهدى والضلال.
وما دام الأمر كذلك ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات )..
إن هذا الشأن. شأن الهدى والضلال. ليس من أمر بشر. ولو كان هو رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إنما هو من أمر الله. والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن. وهو مقلب القلوب والأبصار.. والله - سبحانه - يعزي رسوله ويسليه بتقرير هذه الحقيقة له. حتى يستقر قلبه الكبير الرحيم المشفق على قومه مما يراه من ضلالهم، ومصيرهم المحتوم بعد هذا الضلال. وحتى يدع ما يجيش في قلبه البشري من حرص على هداهم، ومن رؤية الحق الذي جاء به معروفاً بينهم ! وهو حرص بشري معروف. يرفق الله سبحانه برسوله من وقعه في حسه، فيبين له أن هذا ليس من أمره، إنما هو من أمر الله.
وهي حالة يعانيها الدعاة كلما أخلصوا في دعوتهم، وأدركوا قيمتها وجمالها وما فيها من الخير. ورأوا الناسفي الوقت ذاته يصدون عنها ويعرضون ؛ ولا يرون ما فيها من الخير والجمال. ولا يستمتعون بما فيها من الحق والكمال. وأولى أن يدرك الدعاة هذه الحقيقة التي واسى بها الله - سبحانه - رسوله. فيبلغوا دعوتهم باذلين فيها أقصى الجهد. ثم لا يأسوا بعد ذلك على من لم يقدر له الله الصلاح والفلاح.
( إن الله عليم بما يصنعون )..
وهو يقسم لهم الهدى أو الضلال وفق علمه بحقيقة صنعهم. والله يعلم هذه الحقيقة قبل أن تكون منهم ؛ ويعلمها بعد أن تكون. وهو يقسم لهم وفق علمه الأزلي. ولكنه لا يحاسبهم على ما يكون منهم إلا بعد أن يكون.
وبذلك ينتهي المقطع الثاني في السورة. وهو متصل بالمقطع الأول. ومتسق كذلك مع المقطع الذي يليه..
هذا المقطع الثالث جولات متتابعة في المجال الكوني الذي يعرض فيه القرآن دلائل الإيمان ؛ ويتخذ من مشاهده المعروضة للبصائر والأبصار أدلته وبراهينه.
وهذه الجولات المتتابعة تجيء في السورة عقب الحديث عن الهدى والضلال، وعن تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عن إعراض المعرضين، وتفويض هذا الأمر لصاحبه العليم بما يصنعون.. فمن شاء أن يؤمن فهذه أدلة الإيمان معروضة في صفحة الكون حيث لا خفاء فيها ولا غموض. ومن شاء أن يضل فهو يضل عن بينة وقد أخذته الحجة من كل جانب.
وفي مشهد الحياة النابضة بعد الموات حجة. وفيه دليل على البعث والنشور. وفي خلق الإنسان من تراب، ثم صيرورته إلى هذا الخلق الراقي حجة. وكل مرحلة من مراحل خلقه وحياته تمضي وفق قدر مرسوم في كتاب مبين.
وفي مشهد البحرين المتميزين وتنويعهما حجة. وفيهما من نعم الله على الناس ما يقتضي الشكر والعرفان.
وفي مشهد الليل والنهار يتداخلان ويطولان ويقصران حجة. وفيهما على التقدير والتدبير دليل. وكذلك مشهد الشمس والقمر مسخرين بهذا النظام الدقيق العجيب.
هذه كلها حجج ودلائل معروضة في المجال الكوني الفسيح. وهذا هو الله خالقها ومالكها. والذين يدعون من دون الله ما يملكون من قطمير. ولا يسمعون ولا يستجيبون. ويوم القيامة يتبرأون من عبادهم الضلاّل. فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟
هذا المقطع الثالث جولات متتابعة في المجال الكوني الذي يعرض فيه القرآن دلائل الإيمان ؛ ويتخذ من مشاهده المعروضة للبصائر والأبصار أدلته وبراهينه.
وهذه الجولات المتتابعة تجيء في السورة عقب الحديث عن الهدى والضلال، وعن تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عن إعراض المعرضين، وتفويض هذا الأمر لصاحبه العليم بما يصنعون.. فمن شاء أن يؤمن فهذه أدلة الإيمان معروضة في صفحة الكون حيث لا خفاء فيها ولا غموض. ومن شاء أن يضل فهو يضل عن بينة وقد أخذته الحجة من كل جانب.
وفي مشهد الحياة النابضة بعد الموات حجة. وفيه دليل على البعث والنشور. وفي خلق الإنسان من تراب، ثم صيرورته إلى هذا الخلق الراقي حجة. وكل مرحلة من مراحل خلقه وحياته تمضي وفق قدر مرسوم في كتاب مبين.
وفي مشهد البحرين المتميزين وتنويعهما حجة. وفيهما من نعم الله على الناس ما يقتضي الشكر والعرفان.
وفي مشهد الليل والنهار يتداخلان ويطولان ويقصران حجة. وفيهما على التقدير والتدبير دليل. وكذلك مشهد الشمس والقمر مسخرين بهذا النظام الدقيق العجيب.
هذه كلها حجج ودلائل معروضة في المجال الكوني الفسيح. وهذا هو الله خالقها ومالكها. والذين يدعون من دون الله ما يملكون من قطمير. ولا يسمعون ولا يستجيبون. ويوم القيامة يتبرأون من عبادهم الضلاّل. فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟
ومن مشهد الحياة النابضة في الموات ينتقل نقلة عجيبة - شيئاً - إلى معنى نفسي ومطلب شعوري.
ينتقل إلى معنى العزة والرفعة والمنعة والاستعلاء. ويربط هذا المعنى بالقول الطيب الذي يصعد إلى الله والعمل الصالح الذي يرفعه الله. كما يعرض الصفحة المقابلة. صفحة التدبير السيّىء والمكر الخبيث، وهو يهلك ويبور :
( من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً، إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد، ومكر أولئك هو يبور )..
ولعل الرابط الذي يصل بين الحياة النامية في الموات، والكلمة الطيبة والعمل الصالح، هو الحياة الطيبة في هذه وفي تلك ؛ وما بينهما من صلة في طبيعة الكون والحياة. وهي الصلة التي سبقت الإشارة إليها في سورة إبراهيم. ( ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ).. وهو شبه حقيقي في طبيعة الكلمة وطبيعة الشجرة ؛ وما فيهما من حياة ونماء. والكلمة تنمو وتمتد وتثمر كما تنمو الشجرة وتمتد وتثمر سواء بسواء !
وقد كان المشركون يشركون استبقاء لمكانتهم الدينية في مكة، وما يقوم عليها من سيادة لقريش على القبائل بحكم العقيدة، وما تحققه هذه السيادة من مغانم متعددة الألوان. العزة والمنعة في أولها بطبيعة الحال. مما جعلهم يقولون :( إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا )..

فالله يقول لهم :

( من كان يريد العزة فلله العزّة جميعاً )
وهذه الحقيقة كفيلة حين تستقر في القلوب أن تبدل المعايير كلها، وتبدل الوسائل والخطط أيضاً !
إن العزة كلها لله. وليس شيء منها عند أحد سواه. فمن كان يريد العزة فليطلبها من مصدرها الذي ليس لها مصدر غيره. ليطلبها عند الله، فهو واجدها هناك وليس بواجدها عند أحد، ولا في أي كنف، ولا بأي سبب ( فلله العزّة جميعاً )..
إن الناس الذين كانت قريش تبتغي العزة عندهم بعقيدتها الوثنية المهلهلة ؛ وتخشى اتباع الهدى - وهي تعترف أنه الهدى - خشية أن تصاب مكانتها بينهم بأذى. إن الناس هؤلاء، القبائل والعشائر وما إليها، إن هؤلاء ليسوا مصدراً للعزة، ولا يملكون أن يعطوها أو يمنعوها ( فلله العزّة جميعاً ).. وإذا كانت لهم قوة فمصدرها الأول هو الله. وإذا كانت لهم منعة فواهبها هو الله. وإذن فمن كان يريد العزة والمنعة فليذهب إلى المصدر الأول، لا إلى الآخذ المستمد من هذا المصدر. ليأخذ من الأصل الذي يملك وحده كل العزة، ولا يذهب يطلب قمامة الناس وفضلاتهم. وهم مثله طلاب محاويج ضعاف !
إنها حقيقة أساسية من حقائق العقيدة الإسلامية. وهي حقيقة كفيلة بتعديل القيم والموازين، وتعديل الحكم والتقدير، وتعديل النهج والسلوك، وتعديل الوسائل والأسباب ! ويكفي أن تستقر هذه الحقيقة وحدها في أي قلب لتقف به أمام الدنيا كلها عزيزاً كريماً ثابتاً في وقفته غير مزعزع، عارفاً طريقه إلى العزة، طريقه الذي ليس هنالك سواه !
إنه لن يحني رأسه لمخلوق متجبر. ولا لعاصفة طاغية. ولا لحدث جلل. ولا لوضع ولا لحكم. ولا لدولة ولا لمصلحة، ولا لقوة من قوى الأرض جميعاً. وعلام ؟ والعزة لله جميعاً. وليس لأحد منها شيء إلا برضاه ؟
ومن هنا يذكر الكلم الطيب والعمل الصالح :
( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه )..
ولهذا التعقيب المباشر بعد ذكر الحقيقة الضخمة مغزاه وإيحاؤه. فهو إشارة إلى أسباب العزة ووسائلها لمن يطلبها عند الله. القول الطيب والعمل الصالح. القول الطيب الذي يصعد إلى الله في علاه ؛ والعمل الصالحالذي يرفعه الله إليه ويكرمه بهذا الارتفاع. ومن ثم يكرم صاحبه ويمنحه العزة والاستعلاء.
والعزة الصحيحة حقيقة تستقر في القلب قبل أن يكون لها مظهر في دنيا الناس. حقيقة تستقر في القلب فيستعلي بها على كل أسباب الذلة والانحناء لغير الله. حقيقة يستعلي بها على نفسه أول ما يستعلي. يستعلي بها على شهواته المذلة، ورغائبه القاهرة، ومخاوفه ومطامعه من الناس وغير الناس. ومتى استعلى على هذه فلن يملك أحد وسيلة لإذلاله وإخضاعه. فإنما تذل الناس شهواتهم ورغباتهم، ومخاوفهم ومطامعهم. ومن استعلى عليها فقد استعلى على كل وضع وعلى كل شيء وعلى كل إنسان.. وهذه هي العزة الحقيقية ذات القوة والاستعلاء والسلطان !
إن العزة ليست عناداً جامحاً يستكبر على الحق ويتشامخ بالباطل. وليست طغياناً فاجراً يضرب في عتو وتجبر وإصرار. وليست اندفاعاً باغياً يخضع للنزوة ويذل للشهوة. وليست قوة عمياء تبطش بلا حق ولا عدل ولا صلاح.. كلا ! إنما العزة استعلاء على شهوة النفس، واستعلاء على القيد والذل، واستعلاء على الخضوع الخانع لغير الله. ثم هي خضوع لله وخشوع ؛ وخشية لله وتقوى، ومراقبة لله في السراء والضراء.. ومن هذا الخضوع لله ترتفع الجباه. ومن هذه الخشية لله تصمد لكل ما يأباه. ومن هذه المراقبة لله لا تعنى إلا برضاه.
هذا مكان الكلم الطيب والعمل الصالح من الحديث عن العزة، وهذه هي الصلة بين هذا المعنى وذاك في السياق. ثم تكمل بالصفحة المقابلة :
( والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور ).
ويمكرون هنا مضمنة معنى يدبرون. ولكنه عبر بها لغلبة استعمالها في السوء. فهؤلاء لهم عذاب شديد. فوق أن مكرهم وتدبيرهم يبور. فلا يحيا ولا يثمر. من البوار ومن البوران سواء. وذلك تنسيقاً مع إحياء الأرض وإثمارها في الآية السابقة.
والذين يمكرون السيئات يمكرونها طلباً للعزة الكاذبة، والغلبة الموهومة. وقد يبدو في الظاهر أنهم أعلياء، وأنهم أعزاء وأنهم أقوياء. ولكن القول الطيب هو الذي يصعد إلى الله، والعمل الصالح هو الذي يرفعه إليه. وبهما تكون العزة في معناها الواسع الشامل. فأما المكر السيى ء قولاً وعملاً فليس سبيلاً إلى العزة ولو حقق القوة الطاغية الباغية في بعض الأحيان. إلا أن نهايته إلى البوار وإلى العذاب الشديد. وعد الله، لا يخلف الله وعده. وإن أمهل الماكرين بالسوء حتى يحين الأجل المحتوم في تدبير الله المرسوم.
هذا المقطع الثالث جولات متتابعة في المجال الكوني الذي يعرض فيه القرآن دلائل الإيمان ؛ ويتخذ من مشاهده المعروضة للبصائر والأبصار أدلته وبراهينه.
وهذه الجولات المتتابعة تجيء في السورة عقب الحديث عن الهدى والضلال، وعن تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عن إعراض المعرضين، وتفويض هذا الأمر لصاحبه العليم بما يصنعون.. فمن شاء أن يؤمن فهذه أدلة الإيمان معروضة في صفحة الكون حيث لا خفاء فيها ولا غموض. ومن شاء أن يضل فهو يضل عن بينة وقد أخذته الحجة من كل جانب.
وفي مشهد الحياة النابضة بعد الموات حجة. وفيه دليل على البعث والنشور. وفي خلق الإنسان من تراب، ثم صيرورته إلى هذا الخلق الراقي حجة. وكل مرحلة من مراحل خلقه وحياته تمضي وفق قدر مرسوم في كتاب مبين.
وفي مشهد البحرين المتميزين وتنويعهما حجة. وفيهما من نعم الله على الناس ما يقتضي الشكر والعرفان.
وفي مشهد الليل والنهار يتداخلان ويطولان ويقصران حجة. وفيهما على التقدير والتدبير دليل. وكذلك مشهد الشمس والقمر مسخرين بهذا النظام الدقيق العجيب.
هذه كلها حجج ودلائل معروضة في المجال الكوني الفسيح. وهذا هو الله خالقها ومالكها. والذين يدعون من دون الله ما يملكون من قطمير. ولا يسمعون ولا يستجيبون. ويوم القيامة يتبرأون من عبادهم الضلاّل. فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟
ثم يجيء مشهد النشأة الأولى للإنسان بعد الكلام عن نشأة الحياة كلها بالماء. ويذكر ما يلابس تلك النشأة من حمل في البطون ؛ ومن عمر طويل وعمر قصير. وكله في علم الله المكنون.
( والله خلقكم من تراب، ثم من نطفة، ثم جعلكم أزواجاً. وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه. وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب. إن ذلك على الله يسير )..
والإشارة إلى النشأة الأولى من التراب تتردد كثيراً في القرآن ؛ وكذلك الإشارة إلى أول مراحل الحمل : النطفة.. والتراب عنصر لا حياة فيه، والنطفة عنصر فيه الحياة. والمعجزة الأولى هي معجزة هذه الحياة التي لا يعلم أحد كيف جاءت، ولا كيف تلبست بالعنصر الأول. وما يزال هذا سراً مغلقاً على البشر ؛ وهو حقيقة قائمة مشهودة، لا مفر من مواجهتها والاعتراف بها. ودلالتها على الخالق المحيي القدير دلالة لا يمكن دفعها ولا المماحكة فيها.
هذا والنقلة من غير الحي إلى الحي نقلة بعيدة بعيدة أكبر وأضخم من كل أبعاد الزمان والمكان. وتأمل هذه النقلة لا ينتهي ولا يمله القلب الحي الذي يتدبر أسرار هذا الوجود العجيبة. وكل سر منها أضخم من الآخر وأعجب صنعاً.
والنقلة بعد ذلك من النطفة التي تمثل مرحلة الخلية الواحدة إلى الخلقة الكاملة السوية للجنين، حين يتميز الذكر من الأنثى، وتتحقق الصورة التي يشير إليها القرآن في هذه الآية :( ثم جعلكم أزواجاً ).. سواء كان المقصود جعلكم ذكراً وأنثى وأنتم أجنة، أو كان المقصود جعلكم أزواجاً بعد ولادتكم وتزاوج الذكر والأنثى.. هذه النقلة من النطفة إلى هذين النوعين المتميزين نقلة بعيدة كذلك بعيدة ! فأين الخلية الواحدة في النطفة من ذلك الكائن الشديد التركيب والتعقيد، الكثير الأجهزة المتعدد الوظائف ؟ وأين تلك الخلية المبهمة من ذلك الخلق الحافل بالخصائص المتميزة ؟
إن تتبع هذه الخلية الساذجة وهي تنقسم وتتوالد ؛ وتتركب كل مجموعة خاصة من الخلايا المتولدة منها لتكوين عضو خاص له وظيفة معينة وطبيعة معينة. ثم تعاون هذه الأعضاء وتناسقها وتجمعها لتكون مخلوقاً واحداً على هذا النحو العجيب ؛ ومخلوقاً متميزاً من سائر المخلوقات الأخرى من جنسه، بل من أقرب الناس إليه، بحيث لا يتماثل أبداً مخلوقان اثنان.. وكلهم من نطفة لا تميز فيها يمكن إدراكه !.. ثم تتبع هذه الخلايا حتى تصير أزواجاً، قادرة على إعادة النشأة بنطف جديدة، تسير في ذات المراحل، دون انحراف.. إن هذا كله لعجب لا ينقضي منه العجب. ومن ثم هذه الإشارة التي تتردد في القرآن كثيراً عن تلك الخارقة المجهولة السر ؛ بل تلك الخوارق المجهولة الأسرار ! لعل الناس يشغلون قلوبهم بتدبرها، ولعل أرواحهم تستيقظ على الإيقاع المتكرر عليها !
وإلى جوار هذه الإشارة هنا يعرض صورة كونية لعلم الله [ كالصور التي جاء ذكرها في هذا الجزء في سورة سبأ ] صورة علم الله المحيط بكل حمل تحمله أنثى في هذه الأرض جميعاً :
( وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ).
والنص يتجاوز إناث الإنسان إلى إناث الحيوان والطير والأسماك والزواحف والحشرات. وسواها مما نعلمه ومما لا نعلمه وكلها تحمل وتضع حتى ما يبيض منها، فالبيضة حمل من نوع خاص. جنين لا يتم نموه في داخل جسم الأم ؛ بل ينزل بيضة، ثم يتابع نموه خارج جسم الأم بحضانتها هي أو بحضانة صناعية حتى يصبح جنيناً كاملاً ثم يفقس ويتابع نموه العادي.
وعلم الله على كل حمل وعلى كل وضع في هذا الكون المترامي الأطراف ! ! !
وتصوير علم الله المطلق على هذا النحو العجيب ليس من طبيعة الذهن البشري أن يتجه إليه لا في التصور ولا في التعبير - كما قلنا في سورة سبأ - فهو بذاته دليل على أن الله هو منزل هذا القرآن. وهذه إحدى السمات الدالة على مصدره الإلهي المتفرد.
ومثلها الحديث عن العمر في الآية ذاتها :
( وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب. إن ذلك على الله يسير )..
فإن الخيال إذا مضى يتدبر ويتتبع جميع الأحياء في هذا الكون من شجر وطير وحيوان وإنسان وسواه على اختلاف في الأحجام والأشكال والأنواع والأجناس والمواطن والأزمنة ؛ ثم يتصور أن كل فرد من أفرادهذا الحشد - الذي لا يمكن حصره، ولا يعلم إلا خالقه عدده - يعمر فيطول عمره، أو ينقص من عمره فيقصر وفق قدر مقدور، ووفق علم متعلق بهذا الفرد، متابع له، عمر أم لم يعمر.
بل متعلق بكل جزء من كل فرد. يعمر أو ينقص من عمره. فهذه الورقة من تلك الشجرة يطول عمرها أو تذبل أو تسقط عن قريب. وهذه الريشة من ذلك الطائر يطول مكثها أو تذهب مع الريح. وهذا القرن من ذلك الحيوان يبقى طويلاً أو يتحطم في صراع. وهذه العين في ذلك الإنسان أو هذه الشعرة تبقى وتسقط وفق تقدير معلوم.
كل ذلك ( في كتاب ).. من علم الله الشامل الدقيق. وأن ذلك لا يكلف جهداً ولا عسراً :( إن ذلك على الله يسير )..
إذا مضى الخيال يتدبر هذا ويتتبعه ؛ ثم يتصور ما وراءه.. إنه لأمر عجيب جد عجيب.. وإنه لاتجاه إلى حقيقة لا يتجه إليها التفكير البشري على هذا النحو. واتجاه إلى تصور هذه الحقيقة وتصويرها على غير مألوف البشر كذلك. وإنما هو التوجيه الإلهي الخاص إلى هذا الأمر العجيب.
والتعمير يكون بطول الأجل وعد الأعوام ؛ كما يكون بالبركة في العمر، والتوفيق إلى إنفاقه إنفاقاً مثمراً، واحتشاده بالمشاعر والحركات والأعمال والآثار. وكذلك يكون نقص العمر بقصره في عد السنين ؛ أو نزع البركة منه وإنفاقه في اللهو والعبث والكسل والفراغ.
ورب ساعة تعدل عمراً بما يحتشد فيها من أفكار ومشاعر، وبما يتم فيها من أعمال وآثار. ورب عام يمر خاوياً فارغاً لا حساب له في ميزان الحياة، ولا وزن له عند الله !
وكل ذلك في كتاب.. كل ذلك من كل كائن في هذا الكون الذي لا يعرف حدوده إلا الله..
والجماعات كالآحاد. والأمم كالأفراد.. كل منها يعمر أو ينقص من عمره. والنص يشمله.
بل إن الأشياء لكالأحياء. وإني لأتصور الصخرة المعمرة، والكهف المعمر، والنهر المعمر، والصخرة التي ينتهي أجلها أو يقصر فإذا هي فتات ؛ والكهف الذي ينتهي أجله أو يقصر فإذا هو محطم أو مسدود ؛ والنهر الذي ينتهي أجله أو يقصر فإذا هو غائض أو مبدد !
ومن الأشياء ما تصنعه يد الإنسان. البناء المعمر أو القصير العمر. والجهاز المعمر أو قصير العمر. والثوب المعمر أو قصير العمر.. وكلها ذات آجال وأعمار في كتاب الله كالإنسان.
وكلها من أمر الله العليم الخبير..
وإن تصور الأمر على هذا النحو ليوقظ القلب إلى تدبر هذا الكون بحس جديد، وأسلوب جديد. وإن القلب الذي يستشعر يد الله وعينه على كل شيء بمثل هذه الدقة ليصعب أن ينسى أو يغفل أو يضل. وهو حيثما تلفت وجد يد الله. ووجد عين الله. ووجد عناية الله، ووجد قدرة الله، متمثلة ومتعلقة بكل شيء في هذا الوجود.
وهكذا يصنع القرآن القلوب !
هذا المقطع الثالث جولات متتابعة في المجال الكوني الذي يعرض فيه القرآن دلائل الإيمان ؛ ويتخذ من مشاهده المعروضة للبصائر والأبصار أدلته وبراهينه.
وهذه الجولات المتتابعة تجيء في السورة عقب الحديث عن الهدى والضلال، وعن تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عن إعراض المعرضين، وتفويض هذا الأمر لصاحبه العليم بما يصنعون.. فمن شاء أن يؤمن فهذه أدلة الإيمان معروضة في صفحة الكون حيث لا خفاء فيها ولا غموض. ومن شاء أن يضل فهو يضل عن بينة وقد أخذته الحجة من كل جانب.
وفي مشهد الحياة النابضة بعد الموات حجة. وفيه دليل على البعث والنشور. وفي خلق الإنسان من تراب، ثم صيرورته إلى هذا الخلق الراقي حجة. وكل مرحلة من مراحل خلقه وحياته تمضي وفق قدر مرسوم في كتاب مبين.
وفي مشهد البحرين المتميزين وتنويعهما حجة. وفيهما من نعم الله على الناس ما يقتضي الشكر والعرفان.
وفي مشهد الليل والنهار يتداخلان ويطولان ويقصران حجة. وفيهما على التقدير والتدبير دليل. وكذلك مشهد الشمس والقمر مسخرين بهذا النظام الدقيق العجيب.
هذه كلها حجج ودلائل معروضة في المجال الكوني الفسيح. وهذا هو الله خالقها ومالكها. والذين يدعون من دون الله ما يملكون من قطمير. ولا يسمعون ولا يستجيبون. ويوم القيامة يتبرأون من عبادهم الضلاّل. فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟
ويمضي السياق إلى لفتة أخرى في هذه الجولة الكونية المتعددة اللفتات. يمضي إلى مشهد الماء في هذه الأرض من زاوية معينة. زاوية تنويع الماء. فهذا عذب سائغ، وهذا ملح مر. وكلاهما يفترقان ويلتقيان - بتسخيرالله - في خدمة الإنسان.
( وما يستوي البحران.. هذا عذب فرات سائغ شرابه، وهذا ملح أجاج.. ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها. وترى الفلك فيه مواخر. لتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون )..
إن إرادة التنويع في خلق الماء واضحة ؛ ووراءها حكمة - فيما نعلم - ظاهرة ؛ فأما الجانب العذب السائغ اليسير التناول فنحن نعرف جانباً من حكمة الله فيما نستخدمه وننتفع به ؛ وهو قوام الحياة لكل حي. وأما الجانب الملح المر وهو البحار والمحيطات فيقول أحد العلماء في بيان التقدير العجيب في تصميم هذا الكون الضخم :
؛ وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهور - ومعظمها سام - فإن الهواء باق دون تلويث في الواقع، ودون تغير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان. وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة الفسيحة من الماء - أي المحيط - الذي استمدت منه الحياة والغذاء والمطر والمناخ المعتدل، والنباتات. وأخيراً الإنسان نفسه.. ".
وهذا بعض ما تكشف لنا من حكمة الخلق والتنويع، واضح فيه القصد والتدبير، ومنظور فيه إلى تناسقات وموازنات يقوم بعضها على بعض في حياة هذا الكون ونظامه. ولا يصنع هذا إلا الله خالق هذا الكون وما فيه ومن فيه. فإن هذا التنسيق الدقيق لا يجيء مصادفة واتفاقاً بحال من الأحوال. والإشارة إلى اختلاف البحرين توحي بمعنى القصد في هذه التفرقة وفي كل تفرقة أخرى. وستأتي في السورة إشارات إلى نماذج منها في عالم المشاعر والاتجاهات والقيم والموازين.
ثم يلتقي البحران المختلفان في تسخيرهما للإنسان :
( ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر )..
واللحم الطري هو الأسماك والحيوانات البحرية على اختلافها. والحلية من اللؤلؤ والمرجان. واللؤلؤ يوجد في أنواع من القواقع يتكون في أجسامها نتيجة دخول جسم غريب كحبة رمل أو نقطة ماء، فيفرز جسم القوقعة داخل الصدفة إفرازاً خاصاً يحيط به هذا الجسم الغريب، كي لا يؤذي جسم القوقعة الرخو. وبعد زمن معين يتصلب هذا الإفراز، ويتحول إلى لؤلؤة ! والمرجان نبات حيواني يعيش ويكون شعاباً مرجانية تمتد في البحر أحياناً عدة أميال، وتتكاثر حتى تصبح خطراً على الملاحة في بعض الأحيان ؛ وخطراً على كل حي يقع في براثنها ! وهو يقطع بطرق خاصة وتتخذ منه الحلى !
والفلك تمخر البحار والأنهار - أي تشقها - بما أودع الله الأشياء في هذا الكون من خصائص. ولكثافة الماء وكثافة الأجسام التي تتكون منها السفن دخل في إمكان طفو السفن على سطح الماء وسيرها فيه. وللرياح كذلك. وللقوى التي سخرها الله للإنسان وعرفه كيف يستخدمها كقوة البخار وقوة الكهرباء وغيرهما من القوى. وكلها من تسخير الله للإنسان.
( لتبتغوا من فضله ).. بالسفر والتجارة، والانتفاع باللحم الطري والحلى واستخدام الماء والسفن في البحار والأنهار.
( ولعلكم تشكرون ).. وقد يسر الله لكم أسباب الشكر، وجعلها حاضرة بين أيديكم. ليعينكم على الأداء.
هذا المقطع الثالث جولات متتابعة في المجال الكوني الذي يعرض فيه القرآن دلائل الإيمان ؛ ويتخذ من مشاهده المعروضة للبصائر والأبصار أدلته وبراهينه.
وهذه الجولات المتتابعة تجيء في السورة عقب الحديث عن الهدى والضلال، وعن تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عن إعراض المعرضين، وتفويض هذا الأمر لصاحبه العليم بما يصنعون.. فمن شاء أن يؤمن فهذه أدلة الإيمان معروضة في صفحة الكون حيث لا خفاء فيها ولا غموض. ومن شاء أن يضل فهو يضل عن بينة وقد أخذته الحجة من كل جانب.
وفي مشهد الحياة النابضة بعد الموات حجة. وفيه دليل على البعث والنشور. وفي خلق الإنسان من تراب، ثم صيرورته إلى هذا الخلق الراقي حجة. وكل مرحلة من مراحل خلقه وحياته تمضي وفق قدر مرسوم في كتاب مبين.
وفي مشهد البحرين المتميزين وتنويعهما حجة. وفيهما من نعم الله على الناس ما يقتضي الشكر والعرفان.
وفي مشهد الليل والنهار يتداخلان ويطولان ويقصران حجة. وفيهما على التقدير والتدبير دليل. وكذلك مشهد الشمس والقمر مسخرين بهذا النظام الدقيق العجيب.
هذه كلها حجج ودلائل معروضة في المجال الكوني الفسيح. وهذا هو الله خالقها ومالكها. والذين يدعون من دون الله ما يملكون من قطمير. ولا يسمعون ولا يستجيبون. ويوم القيامة يتبرأون من عبادهم الضلاّل. فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟
ويختم هذا المقطع بجولة كونية في مشهد الليل والنهار. ثم في تسخير الشمس والقمر وفق النظام المرسوم لجريانهما إلى الأجل المعلوم :
يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل. وسخر الشمس والقمر، كل يجري لأجل مسمى..
وإيلاج الليل في النهار والنهار في الليل قد يعني ذينك المشهدين الرائعين. مشهد دخول الليل في النهار، والضياء يغيب قليلاً قليلاً، والظلام يدخل قليلاً قليلاً حتى يكون الغروب وما يليه من العتمة البطيئة الدبيب. ومشهد دخول النهار في الليل حينما يتنفس الصبح، وينتشر الضياء رويداً رويداً، ويتلاشى الظلام رويداً رويداً، حتى تشرق الشمس ويعم الضياء.. كذلك قد يعني طول الليل وهو يأكل من النهار وكأنما يدخل فيه. وطول النهار وهو يأكل من الليل وكأنما يدخل فيه.. وقد يعنيهما معاً بتعبير واحد. وكلها مشاهد تطوّف بالقلب في سكون، وتغمره بشعور من الروعة والتقوى ؛ وهو يرى يد الله تمد هذا الخط، وتطوي ذاك الخط، وتشد هذا الخيط وترخي ذاك الخيط. وفي نظام دقيق مطرد لا يتخلف مرة ولا يضطرب. ولا يختل يوماً أو عاماً على توالي القرون..
وتسخير الشمس والقمر وجريانهما للأجل المرسوم لهما، والذي لا يعلمه إلا خالقهما.. هو الآخر ظاهرة يراها كل إنسان، سواء كان يعلم أحجام هذين الجرمين، ونوعهما من النجوم والكواكب ومدارهما ودورتهما ومداها : أم لا يعلم من هذا كله شيئاً.. فهما بذاتهما يظهران ويختفيان أمام كل إنسان، ويصعدان وينحدران أمام كل بصر. وهذه الحركة الدائبة التي لا تفتر ولا تختل حركة مشهودة لا يحتاج تدبرها إلى علم وحساب ! ومن ثم فهي آية معروضة في صفحة الكون لجميع العقول وجميع الأجيال على السواء. وقد ندرك نحن اليوم علمها الظاهر أكثر مما كان يدرك المخاطبون بهذا القرآن لأول مرة. وليس هذا هو المهم. إنما المهم أن توحي إلينا ما كانت توحيه إليهم، وأن تهز قلوبنا كما كانت تهز قلوبهم، وأن تثير فينا من التدبر ورؤية يد الله المبدعة وهي تعمل في هذا الكون العجيب ما كانت تثير فيهم.. والحياة حياة القلوب..
وفي ظل تلك المشاهد المتنوعة العميقة الدلالة القوية السلطان يعقب بتقرير حقيقة الربوبية، وبطلان كل ادعاء بالشرك، وخسران عاقبته يوم القيامة :
( ذلكم الله ربكم له الملك، والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم. ولو سمعوا ما استجابوا لكم. ويوم القيامة يكفرون بشرككم. ولا ينبئك مثل خبير )..
ذلكم. الذي أرسل الرياح بالسحاب، والذي أحيا الأرض بعد موتها، والذي خلقكم من تراب، والذي جعلكم أزواجاً، والذي يعلم ما تحمل كل أنثى وما تضع، والذي يعلم ما يعمر وما ينقص من عمره، والذي خلق البحرين، والذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى.. ذلكم هو ( الله ربكم )..
( له الملك ).. ( والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ).. والقطمير غلاف النواة ! وحتى هذا الغلاف الزهيد لا يملكه أولئك الذين يدعونهم من دون الله !
هذا المقطع الثالث جولات متتابعة في المجال الكوني الذي يعرض فيه القرآن دلائل الإيمان ؛ ويتخذ من مشاهده المعروضة للبصائر والأبصار أدلته وبراهينه.
وهذه الجولات المتتابعة تجيء في السورة عقب الحديث عن الهدى والضلال، وعن تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عن إعراض المعرضين، وتفويض هذا الأمر لصاحبه العليم بما يصنعون.. فمن شاء أن يؤمن فهذه أدلة الإيمان معروضة في صفحة الكون حيث لا خفاء فيها ولا غموض. ومن شاء أن يضل فهو يضل عن بينة وقد أخذته الحجة من كل جانب.
وفي مشهد الحياة النابضة بعد الموات حجة. وفيه دليل على البعث والنشور. وفي خلق الإنسان من تراب، ثم صيرورته إلى هذا الخلق الراقي حجة. وكل مرحلة من مراحل خلقه وحياته تمضي وفق قدر مرسوم في كتاب مبين.
وفي مشهد البحرين المتميزين وتنويعهما حجة. وفيهما من نعم الله على الناس ما يقتضي الشكر والعرفان.
وفي مشهد الليل والنهار يتداخلان ويطولان ويقصران حجة. وفيهما على التقدير والتدبير دليل. وكذلك مشهد الشمس والقمر مسخرين بهذا النظام الدقيق العجيب.
هذه كلها حجج ودلائل معروضة في المجال الكوني الفسيح. وهذا هو الله خالقها ومالكها. والذين يدعون من دون الله ما يملكون من قطمير. ولا يسمعون ولا يستجيبون. ويوم القيامة يتبرأون من عبادهم الضلاّل. فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟
ثم يمعن في الكشف عن حقيقة أمرهم.
( إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم )..
فهم أصنام أو أوثان أو أشجار، أو نجوم أو كواكب، أو ملائكة أو جن.. وكلهم لا يملكون بالفعل قطميراً. وكلهم لا يسمعون لعبادهم الضالين. سواء كانوا لا يسمعون أصلاً، أو لا يسمعون لكلام البشر..
( ولو سمعوا ما استجابوا لكم )..
كالجن والملائكة. فالجن لا يملكون الاستجابة. والملائكة لا يستجيبون للضالين.
هذه في الحياة الدنيا. فأما يوم القيامة فيبرأون من الضلال والضالين :
( ويوم القيامة يكفرون بشرككم )..
يحدث بهذا الخبير بكل شيء، وبكل أمر، وبالدنيا والآخرة :
( ولا ينبئك مثل خبير )..
وبهذا ينتهي هذا المقطع، وتختم هذه الجولات والمشاهد في تلك العوالم ؛ ويعود القلب البشري منها بزاد يكفيه حياته كلها لو ينتفع بالزاد. وإنه لحسب القلب البشري مقطع واحد من سورة واحدة لو كان الذي يريد هو الهدى، ولو كان الذي يطلب هو البرهان !
مرة أخرى يرجع إلى الهتاف بالناس أن ينظروا في علاقتهم بالله، وفي حقيقة أنفسهم ؛ ويرجع إلى الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بالتسلية عما يلقى، والتسرية عما يجد من إعراض وضلال - كالشأن في المقطع الثاني من السورة - ويزيد هنا الإشارة إلى أن طبيعة الهدى غير طبيعة الضلال، وأن الاختلاف بين طبيعتهما أصيل عميق كأصاله الاختلاف بين العمى والبصر والظلمات والنور والظل والحرور والموت والحياة. وأن بين الهدى والبصر والنور والظل والحياة صلة وشبهاً، كما ان بين العمى والظلمة والحرور والموت صلة وشبهاً ! ثم تنتهي الجولة بإشارة إلى مصارع المكذبين للتنبيه والتحذير.
آية رقم ١٦
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٥:م ١٥
( يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد، إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز )..
إن الناس في حاجة إلى تذكيرهم بهذه الحقيقة في معرض دعوتهم إلى الهدى، ومجاهدتهم ليخرجوا مما هم فيه من الظلمات الى نور الله وهداه. في حاجة الى تذكيرهم بأنهم هم الفقراء المحاويج إلى الله. وأن الله غني عنهم كل الغنى. وأنهم حين يدعون إلى الإيمان بالله وعبادته وحمده على آلائه فإن الله غني عن عبادتهم وحمدهم، وهو المحمود بذاته. وأنهم لا يعجزون الله ولا يعزون عليه فهو إن شاء أن يذهب بهم ويأتي بخلق جديد من جنسهم أو من جنس آخر يخلفهم في الأرض، فإن ذلك عليه يسير..
الناس في حاجة إلى أن يذكروا بهذه الحقيقة، لئلا يركبهم الغرور وهم يرون أن الله - جل وعلا - يعنى بهم، ويرسل إليهم الرسل ؛ ويجاهد الرسل أن يردوهم عن الضلالة الى الهدى، ويخرجوهم من الظلمات إلى النور. ويركبهم الغرور فيظنون أنهم شيء عظيم على الله ! وأن هداهم وعبادتهم تزيد شيئاً في ملكه تعالى ! والله هو الغني الحميد.
وإن الله سبحانه يمنح العباد من رعايته، ويفيض عليهم من رحمته، ويغمرهم بسابغ فضله - بإرسال رسله إليهم، واحتمال هؤلاء الرسل ما يحتملون من إعراضهم وإيذائهم، وثباتهم على الدعوة إلى الله بعد الإعراض والإيذاء.. إن الله سبحانه إنما يعامل عباده هكذا رحمة منه وفضلاً وكرماً ومناً. لأن هذه صفاته المتعلقة بذاته. لا لأن هؤلاء العباد يزيدون في ملكه شيئاً بهداهم، أو ينقصون من ملكه شيئاً بعماهم. ولا لأن هؤلاء العباد مخلوقات نادرة عزيزة صعبة الإعادة أو الاستبدال، فيغتفر لهم ما يقع منهم لأنهم صنف لا يعاد ولا يستبدل.
وإن الإنسان ليدهش ويحار في فضل الله ومنه وكرمه، حين يرى هذا الإنسان الصغير الضئيل الجاهل القاصر، الضعيف العاجز، ينال من عناية الله ورعايته كل هذا القدر الهائل !
والإنسان ساكن صغير من سكان هذه الأرض. والأرض تابع صغير من توابع الشمس. والشمس نجم مما لا عد له ولا حصر من النجوم. والنجوم إن هي إلا نقط صغيرة - على ضخامتها الهائلة - متناثرة في فضاء الكون الذي لا يعلم الناس حدوده. وهذا الفضاء الذي تتناثر فيه تلك النجوم كالنقط التائهة إن هو إلا بعض خلق الله !
ثم ينال الإنسان من الله كل هذه الرعاية.. ينشئه، ويستخلفه في الأرض، ويهبه كل أدوات الخلافة - سواء في تكوينه وتركيبه أو تسخير القوى والطاقات الكونية اللازمة له في خلافته - ويضل هذا المخلوق ويتبجح حتى ليشرك بربه أو ينكره. فيرسل الله إليه الرسل، رسولاً بعد رسول، وينزل على الرسل الكتب والخوارق. ويطرد فضل الله ويفيض حتى لينزل في كتابه الأخير للبشر قصصاً يحدث بها الناس، ويقص عليهم ما وقع لأسلافهم، ويحدثهم عن ذوات أنفسهم، ويكشف لهم عما فيها من قوى وطاقات، ومن عجز وضعف، بل إنه - سبحانه - ليحدث عن فلان وفلان بالذات، فيقول لهذا : أنت فعلت وأنت تركت، ويقول لذاك : هاك حلاً لمشكلتك، وهاك خلاصاً من ضيقتك !
كل ذلك، وهذا الإنسان هو الساكن الصغير من سكان هذه الأرض، التابعة الصغيرة من توابع الشمس، التائهة في هذا الوجود الكبير حتى ما تكاد تحس ! والله - سبحانه - هو فاطر السماوات والأرض، وخالق هذا الوجود بما فيه ومن فيه بكلمة. بمجرد توجه الإرادة. وهو قادر على ان يخلق مثله بكلمة وبمجرد توجه الإرادة..
والناس خلقاء أن يدركوا هذه الحقيقة ليدركوا مدى فضل الله ورعايته ورحمته، وليستحيوا أن يستجيبوا للفضل الخالص والرعاية المجردة والرحمة الفائضة بالإعراض والجحود والنكران.
فهي من هذه الناحية لمسة وجدانية موحية، الى جانب أنها حقيقة صادقة واقعة. والقرآن يلمس بالحقائق قلوب البشر، لأن الحقيقة حين تجلى أفعل في النفس، ولأنه هو الحق وبالحق نزل. فلا يتحدث إلا بالحق، ولا يقنع الا بالحق، ولا يعرض إلا بالحق، ولا يشير بغير الحق..

آية رقم ١٧
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٥:م ١٥
( يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد، إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز )..
إن الناس في حاجة إلى تذكيرهم بهذه الحقيقة في معرض دعوتهم إلى الهدى، ومجاهدتهم ليخرجوا مما هم فيه من الظلمات الى نور الله وهداه. في حاجة الى تذكيرهم بأنهم هم الفقراء المحاويج إلى الله. وأن الله غني عنهم كل الغنى. وأنهم حين يدعون إلى الإيمان بالله وعبادته وحمده على آلائه فإن الله غني عن عبادتهم وحمدهم، وهو المحمود بذاته. وأنهم لا يعجزون الله ولا يعزون عليه فهو إن شاء أن يذهب بهم ويأتي بخلق جديد من جنسهم أو من جنس آخر يخلفهم في الأرض، فإن ذلك عليه يسير..
الناس في حاجة إلى أن يذكروا بهذه الحقيقة، لئلا يركبهم الغرور وهم يرون أن الله - جل وعلا - يعنى بهم، ويرسل إليهم الرسل ؛ ويجاهد الرسل أن يردوهم عن الضلالة الى الهدى، ويخرجوهم من الظلمات إلى النور. ويركبهم الغرور فيظنون أنهم شيء عظيم على الله ! وأن هداهم وعبادتهم تزيد شيئاً في ملكه تعالى ! والله هو الغني الحميد.
وإن الله سبحانه يمنح العباد من رعايته، ويفيض عليهم من رحمته، ويغمرهم بسابغ فضله - بإرسال رسله إليهم، واحتمال هؤلاء الرسل ما يحتملون من إعراضهم وإيذائهم، وثباتهم على الدعوة إلى الله بعد الإعراض والإيذاء.. إن الله سبحانه إنما يعامل عباده هكذا رحمة منه وفضلاً وكرماً ومناً. لأن هذه صفاته المتعلقة بذاته. لا لأن هؤلاء العباد يزيدون في ملكه شيئاً بهداهم، أو ينقصون من ملكه شيئاً بعماهم. ولا لأن هؤلاء العباد مخلوقات نادرة عزيزة صعبة الإعادة أو الاستبدال، فيغتفر لهم ما يقع منهم لأنهم صنف لا يعاد ولا يستبدل.
وإن الإنسان ليدهش ويحار في فضل الله ومنه وكرمه، حين يرى هذا الإنسان الصغير الضئيل الجاهل القاصر، الضعيف العاجز، ينال من عناية الله ورعايته كل هذا القدر الهائل !
والإنسان ساكن صغير من سكان هذه الأرض. والأرض تابع صغير من توابع الشمس. والشمس نجم مما لا عد له ولا حصر من النجوم. والنجوم إن هي إلا نقط صغيرة - على ضخامتها الهائلة - متناثرة في فضاء الكون الذي لا يعلم الناس حدوده. وهذا الفضاء الذي تتناثر فيه تلك النجوم كالنقط التائهة إن هو إلا بعض خلق الله !
ثم ينال الإنسان من الله كل هذه الرعاية.. ينشئه، ويستخلفه في الأرض، ويهبه كل أدوات الخلافة - سواء في تكوينه وتركيبه أو تسخير القوى والطاقات الكونية اللازمة له في خلافته - ويضل هذا المخلوق ويتبجح حتى ليشرك بربه أو ينكره. فيرسل الله إليه الرسل، رسولاً بعد رسول، وينزل على الرسل الكتب والخوارق. ويطرد فضل الله ويفيض حتى لينزل في كتابه الأخير للبشر قصصاً يحدث بها الناس، ويقص عليهم ما وقع لأسلافهم، ويحدثهم عن ذوات أنفسهم، ويكشف لهم عما فيها من قوى وطاقات، ومن عجز وضعف، بل إنه - سبحانه - ليحدث عن فلان وفلان بالذات، فيقول لهذا : أنت فعلت وأنت تركت، ويقول لذاك : هاك حلاً لمشكلتك، وهاك خلاصاً من ضيقتك !
كل ذلك، وهذا الإنسان هو الساكن الصغير من سكان هذه الأرض، التابعة الصغيرة من توابع الشمس، التائهة في هذا الوجود الكبير حتى ما تكاد تحس ! والله - سبحانه - هو فاطر السماوات والأرض، وخالق هذا الوجود بما فيه ومن فيه بكلمة. بمجرد توجه الإرادة. وهو قادر على ان يخلق مثله بكلمة وبمجرد توجه الإرادة..
والناس خلقاء أن يدركوا هذه الحقيقة ليدركوا مدى فضل الله ورعايته ورحمته، وليستحيوا أن يستجيبوا للفضل الخالص والرعاية المجردة والرحمة الفائضة بالإعراض والجحود والنكران.
فهي من هذه الناحية لمسة وجدانية موحية، الى جانب أنها حقيقة صادقة واقعة. والقرآن يلمس بالحقائق قلوب البشر، لأن الحقيقة حين تجلى أفعل في النفس، ولأنه هو الحق وبالحق نزل. فلا يتحدث إلا بالحق، ولا يقنع الا بالحق، ولا يعرض إلا بالحق، ولا يشير بغير الحق..

مرة أخرى يرجع إلى الهتاف بالناس أن ينظروا في علاقتهم بالله، وفي حقيقة أنفسهم ؛ ويرجع إلى الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بالتسلية عما يلقى، والتسرية عما يجد من إعراض وضلال - كالشأن في المقطع الثاني من السورة - ويزيد هنا الإشارة إلى أن طبيعة الهدى غير طبيعة الضلال، وأن الاختلاف بين طبيعتهما أصيل عميق كأصاله الاختلاف بين العمى والبصر والظلمات والنور والظل والحرور والموت والحياة. وأن بين الهدى والبصر والنور والظل والحياة صلة وشبهاً، كما ان بين العمى والظلمة والحرور والموت صلة وشبهاً ! ثم تنتهي الجولة بإشارة إلى مصارع المكذبين للتنبيه والتحذير.
ولمسة أخرى بحقيقة أخرى. حقيقة فردية التبعة، والجزاء الفردي الذي لا يغني فيه احد عن أحد شيئاً. فما بالنبي [ صلى الله عليه وسلم ] من حاجة الى هدايتهم يحققها لنفسه، فهو محاسب على عمله وحده، كما أن كلاً منهم محاسب على ما كسبت يداه، يحمل حمله وحده، لا يعينه أحد عليه. ومن يتطهر فإنما يتطهر لنفسه، وهو الكاسب وحده لا سواه ؛ والأمر كله صائر إلى الله :
( ولا تزر وازرة وزر أخرى. وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى )...
( ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه، وإلى الله المصير )..
وحقيقة فردية التبعة والجزاء ذات أثر حاسم في الشعور الأخلاقي، وفي السلوك العملي سواء. فشعور كل فرد بأنه مجزيُّ بعمله، لا يؤاخذ بكسب غيره، ولا يتخلص هو من كسبه، عامل قوي في يقظته لمحاسبة نفسه قبل ان تحاسب ! مع التخلي عن كل أمل خادع في أن ينفعه أحد بشيء، أو أن يحمل عنه أحد شيئاً. كما أنه - في الوقت ذاته - عامل مطمئن، فلا يقلق الفرد خيفة أن يؤخذ بجريرة الجماعة، فيطيش وييئس من جدوى عمله الفردي الطيب. ما دام قد أدى واجبه في النصح للجماعة ومحاولة ردها عن الضلال بما يملك من وسيلة.
إن الله - سبحانه - لا يحاسب الناس جملة بالقائمة ! إنما يحاسبهم فرداً فرداً ؛ كل على عمله، وفي حدود واجبه. ومن واجب الفرد أن ينصح وأن يحاول الإصلاح غاية جهده. فإذا قام بقسطه هذا فلا عليه من السوء في الجماعة التي يعيش فيها، فإنما هو محاسب على إحسانه. كذلك لن ينفعه صلاح الجماعة إذا كان هو بذاته غير صالح. فالله لا يحاسب عباده بالقائمة كما أسلفنا !
والتعبير القرآني يصور هذه الحقيقة على طريقة التصوير في القرآن، فتكون أعمق وأشد أثراً. يصور كل نفس حاملة حملها. فلا تحمل نفس حمل آخرى وحين تثقل نفس بما تحمل ثم تدعو أقرب الأقرباء ليحمل عنها شيئاً، فلن تجد من يلبي دعاءها ويرفع عنها شيئاً مما يثقلها !
إنه مشهد القافلة كل من فيها يحمل أثقاله ويمضي في طريقه، حتى يقف أمام الميزان والوزّان ! وهي في وقفتها يبدو على من فيها الجهد والإعياء، واهتمام كل بحمله وثقله، وانشغاله عن البعداء والأقرباء !
وعلى مشهد القافلة المجهدة المثقلة، يلتفت إلى رسول الله - [ صلى الله عليه وسلم ] :
( إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب واقاموا الصلاة )..
فهؤلاء هم الذين يفلح فيهم الإنذار. هؤلاء الذين يخشون ربهم ولم يشاهدوه. ويقيمون الصلاة ليتصلوا بربهم ويعبدوه. هؤلاء هم الذين ينتفعون بك، ويستجيبون لك. فلا عليك ممن لا يخشى الله ولا يقيم الصلاة.
ومن تزكى فأنما يتزكى لنفسه..
لا لك. ولا لغيرك. إنما هو يتطهر لينتفع بطهره. والتطهر معنى لطيف شفاف. يشمل القلب وخوالجه ومشاعره، ويشمل السلوك واتجاهاته وآثاره. وهو معنى موح رفاف.
( وإلى الله المصير )..
وهو المحاسب، والمجازي، فلا يذهب عمل صالح، ولا يفلت عمل سيىء. ولا يوكل الحكم والجزاء إلى غيره ممن يميلون أو ينسون أو يهملون..
آية رقم ١٩
مرة أخرى يرجع إلى الهتاف بالناس أن ينظروا في علاقتهم بالله، وفي حقيقة أنفسهم ؛ ويرجع إلى الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بالتسلية عما يلقى، والتسرية عما يجد من إعراض وضلال - كالشأن في المقطع الثاني من السورة - ويزيد هنا الإشارة إلى أن طبيعة الهدى غير طبيعة الضلال، وأن الاختلاف بين طبيعتهما أصيل عميق كأصاله الاختلاف بين العمى والبصر والظلمات والنور والظل والحرور والموت والحياة. وأن بين الهدى والبصر والنور والظل والحياة صلة وشبهاً، كما ان بين العمى والظلمة والحرور والموت صلة وشبهاً ! ثم تنتهي الجولة بإشارة إلى مصارع المكذبين للتنبيه والتحذير.
ولن يستوي عند الله الإيمان والكفر، والخير والشر، والهدى والضلال ؛ كما لا يستوي العمى والبصر، والظلمة والنور، والظل والحرور، والحياة والموت، وهي مختلفة الطبائع من الأساس :
وما يستوي الأعمى والبصير. ولا الظلمات ولا النور. ولا الظل ولا الحرور. وما يستوي الأحياء ولا الأموات..
وبين طبيعة الكفر وطبيعة كل من العمى والظلمة والحرور والموت صلة. كما أن هناك صلة بين طبيعة الإيمان وطبيعة كل من النور والبصر والظل والحياة..
إن الإيمان نور، نور في القلب ونور في الجوارح، ونور في الحواس. نور يكشف حقائق الأشياء والقيم والأحداث وما بينها من ارتباطات ونسب وأبعاد. فالمؤمن ينظر بهذا النور، نور الله، فيرى تلك الحقائق، ويتعامل معها، ولا يخبط في طريقه ولا يلطش في خطواته !
والإيمان بصر، يرى. رؤية حقيقية صادقة غير مهزوزة ولا مخلخلة. ويمضي بصاحبه في الطريق على نور وعلى ثقة وفي اطمئنان.
والإيمان ظل ظليل تستروحه النفس ويرتاح له القلب، ظل من هاجرة الشك والقلق والحيرة في التيه المظلم بلا دليل !
والإيمان حياة. حياة في القلوب والمشاعر. حياة في القصد والاتجاه. كما أنه حركة بانية. مثمرة. قاصدة. لا خمود فيها ولا همود. ولا عبث فيها ولا ضياع.
والكفر عمى. عمى في طبيعة القلب. وعمى عن رؤية دلائل الحق. وعمى عن رؤية حقيقة الوجود. وحقيقة الإرتباطات فيه. وحقيقة القيم والأشخاص والأحداث والأشياء.
والكفر ظلمة أو ظلمات. فعندما يبعد الناس عن نور الإيمان يقعون في ظلمات من شتى الأنواع والأشكال. ظلمات تعز فيها الرؤية الصحيحة لشيء من الأشياء.
والكفر هاجرة. حرور. تلفح القلب فيه لوافح الحيرة والقلق وعدم الاستقرار على هدف، وعدم الاطمئنان إلى نشأة أو مصير. ثم تنتهي إلى حر جهنم ولفحة العذاب هناك !
والكفر موت. موت في الضمير. وانقطاع عن مصدر الحياة الأصيل. وانفصال عن الطريق الواصل.
وعجز عن الانفعال والاستجابة الآخذين من النبع الحقيقي، المؤثرين في سير الحياة !
ولكل طبيعته ولكل جزاؤه، ولن يستوي عند الله هذا وذاك.
وهنا يلتفت إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] يعزيه ويسري عنه، بتقرير حدود عمله وواجبه في دعوة الله. وترك ما تبقى بعد ذلك لصاحب الأمر يفعل به ما يشاء :
( إن الله يسمع من يشاء، وما أنت بمسمع من في القبور. إن أنت إلا نذير. إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً، وإن من أمة إلا خلا فيها نذير. وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير. ثم أخذت الذين كفروا. فكيف كان نكير ؟ )..
إن الفوارق أصيلة في طبيعة الكون وفي طبيعة النفس. واختلاف طباع الناس واختلاف استقبالهم لدعوة الله أصيل أصالة الفوارق الكونية في البصر والعمى، والظل والحرور، والظلمات والنور، والحياة والموت. ووراء ذلك كله تقدير الله وحكمته. وقدرته على ما يشاء.
آية رقم ٢٠
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٩:م١٥
ولن يستوي عند الله الإيمان والكفر، والخير والشر، والهدى والضلال ؛ كما لا يستوي العمى والبصر، والظلمة والنور، والظل والحرور، والحياة والموت، وهي مختلفة الطبائع من الأساس :
وما يستوي الأعمى والبصير. ولا الظلمات ولا النور. ولا الظل ولا الحرور. وما يستوي الأحياء ولا الأموات..
وبين طبيعة الكفر وطبيعة كل من العمى والظلمة والحرور والموت صلة. كما أن هناك صلة بين طبيعة الإيمان وطبيعة كل من النور والبصر والظل والحياة..
إن الإيمان نور، نور في القلب ونور في الجوارح، ونور في الحواس. نور يكشف حقائق الأشياء والقيم والأحداث وما بينها من ارتباطات ونسب وأبعاد. فالمؤمن ينظر بهذا النور، نور الله، فيرى تلك الحقائق، ويتعامل معها، ولا يخبط في طريقه ولا يلطش في خطواته !
والإيمان بصر، يرى. رؤية حقيقية صادقة غير مهزوزة ولا مخلخلة. ويمضي بصاحبه في الطريق على نور وعلى ثقة وفي اطمئنان.
والإيمان ظل ظليل تستروحه النفس ويرتاح له القلب، ظل من هاجرة الشك والقلق والحيرة في التيه المظلم بلا دليل !
والإيمان حياة. حياة في القلوب والمشاعر. حياة في القصد والاتجاه. كما أنه حركة بانية. مثمرة. قاصدة. لا خمود فيها ولا همود. ولا عبث فيها ولا ضياع.
والكفر عمى. عمى في طبيعة القلب. وعمى عن رؤية دلائل الحق. وعمى عن رؤية حقيقة الوجود. وحقيقة الإرتباطات فيه. وحقيقة القيم والأشخاص والأحداث والأشياء.
والكفر ظلمة أو ظلمات. فعندما يبعد الناس عن نور الإيمان يقعون في ظلمات من شتى الأنواع والأشكال. ظلمات تعز فيها الرؤية الصحيحة لشيء من الأشياء.
والكفر هاجرة. حرور. تلفح القلب فيه لوافح الحيرة والقلق وعدم الاستقرار على هدف، وعدم الاطمئنان إلى نشأة أو مصير. ثم تنتهي إلى حر جهنم ولفحة العذاب هناك !
والكفر موت. موت في الضمير. وانقطاع عن مصدر الحياة الأصيل. وانفصال عن الطريق الواصل.
وعجز عن الانفعال والاستجابة الآخذين من النبع الحقيقي، المؤثرين في سير الحياة !
ولكل طبيعته ولكل جزاؤه، ولن يستوي عند الله هذا وذاك.
وهنا يلتفت إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] يعزيه ويسري عنه، بتقرير حدود عمله وواجبه في دعوة الله. وترك ما تبقى بعد ذلك لصاحب الأمر يفعل به ما يشاء :
( إن الله يسمع من يشاء، وما أنت بمسمع من في القبور. إن أنت إلا نذير. إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً، وإن من أمة إلا خلا فيها نذير. وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير. ثم أخذت الذين كفروا. فكيف كان نكير ؟ )..
إن الفوارق أصيلة في طبيعة الكون وفي طبيعة النفس. واختلاف طباع الناس واختلاف استقبالهم لدعوة الله أصيل أصالة الفوارق الكونية في البصر والعمى، والظل والحرور، والظلمات والنور، والحياة والموت. ووراء ذلك كله تقدير الله وحكمته. وقدرته على ما يشاء.

آية رقم ٢١
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٩:م١٥
ولن يستوي عند الله الإيمان والكفر، والخير والشر، والهدى والضلال ؛ كما لا يستوي العمى والبصر، والظلمة والنور، والظل والحرور، والحياة والموت، وهي مختلفة الطبائع من الأساس :
وما يستوي الأعمى والبصير. ولا الظلمات ولا النور. ولا الظل ولا الحرور. وما يستوي الأحياء ولا الأموات..
وبين طبيعة الكفر وطبيعة كل من العمى والظلمة والحرور والموت صلة. كما أن هناك صلة بين طبيعة الإيمان وطبيعة كل من النور والبصر والظل والحياة..
إن الإيمان نور، نور في القلب ونور في الجوارح، ونور في الحواس. نور يكشف حقائق الأشياء والقيم والأحداث وما بينها من ارتباطات ونسب وأبعاد. فالمؤمن ينظر بهذا النور، نور الله، فيرى تلك الحقائق، ويتعامل معها، ولا يخبط في طريقه ولا يلطش في خطواته !
والإيمان بصر، يرى. رؤية حقيقية صادقة غير مهزوزة ولا مخلخلة. ويمضي بصاحبه في الطريق على نور وعلى ثقة وفي اطمئنان.
والإيمان ظل ظليل تستروحه النفس ويرتاح له القلب، ظل من هاجرة الشك والقلق والحيرة في التيه المظلم بلا دليل !
والإيمان حياة. حياة في القلوب والمشاعر. حياة في القصد والاتجاه. كما أنه حركة بانية. مثمرة. قاصدة. لا خمود فيها ولا همود. ولا عبث فيها ولا ضياع.
والكفر عمى. عمى في طبيعة القلب. وعمى عن رؤية دلائل الحق. وعمى عن رؤية حقيقة الوجود. وحقيقة الإرتباطات فيه. وحقيقة القيم والأشخاص والأحداث والأشياء.
والكفر ظلمة أو ظلمات. فعندما يبعد الناس عن نور الإيمان يقعون في ظلمات من شتى الأنواع والأشكال. ظلمات تعز فيها الرؤية الصحيحة لشيء من الأشياء.
والكفر هاجرة. حرور. تلفح القلب فيه لوافح الحيرة والقلق وعدم الاستقرار على هدف، وعدم الاطمئنان إلى نشأة أو مصير. ثم تنتهي إلى حر جهنم ولفحة العذاب هناك !
والكفر موت. موت في الضمير. وانقطاع عن مصدر الحياة الأصيل. وانفصال عن الطريق الواصل.
وعجز عن الانفعال والاستجابة الآخذين من النبع الحقيقي، المؤثرين في سير الحياة !
ولكل طبيعته ولكل جزاؤه، ولن يستوي عند الله هذا وذاك.
وهنا يلتفت إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] يعزيه ويسري عنه، بتقرير حدود عمله وواجبه في دعوة الله. وترك ما تبقى بعد ذلك لصاحب الأمر يفعل به ما يشاء :
( إن الله يسمع من يشاء، وما أنت بمسمع من في القبور. إن أنت إلا نذير. إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً، وإن من أمة إلا خلا فيها نذير. وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير. ثم أخذت الذين كفروا. فكيف كان نكير ؟ )..
إن الفوارق أصيلة في طبيعة الكون وفي طبيعة النفس. واختلاف طباع الناس واختلاف استقبالهم لدعوة الله أصيل أصالة الفوارق الكونية في البصر والعمى، والظل والحرور، والظلمات والنور، والحياة والموت. ووراء ذلك كله تقدير الله وحكمته. وقدرته على ما يشاء.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٩:م١٥
ولن يستوي عند الله الإيمان والكفر، والخير والشر، والهدى والضلال ؛ كما لا يستوي العمى والبصر، والظلمة والنور، والظل والحرور، والحياة والموت، وهي مختلفة الطبائع من الأساس :
وما يستوي الأعمى والبصير. ولا الظلمات ولا النور. ولا الظل ولا الحرور. وما يستوي الأحياء ولا الأموات..
وبين طبيعة الكفر وطبيعة كل من العمى والظلمة والحرور والموت صلة. كما أن هناك صلة بين طبيعة الإيمان وطبيعة كل من النور والبصر والظل والحياة..
إن الإيمان نور، نور في القلب ونور في الجوارح، ونور في الحواس. نور يكشف حقائق الأشياء والقيم والأحداث وما بينها من ارتباطات ونسب وأبعاد. فالمؤمن ينظر بهذا النور، نور الله، فيرى تلك الحقائق، ويتعامل معها، ولا يخبط في طريقه ولا يلطش في خطواته !
والإيمان بصر، يرى. رؤية حقيقية صادقة غير مهزوزة ولا مخلخلة. ويمضي بصاحبه في الطريق على نور وعلى ثقة وفي اطمئنان.
والإيمان ظل ظليل تستروحه النفس ويرتاح له القلب، ظل من هاجرة الشك والقلق والحيرة في التيه المظلم بلا دليل !
والإيمان حياة. حياة في القلوب والمشاعر. حياة في القصد والاتجاه. كما أنه حركة بانية. مثمرة. قاصدة. لا خمود فيها ولا همود. ولا عبث فيها ولا ضياع.
والكفر عمى. عمى في طبيعة القلب. وعمى عن رؤية دلائل الحق. وعمى عن رؤية حقيقة الوجود. وحقيقة الإرتباطات فيه. وحقيقة القيم والأشخاص والأحداث والأشياء.
والكفر ظلمة أو ظلمات. فعندما يبعد الناس عن نور الإيمان يقعون في ظلمات من شتى الأنواع والأشكال. ظلمات تعز فيها الرؤية الصحيحة لشيء من الأشياء.
والكفر هاجرة. حرور. تلفح القلب فيه لوافح الحيرة والقلق وعدم الاستقرار على هدف، وعدم الاطمئنان إلى نشأة أو مصير. ثم تنتهي إلى حر جهنم ولفحة العذاب هناك !
والكفر موت. موت في الضمير. وانقطاع عن مصدر الحياة الأصيل. وانفصال عن الطريق الواصل.
وعجز عن الانفعال والاستجابة الآخذين من النبع الحقيقي، المؤثرين في سير الحياة !
ولكل طبيعته ولكل جزاؤه، ولن يستوي عند الله هذا وذاك.
وهنا يلتفت إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] يعزيه ويسري عنه، بتقرير حدود عمله وواجبه في دعوة الله. وترك ما تبقى بعد ذلك لصاحب الأمر يفعل به ما يشاء :
( إن الله يسمع من يشاء، وما أنت بمسمع من في القبور. إن أنت إلا نذير. إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً، وإن من أمة إلا خلا فيها نذير. وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير. ثم أخذت الذين كفروا. فكيف كان نكير ؟ )..
إن الفوارق أصيلة في طبيعة الكون وفي طبيعة النفس. واختلاف طباع الناس واختلاف استقبالهم لدعوة الله أصيل أصالة الفوارق الكونية في البصر والعمى، والظل والحرور، والظلمات والنور، والحياة والموت. ووراء ذلك كله تقدير الله وحكمته. وقدرته على ما يشاء.

آية رقم ٢٣
مرة أخرى يرجع إلى الهتاف بالناس أن ينظروا في علاقتهم بالله، وفي حقيقة أنفسهم ؛ ويرجع إلى الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بالتسلية عما يلقى، والتسرية عما يجد من إعراض وضلال - كالشأن في المقطع الثاني من السورة - ويزيد هنا الإشارة إلى أن طبيعة الهدى غير طبيعة الضلال، وأن الاختلاف بين طبيعتهما أصيل عميق كأصاله الاختلاف بين العمى والبصر والظلمات والنور والظل والحرور والموت والحياة. وأن بين الهدى والبصر والنور والظل والحياة صلة وشبهاً، كما ان بين العمى والظلمة والحرور والموت صلة وشبهاً ! ثم تنتهي الجولة بإشارة إلى مصارع المكذبين للتنبيه والتحذير.
وإذن فالرسول ليس إلا نذيراً. وقدرته البشرية تقف عند هذا الحد. فما هو بمسمع من في القبور. ولا من يعيشون بقلوب ميتة فهم كأهل القبور ! والله وحده هو القادر على إسماع من يشاء، وفق ما يشاء، حسبما يشاء. فماذا على الرسول أن يضل من يضل، ويعرض من يعرض متى أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، فسمع من شاء الله أن يسمع، وأعرض من شاء الله أن يعرض ؟
ومن قبل قال الله لرسوله [ صلى الله عليه وسلم ] :( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ).
مرة أخرى يرجع إلى الهتاف بالناس أن ينظروا في علاقتهم بالله، وفي حقيقة أنفسهم ؛ ويرجع إلى الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بالتسلية عما يلقى، والتسرية عما يجد من إعراض وضلال - كالشأن في المقطع الثاني من السورة - ويزيد هنا الإشارة إلى أن طبيعة الهدى غير طبيعة الضلال، وأن الاختلاف بين طبيعتهما أصيل عميق كأصاله الاختلاف بين العمى والبصر والظلمات والنور والظل والحرور والموت والحياة. وأن بين الهدى والبصر والنور والظل والحياة صلة وشبهاً، كما ان بين العمى والظلمة والحرور والموت صلة وشبهاً ! ثم تنتهي الجولة بإشارة إلى مصارع المكذبين للتنبيه والتحذير.
لقد أرسله الله بالحق بشيراً ونذيراً. شأنه شأن إخوانه من الرسل - صلوات الله عليهم - وهم كثير. فما من أمة إلا سبق فيها رسول :
( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ).
مرة أخرى يرجع إلى الهتاف بالناس أن ينظروا في علاقتهم بالله، وفي حقيقة أنفسهم ؛ ويرجع إلى الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بالتسلية عما يلقى، والتسرية عما يجد من إعراض وضلال - كالشأن في المقطع الثاني من السورة - ويزيد هنا الإشارة إلى أن طبيعة الهدى غير طبيعة الضلال، وأن الاختلاف بين طبيعتهما أصيل عميق كأصاله الاختلاف بين العمى والبصر والظلمات والنور والظل والحرور والموت والحياة. وأن بين الهدى والبصر والنور والظل والحياة صلة وشبهاً، كما ان بين العمى والظلمة والحرور والموت صلة وشبهاً ! ثم تنتهي الجولة بإشارة إلى مصارع المكذبين للتنبيه والتحذير.
فإن لقي من قومه التكذيب، فتلك هي طبيعة الأقوام في استقبال الرسل ؛ لا عن تقصير من الرسل، ولا عن نقص في الدليل :
( وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم. جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير )..
والبينات الحجج في صورها الكثيرة، ومنها الخوارق المعجزة التي كانوا يطلبون أو يتحداهم بها الرسول. والزبر الصحف المتفرقة بالمواعظ والنصائح والتوجيهات والتكاليف. والكتاب المنير. الأرجح أنه كتاب موسى. التوراة. وكلهم كذبوا بالبينات والزبر والكتاب المنير.
هذا كان شأن أمم كثيرة في استقبال رسلهم وما معهم من دلائل الهدى. فالأمر إذن ليس جديداً، وليس فريداً، إنما هو ماض مع سنة الأولين.
آية رقم ٢٦
مرة أخرى يرجع إلى الهتاف بالناس أن ينظروا في علاقتهم بالله، وفي حقيقة أنفسهم ؛ ويرجع إلى الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] بالتسلية عما يلقى، والتسرية عما يجد من إعراض وضلال - كالشأن في المقطع الثاني من السورة - ويزيد هنا الإشارة إلى أن طبيعة الهدى غير طبيعة الضلال، وأن الاختلاف بين طبيعتهما أصيل عميق كأصاله الاختلاف بين العمى والبصر والظلمات والنور والظل والحرور والموت والحياة. وأن بين الهدى والبصر والنور والظل والحياة صلة وشبهاً، كما ان بين العمى والظلمة والحرور والموت صلة وشبهاً ! ثم تنتهي الجولة بإشارة إلى مصارع المكذبين للتنبيه والتحذير.
وهنا يعرض على المشركين مصائر المكذبين. لعلهم يحذرون :
( ثم أخذت الذين كفروا )..

ويسأل سؤال تعجيب وتهويل :

( فكيف كان نكير ؟ )..
ولقد كان النكير شديداً، وكان الأخذ تدميراً. فليحذر الماضون على سنة الأولين، أن يصيبهم ما أصاب الأولين !
إنها لمسة قرآنية ينتهي بها هذا المقطع. وتختم بها هذه الجولة. ثم تبدأ جولة جديدة في واد جديد..
وهذه الجولة قراءات في كتاب الكون وفي الكتاب المنزل. قراءات في كتاب الكون في صحائفه المعجبة الرائعة، المتنوعة الألوان والأنواع والأجناس. الثمار المتنوعة الألوان، والجبال الملونة الشعاب، والناس والدواب والأنعام وألوانها المتعددة الكثيرة.. هذه اللفتة العجيبة إلى تلك الصحائف الرائعة في كتاب الكون المفتوح.. وقراءات في الكتاب المنزل وما فيه من الحق المصدق لما بين يديه من الكتب المنزلة. وتوريث هذا الكتاب للأمة المسلمة. ودرجات الوارثين. وما ينتظرهم جميعاً من نعيم بعد عفو الله وغفرانه للمسيئين ؛ ومشهدهم في دار النعيم. ومقابلهم مشهد الكافرين الأليم. وتختم الجولة العجيبة المديدة المنوعة الألوان بتقرير أن ذلك كله يتم وفقاً لعلم الله العليم بذات الصدور..
وهذه الجولة قراءات في كتاب الكون وفي الكتاب المنزل. قراءات في كتاب الكون في صحائفه المعجبة الرائعة، المتنوعة الألوان والأنواع والأجناس. الثمار المتنوعة الألوان، والجبال الملونة الشعاب، والناس والدواب والأنعام وألوانها المتعددة الكثيرة.. هذه اللفتة العجيبة إلى تلك الصحائف الرائعة في كتاب الكون المفتوح.. وقراءات في الكتاب المنزل وما فيه من الحق المصدق لما بين يديه من الكتب المنزلة. وتوريث هذا الكتاب للأمة المسلمة. ودرجات الوارثين. وما ينتظرهم جميعاً من نعيم بعد عفو الله وغفرانه للمسيئين ؛ ومشهدهم في دار النعيم. ومقابلهم مشهد الكافرين الأليم. وتختم الجولة العجيبة المديدة المنوعة الألوان بتقرير أن ذلك كله يتم وفقاً لعلم الله العليم بذات الصدور..
ثم ألوان الناس. وهي لا تقف عند الألوان المتميزة العامة لأجناس البشر. فكل فرد بعد ذلك متميز اللون بين بني جنسه. بل متميز من توأمه الذي شاركه حملاً واحداً في بطن واحدة !
وكذلك ألوان الدواب والأنعام. والدواب أشمل والأنعام أخص. فالدابة كل حيوان. والأنعام هي الإبل والبقر والغنم والماعز، خصصها من الدواب لقربها من الإنسان. والألوان والأصباغ فيها معرض كذلك جميل كمعرض الثمار ومعرض الصخور سواء.
هذا الكتاب الكوني الجميل الصفحات العجيب التكوين والتلوين، يفتحه القرآن ويقلب صفحاته ويقول :
إن العلماء الذين يتلونه ويدركونه ويتدبرونه هم الذين يخشون الله :
( إنما يخشى الله من عباده العلماء )..
وهذه الصفحات التي قلبها في هذا الكتاب هي بعض صفحاته، والعلماء هم الذين يتدبرون هذا الكتاب العجيب. ومن ثم يعرفون الله معرفة حقيقية. يعرفونه بآثار صنعته. ويدركونه بآثار قدرته. ويستشعرون حقيقة عظمته برؤية حقيقة إبداعه. ومن ثم يخشونه حقاً ويتقونه حقاً، ويعبدونه حقاً. لا بالشعور الغامض الذي يجده القلب أمام روعة الكون. ولكن بالمعرفة الدقيقة والعلم المباشر.. وهذه الصفحات نموذج من الكتاب.. والألوان والأصباغ نموذج من بدائع التكوين الأخرى وبدائع التنسيق التي لا يدركها إلا العلماء بهذا الكتاب. العلماء به علماً واصلاً. علماً يستشعره القلب، ويتحرك به، ويرى به يد الله المبدعة للألوان والأصباغ والتكوين والتنسيق في ذلك الكون الجميل.
إن عنصر الجمال يبدو مقصوداً قصداً في تصميم هذا الكون وتنسيقه. ومن كمال هذا الجمال أن وظائف الأشياء تؤدى عن طريق جمالها. هذه الألوان العجيبة في الأزهار تجذب النحل والفراش مع الرائحة الخاصة التي تفوح. ووظيفة النحل والفراش بالقياس إلى الزهرة هي القيام بنقل اللقاح، لتنشأ الثمار. وهكذا تؤدي الزهرة وظيفتها عن طريق جمالها !.. والجمال في الجنس هو الوسيلة لجذب الجنس الآخر إليه، لأداء الوظيفة التي يقوم بها الجنسان. وهكذا تتم الوظيفة عن طريق الجمال.
الجمال عنصر مقصود قصداً في تصميم هذا الكون وتنسيقه. ومن ثم هذه اللفتات في كتاب الله المنزل إلى الجمال في كتاب الله المعروض.
( إن الله عزيز غفور )..
عزيز قادر على الإبداع وعلى الجزاء. غفور يتدارك بمغفرته من يقصرون في خشيته، وهم يرون بدائع صنعته.
وهذه الجولة قراءات في كتاب الكون وفي الكتاب المنزل. قراءات في كتاب الكون في صحائفه المعجبة الرائعة، المتنوعة الألوان والأنواع والأجناس. الثمار المتنوعة الألوان، والجبال الملونة الشعاب، والناس والدواب والأنعام وألوانها المتعددة الكثيرة.. هذه اللفتة العجيبة إلى تلك الصحائف الرائعة في كتاب الكون المفتوح.. وقراءات في الكتاب المنزل وما فيه من الحق المصدق لما بين يديه من الكتب المنزلة. وتوريث هذا الكتاب للأمة المسلمة. ودرجات الوارثين. وما ينتظرهم جميعاً من نعيم بعد عفو الله وغفرانه للمسيئين ؛ ومشهدهم في دار النعيم. ومقابلهم مشهد الكافرين الأليم. وتختم الجولة العجيبة المديدة المنوعة الألوان بتقرير أن ذلك كله يتم وفقاً لعلم الله العليم بذات الصدور..
ومن كتاب الكون ينتقل الحديث إلى الكتاب المنزل، والذين يتلونه، وما يرجون من تلاوته، وما ينتظرهم من جزاء :
( إن الذين يتلون كتاب الله، وأقاموا الصلاة، وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية، يرجون تجارة لن تبور. ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله. إنه غفور شكور )..
وتلاوة كتاب الله تعني شيئاً آخر غير المرور بكلماته بصوت أو بغير صوت. تعني تلاوته عن تدبر، ينتهي إلى إدراك وتأثر، وإلى عمل بعد ذلك وسلوك. ومن ثم يتبعها بإقامة الصلاة، وبالإنفاق سراً وعلانية من رزق الله. ثم رجاؤهم بكل هذا ( تجارة لن تبور..
آية رقم ٣٠
وهذه الجولة قراءات في كتاب الكون وفي الكتاب المنزل. قراءات في كتاب الكون في صحائفه المعجبة الرائعة، المتنوعة الألوان والأنواع والأجناس. الثمار المتنوعة الألوان، والجبال الملونة الشعاب، والناس والدواب والأنعام وألوانها المتعددة الكثيرة.. هذه اللفتة العجيبة إلى تلك الصحائف الرائعة في كتاب الكون المفتوح.. وقراءات في الكتاب المنزل وما فيه من الحق المصدق لما بين يديه من الكتب المنزلة. وتوريث هذا الكتاب للأمة المسلمة. ودرجات الوارثين. وما ينتظرهم جميعاً من نعيم بعد عفو الله وغفرانه للمسيئين ؛ ومشهدهم في دار النعيم. ومقابلهم مشهد الكافرين الأليم. وتختم الجولة العجيبة المديدة المنوعة الألوان بتقرير أن ذلك كله يتم وفقاً لعلم الله العليم بذات الصدور..
فهم يعرفون أن ما عند الله خير مما ينفقون. ويتاجرون تجارة كاسبة مضمونة الربح. يعاملون فيها الله وحده وهي أربح معاملة ؛ ويتاجرون بها في الآخرة وهي أربح تجارة.. تجارة مؤدية إلى توفيتهم أجورهم، وزيادتهم من فضل الله.. ( إنه غفور شكور ).. يغفر التقصير ويشكر الأداء. وشكره - تعالى - كناية عما يصاحب الشكر عادة من الرضا وحسن الجزاء. ولكن التعبير
وهذه الجولة قراءات في كتاب الكون وفي الكتاب المنزل. قراءات في كتاب الكون في صحائفه المعجبة الرائعة، المتنوعة الألوان والأنواع والأجناس. الثمار المتنوعة الألوان، والجبال الملونة الشعاب، والناس والدواب والأنعام وألوانها المتعددة الكثيرة.. هذه اللفتة العجيبة إلى تلك الصحائف الرائعة في كتاب الكون المفتوح.. وقراءات في الكتاب المنزل وما فيه من الحق المصدق لما بين يديه من الكتب المنزلة. وتوريث هذا الكتاب للأمة المسلمة. ودرجات الوارثين. وما ينتظرهم جميعاً من نعيم بعد عفو الله وغفرانه للمسيئين ؛ ومشهدهم في دار النعيم. ومقابلهم مشهد الكافرين الأليم. وتختم الجولة العجيبة المديدة المنوعة الألوان بتقرير أن ذلك كله يتم وفقاً لعلم الله العليم بذات الصدور..
يوحي للبشر بشكر المنعم. تشبهاً واستحياء. فإذا كان هو يشكر لعباده حسن الأداء أفلا يشكرون له هم حسن العطاء ؟ !
ثم إشارة إلى طبيعة الكتاب، وما فيه من الحق، تمهيداً للحديث عن ورثة هذا الكتاب :
( والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق، مصدقاً لما بين يديه. إن الله بعباده لخبير بصير )...
ودلائل الحق في هذا الكتاب واضحة في صلبه ؛ فهو الترجمة الصحيحة لهذا الكون في حقيقته، أو هو الصفحة المقروءة والكون هو الصفحة الصامتة. وهو مصدق لما قبله من الكتب الصادرة من مصدره. والحق واحد لا يتعدد فيها وفيه. ومنزله نزله للناس وهو على علم بهم، وخبرة بما يصلح لهم ويصلحهم :( إن الله بعباده لخبير بصير )..
وهذه الجولة قراءات في كتاب الكون وفي الكتاب المنزل. قراءات في كتاب الكون في صحائفه المعجبة الرائعة، المتنوعة الألوان والأنواع والأجناس. الثمار المتنوعة الألوان، والجبال الملونة الشعاب، والناس والدواب والأنعام وألوانها المتعددة الكثيرة.. هذه اللفتة العجيبة إلى تلك الصحائف الرائعة في كتاب الكون المفتوح.. وقراءات في الكتاب المنزل وما فيه من الحق المصدق لما بين يديه من الكتب المنزلة. وتوريث هذا الكتاب للأمة المسلمة. ودرجات الوارثين. وما ينتظرهم جميعاً من نعيم بعد عفو الله وغفرانه للمسيئين ؛ ومشهدهم في دار النعيم. ومقابلهم مشهد الكافرين الأليم. وتختم الجولة العجيبة المديدة المنوعة الألوان بتقرير أن ذلك كله يتم وفقاً لعلم الله العليم بذات الصدور..
هذا هو الكتاب في ذاته. وقد أورثه الله لهذه الأمة المسلمة، اصطفاها لهذه الوراثة، كما يقول هنا في كتابه :
( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا )..
وهي كلمات جديرة بأن توحي لهذه الأمة بكرامتها على الله ؛ كما توحي إليها بضخامة التبعة الناشئة عن هذا الاصطفاء وعن تلك الوراثة. وهي تبعة ضخمة ذات تكاليف، فهل تسمع الأمة المصطفاة وتستجيب ؟
إن الله سبحانه قد أكرم هذه الأمة بالاصطفاء للوراثة ؛ ثم أكرمها بفضله في الجزاء حتى لمن أساء :
( فمنهم ظالم لنفسه. ومنهم مقتصد. ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله )..
فالفريق الأول - ولعله ذكر أولاً لأنه الأكثر عدداً - ( ظالم لنفسه )تربى سيئاته في العمل على حسناته. والفريق الثاني وسط( مقتصد )تتعادل سيئاته وحسناته. والفريق الثالث ( سابق بالخيرات بإذن الله )، تربى حسناته على سيئاته.. ولكن فضل الله شمل الثلاثة جميعاً. فكلهم انتهى إلى الجنة وإلى النعيم الموصوف في الآيات التالية. على تفاوت في الدرجات.
ولا ندخل هنا في تفصيل أكثر مما أراد القرآن عرضه في هذا الموضع من كرامة هذه الأمة باصطفائها، وكرم الله سبحانه في جزائها. فهذا هو الظل الذي تلقيه النصوص هنا، وهي النهاية التي تنتهي إليها هذه الأمة جيمعاً - بفضل الله - ونطوي ما قد يسبق هذه النهاية من جزاء مقدر في علم الله.
نطوي هذا الجزاء المبدئي لنخلص إلى ما قدره الله لهذه الأمة بصنوفها الثلاثة من حسن الجزاء :
( ذلك هو الفضل الكبير.
وهذه الجولة قراءات في كتاب الكون وفي الكتاب المنزل. قراءات في كتاب الكون في صحائفه المعجبة الرائعة، المتنوعة الألوان والأنواع والأجناس. الثمار المتنوعة الألوان، والجبال الملونة الشعاب، والناس والدواب والأنعام وألوانها المتعددة الكثيرة.. هذه اللفتة العجيبة إلى تلك الصحائف الرائعة في كتاب الكون المفتوح.. وقراءات في الكتاب المنزل وما فيه من الحق المصدق لما بين يديه من الكتب المنزلة. وتوريث هذا الكتاب للأمة المسلمة. ودرجات الوارثين. وما ينتظرهم جميعاً من نعيم بعد عفو الله وغفرانه للمسيئين ؛ ومشهدهم في دار النعيم. ومقابلهم مشهد الكافرين الأليم. وتختم الجولة العجيبة المديدة المنوعة الألوان بتقرير أن ذلك كله يتم وفقاً لعلم الله العليم بذات الصدور..
جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير. وقالوا : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. إن ربنا لغفور شكور. الذي أحلّنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب )..
إن المشهد يتكشف عن نعيم مادي ملموس، ونعيم نفسي محسوس. فهم ( يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير ).. وذلك بعض المتاع ذي المظهر المادي، الذي يلبي بعض رغائب النفوس. وبجانبه ذلك الرضا وذلك الأمن وذلك الاطمئنان :
وهذه الجولة قراءات في كتاب الكون وفي الكتاب المنزل. قراءات في كتاب الكون في صحائفه المعجبة الرائعة، المتنوعة الألوان والأنواع والأجناس. الثمار المتنوعة الألوان، والجبال الملونة الشعاب، والناس والدواب والأنعام وألوانها المتعددة الكثيرة.. هذه اللفتة العجيبة إلى تلك الصحائف الرائعة في كتاب الكون المفتوح.. وقراءات في الكتاب المنزل وما فيه من الحق المصدق لما بين يديه من الكتب المنزلة. وتوريث هذا الكتاب للأمة المسلمة. ودرجات الوارثين. وما ينتظرهم جميعاً من نعيم بعد عفو الله وغفرانه للمسيئين ؛ ومشهدهم في دار النعيم. ومقابلهم مشهد الكافرين الأليم. وتختم الجولة العجيبة المديدة المنوعة الألوان بتقرير أن ذلك كله يتم وفقاً لعلم الله العليم بذات الصدور..
( وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ).. والدنيا بما فيها من قلق على المصير، ومعاناة للأمور تعد حزناً بالقياس إلى هذا النعيم المقيم. والقلق يوم الحشر على المصير مصدر حزن كبير. ( إن ربنا لغفور شكور ).. غفر لنا وشكر لنا أعمالنا بما جازانا عليها.
وهذه الجولة قراءات في كتاب الكون وفي الكتاب المنزل. قراءات في كتاب الكون في صحائفه المعجبة الرائعة، المتنوعة الألوان والأنواع والأجناس. الثمار المتنوعة الألوان، والجبال الملونة الشعاب، والناس والدواب والأنعام وألوانها المتعددة الكثيرة.. هذه اللفتة العجيبة إلى تلك الصحائف الرائعة في كتاب الكون المفتوح.. وقراءات في الكتاب المنزل وما فيه من الحق المصدق لما بين يديه من الكتب المنزلة. وتوريث هذا الكتاب للأمة المسلمة. ودرجات الوارثين. وما ينتظرهم جميعاً من نعيم بعد عفو الله وغفرانه للمسيئين ؛ ومشهدهم في دار النعيم. ومقابلهم مشهد الكافرين الأليم. وتختم الجولة العجيبة المديدة المنوعة الألوان بتقرير أن ذلك كله يتم وفقاً لعلم الله العليم بذات الصدور..
( الذي أحلَّنا دار المقامة ).. للإقامة والاستقرار ( من فضله )فما لنا عليه من حق، إنما هو الفضل يعطيه من يشاء. ( لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ).. بل يجتمع لنا فيها النعيم والراحة والاطمئنان.
فالجو كله يسر وراحة ونعيم. والألفاظ مختارة لتتسق بجرسها وإيقاعها مع هذا الجو الحاني الرحيم. حتى " الحزن " لا يتكأ عليه بالسكون الجازم. بل يقال " الحزَن " بالتسهيل والتخفيف. والجنة ( دار المقامة ). والنصب واللغوب لا يمسانهم مجرد مساس. والإيقاع الموسيقي للتعبير كله هادىء ناعم رتيب.
وهذه الجولة قراءات في كتاب الكون وفي الكتاب المنزل. قراءات في كتاب الكون في صحائفه المعجبة الرائعة، المتنوعة الألوان والأنواع والأجناس. الثمار المتنوعة الألوان، والجبال الملونة الشعاب، والناس والدواب والأنعام وألوانها المتعددة الكثيرة.. هذه اللفتة العجيبة إلى تلك الصحائف الرائعة في كتاب الكون المفتوح.. وقراءات في الكتاب المنزل وما فيه من الحق المصدق لما بين يديه من الكتب المنزلة. وتوريث هذا الكتاب للأمة المسلمة. ودرجات الوارثين. وما ينتظرهم جميعاً من نعيم بعد عفو الله وغفرانه للمسيئين ؛ ومشهدهم في دار النعيم. ومقابلهم مشهد الكافرين الأليم. وتختم الجولة العجيبة المديدة المنوعة الألوان بتقرير أن ذلك كله يتم وفقاً لعلم الله العليم بذات الصدور..
ثم نتلفت الى الجانب الآخر. فنرى القلق والاضطراب وعدم الاستقرار على حال :
( والذين كفروا لهم نار جهنم، لا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها )..
فلا هذه ولا تلك. حتى الرحمة بالموت لا تنال !
( كذلك نجزي كل كفور )..
وهذه الجولة قراءات في كتاب الكون وفي الكتاب المنزل. قراءات في كتاب الكون في صحائفه المعجبة الرائعة، المتنوعة الألوان والأنواع والأجناس. الثمار المتنوعة الألوان، والجبال الملونة الشعاب، والناس والدواب والأنعام وألوانها المتعددة الكثيرة.. هذه اللفتة العجيبة إلى تلك الصحائف الرائعة في كتاب الكون المفتوح.. وقراءات في الكتاب المنزل وما فيه من الحق المصدق لما بين يديه من الكتب المنزلة. وتوريث هذا الكتاب للأمة المسلمة. ودرجات الوارثين. وما ينتظرهم جميعاً من نعيم بعد عفو الله وغفرانه للمسيئين ؛ ومشهدهم في دار النعيم. ومقابلهم مشهد الكافرين الأليم. وتختم الجولة العجيبة المديدة المنوعة الألوان بتقرير أن ذلك كله يتم وفقاً لعلم الله العليم بذات الصدور..
ثم ها نحن أولاء يطرق أسماعنا صوت غليظ محشرج مختلط الأصداء، متناوح من شتى الأرجاء. إنه صوت المنبوذين في جهنم :
( وهم يصطرخون فيها )
وجرس اللفظ نفسه يلقي في الحس هذه المعاني جميعاً.. فلنتبين من ذلك الصوت الغليظ ماذا يقول. إنه يقول :
( ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل )..
إنه الإنابة والاعتراف والندم إذن. ولكن بعد فوات الأوان. فها نحن أولاء نسمع الرد الحاسم يحمل التأنيب القاسي :
( أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ؟ )..
فلم تنتفعوا بهذه الفسحة من العمر، وهي كافية للتذكر لمن أراد أن يتذكر.
( وجاءكم النذير )..
زيادة في التنبيه والتحذير. فلم تتذكروا ولم تحذروا.
( فذوقوا. فما للظالمين من نصير )..
إنهما صورتان متقابلتان : صورة الأمن والراحة، تقابلها صورة القلق والاضطراب. ونغمة الشكر والدعاء تقابلها ضجة الاصطراخ والنداء. ومظهر العناية والتكريم، يقابله مظهر الإهمال والتأنيب. والجرس اللين والإيقاع الرتيب، يقابلهما الجرس الغليظ والإيقاع العنيف. فيتم التقابل، ويتم التناسق في الجزئيات وفي الكليات سواء.
وهذه الجولة قراءات في كتاب الكون وفي الكتاب المنزل. قراءات في كتاب الكون في صحائفه المعجبة الرائعة، المتنوعة الألوان والأنواع والأجناس. الثمار المتنوعة الألوان، والجبال الملونة الشعاب، والناس والدواب والأنعام وألوانها المتعددة الكثيرة.. هذه اللفتة العجيبة إلى تلك الصحائف الرائعة في كتاب الكون المفتوح.. وقراءات في الكتاب المنزل وما فيه من الحق المصدق لما بين يديه من الكتب المنزلة. وتوريث هذا الكتاب للأمة المسلمة. ودرجات الوارثين. وما ينتظرهم جميعاً من نعيم بعد عفو الله وغفرانه للمسيئين ؛ ومشهدهم في دار النعيم. ومقابلهم مشهد الكافرين الأليم. وتختم الجولة العجيبة المديدة المنوعة الألوان بتقرير أن ذلك كله يتم وفقاً لعلم الله العليم بذات الصدور..
وأخيراً يجيء التعقيب على هذه المشاهد جميعاً، وعلى ما سبقها من اصطفاء وتوريث :
( إن الله عالم غيب السماوات والأرض. إنه عليم بذات الصدور ).
والعلم الشامل اللطيف الدقيق أنسب تعقيب على تنزيل الكتاب. وعلى اصطفاء من يرثونه ويحملونه. وعلى تجاوز الله عن ظلم بعضهم لنفسه. وعلى تفضله عليهم بذلك الجزاء. وعلى حكمه على الذين كفروا بذلك المصير.. فهو عالم غيب السماوات والأرض. وهو عليم بذات الصدور. وبهذا العلم الشامل اللطيف الدقيق يقضي في كل هذه الأمور..
هذا المقطع الأخير في السورة يشتمل عل جولات واسعة المدى كذلك، ولمسات للقلب وإيحاءات شتى : جولة مع البشرية في أجيالها المتعاقبة، يخلف بعضها بعضاً. وجولة في الأرض والسماوات للبحث عن أي أثر للشركاء الذين يدعونهم من دون الله. وجولة في السماوات والأرض كذلك لرؤية يد الله القوية القادرة تمسكبالسماوات والأرض أن تزولا. وجولة مع هؤلاء المكذبين بتلك الدلائل والآيات كلها وهم قد عاهدوا الله من قبل لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم، ثم نقضوا هذا العهد وخالفوه فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً. وجولة في مصارع المكذبين من قبلهم وهم يشهدون آثارهم الداثرة ولا يخشون أن تدور عليهم الدائرة وأن تمضي فيهم سنة الله الجارية.. ثم الختام الموحي الموقظ الرهيب :( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ). وفضل الله العظيم في إمهال الناس وتأجيل هذا الأخذ المدمر المبيد..
هذا المقطع الأخير في السورة يشتمل عل جولات واسعة المدى كذلك، ولمسات للقلب وإيحاءات شتى : جولة مع البشرية في أجيالها المتعاقبة، يخلف بعضها بعضاً. وجولة في الأرض والسماوات للبحث عن أي أثر للشركاء الذين يدعونهم من دون الله. وجولة في السماوات والأرض كذلك لرؤية يد الله القوية القادرة تمسكبالسماوات والأرض أن تزولا. وجولة مع هؤلاء المكذبين بتلك الدلائل والآيات كلها وهم قد عاهدوا الله من قبل لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم، ثم نقضوا هذا العهد وخالفوه فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً. وجولة في مصارع المكذبين من قبلهم وهم يشهدون آثارهم الداثرة ولا يخشون أن تدور عليهم الدائرة وأن تمضي فيهم سنة الله الجارية.. ثم الختام الموحي الموقظ الرهيب :( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ). وفضل الله العظيم في إمهال الناس وتأجيل هذا الأخذ المدمر المبيد..
والجولة الثانية في السماوات والأرض، لتقصِّي أي أثر أو أي خبر لشركائهم الذين يدعونهم من دون الله، والسماوات والأرض لا تحس لهم أثراً، ولا تعرف عنهم خبراً :
( قل : أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله ؟ أروني ماذا خلقوا من الأرض ؟ أم لهم شرك في السماوات ؟ أم آتيناهم كتاباً فهم على بينة منه ؟ بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضاً إلا غروراً ).
والحجة واضحة والدليل بين. فهذه الأرض بكل ما فيها ومن فيها. هذه هي مشهودة منظورة. أي جزء فيها أو أي شيء يمكن أن يدعي مدع أن أحداً - غير الله - خلقه وأنشأه ! إن كل شيء يصرخ في وجه هذه الدعوى لو جرؤ عليها مدع. وكل شيء يهتف بأن الذي أبدعه هو الله ؛ وهو يحمل آثار الصنعة التي لا يدعيها مدع، لأنه لا تشبهها صنعة، مما يعمل العاجزون أبناء الفناء !
( أم لهم شرك في السماوات ؟ )..
ولا هذه من باب أولى ! فما يجرؤ أحد على أن يزعم لهذه الآلهة المدعاة مشاركة في خلق السماوات، ولا مشاركة في ملكية السماوات. كائنة ما كانت. حتى الذين كانوا يشركون الجن أو الملائكة.. فقصارى ما كانوا يزعمون أن يستعينوا بالشياطين على إبلاغهم خبر السماء. أو يستشفعوا بالملائكة عند الله. ولم يرتق ادعاؤهم يوماً إلى الزعم بأن لهم شركاً في السماء !
( أم آتيناهم كتاباً فهم على بينة منه ؟ )..
وحتى هذه الدرجة - درجة أن يكون الله قد آتى هؤلاء الشركاء كتابا فهم مستيقنون منه، واثقون بما فيه - لم يبلغها أولئك الشركاء المزعومون.. والنص يحتمل أن يكون هذا السؤال الإنكاري موجهاً إلى المشركين أنفسهم - لا إلى الشركاء - فإن إصرارهم على شركهم قد يوحي بأنهم يستمدون عقيدتهم هذه من كتاب أوتوه من الله فهم على بينة منه وبرهان. وليس هذا صحيحاً ولا يمكن أن يدعوه. وعلى هذا المعنى يكون هناك إيحاء بأن أمر العقيدة إنما يتلقى من كتاب من الله بيّن. وأن هذا هو المصدر الوحيد الوثيق. وليس لهم من هذا شيء يدعونه ؛ بينما الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] قد جاءهم بكتاب من عند الله بيّن. فما لهم يعرضون عنه، وهو السبيل الوحيد لاستمداد العقيدة ؟ !
( بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضاً إلا غروراً )..
والظالمون يعد بعضهم بعضاً أن طريقتهم هي المثلى ؛ وأنهم هم المنتصرون في النهاية. وإن هم إلا مخدوعون مغرورون، يغر بعضهم بعضاً، ويعيشون في هذا الغرور الذي لا يجدي شيئاً..
هذا المقطع الأخير في السورة يشتمل عل جولات واسعة المدى كذلك، ولمسات للقلب وإيحاءات شتى : جولة مع البشرية في أجيالها المتعاقبة، يخلف بعضها بعضاً. وجولة في الأرض والسماوات للبحث عن أي أثر للشركاء الذين يدعونهم من دون الله. وجولة في السماوات والأرض كذلك لرؤية يد الله القوية القادرة تمسكبالسماوات والأرض أن تزولا. وجولة مع هؤلاء المكذبين بتلك الدلائل والآيات كلها وهم قد عاهدوا الله من قبل لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم، ثم نقضوا هذا العهد وخالفوه فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً. وجولة في مصارع المكذبين من قبلهم وهم يشهدون آثارهم الداثرة ولا يخشون أن تدور عليهم الدائرة وأن تمضي فيهم سنة الله الجارية.. ثم الختام الموحي الموقظ الرهيب :( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ). وفضل الله العظيم في إمهال الناس وتأجيل هذا الأخذ المدمر المبيد..
والجولة الثالثة - بعد نفي أن يكون للشركاء ذكر ولا خبر في السماوات ولا في الأرض - تكشف عن يد الله القوية الجبارة تمسك بالسماوات والأرض وتحفظهما وتدبر أمرهما بلا شريك :
( إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده. إنه كان حليماً غفوراً )..
ونظرة إلى السماوات والأرض ؛ وإلى هذه الأجرام التي لا تحصى منتثرة في ذلك الفضاء الذي لا تعلم له حدود. وكلها قائمة في مواضعها، تدور في أفلاكها محافظة على مداراتها، لا تختل، ولا تخرج عنها، ولا تبطىء أو تسرع في دورتها، وكلها لا تقوم على عمد، ولا تشد بأمراس، ولا تستند على شيء من هنا أو من هناك.. نظرة إلى تلك الخلائق الهائلة العجيبة جديرة بأن تفتح البصيرة على اليد الخفية القاهرة القادرة التي تمسك بهذه الخلائق وتحفظها أن تزول.
ولئن زالت السماوات والأرض عن مواضعها، واختلت وتناثرت بدداً، فما أحد بقادر على أن يمسكها بعد ذلك أبداً. وذلك هو الموعد الذي ضربه القرآن كثيراً لنهاية هذا العالم. حين يختل نظام الأفلاك وتضطرب وتتحطم وتتناثر ؛ ويذهب كل شيء في هذا الفضاء لا يمسك أحد زمامه.
وهذا هو الموعد المضروب للحساب والجزاء على ما كان في الحياة الدنيا. والانتهاء إلى العالم الآخر، الذي يختلف في طبيعته عن عالم الأرض اختلافاً كاملاً.
ومن ثم يعقب على إمساك السماوات والأرض أن تزولا بقوله :
( إنه كان حليماً غفوراً )..
( حليماً )يمهل الناس، ولا ينهي هذا العالم بهم، ولا يأخذ بنواصيهم إلى الحساب والجزاء إلا في الأجل المعلوم. ويدع لهم الفرصة للتوبة والعمل والاستعداد. ( غفوراً )لا يؤاخذ الناس بكل ما اجترموا، بل يتجاوز عن كثير من سيئاتهم ويغفرها متى علم فيهم خيراً. وهو تعقيب موح ينبه الغافلين لاقتناص الفرصة قبل أن تذهب فلا تعود.
هذا المقطع الأخير في السورة يشتمل عل جولات واسعة المدى كذلك، ولمسات للقلب وإيحاءات شتى : جولة مع البشرية في أجيالها المتعاقبة، يخلف بعضها بعضاً. وجولة في الأرض والسماوات للبحث عن أي أثر للشركاء الذين يدعونهم من دون الله. وجولة في السماوات والأرض كذلك لرؤية يد الله القوية القادرة تمسكبالسماوات والأرض أن تزولا. وجولة مع هؤلاء المكذبين بتلك الدلائل والآيات كلها وهم قد عاهدوا الله من قبل لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم، ثم نقضوا هذا العهد وخالفوه فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً. وجولة في مصارع المكذبين من قبلهم وهم يشهدون آثارهم الداثرة ولا يخشون أن تدور عليهم الدائرة وأن تمضي فيهم سنة الله الجارية.. ثم الختام الموحي الموقظ الرهيب :( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ). وفضل الله العظيم في إمهال الناس وتأجيل هذا الأخذ المدمر المبيد..
والجولة الرابعة مع القوم وما عاهدوا الله عليه، ثم ما انتهوا بعد ذلك إليه من نقض للعهد، وفساد في الأرض. وتحذير لهم من سنة الله التي لا تتخلف، ولا تبديل فيها ولا تحويل :
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم. فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً. استكباراً في الأرض ومكر السيى ء - ولا يحيق المكر السيى ء إلا بأهله - فهل ينظرون إلا سنة الأولين ؟ فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً..
ولقد كان العرب يرون اليهود أهل كتاب يجاورونهم في الجزيرة ؛ وكانوا يرون من أمر انحرافهم وسوء سلوكهم ما يرون ؛ وكانوا يسمعون من تاريخهم وقتلهم رسلهم، وإعراضهم عن الحق الذي جاءوهم به. وكانوا إذ ذاك ينحون على اليهود ؛ ويقسمون بالله حتى ما يدعون مجالاً للتشديد في القسم :( لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ).. يعنون اليهود. يعرضون بهم بهذا التعبير ولا يصرحون !
ذلك كان حالهم وتلك كانت أيمانهم.. يعرضها كأنما يدعو المستمعين ليشهدوا على ما كان من هؤلاء القوم في جاهليتهم. ثم يعرض ما كان منهم بعد ذلك حينما حقق الله أمنيتهم، وأرسل فيهم نذيراً :
فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً.
هذا المقطع الأخير في السورة يشتمل عل جولات واسعة المدى كذلك، ولمسات للقلب وإيحاءات شتى : جولة مع البشرية في أجيالها المتعاقبة، يخلف بعضها بعضاً. وجولة في الأرض والسماوات للبحث عن أي أثر للشركاء الذين يدعونهم من دون الله. وجولة في السماوات والأرض كذلك لرؤية يد الله القوية القادرة تمسكبالسماوات والأرض أن تزولا. وجولة مع هؤلاء المكذبين بتلك الدلائل والآيات كلها وهم قد عاهدوا الله من قبل لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم، ثم نقضوا هذا العهد وخالفوه فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً. وجولة في مصارع المكذبين من قبلهم وهم يشهدون آثارهم الداثرة ولا يخشون أن تدور عليهم الدائرة وأن تمضي فيهم سنة الله الجارية.. ثم الختام الموحي الموقظ الرهيب :( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ). وفضل الله العظيم في إمهال الناس وتأجيل هذا الأخذ المدمر المبيد..
استكباراً في الأرض ومكر السيىء !..
وإنه لقبيح بمن كانوا يقسمون هذه الأيمان المشددة أن يكون هذا مسلكهم : استكباراً في الأرض ومكر السيىء. والقرآن يكشفهم هذا الكشف، ويسجل عليهم هذا المسلك. ثم يضيف إلى هذه المواجهة الأدبية المزرية بهم، تهديد كل من يسلك هذا المسلك الزري :
ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله..
فما يصيب مكرهم السيى ء أحداً إلا أنفسهم ؛ وهو يحيط بهم ويحيق ويحبط أعمالهم.
وإذا كان الأمر كذلك فماذا ينتظرون إذن ؟ إنهم لا ينتظرون إلا أن يحل بهم ما حل بالمكذبين من قبلهم، وهو معروف لهم. وإلا أن تمضي سنة الله الثابتة في طريقها الذي لا يحيد :
( فلن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله تحويلاً )..
هذا المقطع الأخير في السورة يشتمل عل جولات واسعة المدى كذلك، ولمسات للقلب وإيحاءات شتى : جولة مع البشرية في أجيالها المتعاقبة، يخلف بعضها بعضاً. وجولة في الأرض والسماوات للبحث عن أي أثر للشركاء الذين يدعونهم من دون الله. وجولة في السماوات والأرض كذلك لرؤية يد الله القوية القادرة تمسكبالسماوات والأرض أن تزولا. وجولة مع هؤلاء المكذبين بتلك الدلائل والآيات كلها وهم قد عاهدوا الله من قبل لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم، ثم نقضوا هذا العهد وخالفوه فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً. وجولة في مصارع المكذبين من قبلهم وهم يشهدون آثارهم الداثرة ولا يخشون أن تدور عليهم الدائرة وأن تمضي فيهم سنة الله الجارية.. ثم الختام الموحي الموقظ الرهيب :( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ). وفضل الله العظيم في إمهال الناس وتأجيل هذا الأخذ المدمر المبيد..
والأمور لا تمضي في الناس جزافاً ؛ والحياة لا تجري في الأرض عبثاً ؛ فهناك نواميس ثابتة تتحقق، لا تتبدل ولا تتحول. والقرآن يقرر هذه الحقيقة، ويعلمها للناس، كي لا ينظروا الأحداث فرادى، ولا يعيشوا الحياة غافلين عن سننها الأصيلة، محصورين في فترة قصيرة من الزمان، وحيز محدود من المكان. ويرفع تصورهم لارتباطات الحياة، وسنن الوجود، فيوجههم دائماً إلى ثبات السنن واطراد النواميس. ويوجه أنظارهم إلى مصداق هذا فيما وقع للأجيال قبلهم ؛ ودلالة ذلك الماضي على ثبات السنن واطراد النواميس.
وهذه الجولة الخامسة نموذج من نماذج هذا التوجيه بعد تقرير الحقيقة الكلية من أن سنة الله لا تتبدل ولا تتحول :
أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم - وكانوا أشد منهم قوة - وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض. إنه كان عليماً قديراً.
والسير في الأرض بعين مفتوحة وقلب يقظ ؛ والوقوف على مصارع الغابرين، وتأمل ما كانوا فيه وما صاروا إليه.. كل أولئك خليق بأن تستقر في القلب ظلال وإيحاءات ومشاعر وتقوى..
ومن ثم هذه التوجيهات المكررة في القرآن للسير في الأرض والوقوف على مصارع الغابرين، وآثار الذاهبين. وإيقاظ القلوب من الغفلة التي تسدر فيها، فلا تقف. وإذا وقفت لا تحس. وإذا أحست لا تعتبر. وينشأ عن هذه الغفلة غفلة أخرى عن سنن الله الثابتة. وقصور عن إدراك الأحداث وربطها بقوانينها الكلية. وهي الميزة التي تميز الإنسان المدرك من الحيوان البهيم، الذي يعيش حياته منفصلة اللحظات والحالات ؛ لا رابط لها، ولا قاعدة تحكمها. والجنس البشري كله وحدة أمام وحدة السنن والنواميس.
وأمام هذه الوقفة التي يقفهم إياها على مصارع الغابرين قبلهم - وكانوا أشد منهم قوة - فلم تعصمهم قوتهم من المصير المحتوم. أمام هذه الوقفة يوجه حسهم إلى قوة الله الكبرى. القوة التي لا يغلبها شيء ولا يعجزها شيء ؛ والتي أخذت الغابرين وهي قادرة على أخذهم كالأولين :
( وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض )..
ويعقب على هذه الحقيقة بما يفسرها ويعرض اسانيدها :
( إنه كان عليماً قديراً )..
يحيط علمه بكل شيء في السماوات والأرض ؛ وتقوم قدرته إلى جانب علمه. فلا يند عن علمه شيء، ولا يقف لقدرته شيء. ومن ثم لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض. ولا مهرب من قدرته ولا استخفاء من علمه :( إنه كان عليماً قديراً )..
هذا المقطع الأخير في السورة يشتمل عل جولات واسعة المدى كذلك، ولمسات للقلب وإيحاءات شتى : جولة مع البشرية في أجيالها المتعاقبة، يخلف بعضها بعضاً. وجولة في الأرض والسماوات للبحث عن أي أثر للشركاء الذين يدعونهم من دون الله. وجولة في السماوات والأرض كذلك لرؤية يد الله القوية القادرة تمسكبالسماوات والأرض أن تزولا. وجولة مع هؤلاء المكذبين بتلك الدلائل والآيات كلها وهم قد عاهدوا الله من قبل لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم، ثم نقضوا هذا العهد وخالفوه فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً. وجولة في مصارع المكذبين من قبلهم وهم يشهدون آثارهم الداثرة ولا يخشون أن تدور عليهم الدائرة وأن تمضي فيهم سنة الله الجارية.. ثم الختام الموحي الموقظ الرهيب :( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ). وفضل الله العظيم في إمهال الناس وتأجيل هذا الأخذ المدمر المبيد..
وأخيراً يجيء ختام السورة، يكشف عن حلم الله ورحمته إلى جانب قوته وقدرته ؛ ويؤكد أن إمهال الناس عن حلم وعن رحمة، لا يؤثر في دقة الحساب وعدل الجزاء في النهاية :
( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة. ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى. فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيراً )..
إن ما يرتكبه الناس من كفر لنعمة الله، ومن شر في الأرض وفساد، ومن ظلم في الأرض وطغيان. إن هذا كله لفظيع شنيع ولو يؤاخذ الله الناس به، لتجاوزهم - لضخامته وشناعته وبشاعته - إلى كل حي على ظهر هذه الأرض. ولأصبحت الأرض كلها غير صالحة للحياة إطلاقاً. لا لحياة البشر فحسب، ولكن لكل حياة أخرى !
والتعبير على هذا النحو يبرز شناعة ما يكسب الناس وبشاعته وأثره المفسد المدمر للحياة كلها لو آخذهم الله به مؤاخذة سريعة.

غير أن الله حليم لا يعجل على الناس :

( ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى )..
يؤخرهم أفراداً إلى أجلهم الفردي حتى تنقضي أعمارهم في الدنيا. ويؤخرهم جماعات إلى أجلهم في الخلافة المقدرة لهم حتى يسلموها إلى جيل آخر. ويؤخرهم جنساً إلى أجلهم المحدد لعمر هذا العالم ومجيء الساعة الكبرى. ويفسح لهم في الفرصة لعلهم يحسنون صنعاً.
( فإذا جاء أجلهم )..
وانتهى وقت العمل والكسب، وحان وقت الحساب والجزاء، فإن الله لن يظلمهم شيئاً :
( فإن الله كان بعباده بصيراً )..
وبصره بعباده كفيل بتوفيتهم حسابهم وفق عملهم وكسبهم، لا تفوت منهم ولا عليهم كبيرة ولا صغيرة.
هذا هو الإيقاع الأخير في السورة التي بدأت بحمد الله فاطر السماوات والأرض. ( جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة )يحملون رسالة السماء إلى الأرض. وما فيها من تبشير وإنذار فإما إلى جنة وإما إلى نار..
وبين البدء والختام تلك الجولات العظام في تلك العوالم التي طوفت بها السورة. وهذه نهاية المطاف. ونهاية الحياة. ونهاية الإنسان..
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

44 مقطع من التفسير