تفسير سورة سورة الحجر

في ظلال القرآن

مقدمة التفسير
سورة الحجر مكية وآياتها تسع وتسعون

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه السورة مكية بجملتها، نزلت بعد سورة يوسف، في الفترة الحرجة، ما بين " عام الحزن " وعام الهجرة.. تلك الفترة التي تحدثنا عن طبيعتها وملابساتها ومعالمها من قبل في تقديم سورة يونس وفي تقديم سورة هود وفي تقديم سورة يوسف بما فيه الكفاية..
وهذه السورة عليها طابع هذه الفترة، وحاجاتها ومقتضياتها الحركية.. إنها تواجه واقع تلك الفترة مواجهة حركية ؛ وتوجه الرسول [ ص ] والجماعة المسلمة معه، توجيها واقعيا مباشرا وتجاهد المكذبين جهادا كبيرا. كما هي طبيعة هذا القرآن ووظيفته.
ولما كانت حركة الدعوة في تلك الفترة تكاد تكون قد تجمدت، بسبب موقف قريش العنيد منها ومن النبي [ ص ] والعصبة المؤمنة معه ؛ حيث اجترأت قريش على رسول الله [ ص ] بما لم تكن تجترئ عليه في حياة أبي طالب. واشتد استهزاؤها بدعوته ؛ كما اشتد إيذاؤها لصحابته.. فقد جاء القرآن الكريم في هذه الفترة يهدد المشركين المكذبين ويتوعدهم ؛ ويعرض عليهم مصارع المكذبين الغابرين ومصائرهم ؛ ويكشف للرسول [ ص ] عن علة تكذيبهم وعنادهم ؛ وهي لا تتعلق به ولا بالحق الذي معه، لكنها ترجع إلى العناد الذي لا تجدي معه الآيات البينات. ومن ثم يسلي الرسول [ ص ] ويواسيه ؛ ويوجهه إلى الإصرار على الحق الذي معه ؛ والصدع به بقوة في مواجهة الشرك وأهله ؛ والصبر بعد ذلك على بطء الاستجابة ووحشة العزلة، وطول الطريق !
ومن هنا تلتقي هذه السورة في وجهتها وفي موضوعها وفي ملامحها مع بقية السور التي نزلت في تلك الفترة ؛ وتواجه مثلها مقتضيات تلك الفترة وحاجاتها الحركية. أي الحاجات والمقتضيات الناشئة من حركة الجماعة المسلمة بعقيدتها الإسلامية في مواجهة الجاهلية العربية في تلك الفترة من الزمان بكل ملابساتها الواقعية. ومن ثم تواجه حاجات الحركة الإسلامية ومقتضياتها كلما تكررت هذه الفترة، وذلك كالذي تواجهه الحركة الإسلامية الآن في هذا الزمان.
ونحن نؤكد على هذه السمة في هذا القرآن.. سمة الواقعية الحركية.. لأنها في نظرنا مفتاح التعامل مع هذا الكتاب وفهمه وفقهه وإدراك مراميه وأهدافه..
إنه لا بد من استصحاب الأحوال والملابسات والظروف والحاجات والمقتضيات الواقعية العملية التي صاحبتنزول النص القرآني.. لا بد من هذا لإدراك وجهة النص وأبعاد مدلولاته ؛ ولرؤية حيويته وهو يعمل في وسط حي ؛ ويواجه حالة واقعة ؛ كما يواجه أحياء يتحركون معه أو ضده. وهذه الرؤية ضرورية لفقه أحكامه وتذوقها ؛ كما هي ضرورية للانتفاع بتوجيهاته كلما تكررت تلك الظروف والملابسات في فترة تاريخية تالية، وعلى الأخص فيما يواجهنا اليوم ونحن نستأنف الدعوة الإسلامية.
نقول هذه المقالة ونحن على يقين أنه لن يرى هذه الرؤية اليوم إلا الذين يتحركون فعلا بهذا الدين في مواجهة الجاهلية الحاضرة ؛ ومن ثم يواجهون أحوالا وملابسات وظروفا وأحداثا كالتي كان يواجهها صاحب الدعوة الأولى - صلوات الله وسلامه عليه - والعصبة المسلمة معه.. من الإعراض والتولي عن هذا الدين في حقيقته الكبيرة الشاملة ؛ التي لا تتحقق إلا بالدينونة الكاملة لله وحده في كل شأن من شؤون الحياة الاعتقادية والأخلاقية والتعبدية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.. وما يلقونه كذلك من الإيذاء والمطاردة والتعذيب والتقتيل كالذي كانت تلك العصبة المختارة الأولى تبتلى - في سبيل الله - به..
إن هؤلاء الذين يتحركون بهذا الدين في مواجهة الجاهلية ؛ ويواجهون به ما كانت تواجهه الجماعة المسلمة الأولى.. هم وحدهم الذين يرون تلك الرؤية.. وهم وحدهم الذين يفقهون هذا القرآن ؛ ويدركون الأبعاد الحقيقية لمدلولات نصوصه. على النحو الذي أسلفنا.. وهم وحدهم الذين يملكون استنباط فقه الحركة الذي لا يغني عنه فقه الأوراق، في مواجهة الحياة المتحركة التي لا تكف عن الحركة !
وبمناسبة هذه الإشارة إلى فقه الحركة نحب أن نقرر أن الفقه المطلوب استنباطه في هذه الفترة الحاضرة هو الفقه اللازم لحركة ناشئة في مواجهة الجاهلية الشاملة. حركة تهدف إلى إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجاهلية إلى الإسلام ؛ ومن الدينونة للعباد إلى الدينونة لرب العباد ؛ كما كانت الحركة الأولى - على عهد محمد [ ص ] - تواجه جاهلية العرب بمثل هذه المحاولة ؛ قبل أن تقوم الدولة في المدينة ؛ وقبل أن يكون للإسلام سلطان على أرض وعلى أمة من الناس.
نحن اليوم في شبه هذا الموقف لا في مثله، وذلك لاختلاف بعض الظروف والملابسات الخارجية.. نحن نستهدف دعوة إلى الإسلام ناشئة في مواجهة جاهلية شاملة.. ولكن مع اختلاف في الملابسات والظروف والحاجات والمقتضيات الواقعية للحركة.. وهذا الاختلاف هو الذي يقتضي " اجتهادا " جديدا في " فقه الحركة " يوائم بين السوابق التاريخية للحركة الإسلامية الأولى وبين طبيعة الفترة الحاضرة ومقتضياتها المتغيرة قليلا أو كثيرا..
هذا النوع من الفقه هو الذي تحتاج إليه الحركة الإسلامية الوليدة.. أما الفقه الخاص بأنظمة الدولة، وشرائع المجتمع المنظم المستقر، فهذا ليس أوانه... إنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم، قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي !.. هذا النوع من الفقه يأتي في حينه ؛ وتفصل أحكامه على قد المجتمع المسلم حين يوجد ؛ ويواجه الظروف الواقعية التي تكون محيطة بذلك المجتمع يومذاك !
إن الفقه الإسلامي لا ينشأ في فراغ ولا تستنبت بذوره في الهواء !
ونعود إلى استكمال الحديث عن موضوعات السورة :
محور هذه السورة الأول : هو إبراز طبيعة المكذبين بهذا الدين ودوافعهم الأصيلة للتكذيب، وتصوير المصير المخوف الذي ينتظر الكافرين المكذبين.. وحول هذا المحور يدور السياق في عدة جولات، متنوعةالموضوع والمجال، ترجع كلها إلى ذلك المحور الأصيل. سواء في ذلك القصة، ومشاهد الكون، ومشاهد القيامة، والتوجيهات والتعقيبات التي تسبق القصص وتتخلله وتعقب عليه.
وإذا كان جو سورة الرعد يذكر بجو سورة الأنعام. فإن جو هذه السورة - الحجر - يذكر بجو سورة الأعراف. - وابتداؤها كان بالإنذار، وسياقها كله جاء مصداقا للإنذار - فهنا كذلك في سورة الحجر يتشابه البدء والسياق، مع اختلاف في الطعم والمذاق !
إن الإنذار في مطلع سورة الأعراف صريح :
كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به وذكرى للمؤمنين. اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء، قليلا ما تذكرون. وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أوهم قائلون. فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا الا أن قالوا : إنا كنا ظالمين..
ثم ترد فيها قصة آدم وابليس ويتابعها السياق حتى تنتهي الحياة الدنيا، ويعود الجميع إلى ربهم، فيجدوا مصداق النذير.. ويلي القصة عرض لبعض مشاهد الكون : السماوات والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم مسخرات بأمره، والرياح والسحاب والماء والثمرات.. ويلي ذلك قصص قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى : وكلها تصدق النذير..
وهنا في سورة الحجر يجيء الإنذار كذلك في مطلعها، ولكن ملفعا بظل من التهويل والغموض يزيد جوها رهبة وتوقعا للمصير :
( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم. ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون )
ثم يعرض السياق بعض مشاهد الكون : السماء وما فيها من بروج، والأرض الممدودة والرواسي الراسخة، والنبت الموزون، والرياح اللواقح، والماء والسقيا، والحياة والموت والحشر للجميع.. يلي ذلك قصة آدم وإبليس، منتهية بمصير أتباعه ومصير المؤمنين.. ومن ثم لمحات من قصص إبراهيم ولوط وشعيب وصالح منظورا فيها إلى مصائر المكذبين، وملحوظا فيها أن مشركي العرب يعرفون الآثار الدارسة لهذه الأقوام، وهم يمرون عليها في طريقهم إلى الشام.
فالمحور في السورتين واحد، ولكن شخصية كل منهما متميزة ؛ وإيقاعهما يتشابه ولا يتماثل، على عادة القرآن الكريم في تناوله لموضوعاته الموحدة، بطرق شتى، تختلف وتتشابه، ولكنها لا تتكرر أبدا ولا تتماثل !
ويمكن تقسيم سياق السورة هنا إلى خمس جولات، أو خمسة مقاطع، يتضمن كل منها موضوعا أو مجالا :
تتضمن الجولة الأولى بيان سنة الله التي لا تتخلف في الرسالة والإيمان بها والتكذيب. مبدوءة بذلك الإنذار الضمني الملفع بالتهويل :
( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ).
ومنتهية بأن المكذبين إنما يكذبون عن عناد لا عن نقص في دلائل الإيمان :
( ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا : إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ! ).. وأنهم جميعا من طراز واحد :
ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين. وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون. كذلك نسلكه في قلوب المجرمين. لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين..
وتعرض الجولة الثانية بعض آيات الله في الكون : في السماء وفي الأرض وما بينهما. وقد قدرت بحكمة، وأنزلت بقدر :
( ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين. وحفظناها من كل شيطان رجيم. إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين. والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون. وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين. وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم. وأرسلنا الرياح لواقح، فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين )..
وإلى الله مرجع كل شيء وكل أحد في الوقت المقدر المعلوم :( وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون. ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين. وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم )..
أما الجولة الثالثة فتعرض قصة البشرية وأصل الهدى والغواية في تركيبها وأسبابها الأصيلة، ومصير الغاوين في النهاية والمهتدين. وذلك في خلق آدم من صلصال من حمأ مسنون والنفخ من روح الله في هذا الطين. ثم في غرور إبليس واستكباره وتوليه الغاوين دون المخلصين.
والجولة الرابعة في مصارع الغابرين من قوم لوط وشعيب وصالح، مبدوءة بقول الله : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم ثم يتتابع القصص، يجلو رحمة الله مع إبراهيم ولوط، وعذابه لأقوام لوط وشعيب وصالح.. ملحوظا في هذا القصص أنه يعرض على قريش مصارع أقوام يمرون على أرضهم في طريقهم إلى الشام ويرون آثارهم :
( إن في ذلك لآيات للمتوسمين. وإنها لبسبيل مقيم )..
أما الجولة الخامسة والأخيرة فتكشف عن الحق الكامن في خلق السماوات والأرض المتلبس بالساعة وما بعدها من ثواب وعقاب، المتصل بدعوة الرسول [ ص ] فهو الحق الأكبر الشامل للكون كله، وللبدء والمصير :( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل. إن ربك هو الخلاق العليم. ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم.. )إلى آخر السورة..
آية رقم ١
بسم الله الرحمن
هذا المقطع الأول في سياق السورة، يتحدث عن طبيعة الكتاب الذي يكذب به المشركون.. ويهددهم بيوم يتمنون فيه لو كانوا مسلمين ! كما يكشف لهم عن سبب إرجاء هذا اليوم عنهم، فهو موقوت بأجل معلوم.. ويذكر تحدياتهم واستهزاءهم وطلبهم الملائكة، ثم يهددهم بأن نزول الملائكة يكون معه الهلاك والتدمير ! وأخيرا يكشف عن العلة الحقيقية للتكذيب.. إنها ليست نقص الدليل ولكنه العناد الأصيل !..
ألف. لام. را.. تلك آيات الكتاب وقرآن مبين )..
هذه الأحرف ونظائرها هي الكتاب وهي القرآن. هذه الأحرف التي في متناول الجميع، هي ( تلك ) الآيات العالية الأفق البعيدة المتناول، المعجزة التنسيق. هذه الأحرف التي لا مدلول لها في ذاتها هي القرآن الواضح الكاشف المبين.
آية رقم ٢
فإذا كان قوم يكفرون بآيات الكتاب المعجز ويكذبون بهذا القرآن المبين فسيأتي يوم يودون فيه لو كانوا غير ما كانوا ؛ ويتمنون فيه لو آمنوا واستقاموا :
( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين )..
آية رقم ٣
ربما.. ولكن حيث لا ينفع التمني ولا تجدي الودادة.. ربما.. وفيها التهديد الخفي، والاستهزاء الملفوف ؛ وفيها كذلك الحث على انتهاز الفرصة المعروضة للإسلام والنجاة قبل أن تضيع، ويأتي اليوم الذي يودون فيه لو كانوا مسلمين ؛ فما ينفعهم يومئذ أنهم يودون !

وتهديد آخر ملفوف :

( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون )..
ذرهم فيما هم فيه من حياة حيوانية محضة للأكل والمتاع. لا تأمل فيها ولا تدبر ولا استطلاع. ذرهم في تلك الدوامة : الأمل يلهي والمطامع تغر، والعمر يمضي والفرصة تضيع. ذرهم فلا تشغل نفسك بهؤلاء الهالكين، الذين ضلوا في متاهة الأمل الغرور، يلوح لهم ويشغلهم بالأطماع، ويملي لهم فيحسبون أن أجلهم ممدود، وأنهم محصلون ما يطمعون لا يردهم عنه راد، ولا يمنعهم منه مانع. وأن ليس وراءهم حسيب ؛ وأنهم ناجون في النهاية بما ينالون مما يطعمون !
وصورة الأمل الملهي صورة إنسانية حية. فالأمل البراق ما يزال يخايل لهذا الإنسان، وهو يجري وراءه، وينشغل به، ويستغرق فيه، حتى يجاوز المنطقة المأمونة ؛ وحتى يغفل عن الله، وعن القدر، وعن الأجل ؛ وحتى ينسى أن هنالك واجبا، وأن هنالك محظورا ؛ بل حتى لينسى أن هنالك إلها، وأن هنالك موتا، وأن هناك نشورا.
وهذا هو الأمل القاتل الذي يؤمر الرسول [ ص ] أن يدعهم له.. ( فسوف يعلمون ).. حيث لا ينفع العلم بعد فوات الأوان.. وهو أمر فيه تهديد لهم، وفيه كذلك لمسة عنيفة لعلهم يصحون من الأمل الخادع الذي يلهيهم عن المصير المحتوم.
آية رقم ٤
وإن سنة الله لماضية لا تتخلف ؛ وهلاك الأمم مرهون بأجلها الذي قدره الله لها ؛ مترتب على سلوكها الذي تنفذ به سنة الله ومشيئته :
( وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم، ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).
فلا يغرنهم تخلف العذاب عنهم فترة من الوقت، فإنما هي سنة الله تمضي في طريقها المعلوم. ولسوف يعلمون.
وذلك الكتاب المعلوم والأجل المقسوم، يمنحه الله للقرى والأمم، لتعمل، وعلى حسب العمل يكون المصير. فإذا هي آمنت وأحسنت وأصلحت وعدلت مد الله في أجلها، حتى تنحرف عن هذه الأسس كلها، ولا تبقى فيها بقية من خير يرجى، عندئذ تبلغ أجلها، وينتهي وجودها، إما نهائيا بالهلاك والدثور، وإما وقتيا بالضعف والذبول.
ولقد يقال : إن أمما لا تؤمن ولا تحسن ولا تصلح ولا تعدل. وهي مع ذلك قوية ثرية باقية. وهذا وهم. فلا بد من بقية من خير في هذه الأمم. ولو كان هو خير العمارة للأرض، وخير العدل في حدوده الضيقة بين أبنائها، وخير الإصلاح المادي والإحسان المحدود بحدودها. فعلى هذه البقية من الخير تعيش حتى تستنفدها فلا تبقى فيها من الخير بقية. ثم تنتهي حتما إلى المصير المعلوم.
آية رقم ٥
إن سنة الله لاتتخلف. ولكل أمة أجل معلوم :
( ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).
آية رقم ٦
ويحكي السياق سوء أدبهم مع الرسول [ ص ] وقد جاءهم بالكتاب والقرآن المبين، يوقظهم من الأمل الملهي، ويذكرهم بسنة الله، فإذا هم يسخرون منه ويتوقحون :
( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ! ).

وتبدو السخرية في ندائهم :

( يا أيها الذي نزل عليه الذكر )..
فهم ينكرون الوحي والرسالة ؛ ولكنهم يتهكمون على الرسول الكريم بهذا الذي يقولون.
ويبدو سوء الأدب في وصفهم للرسول الأمين :
( إنك لمجنون )..
جزاء على دعوته لهم بالقرآن المبين.
آية رقم ٧
وهم يتمحكون فيطلبون الملائكة مصدقين :
( لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ! ).
وطلب نزول الملائكة يتكرر في هذه السورة وفي غيرها، مع الرسول [ ص ] ومع غيره من الرسل قبله : وهو كما قلنا ظاهرة من ظواهر الجهل بقيمة هذا الكائن الإنساني الذي كرمه الله، فجعل النبوة في جنسه، ممثلة في أفراده المختارين.
والرد على ذلك التهكم وتلك الوقاحة وهذا الجهل هو ذكر القاعدة التي تشهد بها مصارع السالفين : أن الملائكة لا تنزل على الرسول إلا لهلاك المكذبين من قومه حين ينتهي الأجل المعلوم ؛ وعندئذ فلا إمهال ولا تأجيل :
( ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )..
فهل هو ما يريدون وما يتطلبون ؟ !
آية رقم ٩
ثم يردهم السياق إلى الهدى والتدبر.. إن الله لا ينزل الملائكة إلا بالحق، ليحقوه وينفذوه. والحق عند التكذيب هو الهلاك. فهم يستحقونه فيحق عليهم. فهو حق تنزل به الملائكة لتنفذه بلا تأخير. وقد أراد الله لهم خيرا مما يريدون بأنفسهم، فنزل لهم الذكر يتدبرونه ويهتدون به، وهو خير لهم من تنزيل الملائكة بالحق الأخير ! لو كانوا يفقهون :
( إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون )..
فخير لهم أن يقبلوا عليه. فهو باق محفوظ لا يندثر ولا يتبدل. ولا يلتبس بالباطل ولا يمسه التحريف وهو يقودهم إلى الحق برعاية الله وحفظه، إن كانوا يريدون الحق، وإن كانوا يطلبون الملائكة للتثبت.. إن الله لا يريد أن ينزل عليهم الملائكة، لأنه أراد بهم الخير فنزل لهم الذكر المحفوظ، لا ملائكة الهلاك والتدمير.
وننظر نحن اليوم من وراء القرون إلى وعد الله الحق بحفظ هذا الذكر ؛ فنرى فيه المعجزة الشاهدة بربانية هذا الكتاب - إلى جانب غيرها من الشواهد الكثيرة - ونرى أن الأحوال والظروف والملابسات والعوامل التي تقلبت على هذا الكتاب في خلال هذه القرون ما كان يمكن أن تتركه مصونا محفوظا لا تتبدل فيه كلمة، ولا تحرف فيه جملة، لولا أن هنالك قدرة خارجة عن إرادة البشر، أكبر من الأحوال والظروف والملابسات والعوامل، تحفظ هذا الكتاب من التغيير والتبديل، وتصونه من العبث والتحريف.
لقد جاء على هذا القرآن زمان في أيام الفتن الأولى كثرت فيه الفرق، وكثر فيه النزاع، وطمت فيه الفتن، وتماوجت فيه الأحداث. وراحت كل فرقة تبحث لها عن سند في هذا القرآن وفي حديث رسول الله [ ص ] ودخل في هذه الفتن وساقها أعداء هذا الدين الأصلاء من اليهود - خاصة - ثم من " القوميين " دعاة " القومية " الذين تسموا بالشعوبيين !
ولقد أدخلت هذه الفرق على حديث رسول الله [ ص ] ما احتاج إلى جهد عشرات العلماء الأتقياء الأذكياء عشرات من السنين لتحرير سنة رسول الله [ ص ] وغربلتها وتنقيتها من كل دخيل عليها من كيد أولئك الكائدين لهذا الدين.
كما استطاعت هذه الفرق في تلك الفتن أن تؤول معاني النصوص القرآنية، وأن تحاول أن تلوي هذه النصوص لتشهد لها بما تريد تقريره من الأحكام والاتجاهات..
ولكنها عجزت جميعا - وفي أشد أوقات الفتن حلوكة واضطرابا - أن تحدث حدثا واحدا في نصوص هذا الكتاب المحفوظ ؛ وبقيت نصوصه كما أنزلها الله ؛ حجة باقية على كل محرف وكل مؤول ؛ وحجة باقية كذلك على ربانية هذا الذكر المحفوظ.
ثم جاء على المسلمين زمان - ما نزال نعانيه - ضعفوا فيه عن حماية أنفسهم، وعن حماية عقيدتهم، وعن حماية نظامهم، وعن حماية أرضهم، وعن حماية أعراضهم وأموالهم وأخلاقهم. وحتى عن حماية عقولهم وإدراكهم ! وغير عليهم أعداؤهم الغالبون كل معروف عندهم، وأحلوا مكانه كل منكر فيهم.. كل منكر من العقائد والتصورات، ومن القيم والموازين، ومن الأخلاق والعادات، ومن الأنظمة والقوانين... وزينوا لهم الانحلال والفساد والتوقح والتعري من كل خصائص " الإنسان " وردوهم إلى حياة كحياة الحيوان.. وأحيانا إلى حياة يشمئز منها الحيوان.. ووضعوا لهم ذلك الشر كله تحت عنوانات براقة من " التقدم " و " التطور " و " العلمانية " و " العلمية " و " الانطلاق " و " التحرر " و " تحطيم الأغلال " و " الثورية " و " التجديد ".... إلى آخر تلك الشعارات والعناوين.. وأصبح " المسلمون " بالأسماء وحدها مسلمين. ليس لهم من هذا الدين قليل ولا كثير. وباتوا غثاء كغثاء السيل لا يمنع ولا يدفع، ولا يصلح لشيء إلا أن يكون وقودا للنار.. وهو وقود هزيل !..
ولكن أعداء هذا الدين - بعد هذا كله - لم يستطيعوا تبديل نصوص هذا الكتاب ولا تحريفها. ولم يكونوا في هذا من الزاهدين. فلقد كانوا أحرص الناس على بلوغ هذا الهدف لو كان يبلغ، وعلى نيل هذه الأمنية لو كانت تنال !
ولقد بذل أعداء هذا الدين - وفي مقدمتهم اليهود - رصيدهم من تجارب أربعة آلاف سنة أو تزيد في الكيد لدين الله. وقدروا على أشياء كثيرة.. قدروا على الدس في سنة رسول الله [ ص ] وعلى تاريخ الأمة المسلمة. وقدروا على تزوير الأحداث ودس الأشخاص في جسم المجتمع المسلم ليؤدوا الأدوار التي يعجزون عن أدائها وهم سافرون. وقدروا على تحطيم الدول والمجتمعات والأنظمة والقوانين. وقدروا على تقديم عملائهم الخونة في صورة الأبطال الأمجاد ليقوموا لهم بأعمال الهدم والتدمير في أجسام المجتمعات الإسلامية على مدار القرون، وبخاصة في العصر الحديث..
ولكنهم لم يقدروا على شيء واحد - والظروف الظاهرية كلها مهيأة له -.. لم يقدروا على إحداث شيء فيهذا الكتاب المحفوظ، الذي لا حماية له من أهله المنتسبين إليه ؛ وهم بعد أن نبذوه وراء ظهورهم غثاء كغثاء السيل لا يدفع ولا يمنع ؛ فدل هذا مرة أخرى على ربانية هذا الكتاب، وشهدت هذه المعجزة الباهرة بأنه حقا تنزيل من عزيز حكيم.
لقد كان هذا الوعد على عهد رسول الله [ ص ] مجرد وعد. أما هو اليوم - من وراء كل تلك الأحداث الضخام ؛ ومن وراء كل تلك القرون الطوال. فهو المعجزة الشاهدة بربانية هذا الكتاب، والتي لا يماري فيها إلا عنيد جهول :
( إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون ).. وصدق الله العظيم..
آية رقم ١٠
ويعزي الله سبحانه نبيه [ ص ] فيخبره أنه ليس بدعا من الرسل الذين لقوا الاستهزاء والتكذيب، فهكذا المكذبون دائما في عنادهم الذميم :
( ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين ).
آية رقم ١١
( وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون.. )
وعلى هذا النحو الذي تلقى به المكذبون أتباع الرسل ما جاءهم به رسلهم، يتلقى المكذبون المجرمون من أتباعك ما جئتهم به. وعلى هذا النحو نجري هذا التكذيب في قلوبهم التي لا تتدبر ولا تحسن الاستقبال، جزاء ما أعرضت وأجرمت في حق الرسل المختارين :
آية رقم ١٢
( كذلك نسلكه في قلوب المجرمين. لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين )..
نسلكه في قلوبهم مكذبا بما فيه مستهزأ به ؛ لأن هذه القلوب لا تحسن أن تتلقاه إلا على هذا النحو.
آية رقم ١٣
سواء في هذا الجيل أم في الأجيال الخالية أم في الأجيال اللاحقة ؛ فالمكذبون أمة واحدة، من طينة واحدة :
( وقد خلت سنة الأولين ).
آية رقم ١٤
وليس الذي ينقصهم هو توافر دلائل الإيمان، فهم معاندون ومكابرون، مهما تأتهم من آية بينة فهم في عنادهم ومكابرتهم سادرون.
وهنا يرسم السياق نموذجا باهرا للمكابرة المرذولة والعناد البغيض :
( ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا : إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون ).
ويكفي تصورهم يصعدون في السماء من باب يفتح لهم فيها. يصعدون بأجسامهم، ويرون الباب المفتوح أمامهم، ويحسون حركة الصعود ويرون دلائلها..
آية رقم ١٥
ثم هم بعد ذلك يكابرون فيقولون : لا. لا. ليست هذه حقيقة. إنما أحد سكر أبصارنا وخدرها فهي لا ترى إنما تتخيل :
( إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون )..
سكر أبصارنا مسكر وسحرنا ساحر، فكل ما نراه وما نحسه وما نتحركه تهيؤات مسكر مسحور !
يكفي تصورهم على هذا النحو لتبدو المكابرة السمجة ويتجلى العناد المزري. ويتأكد أن لا جدوى من الجدل مع هؤلاء. ويثبت أن ليس الذي ينقصهم هو دلائل الإيمان. وليس الذي يمنعهم أن الملائكة لا تنزل. فصعودهم هم أشد دلالة وألصق بهم من نزول الملائكة. إنما هم قوم مكابرون. مكابرون بلا حياء وبلا تحرج وبلا مبالاة بالحق الواضح المكشوف !
إنه نموذج بشري للمكابرة والاستغلاق والانطماس يرسمه التعبير، مثيرا لشعور الاشمئزاز والتحقير..
وهذا النموذج ليس محليا ولا وقتيا، ولا هو وليد بيئة معينة في زمان معين.. إنه نموذج للإنسان حين تفسد فطرته، وتستغلق بصيرته، وتتعطل في كيانه أجهزة الاستقبال والتلقي، وينقطع عن الوجود الحي من حوله، وعن إيقاعاته وإيحاءاته.
هذا النموذج يتمثل في هذا الزمان في الملحدين وأصحاب المذاهب المادية التي يسمونها " المذاهب العلمية ! " وهي أبعد ما تكون عن العلم ؛ بل أبعد ما تكون عن الإلهام والبصيرة..
إن أصحاب المذاهب المادية يلحدون في الله ؛ ويجادلون في وجوده - سبحانه - وينكرون هذا الوجود.. ثم يقيمون على أساس إنكار وجود الله، والزعم بأن هذا الكون موجود هكذا بذاته، بلا خالق، وبلا مدبر، وبلا موجه.. يقيمون على أساس هذا الزعم وذلك الإنكار مذاهب اجتماعية وسياسية واقتصادية و " أخلاقية ! " كذلك. ويزعمون أن هذه المذاهب القائمة على ذلك الأساس، والتي لا تنفصل عنه بحال.. " علمية ".. هي وحدها " العلمية " !
وعدم الشعور بوجود الله سبحانه، مع وجود تلك الشواهد والدلائل الكونية، هو دلالة لا تنكر على تعطل أجهزة الاستقبال والتلقي في تلك الجبلات النكدة. كما أن اللجاجة في هذا الإنكار لا تقل تبجحا عن تبجح ذلك النموذج الذي ترسمه النصوص القرآنية السابقة :
( ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا : إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون ! )..
فالشواهد الكونية أظهر وأوضح من عروجهم إلى السماء. وهي تخاطب كل فطرة غير معطلة خطابا هامسا وجاهرا، باطنا وظاهرا، بما لا تملك هذه الفطرة معه إلا المعرفة والإقرار.
إن القول بأن هذا الكون موجود بذاته ؛ وفيه كل تلك النواميس المتوافقة لحفظه وتحريكه وتدبيره ؛ كما أن فيه كل تلك الموافقات لنشأة الحياة في بعض أجزائه.. وهي موافقات لا تحصى.. إن هذا القول بذاته يرفضه العقل البشري، كما ترفضه الفطرة من أعماقها. وكلما توغل " العلم " في المعرفة بطبيعة هذا الكون وأسراره وموافقاته ؛ رفض فكرة التلقائية في وجود هذا الكون وفي حركته بعد وجوده ؛ واضطر اضطرارا إلى رؤية اليد الخالقة المدبرة من ورائه.. هذه الرؤية التي تتم للفطرة السوية بمجرد تلقي إيقاعات هذا الكون وإيحاءاته. قبل جميع البحوث العلمية التي لم تجيء إلا أخيرا !
إن الكون لا يملك أن يخلق ذاته، ثم يخلق في الوقت نفسه قوانينه التي تصرف وجوده. كما أن نشأة الحياة لا يفسرها وجود الكون الخالي من الحياة. وتفسير نشأة الكون ونشأة الحياة بدون وجود خالق مدبر تفسير متعسف ترفضه الفطرة كما يرفضه العقل أيضا.. كما أخذ يرفضه العلم المادي نفسه أخيرا :
يقول عالم الأحياء والنبات " رسل تشارلز إرنست " الأستاذ بجامعة فرانكفورت بألمانيا :" لقد وضعت نظريات عديدة لكي تفسر نشأة الحياة من عالم الجمادات ؛ فذهب بعض الباحثين إلى أن الحياة قد نشأت من البروتوجين، أو من الفيروس، أو من تجمع بعض الجزيئات البروتينية الكبيرة. وقد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء وعالم الجمادات. ولكن الواقع الذي ينبغي أن نسلم به هو أن جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية، قد باءت بفشل وخذلان ذريعين. ومع ذلك فإن من ينكر وجود الله لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر للعالم المتطلع على أن مجرد تجمع الذرات والجزيئات عن طريق المصادفة، يمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها وتوجيهها بالصورةالتي شاهدناها في الخلايا الحية. وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التفسير لنشأة الحياة، فهذا شأنه وحده ! ولكنه إذ يفعل ذلك، فإنما يسلم بأمر أشد إعجازا وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود الله، الذي خلق الأشياء ودبرها.
" إنني اعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقد درجة يصعب علينا فهمها. وأن ملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته شهادة تقوم على الفكر والمنطق. ولذلك فإنني أومن بوجود الله إيمانا راسخا "
وهذا الذي يكتب هذا التقرير لم يبدأ بحثه من التقريرات الدينية عن نشأة الحياة. إنما بدأ بحثه من النظر الموضوعي لنواميس الحياة. والمنطق السائد في بحثه هو منطق " العلم الحديث " - بكل خصائصه - لا منطق الإلهام الفطري، ولا منطق الحس الديني. ومع ذلك فقد انتهى إلى الحقيقة التي يقررها الإلهام الفطري، كما يقررها الحس الديني. ذلك أن الحقيقة متى كان لها وجود، اعترض وجودها كل سالك إليها من أي طريق يسلكه إليها ؛ أما الذين لا يجدون هذه الحقيقة فهم الذين تعطلت فيهم أجهزة الإدراك جميعا !
والذين يجادلون في الله - مخالفين عن منطق الفطرة وعن منطق العقل، وعن منطق الكون.. أولئك كائنات تعطلت فيها أجهزة الاستقبال والتلقي جميعا.. إنهم العمي الذين يقول الله تعالى فيهم :( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ).
وإذا كانت هذه حقيقتهم ؛ فإن ما ينشئونه من مذاهب " علمية ! " اجتماعية وسياسية واقتصادية ؛ وما ينشئون من نظريات عن الكون والحياة والإنسان والحياة الإنسانية والتاريخ الإنساني ؛ يجب أن ينظر إليها المسلم كما ينظر إلى كل تخبط، صادر عن أعمى، معطل الحواس الأخرى، محجوبا عن الرؤية وعن الحس وعن الإدراك جميعا - على الأقل فيما يتعلق بالحياة الإنسانية وتفسيرها وتنظيمها. وما ينبغي لمسلم أن يتلقى عن هؤلاء شيئا ؛ فضلا على أن يكيف نظرته، ويقيم منهج حياته، على شيء مقتبس من أولئك العمي أصلا !
إن هذه قضية إيمانية اعتقادية، وليست قضية رأي وفكر ! إن الذي يقيم تفكيره، ويقيم مذهبه في الحياة، ويقيم نظام حياته كذلك، على أساس أن هذا الكون المادي هو منشى ء ذاته، ومنشى ء الإنسان أيضا.. إنما يخطيء في قاعدة الفكر والمذهب والنظام ؛ فكل التشكيلات والتنظيمات والإجراءات القائمة على هذه القاعدة لا يمكن أن تجيء بخير ؛ ولا يمكن أن تلتحم في جزئية واحدة مع حياة مسلم، يقيم اعتقاده وتصوره، ويجب أن يقيم نظامه وحياته على قاعدة ألوهية الله للكون وخلقه وتدبيره.
ومن ثم يصبح القول بأن ما يسمى " الاشتراكية العلمية " منهج مستقل عن المذهب المادي مجرد جهالة أو هراء ! ويصبح الأخذ بما يسمى " الاشتراكية العلمية " - وتلك قاعدتها ونشأتها ومنهج تفكيرها وبناء أنظمتها - عدولا جذريا عن الإسلام : اعتقادا وتصورا ثم منهجا ونظاما.. حيث لا يمكن الجمع بين الأخذ بتلك " الاشتراكية العلمية " واحترام العقيدة في الله بتاتا. ومحاولة الجمع بينهما هي محاولة الجمع بين الكفر والإسلام.. وهذه هي الحقيقة التي لا محيص عنها.
إن الناس في أي أرض وفي أي زمان ؛ إما أن يتخذوا الإسلام دينا، وإما أن يتخذوا المادية دينا. فإذااتخذوا الإسلام دينا امتنع عليهم أن يتخذوا " الاشتراكية العلمية " المنبثقة من " الفلسفة المادية "، والتي لا يمكن فصلها عن الأصل الذي انبثقت منه، نظاما.. وعلى الناس أن تختار.. إما الإسلام، وإما المادية، منذ الابتداء !
إن الإسلام ليس مجرد عقيدة مستكنة في الضمير. إنما هو نظام قائم على عقيدة.. كما أن " الاشتراكية العلمية " - بهذا الاصطلاح - ليست قائمة على هواء، إنما هي منبثقة انبثاقا طبيعيا من " المذهب المادي " الذي يقوم بدوره على قاعدة مادية الكون وإنكار وجود الخالق المدبر أصلا، ولا يمكن الفصل بين هذا التركيب العضوي.. ومن ثم ذلك التناقض الجذري بين الإسلام وما يسمى " الاشتراكية العلمية " بكل تطبيقاتها !
ولا بد من الاختيار بينهما.. ولكل أن يختار وأن يتحمل عند الله تبعة ما يختار ! ! !
آية رقم ١٦
من مشهد المكابرة. وكان ميدانه السماء. إلى معرض الآيات الكونية مبدوءا بمشهد السماء. فمشهد الأرض. فمشهد الرياح اللواقح بالماء. فمشهد الحياة والموت. فمشهد البعث والحشر.. كل أولئك آيات يكابر فيها من لو فتح عليهم باب من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا : إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون. فلنعرضها مشهدا مشهدا كما هي في السياق :
آية رقم ١٧
من مشهد المكابرة. وكان ميدانه السماء. إلى معرض الآيات الكونية مبدوءا بمشهد السماء. فمشهد الأرض. فمشهد الرياح اللواقح بالماء. فمشهد الحياة والموت. فمشهد البعث والحشر.. كل أولئك آيات يكابر فيها من لو فتح عليهم باب من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا : إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون. فلنعرضها مشهدا مشهدا كما هي في السياق :

ومع الزينة الحفظ والطهارة :

( وحفظناها من كل شيطان رجيم )..
لا ينالها ولا يدنسها ؛ ولا ينفث فيها من شره ورجسه وغوايته. فالشيطان موكل بهذه الأرض وحدها، وبالغاوين من أبناء آدم فيها. أما السماء - وهي رمز للسمو والارتفاع - فهو مطرود عنها مطارد لا ينالها ولا يدنسها. إلا محاولة منه ترد كلما حاولها :
آية رقم ١٨
من مشهد المكابرة. وكان ميدانه السماء. إلى معرض الآيات الكونية مبدوءا بمشهد السماء. فمشهد الأرض. فمشهد الرياح اللواقح بالماء. فمشهد الحياة والموت. فمشهد البعث والحشر.. كل أولئك آيات يكابر فيها من لو فتح عليهم باب من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا : إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون. فلنعرضها مشهدا مشهدا كما هي في السياق :
( إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين )..
وما الشيطان ؟ وكيف يحاول استراق السمع ؟ وأي شيء يسترق ؟.. كل هذا غيب من غيب الله، لا سبيل لنا إليه إلا من خلال النصوص. ولا جدوى في الخوض فيه، لأنه لا يزيد شيئا في العقيدة ؛ ولا يثمر إلا انشغال العقل البشري بما ليس من اختصاصه، وبما يعطله عن عمله الحقيقي في هذه الحياة. ثم لا يضيف إليه إدراكا جديدا لحقيقة جديدة.
فلنعلم أن لا سبيل في السماء لشيطان، وأن هذا الجمال الباهر فيها محفوظ، وأن ما ترمز إليه من سمو وعلي مصون لا يناله دنس ولا رجس، ولا يخطر فيه شيطان، وإلا طورد فطرد وحيل بينه وبين ما يريد.
ولا ننسى جمال الحركة في المشهد في رسم البرج الثابت، والشيطان الصاعد، والشهاب المنقض، فهي من بدائع التصوير في هذا الكتاب الجميل.
من مشهد المكابرة. وكان ميدانه السماء. إلى معرض الآيات الكونية مبدوءا بمشهد السماء. فمشهد الأرض. فمشهد الرياح اللواقح بالماء. فمشهد الحياة والموت. فمشهد البعث والحشر.. كل أولئك آيات يكابر فيها من لو فتح عليهم باب من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا : إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون. فلنعرضها مشهدا مشهدا كما هي في السياق :
والخط الثاني في اللوحة العريضة الهائلة هو خط الأرض الممدودة أمام النظر، المبسوطة للخطو والسير ؛ وما فيها من رواس، وما فيها من نبت وأرزاق للناس ولغيرهم من الأحياء :
( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي، وأنبتنا فيها من كل شيء موزون. وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
إن ظل الضخامة واضح في السياق. فالإشارة في السماء إلى البروج الضخمة - تبدو ضخامتها حتى في جرس كلمة( بروج )وحتى الشهاب المتحرك وصف من قبل بأنه( مبين ).. والإشارة في الأرض إلى الرواسي - ويتجسم ثقلها في التعبير بقوله :( وألقينا فيها رواسي ). وإلى النبات موصوفا بأنه( موزون ) وهي كلمة ذات ثقل، وإن كان معناها أن كل نبت في هذه الأرض في خلقه دقة وإحكام وتقدير..
آية رقم ٢٠
من مشهد المكابرة. وكان ميدانه السماء. إلى معرض الآيات الكونية مبدوءا بمشهد السماء. فمشهد الأرض. فمشهد الرياح اللواقح بالماء. فمشهد الحياة والموت. فمشهد البعث والحشر.. كل أولئك آيات يكابر فيها من لو فتح عليهم باب من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا : إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون. فلنعرضها مشهدا مشهدا كما هي في السياق :
ويشترك في ظل التضخيم جمع( معايش ) وتنكيرها، وكذلك ( ومن لستم له برازقين )من كل ما في الأرض من أحياء على وجه الإجمال والإبهام. فكلها تخلع ظل الضخامة الذي يجلل المشهد المرسوم.
والآية الكونية هنا تتجاوز الآفاق إلى الأنفس. فهذه الأرض الممدودة للنظر والخطو ؛ وهذه الرواسي الملقاة على الأرض، تصاحبها الإشارة إلى النبت الموزون ؛ ومنه إلى المعايش التي جعلها الله للناس في هذه الأرض. وهي الأرزاق المؤهلة للعيش والحياة فيها. وهي كثيرة شتى، يجملها السياق هنا ويبهمها لتلقي ظل الضخامة كما أسلفنا. جعلنا لكم فيها معايش، وجعلنا لكم كذلك ( من لستم له برازقين ). فهم يعيشون على أرزاق الله التي جعلها لهم في الأرض. وما أنتم إلا أمة من هذه الأمم التي لا تحصى. أمة لا ترزق سواها إنما الله يرزقها ويرزق سواها، ثم يتفضل عليها فيجعل لمنفعتها ومتاعها وخدمتها أمما أخرى تعيش من رزق الله، ولا تكلفها شيئا
من مشهد المكابرة. وكان ميدانه السماء. إلى معرض الآيات الكونية مبدوءا بمشهد السماء. فمشهد الأرض. فمشهد الرياح اللواقح بالماء. فمشهد الحياة والموت. فمشهد البعث والحشر.. كل أولئك آيات يكابر فيها من لو فتح عليهم باب من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا : إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون. فلنعرضها مشهدا مشهدا كما هي في السياق :
هذه الأرزاق - ككل شيء - مقدرة في علم الله، تابعة لأمره ومشيئته، يصرفها حيث يشاء وكما يريد، في الوقت الذي يريده حسب سنته التي ارتضاها، وأجراها في الناس والأرزاق :
( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه، وما ننزله إلا بقدر معلوم )..
فما من مخلوق يقدر على شيء أو يملك شيئا، إنما خزائن كل شيء - مصادره وموارده - عند الله. في علاه. ينزله على الخلق في عوالمهم ( بقدر معلوم )فليس من شيء ينزل جزافا، وليس من شيء يتم اعتباطا.
ومدلول هذا النص المحكم :( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) يتجلى بوضوح أكثر كلما تقدم الإنسان في المعرفة، وكلما اهتدى إلى أسرار تركيب هذا الكون وتكوينه. ومدلول( خزائنه ) يتجلى في صورة أقرب بعدما كشف الإنسان طبيعة العناصر التي يتألف منها الكون المادي ؛ وطبيعة تركيبها وتحليلها - إلى حد ما - وعرف مثلا أن خزائن الماء الأساسية هي ذرات الايدروجين والأكسوجين ! وأن من خزائن الرزق المتمثل في النبات الأخضر كله ذلك الآزوت الذي في الهواء ! وذلك الكربون وذلك الأكسجين المركب في ثاني أكسيد الكربون ! وتلك الأشعة التي ترسل بها الشمس أيضا ! ومثل هذا كثير يوضح دلالة خزائن الله التي توصل الإنسان إلى معرفة شيء منها.. وهو شيء على كثرته قليل قليل...
من مشهد المكابرة. وكان ميدانه السماء. إلى معرض الآيات الكونية مبدوءا بمشهد السماء. فمشهد الأرض. فمشهد الرياح اللواقح بالماء. فمشهد الحياة والموت. فمشهد البعث والحشر.. كل أولئك آيات يكابر فيها من لو فتح عليهم باب من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا : إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون. فلنعرضها مشهدا مشهدا كما هي في السياق :
ومما يرسله الله بقدر معلوم الرياح والماء :
( وأرسلنا الرياح لواقح، فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه. وما أنتم له بخازنين )
أرسلنا الرياح لواقح بالماء، كما تلقح الناقة بالنتاج ؛ فأنزلنا من السماء ماء مما حملت الرياح، فأسقيناكموه فعشتم به :
( وما أنتم له بخازنين )..
فما من خزائنكم جاء، إنما جاء من خزائن الله ونزل منها بقدر معلوم.
والرياح تنطلق وفق نواميس كونية، وتحمل الماء وفقا لهذه النواميس ؛ وتسقط الماء كذلك بحسبها. ولكن من الذي قدر هذا كله من الأساس ؟ لقد قدره الخالق، ووضع الناموس الكلي الذي تنشأ عنه كل الظواهر :
( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه، وما ننزله إلا بقدر معلوم ).
ونلحظ في التعبير أنه يرد كل حركة إلى الله حتى شرب الماء.. ( فأسقيناكموه ).. والمقصود أننا جعلنا خلقتكم تطلب الماء، وجعلنا الماء صالحا لحاجتكم، وقدرنا هذا وذاك. وأجريناه وحققناه بقدر الله. والتعبير يجيء على هذا النحو لتنسيق الجو كله، ورجع الأمر كله إلى الله حتى في حركة تناول الماء للشراب. لأن الجو جو تعليق كل شيء في هذا الكون بإرادة الله المباشرة وقدره المتعلق بكل حركة وحادث.. سنة الله هنا في حركات الأفلاك كسنته في حركات الأنفس.. تضمن المقطع الأول سنته في المكذبين، وتضمن المقطع الثاني سنته في السماوات والأرضين، وفي الرياح والماء والاستقاء. وكله من سنة الله التي يجري بها قدر الله. وهذه وتلك موصولتان بالحق الكبير الذي خلق الله به السماوات والأرض والناس والأشياء سواء.
آية رقم ٢٣
من مشهد المكابرة. وكان ميدانه السماء. إلى معرض الآيات الكونية مبدوءا بمشهد السماء. فمشهد الأرض. فمشهد الرياح اللواقح بالماء. فمشهد الحياة والموت. فمشهد البعث والحشر.. كل أولئك آيات يكابر فيها من لو فتح عليهم باب من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا : إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون. فلنعرضها مشهدا مشهدا كما هي في السياق :
ثم يتم السياق رجع كل شيء إلى الله، فيرد إليه الحياة والموت، والأحياء والأموات، والبعث والنشور.
( وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون. ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين. وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم )..
وهنا يلتقي المقطع الثاني بالمقطع الأول. فهناك قال :
( وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم، ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون )..
وهنا يقرر أن الحياة والموت بيد الله، وأن الله هو الوارث بعد الحياة.
آية رقم ٢٤
من مشهد المكابرة. وكان ميدانه السماء. إلى معرض الآيات الكونية مبدوءا بمشهد السماء. فمشهد الأرض. فمشهد الرياح اللواقح بالماء. فمشهد الحياة والموت. فمشهد البعث والحشر.. كل أولئك آيات يكابر فيها من لو فتح عليهم باب من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا : إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون. فلنعرضها مشهدا مشهدا كما هي في السياق :
( ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين )
وأنه هو يعلم من كتب عليهم أن يستقدموا فيتوفوا، ومن كتب عليهم أن يؤجلوا فيستأخروا في الوفاة.
آية رقم ٢٥
من مشهد المكابرة. وكان ميدانه السماء. إلى معرض الآيات الكونية مبدوءا بمشهد السماء. فمشهد الأرض. فمشهد الرياح اللواقح بالماء. فمشهد الحياة والموت. فمشهد البعث والحشر.. كل أولئك آيات يكابر فيها من لو فتح عليهم باب من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا : إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون. فلنعرضها مشهدا مشهدا كما هي في السياق :
( وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم )
وأنه هو الذي يحشرهم في النهاية، وإليه المصير :
( إنه حكيم عليم ).
يقدر لكل أمة أجلها بحكمته، ويعلم متى تموت، ومتى تحشر، وما بين ذلك من أمور..
ونلاحظ في هذا المقطع وفي الذي قبله تناسقا في حركة المشهد. في تنزيل الذكر. وتنزيل الملائكة. وتنزيل الرجوم للشياطين. وتنزيل الماء من السماء.. ثم في المجال الذي يحيط بالأحداث والمعاني، وهو مجال الكون الكبير : السماء والبروج والشهب، والأرض والرواسي والنبات، والرياح والمطر.. فلما ضرب مثلا للمكابرة جعل موضوعه العروج من الأرض إلى السماء خلال باب منها مفتوح في ذات المجال المعروض. وذلك من بدائع التصوير في هذا الكتاب العجيب.
آية رقم ٢٦
هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.
آية رقم ٢٧
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٦:م٢٦

فلنمض إلى مشاهد القصة في هذا المجال :

( ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون. والجان خلقناه من قبل من نار السموم )
وفي هذا الافتتاح يقرر اختلاف الطبيعتين بين الصلصال - وهو الطين اليابس الذي يصلصل عند نقره، المتخذ من الطين الرطب الآسن - والنار الموسومة بأنها شعواء سامة.. نار السموم.. وفيما بعد سنعلم أن طبيعة الإنسان قد دخل فيها عنصر جديد هو النفخة من روح الله، أما طبيعة الشيطان فبقيت من نار السموم.
( وإذ قال ربك للملائكة : إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين. قال : يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين ؟ قال : لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون. قال : فأخرج منها فإنك رجيم، وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين )
خ٤٨


( والجان خلقناه من قبل من نار السموم )
هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.
( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ )
وإذ قال ربك للملائكة.. متى قال ؟، وأين قال ؟ وكيف قال ؟ كل أولئك قد أجبنا عنه في سورة البقرة في الجزء الأول من هذه الظلال. إنه لا سبيل إلى الإجابة، لأنه ليس لدينا نص يجيب. وليس لنا من سبيل إلى ذلك الغيب إلا بنص، وكل ما عدا ذلك ضرب في التيه بلا دليل
فأما خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون والنفخ فيه من روح الله فكيف كان ؟ فهو كذلك ما لا ندري كيفيته، ولا سبيل إلى تحديد هذه الكيفية بحال من الأحوال.
وقد يقال بالإحالة إلى نصوص القرآن الأخرى في هذه القضية، وبخاصة قوله : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. وقوله : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من ماء مهين. أن أصل الإنسان وأصل الحياة كلها من طين هذه الأرض ؛ ومن عناصره الرئيسية التي تتمثل بذاتها في تركيب الإنسان الجسدي وتركيب الأحياء أجمعين. وأن هنالك أطوارا بين الطين والإنسان تشير إليها كلمة " سلالة ". وإلى هنا وتنتهي دلالة النصوص، فكل زيادة تحمل عليها ضرب من التمحل ليس القرآن في حاجة إليه. وللبحث العلمي أن يمضي في طريقه بوسائله الميسرة له، ، فيصل إلى ما يصل إليه من فروض ونظريات، يحقق منها ما يجد إلى تحقيقه سبيلا مضمونة، ويبدل منها ما لا يثبت على البحث والتمحيص. غير متعارض في أية نتيجة يحققها مع الحقيقة الأولية التي تضمنها القرآن ؛ وهي ابتداء خلق هذه السلالة من عناصر الطين ودخول الماء في تركيبها على وجه اليقين.
فأما كيف ارتقى هذا الطين من طبيعته العنصرية المعروفة إلى أفق الحياة العضوية أولا، وإلى أفق الحياة الإنسانية أخيرا ؟ فهنا السر الذي يعجز عن تعليله البشر أجمعون. وما يزال سر الحياة في الخلية الأولى خافيا لا يزعم أحد أنه اهتدى إليه. فأما سر الحياة الإنسانية العليا بما فيها من مدارك وإشراقات وطاقات متميزة على الخلائق الحيوانية جميعا، تفوقا حاسما فاصلا منذ بدء ظهور الإنسان. فأما هذا السر فما تزال النظريات تخبط حوله ولا تملك الآن أن تنكر تفرد الإنسان بخصائصه منذ نشأته كما أنها لا تملك أن تثبت الصلة المباشرة بينه وبين أي كائن قبله، مما يزعم بعضها أن الإنسان " تطور " عنه. كما أنها لا تملك نفي الاحتمال الآخر : وهو نشأة الأجناس منفصلة منذ البدء - وإن كان بعضها أرقى من بعض - ثم نشأة هذا الإنسان متفردا منذ البدء أيضا. والقرآن الكريم يفسر لنا ذلك التفرد، هذا التفسير المجمل الواضح البسيط :
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..

آية رقم ٢٩
هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.
( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي )
فهي روح الله تنقل هذا التكوين العضوي الوضيع إلى ذلك الأفق الإنساني الكريم، منذ بدء التكوين، وتجعله ذلك الخلق المتفرد الذي توكل إليه الخلافة في الأرض بحكم تفرد خصائصه منذ بدء التكوين.
كيف ؟..
ومتى كان في نطاق هذا المخلوق الإنساني أن يدرك كيف يفعل الخالق العظيم ؟
وهنا نصل إلى الأرض الصلبة التي نستوي عليها مطمئنين..
لقد كان خلق الشيطان - من قبل - من نار السموم. فهو سابق إذن للإنسان في الخلق. هذا ما نعلمه. أما كيف هو وكيف كان خلقه. فذلك شأن آخر. ليس لنا أن نخوض فيه. إنما ندرك من صفاته بعض صفات نار السموم. ندرك من صفاته التأثير في عناصر الطين بحكم أنه من النار. والأذى والمسارعة فيه بحكم أنها نار السموم. ثم تنكشف لنا من ثنايا القصة صفة الغرور والاستكبار. وهي ليست بعيدة في التصور عن طبيعة النار !
ولقد كان خلق الإنسان من عناصر هذا الطين اللزج المتحول إلى صلصال ؛ ثم من النفخة العلوية التي فرقت بينه وبين سائر الأحياء ؛ ومنحته خصائصه الإنسانية، التي أفردته منذ نشأته عن كل الكائنات الحية ؛ فسلك طريقا غير طريقها منذ الابتداء. بينما بقيت هي في مستواها الحيواني لا تتعداه !
هذه النفخة التي تصله بالملأ الأعلى ؛ وتجعله أهلا للاتصال بالله، وللتلقي عنه ؛ ولتجاوز النطاق المادي الذي تتعامل فيه العضلات والحواس، إلى النطاق التجريدي الذي تتعامل فيه القلوب والعقول. والتي تمنحه ذلك السر الخفي الذي يسرب به وراء الزمان والمكان، ووراء طاقة العضلات والحواس، إلى ألوان من المدركات وألوان من التصورات غير محدودة في بعض الأحيان.
ذلك كله مع ثقلة الطين في طبعه، ومع خضوعه لضرورات الطين وحاجاته : من طعام وشراب ولباس وشهوات ونزوات. ومن ضعف وقصور وما ينشئه الضعف والقصور من تصورات ونزعات وحركات.. هذا مع أن هذا الكائن " مركب " منذ البدء من هذين الأفقين اللذين لا ينفصلان فيه. طبيعته طبيعة " المركب " لا طبيعة " المخلوط " أو الممزوج !.. " ولا بد من ملاحظة هذه الحقيقة ودقة تصورها كلما تحدثنا عن تركيب الإنسان من الطين ومن النفخة العلوية التي جعلت منه هذا المخلوق الفريد التكوين.. إنه لا انفصال بين هذين الأفقين في تكوينه، ولا تصرف لأحدهما بدون الآخر في حالة واحدة من حالاته. إنه لا يكون طينا خالصا في لحظة، ولا يكون روحا خالصا في لحظة ؛ ولا يتصرف تصرفا واحدا إلا بحكم تركيبه الذي لا يقع فيه الانفصال !
والتوازن بين خصائص العناصر الطينية فيه والعناصر العلوية هو الأفق الأعلى الذي يطلب إليه أن يبلغه، وهو الكمال البشري المقدر له. فليس مطلوبا منه أن يتخلى عن طبيعة أحد عنصريه ومطالبه ليكون ملكا أو ليكون حيوانا. وليس واحد منهما هو الكمال المنشود للإنسان. والارتفاع الذي يخل بالتوازن المطلق نقص بالقياس إلى هذا المخلوق وخصائصه الأصيلة، والحكمة التي من أجلها خلق على هذا النحو الخاص.
والذي يحاول أن يعطل طاقاته الجسدية الحيوية هو كالذي يحاول أن يعطل طاقاته الروحية الطليقة.. كلاهما يخرج على سواء فطرته ؛ ويريد من نفسه ما لم يرده الخالق له. وكلاهما يدمر نفسه بتدمير ذلك المركب في كيانها الأصيل. وهو محاسب أمام الله على هذا التدمير.
من أجل هذا أنكر الرسول [ ص ] على من أراد أن يترهبن فلا يقرب النساء، ومن أراد أن يصوم الدهر فلا يفطر، ومن أراد أن يقوم الليل فلا ينام. أنكر عليهم كما ورد في حديث عائشة - رضي الله عنها - وقال :" فمن رغب عن سنتي فليس مني ".
وقد أقام الإسلام شريعته للإنسان على أساس تكوينه ذاك ؛ وأقام له عليها نظاما بشريا لا تدمر فيه طاقة واحدة من طاقات البشر. إنما قصارى هذا النظام أن يحقق التوازن بين هذه الطاقات، لتعمل جميعها في غير طغيان ولا ضعف ؛ ولا اعتداء من إحداها على الأخرى. فكل اعتداء يقابله تعطيل. وكل طغيان يقابله تدمير.
والإنسان حفيظ على خصائص فطرته ومسؤول عنها أمام الله. والنظام الذي يقيمه الإسلام للناس حفيظ على هذه الخصائص التي لم يهبها الله جزافا للإنسان.
والذي يريد قتل النوازع الفطرية الحيوانية في الإنسان يدمر كيانه المتفرد. ومثله الذي يريد قتل النوازع الفطرية الخاصة بالإنسان دون الحيوان من الاعتقاد في الله والإيمان بالغيب الذي هو من خصائص الإنسان.. والذي يسلب الناس عقائدهم يدمر كينونتهم البشرية، كالذي يسلب الناس طعامهم وشرابهم ومطالبهم الحيوية سواء.. كلاهما عدو " للإنسان " يجب أن يطارده كما يطارد الشيطان !
إن الإنسان حيوان وزيادة.. فله مثل مطالب الحيوان، وله ما يقابل هذه الزيادة. وليست هذه المطالب دون هذه هي " المطالب الأساسية " كما يزعم أعداء الإنسان من أصحاب المذاهب المادية " العلمية ".
هذه بعض الخواطر التي تطلقها في النفس حقيقة تكوين الإنسان، كما يقررها القرآن. نمر بها سراعا، حتى لا نوقف تدفق النص القرآني في عرض مشاهد القصة الكبرى، راجين أن نعود إليها ببعض التعقيبات في نهايتها :
لقد قال الله للملائكة :" إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين.. "
وقد كان ما قاله الله. فقوله - تعالى - إرادة. وتوجه الإرادة ينشيء الخلق المراد. ولا نملك أن نسأل كيف تلبست نفخة الله الأزلي الباقي بالصلصال المخلوق الفاني. فالجدل على هذا النحو عبث عقلي. بل عبث بالعقل ذاته، وخروج به عن الدائرة التي يملك فيها أسباب التصور والإدراك والحكم. وكل ما ثار من الجدل حول هذا الموضوع وكل ما يثور إن هو إلا جهل بطبيعة العقل البشري وخصائصه وحدوده، وإقحام له في غير ميدانه، ليقيس عمل الخالق إلى مدركات الإنسان، وهو سفه في إنفاق الطاقة العقلية، وخطأ في المنهج من الأساس. إنه يقول : كيف يتلبس الخالد بالفاني، وكيف يتلبس الأزلي بالحادث ؟ ثم ينكر أو يثبت ويعلل ! بينما العقل الإنساني ليس مدعوا أصلا للفصل في الموضوع. لأن الله يقول : إن هذا قد كان. ولا يقول : كيف كان. فالأمر إذن ثابت ولا يملك العقل البشري أن ينفيه. وكذلك هو لا يملك أن يثبته بتفسير من عنده - غير التسليم بالنص - لأنه لا يملك وسائل الحكم. فهو حادث. والحادث لا يملك وسائل الحكم على الأزلي في ذاته، ولا على الأزلي في خلقه للحادث. وتسليم العقل ابتداء بهذه البديهية أو القضية - وهي أن الحادث لا يملك وسائل الحكم على الأزلي في أي صورة من صوره. يكفي ليكف العقل عن إنفاق طاقته سفها في غير مجاله المأمون.

فلننظر بعد ذلك ماذا كان :

( فسجد الملائكة كلهم أجمعون )..
كما هي طبيعة هذا الخلق - الملائكة - الطاعة المطلقة بلا جدل أو تعويق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..

آية رقم ٣١
هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.
( إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين ).
وإبليس خلق آخر غير الملائكة. فهو من نار وهم من نور. وهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وهو أبى وعصى. فليس هو من الملائكة بيقين. أما الاستثناء هنا فليس على وجهه. إنما هو كما تقول : حضر بنو فلان إلا أحمد. وليس منهم. إنما هو معهم في كل مكان أو ملابسة. وأما أن الأمر المذكور للملائكة :( وإذ قال ربك للملائكة ).. فكيف شمل إبليس ؟ فإن صدور الأمر إلى إبليس يدل عليه ما بعده، وقد ذكر صريحا في سورة الأعراف :( قال : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ؟ ).. وأسلوب القرآن يكتفي بالدلالة اللاحقة في كثير من المواضع. فقول الله تعالى له :( ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ؟ ).. قاطع في أن الأمر قد صدر له. وليس من الضروري أن يكون هذا الأمر هو أمره للملائكة. فقد يصدر إليه معهم لاجتماعه بهم في ملابسة ما. وقد يصدر إليه منفردا ولا يذكر تهوينا لشأنه وإظهارا للملائكة في الموقف. ولكن المقطوع به من النصوص ومن دلالة تصرفه أنه ليس من الملائكة. وهذا ما نختاره.
وعلى أية حال فنحن نتعامل هنا مع مسلمات غيبية لا نملك تصور ماهياتها ولا كيفياتها في غير حدود النصوص. لأن العقل كما أسلفنا لا سبيل له في هذا المجال بحال من الأحوال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..

آية رقم ٣٢
هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.
( قال : يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين ؟ )
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..

هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.
( قال : لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون )..
وصرحت طبيعة الغرور والاستكبار والعصيان في ذلك المخلوق من نار السموم. وذكر إبليس الصلصال والحمأ، ولم يذكر النفخة العلوية التي تلابس هذا الطين. وتشامخ برأسه المغرور يقول : إنه ليس من شأنه في عظمته أن يسجد لبشر خلقه الله من صلصال من حمأ مسنون !.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..

آية رقم ٣٤
هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.

وكان ما ينبغي أن يكون :

( قال : فاخرج منها فإنك رجيم )،
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..

آية رقم ٣٥
هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.
( وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين )..
جزاء العصيان والشرود.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..

آية رقم ٣٦
هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.

عندئذ تتبدى خليفة الحقد وخليقة الشر :

( قال : رب فأنظرني إلى يوم يبعثون. قال : فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم )..
لقد طلب النظرة إلى يوم البعث، لا ليندم على خطيئته في حضرة الخالق العظيم، ولا ليتوب إلى الله ويرجع ويكفر عن إثمه الجسيم. ولكن لينتقم من آدم وذريته جزاء ما لعنه الله وطرده. يربط لعنة الله له بآدم، ولا يربطها بعصيانه لله في تبجح نكير !
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..

آية رقم ٣٧
هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.
( قال : فإنك من المنظرين )
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..

آية رقم ٣٨
هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.
( إلى يوم الوقت المعلوم )
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..

هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.
( قال : رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين )
وبذلك حدد إبليس ساحة المعركة. إنها الأرض :
( لأزينن لهم في الأرض )..
وحدد عدته فيها إنه التزيين. تزيين القبيح وتجميله، والإغراء بزينته المصطنعة على ارتكابه. وهكذا لا يجترح الإنسان الشر إلا وعليه من الشيطان مسحة تزينه وتجمله، وتظهره في غير حقيقته وردائه. فليفطن الناس إلى عدة الشيطان ؛ وليحذروا كلما وجدوا في أمر تزيينا، وكلما وجدوا من نفوسهم إليه اشتهاء. ليحذروا فقد يكون الشيطان هناك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..

آية رقم ٤٠
هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.
إلا أن يتصلوا بالله ويعبدوه حق عبادته، فليس للشيطان - بشرطه هو - على عباد الله المخلصين من سبيل :
( ولأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين )..
والله يستخلص لنفسه من عباده من يخلص نفسه لله، ويجردها له وحده، ويعبده كأنه يراه. وهؤلاء ليس للشيطان عليهم من سلطان.
هذا الشرط الذي قرره إبليس - اللعين - قرره وهو يدرك أن لا سبيل إلى سواه، لأنه سنة الله أن يستخلص لنفسه من يخلص له نفسه، وأن يحميه ويرعاه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..

آية رقم ٤١
هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.

ومن ثم كان الجواب :

( هذا صراط علي مستقيم. إن عبادي ليس لك عليهم سلطان. إلا من اتبعك من الغاوين )
هذا صراط. هذا ناموس. هذه سنة. وهي السنة التي ارتضتها الإرادة قانونا وحكما في الهدى والضلال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..

هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.
( إن عبادي ) المخلصين لي( ليس لك عليهم سلطان )، ولا لك فيهم تأثير، ولا تملك أن تزين لهم لأنك عنهم محصور، ولأنهم منك في حمى، ولأن مداخلك إلى نفوسهم مغلقة، وهم يعلقون أبصارهم بالله، ويدركون ناموسه بفطرتهم الواصلة إلى الله. إنما سلطانك على من اتبعك من الغاوين الضالين. فهو استثناء مقطوع لأن الغاوين ليسوا جزءا من عباد الله المخلصين. إن الشيطان لا يتلقف إلا الشاردين كما يتلقف الذئب الشاردة من القطيع. فأما من يخلصون أنفسهم لله، فالله لا يتركهم للضياع. ورحمة الله أوسع ولو تخلفوا فإنهم يثوبون من قريب !
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..

آية رقم ٤٣
هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.
فأما العاقبة. عاقبة الغاوين. فهي معلنة في الساحة منذ البدء :
( وإن جهنم لموعدهم أجمعين. لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ).
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..

آية رقم ٤٤
هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.
( لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ )
فهؤلاء الغاوون صنوف ودرجات. والغواية ألوان وأشكال. ولكل باب منهم جزء مقسوم، بحسب ما يكونون وما يعملون.
وينتهي المشهد وقد وصل السياق بالقصة إلى نقطة التركيز وموضع العبرة. ووضح كيف يسلك الشيطان طريقه إلى النفوس. وكيف تغلب خصائص الطين في الإنسان على خصائص النفخة. فأما من يتصل بالله ويحتفظ بنفخة روحه فلا سلطان عليه للشيطان..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..

آية رقم ٤٥
هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.
وبمناسبة ذكر مصير الغاوين يذكر مصير المخلصين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين. ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين ).
والمتقون هم الذين يرقبون الله ويقون أنفسهم عذابه وأسبابه. ولعل العيون في الجنات تقابل في المشهد تلك الأبواب في جهنم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..

آية رقم ٤٦
هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.
( ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ )
وهم يدخلون الجنات بسلام آمنين في مقابل الخوف والفزع هناك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..

هنا نجيء إلى قصة البشرية الكبرى : قصة الفطرة الأولى. قصة الهدى والضلال وعواملها الأصيلة. قصة آدم. مم خلق ؟ وماذا صاحب خلقه وتلاه ؟
ولقد مرت بنا هذه القصة في الظلال معروضة مرتين من قبل. في سورة البقرة، وفي سورة الأعراف. ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، واختلفت الظلال، واختلف الإيقاع. مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف.
تشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث ؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها :
ففي سورة البقرة سبقها في السياق :( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم استوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم )..
وفي سورة الأعراف سبقها :( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون ).
وهنا سبقها :( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين )..
ولكن السياق الذي وردت فيه القصة في كل سورة كان مختلف الوجهة والغرض..
في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا :
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ).. ومن ثم عرض من القصة أسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره :( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ؟ ).. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره. وسكنى آدم وزوجه الجنة. وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها. ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها، بعد تزويدهما بهذه التجربة القاسية، واستغفارهما وتوبة الله عليهما... وعقب على القصة بدعوة بني إسرائيل لذكر نعمة الله عليهم والوفاء بعهده معهم، فكان هذا متصلا باستخلاف أبيهم الأكبر في الأرض، وعهده معه، والتجربة القاسية لأبي البشر..
وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ؛ وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها. حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولي. ففريق منهم يعودون إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها لأنهم عادوه وخالفوه. وفريق ينتكس إلى النار لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود.. ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة وإباء ابليس واستكباره. وطلبه من الله أن ينظره إلى يوم البعث، ليغوي أبناء آدم الذي من أجله طرد. ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة، هي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة. ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما، وعتاب الله لآدم وزوجه، وإهباطهم إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى :( قال : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، قال : فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ).. ثم تابع السياق الرحلة كلها حتى يعود الجميع كرة أخرى. وعرضهم في الساحة الكبرى مع التفصيل والحوار. ثم انتهى فريق إلى الجنة وفريق إلى النار :( ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله. قالوا : إن الله حرمهما على الكافرين ).. وأسدل الستار..
فأما هنا في هذه السورة فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان.. ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ؛ وخلق الشيطان من قبل من نار السموم. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وطرده ولعنته. وطلبه الإنظار إلى يوم البعث وإجابته. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل. تبعا لنقطة التركيز في السياق، وقد استوفيت ببيان عنصري الإنسان، وبيان مجال سلطة الشيطان.
( ونزعنا ما في صدورهم من غل )،
في مقابل الحقد الذي يغلي به صدر إبليس فيما سلف من السياق.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..

آية رقم ٤٨
تعقيب علي قصة آدم في السورة
وبعد، فإن قصة البشرية الكبرى - كما تعرض في هذا السياق القرآني - تستحق تعقيبات مفصلة لا نملك أن نستطرد فيها - في ظلال القرآن - فنكتفي أن نلم بها إلماما، على قدر المناسبة :
إن دلالتها واضحة على طبيعة تكوين هذا الخلق المسمى بالإنسان. فهو تكوين خاص متفرد، يزيد على مجرد التركيب العضوي الحيوي، الذي يشترك فيه مع بقية الأحياء. وأيا كانت نشأة الحياة، ونشأة الأحياء ؛ فإن الخلق الإنساني يتفرد بخاصية أخرى هي التي ورد بها النص القرآني.. خاصية الروح الإلهي المودع فيه.. وهي الخاصية التي تجعل من هذا الإنسان إنسانا، يتفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى. وهي قطعا ليست مجرد الحياة. فهو يشترك في " الحياة " مع سائر الأحياء. ولكنها خاصية الروح الزائد عن مجرد الحياة.
هذه الخاصية - كما يلهم النص القرآني - لم تجيء للإنسان بعد مراحل أو أطوار من نشأته - كما تزعم الدارونية - ولكنها جاءت مصاحبة لخلقه ونشأته. فلم يجيء على هذا الكائن الإنساني زمان كان فيه مجرد حي من الأحياء - بلا روح إنساني خاص - ثم دخلته هذه الروح، فصار بها هو هذا الإنسان !
ولقد اضطرت الدارونية الحديثة - على يد جوليان هاكسلي - أن تعترف بشطر من هذه الحقيقة الكبيرة ؛ وهي تقرر " تفرد الإنسان " من الناحية الحيوية والوظيفية. ومن ثم تفرده من الناحية العقلية، وما نشأ عن ذلك كله من تفرده من الناحية الحضارية..
ولكنها ظلت تزعم أن هذا الإنسان المتفرد متطور عن حيوان !
والتوفيق عسير بين ما انتهت إليه الداروينية الحديثة من تفرد الإنسان، وبين القاعدة التي تقوم عليها الداروينية - قاعدة التطور المطلق وتطور الإنسان عن الحيوان - ولكن الداروينيين ومن والاهم لا يزالون مصرين على ذلك الاندفاع - غير العلمي - الذي صبغوه بصبغة العلم، في دفعة الانسلاخ من كل مقررات الكنيسة ! والذي شجع اليهود على نشره وتمكينه وتثبيته، وإضفاء الصبغة " العلمية " عليه لغرض في نفوسهم ؛ ولغاية في مخططاتهم !
ولقد سبق أن تحدثنا عن هذه القضية، ونحن نواجه النصوص القرآنية المشابهة في سورة الأعراف في هذه الظلال ؛ فنقتطف هذه الفقرات مما سبق تقريره هناك :
" وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحبا لخلقه. وأن الترقي " الإنساني " كان ترقيا في بروز هذه الخصائص، ونموها، وتدريبها، واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقيا في " وجود " الإنسان.. من تطور الأنواع حتى انتهت إلى الإنسان.. كما تقول الداروينية.
" ووجود أنواع مترقية من الحيوان تتبع ترتيبا زمنيا - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية " ظنية " وليست " يقينية " لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنا ! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها !
" على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود " أنواع " من الحيوان، في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة في حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة [ وظهور أنواع أخرى أكثر ملاءمة للظروف السائدة ].. ولكن هذا لا " يحتم " أن يكون بعضها " متطورا " من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا، لا تستطيع أن تثبت- في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطورا عضويا من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعا أرقى من النوع الذي قبله زمنيا.. وهذا يمكن تعليله بما قلنا من أن الظروف السائدة في الأرض كان بما فيها ما يسمونه هناك :" الاشتراكية العلمية " فإن هو إلا إفراز خبيث من إفرازات المادية الحقيرة المحتقرة للإنسان الذي كرمه الله.
والمعركة الخالدة بين الشيطان والإنسان في هذه الأرض ترتكز ابتداء إلى استدراج الشيطان للإنسان بعيدا عن منهج الله ؛ والتزيين له فيما عداه. استدراجه إلى الخروج من عبادة الله - أي الدينونة له في كل ما شرع من عقيدة وتصور، وشعيرة ونسك، وشريعة ونظام - فأما الذين يدينون له وحده - أي يعبدونه وحده - فليس للشيطان عليهم من سلطان.. ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان )..
ومفرق الطريق بين الاتجاه إلى الجنة التي وعد بها المتقون ؛ وبين الاتجاه إلى جهنم التي وعد بها الغاوون، هو الدينونة لله وحده - التي يعبر عنها في القرآن دائما بالعبادة - أو اتباع تزيين الشيطان بالخروج على هذه الدينونة.
والشيطان نفسه لم يكن ينكر وجود الله سبحانه، ولا صفاته.. أي إنه لم يكن يلحد في الله من ناحية العقيدة ! إنما الذي فعله هو الخروج على الدينونة لله.. وهذا هو ما أورده جهنم هو ومن اتبعه من الغاوين.
إن الدينونة لله وحده هي مناط الإسلام. فلا قيمة لإسلام يدين أصحابه لغير الله في حكم من الأحكام. وسواء كان هذا الحكم خاصا بالاعتقاد والتصور. أو خاصا بالشعائر والمناسك. أو خاصا بالشرائع والقوانين. أو خاصا بالقيم والموازين... فهو سواء.. الدينونة فيه لله هي الإسلام. والدينونة فيه لغير الله هي الجاهلية الذاهبة مع الشيطان.
ولا يمكن تجزئة هذه الدينونة ؛ واختصاصها بالاعتقاد والشعائر دون النظام والشرائع. فالدينونة لله كل لا يتجزأ. وهي العبادة لله في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي على السواء.. وعليها تدور المعركة الخالدة بين الإنسان والشيطان !
وأخيرا نقف أمام اللفتة الصادقة العميقة في قوله تعالى عن المتقين :
( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين. لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين )..
إن هذا الدين لا يحاول تغيير طبيعة البشر في هذه الأرض ؛ ولا تحويلهم خلقا آخر. ومن ثم يعترف لهم بأنه كان في صدورهم غل في الدنيا ؛ وبأن هذا من طبيعة بشريتهم التي لا يذهب بها الإيمان والإسلام من جذورها ؛ ولكنه يعالجها فقط لتخف حدتها، ويتسامى بها لتنصرف إلى الحب في الله والكره في الله - وهل الإيمان إلا الحب والبغض ؟ - ولكنهم في الجنة - وقد وصلت بشريتهم إلى منتهى رقيها وأدت كذلك دورها في الحياة الدنيا - ينزع أصل الإحساس بالغل من صدورهم ؛ ولا تكون إلا الأخوة الصافية الودود..
إنها درجة أهل الجنة.. فمن وجدها في نفسه غالبة في هذه الأرض، فليستبشر بأنه من أهلها، مادام ذلك وهو مؤمن، فهذا هو الشرط الذي لا تقوم بغيره الأعمال..
آية رقم ٤٩
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
آية رقم ٥٠
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
( وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ )
وإنما يذكر العذاب وحده أحيانا أو يقدم في النص لحكمة خاصة في السياق تقتضي إفراده بالذكر أو تقديمه.
آية رقم ٥١
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
( وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ )
ثم تجيء قصة إبراهيم مع الملائكة المرسلين إلى قوم لوط.. وقد وردت هذه الحلقة من قصة إبراهيم وقصة لوط في مواضع متعددة بأشكال متنوعة، تناسب السياق الذي وردت فيه. ووردت قصة لوط وحده في مواضع أخرى.
وقد مرت بنا حلقة من قصة لوط في الأعراف، وحلقة من قصة إبراهيم ولوط في هود.. فأما في الأولى فقد تضمنت استنكار لوط لما يأتيه قومه من الفاحشة، وجواب قومه :( أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ).. وإنجاءه هو وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين. وذلك دون ذكر لمجيء الملائكة إليه وائتمار قومه بهم.. وأما في الثانية فقد جاءت قصة الملائكة مع إبراهيم ولوط مع اختلاف في طريقة العرض. فهناك تفصيل في الجزء الخاص بإبراهيم وتبشيره وامرأته قائمة، وجداله مع الملائكة عن لوط وقومه. وهو ما لم يذكر هنا. وكذلك يختلف ترتيب الحوادث في القسم الخاص بلوط في السورتين.. ففي سورة هود لم يكشف عن طبيعة الملائكة إلا بعد أن جاءه قومه يهرعون إليه وهو يرجوهم في ضيفه فلا يقبلون رجاءه، حتى ضاق بهم ذرعا وقال قولته الأسيفة :( لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ! ). وأما هنا فقدم الكشف عن طبيعة الملائكة منذ اللحظة الأولى، وأخر حكاية القوم وائتمارهم بضيف لوط. لأن المقصود هنا ليس هو القصة بترتيبها الذي وقعت به، ولكن تصديق النذير، وأن الملائكة حين ينزلون فإنما ينزلون للعذاب فلا ينظر القوم ولا يمهلون..
( ونبئهم عن ضيف إبراهيم ).
آية رقم ٥٢
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
( إذ دخلوا عليه فقالوا : سلاما. قال : إنا منكم وجلون. قالوا : لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم. قال : أبشرتموني على أن مسني الكبر ؟ فبم تبشرون ؟ قالوا : بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين. قال : ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ؟ ).
قالوا : سلاما. قال : إنا منكم وجلون.. ولم يذكر هنا سبب قوله، ولم يذكر أنه جاءهم بعجل حنيذ ( فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ).. كما جاء في سورة هود. ذلك أن المجال هنا هو مجال تصديق الرحمة التي ينبيء الله بها عباده على لسان رسوله، لا مجال تفصيلات قصة إبراهيم..
آية رقم ٥٣
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
( قالوا : لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم )..
وهكذا عجلوا له البشرى، وعجل بها السياق دون تفصيل.
آية رقم ٥٤
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
كذلك يثبت هنا رد إبراهيم ولا يدخل امرأته وحوارها في هذه الحلقة :
( قال : أبشرتموني على أن مسني الكبر ؟ فبم تبشرون ؟ )
فقد استبعد إبراهيم في أول الأمر أن يرزق بولد وقد مسه الكبر [ وزوجته كذلك عجوز عقيم كما جاء في مجال آخر ]
آية رقم ٥٥
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.

فرده الملائكة إلى اليقين :

( قالوا : بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين )..
أي من اليائسين.
آية رقم ٥٦
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
فآب إبراهيم سريعا، ونفى عن نفسه القنوط من رحمة الله :
( قال : ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ؟ )
وبرزت كلمة " الرحمة " في حكاية قول إبراهيم تنسيقا مع المقدمة في هذا السياق ؛ وبرزت معها الحقيقة الكلية : أنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون. الضالون عن طريق الله، الذين لا يستروحون روحه، ولا يحسون رحمته، ولا يستشعرون رأفته وبره ورعايته. فأما القلب الندي بالإيمان، المتصل بالرحمن، فلا ييأس ولا يقنط مهما أحاطت به الشدائد، ومهما ادلهمت حوله الخطوب، ومهما غام الجو وتلبد، وغاب وجه الأمل في ظلام الحاضر وثقل هذا الواقع الظاهر.. فإن رحمة الله قريب من قلوب المؤمنين المهتدين. وقدرة الله تنشيء الأسباب كما تنشيء النتائج، وتغير الواقع كما تغير الموعود.
آية رقم ٥٧
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
وهنا - وقد اطمأن إبراهيم إلى الملائكة، وثابت نفسه واطمأنت للبشرى - راح يستطلع سبب مجيئهم وغايته :
( قال : فما خطبكم أيها المرسلون ؟ )
آية رقم ٥٨
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
( قالوا : إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين. إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين، إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين )..
ولا يعرض السياق لجدال إبراهيم عن لوط وقومه هنا كما عرض له في سورة هود. بل يصل إخبار الملائكة له، بالنبأ كله.
آية رقم ٥٩
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
( إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين )
ذلك أنه يصدق رحمة الله بلوط وأهله،
آية رقم ٦٠
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
( إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين )
وعذابه لامرأته وقومه.
آية رقم ٦١
وينتهي بذلك دورهم مع إبراهيم، ويمضون لعملهم مع قوم لوط..
( فلما جاء آل لوط المرسلون، قال : إنكم قوم منكرون ).
( قالوا : بل جئناك بما كانوا فيه يمترون. وأتيناك بالحق وإنا لصادقون. فأسر بأهلك بقطع من الليل، واتبع أدبارهم، ولا يلتفت منكم أحد، وامضوا حيث تؤمرون. وقضينا إليه ذلك الأمر : أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين )..
وهكذا يعجل السياق إخبارهم للوط بأنهم الملائكة، جاءوه بما كان قومه يمترون فيه من أخذهم بذنوبهم وإهلاكهم جزاء ما يرتكبون، تصديقا لوعد الله، وتوكيدا لوقوع العذاب حين ينزل الملائكة بلا إبطاء.
آية رقم ٦٢
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
( قال : إنكم قوم منكرون )..
قالها ضيق النفس بهم، وهو يعرف قومه، ويعرف ماذا سيحاولون بأضيافه هؤلاء، وهو بين قومه غريب، وهم فجرة فاحشون.. إنكم قوم منكرون أن تجيئوا إلى هذه القرية وأهلها مشهورون بما يفعلون مع أمثالكم حين يجيئون !
آية رقم ٦٣
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
( قالوا : بل جئناك بما كانوا فيه يمترون )،
آية رقم ٦٤
( وأتيناك بالحق وإنا لصادقون )..
وهذه التوكيدات كلها تصور لنا جزع لوط وكربه. وهو في حيرة بين واجبه لضيفه وضعفه عن حمايتهم في وجه قومه.
فجاءه التوكيد بعد التوكيد، لإدخال الطمأنينة عليه قبل إلقاء التعليمات إليه :
( فأسر بأهلك بقطع من الليل. واتبع أدبارهم، ولا يلتفت منكم أحد، وامضوا حيث تؤمرون )
والسرى سير الليل، والقطع من الليل جزؤه. وقد كان الأمر للوط أن يسير بقومه في الليل قبل الصبح، وأن يكون هو في مؤخرتهم يتفقدهم ولا يدع أحدا منهم يتخلف أو يتلكأ أو يلتفت إلى الديار على عادة المهاجرين الذين يتنازعهم الشوق إلى ما خلفوا من ديارهم فيتلفتون إليها ويتلكأون.
آية رقم ٦٦
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.

وكان الموعد هو الصبح والصبح قريب :

( وقضينا إليك ذلك الأمر : أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين )..
وأطلعناه على ذلك الأمر الخطير : أن آخر هؤلاء القوم - وهو دابرهم - مقطوع في الصباح. وإذا انقطع آخرهم فقد انقطع أولهم ؛ والتعبير على هذا النحو يصور النهاية الشاملة التي لا تبقي أحدا. فلا بد من الحرص واليقظة كي لا يتخلف أحد ولا يتلفت، فيصيبه ما يصيب أهل المدينة المتخلفين.
آية رقم ٦٧
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
قدم السياق هذه الواقعة في القصة لأنها الأنسب لموضوع السورة كله. ثم أكمل ما حدث من قوم لوط قبلها.
لقد تسامعوا بأن في بيت لوط شبانا صباح الوجوه ففرحوا بأن هناك صيدا :
( وجاء أهل المدينة يستبشرون )..
والتعبير على هذا النحو يكشف عن مدى الشناعة والبشاعة الذي وصل إليه القوم في الدنس والفجور في الفاحشة الشاذة المريضة. يكشف عن هذا المدى في مشهد أهل المدينة يجيئون جماعة، يستبشرون بالعثور على شبان يعتدون عليهم جهرة وعلانية. هذه العلانية الفاضحة في طلب هذا المنكر - فوق المنكر ذاته - شيء بشع لا يكاد الخيال يتصور وقوعه لولا أنه وقع. فقد يشذ فرد مريض فيتوارى بشذوذه، ويتخفى بمرضه، ويحاول الحصول على لذته المستقذرة في الخفاء وهو يخجل أن يطلع عليه الناس. وإن الفطرة السليمة لتتخفى بهذه اللذة حين تكون طبيعية. بل حين تكون شرعية. وبعض أنواع الحيوان يتخفى بها كذلك.. بينما أولئك القوم المنحوسون يجاهرون بها، ويتجمهرون لتحصيلها، ويستبشرون جماعات وهم يتلمظون عليها ! إنها حالة من الارتكاس معدومة النظير.
آية رقم ٦٨
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
( قال : إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون )
فأما لوط فوقف مكروبا يحاول أن يدفع عن ضيفه وعن شرفه.
آية رقم ٦٩
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ )
وقف يستثير النخوة الآدمية فيهم ويستجيش وجدان التقوى لله. وإنه ليعلم أنهم لا يتقون الله، ويعلم أن هذه النفوس المرتكسة المطموسة لم تعد فيها نخوة ولا شعور إنساني يستجاش. ولكنه في كربه وشدته يحاول ما يستطيع :
( قال : إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون، واتقوا الله ولا تخزون ).
آية رقم ٧٠
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
وبدلا من أن يثير هذا في نفوسهم رواسب المروءة والحياة، إذا هم يتبجحون فيؤنبون لوطا على استضافة أحد من الرجال. كأنما هو الجاني الذي هيأ لهم أسباب الجريمة ودفعهم إليها وهم لا يملكون له دفاعا !
( قالوا : أو لم ننهك عن العالمين ؟ )..
آية رقم ٧١
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
ويمضي لوط في محاولته يلوح لهم باتجاه الفطرة السليم إلى الجنس الآخر. إلى الإناث اللواتي جعلهن الله لتلبية هذا الدافع العميق في نظام الحياة ؛ ليكون النسل الذي تمتد به الحياة وجعل تلبية هذا الدافع معهن موضع اللذة السليمة المريحة للجنسين معا - في الحالات الطبيعية - ليكون هذا ضمانا لامتداد الحياة، بدافع من الرغبة الشخصية العميقة.. يمضي لوط في محاولته هذه :
( قال : هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين )..
ولوط النبي لا يعرض بناته على هؤلاء الفجار ليأخذوهن سفاحا. إنما هو يلوح لهم بالطريق الطبيعي الذي ترضاه الفطرة السليمة، لينبه فيهم هذه الفطرة. وهو يعلم أنهم إن ثابوا إليها فلن يطلبوا النساء سفاحا. فهو مجرد هتاف للفطرة السليمة في نفوسهم لعلها تستيقظ على هذا العرض الذي هم عنه معرضون.
آية رقم ٧٢
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
وبينما هذا المشهد معروض. القوم في سعارهم المريض يستبشرون ويتلمظون. ولوط يدافعهم ويستثير نخوتهم، ويستجيش وجدانهم، ويحرك دواعي الفطرة السليمة فيهم، وهم في سعارهم مندفعون..
بينما المشهد البشع معروض على هذا النحو المثير يلتفت السياق خطابا لمن يشهد ذلك المشهد، على طريقة العرب في كلامهم بالقسم :
( لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون )..
لتصوير حالتهم الأصيلة الدائمة التي لا يرجى معها أن يفيقوا ولا أن يسمعوا هواتف النخوة والتقوى والفطرة السليمة.
آية رقم ٧٣
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
ثم تكون الخاتمة. وتحق عليهم كلمة الله :
ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذن منظرين.
وإذا نحن أمام مشهد الدمار والخراب والخسف والهلاك المناسب لتلك الطبائع المقلوبة :
( فأخذتهم الصيحة مشرقين )
آية رقم ٧٤
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
( فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل )..
وقد خسف بقرى لوط بظاهرة تشبه ظاهرة الزلازل أو البراكين وتصاحبها أحيانا ظاهرة الخسف وتناثر أحجار ملوثة بالطين وهبوط مدن بكاملها تسيح في الأرض. ويقال : إن بحيرة لوط الحالية وجدت بعد هذا الحادث، بعد انقلاب عمورة وسدوم في باطن الأرض، وهبوط مكانها وامتلائه بالماء. ولكننا لا نعلل ما وقع لهم بأنه كان زلزالا أو بركانا عابرا مما يقع في كل حين.. فالمنهج الإيماني الذي نحرص عليه في هذه الظلال يبعد كل البعد عن هذه المحاولة !
إننا نعلم علم اليقين أن الظواهر الكونية كلها تجري وفق ناموس الله الذي أودعه هذا الكون. ولكن كل ظاهرة وكل حدث في هذا الكون لا يقع بأية حتمية إنما يقع وفق قدر خاص به. بلا تعارض بين ثبات الناموس وجريان المشيئة بقدر خاص لكل حدث.. كذلك نحن نعلم علم اليقين أن الله سبحانه يجري في حالات معينة أقدارا معينة بأحداث معينة لوجهة معينة. وليس من الضروري أن يكون ذلك الذي دمر قرى لوط زلزال أو بركان عادي ؛ فقد يريد الله أن ينزل بهم ما يشاء، وقتما يشاء، فيكون ما يشاء، وفق ما يشاء.. وهذا هو المنهج الإيماني في تفسير معجزات الرسل أجمعين.
آية رقم ٧٥
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
وقرى لوط تقع في طريق مطروق بين الحجاز والشام يمر عليها الناس. وفيها عظات لمن يتفرس ويتأمل، ويجد العبرة في مصارع الغابرين. وإن كانت الآيات لا تنفع إلا القلوب المؤمنة المتفتحة المستعدة للتلقي والتدبر واليقين :
( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ).
آية رقم ٧٦
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
( وإنها لبسبيل مقيم ).
آية رقم ٧٧
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
( إن في ذلك لآية للمؤمنين )..
وهكذا صدق النذير، وكان نزول الملائكة إيذانا بعذاب الله الذي لا يرد ولا يمهل ولا يحيد.
آية رقم ٧٨
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
كذلك كان الحال مع قوم شعيب - أصحاب الأيكة - ومع قوم صالح - أصحاب الحجر :
( وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين، فانتقمنا منهم. وإنهما لبإمام مبين. ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين ؛ وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين ؛ وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين ؛ فأخذتهم الصيحة مصبحين، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون )..
وقد فصل القرآن قصة شعيب مع قومه : أهل مدين وأصحاب الأيكة في مواضع أخرى. فأما هنا فيشير إشارة إلى ظلمهم وإلى مصرعهم تصديقا لنبأ العذاب، في هذا الشوط، ولإهلاك القرى بعد انقضاء الأجل المعلوم الوارد في مطالع السورة. ومدين والأيكة كانتا بالقرب من قرى لوط
آية رقم ٧٩
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
والإشارة الواردة هنا.. ( وإنهما لبإمام مبين.. ) قد تعني مدين والأيكة، فهما في طريق واضح غير مندثر، وقد تعني قرى لوط السالفة الذكر وقرية شعيب، جمعهما لأنهما في طريق واحد بين الحجاز والشام. ووقوع القرى الداثرة على الطريق المطروق أدعى إلى العبرة، فهي شاهد حاضر يراه الرائح والغادي. والحياة تجري من حولها وهي داثرة كأن لم تكن يوما عامرة. والحياة لا تحفلها وهي ماضية في الطريق !
آية رقم ٨٠
أما أصحاب الحجر فهم قوم صالح، والحجر تقع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وهي ظاهرة إلى اليوم. فقد نحتوها في الصخر في ذلك الزمان البعيد، مما يدل على القوة والأيد والحضارة.
( ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين )..
وهم لم يكذبوا سوى رسولهم صالح. ولكن صالحا ليس إلا ممثلا للرسل أجمعين ؛ فلما كذبه قومه قيل : إنهم كذبوا المرسلين. توحيدا للرسالة وللرسل وللمكذبين. في كل أعصار التاريخ، وفي كل جوانب الأرض، على اختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأقوام.
آية رقم ٨١
( وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين )..
وآية صالح كانت الناقة. ولكن الآيات في هذا الكون كثير. والآيات في هذه الأنفس كثير. وكلها معروضة للأنظار والأفكار. وليست الخارقة التي جاءهم بها صالح هي وحدها الآية التي آتاهم الله. وقد أعرضوا عن آيات الله كلها، ولم يفتحوا لها عينا ولا قلبا، ولم يستشعرها فيهم عقل ولا ضمير.
آية رقم ٨٢
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
( وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين، فأخذتهم الصيحة مصبحين، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون )..
وهذه اللمحة الخاطفة من الأمن في البيوت الحصينة في صلب الجبال، إلى الصيحة التي تأخذهم فلا تبقي لهم مما جمعوا ومما كسبوا ومما بنوا ومما نحتوا شيئا يغني عنهم ويدفع الهلاك الخاطف.. هذه اللمحة تلمس القلب البشري لمسة عنيفة. فما يأمن قوم على أنفسهم أكثر مما يأمن قوم بيوتهم منحوتة في صلب الصخور. وما يبلغ الاطمئنان بالناس في وقت أشد من اطمئنانهم في وقت الصباح المشرق الوديع..
آية رقم ٨٣
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
وها هم أولاء
( فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ )
قوم صالح تأخذهم الصيحة مصبحين وهم في ديارهم الحصينة آمنون. فإذا كل شيء ذاهب، وإذا كل وقاية ضائعة، وإذا كل حصين موهون.. فما شيء من هذا كله بواقيهم من الصيحة. وهي فرقعة ريح أو صاعقة، تلحقهم فتهلكهم في جوف الصخر المتين.
آية رقم ٨٤
يتضمن هذا الدرس نماذج من رحمة الله وعذابه، ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم.
هذا القصص يساق بعد مقدمة : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب.. كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة، فيصدق ما جاء فيها من نذير :( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون. وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ).. فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل.. وكذلك يصدق هذا القصص ما جاء في مطالع السورة في شأن الملائكة حين يرسلون ( وقالوا : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين. ما ننزل الملائكة إلا بالحق، وما كانوا إذن منظرين )
فتبدو السورة وحدة متناسقة، يظاهر بعضها بعضا.. وذلك مع ما هو معلوم من أن السور لم تكن تنزل جملة إلا نادرا، وأن الآيات الواردة فيها لم تكن تنزل متتالية تواليها في المصحف. ولكن ترتيب هذه الآيات في السور ترتيب توقيفي، فلا بد من حكمة في ترتيبها على هذا النسق. وقد كشفت لنا جوانب من هذه الحكمة حتى الآن في السور التي عرضناها في تماسك بنيان السور، واتحاد الجو والظلال في كل سورة.. والعلم بعد ذلك لله. إنما هو اجتهاد. والله الموفق إلى الصواب.
( فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )
وهكذا تنتهي تلك الحلقات الخاطفة من القصص في السورة، محققة سنة الله في أخذ المكذبين عند انقضاء الأجل المعلوم. فتتناسق نهاية هذا الشوط مع نهايات الأشواط الثلاثة السابقة في تحقيق سنة الله التي لا ترد، ولا تتخلف، ولا تحيد.
تلك السنن العامة التي لا تتخلف، والتي تحكم الكون والحياة، وتحكم الجماعات والرسالات، وتحكم الهدى والضلال، وتحكم المصائر والحساب والجزاء. والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها، أو عرض نماذج منه في شتى هذه المجالات.. تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله، وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق.
ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر، الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما. وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها. وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول [ ص ] وقد حملها الرسل قبله. ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها ؛ ويشير إلى أن ذلك الحق متلبس بالخلق، صادر عن أن الله هو الخالق لهذا الوجود :( إن ربك هو الخلاق العليم )..
فليمض الحق الأكبر في طريقه، ولتمض الدعوة المستندة إلى الحق الأكبر في طريقها، وليمض الداعية إلى الحق لا يبالي المشركين المستهزئين :( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ).. وسنة الله ماضية فيطريقها لا تتخلف. والحق الأكبر من ورائها متلبسا بالدعوة وبالساعة وبخلق السماوات والأرض، وبكل ما في الوجود الصادر عن الخلاق العليم.. إنها لفتة ضخمة تختم بها السورة. لفتة إلى الحق الأكبر الذي يقوم به هذا الوجود..
آية رقم ٨٦
تلك السنن العامة التي لا تتخلف، والتي تحكم الكون والحياة، وتحكم الجماعات والرسالات، وتحكم الهدى والضلال، وتحكم المصائر والحساب والجزاء. والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها، أو عرض نماذج منه في شتى هذه المجالات.. تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله، وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق.
ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر، الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما. وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها. وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول [ ص ] وقد حملها الرسل قبله. ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها ؛ ويشير إلى أن ذلك الحق متلبس بالخلق، صادر عن أن الله هو الخالق لهذا الوجود :( إن ربك هو الخلاق العليم )..
فليمض الحق الأكبر في طريقه، ولتمض الدعوة المستندة إلى الحق الأكبر في طريقها، وليمض الداعية إلى الحق لا يبالي المشركين المستهزئين :( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ).. وسنة الله ماضية فيطريقها لا تتخلف. والحق الأكبر من ورائها متلبسا بالدعوة وبالساعة وبخلق السماوات والأرض، وبكل ما في الوجود الصادر عن الخلاق العليم.. إنها لفتة ضخمة تختم بها السورة. لفتة إلى الحق الأكبر الذي يقوم به هذا الوجود..
( إن ربك هو الخلاق العليم ).. الذي خلق ويعلم ما خلق ومن خلق. والخلق كله من إبداعه فلا بد أن يكون الحق أصيلا فيه، ولا بد أن ينتهي كل شيء فيه إلى الحق الذي بدأ منه وقام عليه. فهو فيه أصيل وما عداه باطل وزيف طاريء يذهب، فلا يبقى إلا ذلك الحق الكبير الشامل المستقر في ضمير الوجود.
آية رقم ٨٧
تلك السنن العامة التي لا تتخلف، والتي تحكم الكون والحياة، وتحكم الجماعات والرسالات، وتحكم الهدى والضلال، وتحكم المصائر والحساب والجزاء. والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها، أو عرض نماذج منه في شتى هذه المجالات.. تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله، وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق.
ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر، الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما. وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها. وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول [ ص ] وقد حملها الرسل قبله. ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها ؛ ويشير إلى أن ذلك الحق متلبس بالخلق، صادر عن أن الله هو الخالق لهذا الوجود :( إن ربك هو الخلاق العليم )..
فليمض الحق الأكبر في طريقه، ولتمض الدعوة المستندة إلى الحق الأكبر في طريقها، وليمض الداعية إلى الحق لا يبالي المشركين المستهزئين :( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ).. وسنة الله ماضية فيطريقها لا تتخلف. والحق الأكبر من ورائها متلبسا بالدعوة وبالساعة وبخلق السماوات والأرض، وبكل ما في الوجود الصادر عن الخلاق العليم.. إنها لفتة ضخمة تختم بها السورة. لفتة إلى الحق الأكبر الذي يقوم به هذا الوجود..
يتصل بهذا الحق الكبير تلك الرسالة التي جاء بها الرسول. وذلك القرآن الذي أوتيه :
( ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم ).
والمثاني الأرجح أن المقصود بها آيات سورة الفاتحة السبع - كما ورد في الأثر - فهي تثنى وتكرر في الصلاة، أو يثنى فيها على الله.
و القرآن العظيم سائر القرآن.
والمهم أن وصل هذا النص بآيات خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق والساعة الآتية لا ريب فيها، يشي بالاتصال بين هذا القرآن والحق الأصيل الذي يقوم به الوجود وتقوم عليه الساعة. فهذا القرآن من عناصر ذلك الحق، وهو يكشف سنن الخالق ويوجه القلوب إليها، ويكشف آياته في الأنفس والآفاق ويستجيش القلوب لإدراكها، ويكشف أسباب الهدى والضلال، ومصير الحق والباطل، والخير والشر والصلاح والطلاح. فهو من مادة ذلك الحق ومن وسائل كشفه وتبيانه. وهو أصيل أصالة ذلك الحق الذي خلقت به السماوات والأرض. ثابت ثبوت نواميس الوجود، مرتبط بتلك النواميس. وليس أمرا عارضا ولا ذاهبا. إنما يبقى مؤثرا في توجيه الحياة وتصريفها وتحويلها، مهما يكذب المكذبون، ويستهزيء المستهزئون، ويحاول المبطلون، الذين يعتمدون على الباطل، وهو عنصر طاريء زائل في هذا الوجود.
ومن ثم فإن من أوتي هذه المثاني وهذا القرآن العظيم، المستمد من الحق الأكبر، المتصل بالحق الأكبر.. لا يمتد بصره ولا تتحرك نفسه لشيء زائل في هذه الأرض من أعراضها الزوائل. ولا يحفل مصير أهل الضلال، ولا يهمه شأنهم في كثير ولا قليل. إنما يمضي في طريقه مع الحق الأصيل :
تلك السنن العامة التي لا تتخلف، والتي تحكم الكون والحياة، وتحكم الجماعات والرسالات، وتحكم الهدى والضلال، وتحكم المصائر والحساب والجزاء. والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها، أو عرض نماذج منه في شتى هذه المجالات.. تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله، وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق.
ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر، الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما. وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها. وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول [ ص ] وقد حملها الرسل قبله. ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها ؛ ويشير إلى أن ذلك الحق متلبس بالخلق، صادر عن أن الله هو الخالق لهذا الوجود :( إن ربك هو الخلاق العليم )..
فليمض الحق الأكبر في طريقه، ولتمض الدعوة المستندة إلى الحق الأكبر في طريقها، وليمض الداعية إلى الحق لا يبالي المشركين المستهزئين :( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ).. وسنة الله ماضية فيطريقها لا تتخلف. والحق الأكبر من ورائها متلبسا بالدعوة وبالساعة وبخلق السماوات والأرض، وبكل ما في الوجود الصادر عن الخلاق العليم.. إنها لفتة ضخمة تختم بها السورة. لفتة إلى الحق الأكبر الذي يقوم به هذا الوجود..
( لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم، ولا تحزن عليهم، واخفض جناحك للمؤمنين. وقل : إني أنا النذير المبين )..
( لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم )..
والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أي يتوجه. ولكن التعبير التصويري يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهي صورة طريفة حين يتصورها المتخيل. والمعنى وراء ذلك ألا يحفل الرسول [ ص ] ذلك المتاع الذي آتاه الله لبعض الناس رجالا ونساء - امتحانا وابتلاء - ولا يلقي إليه نظرة اهتمام. أو نظرة استجمال. أو نظرة تمن. فهو شيء زائل وشيء باطل ؛ ومعه هو الحق الباقي من المثاني والقرآن العظيم.
وهذه اللفتة كافية للموازنة بين الحق الكبير والعطاء العظيم الذي مع الرسول، والمتاع الصغير الذي يتألق بالبريق وهو ضئيل. يليها توجيه الرسول [ ص ] إلى إهمال القوم المتمتعين، والعناية بالمؤمنين، فهؤلاء هم أتباع الحق الذي جاء به، والذي تقوم عليه السماوات والأرض وما بينهما ؛ وأولئك هم أتباع الباطل الزائل الطاريء على صميم الوجود..
( ولا تحزن عليهم )..
ولا تهتم لمصيرهم السييء الذي تعلم أن عدل الله يقتضيه، وأن الحق في الساعة يقتضيه. ودعهم لمصيرهم الحق.
( واخفض جناحك للمؤمنين )..
والتعبير عن اللين والمودة والعطف بخفض الجناح تعبير تصويري، يمثل لطف الرعاية وحسن المعاملة ورقة الجانب في صورة محسوسة على طريقة القرآن الفنية في التعبير.
آية رقم ٨٩
تلك السنن العامة التي لا تتخلف، والتي تحكم الكون والحياة، وتحكم الجماعات والرسالات، وتحكم الهدى والضلال، وتحكم المصائر والحساب والجزاء. والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها، أو عرض نماذج منه في شتى هذه المجالات.. تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله، وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق.
ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر، الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما. وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها. وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول [ ص ] وقد حملها الرسل قبله. ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها ؛ ويشير إلى أن ذلك الحق متلبس بالخلق، صادر عن أن الله هو الخالق لهذا الوجود :( إن ربك هو الخلاق العليم )..
فليمض الحق الأكبر في طريقه، ولتمض الدعوة المستندة إلى الحق الأكبر في طريقها، وليمض الداعية إلى الحق لا يبالي المشركين المستهزئين :( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ).. وسنة الله ماضية فيطريقها لا تتخلف. والحق الأكبر من ورائها متلبسا بالدعوة وبالساعة وبخلق السماوات والأرض، وبكل ما في الوجود الصادر عن الخلاق العليم.. إنها لفتة ضخمة تختم بها السورة. لفتة إلى الحق الأكبر الذي يقوم به هذا الوجود..
( وقل : إني أنا النذير المبين )..
فذلك هو طريق الدعوة الأصيل.. ويفرد الإنذار هنا دون التبشير لأنه الأليق بقوم يكذبون ويستهزئون، ويتمتعون ذلك المتاع البراق، ولا يستيقظون منه لتدبر الحق الذي تقوم عليه الدعوة، وتقوم عليه الساعة، ويقوم عليه الكون الكبير.
آية رقم ٩٠
تلك السنن العامة التي لا تتخلف، والتي تحكم الكون والحياة، وتحكم الجماعات والرسالات، وتحكم الهدى والضلال، وتحكم المصائر والحساب والجزاء. والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها، أو عرض نماذج منه في شتى هذه المجالات.. تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله، وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق.
ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر، الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما. وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها. وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول [ ص ] وقد حملها الرسل قبله. ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها ؛ ويشير إلى أن ذلك الحق متلبس بالخلق، صادر عن أن الله هو الخالق لهذا الوجود :( إن ربك هو الخلاق العليم )..
فليمض الحق الأكبر في طريقه، ولتمض الدعوة المستندة إلى الحق الأكبر في طريقها، وليمض الداعية إلى الحق لا يبالي المشركين المستهزئين :( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ).. وسنة الله ماضية فيطريقها لا تتخلف. والحق الأكبر من ورائها متلبسا بالدعوة وبالساعة وبخلق السماوات والأرض، وبكل ما في الوجود الصادر عن الخلاق العليم.. إنها لفتة ضخمة تختم بها السورة. لفتة إلى الحق الأكبر الذي يقوم به هذا الوجود..
( وقل : إني أنا النذير المبين ).. تلك القولة التي قالها كل رسول لقومه ؛ ومنهم بقايا الأقوام التي جاءها أولئك الرسل بتلك النذارة البينة التي جئت بها قومك.. وكان منهم في الجزيرة العربية اليهود والنصارى.. ولكن هذه البقايا لم تكن تتلقى هذا القرآن بالتسليم الكامل، إنما كانت تقبل بعضه وترفض بعضه، وفق الهوى ووفق التعصب وهؤلاء هم الذين يسميهم الله هنا :( المقتسمين، الذين جعلوا القرآن عضين )..
آية رقم ٩١
تلك السنن العامة التي لا تتخلف، والتي تحكم الكون والحياة، وتحكم الجماعات والرسالات، وتحكم الهدى والضلال، وتحكم المصائر والحساب والجزاء. والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها، أو عرض نماذج منه في شتى هذه المجالات.. تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله، وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق.
ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر، الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما. وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها. وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول [ ص ] وقد حملها الرسل قبله. ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها ؛ ويشير إلى أن ذلك الحق متلبس بالخلق، صادر عن أن الله هو الخالق لهذا الوجود :( إن ربك هو الخلاق العليم )..
فليمض الحق الأكبر في طريقه، ولتمض الدعوة المستندة إلى الحق الأكبر في طريقها، وليمض الداعية إلى الحق لا يبالي المشركين المستهزئين :( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ).. وسنة الله ماضية فيطريقها لا تتخلف. والحق الأكبر من ورائها متلبسا بالدعوة وبالساعة وبخلق السماوات والأرض، وبكل ما في الوجود الصادر عن الخلاق العليم.. إنها لفتة ضخمة تختم بها السورة. لفتة إلى الحق الأكبر الذي يقوم به هذا الوجود..
( الذين جعلوا القرآن عضين. فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون )..
وهذه السورة مكية. ولكن الخطاب بالقرآن كان عاما للبشر. ومن البشر هؤلاء المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين [ والعضة : الجزء. من عضى الشاة أي فصل بين أعضائها
آية رقم ٩٢
تلك السنن العامة التي لا تتخلف، والتي تحكم الكون والحياة، وتحكم الجماعات والرسالات، وتحكم الهدى والضلال، وتحكم المصائر والحساب والجزاء. والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها، أو عرض نماذج منه في شتى هذه المجالات.. تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله، وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق.
ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر، الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما. وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها. وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول [ ص ] وقد حملها الرسل قبله. ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها ؛ ويشير إلى أن ذلك الحق متلبس بالخلق، صادر عن أن الله هو الخالق لهذا الوجود :( إن ربك هو الخلاق العليم )..
فليمض الحق الأكبر في طريقه، ولتمض الدعوة المستندة إلى الحق الأكبر في طريقها، وليمض الداعية إلى الحق لا يبالي المشركين المستهزئين :( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ).. وسنة الله ماضية فيطريقها لا تتخلف. والحق الأكبر من ورائها متلبسا بالدعوة وبالساعة وبخلق السماوات والأرض، وبكل ما في الوجود الصادر عن الخلاق العليم.. إنها لفتة ضخمة تختم بها السورة. لفتة إلى الحق الأكبر الذي يقوم به هذا الوجود..
وهم مسؤولون عن هذه التفرقة. وقد جاءهم القرآن بالنذارة البينة، كما جاءتهم كتبهم من قبل. ولم يكن أمر القرآن ولا أمر النبي بدعا لا عهد لهم به. فقد أنزل الله عليهم مثله، فكان أولى أن يستقبلوا الجديد من كتاب الله بالقبول والتسليم..
آية رقم ٩٣
تلك السنن العامة التي لا تتخلف، والتي تحكم الكون والحياة، وتحكم الجماعات والرسالات، وتحكم الهدى والضلال، وتحكم المصائر والحساب والجزاء. والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها، أو عرض نماذج منه في شتى هذه المجالات.. تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله، وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق.
ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر، الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما. وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها. وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول [ ص ] وقد حملها الرسل قبله. ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها ؛ ويشير إلى أن ذلك الحق متلبس بالخلق، صادر عن أن الله هو الخالق لهذا الوجود :( إن ربك هو الخلاق العليم )..
فليمض الحق الأكبر في طريقه، ولتمض الدعوة المستندة إلى الحق الأكبر في طريقها، وليمض الداعية إلى الحق لا يبالي المشركين المستهزئين :( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ).. وسنة الله ماضية فيطريقها لا تتخلف. والحق الأكبر من ورائها متلبسا بالدعوة وبالساعة وبخلق السماوات والأرض، وبكل ما في الوجود الصادر عن الخلاق العليم.. إنها لفتة ضخمة تختم بها السورة. لفتة إلى الحق الأكبر الذي يقوم به هذا الوجود..
آية رقم ٩٤
تلك السنن العامة التي لا تتخلف، والتي تحكم الكون والحياة، وتحكم الجماعات والرسالات، وتحكم الهدى والضلال، وتحكم المصائر والحساب والجزاء. والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها، أو عرض نماذج منه في شتى هذه المجالات.. تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله، وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق.
ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر، الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما. وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها. وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول [ ص ] وقد حملها الرسل قبله. ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها ؛ ويشير إلى أن ذلك الحق متلبس بالخلق، صادر عن أن الله هو الخالق لهذا الوجود :( إن ربك هو الخلاق العليم )..
فليمض الحق الأكبر في طريقه، ولتمض الدعوة المستندة إلى الحق الأكبر في طريقها، وليمض الداعية إلى الحق لا يبالي المشركين المستهزئين :( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ).. وسنة الله ماضية فيطريقها لا تتخلف. والحق الأكبر من ورائها متلبسا بالدعوة وبالساعة وبخلق السماوات والأرض، وبكل ما في الوجود الصادر عن الخلاق العليم.. إنها لفتة ضخمة تختم بها السورة. لفتة إلى الحق الأكبر الذي يقوم به هذا الوجود..
وحين يصل السياق إلى هذا الحد، يتجه بالخطاب إلى الرسول [ ص ] أن يمضي في طريقه. يجهر بما أمره الله أن يبلغه. ويسمى هذا الجهر صدعا - أي شقا - دلالة على القوة والنفاذ. لا يقعده عن الجهر والمضي شرك مشرك فسوف يعلم المشركون عاقبة أمرهم. ولا استهزاء مستهزيء فقد كفاه الله شر المستهزئين :
( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ؛ إنا كفيناك المستهزئين، الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون )..
آية رقم ٩٥
تلك السنن العامة التي لا تتخلف، والتي تحكم الكون والحياة، وتحكم الجماعات والرسالات، وتحكم الهدى والضلال، وتحكم المصائر والحساب والجزاء. والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها، أو عرض نماذج منه في شتى هذه المجالات.. تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله، وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق.
ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر، الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما. وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها. وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول [ ص ] وقد حملها الرسل قبله. ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها ؛ ويشير إلى أن ذلك الحق متلبس بالخلق، صادر عن أن الله هو الخالق لهذا الوجود :( إن ربك هو الخلاق العليم )..
فليمض الحق الأكبر في طريقه، ولتمض الدعوة المستندة إلى الحق الأكبر في طريقها، وليمض الداعية إلى الحق لا يبالي المشركين المستهزئين :( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ).. وسنة الله ماضية فيطريقها لا تتخلف. والحق الأكبر من ورائها متلبسا بالدعوة وبالساعة وبخلق السماوات والأرض، وبكل ما في الوجود الصادر عن الخلاق العليم.. إنها لفتة ضخمة تختم بها السورة. لفتة إلى الحق الأكبر الذي يقوم به هذا الوجود..
آية رقم ٩٦
تلك السنن العامة التي لا تتخلف، والتي تحكم الكون والحياة، وتحكم الجماعات والرسالات، وتحكم الهدى والضلال، وتحكم المصائر والحساب والجزاء. والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها، أو عرض نماذج منه في شتى هذه المجالات.. تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله، وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق.
ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر، الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما. وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها. وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول [ ص ] وقد حملها الرسل قبله. ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها ؛ ويشير إلى أن ذلك الحق متلبس بالخلق، صادر عن أن الله هو الخالق لهذا الوجود :( إن ربك هو الخلاق العليم )..
فليمض الحق الأكبر في طريقه، ولتمض الدعوة المستندة إلى الحق الأكبر في طريقها، وليمض الداعية إلى الحق لا يبالي المشركين المستهزئين :( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ).. وسنة الله ماضية فيطريقها لا تتخلف. والحق الأكبر من ورائها متلبسا بالدعوة وبالساعة وبخلق السماوات والأرض، وبكل ما في الوجود الصادر عن الخلاق العليم.. إنها لفتة ضخمة تختم بها السورة. لفتة إلى الحق الأكبر الذي يقوم به هذا الوجود..
آية رقم ٩٧
تلك السنن العامة التي لا تتخلف، والتي تحكم الكون والحياة، وتحكم الجماعات والرسالات، وتحكم الهدى والضلال، وتحكم المصائر والحساب والجزاء. والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها، أو عرض نماذج منه في شتى هذه المجالات.. تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله، وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق.
ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر، الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما. وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها. وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول [ ص ] وقد حملها الرسل قبله. ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها ؛ ويشير إلى أن ذلك الحق متلبس بالخلق، صادر عن أن الله هو الخالق لهذا الوجود :( إن ربك هو الخلاق العليم )..
فليمض الحق الأكبر في طريقه، ولتمض الدعوة المستندة إلى الحق الأكبر في طريقها، وليمض الداعية إلى الحق لا يبالي المشركين المستهزئين :( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ).. وسنة الله ماضية فيطريقها لا تتخلف. والحق الأكبر من ورائها متلبسا بالدعوة وبالساعة وبخلق السماوات والأرض، وبكل ما في الوجود الصادر عن الخلاق العليم.. إنها لفتة ضخمة تختم بها السورة. لفتة إلى الحق الأكبر الذي يقوم به هذا الوجود..
( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون )
والرسول [ ص ] بشر لا يملك نفسه أن يضيق صدره وهو يسمع الشرك بالله، ويسمع الاستهزاء بدعوة الحق. فيغار على الدعوة ويغار على الحق، ويضيق بالضلال والشرك.
آية رقم ٩٨
تلك السنن العامة التي لا تتخلف، والتي تحكم الكون والحياة، وتحكم الجماعات والرسالات، وتحكم الهدى والضلال، وتحكم المصائر والحساب والجزاء. والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها، أو عرض نماذج منه في شتى هذه المجالات.. تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله، وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق.
ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر، الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما. وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها. وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول [ ص ] وقد حملها الرسل قبله. ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها ؛ ويشير إلى أن ذلك الحق متلبس بالخلق، صادر عن أن الله هو الخالق لهذا الوجود :( إن ربك هو الخلاق العليم )..
فليمض الحق الأكبر في طريقه، ولتمض الدعوة المستندة إلى الحق الأكبر في طريقها، وليمض الداعية إلى الحق لا يبالي المشركين المستهزئين :( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ).. وسنة الله ماضية فيطريقها لا تتخلف. والحق الأكبر من ورائها متلبسا بالدعوة وبالساعة وبخلق السماوات والأرض، وبكل ما في الوجود الصادر عن الخلاق العليم.. إنها لفتة ضخمة تختم بها السورة. لفتة إلى الحق الأكبر الذي يقوم به هذا الوجود..
( فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين )
لهذا يؤمر أن يسبح بحمد ربه ويعبده، ويلوذ بالتسبيح والحمد والعبادة من سوء ما يسمع من القوم. ولا يفتر عن التسبيح بحمد ربه طوال الحياة،
آية رقم ٩٩
تلك السنن العامة التي لا تتخلف، والتي تحكم الكون والحياة، وتحكم الجماعات والرسالات، وتحكم الهدى والضلال، وتحكم المصائر والحساب والجزاء. والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها، أو عرض نماذج منه في شتى هذه المجالات.. تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله، وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق.
ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر، الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما. وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها. وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول [ ص ] وقد حملها الرسل قبله. ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها ؛ ويشير إلى أن ذلك الحق متلبس بالخلق، صادر عن أن الله هو الخالق لهذا الوجود :( إن ربك هو الخلاق العليم )..
فليمض الحق الأكبر في طريقه، ولتمض الدعوة المستندة إلى الحق الأكبر في طريقها، وليمض الداعية إلى الحق لا يبالي المشركين المستهزئين :( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ).. وسنة الله ماضية فيطريقها لا تتخلف. والحق الأكبر من ورائها متلبسا بالدعوة وبالساعة وبخلق السماوات والأرض، وبكل ما في الوجود الصادر عن الخلاق العليم.. إنها لفتة ضخمة تختم بها السورة. لفتة إلى الحق الأكبر الذي يقوم به هذا الوجود..
( اعبد ربك حتى يأتيك اليقين ).
حتى يأتيه اليقين الذي ما بعده يقين.. الأجل.. فيمضي إلى جوار ربه الكريم :
( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ).
ويكون هذا ختام السورة.. الإعراض عن الكافرين واللواذ بجوار الله الكريم. أولئك الكافرين الذين سيأتي يوم يودون فيه لو كانوا مسلمين..
إن الصدع بحقيقة هذه العقيدة ؛ والجهر بكل مقوماتها وكل مقتضياتها. ضرورة في الحركة بهذه الدعوة ؛ فالصدع القوي النافذ هو الذي يهز الفطرة الغافية ؛ ويوقظ المشاعر المتبلدة ؛ ويقيم الحجة على الناس ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة )أما التدسس الناعم بهذه العقيدة ؛ وجعلها عضين يعرض الداعية منها جانبا ويكتم جانبا، لأن هذا الجانب يثير الطواغيت أو يصد الجماهير ! فهذا ليس من طبيعة الحركة الصحيحة بهذه العقيدة القوية.
والصدع بحقيقة هذه الحقيقة لا يعني الغلظة المنفرة، والخشونة وقلة الذوق والجلافة ! كما أن الدعوة بالحسنى لا تعني التدسس الناعم، وكتمان جانب من حقائق هذه العقيدة وإبداء جانب، وجعل القرآن عضين.. لا هذه ولا تلك.. إنما هو البيان الكامل لكل حقائق هذه العقيدة ؛ في وضوح جلي، وفي حكمة كذلك في الخطاب ولطف ومودة ولين وتيسير.
" وليست وظيفة الإسلام أن يصطلح مع التصورات الجاهلية السائدة في الأرض، ولا الأوضاع الجاهلية القائمة في كل مكان.. لم تكن هذه وظيفته يوم جاء ؛ ولن تكون هذه وظيفته اليوم ولا في المستقبل.. فالجاهلية هي الجاهلية، والإسلام هو الإسلام.. الجاهلية هي الانحراف عن العبودية لله وحده، وعن المنهج الإلهي في الحياة، واستنباط النظم والشرائع والقوانين، والعادات والتقاليد والقيم والموازين، من مصدر آخر غير المصدر الإلهي.. والإسلام هو الإسلام، ووظيفته هي نقل الناس من الجاهلية إلى الإسلام ".
وهذه الحقيقة الأساسية الكبيرة هي التي يجب أن يصدع بها أصحاب الدعوة الإسلامية، ولا يخفوا منها شيئا ؛ وأن يصروا عليها مهما لاقوا من بطش الطواغيت وتململ الجماهير :
( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. واعبد ربك حتى يأتيك اليقين )..
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

98 مقطع من التفسير