تفسير سورة الحجر

مراح لبيد
تفسير سورة الحجر من كتاب مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد المعروف بـمراح لبيد .
لمؤلفه نووي الجاوي . المتوفي سنة 1316 هـ

سورة الحجر
مكية، تسع وتسعون آية، ستمائة وثمان وخمسون كلمة، ألفان وثمانمائة وثلاثة وثمانون حرفا
الر قال ابن عباس: أي أنا الله أرى تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) أي تلك الآيات آيات ذلك الكتاب الكامل في كونه كتابا، وفي كونه قرآنا مفيدا للبيان لسبيل الرشد والغي، وللفرق بين الحق والباطل وهو الكتاب الذي وعد الله تعالى به محمدا صلّى الله عليه وسلّم، وتنكير القرآن للتفخيم كتعريف الكتاب. فالمقصود الوصفان، وقيل: «الواو» للقسم أي أقسم بالقرآن المبين بالحلال والحرام وبالأمر والنهي رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) أي إن الكافر بالقرآن كلما رأى حالا من أحوال العذاب ورأى حالا من أحوال المسلم تمنى كونه في الدنيا منقادا لحكمه، ومذعنا لأمره وذلك عند الموت، وعند اسوداد وجوه الكفار، وعند دخولهم النار، وعند رؤيتهم خروج عصاة المسلمين من النار. ف «ربّ» للتكثير باعتبار مرات التمني، وللتقليل باعتبار أزمان الإفاقة فأزمان إفاقتهم قليلة بالنسبة لأزمان الدهشة، وكونه للتقليل أبلغ في التهديد. ومعناه أنه يكفيك قليل الندم في كونه زاجرا لك عن هذا العمل فكيف كثيره وأيضا إنه يشغلهم العذاب عن تمني ذلك إلا في القليل.
وقرأ نافع وعاصم «ربما» بتخفيف الباء. والباقون بالتشديد ذَرْهُمْ أي اترك كفار مكة يا أشرف الرسل عن النهي عمّا هم عليه بالنصيحة إذ لا سبيل إلى ارعوائهم عن ذلك بل مرهم بتناول ما يتناولونه يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا أي يأخذوا حظوظهم من دنياهم فتلك أخلاقهم ولا خلاق لهم في الآخرة وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ أي يشغلهم الأمل عند الأخذ
بحظهم عن الإيمان والطاعة فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) عند الموت وفي القبر ويوم القيامة ماذا يفعل بهم
وعن علي رضي الله عنه أنه قال: إنما أخشى عليكم اثنين طول الأمل واتباع الهوى، فإن طول الأمل ينسي الآخرة واتباع الهوى يصد عن الحق
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ من القرى بالخسف بها وبأهلها كما فعل ببعضها وبإخلائها عن أهلها غب إهلاكهم بعذاب الاستئصال كما فعل ببعض آخر إِلَّا وَلَها في ذلك الشأن
كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤) أي أجل مؤقت لهلاكها مكتوب في اللوح المحفوظ لا يغفل عنه ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ من الأمم المهلكة وغيرهم أَجَلَها المكتوب في كتابها فلا يجيء هلاكها ولا موتها قبل مجيء كتابها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥) عن أجلها وَقالُوا أي كفار مكة عبد الله بن أمية المخزومي وأصحابه استهزاء للنبي صلّى الله عليه وسلّم: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ أي القرآن في زعمه إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) أي إنك لتقول قول المجانين حتى تدعي أن الله تعالى نزل عليك القرآن لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ أي هلا أتيتنا بالملائكة يشهدون بصحة نبوتك ويعضدونك في الإنذار إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) في مقالتك إنك نبي وإن هذا القرآن من عند الله فأجاب الله تعالى عن قولهم بقوله تعالى: ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ أي فالحق في حق الكفار تنزيل الملائكة بعذاب الاستئصال كما فعل بأمثالهم من الأمم السالفة لا التنزيل بما اقترحوا من أخبارها لهم بصدق الرسول فإن ذلك من باب التنزيل بالوحي الذي لا يكاد يفتح على غير الأنبياء من أفراد كل المؤمنين فكيف على أولئك الكفرة.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «ما ننزل» بنون المتكلم وبكسر الزاي المشددة، «والملائكة» بالنصب. وقرأ شعبة عن عاصم «ما تنزل» ببناء الفعل للمفعول «والملائكة» بالرفع.
والباقون «تنزل الملائكة». وَما كانُوا إِذاً أي إذ نزلت عليهم الملائكة بالعذاب مُنْظَرِينَ (٨) أي مؤخرين ساعة أي ولو نزلنا الملائكة ما أخر عذابهم ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ الذي أنكروا نزوله عليك ونسبوك بذلك إلى الجنون وَإِنَّا لَهُ أي الذكر لَحافِظُونَ (٩) من الشياطين حتى لا يزيدوا فيه ولا ينقصوا منه ولا يغيروا حكمه.
ويقال: وإنا لمحمد لحافظون من الكفار والشياطين وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رسلا مِنْ قَبْلِكَ يا أكرم الرسل فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) أي في أمم الأولين
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) أي عادة هؤلاء الجهّال مع الرسل ذلك الاستهزاء كما يفعله هؤلاء الكفرة بك وهذا تسلية لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) أي مثل ذلك السلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين برسلهم وبما جاءوا به من الكتاب نسلك الذكر في قلوب كفار مكة. لا يُؤْمِنُونَ بِهِ أي بالذكر. وهذا حال من ضمير نسلكه أو لا محل له من الإعراب تفسير للجملة السابقة. والمراد من هذا السلك هو أنه تعالى يسمعهم هذا القرآن ويخلق في قلوبهم حفظ هذا القرآن ويخلق فيها العلم بمعانيه ومع هذه الأحوال لا يؤمنون به عنادا منهم وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) أي وقد مضت سيرة الأولين بتكذيب الرسل ومضت سيرة الله فهم بإهلاكه إياهم بعد التكذيب، وهذه الجملة استئناف جيء بها تكملة للتسلية وتهديدا لكفار مكة وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أي كفار مكة الذين اقترحوا نزول الملائكة باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ أي في ذلك
الباب يَعْرُجُونَ (١٤) أي يصعدون ويرون ما فيها من العجائب عيانا لَقالُوا لفرط عنادهم:
إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا أي غشيت بالسحر. وقرأ ابن كثير بتخفيف الكاف. والباقون بتشديدها فهو يوجب تكثيرا أو حيرت من السكر كما يعضده قراءة من قرأ سكرت أي حارت بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) أي قد سحر محمد عقولنا كما قالوه عند ظهور سائر المعجزات من انشقاق القمر ومن القرآن الذي لا يستطيع الجن والإنس أن يأتوا بمثله وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً أي محال تسير فيها الكواكب السيارة وهي المريخ بكسر الميم وهو كوكب في السماء الخامسة وله الحمل والعقرب والزهرة بضم ففتح وهي في السماء الثالثة، ولها الثور والميزان وعطارد بفتح العين وهي في الثانية، ولها الجوزاء والسنبلة والقمر، وهو في الأولى، وله السرطان والشمس وهي في الرابعة، ولها الأسد والمشتري وهو في السادسة، وله القوس والحوت وزحل وهو في السابعة، وله الجدي والدلو وجملة البروج اثنا عشر، ووجه دلالة البروج على وجود الصانع المختار هو أن طبائع هذه البروج مختلفة، فالفلك مركب من هذه الأجزاء المختلفة، وكل مركب لا بد له من مركب يركب تلك الأجزاء بحسب الاختيار والحكمة فثبت أن كون السماء مركبة من البروج يدل على وجود الفاعل المختار وهو المطلوب وَزَيَّنَّاها أي السماء بالشمس والقمر والنجوم لِلنَّاظِرِينَ (١٦) بأبصارهم وبصائرهم فيستدلون بها على قدره صانعها ووحدته وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) أي مرمي بالشهاب فلا يقدر أن يصعد إليها ويوسوس في أهلها ويقف على أحوالها إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ أي إلا من اختلس المسموع سرا من غير دخول فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ أي لحقه شعلة نار ساطعة تنفصل من الكوكب مُبِينٌ (١٨) أي ظاهر أمره للمبصرين وَالْأَرْضَ مَدَدْناها أي بسطناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها أي على الأرض رَواسِيَ أي جبالا ثوابت لكيلا تميل بأهلها ولتكون دلالة للناس على طرق الأرض لأنها كالأعلام فلا تميل الناس عن الجادة المستقيمة ولا يقعون في الضلال وَأَنْبَتْنا فِيها أي الأرض مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) أي مستحسن مناسب أو موزون بوزن فالمعادن كلها موزونة وذلك مثل الذهب والفضة والحديد والرصاص وغير ذلك والنباتات ترجع عاقبتها إلى الوزن، لأن الحبوب توزن وكذلك الفواكه في الأكثر وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها أي الأرض مَعايِشَ أي ما تعيشون به من المطاعم والملابس وغيرهما مما يتعلق به البقاء مدة حياتكم في الدنيا وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠) أي وجعلنا لكم من لستم برازقيه من العيال والخدم والعبيد والدواب والطيور وما أشبهها، فالناس يظنون في أكثر الأمر أنهم الذين يرزقونهم وذلك خطأ فإن الله هو الرزاق يرزق الكل
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ أي إن جميع الممكنات مقدورة له تعالى يخرجها من العدم إلى الوجود كيف شاء شبهت مقدوراته تعالى الفائتة للحصر في كونها مستورة عن علوم العالمين وكونها مهيأة لإيجاده بحيث متى تعلقت الإرادة بوجودها وجدت من غير تأخر بنفائس الأموال المخزونة في
578
الخزائن السلطانية وَما نُنَزِّلُهُ أي ما نوجد شيئا إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) أي إلا ملتبسا بمقدار معين تقتضيه الحكمة فقوله تعالى: إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ إشارة إلى كون مقدوراته غير متناهية وقوله تعالى: وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ إشارة إلى أن كل ما يدخل في الوجود منها فهو متناه ومتى كان الخارج إلى الوجود منها متناهيا كان مختصا بوقت مقدر وبحيز معين وبصفات معينة بدلا عن أضدادها، فتخصيص كل شيء بما اختص به لا بد له من حكمة تقتضي ذلك.
وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: إن في العرش تمثال جميع ما خلق الله في البحر والبر
وهو تأويل قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ. وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ أي حوامل لأنها تحمل الماء وتمجه في السحاب فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ أي السحاب ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ أي جعلناه لكم سقيا وفي هذا دلالة على جعل الماء معدا لهم ينتفعون به متى شاؤوا وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) أي نحن القادرون على إيجاده وخزنه في السحاب وإنزاله في الأرض وما أنتم على ذلك بقادرين. وقيل: ما أنتم بخازنين له بعد ما أنزلناه في الغدران والآبار والعيون بل نحن نخزنه فيها لنجعلها سقيا لكم أي معدا لسقي أنفسكم ومواشيكم وأراضيكم مع أن طبيعة الماء تقتضي الغور وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ أي لا قدرة على الإحياء ولا على الإماتة إلا لنا وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) أي الباقون بعد فناء الخلق المالكون للملك عند انقضاء زمان الملك المجازي وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ أي من تقدم منكم ولادة وموتا وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) أي من تأخر ولادة وموتا.
وقال ابن عباس: في رواية عطاء معنى المستقدمين: أهل طاعة الله تعالى. ومعنى المستأخرين: المتخلفون عن طاعة الله تعالى وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ للجزاء إِنَّهُ حَكِيمٌ أي متقن في أفعاله فيأتي بالأفعال على ما ينبغي وعالم بحقائق الأشياء على ما هي عليه عَلِيمٌ (٢٥) أي وسع علمه كل شيء وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ أي آدم مِنْ صَلْصالٍ أي من طين يابس غير مطبوخ يصوت عند نقره مِنْ حَمَإٍ أي كائن من طين متغير أسود بطول مجاورة الماء مَسْنُونٍ (٢٦) أي مصور بصورة الآدمي.
قال المفسرون: خلق الله تعالى آدم عليه السلام من طين فصوره وتركه في الشمس أربعين سنة فصار صلصالا كالخزف، ولا يدري أحد ما يراد به ولم يروا شيئا من الصور يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح وَالْجَانَّ وهو أبو الجن والأصح أن الشياطين قسم من الجن فكل من كان منهم مؤمنا فإنه لا يسمى بالشيطان وكل من كان منهم كافرا يسمى بهذا الاسم خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ أي من قبل خلق الإنسان مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧) أي من نار الحر الشديد النافذ في المسام أو من نار الريح الحارة وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً أي جسما كثيفا يلاقي بخلاف الجن والملائكة
579
فإنهم لا يلاقون للطف أجسامهم مِنْ صَلْصالٍ أي من طين يتصلصل مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) أي من طين منتن رطب فَإِذا سَوَّيْتُهُ أي أتممت خلقه باليدين والرجلين والعينين وغير ذلك وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي أي جعلت الروح فيه وليس ثمّ نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لإفاضة ما يحيا آدم به من الروح التي هي من أمره تعالى فَقَعُوا أي خروا لَهُ أي لذلك البشر ساجِدِينَ (٢٩) بوضع الجبهة على الأرض لا بالانحناء تعظيما له، فالسجود كان لآدم في الحقيقة. أو المعنى اسجدوا لله تعالى بوضع الجبهة على الأرض، وآدم عليه السلام بمنزلة القبلة لذلك السجود حيث ظهر فيه تعاجيب آثار قدرته تعالى وحكمته فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) أي فخلقه فسواء فجعل فيه الحياة فسجد الملائكة. فمعنى «كلهم» أي لم يشذ منهم أحد، ومعنى «أجمعون» أي لم يتأخر في ذلك أحد منهم عن أحد، أي فالكل سجدوا دفعة واحدة
إِلَّا إِبْلِيسَ رئيسهم أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قالَ أي الله تعالى يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) أي أيّ سبب لك في أن لا تكون مع الساجدين لآدم قالَ أي إبليس: لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ أي لا يصح مني أن أسجد لِبَشَرٍ أي جسم كثيف لأنه مخلوق من أشرف العناصر وأعلاها وأنا روحاني لطيف خَلَقْتَهُ أي البشر مِنْ صَلْصالٍ ناشئ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قالَ الله تعالى: فَاخْرُجْ مِنْها أي من زمرة الملائكة المعززين ويقال: من رحمتي والفاء في جواب شرط مقدر أي فحيث عصيت وتكبرت فاخرج منها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) أي مطرود عن الرحمة وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ أي الإبعاد عن الرحمة إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) أي الجزاء أي إنك مدعو باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الحساب من غير أن يعذب فإذا جاء ذلك اليوم عذب عذابا بنسى اللعن معه فيصير اللعن حينئذ كالزائل بسبب أن شدة العذاب تذهل عنه قالَ إبليس: رَبِّ فَأَنْظِرْنِي أي أخرني ولا تمتني إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) أي آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم وأراد الملعون بهذا السؤال أن لا يذوق الموت لاستحالته بعد يوم البعث وأن يجد فسحة في إغوائهم قالَ الله تعالى: فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) أي المؤجلين إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) وهو وقت النفخة الأولى التي علم أنه يموت كل الخلائق فيه قالَ إبليس: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أي أقسم بإغوائك إياي لأزينن لذرية آدم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠).
قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بكسر اللام في كل القرآن أي الذين أخلصوا دينهم عن كل شائب يناقض التوحيد. وقرأ الباقون بفتح اللام أي الذين أخلصهم الله تعالى بالتوفيق والعصمة وعصمهم من كيد إبليس
قال تعالى: قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) أي هذا الإخلاص طريق يؤدي إلى كرامتي وثوابي من غير اعوجاج. وقرأ يعقوب «علي» بالرفع والتنوين على أنه صفة «لصراط» أي هذا الإخلاص طريق رفيع لا عوج فيه إِنَّ عِبادِي سواء كانوا
مخلصين أو لم يكونوا مخلصين لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أي قدرة أصلا على الإغواء إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢) ولما أوهم إبليس في كلامه أن له على بعض عباد الله تسلطا بالإغواء بين الله كذبه فيه وذكر أن إغواءه للغاوين ليس بطريق تصرفه بالإغواء بل بطريق اتباعهم له بسوء اختيارهم وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أي لمصير المتبعين أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها أي لجهنم سَبْعَةُ أَبْوابٍ أي سبع طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في المتابعة وهي جهنم ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية لِكُلِّ بابٍ أي دركة مِنْهُمْ أي الأتباع جُزْءٌ أي حزب معين مَقْسُومٌ (٤٤) أي مفرز من غيره ففي الدركة الأولى: أهل التوحيد الذين أدخلوا النار يعذبون بقدر ذنوبهم، ثم يخرجون منها. وفي الثانية: النصارى. وفي الثالثة: اليهود. وفي الرابعة: الصابئون.
وفي الخامسة: المجوس. وفي السادسة: أهل الشرك. وفي السابعة: المنافقون.
والحاصل أن الله تعالى يجزئ أتباع إبليس سبعة أجزاء فيدخل كل جزء منهم دركة من النار والسبب في التجزئة أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة فصارت مراتب العذاب مختلفة بذلك إِنَّ الْمُتَّقِينَ من الكفر فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) أي مستقرون فيهما لكل منهم عدة منهما ادْخُلُوها بِسَلامٍ أي ادخلوا الجنة سالمين من كل آفة آمِنِينَ (٤٦) من كل خوف، أي لما ملكوا جنات كثيرة فكلما أرادوا أن ينقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم: ادخلوها بسلام آمنين. وقرئ «ادخلوها» أمرا من الله تعالى للملائكة بإدخالهم في الجنة. وقرأ الحسن «ادخلوها» مبينا للمفعول على صيغة الماضي المزيد فيه. وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ أي عداوة كانت بينهم في الدنيا إِخْواناً حال من ضمير صدورهم أو من فاعل ادخلوها عَلى سُرُرٍ من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت تدور بهم الأسرة حيثما داروا مُتَقابِلِينَ (٤٧) في الزيارة أي إنهم إذا اجتمعوا، ثم أرادوا الانصراف يدور سرير كل واحد منهم به بحيث يصير راكبه مقابلا بوجهه لمن كان عنده وقفاه إلى الجهة التي يسير لها السرير وهذا أبلغ في الإنس والإكرام لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ أي تعب لحصول كل ما يريدونه من غير مزاولة عمل أصلا وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨) لأن تمام النعمة بالخلود نَبِّئْ عِبادِي أي أخبر يا أشرف الرسل كل من كان معترفا بعبوديتي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ للعصاة من المؤمنين الرَّحِيمُ (٤٩) بهم وَأَنَّ عَذابِي للعصاة إن عذبت هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠).
وروي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم مرّ بنفر من أصحابه وهم يضحكون فقال: «أتضحكون والنار بين أيديكم» «١» فنزل قوله تعالى:
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
وَنَبِّئْهُمْ أي خبر يا سيد
(١) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠: ٣٨٧)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣٩٧٨٤)، بما معناه.
المرسلين عبادي عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) وهم ملائكة على صور غلمان حسان منهم جبريل إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً أي فسلموا سلاما، أي قالوه تحية لإبراهيم قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) أي خائفون. قال إبراهيم ذلك حين امتنعوا من أكل ما قربه إليهم من العجل الحنيذ، لأن العادة أن الضيف إذا لم يأكل مما قدم له يكون خائنا قالُوا لا تَوْجَلْ أي لا تخف يا إبراهيم منا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ أي ولد هو إسحاق عَلِيمٍ (٥٣) في صغره حليم في كبره قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي بذلك عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ أي بعد ما أصابني الكبر فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) أي فبأي أعجوبة تبشرونني؟! «فما» استفهام بمعنى التعجب. أراد إبراهيم بهذا السؤال أن يعرف أنه تعالى يعطيه الولد مع إبقائه على صفة الشيخوخة، أو بعد قلبه شابا؟ فبينوا أن الله تعالى أعطاه الولد مع إبقائه على صفة الشيخوخة.
قرأ نافع «تبشرون» بكسر النون خفيفة في كل القرآن. وقرأ ابن كثير بكسر النون وتشديدها. والباقون بفتح النون خفيفة قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ أي بطريقة هي حق
وهو أمر الله تعالى فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) أي من الآيسين من الولد فإن الله قادر على أن يخلق بشرا بغير أبوين فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر قالَ إبراهيم: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) أي لا يقنط من رحمة ربه إلا المخطئون طريق الاعتقاد الصحيح في ربهم فلا يعرفون سعة رحمة الله تعالى وكمال علمه وقدرته. ومراد سيدنا إبراهيم بهذا القول نفي القنوط عن نفسه على أبلغ وجه أي ليس بي قنوط من رحمته تعالى، وإنما الذي أقول لبيان منافاة حالي لفيضان تلك النعمة الجليلة عليّ.
وقرأ أبو عمرو والكسائي «يقنط» بكسر النون، وقرئ شاذا بضم النون. قالَ إبراهيم لجبريل وأعوانه: فَما خَطْبُكُمْ أي شأنكم الخطير سوى البشارة أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) لإهلاكهم إِلَّا آلَ لُوطٍ ابنتيه زاعورا وريثا وامرأته الصالحة إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أي لوطا وآله أَجْمَعِينَ (٥٩) أي مما يصيب القوم إِلَّا امْرَأَتَهُ واعلة المنافقة قَدَّرْنا أي قضينا عليها إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠) أي الباقين مع الكفرة لتهلك معهم، وقرأ أبو بكر عن عاصم «قدرنا» بتخفيف الدال هاهنا وفي النمل. وقرأ حمزة والكسائي «لمنجوهم» بسكون النون فخرجوا من عند إبراهيم وسافروا من قريته إلى قرية لوط وكان بينهما أربعة فراسخ
فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) هم الملائكة الذين ضافوا إبراهيم قالَ لوط لهم: إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) أي تنكركم نفسي فأخاف أن تصيبوني بشر ولا أعرف غرضكم، لأي غرض دخلتم علي! قالُوا أي الملائكة: بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) أي ما جئناك بما تنكرنا لأجله بل جئناك بالعذاب الذي هددت قومك به فيشكون في مجيئه لهم ويكذبونك وهو ما
يشفيك من عدوك وما فيه سرورك وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ أي بالأخبار بمجيء العذاب وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٦٤) في مقالتنا إن العذاب نازل عليهم فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ أي فسر ببنتيك وامرأتك الصالحة في جزء من الليل عند السحر وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ أي امش خلفهم جهة صعر لأجل أن تطمئن عليهم وتعرف أنهم ناجون وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلى ورائه إذا سمع الصيحة لئلا ترتاعوا من عظيم ما نزل بهم من البلاء وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) أي سيروا إلى المكان الذي أمركم الله بالذهاب إليه وهو صعر، وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) أي وأخبرنا لوطا عن ذلك الأمر إن آخر هؤلاء المجرمين مستأصل حال دخولهم في الصبح أي يتم استئصالهم حال ظهور الصبح حتى لا يبقى منهم أحد. وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أي مدينة سذوم إلى دار لوط:
يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) أي يظهرون السرور بأضياف لوط وقالوا: نزل بلوط ثلاثة من المرد ما رأينا قط أصبح وجها ولا أحسن شكلا منهم فذهبوا إلى دار لوط طلبا منه لأولئك المرد قالَ لهم لوط:
إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) أي فلا تظهروا عاري عندهم فإن الضيف يجب إكرامه فإذا قصدتموهم بالسوء كان ذلك إهانة بي وَاتَّقُوا اللَّهَ في فعل الفاحشة وَلا تُخْزُونِ (٦٩) أي ولا تخجلوني قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠) أي ألسنا قد نهيناك عن أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة وكان لوط ينهاهم عنها بقدر وسعه
قالَ هؤُلاءِ بَناتِي فتزوجوهن إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) قضاء الوطر لَعَمْرُكَ قسمي. وهذا قسم من الملائكة بحياة لوط عليه السلام إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ أي في شدة غلمتهم التي أزالت عقولهم يَعْمَهُونَ (٧٢) أي يتحيرون فكيف يقبلون قولك ويلتفتون إلى نصيحتك فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ أي صيحة عظيمة مهلكة مُشْرِقِينَ (٧٣) أي داخلين في وقت شروق الشمس فَجَعَلْنا عالِيَها أي المدينة سافِلَها وكانت قراهم أربعة فيها أربعمائة ألف مقاتل وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ أي على أهل المدينة قبل تمام الانقلاب أو على من كان منهم خارجا عن المدينة بأن كان غائبا في سفر أو غيره حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) أي وحل مطبوخ بالنار عليه كتاب إِنَّ فِي ذلِكَ أي فيما ذكر من قصة إبراهيم وقصة لوط لَآياتٍ أي لعبرات لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) أي للمتفكرين وَإِنَّها أي مدينة قوم لوط لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) أي في طريق ثابت لم يخف والذين يمرون من الحجاز إلى الشام يشاهدونها إِنَّ فِي ذلِكَ أي في كون المدينة مشاهدة للناس في ذهابهم وإياهم لَآيَةً أي لعبرة عظيمة لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) أي لكل من آمن بالله وصدق الأنبياء فإنهم عرفوا أن ما حاق بهم من العذاب لمخالفتهم لرسل الله تعالى أما الذين لا يؤمنون فيحملونه على حوادث العالم وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ أي وإن الشأن كان أصحاب بقعة الأشجار، وكانوا يسكنونها وكان أكثر شجرهم الدوم لَظالِمِينَ (٧٨) بتكذيبهم شعيبا عليه السلام فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ.
روي أن الله تعالى سلط عليهم الحر سبعة أيام حتى أخذ بأنفاسهم وقربوا من الهلاك فبعث
الله لهم سحابة كالظلة، فالتجأوا إليها واجتمعوا تحتها للتظلل بها، فبعث الله عليهم منها نارا، فأحرقتهم جميعا. وَإِنَّهُما أي قريات لوط وقريات شعيب لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) أي لفي طريق واضح يمر أهل مكة عليهما وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) أي صالحا وجملة المرسلين فالقوم براهمة منكرون لكل الرسل، والحجر واد بين المدينة الشريفة والشام وآثاره باقية يمر عليها ركب الشام في ذهابه إلى الحجاز وكان ثمود يسكنونه.
وَآتَيْناهُمْ آياتِنا أي أعطيناهم الناقة، وكان فيها آيات كثيرة كخروجها من الصخرة، وعظم جثتها وقرب ولادتها عند خروجها من الصخرة وكثرة لبنها وشربها فَكانُوا عَنْها أي تلك الآيات مُعْرِضِينَ (٨١) فلا يستدلون بها على صدق صالح عليه السلام حتى قتلوا الناقة وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢) من الانهدام ونقب اللصوص، وتخريب الأعداء لوثاقتها فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) أي صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء في الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم عند الصباح فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) أي فلم يدفع عنهم ما كانوا يعملون من تحت تلك الجبال بنقرها بالمعول وجمع الأموال ما نزل بهم من البلاء وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ أي إلا بسبب العدل فكيف يليق بحكمته إهمال أمرك يا أكرم الرسل وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فإن الله لينتقم لك فيها من أعدائك ويجازيك على حسناتك ويجازيهم على سيئاتهم فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) أي أعرض عنهم واحتمل ما تلقى منهم إعراضا جميلا بحلم.
والمقصود من هذا الكلام أن يظهر الرسول الخلق الحسن والعفو فلا يكون منسوخا إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦) أي إنه تعالى خلق الخلق مع اختلاف طبائعهم وتفاوت أحوالهم وعلم كونهم كذلك لمحض إرادته وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي أي سبع آيات هي المثاني وهي الفاتحة وهذا قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي هريرة، والحسن وأبي العالية، ومجاهد، والضحاك، وسعيد بن جبير، وقتادة.
وروي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قرأ الفاتحة وقال: «هي السبع المثاني»
. وقيل: سميت الفاتحة مثاني لأنها قسمان ثناء ودعاء، وأيضا النصف الأول منها حق الربوبية وهو الثناء والنصف الثاني حق العبودية وهو الدعاء وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) وهذا من عطف الكل على البعض فبعض الشيء مغاير لمجموعه فيكفي هذا القدر من المغايرة في حسن العطف. ونقل عن ابن عباس وطاوس أن السبع المثاني هو القرآن كله. وعلى هذا فهو عطف أحد الوصفين على الآخر مع وحدة ذات الموصوف وإنما حسن العطف لاختلاف اللفظين فإن القرآن سبعة أسباع كل سبع صحيفة وكله مثان أمر ونهي ووعد ووعيد، وحلال وحرام، وناسخ ومنسوخ، وحقيقة ومجاز، ومحكم ومتشابه، وخبر ما كان وما يكون، ومدحة لقوم ومذمة لقوم. وسبب نزول هذه الآية أن سبع قوافل أقبلت من بصرى وأذرعات ليهود قريظة والنضير في يوم واحد فيها أنواع من البز والطيب
والجواهر، وسائر الأمتعة فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها ولأنفقناها في سبيل الله فقال الله تعالى لهم لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير لكم من هذه القوافل السبع ويدل على صحة هذا قوله تعالى: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ أي لا تنظرن بالرغبة إلى ما أعطيناه رجالا من الكفرة من متاع الدنيا وزخارفها فإن ما في الدنيا بالنسبة إلى ما أعطيت مستحقر وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي لا تحزن لأجل عدم إيمانهم وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) أي تواضع لهم ولين جانبك لهم وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) أي إني منذر آت بالبينات فأنذرتكم مثل ما نزل بالذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان ويقولون لمن سلكها: لا تغتروا بهذا الخارج فينا يدعي النبوة فإنه مجنون، وربما قالوا: ساحر، وربما قالوا: شاعر، وربما قالوا: كاهن. وسمّوا المقتسمين لأنهم اقتسموا هذه الطرق فأماتهم الله شر ميتة.
الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) أي الذين جزأوا القرآن أجزاء فقالوا: سحر وشعر وكهانة ومفترى وأساطير الأولين. فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) يوم القيامة عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) في الدنيا من قول وفعل وترك فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ أي أظهر ما تؤمر به وافرق بين الحق والباطل وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) أي لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة وهذا ليس بمنسوخ، لأن معنى هذا الإعراض ترك المبالاة بهم إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) أي الذين يبالغون في الاستهزاء بك، وفي إيذائك الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) ماذا يفعل بهم فأهلكهم الله في يوم وليلة وكانوا خمسة من أشراف قريش الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحرث بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث فأما الوليد المخزومي فمر بنبال، فأصاب النبل عرقا في عقبه فقطعه فمات، وأما العاص السهمي فدخلت في أخمصه شوكة فقال: لدغت لدغت، وانتفخت رجله حتى صارت كالرحا، فمات. وأما الحرث السهمي: فإنه أكل حوتا مالحا فأصابه العطش فشرب عليه الماء حتى انشق بطنه فمات. وأما الأسود بن المطلب: فرماه جبريل بورقة خضراء فذهب بصره ووجعته عينه، فجعل يضرب برأسه الجدار حتى هلك. وأما الأسود بن عبد يغوث: فإنه خرج في يوم شديد الحر فأصابه السموم، فاسود حتى عاد حبشيا فرجع إلى بيته فلم يفتحوا عليه الباب فنطع رأسه ببابه حتى مات وكلهم كانوا يقولون: قتلنا رب محمد صلّى الله عليه وسلّم. وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بحسب الطبيعة البشرية وإن كان جميع أموره صلّى الله عليه وسلّم مفوضا لربه بِما يَقُولُونَ (٩٧) أي بسبب ما يقولون من كلمات الشرك والطعن في القرآن والاستهزاء به وبك فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي فافزع إلى الله تعالى فيما نابك من الغم بالتسبيح ملتبسا بحمده تعالى وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) أي من المصلين وكان صلّى الله عليه وسلّم إذا حزّ به أمر فزع إلى الصلاة وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) أي الموت فإنه متيقن اللحوق بكل حي مخلوق أي واعبد ربك في زمان حياتك ولا تخل لحظة من لحظات الحياة عن هذه العبادة.
Icon