تفسير سورة سورة محمد

في ظلال القرآن

مقدمة التفسير
سورة محمد مدنية وآياتها ثمان وثلاثون
هذه السورة مدنية، ولها اسم آخر. اسمها سورة القتال. وهو اسم حقيقي لها. فالقتال هو موضوعها. والقتال هو العنصر البارز فيها. والقتال في صورها وظلالها. والقتال في جرسها وإيقاعها.
القتال موضوعها. فهي تبدأ ببيان حقيقة الذين كفروا وحقيقة الذين آمنوا في صيغة هجوم أدبي على الذين كفروا، وتمجيد كذلك للذين آمنوا، مع إيحاء بأن الله عدو للأولين ولي للآخرين، وأن هذه حقيقة ثابتة في تقدير الله سبحانه. فهو إذن إعلان حرب منه تعالى على أعدائه وأعداء دينه منذ اللفظ الأول في السورة :( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم، والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد - وهو الحق من ربهم - كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم. ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم. كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ).
وعقب إعلان هذه الحرب من الله على الذين كفروا، أمر صريح للذين آمنوا بخوض الحرب ضدهم. في صيغة رنانة قوية، مع بيان لحكم الأسرى بعد الإثخان في المعركة والتقتيل العنيف :( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب، حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما منا بعد وإما فداء، حتى تضع الحرب أوزارها )..
ومع هذا الأمر بيان لحكمة القتال، وتشجيع عليه، وتكريم للإستشهاد فيه، ووعد من الله بإكرام الشهداء، وبالنصر لمن يخوض المعركة انتصارا لله، وبهلاك الكافرين وإحباط أعمالهم : ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم، ولكن ليبلو بعضكم ببعض، والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم. سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم. يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم. والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم. ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم..
ومعه كذلك تهديد عنيف للكافرين، وإعلان لولاية الله ونصرته للمؤمنين، وضياع الكافرين وخذلانهم وضعفهم وتركهم بلا ناصر ولا معين : فلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ؟ دمر الله عليهم، وللكافرين أمثالها. ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم.. كذلك تهديد آخر للقرية التي أخرجت الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] :( وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم )..
ثم تمضي السورة بعد هذا الهجوم العنيف السافر في ألوان من الحديث حول الكفر والإيمان، وحال المؤمنين وحال الكافرين في الدنيا والآخرة. فتفرق بين متاع المؤمن بالطيبات ؛ وتمتع الكافرين بلذائذ الأرض كالحيوان : إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار. والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم.. كما تصف متاع المؤمنين في الجنة بشتى الأشربة الشهية من ماء غير آسن، ولبن لم يتغير طعمه، وخمر لذة للشاربين، وعسل مصفى، في وفر وفيض.. في صورة أنهار جارية.. ذلك مع شتى الثمرات، ومع المغفرة والرضوان. ثم سؤال : أهؤلاء ( كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ؟ )..
فإذا انقضت هذه الجولة الأولى في المعركة السافرة المباشرة بين المؤمنين والكافرين. أعقبها في السورة جولة مع المنافقين، الذين كانوا هم واليهود بالمدينة يؤلفون خطرا على الجماعة الإسلامية الناشئة لا يقل عن خطر المشركين الذين يحاربونها من مكة وما حولها من القبائل في تلك الفترة، التي يبدو من الوقائع التي تشير إليها السورة أنها كانت بعد غزوة بدر، وقبل غزوة الأحزاب وما تلاها من خضد شوكة اليهود، وضعف مركز المنافقين " كما ذكرنا في تفسير سورة الأحزاب ".
والحديث عن المنافقين في هذه السورة يحمل ظلالها. ظلال الهجوم والقتال، منذ أول إشارة. فهو يصور تلهيهم عن حديث رسول الله، وغيبة وعيهم واهتمامهم في مجلسه ؛ ويعقب عليه بما يدمغهم بالضلال والهوى :( ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم : ماذا قال آنفا ؟ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم )..
ويهددهم بالساعة يوم لا يستطيعون الصحو ولا يملكون التذكر :( فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ؟ فقد جاء أشراطها. فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ؟ )..
ثم يصور هلعهم وجبنهم وتهافتهم إذا ووجهوا بالقرآن يكلفهم القتال - وهم يتظاهرون بالإيمان - والفارق بينهم يومئذ وبين المؤمنين الصادقين :( ويقول الذين آمنوا : لولا نزلت سورة ! فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ! ).
ويحثهم على الطاعة والصدق والثبات. ويرذل اتجاهاتهم، ويعلن عليهم الحرب والطرد واللعن :( فأولى لهم طاعة وقول معروف. فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم. فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ؟ أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم )..
ويفضحهم في توليهم للشيطان، وفي تآمرهم مع اليهود، ويهددهم بالعذاب عند الموت بالفضيحة التي تكشف أشخاصهم فردا فردا في المجتمع الإسلامي، الذي يدمجون أنفسهم فيه، وهم ليسوا منه، وهم يكيدون له :( إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، الشيطان سول لهم وأملى لهم. ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله : سنطيعكم في بعض الأمر. والله يعلم إسرارهم. فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ؟ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم. أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم. ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم، ولتعرفنهم في لحن القول. والله يعلم أعمالكم، ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم )..
وفي الجولة الثالثة والأخيرة في السورة عودة إلى الذين كفروا من قريش ومن اليهود وهجوم عليهم :( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول - من بعد ما تبين لهم الهدى - لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم )..
وتحذير للذين آمنوا أن يصيبهم مثل ما أصاب أعدائهم : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، ولا تبطلوا أعمالكم. إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار، فلن يغفر الله لهم..
وتحضيض لهم على الثبات عند القتال :( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم )..
وتهوين من شأن الحياة الدنيا وأعراضها. وحض على البذل الذي يسره الله، ولم يجعله استئصالا للمال كله، رأفة بهم، وهو يعرف شح نفوسهم البشرية، وتبرمها وضيقها لو أحفاهم في السؤال :
( إنما الحياة الدنيا لعب ولهو، وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم. إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم )..
وتختم السورة بما يشبه التهديد للمسلمين إن هم بخلوا بإنفاق المال، وبالبذل في القتال :( ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله، فمنكم من يبخل، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه، والله الغني وأنتم الفقراء، وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم )..
إنها معركة مستمرة من بدء السورة إلى ختامها ؛ يظللها جو القتال، وتتسم بطابعه في كل فقراتها.
وجرس الفاصلة وإيقاعها منذ البدء كأنه القذائف الثقيلة :[ أعمالهم. بالهم. أمثالهم. أهواءهم. أمعائهم.. ] وحتى حين تخف فإنها تشبه تلويح السيوف في الهواء :[ أوزارها. أمثالها. أقفالها... ].
وهناك شدة في الصور كالشدة في جرس الألفاظ المعبرة عنها.. فالقتال أو القتل يقول عنه :( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ).. والتقتيل والأسر يصوره بشدة :( حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق ).. والدعاء على الكافرين يجيء في لفظ قاس :( فتعسا لهم وأضل أعمالهم ).. وهلاك الغابرين يرسم في صورة مدوية ظلا ولفظا :( دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها ).. وصورة العذاب في النار تجيء في هذا المشهد :( وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ).. وحالة الجبن والفزع عند المنافقين تجيء في مشهد كذلك عنيف :( ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ! ).. حتى تحذير المؤمنين من التولي يجيء في تهديد نهائي حاسم :( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم )..
وهكذا يتناسق الموضوع والصور والظلال والإيقاع في سورة القتال..
آية رقم ١
( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم. والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد - وهو الحق من ربهم - كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم. ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ؛ وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم. كذلك يضرب الله للناس أمثالهم )..
افتتاح يمثل الهجوم بلا مقدمة ولا تمهيد ! وإضلال الأعمال الذي يواجه به الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله. سواء صدوا هم أم صدوا وصدوا غيرهم - يفيد ضياع هذه الأعمال وبطلانها. ولكن هذا المعنى يتمثل في حركة. فإذا بنا نرى هذه الأعمال شاردة ضالة، ونلمح عاقبة هذا الشرود والضلال، فإذا هي الهلاك والضياع. وهي حركة تخلع ظل الحياة على الأعمال، فكأنما هي شخوص حية أضلت وأهلكت. وتعمق المعنى وتلقي ظلاله. ظلال معركة تشرد فيها الأعمال عن القوم، والقوم عن الأعمال. حتى تنتهي إلى الضلال والهلاك !
وهذه الأعمال التي أضلت ربما كان المقصود منها بصفة خاصة الأعمال التي يأملون من ورائها الخير. والتي يبدو على ظاهرها الصلاح. فلا قيمة لعمل صالح من غير إيمان. فهذا الصلاح شكلي لا يعبر عن حقيقة وراءه. والعبرة بالباعث الذي يصدر عنه العمل لا بشكل العمل. وقد يكون الباعث طيبا. ولكنه حين لا يقوم على الإيمان يكون فلتة عارضة أو نزوة طارئة. لا يتصل بمنهج ثابت واضح في الضمير، متصل بخط سير الحياة العريض، ولا بناموس الوجود الأصيل. فلا بد من الإيمان ليشد النفس إلى أصل تصدر عنه في كل اتجاهاتها، وتتأثر به في كل انفعالاتها. وحينئذ يكون للعمل الصالح معناه. ويكون له هدفه ويكون له أطراده وتكون له آثاره وفق المنهج الإلهي الذي يربط أجزاء هذا الكون كله في الناموس ؛ ويجعل لكل عمل ولكل حركة وظيفة وأثرا في كيان هذا الوجود، وفي قيامه بدوره، وانتهائه إلى غايته.
وفي الجانب الآخر :( والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم ).. والإيمان الأول يشمل الإيمان بما نزل على محمد. ولكن السياق يبرزه ويظهره ليصفه بصفته :( وهو الحق من ربهم )ويؤكد هذا المعنى ويقرره. وإلى جوار الإيمان المستكن في الضمير، العمل الظاهر في الحياة. وهو ثمرة الإيمان الدالة على وجوده وحيويته وانبعاثه.
وهؤلاء :( كفر عنهم سيئاتهم ).. في مقابل إبطال أعمال الذين كفروا ولو كانت حسنات في شكلها وظاهرها. وبينما يبطل العمل ولو كان صالحا من الكافرين، فإن السيئة تغفر للمؤمنين. وهو تقابل تام مطلق يبرز قيمة الإيمان وقدره عند الله، وفي حقيقة الحياة..
( وأصلح بالهم ).. وإصلاح البال نعمة كبرى تلي نعمة الإيمان في القدر والقيمة والأثر. والتعبير يلقي ظلال الطمأنينة والراحة والثقة والرضى والسلام. ومتى صلح البال، استقام الشعور والتفكير، واطمأن القلب والضمير، وارتاحت المشاعر والأعصاب، ورضيت النفس واستمتعت بالأمن والسلام.. وماذا بعد هذا من نعمة أو متاع ؟ ألا إنه الأفق المشرق الوضيء الرفاف.
ولم كان هذا وكان ذاك ؟ إنها ليست المحاباة. وليست المصادفة. وليس الجزاف. إنما هو أمر له أصله الثابت، المرتبط بالناموس الأصيل الذي قام عليه الوجود يوم خلق الله السماوات والأرض بالحق، وجعل الحق هو الأساس :
( ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل، وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم )..
والباطل ليست له جذور ضاربة في كيان هذا الوجود ؛ ومن ثم فهو ذاهب هالك ؛ وكل من يتبعه وكل ما يصدر عنه ذاهب هالك كذلك. ولما كان الذين كفروا اتبعوا الباطل فقد ضلت أعمالهم، ولم يبق لهم منها شيء ذو غناء.
والحق ثابت تقوم عليه السماوات والأرض، وتضرب جذوره في أعماق هذا الكون. ومن ثم يبقى كل ما يتصل به ويقوم عليه. ولما كان الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم، فلا جرم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم.
فهو أمر واضح مقرر يقوم على أصوله الثابتة، ويرجع إلى أسبابه الأصلية. وما هو فلتة ولا مصادفة ولا جزاف ( كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ). وكذلك يضع لهم القواعد التي يقيسون إليها أنفسهم وأعمالهم. فيعلمون المثل الذي ينتمون إليه ويقاسون عليه. ولا يحتارون في الوزن والقياس !
ذلك الأصل الذي قررته الآية الأولى في السورة، يرتب عليه توجيه المؤمنين لقتال الكافرين. فهم على الحق الثابت الذي ينبغي أن يتقرر في الأرض، ويستعلي ويهيمن على أقدار الناس والحياة ليصل الناس بالحق وليقيم الحياة على أساسه. والذين كفروا على الباطل الذي ينبغي أن يبطل وتذهب آثاره من الحياة :
( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب. حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق. فإما منا بعد وإما فداء. حتى تضع الحرب أوزارها )..
واللقاء المقصود في الآية هنا هو اللقاء للحرب والقتال لا مجرد اللقاء. فحتى نزول هذه السورة كان المشركون في الجزيرة منهم المحارب ومنهم المعاهد ؛ ولم تكن بعد قد نزلت سورة " براءة " التي تنهي عهود المشركين المحددة الأجل إلى أجلها، والمطلقة الأجل إلى أربعة أشهر ؛ وتأمر بقتل المشركين بعد ذلك أنى وجدوا في أنحاء الجزيرة - قاعدة الإسلام - أو يسلموا. كي تخلص القاعدة للإسلام.
وضرب الرقاب المأمور به عند اللقاء يجيء بعد عرض الإسلام عليهم وإبائهم له طبعا. وهو تصوير لعملية القتل بصورتها الحسية المباشرة، وبالحركة التي تمثلها، تمشيا مع جو السورة وظلالها.
( حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق )..
والإثخان شدة التقتيل، حتى تتحطم قوة العدو وتتهاوى، فلا تعود به قدرة على هجوم أو دفاع. وعندئذ - لا قبله - يؤسر من استأسر ويشد وثاقه. فأما والعدو ما يزال قويا فالإثخان والتقتيل يكون الهدف لتحطيم ذلك الخطر.
وعلى هذا لا يكون هناك اختلاف - كما رأى معظم المفسرين - بين مدلول هذه الآية، ومدلول آية الأنفال التي عاتب الله فيها الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] والمسلمين لاستكثارهم من الأسرى في غزوة بدر. والتقتيل كان أولى. وذلك حيث يقول تعالى :( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة، والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ).. فالإثخان أولا لتحطيم قوة العدو وكسر شوكته ؛ وبعد ذلك يكون الأسر. والحكمة ظاهرة، لأن إزالة القوة المعتدية المعادية للإسلام هي الهدف الأول من القتال. وبخاصة حين كانت القوة العددية للأمة المسلمة قليلة محدودة. وكانت الكثرة للمشركين. وكان قتل محارب يساوي شيئا كبيرا في ميزان القوى حينذاك. والحكم ما يزال ساريا في عمومه في كل زمان بالصورة التي تكفل تحطيم قوة العدو، وتعجيزه عن الهجوم والدفاع.
فأما الحكم في الأسرى بعد ذلك، فتحدده هذه الآية. وهي النص القرآني الوحيد المتضمن حكم الأسرى :
( فإما منا بعد وإما فداء )..
أي إما أن يطلق سراحهم بعد ذلك بلا مقابل من مال أو من فداء لأسرى المسلمين. وإما أن يطلق مقابل فدية من مال أو عمل أو في نظير إطلاق سراح المسلمين المأسورين.
وليس في الآية حالة ثالثة. كالاسترقاق أو القتل. بالنسبة لأسرى المشركين.
ولكن الذي حدث فعلا أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والخلفاء من بعده استرقوا بعض الأسرى - وهو الغالب - وقتلوا بعضهم في حالات معينة.
ونحن ننقل هنا ما ورد حول هذه الآية في كتاب " أحكام القرآن للإمام الجصاص الحنفي " ونعلق على ما نرى التعليق عليه في ثناياه. قبل أن نقرر الحكم الذي نراه :
قال الله تعالى :( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب )قال أبو بكر قد اقتضى ظاهره وجوب القتل لا غير إلا بعد الإثخان. وهو نظير قوله تعالى :( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ).. " وهذا صحيح فليس بين النصين خلاف ".
حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن الحكم قال : حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان. قال : حدثنا أبو عبيد. قال : حدثنا عبدالله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة. عن ابن عباس في قوله تعالى ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ). قال : ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله تعالى بعد هذا في الأسارى :( فإما منا بعد وإما فداء ).. فجعل الله النبي والمؤمنين في الأسارى بالخيار. إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا استعبدوهم، وإن شاءوا فادوهم. شك أبو عبيد في.. وإن شاءوا استعبدوهم.. " والاستعباد مشكوك في صدور القول به عن ابن عباس فنتركه. وأما جواز القتل فلا نرى له سندا في الآية وإنما نصها المن أو الفداء.
وحدثنا جعفر بن محمد قال : حدثنا أبو عبيد، قال : حدثنا أبو مهدي وحجاج، كلاهما عن سفيان. قال : سمعت السدي يقول في قوله :( فإما منا بعد وإما فداء ).. قال : هي منسوخة، نسخها قوله :( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) : قال أبو بكر : أما قوله :( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ).. وقوله تعالى :( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ).. وقوله :( فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم ).. فإنه جائز أن يكون حكما ثابتا غير منسوخ. وذلك لأن الله تعالى أمر نبيه [ صلى الله عليه وسلم ] بالإثخان في القتل وحظر عليه الأسر - إلا بعد إذلال المشركين وقمعهم - وكان ذلك وقت قلة عدد المسلمين وكثرة عدد عدوهم من المشركين، فمتى أثخن المشركون وأذلوا بالقتل والتشريد جاز الاستبقاء. فالواجب أن يكون هذا حكما ثابتا إذا وجد مثل الحال التي كان عليها المسلمون في أول الإسلام. " ونقول : إن الأمر بقتل المشركين حيث وجدوا خاص بمشركي الجزيرة. بينما النص في سورة محمد عام. فمتى تحقق الإثخان في الأرض جاز أخذ الأسارى. وهذا ما جرى عليه الخلفاء بعد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وبعد نزول سورة براءة بطبيعة الحال، ولم يقتلوهم إلا في حالات معينة سيأتي بيانها "..
وأما قوله :( فإما منا بعد وإما فداء ).. ظاهره يقتضي أحد شيئين : من أو فداء. وذلك ينفي جواز القتل. وقد اختلف السلف في ذلك. حدثنا حجاج عن مبارك بن فضالة عن الحسن أنه كره قتل الأسير، وقال : من عليه أو فاده. وحدثنا جعفر قال : حدثنا أبو عبيد قال : أخبرنا هشيم. قال : أخبرنا أشعث قال : سألت عطاء عن قتل الأسير فقال : من عليه أو فاده قال : وسألت الحسن. قال : يصنع به ما صنع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بأسارى بدر، يمن عليه أو يفادى به. وروي عن ابن عمر أنه دفع إليه عظيم من عظماء اصطخر ليقتله، فأبى أن يقتله، وتلا قوله :( فإما منا بعد وإما فداء ).. وروي أيضا عن مجاهد ومحمد بن سيرين كراهة قتل الأسير. وقد روينا عن السدي أن قوله :( فإما منا بعد وإما فداء )منسوخ بقوله :( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ). وروي مثله عن ابن جريج. حدثنا جعفر قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال : هي منسوخة. وقال : قتل رسول الله[ صلى الله عليه وسلم ] عقبة ابن أبي معيط يوم بدر صبرا، قال أبو بكر : اتفق فقهاء الأمصار على جواز قتل الأسير لا نعلم بينهم خلافا فيه، وقد تواترت الأخبار عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في قتله الأسير، منها قتله عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث بعد الأسر يوم بدر. وقتل يوم أحد أبا عزة الشاعر بعدما أسر. وقتل بني قريظة بعد نزولهم على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بالقتل وسبي الذرية. ومن على الزبير بن باطا من بينهم، وفتح خيبر بعضها صلحا وبعضها عنوة، وشرط على ابن أبي الحقيق ألا يكتم شيئا، فلما ظهر على خيانته وكتمانه قتله. وفتح مكة وأمر بقتل هلال بن خطل، ومقيس بن حبابة، وعبد الله بن أبي سرح، وآخرين، وقال :" اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة ". ومن على أهل مكة ولم يغنم أموالهم. وروي عن صالح بنكيسان عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن عوف، أنه سمع أبا بكر الصديق يقول :" وددت أني يوم أتيت بالفجاءة لم أكن أحرقته، وكنت قتلته سريحا أو أطلقته نجيحا ". وعن أبي موسى أنه قتل دهقان السوس بعدما أعطاه الأمان على قوم سماهم ونسي نفسه فلم يدخلها في الأمان فقتله. فهذه آثار متواترة عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وعن الصحابة في جواز قتل الأسير وفي استبقائه. واتفق فقهاء الأمصار على ذلك. " وجواز القتل لا يؤخذ من الآية، ولكن يؤخذ من عمل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وبعض الصحابة. وتتبع الحالات التي وقع فيها القتل يعطي أنها حالات خاصة، وراءها أسباب معينة غير مجرد التعرض للقتال والأسر. فالنضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط كلاهما كان له موقف خاص في إيذاء رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وإيذاء دعوته. وكذلك أبو عزة الشاعر، ولبني قريظة كذلك موقف خاص بارتضائهم حكم سعد بن معاذ سلفا. وهكذا نجد في جميع الحالات أسبابا معينة تفرد هذه الحالات من الحكم العام للأسرى الذي تقرره الآية :( فإما منا بعد وإما فداء )..
وإنما اختلفوا في فدائه، فقال أصحابنا جميعا " يعني الحنفية " : لا يفادى الأسير بالمال، ولا يباع السبي من أهل الحرب فيردوا حربا. وقال أبو حنيفة : لا يفادون بأسرى المسلمين أيضا، ولا يردون حربا أبدا. وقال أبو يوسف ومحمد : لا بأس أن يفادى أسرى المسلمين بأسرى المشركين. وهو قول الثوري والأوزاعي، وقال الأوزاعي : لا بأس ببيع السبي من أهل الحرب، ولا يباع الرجال إلا أن يفادى بهم المسلمون. وقال المزني عن الشافعي : للإمام أن يمن على الرجال الذين ظهر عليهم أو يفادي بهم، فأما المجيزون للفداء بأسرى المسلمين وبالمال فإنهم احتجوا بقوله :( فإما منا بعد وإما فداء )وظاهره يقتضي جوازه بالمال وبالمسلمين ؛ وبأن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فدى أسارى بدر بالمال. ويحتجون للفداء بالمسلمين بما روى ابن المبارك، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران ابن حصين. قال : أسرت ثقيف رجلين من أصحاب النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وأسر أصحاب النبي [ صلى الله عليه وسلم ] رجلا من بني عامر ابن صعصعة ؛ فمر به النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وهو موثق، فناداه، فأقبل إليه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : علام أحبس ؟ قال :" بجريرة حلفائك ". فقال الأسير : إني مسلم، فقال النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :" لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كل الفلاح ". ثم مضى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فناداه أيضا، فأقبل، فقال : إني جائع فأطعمني. فقال النبي [ صلى الله عليه وسلم ] :" هذه حاجتك ". ثم إن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فداه بالرجلين اللذين كانت ثقيف أسرتهما.. ( وحجة القائلين بالفداء أرجح في تقديرنا من حجة أصحاب الإمام الجصاص على الاختلاف في الفداء بالمال أو بأسرى المسلمين ).
وقد ختم الإمام الجصاص القول في المسألة بترجيح رأي أصحابه الحنفية قال : وأما ما في الآية من ذكر المن والفداء، وما روي في أسارى بدر فإن ذلك منسوخ بقوله :( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ).. وقد روينا ذلك عن السدي وابن جريج. وقوله تعالى :( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر )إلى قوله :( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ). فتضمنت الآيتان وجوب القتال للكفار حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية. والفداء بالمال أو بغيره ينافي ذلك. ولم يختلف أهل التفسير ونقلة الآثار أن سورة " براءة " بعد سورة " محمد " [ صلى الله ع
آية رقم ٥
( سيهديهم ويصلح بالهم ) :
فالله ربهم الذي قتلوا في سبيله، يظل يتعهدهم بالهداية - بعد الاستشهاد - ويتعهدهم بإصلاح البال، وتصفية الروح من بقية أوشاب الأرض ؛ أو يزيدها صفاء لتتناسق مع صفاء الملأ الأعلى الذي صعدت إليه، وإشراقه وسناه. فهي حياة مستمرة في طريقها لم تنقطع إلا فيما يرى أهل الأرض المحجوبون. وهي حياة يتعهدها الله ربها في الملأ الأعلى. ويزيدها هدى. ويزيدها صفاء، ويزيدها إشراقا. وهي حياة نامية في ظلال الله. وأخيرا يحقق لهم ما وعدهم :
آية رقم ٦
( ويدخلهم الجنة عرفها لهم )..
وقد ورد حديث عن تعريف الله الجنة للشهداء رواه الإمام أحمد في مسنده قال : حدثنا زيد بن نمر الدمشقي، حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن كثير بن مرة، عن قيس الجذامي - رجل كانت له صحبة - قال : قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" يعطى الشهيد ست خصال : عند أول قطرة من دمه، تكفر عنه كل خطيئة ؛ ويرى مقعده من الجنة، ويزوج من الحور العين، ويأمن من الفزع الأكبر ومن عذاب القبر، ويحلى حلة الإيمان ".. [ تفرد به أحمد. وقد روى حديثا آخر قريبا من هذا المعنى. وفيه النص على رؤية الشهيد لمقعده من الجنة. أخرجه الترمذي وصححه ابن ماجه ].
فهذا تعريف الله الجنة للشهداء في سبيله. وهذه هي نهاية الهداية الممتدة، وإصلاح البال المستأنف بعد مغادرتهم لهذه الأرض. ونماء حياتهم وهداهم وصلاحهم هناك عند الله.
وفي ظل هذه الكرامة للذين قتلوا في سبيل الله. وفي ظل ذلك الرضى، وتلك الرعاية، وبلوغ ذلك المقام. يحرض الله المؤمنين على التجرد لله، والاتجاه إلى نصرة نهجه في الحياة ؛ ويعدهم على هذا النصر والتثبيت في المعركة ؛ والتعس والضلال لأعدائهم وأعدائه :
( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم. والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم. ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم )..
وكيف ينصر المؤمنون الله، حتى يقوموا بالشرط وينالوا ما شرط لهم من النصر والتثبيت ؟
إن لله في نفوسهم أن تتجرد له، وألا تشرك به شيئا، شركا ظاهرا أو خفيا، وألا تستبقي فيها معه أحدا ولا شيئا، وأن يكون الله أحب إليها من ذاتها ومن كل ما تحب وتهوى، وأن تحكمه في رغباتها ونزواتها وحركاتها وسكناتها، وسرها وعلانيتها، ونشاطها كله وخلجاتها.. فهذا نصر الله في ذوات النفوس.
وإن لله شريعة ومنهاجا للحياة، تقوم على قواعد وموازين وقيم وتصور خاص للوجود كله وللحياة. ونصر الله يتحقق بنصرة شريعته ومنهاجه، ومحاولة تحكيمها في الحياة كلها بدون استثناء، فهذا نصر الله في واقع الحياة.
ونقف لحظة أمام قوله تعالى :( والذين قتلوا في سبيل الله ).. وقوله :( إن تنصروا الله )..
وفي كلتا الحالتين. حالة القتل. وحالة النصرة. يشترط أن يكون هذا لله وفي سبيل الله. وهي لفتة بديهية، ولكن كثيرا من الغبش يغطي عليها عندما تنحرف العقيدة في بعض الأجيال. وعندما تمتهن كلمات الشهادة والشهداء والجهاد وترخص، وتنحرف عن معناها الوحيد القويم.
إنه لا جهاد، ولا شهادة، ولا جنة، إلا حين يكون الجهاد في سبيل الله وحده، والموت في سبيله وحده، والنصرة له وحده، في ذات النفس وفي منهج الحياة.
لا جهاد ولا شهادة ولا جنة إلا حين يكون الهدف هو أن تكون كلمة الله هي العليا. وأن تهيمن شريعته ومنهاجه في ضمائر الناس وأخلاقهم وسلوكهم، وفي أوضاعهم وتشريعهم ونظامهم على السواء.
عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال : سئل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء. أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال :" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ".
وليس هنالك من راية أخرى، أو هدف آخر، يجاهد في سبيله من يجاهد، ويستشهد دونه من يستشهد، فيحق له وعد الله بالجنة. إلا تلك الراية وإلا هذا الهدف. من كل ما يروج في الأجيال المنحرفة التصور من رايات وأسماء وغايات !
ويحسن أن يدرك أصحاب الدعوة هذه اللفتة البديهية، وأن يخلصوها في نفوسهم من الشوائب التي تعلق بها من منطق البيئة وتصور الأجيال المنحرفة، وألا يلبسوا برايتهم راية، ولا يخلطوا بتصورهم تصورا غريبا على طبيعة العقيدة.
لا جهاد إلا لتكون كلمة الله هي العليا. العليا في النفس والضمير. والعليا في الخلق والسلوك. والعليا في الأوضاع والنظم. والعليا في العلاقات والارتباطات في كل أنحاء الحياة. وما عدا هذا فليس لله. ولكن للشيطان. وفيما عدا هذا ليست هناك شهادة ولا استشهاد.
وفيما عدا هذا ليس هنالك جنة ولا نصر من عند الله ولا تثبيت للأقدام. وإنما هو الغبش وسوء التصور والانحراف.
وإذا عز على غير أصحاب الدعوة لله أن يتخلصوا من هذا الغبش وسوء التصور والانحراف، فلا أقل من أن يخلص الدعاة إلى الله أنفسهم ومشاعرهم وتصورهم من منطق البيئة الذي لا يتفق مع البديهة الأولى في شرط الله..
وبعد فهذا شرط الله على الذين آمنوا. فأما شرطه لهم فهو النصر وتثبيت الأقدام. وعد الله لا يخلفه. فإذا تخلف فترة ؛ فهو أجل مقدر لحكمة أخرى تتحقق مع تحقق النصر والتثبيت. ذلك حين يصح أن المؤمنين وفوا بالشرط ثم تخلف عنهم - فترة - نصر الله.
ثم نقف لحظة أمام لفتة خاصة في التعبير :( ينصركم. ويثبت أقدامكم )..
إن الظن يذهب لأول وهلة أن تثبيت الأقدام يسبق النصر، ويكون سببا فيه. وهذا صحيح. ولكن تأخير ذكره في العبارة يوحي بأن المقصود معنى آخر من معاني التثبيت. معنى التثبيت على النصر وتكاليفه. فالنصر ليس نهاية المعركة بين الكفر والإيمان، وبين الحق والضلال. فللنصر تكاليفه في ذات النفس وفي واقع الحياة. للنصر تكاليفه في عدم الزهو به والبطر. وفي عدم التراخي بعده والتهاون. وكثير من النفوس يثبت على المحنة والبلاء. ولكن القليل هو الذي يثبت على النصر والنعماء. وصلاح القلوب وثباتها على الحق بعد النصر منزلة أخرى وراء النصر. ولعل هذا هو ما تشير إليه عبارة القرآن. والعلم لله.
آية رقم ٨
( والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم )..
وذلك عكس النصر وتثبيت الأقدام. فالدعاء بالتعس قضاء من الله سبحانه بالتعاسة والخيبة والخذلان وإضلال الأعمال ضياع بعد ذلك وفناء..
آية رقم ٩
( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم )..
وهو تصوير لما يعتمل في قلوبهم ويختلج في نفوسهم من الكراهية لما أنزل الله من قرآن وشريعة ومنهج واتجاه. وهذا هو الذي يدفع بهم إلى الكفر والعناد والخصومة والملاحاة. وهي حالة كثير من النفوس الفاسدة التي تكره بطبعها ذلك النهج السليم القويم، وتصادمه من داخلها، بحكم مغايرة طبيعتها لطبيعته. وهي نفوس يلتقي بها الإنسان كثيرا في كل زمان وفي كل مكان، ويحس منها النفرة والكراهية لهذا الدين وما يتصل به ؛ حتى إنها لتفزع من مجرد ذكره كما لو كانت قد لذعتها العقارب ! وتتجنب أن يجيء ذكره أو الإشارة إليه فيما تسمع حولها من حديث ! ولعلنا نشاهد في هذه الأيام حالة من هذا الطراز لا تخفى على الملاحظة !
وكان جزاء هذه الكراهية لما أنزل الله، أن أحبط الله أعمالهم. وإحباط الأعمال تعبير تصويري على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير. فالحبوط انتفاخ بطون الماشية عند أكلها نوعا من المرعى سام. ينتهي بها الى الموت والهلاك. وكذلك انتفخت أعمالهم وورمت وانبعجت.. ثم انتهت إلى الهلاك والضياع ! إنها صورة وحركة، ونهاية مطابقة لحال من كرهوا ما أنزل الله ثم تعاجبوا بالأعمال الضخام. المنتفخة كبطون الأنعام، حين ترعى من ذلك النبت السام !
ثم يلوي أعناقهم إلى مصارع الغابرين قبلهم في شدة وعنف :
أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ؟ دمر الله عليهم. وللكافرين أمثالها..
وهي لفتة عنيفة مروعة، فيها ضجة وفرقعة. وفيها مشهد للذين من قبلهم يدمر عليهم كل ما حولهم، وكل ما لهم، فإذا هو أنقاض متراكمة، وإذا هم تحت هذه الأنقاض المتراكمة. وذلك المشهد الذي يرسمه التعبير مقصود بصورته هذه وحركته، والتعبير يحمل في إيقاعه وجرسه صورة هذا المشهد وفرقعته في انقضاضه وتحطمه !
وعلى مشهد التدمير والتحطيم والردم، يلوح للحاضرين من الكافرين، ولكل من يتصف بهذه الصفة بعد، بأنها في انتظارهم. هذه الوقعة المدمرة التي تدمر عليهم كل شيء وتدفنهم بين الأنقاض :( وللكافرين أمثالها ) !
وتفسير هذا الأمر الهائل المروع الذي يدمر على الكافرين وينصر المؤمنين هو القاعدة الأصيلة الدائمة :
( ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا، وأن الكافرين لا مولى لهم )..
ومن كان الله مولاه وناصره فحسبه، وفيه الكفاية والغناء ؛ وكل ما قد يصيبه إنما هو ابتلاء وراءه الخير، لا تخليا من الله عن ولايته له، ولا تخلفا لوعد الله بنصر من يتولاهم من عباده. ومن لم يكن الله مولاه فلا مولى له، ولو اتخذ الإنس والجن كلهم أولياء. فهو في النهاية مضيع عاجز ؛ ولو تجمعت له كل أسباب الحماية وكل أسباب القوة التي يعرفها الناس !
ثم يوازن بين نصيب الذين آمنوا ونصيب الذين كفروا من المتاع بعدما بين نصيب هؤلاء وهؤلاء فيما يشتجر بينهم من قتال ونزال. مع بيان الفارق الأصيل بين متاع ومتاع :
إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار. والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، والنار مثوى لهم..
والذين آمنوا وعملوا الصالحات يتمتعون في الأرض أحيانا من أطيب المتاع ؛ ولكن الموازنة هنا إنما تقوم بين النصيب الحقيقي الضخم للمؤمنين - وهو نصيبهم في الجنة - والنصيب الكلي للكافرين الذي لا نصيب لهم سواه.
ونصيب المؤمنين يتلقونه من يد الله في جنات تجري من تحتها الأنهار. فالله هو الذي يدخلهم. وهو إذن نصيب كريم علوي رفيع. وهم ينالونه من بين يدي الله في علاه جزاء على الإيمان والصلاح، متناسقا في رفعته وكرامته مع الارتفاع المنطلق من الإيمان والصلاح.
ونصيب الذين كفروا متاع وأكل ( كما تأكل الأنعام ).. وهو تصوير زري، يذهب بكل سمات الإنسان ومعالمه ؛ ويلقي ظلال الأكل الحيواني الشره، والمتاع الحيواني الغليظ. بلا تذوق، وبلا تعفف عن جميل أو قبيح.. إنه المتاع الذي لا ضابط له من إرادة، ولا من اختيار، ولا حارس عليه من تقوى، ولا رادع عنه من ضمير.
والحيوانية تتحقق في المتاع والأكل، ولو كان هناك ذوق مرهف للطعوم، وحس مدرب في اختيار صنوف المتاع، كما يتفق هذا لكثير من الناشئين في بيوت النعمة والثراء. وليس هذا هو المقصود. إنما المقصود هو حساسية الإنسان الذي يملك نفسه وإرادته، والذي له قيم خاصة للحياة ؛ فهو يختار الطيب عند الله. عن إرادة لا يخضعها ضغط الشهوة، ولا يضعفها هتاف اللذة. ولا تحسب الحياة كلها مائدة طعام، وفرصة متاع ؛ بلا هدف بعد ذلك ولا تقوى فيما يباح وما لا يباح !
إن الفارق الرئيسي بين الإنسان والحيوان : أن للإنسان إرادة وهدفا وتصورا خاصا للحياة يقوم على أصولها الصحيحة، المتلقاة من الله خالق الحياة. فإذا فقد هذا كله فقد أهم خصائص الإنسان المميزة لجنسه، وأهم المزايا التي من أجلها كرمه الله.
وتعترض سلسلة الموازنات بين الذين آمنوا والذين كفروا لفتة إلى القرية التي أخرجت الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وموازنة بينها وبين القرى الهالكة وكانت أشد قوة منها :
وكأي من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم..
وهي آية يروى أنها نزلت في الطريق بين مكة والمدينة في أثناء رحلة الخروج والهجرة، تسلية للرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وتسرية عنه ؛ وتهوينا من شأن المشركين الجبارين الذين وقفوا في وجه الدعوة، وآذوا أصحابها، حتى هاجروا من أرضهم وأهلهم وأموالهم فرارا بعقيدتهم.
ثم يمضي في الموازنة بين حال الفريقين ؛ ويعلل لم كان الله ولي المؤمنين يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار في الآخرة، بعد النصر والكرامة في الدنيا ؟ ولم كان الذين كفروا لا مولى لهم معرضين للهلاك في الدنيا - بعد حياة حيوانية هابطة - وللعذاب في الآخرة والثوي في النار والإقامة :
( أفمن كان على بينة من ربه، كمن زين له سوء عمله، واتبعوا أهواءهم ؟ )..
فهو فارق أصيل في الحالة التي عليها الفريقان، وفي المنهج والسلوك سواء. فالذين آمنوا على بينة من ربهم.. رأوا الحق وعرفوه، واستيقنوا من مصدره واتصلوا بربهم فتلقوا عنه، وهم على يقين مما يتلقون. غير مخدوعين ولا مضللين. والذين كفروا زين لهم سوء عملهم، فرأوه حسنا وهو سيء ؛ ولم يروا ولم يستيقنوا، ( واتبعوا أهواءهم ). بلا ضابط يرجعون إليه، ولا أصل يقيسون عليه، ولا نور يكشف لهم الحق من الباطل.
أهؤلاء كهؤلاء ؟ إنهم يختلفون حالا ومنهجا واتجاها. فلا يمكن أن يتفقوا ميزانا ولا جزاء ولا مصيرا !
وهذه صورة من صور التفرقة بين هؤلاء وهؤلاء في المصير :
( مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى ؛ ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم. كمن هو خالد في النار، وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ؟ )..
إن هذه الصورة الحسية من النعيم والعذاب ترد في مواضع من القرآن. وقد تجيء معها صور معنوية أو تجيء مجردة. كما أن صور النعيم والعذاب المجردة عن الحسيات تجيء في مواضع أخرى.
والله الذي خلق البشر، أعلم بمن خلق، وأعرف بما يؤثر في قلوبهم، وما يصلح لتربيتهم. ثم ما يصلح لنعيمهم ولعذابهم. والبشر صنوف، والنفوس ألوان، والطبائع شتى. تلتقي كلها في فطرة الإنسان، ثم تختلف وتتنوع بحسب كل إنسان. ومن ثم فصل الله ألوان النعيم والعذاب، وصنوف المتاع والآلام، وفق علمه المطلق بالعباد..
هنالك ناس يصلح لتربيتهم، ولاستجاشة همتهم للعمل كما يصلح لجزائهم ويرضي نفوسهم أن يكون لهم أنهار من ماء غير آسن، أو أنهار من لبن لم يتغير طعمه، أو أنهار من عسل مصفى، أو أنهار من خمر لذة للشاربين. أو صنوف من كل الثمرات. مع مغفرة من ربهم تكفل لهم النجاة من النار والمتاع بالجنات.. فلهؤلاء ما يصلح لتربيتهم، وما يليق لجزائهم.
وهنالك ناس يعبدون الله لأنهم يشكرونه على نعمه التي لا يحصونها. أو لأنهم يحبونه ويتقربون إليه بالطاعات تقرب الحبيب للحبيب. أو لأنهم يستحيون أن يراهم الله على حالة لا يحبها. ولا ينظرون وراء ذلك إلى جنة أو إلى نار، ولا إلى نعيم أو عذاب على الإطلاق، وهؤلاء يصلح لهم تربية ويصلح لهم جزاء أن يقول الله لهم :( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ).. أو أن يعلموا أنهم سيكونون :( في مقعد صدق عند مليك مقتدر )..
ولقد روي عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أنه كان يصلي حتى تنفر رجلاه. فقالت له عائشة - رضي الله عنها - يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال [ صلى الله عليه وسلم ] :" يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا ؟ "..
وتقول رابعة العدوية :" أو لو لم تكن جنة ولا نار لم يعبد الله أحد، ولم يخشه أحد ؟ ".
وتجيب سفيان الثوري وقد سألها : ما حقيقة إيمانك ؟ تقول :" ما عبدته خوفا من ناره، ولا حبا لجنته فأكون كالأجير السوء. عبدته شوقا إليه "..
وبين هذا اللون وذلك ألوان من النفوس والمشاعر والطباع.. وكلها تجد - فيما جعله الله من نعيم وعذاب، ومن ألوان الجزاء - ما يصلح للتربية في الأرض ؛ وما يناسب للجزاء عند الله.
والملاحظ عموما أن صور النعيم والعذاب ترق وتشف كلما ترقى السامعون في مراقي التربية والتهذيب على مدى نزول القرآن. وحسب أنواع المخاطبين، والحالات المتنوعة التي كانت تخاطب بالآيات. وهي حالات ونماذج تتكرر في البشرية في جميع الأعصار.
وهنا نوعان من الجزاء : هذه الأنهار مع كل الثمرات مع المغفرة من الله. والنوع الآخر :
( كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم )..
وهي صورة حسية عنيفة من العذاب، تناسب جو سورة القتال، وتتناسب مع غلظ طبيعة القوم. وهم يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام. فالجو جو متاع غليظ وأكل غليظ. والجزاء ماء حميم ساخن وتقطيع للأمعاء، التي كانت تحش وتلتهم الأكل كالأنعام !
ولن يكون هؤلاء كهؤلاء في الجزاء، كما أنهم في الحال والمنهج ليسوا سواء..
بهذا يختم الجولة الأولى التي بدأت بالهجوم عند افتتاح السورة، واستمرت في معركة متصلة، عنيفة، حتى الختام..
هذه الجولة مع المنافقين، وموقفهم إزاء شخص رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وإزاء القرآن. ثم موقفهم من الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين لإعلاء كلمة الله. وأخيرا موقفهم من اليهود وتآمرهم معهم سرا للإيقاع بالإسلام والمسلمين.
وحركة النفاق حركة مدنية، لم يكن لها وجود في مكة، لأنه لم يكن هناك ما يدعو إليها. فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد، الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه ! فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة، وانتشاره في العشائر والبيوت بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام، اضطر ناس ممن كرهوا لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] وللإسلام أن يعز ويستعلي، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة، اضطروا إلى التظاهر بالإسلام على كره. وهم يضمرون الحقد والبغضاء. ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر. وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق المعروف.
وكان وجود اليهود في المدينة وتمتعهم فيها بقوة عسكرية وقوة اقتصادية وقوة تنظيمية في أول العهد المدني. وكراهيتهم كذلك لظهور محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ودينه وأتباعه. كان وجود اليهود على هذا الوضع مشجعا للمنافقين. وسرعان ما جمعتهم البغضاء والحقد فأخذوا في حبك المؤامرات ودس الدسائس في كل مناسبة تعرض. فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم ؛ وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكايد في الظلام ! وكانوا إلى منتصف العهد المدني يؤلفون خطرا حقيقيا على الإسلام والمسلمين.
وقد تواتر ذكر المنافقين، ووصف دسائسهم، والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدنية ؛ كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود، وتلقيهم عنهم، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة. وهذا أحد المواضع التي وردت فيها الإشارة إلى المنافقين، والإشارة كذلك إلى اليهود.
آية رقم ١٧
هذه الجولة مع المنافقين، وموقفهم إزاء شخص رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وإزاء القرآن. ثم موقفهم من الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين لإعلاء كلمة الله. وأخيرا موقفهم من اليهود وتآمرهم معهم سرا للإيقاع بالإسلام والمسلمين.
وحركة النفاق حركة مدنية، لم يكن لها وجود في مكة، لأنه لم يكن هناك ما يدعو إليها. فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد، الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه ! فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة، وانتشاره في العشائر والبيوت بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام، اضطر ناس ممن كرهوا لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] وللإسلام أن يعز ويستعلي، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة، اضطروا إلى التظاهر بالإسلام على كره. وهم يضمرون الحقد والبغضاء. ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر. وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق المعروف.
وكان وجود اليهود في المدينة وتمتعهم فيها بقوة عسكرية وقوة اقتصادية وقوة تنظيمية في أول العهد المدني. وكراهيتهم كذلك لظهور محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ودينه وأتباعه. كان وجود اليهود على هذا الوضع مشجعا للمنافقين. وسرعان ما جمعتهم البغضاء والحقد فأخذوا في حبك المؤامرات ودس الدسائس في كل مناسبة تعرض. فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم ؛ وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكايد في الظلام ! وكانوا إلى منتصف العهد المدني يؤلفون خطرا حقيقيا على الإسلام والمسلمين.
وقد تواتر ذكر المنافقين، ووصف دسائسهم، والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدنية ؛ كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود، وتلقيهم عنهم، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة. وهذا أحد المواضع التي وردت فيها الإشارة إلى المنافقين، والإشارة كذلك إلى اليهود.
ذلك حال المنافقين، فأما حال المهتدين فهو على النقيض :
( والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ) :
وترتيب الوقائع في الآية يستوقف النظر. فالذين اهتدوا بدأوا هم بالاهتداء، فكافأهم الله بزيادة الهدى، وكافأهم بما هو أعمق وأكمل :( وآتاهم تقواهم ).. والتقوى حالة في القلب تجعله أبدا واجفا من هيبة الله، شاعرا برقابته، خائفا من غضبه، متطلعا إلى رضاه، متحرجا من أن يراه الله على هيئة أو في حالة لا يرضاها.. هذه الحساسية المرهفة هي التقوى.. وهي مكافأة يؤتيها الله من يشاء من عباده، حين يهتدون هم ويرغبون في الوصول إلى رضى الله.
والهدى والتقوى والحساسية حالة تقابل حالة النفاق والانطماس والغفلة في الآية السابقة.
هذه الجولة مع المنافقين، وموقفهم إزاء شخص رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وإزاء القرآن. ثم موقفهم من الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين لإعلاء كلمة الله. وأخيرا موقفهم من اليهود وتآمرهم معهم سرا للإيقاع بالإسلام والمسلمين.
وحركة النفاق حركة مدنية، لم يكن لها وجود في مكة، لأنه لم يكن هناك ما يدعو إليها. فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد، الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه ! فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة، وانتشاره في العشائر والبيوت بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام، اضطر ناس ممن كرهوا لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] وللإسلام أن يعز ويستعلي، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة، اضطروا إلى التظاهر بالإسلام على كره. وهم يضمرون الحقد والبغضاء. ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر. وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق المعروف.
وكان وجود اليهود في المدينة وتمتعهم فيها بقوة عسكرية وقوة اقتصادية وقوة تنظيمية في أول العهد المدني. وكراهيتهم كذلك لظهور محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ودينه وأتباعه. كان وجود اليهود على هذا الوضع مشجعا للمنافقين. وسرعان ما جمعتهم البغضاء والحقد فأخذوا في حبك المؤامرات ودس الدسائس في كل مناسبة تعرض. فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم ؛ وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكايد في الظلام ! وكانوا إلى منتصف العهد المدني يؤلفون خطرا حقيقيا على الإسلام والمسلمين.
وقد تواتر ذكر المنافقين، ووصف دسائسهم، والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدنية ؛ كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود، وتلقيهم عنهم، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة. وهذا أحد المواضع التي وردت فيها الإشارة إلى المنافقين، والإشارة كذلك إلى اليهود.
ومن ثم يعود بعد هذه اللفتة إلى الحديث عن أولئك المنافقين المطموسين الغافلين، الذين يخرجون من مجلس رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولم يعوا مما قال شيئا ينفعهم ويهديهم. ويستجيش قلوبهم للتقوى، ويذكرهم بما ينتظر الناس من حساب وجزاء :
( فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ؟ فقد جاء أشراطها. فأنى لهم - إذا جاءتهم - ذكراهم ؟ ).
وهي جذبة قوية تخرج الغافلين من الغفلة بعنف، كما لو أخذت بتلابيب مخمور وهززته هزا !
ماذا ينتظر هؤلاء الغافلون الذين يدخلون مجالس رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويخرجون منها، غير واعين، ولا حافظين، ولا متذكرين ؟ ماذا ينتظرون ؟ ( فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ؟ ).. فتفجأهم وهم سادرون غارون غافلون.
هل ينظرون إلا الساعة ؟ ( فقد جاء أشراطها ). ووجدت علاماتها. والرسالة الأخيرة أضخم هذه العلامات، فهي إيذان بأنها النذارة الأخيرة قرب الأجل المضروب. وقد قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" بعثت أنا والساعة كهاتين " وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها. وإذا كان الزمن يلوح ممتدا منذ هذه الرسالة الأخيرة ؛ فإن أيام الله غير أيامنا. ولكنها في حساب الله قد جاءت الأشراط الأولى ؛ وما عاد لعاقل أن يغفل حتى تأخذه الساعة بغتة حيث لا يملك صحوا ولا ذكرا :
( فأنى لهم - إذا جاءتهم - ذكراهم ؟ )..
إنها الهزة القوية العنيفة التي تخرج الغافلين من غفلتهم ؛ والتي تتفق كذلك مع طابع السورة العنيف.
هذه الجولة مع المنافقين، وموقفهم إزاء شخص رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وإزاء القرآن. ثم موقفهم من الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين لإعلاء كلمة الله. وأخيرا موقفهم من اليهود وتآمرهم معهم سرا للإيقاع بالإسلام والمسلمين.
وحركة النفاق حركة مدنية، لم يكن لها وجود في مكة، لأنه لم يكن هناك ما يدعو إليها. فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد، الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه ! فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة، وانتشاره في العشائر والبيوت بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام، اضطر ناس ممن كرهوا لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] وللإسلام أن يعز ويستعلي، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة، اضطروا إلى التظاهر بالإسلام على كره. وهم يضمرون الحقد والبغضاء. ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر. وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق المعروف.
وكان وجود اليهود في المدينة وتمتعهم فيها بقوة عسكرية وقوة اقتصادية وقوة تنظيمية في أول العهد المدني. وكراهيتهم كذلك لظهور محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ودينه وأتباعه. كان وجود اليهود على هذا الوضع مشجعا للمنافقين. وسرعان ما جمعتهم البغضاء والحقد فأخذوا في حبك المؤامرات ودس الدسائس في كل مناسبة تعرض. فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم ؛ وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكايد في الظلام ! وكانوا إلى منتصف العهد المدني يؤلفون خطرا حقيقيا على الإسلام والمسلمين.
وقد تواتر ذكر المنافقين، ووصف دسائسهم، والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدنية ؛ كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود، وتلقيهم عنهم، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة. وهذا أحد المواضع التي وردت فيها الإشارة إلى المنافقين، والإشارة كذلك إلى اليهود.
ثم يتجه الخطاب إلى الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] ومن معه من المهتدين المتقين المتطلعين ؛ ليأخذوا طريقا آخر. طريق العلم والمعرفة والذكر والاستغفار، والشعور برقابة الله وعلمه الشامل المحيط ؛ ويعيشوا بهذه الحساسية يرتقبون الساعة وهم حذرون متأهبون :
( فاعلم أنه لا إله إلا الله ؛ واستغفر لذنبك، وللمؤمنين والمؤمنات ؛ والله يعلم متقلبكم ومثواكم )..
وهو التوجيه إلى تذكر الحقيقة الأولى التي يقوم عليها أمر النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ومن معه :
( فاعلم أنه لا إله إلا الله )..
وعلى أساس العلم بهذه الحقيقة واستحضارها في الضمير تبدأ التوجيهات الأخرى :
واستغفر لذنبك..
وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ولكن هذا واجب العبد المؤمن الشاعر الحساس الذي يشعر أبدا بتقصيره مهما جهد ؛ ويشعر - وقد غفر له - أن الاستغفار ذكر وشكر على الغفران. ثم هو التلقين المستمر لمن خلف رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ممن يعرفون منزلته عند ربه ؛ ويرونه يوجه إلى الذكر والاستغفار لنفسه. ثم للمؤمنين والمؤمنات. وهو المستجاب الدعوة عند ربه. فيشعرون بنعمة الله عليهم بهذا الرسول الكريم. وبفضل الله عليهم وهو يوجهه لأن يستغفر لهم، ليغفر لهم ! واللمسة الأخيرة في هذا التوجيه :
( والله يعلم متقلبكم ومثواكم )..
حيث يشعر القلب المؤمن بالطمأنينة وبالخوف جميعا. الطمأنينة وهو في رعاية الله حيثما تقلب أو ثوى. والخوف من هذا الموقف الذي يحيط به علم الله ويتعقبه في كل حالاته، ويطلع على سره ونجواه..
إنها التربية. التربية باليقظة الدائمة والحساسية المرهفة، والتطلع والحذر والانتظار..
هذه الجولة مع المنافقين، وموقفهم إزاء شخص رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وإزاء القرآن. ثم موقفهم من الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين لإعلاء كلمة الله. وأخيرا موقفهم من اليهود وتآمرهم معهم سرا للإيقاع بالإسلام والمسلمين.
وحركة النفاق حركة مدنية، لم يكن لها وجود في مكة، لأنه لم يكن هناك ما يدعو إليها. فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد، الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه ! فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة، وانتشاره في العشائر والبيوت بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام، اضطر ناس ممن كرهوا لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] وللإسلام أن يعز ويستعلي، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة، اضطروا إلى التظاهر بالإسلام على كره. وهم يضمرون الحقد والبغضاء. ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر. وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق المعروف.
وكان وجود اليهود في المدينة وتمتعهم فيها بقوة عسكرية وقوة اقتصادية وقوة تنظيمية في أول العهد المدني. وكراهيتهم كذلك لظهور محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ودينه وأتباعه. كان وجود اليهود على هذا الوضع مشجعا للمنافقين. وسرعان ما جمعتهم البغضاء والحقد فأخذوا في حبك المؤامرات ودس الدسائس في كل مناسبة تعرض. فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم ؛ وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكايد في الظلام ! وكانوا إلى منتصف العهد المدني يؤلفون خطرا حقيقيا على الإسلام والمسلمين.
وقد تواتر ذكر المنافقين، ووصف دسائسهم، والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدنية ؛ كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود، وتلقيهم عنهم، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة. وهذا أحد المواضع التي وردت فيها الإشارة إلى المنافقين، والإشارة كذلك إلى اليهود.
وينتقل السياق إلى تصوير موقف المنافقين من الجهاد، وما يعتمل في نفوسهم من جبن وخور وذعر وهلع عند مواجهة هذا التكليف، ويكشف دخيلتهم في هذا الأمر، كما يكشف لهم ما ينتظرهم لو ظلوا على هذا النفاق، ولم يخلصوا ويستجيبوا ويصدقوا الله عندما يعزم الأمر ويتحتم الجهاد :
( ويقول الذين آمنوا : لولا نزلت سورة. فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت، فأولى لهم طاعة وقول معروف، فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم. فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ! أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم. أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ؟ )..
وتطلع الذين آمنوا إلى تنزيل سورة : إما أن يكون مجرد تعبير عن شوقهم إلى سورة جديدة من هذا القرآن الذي يحبونه، ويجدون في كل سورة منه زادا جديدا حبيبا. وإما أن يكون تطلعا إلى سورة تبين أمرا من أمور الجهاد، وتفصل في قضية من قضايا القتال تشغل بالهم. فيقولون :( لولا نزلت سورة ! )..
( فإذا أنزلت سورة محكمة ).. فاصلة بينة لا تحتمل تأويلا - ( وذكر فيها القتال ).. أي الأمر به. أو بيان حكم المتخلفين عنه، أو أي شأن من شؤونه، إذا بأولئك ( الذين في قلوبهم مرض ).. وهو وصف من أوصاف المنافقين.. يفقدون تماسكهم، ويسقط عنهم ستار الرياء الذي يتسترون به، وينكشف جزعهم وضعف نفوسهم من مواجهة هذا التكليف، ويبدون في حالة تزري بالرجال، يصورها التعبير القرآني المبدع صورة فريدة كأنها معروضة للأنظار :
( رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت )..
وهو تعبير لا تمكن محاكاته، ولا ترجمته إلى أي عبارة أخرى. وهو يرسم الخوف إلى حد الهلع. والضعف إلى حد الرعشة. والتخاذل إلى حد الغشية ! ويبقى بعد ذلك متفردا حافلا بالظلال والحركة التي تشغف الخيال ! وهي صورة خالدة لكل نفس خوارة لا تعتصم بإيمان، ولا بفطرة صادقة، ولا بحياء تتجمل به أمام الخطر. وهي هي طبيعة المرض والنفاق !
وبينما هم في هذا التخاذل والتهافت والانهيار تمتد إليهم يد الإيمان بالزاد الذي يقوي العزائم ويشد القوائم لو تناولوه في إخلاص :
( فأولى لهم طاعة وقول معروف. فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم )..
نعم. أولى لهم من هذه الفضيحة. ومن هذا الخور. ومن هذا الهلع. ومن هذا النفاق..
هذه الجولة مع المنافقين، وموقفهم إزاء شخص رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وإزاء القرآن. ثم موقفهم من الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين لإعلاء كلمة الله. وأخيرا موقفهم من اليهود وتآمرهم معهم سرا للإيقاع بالإسلام والمسلمين.
وحركة النفاق حركة مدنية، لم يكن لها وجود في مكة، لأنه لم يكن هناك ما يدعو إليها. فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد، الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه ! فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة، وانتشاره في العشائر والبيوت بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام، اضطر ناس ممن كرهوا لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] وللإسلام أن يعز ويستعلي، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة، اضطروا إلى التظاهر بالإسلام على كره. وهم يضمرون الحقد والبغضاء. ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر. وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق المعروف.
وكان وجود اليهود في المدينة وتمتعهم فيها بقوة عسكرية وقوة اقتصادية وقوة تنظيمية في أول العهد المدني. وكراهيتهم كذلك لظهور محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ودينه وأتباعه. كان وجود اليهود على هذا الوضع مشجعا للمنافقين. وسرعان ما جمعتهم البغضاء والحقد فأخذوا في حبك المؤامرات ودس الدسائس في كل مناسبة تعرض. فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم ؛ وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكايد في الظلام ! وكانوا إلى منتصف العهد المدني يؤلفون خطرا حقيقيا على الإسلام والمسلمين.
وقد تواتر ذكر المنافقين، ووصف دسائسهم، والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدنية ؛ كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود، وتلقيهم عنهم، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة. وهذا أحد المواضع التي وردت فيها الإشارة إلى المنافقين، والإشارة كذلك إلى اليهود.
أولى لهم ( طاعة وقول معروف ).. طاعة تستسلم لأمر الله عن طمأنينة، وتنهض بأمره عن ثقة. وقول معروف يشي بنظافة الحس واستقامة القلب، وطهارة الضمير. وأولى لهم إذا عزم الأمر، وجد الجد، وواجهوا الجهاد أن يصدقوا الله. يصدقوه عزيمة، ويصدقوه شعورا. فيربط على قلوبهم، ويشد من عزائمهم، ويثبت أقدامهم، وييسر المشقة عليهم، ويهون الخطر الذي يتمثلونه غولا تفغر فاها لتلتهمهم ! ويكتب لهم إحدى الحسنيين : النجاة والنصر، أو الاستشهاد والجنة.. هذا هو الأولى. وهذا هو الزاد الذي يقدمه الإيمان فيقوي العزائم ويشد القوائم، ويذهب بالفزع، ويحل محله الثبات والاطمئنان.
هذه الجولة مع المنافقين، وموقفهم إزاء شخص رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وإزاء القرآن. ثم موقفهم من الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين لإعلاء كلمة الله. وأخيرا موقفهم من اليهود وتآمرهم معهم سرا للإيقاع بالإسلام والمسلمين.
وحركة النفاق حركة مدنية، لم يكن لها وجود في مكة، لأنه لم يكن هناك ما يدعو إليها. فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد، الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه ! فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة، وانتشاره في العشائر والبيوت بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام، اضطر ناس ممن كرهوا لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] وللإسلام أن يعز ويستعلي، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة، اضطروا إلى التظاهر بالإسلام على كره. وهم يضمرون الحقد والبغضاء. ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر. وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق المعروف.
وكان وجود اليهود في المدينة وتمتعهم فيها بقوة عسكرية وقوة اقتصادية وقوة تنظيمية في أول العهد المدني. وكراهيتهم كذلك لظهور محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ودينه وأتباعه. كان وجود اليهود على هذا الوضع مشجعا للمنافقين. وسرعان ما جمعتهم البغضاء والحقد فأخذوا في حبك المؤامرات ودس الدسائس في كل مناسبة تعرض. فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم ؛ وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكايد في الظلام ! وكانوا إلى منتصف العهد المدني يؤلفون خطرا حقيقيا على الإسلام والمسلمين.
وقد تواتر ذكر المنافقين، ووصف دسائسهم، والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدنية ؛ كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود، وتلقيهم عنهم، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة. وهذا أحد المواضع التي وردت فيها الإشارة إلى المنافقين، والإشارة كذلك إلى اليهود.
وبينما هو يتحدث عنهم يلتفت إليهم مباشرة ليخاطبهم مقرعا مهددا بسوء العاقبة لو قادهم حالهم هذا الى النكسة والتولي الى الكفر ؛ وخلع ذلك الستار الرقيق من الإسلام :
( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ؟ )..
وهذا التعبير.. ( هل عسيتم ).. يفيد ما هو متوقع من حال المخاطبين. ويلوح لهم بالنذير والتحذير.. احذروا فإنكم منتهون إلى أن تعودوا إلى الجاهلية التي كنتم فيها. تفسدون في الأرض وتقطعون الأرحام، كما كان شأنكم قبل الإسلام..
آية رقم ٢٣
هذه الجولة مع المنافقين، وموقفهم إزاء شخص رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وإزاء القرآن. ثم موقفهم من الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين لإعلاء كلمة الله. وأخيرا موقفهم من اليهود وتآمرهم معهم سرا للإيقاع بالإسلام والمسلمين.
وحركة النفاق حركة مدنية، لم يكن لها وجود في مكة، لأنه لم يكن هناك ما يدعو إليها. فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد، الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه ! فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة، وانتشاره في العشائر والبيوت بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام، اضطر ناس ممن كرهوا لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] وللإسلام أن يعز ويستعلي، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة، اضطروا إلى التظاهر بالإسلام على كره. وهم يضمرون الحقد والبغضاء. ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر. وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق المعروف.
وكان وجود اليهود في المدينة وتمتعهم فيها بقوة عسكرية وقوة اقتصادية وقوة تنظيمية في أول العهد المدني. وكراهيتهم كذلك لظهور محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ودينه وأتباعه. كان وجود اليهود على هذا الوضع مشجعا للمنافقين. وسرعان ما جمعتهم البغضاء والحقد فأخذوا في حبك المؤامرات ودس الدسائس في كل مناسبة تعرض. فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم ؛ وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكايد في الظلام ! وكانوا إلى منتصف العهد المدني يؤلفون خطرا حقيقيا على الإسلام والمسلمين.
وقد تواتر ذكر المنافقين، ووصف دسائسهم، والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدنية ؛ كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود، وتلقيهم عنهم، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة. وهذا أحد المواضع التي وردت فيها الإشارة إلى المنافقين، والإشارة كذلك إلى اليهود.
وبعد هذه اللفتة المفزعة المنذرة لهم يعود إلى الحديث عنهم لو انتهوا إلى هذا الذي حذرهم إياه :
( أولئك الذين لعنهم الله، فأصمهم وأعمى أبصارهم. أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ؟ ).
أولئك الذين يظلون في مرضهم ونفاقهم حتى يتولوا عن هذا الأمر الذي دخلوا فيه بظاهرهم ولم يصدقوا الله فيه، ولم يستيقنوه. ( أولئك الذين لعنهم الله ).. وطردهم وحجبهم عن الهدى، ( فأصمهم وأعمى أبصارهم ).. وهم لم يفقدوا السمع، ولم يفقدوا البصر ؛ ولكنهم عطلوا السمع وعطلوا البصر، أو عطلوا قوة الإدراك وراء السمع والبصر ؛ فلم يعد لهذه الحواس وظيفة لأنها لم تعد تؤدي هذه الوظيفة.
آية رقم ٢٤
هذه الجولة مع المنافقين، وموقفهم إزاء شخص رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وإزاء القرآن. ثم موقفهم من الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين لإعلاء كلمة الله. وأخيرا موقفهم من اليهود وتآمرهم معهم سرا للإيقاع بالإسلام والمسلمين.
وحركة النفاق حركة مدنية، لم يكن لها وجود في مكة، لأنه لم يكن هناك ما يدعو إليها. فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد، الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه ! فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة، وانتشاره في العشائر والبيوت بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام، اضطر ناس ممن كرهوا لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] وللإسلام أن يعز ويستعلي، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة، اضطروا إلى التظاهر بالإسلام على كره. وهم يضمرون الحقد والبغضاء. ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر. وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق المعروف.
وكان وجود اليهود في المدينة وتمتعهم فيها بقوة عسكرية وقوة اقتصادية وقوة تنظيمية في أول العهد المدني. وكراهيتهم كذلك لظهور محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ودينه وأتباعه. كان وجود اليهود على هذا الوضع مشجعا للمنافقين. وسرعان ما جمعتهم البغضاء والحقد فأخذوا في حبك المؤامرات ودس الدسائس في كل مناسبة تعرض. فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم ؛ وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكايد في الظلام ! وكانوا إلى منتصف العهد المدني يؤلفون خطرا حقيقيا على الإسلام والمسلمين.
وقد تواتر ذكر المنافقين، ووصف دسائسهم، والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدنية ؛ كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود، وتلقيهم عنهم، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة. وهذا أحد المواضع التي وردت فيها الإشارة إلى المنافقين، والإشارة كذلك إلى اليهود.
ويتسائل في استنكار :( أفلا يتدبرون القرآن ).. وتدبر القرآن يزيل الغشاوة، ويفتح النوافذ، ويسكب النور، ويحرك المشاعر، ويستجيش القلوب، ويخلص الضمير. وينشيء حياة للروح تنبض بها وتشرق وتستنير، ( أم على قلوب أقفالها ؟ )فهي تحول بينها وبين القرآن وبينها وبين النور ؟ فإن استغلاق قلوبهم كاستغلاق الأقفال التي لا تسمح بالهواء والنور !
هذه الجولة مع المنافقين، وموقفهم إزاء شخص رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وإزاء القرآن. ثم موقفهم من الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين لإعلاء كلمة الله. وأخيرا موقفهم من اليهود وتآمرهم معهم سرا للإيقاع بالإسلام والمسلمين.
وحركة النفاق حركة مدنية، لم يكن لها وجود في مكة، لأنه لم يكن هناك ما يدعو إليها. فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد، الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه ! فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة، وانتشاره في العشائر والبيوت بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام، اضطر ناس ممن كرهوا لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] وللإسلام أن يعز ويستعلي، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة، اضطروا إلى التظاهر بالإسلام على كره. وهم يضمرون الحقد والبغضاء. ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر. وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق المعروف.
وكان وجود اليهود في المدينة وتمتعهم فيها بقوة عسكرية وقوة اقتصادية وقوة تنظيمية في أول العهد المدني. وكراهيتهم كذلك لظهور محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ودينه وأتباعه. كان وجود اليهود على هذا الوضع مشجعا للمنافقين. وسرعان ما جمعتهم البغضاء والحقد فأخذوا في حبك المؤامرات ودس الدسائس في كل مناسبة تعرض. فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم ؛ وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكايد في الظلام ! وكانوا إلى منتصف العهد المدني يؤلفون خطرا حقيقيا على الإسلام والمسلمين.
وقد تواتر ذكر المنافقين، ووصف دسائسهم، والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدنية ؛ كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود، وتلقيهم عنهم، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة. وهذا أحد المواضع التي وردت فيها الإشارة إلى المنافقين، والإشارة كذلك إلى اليهود.
ويمضي في تصوير حال المنافقين، وسبب توليهم عن الإيمان بعد إذ شارفوه فيتبين أنه تآمرهم مع اليهود، ووعدهم لهم بالطاعة فيما يدبرون :
( إن الذين ارتدوا على أدبارهم - من بعد ما تبين لهم الهدى - الشيطان سول لهم وأملى لهم. ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله : سنطيعكم في بعض الأمر. والله يعلم إسرارهم )..
والتعبير يرسم معنى رجوعهم عن الهدى بعدما تبين لهم، في صورة حركة حسية، حركة الارتداد على الأدبار. ويكشف ما وراءها من وسوسة الشيطان وتزيينه وإغرائه. فإذا ظاهر هذه الحركة وباطنها مكشوفان مفهومان ! وهم المنافقون الذين يتخفون ويتسترون !
هذه الجولة مع المنافقين، وموقفهم إزاء شخص رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وإزاء القرآن. ثم موقفهم من الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين لإعلاء كلمة الله. وأخيرا موقفهم من اليهود وتآمرهم معهم سرا للإيقاع بالإسلام والمسلمين.
وحركة النفاق حركة مدنية، لم يكن لها وجود في مكة، لأنه لم يكن هناك ما يدعو إليها. فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد، الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه ! فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة، وانتشاره في العشائر والبيوت بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام، اضطر ناس ممن كرهوا لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] وللإسلام أن يعز ويستعلي، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة، اضطروا إلى التظاهر بالإسلام على كره. وهم يضمرون الحقد والبغضاء. ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر. وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق المعروف.
وكان وجود اليهود في المدينة وتمتعهم فيها بقوة عسكرية وقوة اقتصادية وقوة تنظيمية في أول العهد المدني. وكراهيتهم كذلك لظهور محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ودينه وأتباعه. كان وجود اليهود على هذا الوضع مشجعا للمنافقين. وسرعان ما جمعتهم البغضاء والحقد فأخذوا في حبك المؤامرات ودس الدسائس في كل مناسبة تعرض. فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم ؛ وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكايد في الظلام ! وكانوا إلى منتصف العهد المدني يؤلفون خطرا حقيقيا على الإسلام والمسلمين.
وقد تواتر ذكر المنافقين، ووصف دسائسهم، والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدنية ؛ كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود، وتلقيهم عنهم، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة. وهذا أحد المواضع التي وردت فيها الإشارة إلى المنافقين، والإشارة كذلك إلى اليهود.
ثم يذكر السبب الذي جعل للشيطان عليهم هذا السلطان، وانتهى بهم إلى الارتداد على الأدبار بعد ما عرفوا الهدى وتبينوه :
( ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر )..
واليهود في المدينة هم أول من كرهوا ما نزل الله ؛ لأنهم كانوا يتوقعون أن تكون الرسالة الأخيرة فيهم، وأن يكون خاتم الرسل منهم ؛ وكانوا يستفتحون على الذين كفروا ويوعدونهم ظهور النبي الذي يقودهم ويمكن لهم في الأرض ويسترجع ملكهم وسلطانهم. فلما اختار الله آخر رسله من نسل إبراهيم، من غير يهود، كرهوا رسالته. حتى إذا هاجر إلى المدينة كرهوا هجرته، التي هددت ما بقي لهم من مركز هناك. ومن ثم كانوا إلبا عليه منذ أول يوم، وشنوا عليه حرب الدس والمكر والكيد، حينما عجزوا عن مناصبته العداء جهرة في ميادين القتال ؛ وانضم إليهم كل حانق، وكل منافق، وظلت الحرب سجالا بينهم وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] حتى أجلاهم في آخر الأمر عن الجزيرة كلها وخلصها للإسلام.
وهؤلاء الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم قالوا لليهود :( سنطيعكم في بعض الأمر ).. والأرجح أن ذلك كان في الدس والكيد والتآمر على الإسلام ورسول الإسلام.
( والله يعلم إسرارهم ).
وهو تعقيب كله تهديد. فأين يذهب تآمرهم وإسرارهم وماذا يؤثر ؛ وهو مكشوف لعلم الله ؟ معرض لقوة الله ؟
آية رقم ٢٧
هذه الجولة مع المنافقين، وموقفهم إزاء شخص رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وإزاء القرآن. ثم موقفهم من الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين لإعلاء كلمة الله. وأخيرا موقفهم من اليهود وتآمرهم معهم سرا للإيقاع بالإسلام والمسلمين.
وحركة النفاق حركة مدنية، لم يكن لها وجود في مكة، لأنه لم يكن هناك ما يدعو إليها. فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد، الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه ! فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة، وانتشاره في العشائر والبيوت بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام، اضطر ناس ممن كرهوا لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] وللإسلام أن يعز ويستعلي، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة، اضطروا إلى التظاهر بالإسلام على كره. وهم يضمرون الحقد والبغضاء. ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر. وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق المعروف.
وكان وجود اليهود في المدينة وتمتعهم فيها بقوة عسكرية وقوة اقتصادية وقوة تنظيمية في أول العهد المدني. وكراهيتهم كذلك لظهور محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ودينه وأتباعه. كان وجود اليهود على هذا الوضع مشجعا للمنافقين. وسرعان ما جمعتهم البغضاء والحقد فأخذوا في حبك المؤامرات ودس الدسائس في كل مناسبة تعرض. فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم ؛ وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكايد في الظلام ! وكانوا إلى منتصف العهد المدني يؤلفون خطرا حقيقيا على الإسلام والمسلمين.
وقد تواتر ذكر المنافقين، ووصف دسائسهم، والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدنية ؛ كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود، وتلقيهم عنهم، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة. وهذا أحد المواضع التي وردت فيها الإشارة إلى المنافقين، والإشارة كذلك إلى اليهود.
ثم التهديد السافر بجند الله، والمتآمرون في نهاية الحياة :
( فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ) !
وهو مشهد مفزع مهين. وهم يحتضرون. ولا حول لهم ولا قوة. وهم في نهاية حياتهم على هذه الأرض. وفي مستهل حياتهم الأخرى. هذه الحياة التي تفتتح بضرب الوجوه والأدبار. في لحظة الوفاة، لحظة الضيق والكرب والمخافة. الأدبار التي ارتدوا عليها من بعد ما تبين لهم الهدى ! فيا لها من مأساة !
هذه الجولة مع المنافقين، وموقفهم إزاء شخص رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وإزاء القرآن. ثم موقفهم من الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين لإعلاء كلمة الله. وأخيرا موقفهم من اليهود وتآمرهم معهم سرا للإيقاع بالإسلام والمسلمين.
وحركة النفاق حركة مدنية، لم يكن لها وجود في مكة، لأنه لم يكن هناك ما يدعو إليها. فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد، الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه ! فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة، وانتشاره في العشائر والبيوت بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام، اضطر ناس ممن كرهوا لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] وللإسلام أن يعز ويستعلي، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة، اضطروا إلى التظاهر بالإسلام على كره. وهم يضمرون الحقد والبغضاء. ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر. وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق المعروف.
وكان وجود اليهود في المدينة وتمتعهم فيها بقوة عسكرية وقوة اقتصادية وقوة تنظيمية في أول العهد المدني. وكراهيتهم كذلك لظهور محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ودينه وأتباعه. كان وجود اليهود على هذا الوضع مشجعا للمنافقين. وسرعان ما جمعتهم البغضاء والحقد فأخذوا في حبك المؤامرات ودس الدسائس في كل مناسبة تعرض. فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم ؛ وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكايد في الظلام ! وكانوا إلى منتصف العهد المدني يؤلفون خطرا حقيقيا على الإسلام والمسلمين.
وقد تواتر ذكر المنافقين، ووصف دسائسهم، والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدنية ؛ كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود، وتلقيهم عنهم، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة. وهذا أحد المواضع التي وردت فيها الإشارة إلى المنافقين، والإشارة كذلك إلى اليهود.
( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله، وكرهوا رضوانه، فأحبط أعمالهم )..
فهم الذين أرادوا لأنفسهم هذا المصير واختاروه. هم الذين عمدوا إلى ما أسخط الله من نفاق ومعصية وتآمر مع أعداء الله وأعداء دينه ورسوله فاتبعوه. وهم الذين كرهوا رضوان الله فلم يعملوا له، بل عملوا ما يسخط الله ويغضبه.. ( فأحبط أعمالهم ).. التي كانوا يعجبون بها ويتعاجبون ؛ ويحسبونها مهارة وبراعة وهم يتآمرون على المؤمنين ويكيدون. فإذا بهذه الأعمال تتضخم وتنتفخ. ثم تهلك وتضيع !
هذه الجولة مع المنافقين، وموقفهم إزاء شخص رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وإزاء القرآن. ثم موقفهم من الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين لإعلاء كلمة الله. وأخيرا موقفهم من اليهود وتآمرهم معهم سرا للإيقاع بالإسلام والمسلمين.
وحركة النفاق حركة مدنية، لم يكن لها وجود في مكة، لأنه لم يكن هناك ما يدعو إليها. فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد، الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه ! فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة، وانتشاره في العشائر والبيوت بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام، اضطر ناس ممن كرهوا لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] وللإسلام أن يعز ويستعلي، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة، اضطروا إلى التظاهر بالإسلام على كره. وهم يضمرون الحقد والبغضاء. ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر. وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق المعروف.
وكان وجود اليهود في المدينة وتمتعهم فيها بقوة عسكرية وقوة اقتصادية وقوة تنظيمية في أول العهد المدني. وكراهيتهم كذلك لظهور محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ودينه وأتباعه. كان وجود اليهود على هذا الوضع مشجعا للمنافقين. وسرعان ما جمعتهم البغضاء والحقد فأخذوا في حبك المؤامرات ودس الدسائس في كل مناسبة تعرض. فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم ؛ وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكايد في الظلام ! وكانوا إلى منتصف العهد المدني يؤلفون خطرا حقيقيا على الإسلام والمسلمين.
وقد تواتر ذكر المنافقين، ووصف دسائسهم، والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدنية ؛ كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود، وتلقيهم عنهم، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة. وهذا أحد المواضع التي وردت فيها الإشارة إلى المنافقين، والإشارة كذلك إلى اليهود.
أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ؟
ولقد كان المنافقون يعتمدون على إتقانهم فن النفاق، وعلى خفاء أمرهم في الغالب على المسلمين. فالقرآن يسفه ظنهم أن هذا الأمر سيظل خافيا، ويهددهم بكشف حالهم وإظهار أضغانهم وأحقادهم على المسلمين.
هذه الجولة مع المنافقين، وموقفهم إزاء شخص رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وإزاء القرآن. ثم موقفهم من الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين لإعلاء كلمة الله. وأخيرا موقفهم من اليهود وتآمرهم معهم سرا للإيقاع بالإسلام والمسلمين.
وحركة النفاق حركة مدنية، لم يكن لها وجود في مكة، لأنه لم يكن هناك ما يدعو إليها. فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد، الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه ! فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة، وانتشاره في العشائر والبيوت بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام، اضطر ناس ممن كرهوا لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] وللإسلام أن يعز ويستعلي، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة، اضطروا إلى التظاهر بالإسلام على كره. وهم يضمرون الحقد والبغضاء. ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر. وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق المعروف.
وكان وجود اليهود في المدينة وتمتعهم فيها بقوة عسكرية وقوة اقتصادية وقوة تنظيمية في أول العهد المدني. وكراهيتهم كذلك لظهور محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ودينه وأتباعه. كان وجود اليهود على هذا الوضع مشجعا للمنافقين. وسرعان ما جمعتهم البغضاء والحقد فأخذوا في حبك المؤامرات ودس الدسائس في كل مناسبة تعرض. فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم ؛ وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكايد في الظلام ! وكانوا إلى منتصف العهد المدني يؤلفون خطرا حقيقيا على الإسلام والمسلمين.
وقد تواتر ذكر المنافقين، ووصف دسائسهم، والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدنية ؛ كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود، وتلقيهم عنهم، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة. وهذا أحد المواضع التي وردت فيها الإشارة إلى المنافقين، والإشارة كذلك إلى اليهود.
وفي نهاية الشوط يتهددهم بكشف أمرهم لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وللمسلمين، الذين يعيشون بينهم متخفين ؛ يتظاهرون بالإسلام وهم لهم كائدون :
ولو نشاء لأريناكهم، فلعرفتهم بسيماهم، ولتعرفنهم في لحن القول، والله يعلم أعمالكم. ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم..
ويقول لرسوله [ صلى الله عليه وسلم ] :( ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ).. أي لو نشاء لكشفنا لك عنهم بذواتهم وأشخاصهم، حتى لترى أحدهم فتعرفه من ملامحه [ وكان هذا قبل أن يكشف الله له عن نفر منهم بأسمائهم ] ومع ذلك فإن لهجتهم ونبرات صوتهم، وإمالتهم للقول عن استقامته، وانحراف منطقهم في خطابك سيدلك على نفاقهم :( ولتعرفنهم في لحن القول )..
ويعرج على علم الله الشامل بالأعمال وبواعثها :( والله يعلم أعمالكم ).. فلا تخفى عليه منها خافية..
ثم وعد من الله بالابتلاء.. ابتلاء الأمة الإسلامية كلها، لينكشف المجاهدون والصابرون ويتميزوا وتصبح
أخبارهم معروفة، ولا يقع الالتباس في الصفوف، ولا يبقى مجال لخفاء أمر المنافقين ولا أمر الضعاف والجزعين :
آية رقم ٣١
هذه الجولة مع المنافقين، وموقفهم إزاء شخص رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وإزاء القرآن. ثم موقفهم من الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين لإعلاء كلمة الله. وأخيرا موقفهم من اليهود وتآمرهم معهم سرا للإيقاع بالإسلام والمسلمين.
وحركة النفاق حركة مدنية، لم يكن لها وجود في مكة، لأنه لم يكن هناك ما يدعو إليها. فالمسلمون في مكة كانوا في موقف المضطهد، الذي لا يحتاج أحد أن ينافقه ! فلما أعز الله الإسلام والمسلمين بالأوس والخزرج في المدينة، وانتشاره في العشائر والبيوت بحيث لم يبق بيت إلا دخله الإسلام، اضطر ناس ممن كرهوا لمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] وللإسلام أن يعز ويستعلي، ولم يملكوا في الوقت ذاته أن يجهروا بالعداوة، اضطروا إلى التظاهر بالإسلام على كره. وهم يضمرون الحقد والبغضاء. ويتربصون بالرسول وأصحابه الدوائر. وعلى رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول رأس النفاق المعروف.
وكان وجود اليهود في المدينة وتمتعهم فيها بقوة عسكرية وقوة اقتصادية وقوة تنظيمية في أول العهد المدني. وكراهيتهم كذلك لظهور محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ودينه وأتباعه. كان وجود اليهود على هذا الوضع مشجعا للمنافقين. وسرعان ما جمعتهم البغضاء والحقد فأخذوا في حبك المؤامرات ودس الدسائس في كل مناسبة تعرض. فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم ؛ وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكايد في الظلام ! وكانوا إلى منتصف العهد المدني يؤلفون خطرا حقيقيا على الإسلام والمسلمين.
وقد تواتر ذكر المنافقين، ووصف دسائسهم، والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدنية ؛ كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود، وتلقيهم عنهم، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة. وهذا أحد المواضع التي وردت فيها الإشارة إلى المنافقين، والإشارة كذلك إلى اليهود.
والله يعلم حقائق النفوس ومعادنها، ويطلع على خفاياها وخباياها، ويعلم ما يكون من أمرها علمه بما هو كائن فعلا. فما هذا الابتلاء ؟ ولمن يكون العلم من ورائه بما يتكشف عنه ؟
إن الله - جلت حكمته - يأخذ البشر بما هو في طوقهم، وما هو من طبيعتهم واستعدادهم. وهم لا يعلمون عن الحقائق المستكنة ما يعلمه. فلا بد لهم من تكشف الحقائق ليدركوها ويعرفوها ويستيقنوها، ثم ينتفعوا بها.
والابتلاء بالسراء والضراء، وبالنعماء والبأساء، وبالسعة والضيق، وبالفرج والكرب.. كلها تكشف عما هو مخبوء من معادن النفوس، وما هو مجهول من أمرها حتى لأصحابها..
أما المراد بعلم الله لما تتكشف عنه النفوس بعد الابتلاء فهو تعلق علمه بها في حالتها الظاهرة التي يراها الناس عليها.
ورؤية الناس لها في صورتها التي تدركها مداركهم هو الذي يؤثر فيهم ويكيف مشاعرهم، ويوجه حياتهم بوسائلهم الداخلة في طوقهم. وهكذا تتم حكمة الله في الابتلاء.
ومع هذا فإن العبد المؤمن يرجو ألا يتعرض لبلاء الله وامتحانه. ويتطلع إلى عافيته ورحمته. فإذا أصابه بلاء الله بعد هذا صبر له، وهو مدرك لما وراءه من حكمة ؛ واستسلم لمشيئة الله واثقا من حكمته، متطلعا الى رحمته وعافيته بعد الابتلاء.
وقد روي عن الفضيل العابد الصوفي أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال : اللهم لا تبلنا. فإنك إن بلوتنا فضحتنا، وهتكت أستارنا وعذبتنا..
الحديث في الشطر الأول من هذا الشوط الأخير من السورة عن ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ).. وهؤلاء، الأقرب أن يكونوا هم المشركين الذين كان الحديث عنهم في أول السورة. فهم الذين ينطبق عليهم هذا التبجح في الوقوف للدعوة الإسلامية. التبجح الذي يعبر عنه بالصد عن سبيل الله ومشاقة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وإن كان هناك احتمال آخر، وهو أن يكون الحديث عاما لكل من يقف هذا الموقف ؛ يشمل اليهود في المدينة ويشمل المنافقين، على سبيل التهديد لهم إذا هموا أن يقفوا مثل هذا الموقف جهرة أو سرا. ولكن الاحتمال الأول أقرب على كل حال.
أما الحديث في الشطر الثاني والأخير حتى ختام السورة فهو خطاب للمؤمنين، يدعوهم إلى مواصلة الجهاد بالنفس وبالمال، دون تراخ أو دعوة إلى مهادنة الكفر المعتدي الظالم، تحت أي مؤثر من ضعف أو مراعاة قرابة أو رعاية مصلحة. ودون بخل بالمال الذي لا يكلفهم الله أن ينفقوا منه إلا في حدود مستطاعة، مراعيا الشح الفطري في النفوس ! وإن لا ينهضوا بتكاليف هذه الدعوة فإن الله يحرمهم كرامة حملها والانتداب لها، ويستبدل بهم قوما غيرهم ينهضون بتكاليفها، ويعرفون قدرها. وهو تهديد عنيف مخيف يناسب جو السورة، كما يشي بأنه كان علاجا لحالات نفسية قائمة في صفوف المسلمين إذ ذاك - من غير المنافقين - وذلك إلى جانب حالات التفاني والتجرد والشجاعة والفداء التي اشتهرت بها الروايات. فقد كان في الجماعة المسلمة هؤلاء وهؤلاء. وكان القرآن يعالج ويربي لينهض بالمتخلفين إلى المستوى العالي الكريم..
الحديث في الشطر الأول من هذا الشوط الأخير من السورة عن ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ).. وهؤلاء، الأقرب أن يكونوا هم المشركين الذين كان الحديث عنهم في أول السورة. فهم الذين ينطبق عليهم هذا التبجح في الوقوف للدعوة الإسلامية. التبجح الذي يعبر عنه بالصد عن سبيل الله ومشاقة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وإن كان هناك احتمال آخر، وهو أن يكون الحديث عاما لكل من يقف هذا الموقف ؛ يشمل اليهود في المدينة ويشمل المنافقين، على سبيل التهديد لهم إذا هموا أن يقفوا مثل هذا الموقف جهرة أو سرا. ولكن الاحتمال الأول أقرب على كل حال.
أما الحديث في الشطر الثاني والأخير حتى ختام السورة فهو خطاب للمؤمنين، يدعوهم إلى مواصلة الجهاد بالنفس وبالمال، دون تراخ أو دعوة إلى مهادنة الكفر المعتدي الظالم، تحت أي مؤثر من ضعف أو مراعاة قرابة أو رعاية مصلحة. ودون بخل بالمال الذي لا يكلفهم الله أن ينفقوا منه إلا في حدود مستطاعة، مراعيا الشح الفطري في النفوس ! وإن لا ينهضوا بتكاليف هذه الدعوة فإن الله يحرمهم كرامة حملها والانتداب لها، ويستبدل بهم قوما غيرهم ينهضون بتكاليفها، ويعرفون قدرها. وهو تهديد عنيف مخيف يناسب جو السورة، كما يشي بأنه كان علاجا لحالات نفسية قائمة في صفوف المسلمين إذ ذاك - من غير المنافقين - وذلك إلى جانب حالات التفاني والتجرد والشجاعة والفداء التي اشتهرت بها الروايات. فقد كان في الجماعة المسلمة هؤلاء وهؤلاء. وكان القرآن يعالج ويربي لينهض بالمتخلفين إلى المستوى العالي الكريم..
وفي ظل هذا المصير المخيف للذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول.. يلتفت إلى الذين آمنوا ليحذرهم ظل هذا المصير، ويوجههم إلى طاعة الله وطاعة الرسول :
( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، ولا تبطلوا أعمالكم )..
وهذا التوجيه يوحي بأنه كان في الجماعة المسلمة يومئذ من لا يتحرى الطاعة الكاملة ؛ أو من تثقل عليه بعض التكاليف، وتشق عليه بعض التضحيات، التي يقتضيها جهاد هذه الطوائف القوية المختلفة التي تقف للإسلام، وتناوشه من كل جانب ؛ والتي تربطها بالمسلمين مصالح ووشائج قربى يصعب فصمها والتخلي عنها نهائيا كما تقتضي العقيدة ذلك.
ولقد كان وقع هذا التوجيه عنيفا عميقا في نفوس المسلمين الصادقين ؛ فارتعشت له قلوبهم، وخافوا أن يقع منه ما يبطل أعمالهم، ويذهب بحسناتهم..
قال الإمام أحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة : حدثنا أبو قدامة، حدثنا وكيع، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال : كان أصحاب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت :( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ).. فخافوا أن يبطل الذنب العمل.
وروي من طريق عبد الله بن المبارك، أخبرني بكر بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال :" كنا معشر أصحاب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول، حتى نزلت :( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ).. فقلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فقلنا : الكبائر الموجبات والفواحش. حتى نزل قوله تعالى :( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ).. فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك. فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش ونرجو لمن لم يصبها ".
ومن هذه النصوص يتجلى كيف كانت نفوس المسلمين الصادقين تتلقى آيات القرآن : كيف تهتز لها وتضطرب، وكيف ترتجف منها وتخاف، وكيف تحذر أن تقع تحت طائلتها، وكيف تتحرى أن تكون وفقها، وأن تطابق أنفسها عليها.. وبهذه الحساسية في تلقي كلمات الله كان المسلمون مسلمين من ذلك الطراز !
الحديث في الشطر الأول من هذا الشوط الأخير من السورة عن ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ).. وهؤلاء، الأقرب أن يكونوا هم المشركين الذين كان الحديث عنهم في أول السورة. فهم الذين ينطبق عليهم هذا التبجح في الوقوف للدعوة الإسلامية. التبجح الذي يعبر عنه بالصد عن سبيل الله ومشاقة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وإن كان هناك احتمال آخر، وهو أن يكون الحديث عاما لكل من يقف هذا الموقف ؛ يشمل اليهود في المدينة ويشمل المنافقين، على سبيل التهديد لهم إذا هموا أن يقفوا مثل هذا الموقف جهرة أو سرا. ولكن الاحتمال الأول أقرب على كل حال.
أما الحديث في الشطر الثاني والأخير حتى ختام السورة فهو خطاب للمؤمنين، يدعوهم إلى مواصلة الجهاد بالنفس وبالمال، دون تراخ أو دعوة إلى مهادنة الكفر المعتدي الظالم، تحت أي مؤثر من ضعف أو مراعاة قرابة أو رعاية مصلحة. ودون بخل بالمال الذي لا يكلفهم الله أن ينفقوا منه إلا في حدود مستطاعة، مراعيا الشح الفطري في النفوس ! وإن لا ينهضوا بتكاليف هذه الدعوة فإن الله يحرمهم كرامة حملها والانتداب لها، ويستبدل بهم قوما غيرهم ينهضون بتكاليفها، ويعرفون قدرها. وهو تهديد عنيف مخيف يناسب جو السورة، كما يشي بأنه كان علاجا لحالات نفسية قائمة في صفوف المسلمين إذ ذاك - من غير المنافقين - وذلك إلى جانب حالات التفاني والتجرد والشجاعة والفداء التي اشتهرت بها الروايات. فقد كان في الجماعة المسلمة هؤلاء وهؤلاء. وكان القرآن يعالج ويربي لينهض بالمتخلفين إلى المستوى العالي الكريم..
ثم بين الله لهم في الآية التالية مصير الذين يشاقون رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويخرجون عن طاعته، ثم يصرون على هذا ويذهبون من هذه الأرض كافرين :
( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، ثم ماتوا وهم كفار، فلن يغفر الله لهم )..
فالفرصة متاحة فقط للمغفرة في هذه الدنيا ؛ وباب التوبة يظل مفتوحا للكافر وللعاصي حتى يغرغر. فإذا بلغت الروح الحلقوم فلا توبة ولا مغفرة، فقد ذهبت الفرصة التي لا تعود.
ومثل هذه الآية يخاطب المؤمنين كما يخاطب الكفار. فأما هؤلاء فهي نذارة لهم ليتداركوا أمرهم ويتوبوا قبل أن تغلق الأبواب. وأما أولئك فهي تحذير لهم وتنبيه لاتقاء كافة الأسباب التي تقرب بهم من هذا الطريق الخطر المشؤوم !
الحديث في الشطر الأول من هذا الشوط الأخير من السورة عن ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ).. وهؤلاء، الأقرب أن يكونوا هم المشركين الذين كان الحديث عنهم في أول السورة. فهم الذين ينطبق عليهم هذا التبجح في الوقوف للدعوة الإسلامية. التبجح الذي يعبر عنه بالصد عن سبيل الله ومشاقة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وإن كان هناك احتمال آخر، وهو أن يكون الحديث عاما لكل من يقف هذا الموقف ؛ يشمل اليهود في المدينة ويشمل المنافقين، على سبيل التهديد لهم إذا هموا أن يقفوا مثل هذا الموقف جهرة أو سرا. ولكن الاحتمال الأول أقرب على كل حال.
أما الحديث في الشطر الثاني والأخير حتى ختام السورة فهو خطاب للمؤمنين، يدعوهم إلى مواصلة الجهاد بالنفس وبالمال، دون تراخ أو دعوة إلى مهادنة الكفر المعتدي الظالم، تحت أي مؤثر من ضعف أو مراعاة قرابة أو رعاية مصلحة. ودون بخل بالمال الذي لا يكلفهم الله أن ينفقوا منه إلا في حدود مستطاعة، مراعيا الشح الفطري في النفوس ! وإن لا ينهضوا بتكاليف هذه الدعوة فإن الله يحرمهم كرامة حملها والانتداب لها، ويستبدل بهم قوما غيرهم ينهضون بتكاليفها، ويعرفون قدرها. وهو تهديد عنيف مخيف يناسب جو السورة، كما يشي بأنه كان علاجا لحالات نفسية قائمة في صفوف المسلمين إذ ذاك - من غير المنافقين - وذلك إلى جانب حالات التفاني والتجرد والشجاعة والفداء التي اشتهرت بها الروايات. فقد كان في الجماعة المسلمة هؤلاء وهؤلاء. وكان القرآن يعالج ويربي لينهض بالمتخلفين إلى المستوى العالي الكريم..
ندرك هذا من ترتيب النهي عن الوهن والدعوة إلى السلم في الآية التالية على ما ورد في الآية السابقة من بيان لمصير الكافرين المشاقين :( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم، وأنتم الأعلون والله معكم، ولن يتركم أعمالكم )..
فهذا هو الذي يحذر المؤمنين إياه، ويضع أمامهم مصير الكفار المشاقين للرسول، ليحذروا شبحه من بعيد !
وهذا التحذير يشي بوجود أفراد من المسلمين كانوا يستثقلون تكاليف الجهاد الطويل ومشقته الدائمة ؛ وتهن عزائمهم دونه ؛ ويرغبون في السلم والمهادنة ليستريحوا من مشقة الحروب. وربما كان بعضهم ذوي قرابة في المشركين ورحم، أو ذوي مصالح وأموال ؛ وكان هذا يجنح بهم إلى السلم والمهادنة. فالنفس البشرية هي هي ؛ والتربية الإسلامية تعالج هذا الوهن وهذه الخواطر الفطرية بوسائلها. وقد نجحت نجاحا خارقا. ولكن هذا لا ينفي أن تكون هناك رواسب في بعض النفوس، وبخاصة في ذلك الوقت المبكر من العهد المدني. وهذه الآية بعض العلاج لهذه الرواسب. فلننظر كيف كان القرآن يأخذ النفوس. فنحن في حاجة إلى تحري خطوات القرآن في التربية. والنفوس هي النفوس :
( فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم. وأنتم الأعلون. والله معكم. ولن يتركم أعمالكم )..
أنتم الأعلون. فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم. أنتم الأعلون اعتقادا وتصورا للحياة. وأنتم الأعلون ارتباطا وصلة بالعلي الأعلى. وأنتم الأعلون منهجا وهدفا وغاية. وأنتم الأعلون شعورا وخلقا وسلوكا.. ثم.. أنتم الأعلون قوة ومكانا ونصرة. فمعكم القوة الكبرى :( والله معكم ).. فلستم وحدكم. إنكم في صحبة العلي الجبار القادر القهار. وهو لكم نصير حاضر معكم. يدافع عنكم. فما يكون أعداؤكم هؤلاء والله معكم ؟ وكل ما تبذلون، وكل ما تفعلون، وكل ما يصيبكم من تضحيات محسوب لكم، لا يضيع منه شيء عليكم :( ولن يتركم أعمالكم ).. ولن يقطع منها شيئا لا يصل إليكم أثره ونتيجته وجزاؤه.
فعلام يهن ويضعف ويدعو إلى السلم، من يقرر الله - سبحانه - له أنه الأعلى. وأنه معه. وأنه لن يفقد شيئا من عمله. فهو مكرم منصور مأجور ؟
هذه هي اللمسة الأولى. واللمسة الثانية تهوين من شأن هذه الحياة الدنيا، التي قد يصيبهم بعض التضحيات فيها. وتوفية كاملة في الآخرة للأجور مع عدم إبهاظهم ببذل المال مقابل هذه الأجور !
الحديث في الشطر الأول من هذا الشوط الأخير من السورة عن ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ).. وهؤلاء، الأقرب أن يكونوا هم المشركين الذين كان الحديث عنهم في أول السورة. فهم الذين ينطبق عليهم هذا التبجح في الوقوف للدعوة الإسلامية. التبجح الذي يعبر عنه بالصد عن سبيل الله ومشاقة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وإن كان هناك احتمال آخر، وهو أن يكون الحديث عاما لكل من يقف هذا الموقف ؛ يشمل اليهود في المدينة ويشمل المنافقين، على سبيل التهديد لهم إذا هموا أن يقفوا مثل هذا الموقف جهرة أو سرا. ولكن الاحتمال الأول أقرب على كل حال.
أما الحديث في الشطر الثاني والأخير حتى ختام السورة فهو خطاب للمؤمنين، يدعوهم إلى مواصلة الجهاد بالنفس وبالمال، دون تراخ أو دعوة إلى مهادنة الكفر المعتدي الظالم، تحت أي مؤثر من ضعف أو مراعاة قرابة أو رعاية مصلحة. ودون بخل بالمال الذي لا يكلفهم الله أن ينفقوا منه إلا في حدود مستطاعة، مراعيا الشح الفطري في النفوس ! وإن لا ينهضوا بتكاليف هذه الدعوة فإن الله يحرمهم كرامة حملها والانتداب لها، ويستبدل بهم قوما غيرهم ينهضون بتكاليفها، ويعرفون قدرها. وهو تهديد عنيف مخيف يناسب جو السورة، كما يشي بأنه كان علاجا لحالات نفسية قائمة في صفوف المسلمين إذ ذاك - من غير المنافقين - وذلك إلى جانب حالات التفاني والتجرد والشجاعة والفداء التي اشتهرت بها الروايات. فقد كان في الجماعة المسلمة هؤلاء وهؤلاء. وكان القرآن يعالج ويربي لينهض بالمتخلفين إلى المستوى العالي الكريم..
( إنما الحياة الدنيا لعب ولهو. وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم، ولا يسألكم أموالكم )..
والحياة الدنيا لعب ولهو حين لا يكون وراءها غاية أكرم وأبقى. حين تعاش لذاتها مقطوعة عن منهج الله فيها. ذلك المنهج الذي يجعلها مزرعة الآخرة ؛ ويجعل إحسان الخلافة فيها هو الذي يستحق وراثة الدار الباقية. وهذا هو الذي تشير إليه الفقرة التالية في الآية :( وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ).. فالإيمان والتقوى في الحياة الدنيا هو الذي يخرجها عن أن تكون لعبا ولهوا ؛ ويطبعها بطابع الجد، ويرفعها عن مستوى المتاع الحيواني، إلى مستوى الخلافة الراشدة، المتصلة بالملأ الأعلى. ويومئذ لن يكون ما يبذله المؤمن المتقي من عرض هذه الحياة الدنيا ضائعا ولا مقطوعا ؛ فعنه ينشأ الأجر الأوفى، في الدار الأبقى.. ومع هذا فإن الله لا يسأل الناس أن يبذلوا أموالهم كلها، ولا يشق عليهم في فرائضه وتكاليفه، لعلمه سبحانه بشح نفوسهم فطرة وخلقة. وهو لا يكلف نفسا إلى وسعها وهو أرحم بهم من أن يكلفهم بذلها كلها، فتضيق صدورهم وتظهر أضغانهم :
آية رقم ٣٧
الحديث في الشطر الأول من هذا الشوط الأخير من السورة عن ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ).. وهؤلاء، الأقرب أن يكونوا هم المشركين الذين كان الحديث عنهم في أول السورة. فهم الذين ينطبق عليهم هذا التبجح في الوقوف للدعوة الإسلامية. التبجح الذي يعبر عنه بالصد عن سبيل الله ومشاقة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وإن كان هناك احتمال آخر، وهو أن يكون الحديث عاما لكل من يقف هذا الموقف ؛ يشمل اليهود في المدينة ويشمل المنافقين، على سبيل التهديد لهم إذا هموا أن يقفوا مثل هذا الموقف جهرة أو سرا. ولكن الاحتمال الأول أقرب على كل حال.
أما الحديث في الشطر الثاني والأخير حتى ختام السورة فهو خطاب للمؤمنين، يدعوهم إلى مواصلة الجهاد بالنفس وبالمال، دون تراخ أو دعوة إلى مهادنة الكفر المعتدي الظالم، تحت أي مؤثر من ضعف أو مراعاة قرابة أو رعاية مصلحة. ودون بخل بالمال الذي لا يكلفهم الله أن ينفقوا منه إلا في حدود مستطاعة، مراعيا الشح الفطري في النفوس ! وإن لا ينهضوا بتكاليف هذه الدعوة فإن الله يحرمهم كرامة حملها والانتداب لها، ويستبدل بهم قوما غيرهم ينهضون بتكاليفها، ويعرفون قدرها. وهو تهديد عنيف مخيف يناسب جو السورة، كما يشي بأنه كان علاجا لحالات نفسية قائمة في صفوف المسلمين إذ ذاك - من غير المنافقين - وذلك إلى جانب حالات التفاني والتجرد والشجاعة والفداء التي اشتهرت بها الروايات. فقد كان في الجماعة المسلمة هؤلاء وهؤلاء. وكان القرآن يعالج ويربي لينهض بالمتخلفين إلى المستوى العالي الكريم..
( إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا، ويخرج أضغانكم )..
وهذا النص يوحي بحكمة اللطيف الخبير، كما يوحي برحمته ولطفه بالنفوس. ويكشف عن التقدير الدقيق في تكاليف هذا الدين، ومراعاته للفطرة، وتناسقه مع بشرية البشر بكل استعداداتها، وطاقاتها، وأحوالها. فهو عقيدة ربانية لإنشاء نظام رباني إنساني. نظام رباني من ناحية أن الله هو الذي يقيم منهجه وقواعده ؛ وإنساني من ناحية أن الله يراعي في تكاليفه طاقة الإنسان وحاجته. والله هو الذي خلق، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
الحديث في الشطر الأول من هذا الشوط الأخير من السورة عن ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى ).. وهؤلاء، الأقرب أن يكونوا هم المشركين الذين كان الحديث عنهم في أول السورة. فهم الذين ينطبق عليهم هذا التبجح في الوقوف للدعوة الإسلامية. التبجح الذي يعبر عنه بالصد عن سبيل الله ومشاقة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وإن كان هناك احتمال آخر، وهو أن يكون الحديث عاما لكل من يقف هذا الموقف ؛ يشمل اليهود في المدينة ويشمل المنافقين، على سبيل التهديد لهم إذا هموا أن يقفوا مثل هذا الموقف جهرة أو سرا. ولكن الاحتمال الأول أقرب على كل حال.
أما الحديث في الشطر الثاني والأخير حتى ختام السورة فهو خطاب للمؤمنين، يدعوهم إلى مواصلة الجهاد بالنفس وبالمال، دون تراخ أو دعوة إلى مهادنة الكفر المعتدي الظالم، تحت أي مؤثر من ضعف أو مراعاة قرابة أو رعاية مصلحة. ودون بخل بالمال الذي لا يكلفهم الله أن ينفقوا منه إلا في حدود مستطاعة، مراعيا الشح الفطري في النفوس ! وإن لا ينهضوا بتكاليف هذه الدعوة فإن الله يحرمهم كرامة حملها والانتداب لها، ويستبدل بهم قوما غيرهم ينهضون بتكاليفها، ويعرفون قدرها. وهو تهديد عنيف مخيف يناسب جو السورة، كما يشي بأنه كان علاجا لحالات نفسية قائمة في صفوف المسلمين إذ ذاك - من غير المنافقين - وذلك إلى جانب حالات التفاني والتجرد والشجاعة والفداء التي اشتهرت بها الروايات. فقد كان في الجماعة المسلمة هؤلاء وهؤلاء. وكان القرآن يعالج ويربي لينهض بالمتخلفين إلى المستوى العالي الكريم..
وفي النهاية يواجههم بواقع حالهم تجاه دعوتهم إلى البذل في سبيل الله ؛ ويعالج شح النفوس بالمال بالوسائل القرآنية، كما عالج شحها في ذات النفس عند الجهاد :
( ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله. فمنكم من يبخل. ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه. والله الغني وأنتم الفقراء. وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم )..
والآية ترسم صورة وصفية لواقع الجماعة المسلمة يومذاك. ولواقع الناس تجاه الدعوة إلى البذل في كل بيئة. فهي تقرر أن منهم من يبخل. ومعنى هذا أن هنالك من لا يبخلون بشيء. وقد كان هذا واقعا، سجلته الروايات الكثيرة الصادقة، وسجله القرآن في مواضع أخرى. وقد حقق الإسلام في هذا المجال مثلا تحسب من خوارق الأمثال في البذل والتضحية عن رضى وعن فرح بالبذل والعطاء. ولكن هذا لم يمنع أن يكون هنالك من يبخل بالمال. ولعل الجود بالنفس أرخص عند بعضهم من الجود بالمال !

والقرآن يعالج هذا الشح في هذه الآية :

( ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه )..
فما يبذله الناس إن هو إلا رصيد لهم مذخور، يجدونه يوم يحتاجون إلى رصيد، يوم يحشرون مجردين من كل ما يملكون. فلا يجدون إلا ذلك الرصيد المذخور. فإذا بخلوا بالبذل، فإنما يبخلون على أنفسهم ؛ وإنما يقللون من رصيدهم ؛ وإنما يستخسرون المال في ذواتهم وأشخاصهم ؛ وإنما يحرمونها بأيديهم !
أجل. فالله لا يطلب إليهم البذل، إلا وهو يريد لهم الخير، ويريد لهم الوفر، ويريد لهم الكنز والذخر. وما يناله شيء مما يبذلون، وما هو في حاجة إلى ما ينفقون :
( والله الغني وأنتم الفقراء )..
فهو الذي أعطاكم أموالكم، وهو الذي يدخر لكم عنده ما تنفقونه منها. وهو الغني عما أعطاكم في الدنيا، الغني عن أرصدتكم المذخورة في الآخرة. وأنتم الفقراء في الدارين وفي الحالين. أنتم الفقراء إلى رزقه في الدنيا، فما لكم من قدرة على شيء من الرزق إلا أن يهبكم إياه. وأنتم الفقراء إلى أجره في الآخرة، فهو الذي يتفضل به عليكم، وما أنتم بموفين شيئا مما عليكم، فضلا على أن يفضل لكم شيء في الآخرة، إلى أن يتفضل عليكم.
ففيم البخل إذن وفيم الشح ؟ وكل ما في أيديكم، وكل ما ينالكم من أجر على ما تنفقون هو من عند الله، ومن فضل الله ؟
ثم الكلمة الأخيرة وهي فصل الخطاب..
إن اختيار الله لكم لحمل دعوته تكريم ومن وعطاء. فإذا لم تحاولوا أن تكونوا أهلا لهذا الفضل، وإذا لم تنهضوا بتكاليف هذه المكانة، وإذا لم تدركوا قيمة ما أعطيتم فيهون عليكم كل ما عداه.. فإن الله يسترد، ما وهب، ويختار غيركم لهذه المنة ممن يقدر فضل الله :
( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم )..
وإنها لنذارة رهيبة لمن ذاق حلاوة الإيمان، وأحس بكرامته على الله، وبمقامه في هذا الكون وهو يحمل هذا السر الإلهي العظيم. ويمشي في الإرض بسلطان الله في قلبه ؛ ونور الله في كيانه ؛ ويذهب ويجيء وعليه شارة مولاه..
وما يطيق الحياة وما يطعمها إنسان عرف حقيقة الإيمان وعاش بها ثم تسلب منه، ويطرد من الكنف، وتوصد دونه الأبواب. لا بل إن الحياة لتغدو جحيما لا يطاق عند من يتصل بربه ثم يطبق دونه الحجاب.
إن الإيمان هبة ضخمة، لا يعدلها في هذا الوجود شيء ؛ والحياة رخيصة رخيصة، والمال زهيد زهيد، حين يوضع الإيمان في كفة، ويوضع في الكفة الأخرى كل ما عداه..
ومن ثم كان هذا الإنذار أهول ما يواجهه المؤمن وهو يتلقاه من الله..
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

38 مقطع من التفسير