تفسير سورة سورة هود

إبراهيم القطان

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير الشعراوي
الشعراوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
زهرة التفاسير
أبو زهرة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تيسير التفسير

إبراهيم القطان (ت 1404 هـ)

تقدم الكلام على هذه الحروف التي افتتحت بها بعض السور، وأنها تقرأ بأسمائها: فيقال: «ألف لام را» أُحكمت آياته: أُتقنت فصلت: جعلت واضحة. يمتعكم متاعا حسنا: يجعل معيشتكم كلها صالحة وارضية إلى اجل مسمى: الى عمر مقدر.
﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ....﴾.
حروف ابتدأت بها السورة للإشارة الى ان القرآن معجِز، مع انه مكون من الحروف التي ينطقون بها، وللتنبيه الى الإصغاء عند تلاوة القرآن الكريم الى انه كتاب آياته محكمة النظم واضحة المعإني، قد فصِّلت أحكامها، وأنزلها ربّ حكيمٌ يقدر حاجة عباده، وخبير يضع الأمور في مواضعها.
﴿أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾.
قل أيها النبي للناس: لا تعبدوا الا الله، انّي مرسَل من عنده لأُنذركم بعذابه إن كفرتم، وأبشّركم بثوابه ان آمنتم وأطعتم.
﴿وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾.
وقلْ لهم أيضًاً: ادعوا الله واسألوا هـ ان يغفر لكم ذنوبكم، ثم توبوا ليه بإخلاص، فيمتّعكم في معيشتكم متاعاً حسنا بالرِزق الطّيب والعافية والأمن الى ان ينتهي الأجل المقدر لكم في هذه الحياة.
﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾.
ويعطي كل صاحب عمل صالح في الدنيا أفضل أثواب واحسن الجزاء في الآخرة.
﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ فإني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾.
وان توليتم وأعرضْتم عما دعوتكم إليه، فإن أخاف عليكم عذابَ يومٍ كبير، هو يوم القيامة، لما فيه من أهوال شديدة.
﴿إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
إليه تعالى رُجوعكم بعد موتكم، وحينئذ تلقَون جزاءكم بالعدْل والقسطاس، والله قادر على كل شيء.
ثنى الشيء: عطف عضه على بعض فطواه. يثنون صدورهم: عن الحق وينكسون رؤوسهم. ليستخفوا منه: ليخفوا انفسهم يستغشون ثيابهم: يتغطون بها.
بعد ان ذكر الله تعالى أنهم إن أعرضوا حلّ بهم عذابٌ كبير، بيّنه هنا في هذه الآية وصفَ حالتِهم العجيبة وكيف يتلقى فريق منهم تلك الآياتِ، عندما يتلوها عليهم النبيّ الكريم.
﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾.
إن هؤلاء الكافرين يطوون صورَهم ليكتُموا ما يجُول فيها.
﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
والله سبحانه وتعالى مطّلع على أحوالهم حتى في حال خَلْوَتِهم حين يتغطَّون بثيابهم، فهو يعلم سرَّهم وعلانيتَهم.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾.
وهو يعلم بأسرار الصدور وخواطر القلوب.
الدابة: كل حي يدب على الأرض، وغلبت على كل ما يركب من الخيل والبغال والحمير. المستقر: مكان إلاستقرار. ومستودعها: الموضع الذي كانت فيه قبل استقرارها، كالصلب والرحم والبيضة. إلى أمة معدودة: الى زمن معين. حاق بهم: نزل بهم وأحاط بهم.
يبيّن الله في الآيات آثار قدرته، وما يتعلقّ بحياة البشر وشؤونهم المختلفة، ويعرِّفُ الخلْقَ بربهم الحقّ الذي عليهم ان يعبدوه، فهو العالِمُ المحيط علمه بكل خلْقه، وهو الرزاق الذي لا يترك أحداً من زرقه. ثم يُطلعها على آثار قدرتِه وحكمته في خلق السماوات والأرض بنظامٍ خاص في أطوا او آمادٍ مُحكّمة.
﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا﴾.
لي هناك دابة تتحرك على الأرض الا وقد تكّفل الله برزقها، فكل مخلوق له رزقٌ مقدَّر من الله في سُننه التي ترتَّب النِّتاجَ على الجُهد، فلا يقعدنَّ أحد عن السعي فالسّماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: ٣٩].
﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾.
ان الله يعمل أين تستقرّ تلك الدابة او المخلوق وأين تقم، والمكانّ الذي تودع فيه بعد موتها.
﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾.
كل شيء من ذلك مسجَّلٌ عنده سبحانه في كتابٍ مبين موضِحٍ لأحوال ما فيه.
﴿وَهُوَ الذي خَلَق السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
انه هو الذي خلق السماواتِ والأرض في ستّ مراحلَ، كما تقدم في سورة الأعراف الآية ٥٤، وسورة يونس الآية ٤.
ومن قبل ذلك لم يكن الوجود اكثر من عالم الماء.
﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء﴾ يعني أن الماء كان موجوداً، خَلَقَه سبحانه وتعالى قبل ان يخلق السماوات والأرض.
أما كيف كان هذا الماء، وكيف كان عرشه عليه، فليس هناك نص على شيء من ذلك، والعقلُ وحده لا يمِلك العمل به ونترك البحث فيه.
ثم عَلل الله بما آنفاً بعض حِكمه الخاصة بالمكلفين المخاطبين بالقرآن فقال:
﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾.
ولقد خلق هذا الكونَ ليُظهر أحوالَكم أيها الناس، بالاختبار وليُظهِر أيكم احسنُ إتقانا لما يعمله لنفسه وللناس.
﴿وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الموت لَيَقُولَنَّ الذين كفروا إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾.
لئن أخبرتَ يا محمد هؤلاء المشركين أن الله سيبعثهم من قبورِهم بعد مماتِهم، سارعوا الى الرد عليك مؤكدين ان هذا الذي جئتَهم به لا حقيقةَ له، وما هو الا كالسِحر الواضح تسحَرُ به العقول. فما أعجبَ هذا القول وما أغربه!؟
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: «ان هذا الا ساحر مبين».
﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ؟﴾.
ولئن أخّرنا عنهم عذابَنا الذي توعِدُهم به ايها الرسول إلى وقت محدّد لَيقولون مستهزئين: ما الذي يمنعُه عنّا الآن! شأنُهم في التكذيب بالبعث، كشأنهم في مسألة العذابِ الدنيوي، يستعجِلونه ويتساءلون عن سببِ تأخيره.
﴿أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يستهزئون﴾.
الا فلْيعلمْ هؤلاء القوم ان العذابَ آتٍ حتما، لا خلاصَ لهم منه، وأنه سيحيط بهم بسبب استهزائهم واستهتارهم.
أذقنا: اعطينا. نزعناها منه: أخذنا منه. يؤوس: مبالغة في اليأس. نعماء: نعمة. ضراء: مضرة.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا﴾.
هذه طبيعةُ الإنسان العَجول القاصر، إذا أعطيناه بعضَ النِعم رحمةٍ منا كالصحَة والرِزق الواسع، ثم نزعنا تلك النعمة أسرفَ في يأسه من عودتها، وقطع الرجاءَ من رحمةِ الله. إنه يؤوس منَ الخير، كفور بالنعمة.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السيئات عني إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾.
وإذا منحنا هذا الانسانَ اليؤوسَ نعمةً أذقناه لذَّتها بعد ضرر لحِقَ به، لم يقابلْها بالشُّكر والطاعة، بل تجده يبطَر ويفخَر على الناس ويقول: ذهبَ ما كان يسؤوني.
﴿إِلاَّ الذين صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أولئك لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
وذلك لا ينطبق على الذين صبروا عند الشدائد، وعملوا الصالحاتِ في السّراء والضراء، فهؤلاء لهم مغفرة من الذنوب، وأجر كبير عند الله في نعيم الجنة الأبدي.
وضائق به صدرك: تحس بالغم والحزن. كنز: أصل الكنز المالُ المدفون تحت التراب، وكل مال مدخر فهو كنز افتراه: جاء به من عنده كذبا.
لا تحاول أيها النبيُّ إرضاءَ المشركين، فهم لا يؤمنون ولعلّك يا محمد تاركٌ تلاوةَ بعضِ ما يوحى إليك ما يشُقُّ سماعه على المشركين، بل قد تحسّ بالضِيق وانت تتلوا عليهم ما لا يقبلون.
﴿أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾.
إنهم يطلبون ان يُنزل اللهُ عليك كنزا، او يجيء مَلَك يؤيدك في دعوتك، فلا تبالِ بعنادهم.
﴿إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ والله على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.
فأنت منذِر ومحذِّر من عقبا الله لمن يخالف أمره، وقد أدّيتَ رسالتك، وليس عليك من أعمالهم شيء.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وادعوا مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
لقد تكرر هذا القول، وتكرر التحدي، فقد جاء في سور ﴿البقرة الآية: ٢٣] قوله تعإلى: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ... الآية﴾ وفي سورة [يونس الآية ٣٨] ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ... الآية﴾ أمن هنا في سورة هود فالوضع فيه تحدٍّ، لكنّه يختلف عن السورتين السابقتين، فالله تعالى يقول لهم: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ أي فاتوا بمثله ولم كَذِباً مفترى.
والمعنى: قل لهم: إن كان هذا القرآن مما افتريتُه على الله من عندي، فإن كنتُم صادقين في دعواكم هذه، فهاتوا من عندكم عشرَ سُورٍ مثله مفتريات مكذوبات، واستعينوا في ذلك لك من تستطيعون من فصحائكم وبُلغائكم وشعرائكم وجنّكم وإنسكم.
فالقرآن الكريم معجز باسلوبه، وبما فيه من القصص الصادق، وما فيه من العلوم الكونية التي أشار إليها، ولم تكن معروفة في عصر نزوله، وفي الأحكام التي اشتمل عليها.
﴿فإن لم يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فاعلموا أَنَّمَآ أُنزِلِ بِعِلْمِ الله وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾.
فان عجزتم وعجز من استعنتم بهم، فاعلموا ان هذا القرآن إنما أنزل على محمد ﷺ بمقتضى علم الله وارادته، ولا يقدر عليه محمد ولا غيره ممن تدعون زورا انهم أعانوه. واعلموا انه لا إله الا الله، فلا يعمل علمه احد، فهل انتم بعد ان قامت عليكم الحجة داخلون في الإسلام الذي أدعوكم اليه بهذا القرآن؟ وان هذا التحدي لا يزال قائما الى يوم القيامة.
نوف إليهم: نؤد الحق كاملا. لا يبخسون: لا ينقصون. وحبط ما صنعوا: بطل وفسد. بينة: برهان واضح. يتلوه: يتبعه. مرية: شك.
بعد قيام الحجّةِ على حقيقة إلاسلام، والتحديث الشديد بالقرآن وعجزهم عن الإتيان بمثله - ظل المشركون يكابرون.. لأنهم كانوا يخافون على ما يتمتعون به من منافع وسلطة وشهوات، لهذا يعقّب القرآنُ على ذلك بما يناسب حالهم يصور لهم عاقبة أمرهم بقوله:
﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ﴾.
من كان يطلب الحياةَ الدنيا والتمتع بلذّاتها وزينتِها من طعامٍ وشرابٍ ومال وأولاد وغيرِ ذلك نعطِهم ثمراتِ أعمالهم لا يُنْقَص منها شيء.
﴿أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
هؤلاء الذين قَصَروا همَّهم على الدنيا وما فيها من لذائذ ليس لهم في الآخرة إلا عذاب النار، جزاءَ كل ما صنعوه في الدينا، لأنه لم يكن للآخرة فيه نصيب.
وبعد ان ذكَر اللهُ مآل من يعمل للدنيا وزينتِها، ولا يهتمُّ بالآخرة وأعمالِها، ذكر هنا من كان يريدُ آخرة ويعمل لها، ومعه شاهد عل صدقه وهو القرآن فقال:
﴿أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إَمَاماً وَرَحْمَةً أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
أفمَن كان يسير في حياته على بصرةٍ وهداية من ربّه، ومعه شاهدٌ بالصدِق من الله وهو القرآن، وشاهدٌ من قبله وهو كتابُ موسى الذي أنزله الله قدوةً ورحمة لمتّبعيه، كمن يسيرُ على ضلالٍ وكفرٍ فلا يهتمُّ الا بالدنيا وزينتها؟! كلاّ أبداً.
أولئك الأَوّلون هم الذين أنارَ الله بصائرهم، فهم يؤمنون بالنبيّ والكتابِ الذي أُنزل عليه.
﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحزاب فالنار مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
ومن يكفر به ممن تألّبوا على الحقّ وتحزَّبوا ضده، فالنارُ موعدُه يوم القيامة.
﴿فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾.
لا تكن أيها النبيّ في شكّ من هذا القرآن. وحاشا النبيَّ ان يشكّ. وإذا كان لخطاب موجَها اليه فالمقصود به كل من سمع برسالة محمد، ولا في القرآن المنزل عليه.
﴿إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
ان هذا القرآن هو الحقُّ النازل من عند ربّك، لا يأتيه الباطل، ولكنّ اكثر الناس تُضِلُّهم شهواتهم فلا يؤمنون.
الأشهاد: جمع شاهد. الذين يصدون عن سبيل الله: الذين يصرفون الناس عن الدين. يبغونها عوجا: يريدونها ملتوية معوجة. لا جرم: حقا. وأخبتوا: خشعوا واطمأنوا.
بعد ان بين الله الناس فريقان: يريد الدنيا وزينتها، وفريق مؤمن بربه وبرسالة رسوله الكريم، ذكر هنا بيان حال كُلٍّ من الفريقين وما يكون عليه في الآخرة. وهو يضرب للفريقين مثلا: الأعمى والأصم، والبصير والسميع.
لا أحد أكثرُ ظلماً لنفسه وبُعدا عن الحق من الذين يكذِبون على الله. ان افتراء الكذب في ذاته جريمةٌ نكراء وظلمٌ لمن يُفترى عليه الكذب، فكيف إذا كان هذا الافتراءُ على الله!!
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾.
لا أحد أكثرُ ظلماً لنفسه وبُعدا عن الحق من الذين يكذِبون على الله. ان افتراء الكذب في ذاته جريمةٌ نكراء وظلمٌ لمن يُفترى عليه الكذب، فكيف إذا كان هذا الافتراءُ على الله!!
﴿أولئك يُعْرَضُونَ على رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأشهاد هؤلاء الذين كَذَبُواْ على رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾.
سَيُعْرَضُ هؤلاء المفترون يوم القيامة على ربهم ليحاسبَهم على أعمالهم السيئة، فيقول الأشهاد من الملائكة والأنبياء والناس: هؤلاء هم الذين ارتكبوا جريمة الكذب على الله. بذلك يفضحونهم بهذه الشهادةِ المقرونة باللَّعنة، اي خروجِهم من رحمة الله.
وفي الصحيحَين عن عبد الله بن عمر قال: «سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: إن الله يُدني المؤمنَ حتى يضعَ كنَفَه عليه ويسترَهُ من الناس، ويقرِّره بذنوبه ويقول له: اتعرف ذنْبَ كذا؟ اتعرف ذنب كذا؟ فيقول: يا ربِّ أعرف، حتى إذا قرّره بذُنوبه ورأى في نفسه انه قد هلَك قال: فإنّي سترتُها عليك في الدُّنيا وأنا أغفر لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته».
﴿الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ﴾.
الذين يَصرِفون الناسَ عن سبيلِ الله، وهو دينُه القيم وصراطُه المستقيم؛ ويريدون ان تكونَ هذه السبيلُ معوجَّة لتوافقَ شهواتِهم واهواءَهم، وهو كافرون بالآخرِة والبعث والجزاء.
﴿أولئك لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرض وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَآءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب﴾.
هؤلاءِ الّذين يصُدُّون عن سبيل الله لم تكنْ لهم قوةٌ تعجِز اللهَ عن أخذِهم بالعذاب في الدنيا، ولم يكن لهم أنصارٌ يمنعون عنهم العذابَ لو شاء ان يُعَجِّلَه لهم. انهم سيلقون ضعف العذاب في الآخرة.
ثم بين علة هذه المضاعفة للعذاب بقوله:
﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾.
لقد أعماهم وأصمَّهم انهماكهم في الكفر والضلال حتى كرهوا ان يسمعوا القرآن أو يبصروا آيات الله في الكون.
﴿أولئك الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾.
هكذا أضاع أولئك الكافرون أنفسهم، ولم يربحوا بعبادة غير الله شيئاً، وغابَ عنهم في الآخرة ما كانوا يفترونه من الكذِب على الله في دنياهم.
— 214 —
﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون﴾.
حقا إنهم أشدُّ الناس خسارةً في الآخرة، وبذلك يكونون قد أضاعوا أنفسَهم في الدنيا والآخرة.
وبعد ان بين الله حال الكافرين وأعمالهم ومآلهم، بين حال المؤمنين أصحاب العمل الصالح وعاقبة أمرهم فقال:
﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وأخبتوا إلى رَبِّهِمْ أولئك أَصْحَابُ الجنة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
ان الذين آمنوا بالله ورسُله، وعملوا الأعمالَ الصالحة، وخشعتْ قلوبُهم واطمأنّت إلى ربها، سيكونون أهل الجنةِ خالدين فيها أبدا.
﴿مَثَلُ الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع﴾.
مثل الفريقين: الكافرين والمؤمنين: الكافرين كالأعمى الذي يسير على غيرِ هدى، والأصمِ الذي لا يسمع ام يُرشده إلى النجاة؛ والمؤمنين، كالمبصِر يرى طريقَ الخير، وقويِّ السمعِ الذي يسمع كل ما ينفعه.
﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾.
هل يستوي هذانِ الفريقان في الحال والمآل؟ أفلا تتفكرون أيها الناس فيما بين الباطل والحق من خلاف فتعتبروا به، وتسيروا على الصراط المستقيم!
— 215 —
ورد ذِكر نوح في ثلاثة وأربعين موضعا من القرآن الكريم في ثمانِ وعشرين سورة. وذُكرت قصة نوح مفصلة في القرآن الكريم في سورة الأعراف وهود وسورة المؤمنين والشعراء والقمر وسورة نوح، وهي مختلفة اللفظ حسْب ما تكون العنايةُ موجهة نحوه من البيان والمعنى:
كما أرسلناك يا محمد إلى قومه لتنذِرَهم وتبشّرهم، فقابلَكَ فريقٌ بالكفر والجحود، أرسلنا من قبلُ نوحاً الى قومه فقال لَهم: إني رسولُ الله إليكم، أُنذرُتكم من عذابِ الله وأبيّن لكم طريق النجاة.
ثم فسر هذا الإنذار بكلام مختصر.
﴿أَن لاَّ تعبدوا إِلاَّ الله إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.
وإني أطلبُ منكم ان لا تعبُدوا إلا الله، ولا تشرِكوا به شيئا، لأني أخاف عليكم إن عبدتم غيره او أشركتم معه سواه أن ينالكم عذابُ يوم مؤلم.
قراءات:
قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة: «إني لكم نذير مبين» بكسر همزة ان، والباقون بفتحها.
الملأ: كبار القوم. أراذل: جمع ارذل، وهو الخسيس الدنيء. بادى الرأي: ظاهره قبل التأمل في باطنه. أرأيتم: أخبروني. عميت: خفيت انلزمكموها: انكرهكم عليها. تزدري: تستهزئ.
اختار الله تعإلى نوحاً من بين أولئك القوم لينذرَهم عذابَ الله، لأنهم تمادَوا في غيِّهم وضلالهم. وقد اجتمع كبراؤهم وأهلُ فيهم على تكذيبه واحتقاره هو ومن ابتعه، واستبعدوا ان يكونَ واحدٌ منهم - لا يمتاز عليهم بالغِنى والجاه- هو المختار لهدايتهم، وأَنِفوا ان يكونوا مثل الّذين اتّبعوا نوحاً من الضعفاء. وزعموا ان هؤلاء قد اتبعوه من غير رويّة ولا تكفير، «بادى الرأي» وطلبوا إليه لن يجد ناصر يدفع عنه عقاب اله إذا ما طردهم عن الهدى.
كذلك أوضح لهم ان إنما جاءهم بالهداية، وليس رجلَ مال قد مكّنه الله من خزائنه وأطلعه على غَيْبه، وقال إنه المُلك فيهم، وإنما هو شخص اختاره الله تعالى لدعوتهم وتبليغهم أمره. أما اتباعه من المؤمنين الذين تزدريهم أعين الكبراء فإن أمْرَهم الى الله، وهو أعلمُ بسرائرهم، لان إدراك الهداية الى الحقّ لا يكون بالمظهر الفاخر بل باطمئنان النفس وركونها الى الهدى مع اليقين التام والرضى به، ثم إنه لا يطلبُ منهم أجرا على دعوته، فأجرُه على الله وحده.
قراءات:
قرأ أبو عمرو: «بادئ الرأي» بالهمزة والباقون بدون همزة. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: «فعيت» بضم العين وتشديد الميم. «فعميت» بفتح العين وكسر الميم بدون تشديد.
جادلتنا: نافشتنا وخاصمتنا. يغويكم يضلكم.
قالوا: يا نوحُ، قد ناقشتَنا بجِدالك فأطلتَ حتى مَلِلْنا. ان كنت صادقاً فيما تدعيه، فعجِّلْ وهاتِ ما توعدنا به من العذاب.
﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
عند ذالك قال نوح: هذا أمرٌ بيدِ الله وحدَه، فهو الذي يأتيكم بما تَشاء حكمتُه، ولن تعجزوه ابداً، لأنه لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء.
﴿وَلاَ يَنفَعُكُمْ نصحي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
إنه لن ينفعكم نصيحي لمجردٍ إرادتي الخيرَ لكم، إذا كان الله قد شاء ان يضلَّكم... انه ربُّكم وخالقكم لا أنا، واليه ترجعون يوم القيامة، ويجازيكم على أعمالكم.
ونرى من هذا الحوار الذي دار بين نوح والملأ من قومه أنهم عجَزوا عن الجدال فطلبوا ان يأتيَهم بالعذاب تشكيكاً فيه، وهذا دَيْدَنُ الأمم في عدم الخضوع لحكم العقل إذا خالف الأمرُ ما ألِفُوه وورثوه عن آبائهم.
في هذه الآية الكريمة دَفْعُ شبهةٍ من شُبَهِ المشركين من قريشِ الّذين ادَّعوا أن محمَّداً يفتري هذا القَصص، فيردُّ الله عليهم بأن هذا القَصص صادقٌ، وقل لهم أيها الرسول: إن كنت افتريتُه على الله كما تزعمون، فهو جُرمٌ عظيمٌ عليَّ وحدي إثمهُ، وإذا كنت صادقاً، فانتم المجرمون، وأنا بريء من جرمكم هذا.
فلا تبئس: فلا تحزن الفلك: السفينة. مفرد وجمع. بأعيننا: تحت رعايتنا. وحينا: بإرشاد وحينا.
في تلك الحال أوحى الله إلى نوح أنه لم يؤمن من قومك غير الذين سبق وآمنوا، فلا تحزَنْ على ما كانوا يعملون... ابنِ السفينةَ تحت رعايتنا وبإرشاده وحْينا، ولا تشفعْ في الّذين ظلموا... فهم محكومٌ عليهم بالغرق. وشرع نوح في صنع الفُلك، فكان كلّما مر عليه نفر من قادة الكفر من قومه استهزؤوا به، لجَهْلِهم الغرضَ من بناء السفينة، فيقول لهمك ان تهزأوا منا فنحن أيضًاً نهزأ منكم، لكنكم سوف تعلمون من منا الّذي سيأتيه عذابٌ يذلّه في الدنيا، ثم يحلّ عليه في الآخرة عذاب دائم.
فار التنور: نبع منه الماء بقوة. التنور: فرن له شكل خاص للخبر. مجراها ومرساها: إجراؤها وإرساؤها. ومجراها بفتح الميم ومرساها بضم الميم. معزل: مكان بعيد عن أبيه. سآوي إلى جبل: سألتجئ الى جل يعصمني: يحميني. اقلعي: أمسِكي. وغيض الماء: نضب الجوديّ: اسم جبل يقال انه في الموصل.
حتى إذا جاء وقتُ أمرِنا بإهلاكهم نبع الماء بشدة من التنُّور. وحينئذ قلنا لنوح: احملْ معكم في السفينة من كل نوعٍ زوجَين ذكراً وأنثى، واحمِل اهلَكَ جميعاً إلا من سبق عليه حُكْمنا بإهلاكه. كذلك واحمِل معك من آمن بك من قومك، وهم نفر قليل.
وقال نوح: اركبوا في السفينة باسم الله جريانُها ورسوُّها، ان ربّي لواسع المغفرة لعباده. وركبوا في السفينة وهم يذكُرون الله، وجرتْ بهم في أمواجٍ هائجة عالية كالجبال، ثم ان نوحاً دعتْه الشفقة على انبه الذي تخلّف ولم يرافق أباه. فناداه قائلاً: تعال اركب معنا يا بنّي، ولا تكن من الجاحدين. فكان جواب ذلك الوالد العاصي: يا أبتِ، سألجأ الى جبلٍ يحمين من طغيان الماء. فقال نوح: لا شيء يعصِم أحداً من عذاب الله في هذا اليوم العصيب، الا من رحمة الله. ثم إن الموج حال بينهما وغاب الولد في اللجة وكان من الهالكين.
ثم ذكر الله ما حدثَ بعد هلاكهم، فأُمرت الأرضُ أن تبتلعَ ماءضها، والسماءُ أن تكفَّ عن المطر. وغاضَ الماء، وانتهى حكمُ الله بالإهلاك، ورست السفينةُ عند الجبل المسمَّى بالجُودِيّ عند المَوْصِل بالعراق. «وقيِلَ بُعداً للقومِ الظالمين».
قراءات:
قرأ حفص: «من كل زوجين اثنين» بتنوين كل والزوج يطلق على الواحد وعلى الاثنين. والباقون: «من كلّ زوجين اثنين» وقرأ حمزة والكسائي: «مجراها» بفتح الميم والباقون بضم الميم.
﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين﴾.
وبعد ان هدأت العاصفة، وسَكَن الهَول، ثارت الشفقةُ في قلب نوحٍ على ابنه، فنادى ربَّه ضارعاً مشفقا: يا ربّ، إن ابني منّي وهو من أهلي، وقد وعدتَ أن تنجّي أهْلي، ووعدْك هو الحقّ، وأنت أعدلُ الحاكمين.
﴿قَالَ يا نوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾.
قال الله تعإلى: يا نوح، إن ابنك هذا ليسَ من أهلِك، بكفْره قد انقطعت الصِلةُ بينك وبينه، فهو عملٌ غير صالح. واحذر ان تطلبَ ما ليس لك به علم، فأنا أرشِدك الى الحقّ لكيلا تكونَ من الجاهلين الّذين تُنسِيهم الشفقةُ الحقائقَ الثابتة.
قراءات:
قرأ الكسائي ويعقوب: «انه عَملَ غيرَ صالح» والباقون «عملٌ غيرُ صالحٍ» وقرأ ابن كثير: «لا تسألن» بتشديد النون وفتحها. وقرأ نافع وابن عامر: فلا تسألَنِيّ.
﴿قَالَ رَبِّ إني أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وترحمني أَكُن مِّنَ الخاسرين﴾.
قال نوح: يا ربّ، إني ألجأ إليك فلا أسألُك بعدَ هذا ما لا علم لي بحقيقته، وإن لم تتفضل عليَّ بمغفرتِك، وترحمني أكْنْ في عِداد الخاسرين.
وفي هذه الآية دليل على ان الله تعالى يجازي الناس في الدنيا والآخرة بإيمانهم وأعمالهم، لا بأنسابهم. انه لا يحابي أحدا لأجل الآباء والأجداد ولو كانوا من الأنبياء.
وكان رسول الله ﷺ يقول: «يا فاطمة بنت محمد، واللهِ لا أُغني عنك من الله شيئا». فأساس الدين عندنا انه لا علاقة للصلاح بالوارثة والأنساب. وإنما بالإيمان والعمل الصالح.
﴿قِيلَ يانوح اهبط بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وعلى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قال تعالى: يا نوح، انزِل من السّفينة بسلامٍ منا، وأمْنٍ وبركاتٍ عليك.
ويسأل أناس كثيرون: هل كان الطوفان عاماً في الأرض جميعا، ام حدث في المنطقة التي كان يسكنها نوح وقومه، وأين كانت هذه الأرض؟
لم يرد نص صريح بذلك، وقد ودت رواياتٌ وإسرائيليات كثيرة واخبرا غير مقطوع بصحتها، ولذلك نضرب عنها صفحا.
ثم ذكر الله تعالى لنبيّه الكريم أن هذا قصصٌ من عالَم الغيب لا يعرفه هو ولا قومه من قبل، قال:
﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هذا فاصبر إِنَّ العاقبة لِلْمُتَّقِينَ﴾.
ان هذه القصة عن نوح وقومه من أخبارِ الغيب التي لا يَعلمها الا الله، ما كنتَ تعلمُها يا محمد ولا قومُك من قبل هذا. فاصبِر على إيذاء قومك كما صَبَرَ الأنبياءُ قبلك، فان عاقبة الفوز للّذين يتّقون اللهَ بالإيمان والعمل الصالح.
فطرني: خلقني. مدرارا: كثيرا.
جاء ذكر عاد قومي النبي هود سبع مرات بدون ذكره هو صراحة، وذلك سورة المؤمنون، وفصلت، والاحقاف، والذارايات، والقمر، والحاقة، والفجر.
والقارئ لقصة هود مع قومه يراه إنسانا وقوراً رزيناً يزنُ الكلامَ قبل إلقائه، ويتجلى الإخلاص وحُسن النية على قسمات وجهه. فهو لا يقابل الشرَّ بمثله، بل لا يفارقه اللّينُ مع قومه أبداً، ويتلطف معهم بذكِر نعم الله عليهم ويرغَّبهم في الايمان، ويذكّرهم بما أنعمَ اللهُ عليهم به من أموال وبنين وجنات وعيون، وأنه زادَهم في الخلْق بَسْطَةً، وجعلهم خلفاء الأرض من بد قوم نوح، فإذا آمنوا حازوا رضي الله، فيرسل السماءَ عليهم مِدراراً لسقي زروعهم وإنباتِ الكلأ لماشيتهم، كما يزيدُهم عزّاً على عزّهم، وكان في كل محاوراته معهم واسعَ الصدر، مثالَ الحكمة والرزانة والأَناة.
وقد ذكرت قصة هود في سورة الأعراف بأُسلوب ونَظْمٍ يخالف ما هنا، وفي كل من الموضعَين من العظمة والعبرة ما ليس في الآخرة.
﴿وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يا قوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ﴾.
وأرسلْنا إلى قوم عادٍ أخاهم في النسَب والوطَن هودا، فقال لهم: يا قوم، اعبُدوا الله وحده، ليس هناك إلهٌ غيره، أما عبادتكم للأصنام والأوثان فهي محض افتراءٍ منكم على الله.
كانت مساكنُ عادٍ في أرض الأحقاف، في شمال حَضْرَمَوْت، وفي شمالها يوجد الرَّبْع الخالي، وفي شرِقها عُمان. وموضع بلادهم اليومَ رمالٌ خالية ليس بها أنيس. ولم يردْ ذِكرٌ لقوم عاد في الكتب القديمة سوى القرآن الكريم.
﴿ياقوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الذي فطرني أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾.
يا قوم إنني لا أطلبُ منكم أجراً على تبليغ رسالة ربي إليكم، فأَجري على من خلقني وبعني إليكم. أفلا تعقِلون ما ينفعُكم وما يضركم؟.
﴿ويا قوم استغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السماء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ﴾.
يا قومُ اطلبوا المغفرةَ من ربِّكم على سلَفَ من ذنوبكم، ثم توبوا إليه توبةً صادقة، فإنه يَغِيثُكم بالمطر الغزير المتتابع، ويزيدُكم قوةً الى قوتكم التي تغترّون بها، ولا تُعرِضوا عما أدعوكم اليه، وأنتم مصرّون على إجرامكم وآثامكم.
الناصية: شعر مقدم الرأس، ومقدم الرأس.
﴿قَالُواْ يا هود مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بتاركي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
قالوا: يا هود ما جئتَنا بحُجّةٍ واضحةٍ تؤيّد دعواك في أنك مرسَل من عندِ الله، ولن تركَ عبادةَ آلهتِنا قولك.
﴿إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ آلِهَتِنَا بسواء قَالَ إني أُشْهِدُ الله واشهدوا أَنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ﴾.
وبالَغوا في الردّ وقالوا: ما نقول فيك إلا أن بعضَ آلهتنا قد أصابك بمسٍّ من جُنونٍ. فقال: مصرَّا على إيمانه متحدّيا: إني أُشهِد الله، وأشهِدكم على قولي إن أبرأ إلى اللهِ مما تُشركون به. وأتحدى أن دبِّرا كلَّ حيلةٍ لإهلاكي إذا استطعتم.
﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.
حتى إذا عجَزتم جيمعا، ولم يبقَ شُبهةٌ في أن آلهتكم لا تضرّ ولا تنفع، أجبتُكم أَني توكَلْ على الله واعتمدتُ عليه. هو ربّي وربكم. وليس في ها الكون من دابّةٍ الا هو مالكُ أمرِها يصرّفها كما يريد، فلا يُعجِزه حِفظُها من أذاكم. وهو عادل تجري كل أفعاله على طريق الحق والعدل، ولا يضيع عنده مظلوم.
﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي على كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.
فان تُعرِضوا عن دعوتي لم يضرَّني إعراضُكم أبداً... لقد أبلغْتُكن رسالةَ ربي اليكم، وقد يُهلككمُ اللهُ ويستخلفُ قوماً غيركم في دياركم وأموالكم. وكذلك لا تضرون الله بإعراضكم عن الايمان، وهو رقيب على كل شيء من أعمالكم.
﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً والذين آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
ولما نزلَ عذابُنا نجَّينا هودا والذين آمنوا معه من العذاب الشديد الذي نزل بقومه ثم ذلك سبب ما نزل بهم من البلاء فقال:
﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ واتبعوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.
وتلك قبيلة عادٍ. لقد أنزلنا لهم نقمتنا لأنهم أنكروا الحججَ الواضحة، وعصَوا رسُل الله جميعا بعصيانهم رسولَهم، وطاعتِهم لأمر كل طاغية من رؤسائهم وكبرائهم.
﴿وَأُتْبِعُواْ فِي هذه الدنيا لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة﴾.
ولقد لحقتْ بهم اللعنةُ في هذه الدنيا، وسوف تلحقهم يوم القيامة.
ثم اكد الله كفرهم بشهادته عليهم فقال:
﴿ألا إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ﴾.
فلْيعلم كلُّ الناس ان عاداً جحدوا خالقِهم عليهم ولم يشكروها بالإيمان، فبُعداً لهم. وهذا دعاء عليهم بالطرد عن رحمة الله.
أنشأكم من الأرض: أوجدكم منها. استعمركم فيها. جعلكم تعمرونها. مرجوا: نرجوا منك الخير. مريب: موجب للتهمة والشك. تخسير: خسران.
صالح هو الرسول الثاني من العرب، ورد ذِكره في القرآن تسع مرات، في سورة الأعراف ثلاث مرات، وفي سورة هود اربع مرات، وفي كل من الشعراء والنمل مرة واحدة. وجاء ذِكر ثمودَ في سورة الحِجْر، وفُصّلت، والذاريات، والنجم، والقمر، والحاقة، والشمس.
كانت مساكن ثمود بالحِجْر التي تُعرف اليوم بمدائن صالح، في شمال الحجاز، وآثارُها باقية إلى اليوم، وكانوا وثنيين يعبُدون الأصنام.
﴿وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يا قوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض واستعمركم فِيهَا فاستغفروه ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾.
وأرسلْنا إلى قوم ثمود رسولَهم صالحاً، فقال لهم: يا قومي، اعبدوا لله وحدَه، لي لكم آله غيره يستحق العبادة. لقد خلقَكُم من الأرض، ومكّنكم من عِمارتها، واستثمارها خَيراتِها، فاستغفِروه من ذنوبكم، ثم ارِجعوا إليه بالتوبة الصادقة، فهو قريبُ الرحمة مجيبٌ لمن دعاه.
﴿قَالُواْ يا صالح قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هذا أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.
قالوا: يا صالح، لقد كنّا نرجو الخير فيك قبل هذه الدعوة، كنا نرى فيك حكمةً وأصالة رأي، فما بالك الآن؟ أتنهانا عن عبادة ما كان يعبُد آباؤنا؟ نحن في شكّ من دعوتك هذه الى عبادة الله وحده، شكٍ يجعلُنا نرتابُ فيك وفيما تقول.
﴿قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ الله إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾.
قال صالح: أخبرني ان كنتُ على بَصيرةٍ من ربي، واعطني رحمةً منه لي ولكن، وهي النبوة والرسالة، ماذا اصنع؟ وكيف أخالف أمره وأعصيه؟ ومن يُعينني إن عصيتُه؟، إنكم لن تزيدوني غيرَ الضياعِ والوقوع في الخسران.
الآية: المعجزة. ذروها: اتركوها فعقروها: قطعوا قوائهما ثم بعد ذلك ينحرونها. في داركم: في بلدكم. الصيحة: صوت الصاعقة. جاثمين: ساقطين على وجوههم. كأن لم يغنوا فيها: كأنهم لم يقيموا في تلك الديار.
يا قوم، هذه ناقةُ الله معجزةً لكم تشهدُ على صدقي، فاتركوها تأكل في الأرض ولا تَمَسُّوها بأذى فينزلَ بكم عذابٌ قريب. فعقروها... فقال لهم صالح: استمتعوا بحياتكم في بلدِكم ثلاثة ايام، ثم بعدَ ذلك يأتيكم عذابُ الله. هذا وعد من الله الذي لا يخلف وعده.
فلما نزل العذاب نجّى الله صالحا والذين آمنوا معه من الهلاك ومن فضيحة ذلك اليوم على السوء والله هو القوي العزيز.
وأخذت الصَّيحةُ ثمود، فاصبحوا في ديارِهم هامدين ساقطين على وجوههم. يومئذٍ انتهى أمرُهم وباتت ديارُهم خاليةً مهجورة كأنهم لم يسكنوها. لقد كفر قوم ثمود بآيات ربهم، فبُعداً لهم. وهكذا كانت الخاتمة، تجيل الذنب وإتباعهم اللعنة، وهلاكهم إلى الأبد.
قراءات:
قرأ نافع: «ومِن خزي يومَئذ» بفتح ميم يومَئذٍ. وقرأ الباقون بكسرها. وقرأ الكسائي «لثمودٍ» بكسر الدال وتنوينها. وقرأ حمزة وحفص عن عاصم ويعقوب: «إلا ان ثمودَ» بفتح الدال بدون تنوين. والباقون: «ثمودا» بالتنوين.
فما لبث: أسرع. حنيذ: مشوي بالحجارة المحاماة. نكرة: أنكره، ضد عرفه. وأوجس منهم خِيفة: احس بالخوف. يا ويلتا: يا عجبا. البعل: الزوج.
جاء ذِكر إبراهيم عليه السلام في خمس وعشرين سورة سيأتي بعض التفصيلات عنها في سورة إبراهيم.
﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾.
ولقد أرسلنا الملائكة إلى ابراهيم تبشِّره بأن الله سيرزُقُه غلاماً من زوجته سارة. وكان له إسماعيل من هاجر. فقالوا يحيُّونه: سلاماً، فقال: سلام، وأسرع فهيَّأ لهم طعاماً لذيذاً، عِجلاَ مشوياً، وكان كريماً يحب الضيوف.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: «قال سلم» بكسر السين وسكون اللام.
﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾.
استغرب ابراهيم حال ضيوفه حين رأى أيديَهم لا تمتد إلى الطعام، وأَدرك أنهم ليسوا من البشرَ، وأَضمر ذلك في نفسِه وخافَ أن يكون مَجيئهم لأمرٍ خطيرٍ لا يعلمه. فالذّي لا يأكل الطعام من الضيوف يكون أمره مريباً، ويُشعر بأنه ينوي خيانةً او غدراً حسب تقاليد العرب.
وعند ذلك شفوا له عن حقيقتِهم، قالوا: لا تخفْ، لقد أُرسِلْنا إلى قومِ لوطٍ لإهلاكهم. وكانت ديارهم قريبةً من ديار ابراهيم.
﴿وامرأته قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.
وكانت امرأةُ إبراهيم سارة واقفةً تسمع ما يقال، فضحكتْ سروراً بالأمنِ من الخوف، فبشَّرها الملائكة بأن الله سيرزقها ولداً اسمُه اسحاق، ومن بعدِه سيولد لإسحاقَ يعقوب.
قراءات:
قرأ ابن عامر وحمزة حفص «ويعقوب» بنصب الباء، والباقون «ويعقوب» بالرفع.
﴿قَالَتْ يا ويلتى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾.
قالت سارة متعجبة: كيف ألد وأَنا كبيرة في السن عجوز، وهذا زوجي كما تَرَونه شيخاً كبيراً لا يولَد لمثله! إن بشارتكم هذه شيء عجيب مخالف لما هو معروف.
﴿قالوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله رَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾.
قال الملائكة: لا ينبغي لك ان تعجبي من قُدرة الله وأمرهِ. انه لا يعجِزه شيء.
لتكنْ هذه معجزةً من معجزاته الخارقة للعادات، وهي رحمةٌ منه لكم وإحدى نعمه الكثيرة عليكم يا أهلَ بيتِ النبوّة. وهل جلَّ ثناؤه مستحقّ لجميع المحامد، حقيق بالخير والإحسان.
الروع: الخوف. حليم: يصبر على من آذاه وجهل عليه ويعامله بلطف. أواه: كثير التأوه والتضرع إلى الله. منيب: يرجع الى الله في كل أمر.
وكان إبراهيم عليه السلام رجلاً رقيق القلب، فلما عَلِمَ أن قومَ لوطٍ هالكون، كما أعلمه الملائكة- أخذتْه الشفقةُ عليم، فجعلَ يجادل ويسأل الرحمة بهم، رجاء ان ينظُر الله اليهم نظر رحمة.
قال تعالى:
﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الروع وَجَآءَتْهُ البشرى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾.
حين اطمأن ابراهيم الى ان ضيوفه ملائكة من رسُل الله، وذهب عنه الخوف، وسكن قلبه ببُشرى الولد التي حمولها اليه، أخذ يجادل الملائكة في خلاك قوم لوط. وكان لوط هذا ابن أخ ابراهيم، وقد آمن بعمه كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى ربي﴾ [العنكبوت: ٢٦].
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾.
لقد جادل ابراهيم الملائكة في عذاب قوم لوط لأنه كان يعمل ان لوطاً من الصدِّيقين، ولان إبراهيم نفسهَ كان حليماً لا يعْجَل بالانتقام من المسيء، بل هو كثير التأوُّه والتضرُّع الى ربه، ويرجع في كل أموره الى الله.
﴿يا إبراهيم أَعْرِضْ عَنْ هاذآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾.
وجاءه الرد بقوله الملائكة: دعْ هذا الجدل لمصلحة قوم لوط والتماس الرحمة لهم يا إبراهيم، فقد صدر أمرُ ربك بهلاكهم، فالعذاب آتيهم لا يُرَدّ، بعد أن حقَّت عليهم الكلمةُ بالهلاك.
سيء بهم: ساءه مجيئهم. وضاق بهم ذرعا: تحير ولم يطق هذه المصيبة. الذرع: منتهى الطاقة، يقال: ضاق الأمر ذرعا: إذا صعب عليه احتياله عصيب: شديد يُهرَعون إليه: يسرعون. لا تخزوني: لا تخجلوني. رشيد: عاقل إلى ركن شديد: الى من ينصرني من أصحاب النفوذ.
﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سياء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾.
كان لوط ابنَ أخِ إبراهيم. آمن بنبوّة عمّه وتَبعه في رحلاته. فكان معه بِمِصْرَ وأغدق عليه ملكُ مصرَ كما اغدق على ابراهيم. فكثُر ملاه ومواشيه. ثم إنه افترقَ عن إبراهيم لأن المكانَ الذي سكنه عمّه لمي عد يتسع لمواشيهما، ونزل سدوم في جنوب فلسطين، وهو المكان الذي فيه البحر الميت الآن.
وقد ذكر لوط في القرآن الكريم سبعا وعشرين مرة في اربع عشرة سورة هي: الانعام، الاعراف، هود الحجر، الانبياء، الحج، الشعراء، النمل، العنكبوت، الصافات، ص، ق، القمر، التحريم.
وكان أهلُ سَدوم، قوم لوط، ذوو أخلاق دنيئة لا يستحون من منكر، ولا يتعفّفون عن معصية، بل يأتونها علناً على رؤوس الاشهاد، كما قال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ [العنكبوت: ٢٩].
وقد ذكرت قصة لوط بتمامها في عدة سُوَر، وخلاصتها ان قوم لوطٍ كانوا من الشرّ بمكان... كانوا يقطعون الطريقَ على السابلة، قد ذهب الحياء من وجوههم فلا يستقبحون قبيحا، ولا يَرْغَبون في حَسَن. وكانوا قد ابتدعوا من المنكَرات ما لم يسبقهم اليه أحَد، ومن ذلك أنهم يأون الذكورَ من دون النساء، ويرون في ذلك سوءا. وقد وعظَهم لوط ونصحهم ونهاهم وخوَّفهم بأسَ الله فلم يأبهوا له ولم يرتدعوا. فلما ألحّ عليهم بالعِظات والإنذار هدّدوه: تارةً بالرجم، وتارةً بالإخراج، لأنه غريب، الى أن جاءَ الملائكةُ الذين مرّ ذِكرهم. وقد جاءوا الى لوط بهيئةِ غِلمان مُرْدٍ حسان الوجوه، فلّما جاءوا على هذه الهيئة تألَم واستاء، واحسّ بضعف عن احتمال ضيافتهم وحمايتهم من فساد قومه، وقال: هذا يومٌ شديد، شرُّه عظيم.
﴿وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات﴾.
ولما علم قومُ لوط جاءوا مسرعين اليه، وكانوا معتادين على ارتكاب الفواحش والفُسوق وعملِ السيئات.
﴿قَالَ يا قوم هؤلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾.
وحاول لوط ردَّهم فقال: يا قوم، هؤلاء بناتي، تزوجوا بهن، ذلك أظهرُ لكم من ارتكاب الفواحش مع الذكور... اخشوا الله واحذَروا عقابه، وتفضحوني بالاعتداء على ضيوفي، الي فيكم رجلٌ عاقل سديدُ الرأي يردّكم عن الغيّ والضلال!!
﴿قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾.
فأجابه قومُه بقولهم: أنت تعلم أ، الا نريد النساء كما تعلمُ ما هي رغبتُنا.
— 230 —
وأَجمَعُوا أمرَهم على فعلِ ما يريدون من العمل الخبيث.
عند ذلك تحيرّ لوط، وأَحسّ بضعفه، وهو غريبٌ بينهم، لا عشيرةَ له تحميه، فقال بحزن:
﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
آه لو كان لي قوة تدفعكم عن بيتي هذا، او ركن شديد أعتمدُ عليه في حماية ضيوفي، ومنعكم من ارتكاب السيئات.
وفي صحيح البخاري ان رسول الله ﷺ كان وهو يقرأ هذه الآيات يقول: «يغفرُ الله للوط، أنه كان لَيأوي إلى ركن شديد».
فلما ضاق الأمر واستحكمت حلقاته، وبلغ الكرب اشده، كشف الرسل عن حقيقة أمرهم وأَنهم ملائكة فقالوا:
قَالُواْ يا لوط إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ...}.
— 231 —
فأسر بأهلك: فسِرْ بأهلك في الليل، السرى والإسراء: السير ليلاً. بقطع من الليل: بجزء منه. من سجيل: من طين متحجر. منضود: متتابع منتظم. مسومة: لها علامة خاصة.
فما اشتد الأمرُ على لوط، وضاقت عليه الأرض بما رحُبَت، قالت الملائكة، وقد ظهرت على حقيقتها: لا تخف يا لوط، نحن رسُل ربك، ولسنا بشراً كما بدا لك. ان قومك لن يؤذوك. سنمنعهم من ذلك. ولن يصلوا إليك بشر او ضر، أَسر بأهلك ليلاً، واخرج بهم من هذه القرية، ولا يلتفت أحدٌ منكم خلفه لكيلا يرى هولَ العذاب فيُصابَ بشرٍ منه، الا امرأتك التي لم تؤمن فإنها من الهالكين مع قومها، ان موعد هلاكهم الصبح، وهو موعدٌ قريب.
فلما جاء وقت العذاب قلَبْنا ديارهم، بهم، وجعلنا عاليَها سافلَها، وأَمطرنا عليهم حجارةً من طينٍ متحجّر، عليها علامة من عند ربك.
﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ﴾.
ليس العذاب الذي حل بقوم لوط وديارهم بعيدا عنكم أيها المشركون من أهل مكة.
قراءات:
قرأ بان كثير ونافع: فاسر بهمزة الوصل، والباقون: «فأسر» من الإسراء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «الا امراتُك» بالرفع، والباقون: «الا امرأَتك» بالنصب.
إلا تبخسوا الناس أشياءهم: لا تنقصوهم من حقوقهم. ولا تعثَوا في الأرض مفسدين: لا تبالغوا في الإفساد. بقية الله: ما أبقاه الله لكم من الربح الحلال.
تقدم ذكر قصة شُعيب في سورة الأعراف، وقد ذُكر شعيب في القرآن عشر مرات في سورة الاعراف وسورة هود، وفي سورة الشعراء وسورة العنكبوت. وفي كل موضع من العظمات والأحكام ما لي في الأخرى.
وأرض قومه فهي مَدْين في شمال الحجاز لا تزال معروفة الا الآن، ويسمي المفسِّرون شُعيباً خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومَه وبراعته في الحوار وإقامة الحجة عليهم. ويقول الشيخ عبد الوهاب النجّار في كتابه «قصص الأنبياء» صفحة ١٤٩:
«أما شُعيب فقد كان زمنه قبل زمن موسى، فان الله تعإلى لما ذكر نوحاً ثم هوداً ثم صالحاً ثم لوطاً ثم شعيباً قال:» ثم بعثنا من بعدِهم موسى بأياتنا الى فرعون وملأه «سورة الاعراف، ومثل ذلك في سورة يونس وهود والحج والعنكبوت...».
ولقد أرسلْنا الى قومِ مدين أخاهم في النسَب شعينا، قال لهم: يا قوم اعبُدوا الله وحده، ليس لكم إله يستحق العبادة غيره، ولا تنقُصوا المكيالَ والميزان حين تبيعون. إن أراكم أهل ثروة واسعةٍ في الرزق تُغنيكم عن الدناءة في بخس حقوق الناس وأَكل أموالهم بالباطل، وأخاف ان يحلّ عذابُ يومٍ يحيط بكم لا تستطيعون تفلتوا من أهواله إذا لم تشكروا الله وتطيعوا امره؟
﴿ويا قوم أَوْفُواْ المكيال والميزان بالقسط﴾.
أتمُّرهما بالعدْل دون زيادة ولا نقصان.
﴿وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَآءَهُمْ﴾.
بسرقة أموالهم بالباطل.
﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾.
ولا تفسدوا في الارض بقطع الطريق، وتهديد الأمن، وتعطيل مصالح الناس.
﴿بَقِيَّةُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾.
ان ما يبقى لكم من المال الحلال الذي تفضّل اللهُ به عليكم خيرٌ لكم من المال الذي تجمعونه من الحرام، ان كنتم تؤمنون بالله حقّ الإيمان ولست استطيع أن أكون عليكم رقيبا أحصي أعمالكم وأحاسبكم عليها.
بينة: حجة واضحة، ان أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه: ولا أريد ان أفعل ما أنهاكم عنه. واليه أنيب: الى الله ارجع. ولا يجرمنكم شقاقي: لا يحملنكم الخلاف بيني وبينكم على العناد.
بعد ان بين الله تعالى أمرَ شعيب لقومه بعباده الله وحده وعدم النقص في الكيْل والميزان- ذكر هنا ردَّهم عليه، ثم أعدا النُّصح لهم بأنه لا يريد لهم إلا الإصلاح، فقالوا متهكّمين به:
أصلاتُك يا شعيب تأمُرك ان نتركَ ما كان يعبد آباؤنا؟ ون لا نتصرّف في أموالنا كما نشاء؟ أفأنت الحليمُ الرشيدُ كما هو معروف بيننا؟.
فأجاب شعيب:
يا قوم، أرأيتم ان كنتُ على حجةٍ واضحة من ربي (وهي النبوة) ورزقَني منه رزقاً حسنا... هل يصحُّ لي مع هذه النعم الجزيلة ان كتَم ما أمرين بتبليغه لكم؟ إنني لن آتي ما أنهاكم عنه لأستبدَّ به دونكم، وإنما أريد الإصلاح قدر طاقتي، وما توفيقي لإصابة الحق والصواب في كل ما آتي الا بهداية الله تعالى، عليه توكلت في أداء ما كلّفني من تبليغكم، وإليه أرجع في كل ما أهمَّني.
ويا قوم، لا يحملنَّكُم الخلافُ بيني وبينكم على العناد والإصرار على الكفر. عندئذ يصيبكم ما أصاب قومَ نوح من الغرق، او قوم هودٍ من الريح، او قوم صالح من الرَّجْفة. ان ديار قوم لوط قريبة منكم، فاعتبروا بما أصابهم.
﴿واستغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾.
واطلبوا من اللهِ ان يغفرَ لكم ذنوبكم، ثم ارجِعوا إله نادمين، فهو يرحم من استغفر واعتذر، ويتودد الى عباده بالإنعام عليهم، والنصح لهم.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي وحفص: «اصلاتك» بالافراد، والباقون: «اصلواتك» بالجمع.
ما نفقه: ما نفهم. لولا رهطك: ولولا جماعتك. لرجمناك: لرميناك بالحجارة. واتخذتموه وراءكم ظهريا: وراء ظهرهم نسيا منسيا. اعملوا على مكانتكم: ما يمكنكم، أقصى استطاعتكم. ارتقبوا: انتظروا الصحية: صيحة العذاب. جاثمين: باركين على ركبهم مكبين على وجوههم. كأن لم يغنوا: كأنهم م يقيموا في ديارهم ولم يسكنوها. بُعداً لمدين هلاكا لهم.
قالوا: يا شعيب، نحن لا نفهم كثيراً مما تقول، وأنت بيننا ضعيف في مكانتك، ولولا ان عشيرتك عزيزةٌ علينا لقتلناك رَجماً بالحِجارة، وما انت علينا بعزيز حتى نجلّك ونحترمك.
قال شعيب: يا قوم أعشيرتي أعزُّ عليكم من الله أرسلني إليكم! لقد جعلتم أوامره منبوذةً وراء ظهوركم.. ان ربي محيط بكل ما تعملون.
يا قوم، اعملوا ضدي كل ما تستطيعون، أما أنا فسأظل أعمل على الثبات والدعوة إلى الله. وسوف تعلمون من منّا الذي يأتيه عذاب يفضحُه ومن هو كاذب انتظروا وأنا معكم من المنتظرين.
ويحن جاء عذابُنا نجَّينا شعيباً ومن آمنَ معه، وأخذت الظالمين من أهل مدين الصيحةُ المهلكة، فأصبحوا في ديارهم باركين مكبين على وجوههم.
وانتهى أمرُهم وزالت آثارهم وصارت ديارهم باركين مكبين على وجوههم.
وانتهى أمرُهم وزالت آثارهم وصارت ديارهم خاوية كأنْ لم يقيموا فيها. الهلاكُ لمدين، وبعداً لهم من رحمة الهل كما بعدت ثمود من قبلهم.
الآيات التسع المعدودة في سورة الإسراء، والمفصلة في سورة الأعراف وغيرها. سلطان مبين: الحجة الواضحة والدليل الظاهر. الملأ: أشراف القوم وزعماؤهم: بلوغ الماء، والمورد: الماء. وهنا استعمل بمعنى النار مجازا. والرفد: العطاء والعون، والمرفود: المعطى.
لقد تكرر ذِكر موسى عليه السلام في القرآن الكريم مراتٍ كثيرة، ولما ذكر سبحانه ما أصاب أقوامَ نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، أشار في هذه الآيات إلى قصص موسى مع فرعون وقومه للإعلام بان عاقبة فرعون وزعماء قومه الهلاكُ مثل الظالمين من أولئك الأقوام، والغاية من ذلك العبرة والعظة.
لقد أرسلنا موسى، مؤيَّداً بالمعجزات الدالة على صدقه والحجّة، إلى فرعون وكبار قومه. فكفر فرعون وأمر قومه ان يتبعوه في الكفر، فاتبعوا أمره وخالفوا أمر موسى. ولي ما فعل مما يدل على الرشد. وسيأتي يوم القيامة يتقدم قومه كما كان يتقدمهم في الدنيا، فيوردهم النار. ولبئس ذاك المورد. فعلى فرعون وعليهم لعنة الله والملائكة والناس. «بئس الرفد المرفود» بئس العطاء المعطى... اي تلك اللعنة.
منها قائم: موجود. وحصيد: محصود أمّحت آثاره كالزرع المحصود. تتبيب: إهلاك وتخسير تب: هلك وخسر.
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ القرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ﴾.
ان هذا القصص يا محمد هو بعض أخبار القرى التي أهلكناها، وهي جديدة عليك لم تكن تعلمها من قبل، لكن الوحي من لدنّا ينبئك بهذا الغيب. وذلك بعض أغراض القرآن في قصصه. «منها قائم» ومن هذه القرى ما لا تزال آثاره تشهد بما بلغ أهله من القوة والعمران، كآثار الفراعنة بمصر، وبقايا عاد وثمود، «وحصيد» ومن تلك الآثار ما درس وزال، كأنه زرع محصود، كما حل بقوة نوح او قوم لوط وغيرهم.
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن ظلموا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ التي يَدْعُونَ مِن دُونِ الله مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾.
وما ظلمناهم بإهلاكهم، ولكنّهم ظلموا أنفسَهم بالكفر وعبادةِ غير الله والفساد في الارض، فما استطاعت آلهتُهم ان تردّ عنهم الهلاك، ولا نفعتْهم بشيءٍ لما جاء أمر ربك، فما زادوهم غير هلاكٍ وتخسير.
﴿وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
مثل هذا الذي قصصنْا عليك من الأخذِ الشديد يأخذ ربُّك القرى حين يهلكها وهي ظالمة مشركة تَدين لغيره بالربوبية.
لا تكلم: لا تتكلم. يوم مشهود: يشهده جميع الناس. لأجل معدود: معين الزفير: تنفس الصعداء من الهم والكرب. شهيق: نشيج في البكاء إذا اشتد تردده في الصدر وارتفع به الصوت. غير مجذوذ: غير مقطوع مرية: شك.
بعد ان ذكر اللهُ تعإلى العبرةَ في إهلاك الأمم في الدنيا، ذكره هنا العبرة بجزاء الآخرة للأشقياء والسعداء، وما ينال الأشقياءَ من العذاب والخلود في النار. ما يتمتع به المؤمنون في الجنة.
﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخرة ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾.
ان في ذلك القصص عبراً ومواعظ يعتبر بها من آمن بالله وخاف عذاب الآخرة بعد يوم القيامة، وهو يوم يُجمع له الناس كلهم للحساب، وتشهدهُ الخلائق جميعا من الجن والإنس والملائكة.
﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾.
ونحن نؤخر ذلك اليوم حتى تمضي مدة محدّدة في عالمنا لا تزيد ولا تنقص، ولم يُطلع عليها أحداً من الخلق.
﴿يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.
في ذلك اليوم الذي يأتي لا تتكلَّم نفس من الأنفس الا بإذنه تعالى، ويكون الناس فريقين: شقياً مستحقاً للعذاب الأليم، وسعيداً مستحقاً لما وُعد به المتقون من نعيم الآخرة
قراءات:
قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: «يوم يأتِ» بكسر التاء بدون ياء. والباقون «يوم يأتي» بالياء.
ثم فصل جزاء الفريقين فقال:
﴿فأما الذين شَقُواْ فَفِي النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾.
فأما الذين شقوا في الدنيا ففي النار مآلُهم يكون فيها تنفُّسه مصحوباً بآلام مزعجة، وشهيقُهم يشتد تردُّده في الصدر من شدة كروبهم.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾.
خالدين في النار ما دامت السموات والارض، لا يخُرجون منها الا في الوقت الذي يشاء الله، وليعذِّبَهم بنوعٍ آخر من العذاب. ان ربك أيّها النبي فعّال لما يريد فعله، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
﴿وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِي الجنة خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
اما الذين رزقَهم الله السعادةَ فيدخلون الجنة خالدين فيها الى ما لا نهاية ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ الا الفريق الذي يشاء الله تأخيرَه عن دخول الجنة مع السابقين، وهم عصاةُ المؤمنين، وهؤلاء يتأخَرون في النار ريثما يم توقيع الجزاء عليهم، ثم يخرجون منها الى الجنة ويعطي ربك أهل الجنة عطاءً دائماً غير مقطوع ولا منقوص.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي وحفص: «وأما الذين سعدا» بضم السين وكسر العين والباقون: «سعدوا» بفتح السين وكسر العين.
— 238 —
﴿فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هؤلاء مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾.
بعد ان بيّن الله تعإلى قصص عبدةِ الأوثان وما آل إليه أمرهم، ثم أتبعه بأحوال الأشقياء والسعداء - أعاد الخطاب الى رسول الله ﷺ ليسرّي عنه عن المؤمنين معه ويثبتهم.
ما دام أمر الأمم المشركة في الدنيا ثم في الآخرة كما قصصنا عليك يا محمد- فلا يكن لديك أدنى شكٍ في مصير عَبَدِة الأوثان من قومك. انهم يعبدون ما كان يعبد آباؤهم من قبل، من الأوثان والأصنام فهم مقلِّدون لهم، وسوف نعطيهم نصيبهم من العذاب جزاء أعمالهم وافيا على قدر جرائمهم.
— 239 —
شك منه مريب: قوي دائم. طرفي النهار: الغدوة العشيّة، يعني صلاة الصبح والظهر والعصر. وزلفاً من الليل: الساعات الأولى منه، صلاة المغرب والعشاء.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾.
بعد ان ذكّر مشركي مكة بالماضين من أمثالهم، وما جرى لهم في الدنيا وما سينالهم في الآخرة - ذكّرهم هنا في هاتين الآيتين بقوم موسى، واختلافهم في الكتاب. فمنهم من آمن ومنهم من كفر، فلا عجب أن آمن بك قومٌ أيها الرسول وكفر بك آخرون.
ولقد آتينا موسى التوراة فاختلف بنو إسرائيل فيها، ولولا كلمةٌ سبقت من ربك بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة لفصل بينَهم بإهلاك المبطِلين ونجاة المحقّين. ان كفار قومك يشكّون في صدق القرآن، وكذلك هؤلاء ورثوا التوراة واقعون في حيرة وبعدٍ عن الحقيقة.
﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
ان ربّك سيوفي كل فريق من هؤلاء: المصدّقين والمكذبين، جزاء اعمالهم، وهو خبير بهم يحيط علمه بكل ما يعملون.
قراءات:
قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر «وان كلا» بإسكان النون. وقرأ ابن عأمر وعاصم وحمزة «لما» بالتشديد والباقون «لما» بالتخفيف.
وبعد ان بيّن الله أمر المختلفين في التوحيد والنبوّة، وذكَرَ وعْدَهم ووعيدَهم- أمر رسول الله ﷺ ومن معه من المؤمنين بالاستقامة، وهي كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعمل والعمل والأخلاق الفاضلة، فقال.
﴿فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
ما دام هذا حالُ الأمم التي جاءها كتاب من الله فاختلفت فيه وخرجت عليه، فاستِقم انت يا محمد ومن معك من المؤمنين ولا يتجاوزوا حدودَ الاعتدال، انه سبحانه محيط علمه بكل ما تعملون.
﴿وَلاَ تركنوا إِلَى الذين ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾.
لا تميلوا أدنى ميلٍ ولا تطمئنوا الى أعداء الله وأَعدائكم الذين ظلموا أنفسَهم بالكفر والشرك فتستَحِقّوا عذابَ النار مثلهم. انه لا ناصر لكم غير الله، ولا تنصَرون الا بالاستقامة والإيمان.
وكذلك لا تسكتوا عن المنكر إذا رأيتموه... فإن الإمام أحمد وأصحاب السُنن رووا عن أبي بكر رضي الله عنهـ انه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ان الناس رأوا المنكَر بينهم فلم يُنكِرونه، يوشكُ أن يعمَّمهم الله بعاقبه» وهذا ما هو حاصل فينا اليوم.
﴿وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ الليل إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ذلك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ﴾.
بعد ان امر الله رسولَه بالاستقامة وعدم تجاوُزِ ما رسمه الدين، وعدم الركون الى الظالمين، أمره هنا بأفضلِ العبادات وأجلّ الفضائل، فقال:
يا محمد، أقمِ الصلاة كاملة على أحسن وجه، وداومْ عليها في طرفَي النهار (وهما أوله وآخره) وفي أوقات متفرقة منه.
— 240 —
وهذه تشمل أوقاتَ الصلاة المفروضة دوت تحديد عددها، لكن السُّنة وعمل الرسول الكريم حددت ذلك. وقد خصّ الله تعإلى الصلاة بالذكر لأنها أساس العبادات.
﴿إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات﴾.
ان الأعمال الحسنة تمحو السيئات التي قلّما يخلو منها البشر، والمراد بالسيئات الذنوب الصغيرة، لان الكبائر لا يكفّرها إلا التوبة. كما قال تعالى ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١].
وفي الحديث الصحيح: «الصلوات الخمسُ كفّارة لما بينَها ما اجتُنبت الكبائر» رواه مسلم وفي صحيح البخاري أيضًا: «أأيتُم لو ان نهراً بباب أحدِكم يغتسل فيه لك يوم خس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا قال: فذلك ملُ الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا».
﴿ذلك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ﴾.
ان في الوصايا السابقة من الاستقامة، والنهي عن الركون الى الذين ظلموا، وإقامة الصلاة في تلك الأوقات عبرةً للمتعظين المستعدين لقبولها، الذين يذكرون ربهم على الدوام.
والاستقامة في حاجة الى الصبر، ولذلك عقب الله على ذلك بقوله:
﴿واصبر فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾.
اصبر أيها النبي على مشاق ما أمرناك به، فالاستقامة احسان، واقامة الصلاة في أوقاتها احسان، والصبر على المكاره احسان، والله لا يضيع أجر المحسنين.
— 241 —
فلولا: فهلا القرون: جمع قرن، الجيل من الناس وشاع تقديره بمائة سنة. أولوا بقية: ما يبقى من أهل الصلاح والعقل. ما اترفوا فيه: ما تنعموا فيه من ملذات الدنيا فأفسدتهم وأبطرتهم. وتمت كلمة ربك: قضاؤه وأمره.
﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد فِي الأرض﴾.
فهلاَّ وجد هناك من أهل القرون التي كانت قبلكم جماعةٌ أصحابُ شيء من العقل او الرأي والصلاح ينهون قومهم عن الفساد في الأرض.
﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ واتبع الذين ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾.
ولكن كان هناك نفَر قليل من المؤمنين لم يُسمع لهم رأي ولا توجيه فأنجاهم الله مع رسلهم. أما الظالمون المعانِدون فقد تمسّكوا بما رزقناهم من أسباب الترف والنعيم فبطِروا واستكبروا وصدّوا عن سبيل الله، وكانوا بذلك مجرمين.
ثم بين الله تعالى ما يحول بين الأمم وإهلاكها فقال:
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾.
ما كان من سنة الله، ولا من عدله في خَلقه، ان يظلم أمةً من الأمم فيهلكها وهي متمسكة بالحق، ملتزمة الفضائل. وهذا هوا لعدل من احكم الحاكمين.
﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
لو شاء ربك أيها النبيّ لجعلَ الناس على دينٍ واحد، مطيعين الله بطبيعة خلْقتهم، كالملائكة، ولكان العالَم غير هذا العالم، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك، بل خلقهم مختارين كاسِين، وجعلهم متفاوتين في إلاستعداد وكسب العلم، وهي لا يزالون مختلفين في كل شيء حتى في أصول العقائد، تبعا لميولهم وشهواتهم وتفكيرهم.
الذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ}.
لا يزالون مختلفين في شئونهم الدنيوية والدينية، الا من رحم الله منهم لسلامة فِطَرهم، فانهم اتفقوا على حكم الله فيهم، فآمنوا بجميع رسله وكتبه واليوم الآخر. ولهذه المشيئة التي اقتضتها حكمته تعالى في نظام هذا الكون، خلَقهم مستعدّين لهذا الاختلاق ليرتب على ذلك استحقاق الثواب والعقاب.
﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ولذلك خَلَقَهُمْ﴾.
ولقد سبق في قضائه وقدَره وحكمته النافذة، أن يملأ جهنم من اتباع إبليس من الجن والناس من الذين ظلموا ولا يهتدون.
نقص عليك: تخبرك. من أبناء الرسل: من أخبارهم نثبت: نقوي على مكانتكم: على تمكنكم واستطاعتكم.
في خاتمة السورة خطاب للرسول الكريم ﷺ أن في قصص الأنبياء والأمم القديمة فائدةً عظمى له وللمؤمنين، وهي تثّبت الفؤاد وتُلقي العظمة.
﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَآءَكَ فِي هذه الحق وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
إننا نقصّ عليك أيها النبي كلّ نبأ من أنباء الرسُل المتقدمين مع أممهم كيما نقوي قلبك على تحمل أعباء الرسالة. وقد جاءك في هذه الأنباء بيان الحق الذي تدعو إليه مثلما دعا اليه السابقون من الرسل، وفيها موعظة وذكرة وعبرة ينتفع بها المؤمنون.
﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾.
ايها النبيّ، قل للذين يصرّون على العناد والكفر: اعملوا ما تستطيعون من محارة الإسلام وإيذاء المؤمنين، فإننا ماضون في طريقنا على قدر ما نستطيع من الثابت على الدعوة وتنفيذ أمر الله.
﴿وانتظروا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾.
وانتظروا بنا ما تترقبون لنا. إننا كذلك منتظرون وعدَ الله لنا بنجاح الدعوة والانتصار.
﴿وَللَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
ولله وحده علم الغيب في هذا كله، واليه وحده يرجع تصريف كل أم من الأمور. وإذا كان الأمر كذلك فاعبد ربك وحده، وتوكل عليه، وامتثل ما أُمرت به من دوام التبليغ والدعوة وما ربك بغافل عما تعملون جميعا ايها المؤمنون والكافرون. وقد صدق وعده ونصر عبده، واظهر دينه على الدين كله.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

32 مقطع من التفسير