تفسير سورة سورة الأنبياء
الجصاص
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير الشعراوي
الشعراوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
ابن باديس
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
زهرة التفاسير
أبو زهرة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
ﰡ
آية رقم ٧٨
قال الله تعالى : وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ في الحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنَّا لحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وكلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً . حدثنا عبدالله بن محمد بن إسحاق المروزي قال : حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال : أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن قتادة : نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ قال :" في حَرْثِ قوم ". وقال معمر : قال الزهري :" النَّفْشُ لا يكون إلا بالليل والهمل بالنهار ".
وقال قتادة " فَقَضَى أن يأخذوا الغنم ففهّمها الله سليمان، فلما أخبر بقضاء داود عليه السلام قال لا ولكن خذوا الغنم فلكم ما خرج من رَسْلِها وأولادها وأصوافها إلى الحَوْلِ ".
وروى أبو إسحاق عن مرة عن مسروق : وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ قال :" كان الحرث كَرْماً فنفشت فيه ليلاً فاجتمعوا إلى داود فقضى بالغنم لأصحاب الحرث، فمروا بسليمان فذكروا ذلك له فقال : أولاً تدفع الغنم إلى هؤلاء فيصيبون منها ويقوم هؤلاء على حرثهم حتى إذا عاد كما كان ردوا عليهم ؛ فنزلت : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ . ورُوي عن عليّ بن زيد عن الحسن عن الأحنف عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه في قصة داود وسليمان.
قال أبو بكر : فمن الناس من يقول إذا نفشت ليلاً في زرع رجل فأفسدته أن على صاحب الغنم ضمان ما أفسدت، وإن كان نهاراً لم يضمن شيئاً، وأصحابنا لا يرون في ذلك ضماناً لا ليلاً ولا نهاراً إذا لم يكن صاحب الغنم هو الذي أرسلها فيها. واحتجَّ الأوَّلون بقضية داود وسليمان عليهما السلام واجتماعهما على إيجاب الضمان، وبما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي قال : حدثنا عبدالرزاق قال : حدثنا معمر عن الزهري عن حرام بن مُحَيِّصة عن أبيه :" أن ناقةً للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدته، فقَضَى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال حِفْظَها بالنهار وعلى أهل المواشي حِفْظَها بالليل ". وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمود بن خالد قال : حدثنا الفريابيّ عن الاوزاعي عن الزهري عن حرام بن محيصة الأنصاري عن البراء بن عازب قال :" كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطاً فأفسدت فيه، فكلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فَقَضى أن حِفْظَ الحوائط بالنهار على أهلها وأن حِفْظَ الماشية بالليل على أهلها وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل ".
قال أبو بكر : ذكر في الحديث الأوّل حرام بن محيصة عن أبيه أن ناقة للبراء، وذكر في هذا الحديث حرام بن محيصة عن البراء بن عازب، ولم يذكر في الحديث الأول ضمان ما أصابت الماشية ليلاً وإنما ذكر الحفظ فقط، وهذا يدل على اضطراب الحديث بمَتْنِهِ وسَنَده. وذكر سفيان بن حسين عن الزهري عن حرام بن محيصة فقال : ولم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيئاً، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ودَاوُدَ وسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ في الحَرْثِ ، ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم داود وسليمان بما حكما به من ذلك منسوخٌ ؛ وذلك لأن داود عليه السلام حكم بدفع الغنم إلى صاحب الحَرْثِ وحكم سليمان له بأولادها وأصوافها، ولا خلاف بين المسلمين أن من نَفَشَتْ غَنَمُهُ في حرث رجل أنه لا يجب عليه تسليم الغنم ولا تسليم أولادها وألبانها وأصوافها إليه، فثبت أن الحُكْمَيْنِ جميعاً منسوخان بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل : قد تضمنت القصة معاني، منها : وجوب الضمان على صاحب الغنم، ومنها كيفية الضمان ؛ وإنما المنسوخ منه كيفية الضمان، ولم يثبت أن الضمان نفسه منسوخ. قيل له : قد ثبت نسخ ذلك أيضاً على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بخبر قد تلقّاه الناس بالقبول واستعملوه، رَوَى أبو هريرة وهزيل بن شرحبيل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" العَجْمَاءُ جُبَارٌ " وفي بعض الألفاظ :" جَرْحُ العَجْمَاءِ جُبَارٌ "، ولا خلاف بين الفقهاء في استعمال هذا الخبر في البهيمة المنفلتة إذا أصابت إنساناً أو مالاً أنه لا ضمان على صاحبها إذا لم يرسلها هو عليه، فلما كان هذا الخبر مستعملاً عند الجميع وكان عمومه ينفي ضمان ما تصيبه ليلاً أو نهاراً ثبت بذلك نَسْخُ ما ذكر في قصة داود وسليمان عليهما السلام ونَسْخُ ما ذكر في قصة البراء أن فيها إيجاب الضمان ليلاً. وأيضاً سائر الأسباب الموجبة للضمان لا يختلف فيها الحكم بالنهار والليل في إيجاب الضمان أو نفيه، فلما اتفق الجميع على نفي ضمان ما أصابت الماشية نهاراً وجب أن يكون ذلك حكمها ليلاً، وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما أوجب الضمان في حديث البراء إذا كان صاحبها هو الذي أرسلها فيه ويكون فائدة الخبر أنه معلوم أن السائق لها بالليل بين الزروع والحوائط لا يخلو من نَفْشِ بعض غنمه في زروع الناس وإن لم يعلم بذلك، فأبان النبي صلى الله عليه وسلم عن حكمها إذا أصابت زرعاً، ويكون فائدة الخبر إيجاب الضمان بسَوْقِهِ وإرساله في الزروع وإن لم يعلم بذلك وبين تساوي حكم العلم والجهل فيه. وجائز أيضاً أن تكون قضية داود وسليمان كانت على هذا الوجه، بأن يكون صاحبها أرسلها ليلاً وساقها وهو غير عالم بنَفْشِها في حَرْثِ القوم، فأوجبا عليه الضمان ؛ وإذا كان ذلك محتملاً لم تثبت فيه دلالة على موضع الخلاف.
وقد تنازع الفريقان من المختلفين في حكم المجتهد في الحادثة القائلون منهم بأن الحق واحد والقائلون بأن الحق في جميع أقاويل المختلفين، فاستدلَّ كل منهم بالآية على قوله ؛ وذلك لأن الذين قالوا بأن الحق في واحد زعموا أنه لما قال تعالى : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ فَخَصَّ سُلَيمان بالفهم دلَّ ذلك على أنه كان المصيب للحق عند الله دون داود، إذْ لو كان الحق في قوليهما لما كان لتخصيص سليمان بالفهم دون داود معنى. وقال القائلون بأن كل مجتهد مصيب : لما لم يعنّف داود على مقالته ولم يحكم بتخطئته دل على أنهما جميعاً كانا مصيبين، وتخصيصه لسليمان بالتفهيم لا يدلّ على أن داود كان مخطئاً ؛ وذلك لأنه جائز أن يكون سليمان أصاب حقيقة المطلوب فلذلك خُصَّ بالتفهيم ولم يُصِبْ داودُ عين المطلوب، وإن كان مصيباً لما كلف.
ومن الناس من يقول : إن حكم داود وسليمان جميعاً كان من طريق النصِّ لا من جهة الاجتهاد، ولكن داود لم يكن قد أبرم الحكم ولا أمْضَى القضية بما قال، أو أن يكون قوله ذلك على وجه الفُتْيَا لا على جهة إنفاذ القضاء بما أفتى به، أو كانت قضية معلقة بشريطة لم تفصل بعد، فأوحى الله تعالى إلى سليمان بالحكم الذي حكم به ونسخ به الحكم الذي كان داود أراد أن يُنْفِذَه ؛ قالوا : ولا دلالة في الآية على أنهما قالا ذلك من جهة الرأي، قالوا : وقوله : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ يعني به تفهيمه الحكم الناسخ. وهذا قول من لا يجيز أن يكون حكم النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الاجتهاد والرأي وإنما يقوله من طريق النص.
وقال قتادة " فَقَضَى أن يأخذوا الغنم ففهّمها الله سليمان، فلما أخبر بقضاء داود عليه السلام قال لا ولكن خذوا الغنم فلكم ما خرج من رَسْلِها وأولادها وأصوافها إلى الحَوْلِ ".
وروى أبو إسحاق عن مرة عن مسروق : وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ قال :" كان الحرث كَرْماً فنفشت فيه ليلاً فاجتمعوا إلى داود فقضى بالغنم لأصحاب الحرث، فمروا بسليمان فذكروا ذلك له فقال : أولاً تدفع الغنم إلى هؤلاء فيصيبون منها ويقوم هؤلاء على حرثهم حتى إذا عاد كما كان ردوا عليهم ؛ فنزلت : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ . ورُوي عن عليّ بن زيد عن الحسن عن الأحنف عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه في قصة داود وسليمان.
قال أبو بكر : فمن الناس من يقول إذا نفشت ليلاً في زرع رجل فأفسدته أن على صاحب الغنم ضمان ما أفسدت، وإن كان نهاراً لم يضمن شيئاً، وأصحابنا لا يرون في ذلك ضماناً لا ليلاً ولا نهاراً إذا لم يكن صاحب الغنم هو الذي أرسلها فيها. واحتجَّ الأوَّلون بقضية داود وسليمان عليهما السلام واجتماعهما على إيجاب الضمان، وبما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي قال : حدثنا عبدالرزاق قال : حدثنا معمر عن الزهري عن حرام بن مُحَيِّصة عن أبيه :" أن ناقةً للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدته، فقَضَى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال حِفْظَها بالنهار وعلى أهل المواشي حِفْظَها بالليل ". وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمود بن خالد قال : حدثنا الفريابيّ عن الاوزاعي عن الزهري عن حرام بن محيصة الأنصاري عن البراء بن عازب قال :" كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطاً فأفسدت فيه، فكلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فَقَضى أن حِفْظَ الحوائط بالنهار على أهلها وأن حِفْظَ الماشية بالليل على أهلها وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل ".
قال أبو بكر : ذكر في الحديث الأوّل حرام بن محيصة عن أبيه أن ناقة للبراء، وذكر في هذا الحديث حرام بن محيصة عن البراء بن عازب، ولم يذكر في الحديث الأول ضمان ما أصابت الماشية ليلاً وإنما ذكر الحفظ فقط، وهذا يدل على اضطراب الحديث بمَتْنِهِ وسَنَده. وذكر سفيان بن حسين عن الزهري عن حرام بن محيصة فقال : ولم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيئاً، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ودَاوُدَ وسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ في الحَرْثِ ، ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم داود وسليمان بما حكما به من ذلك منسوخٌ ؛ وذلك لأن داود عليه السلام حكم بدفع الغنم إلى صاحب الحَرْثِ وحكم سليمان له بأولادها وأصوافها، ولا خلاف بين المسلمين أن من نَفَشَتْ غَنَمُهُ في حرث رجل أنه لا يجب عليه تسليم الغنم ولا تسليم أولادها وألبانها وأصوافها إليه، فثبت أن الحُكْمَيْنِ جميعاً منسوخان بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل : قد تضمنت القصة معاني، منها : وجوب الضمان على صاحب الغنم، ومنها كيفية الضمان ؛ وإنما المنسوخ منه كيفية الضمان، ولم يثبت أن الضمان نفسه منسوخ. قيل له : قد ثبت نسخ ذلك أيضاً على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بخبر قد تلقّاه الناس بالقبول واستعملوه، رَوَى أبو هريرة وهزيل بن شرحبيل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" العَجْمَاءُ جُبَارٌ " وفي بعض الألفاظ :" جَرْحُ العَجْمَاءِ جُبَارٌ "، ولا خلاف بين الفقهاء في استعمال هذا الخبر في البهيمة المنفلتة إذا أصابت إنساناً أو مالاً أنه لا ضمان على صاحبها إذا لم يرسلها هو عليه، فلما كان هذا الخبر مستعملاً عند الجميع وكان عمومه ينفي ضمان ما تصيبه ليلاً أو نهاراً ثبت بذلك نَسْخُ ما ذكر في قصة داود وسليمان عليهما السلام ونَسْخُ ما ذكر في قصة البراء أن فيها إيجاب الضمان ليلاً. وأيضاً سائر الأسباب الموجبة للضمان لا يختلف فيها الحكم بالنهار والليل في إيجاب الضمان أو نفيه، فلما اتفق الجميع على نفي ضمان ما أصابت الماشية نهاراً وجب أن يكون ذلك حكمها ليلاً، وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما أوجب الضمان في حديث البراء إذا كان صاحبها هو الذي أرسلها فيه ويكون فائدة الخبر أنه معلوم أن السائق لها بالليل بين الزروع والحوائط لا يخلو من نَفْشِ بعض غنمه في زروع الناس وإن لم يعلم بذلك، فأبان النبي صلى الله عليه وسلم عن حكمها إذا أصابت زرعاً، ويكون فائدة الخبر إيجاب الضمان بسَوْقِهِ وإرساله في الزروع وإن لم يعلم بذلك وبين تساوي حكم العلم والجهل فيه. وجائز أيضاً أن تكون قضية داود وسليمان كانت على هذا الوجه، بأن يكون صاحبها أرسلها ليلاً وساقها وهو غير عالم بنَفْشِها في حَرْثِ القوم، فأوجبا عليه الضمان ؛ وإذا كان ذلك محتملاً لم تثبت فيه دلالة على موضع الخلاف.
وقد تنازع الفريقان من المختلفين في حكم المجتهد في الحادثة القائلون منهم بأن الحق واحد والقائلون بأن الحق في جميع أقاويل المختلفين، فاستدلَّ كل منهم بالآية على قوله ؛ وذلك لأن الذين قالوا بأن الحق في واحد زعموا أنه لما قال تعالى : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ فَخَصَّ سُلَيمان بالفهم دلَّ ذلك على أنه كان المصيب للحق عند الله دون داود، إذْ لو كان الحق في قوليهما لما كان لتخصيص سليمان بالفهم دون داود معنى. وقال القائلون بأن كل مجتهد مصيب : لما لم يعنّف داود على مقالته ولم يحكم بتخطئته دل على أنهما جميعاً كانا مصيبين، وتخصيصه لسليمان بالتفهيم لا يدلّ على أن داود كان مخطئاً ؛ وذلك لأنه جائز أن يكون سليمان أصاب حقيقة المطلوب فلذلك خُصَّ بالتفهيم ولم يُصِبْ داودُ عين المطلوب، وإن كان مصيباً لما كلف.
ومن الناس من يقول : إن حكم داود وسليمان جميعاً كان من طريق النصِّ لا من جهة الاجتهاد، ولكن داود لم يكن قد أبرم الحكم ولا أمْضَى القضية بما قال، أو أن يكون قوله ذلك على وجه الفُتْيَا لا على جهة إنفاذ القضاء بما أفتى به، أو كانت قضية معلقة بشريطة لم تفصل بعد، فأوحى الله تعالى إلى سليمان بالحكم الذي حكم به ونسخ به الحكم الذي كان داود أراد أن يُنْفِذَه ؛ قالوا : ولا دلالة في الآية على أنهما قالا ذلك من جهة الرأي، قالوا : وقوله : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ يعني به تفهيمه الحكم الناسخ. وهذا قول من لا يجيز أن يكون حكم النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الاجتهاد والرأي وإنما يقوله من طريق النص.
آية رقم ٧٩
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٨:قال الله تعالى : وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ في الحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنَّا لحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وكلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً . حدثنا عبدالله بن محمد بن إسحاق المروزي قال : حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال : أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن قتادة : نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ قال :" في حَرْثِ قوم ". وقال معمر : قال الزهري :" النَّفْشُ لا يكون إلا بالليل والهمل بالنهار ".
وقال قتادة " فَقَضَى أن يأخذوا الغنم ففهّمها الله سليمان، فلما أخبر بقضاء داود عليه السلام قال لا ولكن خذوا الغنم فلكم ما خرج من رَسْلِها وأولادها وأصوافها إلى الحَوْلِ ".
وروى أبو إسحاق عن مرة عن مسروق : وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ قال :" كان الحرث كَرْماً فنفشت فيه ليلاً فاجتمعوا إلى داود فقضى بالغنم لأصحاب الحرث، فمروا بسليمان فذكروا ذلك له فقال : أولاً تدفع الغنم إلى هؤلاء فيصيبون منها ويقوم هؤلاء على حرثهم حتى إذا عاد كما كان ردوا عليهم ؛ فنزلت : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ . ورُوي عن عليّ بن زيد عن الحسن عن الأحنف عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه في قصة داود وسليمان.
قال أبو بكر : فمن الناس من يقول إذا نفشت ليلاً في زرع رجل فأفسدته أن على صاحب الغنم ضمان ما أفسدت، وإن كان نهاراً لم يضمن شيئاً، وأصحابنا لا يرون في ذلك ضماناً لا ليلاً ولا نهاراً إذا لم يكن صاحب الغنم هو الذي أرسلها فيها. واحتجَّ الأوَّلون بقضية داود وسليمان عليهما السلام واجتماعهما على إيجاب الضمان، وبما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي قال : حدثنا عبدالرزاق قال : حدثنا معمر عن الزهري عن حرام بن مُحَيِّصة عن أبيه :" أن ناقةً للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدته، فقَضَى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال حِفْظَها بالنهار وعلى أهل المواشي حِفْظَها بالليل ". وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمود بن خالد قال : حدثنا الفريابيّ عن الاوزاعي عن الزهري عن حرام بن محيصة الأنصاري عن البراء بن عازب قال :" كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطاً فأفسدت فيه، فكلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فَقَضى أن حِفْظَ الحوائط بالنهار على أهلها وأن حِفْظَ الماشية بالليل على أهلها وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل ".
قال أبو بكر : ذكر في الحديث الأوّل حرام بن محيصة عن أبيه أن ناقة للبراء، وذكر في هذا الحديث حرام بن محيصة عن البراء بن عازب، ولم يذكر في الحديث الأول ضمان ما أصابت الماشية ليلاً وإنما ذكر الحفظ فقط، وهذا يدل على اضطراب الحديث بمَتْنِهِ وسَنَده. وذكر سفيان بن حسين عن الزهري عن حرام بن محيصة فقال : ولم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيئاً، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ودَاوُدَ وسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ في الحَرْثِ ، ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم داود وسليمان بما حكما به من ذلك منسوخٌ ؛ وذلك لأن داود عليه السلام حكم بدفع الغنم إلى صاحب الحَرْثِ وحكم سليمان له بأولادها وأصوافها، ولا خلاف بين المسلمين أن من نَفَشَتْ غَنَمُهُ في حرث رجل أنه لا يجب عليه تسليم الغنم ولا تسليم أولادها وألبانها وأصوافها إليه، فثبت أن الحُكْمَيْنِ جميعاً منسوخان بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل : قد تضمنت القصة معاني، منها : وجوب الضمان على صاحب الغنم، ومنها كيفية الضمان ؛ وإنما المنسوخ منه كيفية الضمان، ولم يثبت أن الضمان نفسه منسوخ. قيل له : قد ثبت نسخ ذلك أيضاً على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بخبر قد تلقّاه الناس بالقبول واستعملوه، رَوَى أبو هريرة وهزيل بن شرحبيل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" العَجْمَاءُ جُبَارٌ " وفي بعض الألفاظ :" جَرْحُ العَجْمَاءِ جُبَارٌ "، ولا خلاف بين الفقهاء في استعمال هذا الخبر في البهيمة المنفلتة إذا أصابت إنساناً أو مالاً أنه لا ضمان على صاحبها إذا لم يرسلها هو عليه، فلما كان هذا الخبر مستعملاً عند الجميع وكان عمومه ينفي ضمان ما تصيبه ليلاً أو نهاراً ثبت بذلك نَسْخُ ما ذكر في قصة داود وسليمان عليهما السلام ونَسْخُ ما ذكر في قصة البراء أن فيها إيجاب الضمان ليلاً. وأيضاً سائر الأسباب الموجبة للضمان لا يختلف فيها الحكم بالنهار والليل في إيجاب الضمان أو نفيه، فلما اتفق الجميع على نفي ضمان ما أصابت الماشية نهاراً وجب أن يكون ذلك حكمها ليلاً، وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما أوجب الضمان في حديث البراء إذا كان صاحبها هو الذي أرسلها فيه ويكون فائدة الخبر أنه معلوم أن السائق لها بالليل بين الزروع والحوائط لا يخلو من نَفْشِ بعض غنمه في زروع الناس وإن لم يعلم بذلك، فأبان النبي صلى الله عليه وسلم عن حكمها إذا أصابت زرعاً، ويكون فائدة الخبر إيجاب الضمان بسَوْقِهِ وإرساله في الزروع وإن لم يعلم بذلك وبين تساوي حكم العلم والجهل فيه. وجائز أيضاً أن تكون قضية داود وسليمان كانت على هذا الوجه، بأن يكون صاحبها أرسلها ليلاً وساقها وهو غير عالم بنَفْشِها في حَرْثِ القوم، فأوجبا عليه الضمان ؛ وإذا كان ذلك محتملاً لم تثبت فيه دلالة على موضع الخلاف.
وقد تنازع الفريقان من المختلفين في حكم المجتهد في الحادثة القائلون منهم بأن الحق واحد والقائلون بأن الحق في جميع أقاويل المختلفين، فاستدلَّ كل منهم بالآية على قوله ؛ وذلك لأن الذين قالوا بأن الحق في واحد زعموا أنه لما قال تعالى : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ فَخَصَّ سُلَيمان بالفهم دلَّ ذلك على أنه كان المصيب للحق عند الله دون داود، إذْ لو كان الحق في قوليهما لما كان لتخصيص سليمان بالفهم دون داود معنى. وقال القائلون بأن كل مجتهد مصيب : لما لم يعنّف داود على مقالته ولم يحكم بتخطئته دل على أنهما جميعاً كانا مصيبين، وتخصيصه لسليمان بالتفهيم لا يدلّ على أن داود كان مخطئاً ؛ وذلك لأنه جائز أن يكون سليمان أصاب حقيقة المطلوب فلذلك خُصَّ بالتفهيم ولم يُصِبْ داودُ عين المطلوب، وإن كان مصيباً لما كلف.
ومن الناس من يقول : إن حكم داود وسليمان جميعاً كان من طريق النصِّ لا من جهة الاجتهاد، ولكن داود لم يكن قد أبرم الحكم ولا أمْضَى القضية بما قال، أو أن يكون قوله ذلك على وجه الفُتْيَا لا على جهة إنفاذ القضاء بما أفتى به، أو كانت قضية معلقة بشريطة لم تفصل بعد، فأوحى الله تعالى إلى سليمان بالحكم الذي حكم به ونسخ به الحكم الذي كان داود أراد أن يُنْفِذَه ؛ قالوا : ولا دلالة في الآية على أنهما قالا ذلك من جهة الرأي، قالوا : وقوله : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ يعني به تفهيمه الحكم الناسخ. وهذا قول من لا يجيز أن يكون حكم النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الاجتهاد والرأي وإنما يقوله من طريق النص.
وقال قتادة " فَقَضَى أن يأخذوا الغنم ففهّمها الله سليمان، فلما أخبر بقضاء داود عليه السلام قال لا ولكن خذوا الغنم فلكم ما خرج من رَسْلِها وأولادها وأصوافها إلى الحَوْلِ ".
وروى أبو إسحاق عن مرة عن مسروق : وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ قال :" كان الحرث كَرْماً فنفشت فيه ليلاً فاجتمعوا إلى داود فقضى بالغنم لأصحاب الحرث، فمروا بسليمان فذكروا ذلك له فقال : أولاً تدفع الغنم إلى هؤلاء فيصيبون منها ويقوم هؤلاء على حرثهم حتى إذا عاد كما كان ردوا عليهم ؛ فنزلت : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ . ورُوي عن عليّ بن زيد عن الحسن عن الأحنف عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه في قصة داود وسليمان.
قال أبو بكر : فمن الناس من يقول إذا نفشت ليلاً في زرع رجل فأفسدته أن على صاحب الغنم ضمان ما أفسدت، وإن كان نهاراً لم يضمن شيئاً، وأصحابنا لا يرون في ذلك ضماناً لا ليلاً ولا نهاراً إذا لم يكن صاحب الغنم هو الذي أرسلها فيها. واحتجَّ الأوَّلون بقضية داود وسليمان عليهما السلام واجتماعهما على إيجاب الضمان، وبما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي قال : حدثنا عبدالرزاق قال : حدثنا معمر عن الزهري عن حرام بن مُحَيِّصة عن أبيه :" أن ناقةً للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدته، فقَضَى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال حِفْظَها بالنهار وعلى أهل المواشي حِفْظَها بالليل ". وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمود بن خالد قال : حدثنا الفريابيّ عن الاوزاعي عن الزهري عن حرام بن محيصة الأنصاري عن البراء بن عازب قال :" كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطاً فأفسدت فيه، فكلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فَقَضى أن حِفْظَ الحوائط بالنهار على أهلها وأن حِفْظَ الماشية بالليل على أهلها وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل ".
قال أبو بكر : ذكر في الحديث الأوّل حرام بن محيصة عن أبيه أن ناقة للبراء، وذكر في هذا الحديث حرام بن محيصة عن البراء بن عازب، ولم يذكر في الحديث الأول ضمان ما أصابت الماشية ليلاً وإنما ذكر الحفظ فقط، وهذا يدل على اضطراب الحديث بمَتْنِهِ وسَنَده. وذكر سفيان بن حسين عن الزهري عن حرام بن محيصة فقال : ولم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيئاً، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ودَاوُدَ وسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ في الحَرْثِ ، ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم داود وسليمان بما حكما به من ذلك منسوخٌ ؛ وذلك لأن داود عليه السلام حكم بدفع الغنم إلى صاحب الحَرْثِ وحكم سليمان له بأولادها وأصوافها، ولا خلاف بين المسلمين أن من نَفَشَتْ غَنَمُهُ في حرث رجل أنه لا يجب عليه تسليم الغنم ولا تسليم أولادها وألبانها وأصوافها إليه، فثبت أن الحُكْمَيْنِ جميعاً منسوخان بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل : قد تضمنت القصة معاني، منها : وجوب الضمان على صاحب الغنم، ومنها كيفية الضمان ؛ وإنما المنسوخ منه كيفية الضمان، ولم يثبت أن الضمان نفسه منسوخ. قيل له : قد ثبت نسخ ذلك أيضاً على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بخبر قد تلقّاه الناس بالقبول واستعملوه، رَوَى أبو هريرة وهزيل بن شرحبيل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" العَجْمَاءُ جُبَارٌ " وفي بعض الألفاظ :" جَرْحُ العَجْمَاءِ جُبَارٌ "، ولا خلاف بين الفقهاء في استعمال هذا الخبر في البهيمة المنفلتة إذا أصابت إنساناً أو مالاً أنه لا ضمان على صاحبها إذا لم يرسلها هو عليه، فلما كان هذا الخبر مستعملاً عند الجميع وكان عمومه ينفي ضمان ما تصيبه ليلاً أو نهاراً ثبت بذلك نَسْخُ ما ذكر في قصة داود وسليمان عليهما السلام ونَسْخُ ما ذكر في قصة البراء أن فيها إيجاب الضمان ليلاً. وأيضاً سائر الأسباب الموجبة للضمان لا يختلف فيها الحكم بالنهار والليل في إيجاب الضمان أو نفيه، فلما اتفق الجميع على نفي ضمان ما أصابت الماشية نهاراً وجب أن يكون ذلك حكمها ليلاً، وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما أوجب الضمان في حديث البراء إذا كان صاحبها هو الذي أرسلها فيه ويكون فائدة الخبر أنه معلوم أن السائق لها بالليل بين الزروع والحوائط لا يخلو من نَفْشِ بعض غنمه في زروع الناس وإن لم يعلم بذلك، فأبان النبي صلى الله عليه وسلم عن حكمها إذا أصابت زرعاً، ويكون فائدة الخبر إيجاب الضمان بسَوْقِهِ وإرساله في الزروع وإن لم يعلم بذلك وبين تساوي حكم العلم والجهل فيه. وجائز أيضاً أن تكون قضية داود وسليمان كانت على هذا الوجه، بأن يكون صاحبها أرسلها ليلاً وساقها وهو غير عالم بنَفْشِها في حَرْثِ القوم، فأوجبا عليه الضمان ؛ وإذا كان ذلك محتملاً لم تثبت فيه دلالة على موضع الخلاف.
وقد تنازع الفريقان من المختلفين في حكم المجتهد في الحادثة القائلون منهم بأن الحق واحد والقائلون بأن الحق في جميع أقاويل المختلفين، فاستدلَّ كل منهم بالآية على قوله ؛ وذلك لأن الذين قالوا بأن الحق في واحد زعموا أنه لما قال تعالى : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ فَخَصَّ سُلَيمان بالفهم دلَّ ذلك على أنه كان المصيب للحق عند الله دون داود، إذْ لو كان الحق في قوليهما لما كان لتخصيص سليمان بالفهم دون داود معنى. وقال القائلون بأن كل مجتهد مصيب : لما لم يعنّف داود على مقالته ولم يحكم بتخطئته دل على أنهما جميعاً كانا مصيبين، وتخصيصه لسليمان بالتفهيم لا يدلّ على أن داود كان مخطئاً ؛ وذلك لأنه جائز أن يكون سليمان أصاب حقيقة المطلوب فلذلك خُصَّ بالتفهيم ولم يُصِبْ داودُ عين المطلوب، وإن كان مصيباً لما كلف.
ومن الناس من يقول : إن حكم داود وسليمان جميعاً كان من طريق النصِّ لا من جهة الاجتهاد، ولكن داود لم يكن قد أبرم الحكم ولا أمْضَى القضية بما قال، أو أن يكون قوله ذلك على وجه الفُتْيَا لا على جهة إنفاذ القضاء بما أفتى به، أو كانت قضية معلقة بشريطة لم تفصل بعد، فأوحى الله تعالى إلى سليمان بالحكم الذي حكم به ونسخ به الحكم الذي كان داود أراد أن يُنْفِذَه ؛ قالوا : ولا دلالة في الآية على أنهما قالا ذلك من جهة الرأي، قالوا : وقوله : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ يعني به تفهيمه الحكم الناسخ. وهذا قول من لا يجيز أن يكون حكم النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الاجتهاد والرأي وإنما يقوله من طريق النص.
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
2 مقطع من التفسير