تفسير سورة الغاشية

حدائق الروح والريحان
تفسير سورة سورة الغاشية من كتاب حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن المعروف بـحدائق الروح والريحان .
لمؤلفه محمد الأمين الهرري . المتوفي سنة 1441 هـ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ قال (١) قطرب - من أئمة النحو - وغيره من المفسرين: أي: قد جاءك الآن يا محمد حديث الغاشية. قال المولى أبو السعود رحمه الله تعالى في "الإرشاد": وليس بذاك، بل هو استفهام أريد به التعجيب مما في حيزه، والتشويق إلى استماعه، والإشعار بأنه من الأحاديث البديعة التي حقها أن يتناقلها الرواة، ويتنافس في تلقيها الوعاة من كل حاضر وباد، والغاشية: الداهية الشديدة التي تغشى الناس، وتغطيهم بشدائدها، وتكتنفهم بأهوالها، وهي القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾، وقال: ﴿يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾، وعليه أكثر المفسرين، وقال سعيد بن جبير ومحمد بن كعب: الغاشية: النار تغشى وجوه الكفار، كما في قوله: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾، وقيل: الغاشية: أهل النار؛ لأنهم يغشونها ويقتحمونها، والأول أولى، يقال: غشيه يغشاه: أي: غطاه، وكل ما أحاط بالشيء من جميع جهاته فهو غاش له، قال الكلبي: المعنى: إن لم يكن أتاك حديث الغاشية.. فقد أتاك الآن، وليس هذا الماضي إخبارًا عن أمر سبق، بل هو إخبار عما وقع له في الحال انتهى.
(١) روح البيان.
وقال المراغي: المعنى: أي هل بلغك يا محمد نبأ يوم القيامة، وعلمت قصصه، فإننا سنعلمك شأنه الخطير، وهذا أسلوب من الكلام لا يراد منه حقيقة الاستفهام، بل يراد منه تعجيب السامع مما سيذكر بعد، وتشويقه إلى استماعه، وتوجيه فكره إلى أنه من الأحاديث التي من حقها أن تتناقلها الرواة، ويحفظها الوعاة.
٢ - ثم فصل شأن أهل الموقف في ذلك اليوم، وذكر أن أهله فريقان: فريق الكفرة الفجرة، وفريق المؤمنين البررة، وقد أشار إلى الأولين بقوله:
١ - ﴿وُجُوهٌ﴾؛ أي: وجوه من الكفرة ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ تغشى الغاشية الناس ﴿خَاشِعَةٌ﴾؛ أي: ذليلة بما يظهر عليها من أنواع الخزي والهوان، وتذوقها من أنواع العذاب، وهذا كلام مستأنف وقع جوابًا لسؤال نشأ عن الاستفهام التشويقي، كأنه قيل من جهته - ﷺ -: ما أتاني حديثها فما هو؟ فقيل: وجوه يومئذٍ إلخ، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف لما بعده من الأخبار الثلاثة، قال أبو حيان: والتنوين عوض من الجملة، ولم تتقدم جملة تصلح أن يكون التنوين عوضًا عنها، لكن لما تقدم لفظ ﴿الْغَاشِيَةِ﴾، وأل موصولة باسم الفاعل، فتنحل للتي غشيت؛ أي: للداهية التي غشيت.. علم أن التنوين عوض عن هذه الجملة التي انحل لفظ الغاشية إليها، وإلى الموصول الذي هو لفظ التي. انتهى.
أي: وجوه من الكفار يوم إذ غشيت تلك الداهية الناس خاشعة؛ أي: ذليلة بأنواع الخزي والهوان، عاملة أعمالًا شاقة في النار، كجر السلاسل، وحمل الأغلال ﴿نَاصِبَةٌ﴾؛ أي: تعبة بتلك الأعمال الشاقة، فإن الخشوع والخضوع والتطامن والتواضع كلها بمعنى، ويكنى بالجميع عما يعتري الإنسان من الذل والخزي والهوان، فـ ﴿وُجُوهٌ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء، بالنكرة وقوعها في معرض التفصيل، و ﴿خَاشِعَةٌ﴾: خبره، قال الشيخ: لعل وجه الابتداء بالنكرة كون تقدير الكلام: أصحاب وجوه بالإضافة، إلا أن الخشوع والذل لما كان يظهر في الوجه.. حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وإنما قلنا: إن الذل يظهر في الوجه؛ لأنه ضد التكبر الذي محله الرأس والدماغ، والمراد بأصحاب الوجوه: هم الكفار بدلالة ما بعده من الأوصاف.
٣ - ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾ بالرفع خبران آخران لـ ﴿وُجُوهٌ﴾، إذ المراد بها أصحابها، كما أشرنا إليه آنفًا، أو خبران لمبتدأ محذوف،
وبالنصب على الحال، أو على الذم والناصبة: التعبة من النصب: وهو التعب، يقال: نصب - من باب علم -: إذا تعب في العمل.
والمعنى: وجوه يومئذٍ تعمل أعمالًا شاقة تتعب فيها؛ لأنها في الدنيا تكبرت عن العمل لله، فأعملها الله سبحانه في الآخرة في أعمال شاقة، وهي جر السلاسل، وحمل الأغلال الثقيلة، كما قال: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾، والخوض في النار: خوض الإبل في الوحل؛ أي: الطين الرقيق، والصعود في تلال النار، والهبوط في وهاده. وقال بعضهم: خشوع الظاهر ونصب الأبدان لا يقربان إلى الله تعالى، بل يقطعان عنه، وإنما يقرب منه سعادة الأزل، وخشوع السر من هيبة الله، وهو الذي يمنع صاحبه من جميع المخالفات، فالرهبانية والفلاسفة وأضرابهم من أهل الكفر والضلال والبدع والخرافات، إنما يضربون حديدًا باردًا، ويتعبون أنفسهم في طريق الهوى والسعي فيها. وقال ابن عباس والحسن وابن جبير وقتادة: عاملة في النار، ناصبة تعبة فيها؛ لأنها تكبرت عن العمل في الدنيا، وعملها في النار جرها السلاسل ونحوه، كما مر آنفًا. وقال ابن عباس أيضًا وزيد بن أسلم وابن جبير: عاملة في الدنيا ناصبة فيها؛ لأنها على غير هدى، فلا ثمرة لها إلا التعب، وخاتمته النار.
وقرأ الجمهور: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾ بالرفع فيهما. وقرأ ابن محيصن وعيسى وحميد وابن كثير في رواية عنه: بالنصب فيهما، كما مر بيان توجيهما.
٤ - ﴿تَصْلَى﴾؛ أي: تدخل تلك الوجوه يومئذٍ ﴿نَارًا﴾ هائلةً ﴿حَامِيَةً﴾؛ أي: مسعرة بالغة نهاية الحرارة، وتذوق ألمها موقدة من ابتداء خلقها، وفي الحديث: "أحمي عليها ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة". قال السجاوندي: معنى حامية، أي: دائمة الحمي، وإلا فالنار لا تكون إلا حامية يقال: حمي الشمس والنهار حميًا وحميًا وحموًا: اشتد حرهما، والجملة خبر آخر لـ ﴿وُجُوهٌ﴾.
وقرأ الجمهور: ﴿تَصْلَى﴾ بفتح التاء وسكون الصاد مبنيًا للفاعل، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب وأبو رجاء وابن محيصن: بضمها مبنيًا للمفعول، وقرأ خارجة: بضم التاء وفتح الصاد مشدد اللام، وقد حكاها أبو عمرو بن العلاء،
والضمير راجع إلى الوجوه على جميع هذه القراءات، والمراد: أصحابها كما تقدم،
٥ - وكذا الضمير في قوله: ﴿تُسْقَى﴾ أي: تسقى تلك الوجوه بعد مدة طويلة من استغاثتهم من غاية العطش ونهاية الاحتراق؛ أي: سقاها الله سبحانه، أو الملائكة بأمره تعالى ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾؛ أي: من عين ماء قد انتهى حرها غايتها، لتسخينها بتلك النار منذ خلقت، لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لذابت، فإذا أدنيت من وجوههم تناثرت لحوم وجوههم، وإذا شربوا قطعت أمعاءهم، كما قال تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ يقال: أنى الحميم إذا انتهى حرة: فهو آنٍ، والآني: هو الذي قد انتهى حره.
وحاصل معنى قوله: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾؛ أي (١): إن هؤلاء الكفار كانوا في حياتهم الدنيا يعملون ويجتهدون في أعمالهم، لكن لم يتقبلها ربهم؛ لأنهم لم يقدموا عليها الإيمان بالله ورسوله، وهو الدعامة الأولى في قبول العمل عنده، ولأنهم لم يقصدوا بها وجهه تعالى، ولأنهم كانوا يجتهدون في مشاقة الله ورسوله، ويسعون في الأرض.
والخلاصة: أن هؤلاء الكفار وقع منهم في الدنيا عمل، وأصابهم فيه نصب وتعب، لكنهم لم يستفيدوا منه شيئًا، وآثار الخيبة وحبوط العمل بادية على وجوههم.
ثم ذكر مكانها في هذا اليوم فقال: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤)﴾؛ أي: إن هذه الوجوه تقاسي حر النار، وتعذب بها؛ لأن أعمالها في الدنيا كانت خاسرة غلبها الشر، وجانبها الخير، وهذه النار الحامية لا نعرف كنهها، ولكن علينا أن نؤمن بها، وبأن حلفاء الباطل يصلونها.
وبعد أن ذكر مكانها ذكر شرابها فقال: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)﴾؛ أي: إن أهل النار إذا عطشوا في تلك الدار وطلبوا ما يطفىء غلتهم وعطشهم.. جيء لهم بماء من ينبوع بلغ من الحرارة غايتها، فهو لا يطفىء لهبًا، ولا ينقع غلة.
٦ - وبعد أن ذكر شرابهم.. أردفه بوصف طعامهم، فقال: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ
(١) المراغي.
ضَرِيعٍ (٦)}، وأورد ضمير العقلاء إشارة إلى أن المراد من الوجوه أصحابها، وإنما أسند إليها ما ذكر من الأحوال لكونها مظهرًا يظهر فيه ما في الباطن، مع أنها يكنى بها كثيرًا عن الذوات.
والضريع: يبيس الشبرق، كزبرج، وهو شوك ترعاه الإبل ما دام رطبًا، وإذا يبس تحامته ولا تقربه، وهو سم قاتل. وفي "المراح": والشبرق: نبت يكون في طريق مكة إذا كان رطبًا تأكل منه الإبل، وإذا يبس صار كأظفار الهرة، وهو سم قاتل. اهـ.
قال في "فتح الرحمن": سموا ذلك الشوك ضريعًا؛ لأنه مضعف للبدن ومهزل، يقال: ضرع الرجل ضراعة: ضعف وذل، وعن ابن (١) عباس رضي الله عنهما يرفعه: "الضريع شيء في النار شبه الشوك، أمَر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرًا من النار" وهذا طعام بعض أهل النار، والزقوم والغسلين لآخرين بحسب جزائهم، وبه يندفع التعارض بين هذه الآية، وبين آية الحاقة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)﴾ قال سعدي المفتي: ويمكن في قدرة الله تعالى أن يجعل الغسلين إذا انفصل عن أبدان أهل النار على هيئة الضريع، فيكون طعامهم الغسلين الذي هو الضريع. انتهى. يقول الفقير: ويمكن عندي أن يجعل كل من الضريع والغسلين والزقوم بالنسبة إلى شخص واحد بحسب الأعمال المختلفة، فإن لكل عمل أثرًا مخصوصًا، وجزاءً متعينًا، فيصح الحصر.
والمعنى: أي إنهم إذا أحسوا بالجوع، وطلبوا الطعام أُتيَ لهم بالضريع، وهو ذلك المرعى السوء الذي لا تعقد عليه السائمة شحمًا ولا لحمًا، وإن لم تفارقه إلى غيره ساءت حالها، والمراد بهذه كله: أنه يؤتى لهم برديء الطعام.
٧ - ثم وصف هذا الضريع بأنه لا يجدي ولا يفيد، فقال: ﴿لَا يُسْمِنُ﴾؛ أي: لا يسمن هذا الضريع آكله؛ أي: لا يحصل له سمنًا، والسمن: ضد الهزال، ﴿وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾؛ أي: لا يدفع ما به من الجوع؛ أي: ليس من شأنه الإسمان والإشباع، كما هو شأن طعام الدنيا، وإنما هو شيء يضطرون إلى أكله من غير أن يكون له
(١) روح البيان.
376
دفع لضرورتهم، لكن لا على أن لهم استعدادًا للشبع والسمن؛ لأنه لا يفيدهم شيئًا منهما، بل على أنه لا استعداد من جهتهم، ولا إفادة من جهة طعامهم، وتحقيق (١) ذلك: أن جوعهم وعطشهم ليسا من قبيل ما هو المعهود منهما في هذه النشأة من حالة عارضة للإنسان عند استدعاء الطبيعة لبدل ما يتحلل من البدن، مشوقة له إلى المطعوم والمشروب، بحيث يتلذذ بهما عند الأكل والشرب، ويستغني بهما عن غيرهما عند استقرارهما في المعدة، ويستفيد منهما قوةً وسمنًا عند انهضامهما، بل جوعهم عبارة عن اضطرارهم عند اضطرام النار في أحشائهم إلى إدخال شيء كثيف يملؤها، ويخرج ما فيها من اللهب، وأما أن يكون لهم شوق إلى مطعوم ما أو التلذذ به عند الأكل، والاستغناء به عن الغير، أو استفادة وقوة.. فهيهات.
وكذا عطشهم عبارة عن اضطرارهم عند أكل الضريع، والتهابه في بطونهم إلى شيء مائع بارد يطفئه، من غير أن يكون لهم التلذذ بشربه، أو استفادة قوة به في الجملة، وهو المعني بما روي: أنه تعالى سلَّط عليهم الجوع بحيث يضطرهم إلى أكل الضريع، فإذا أكلوه يسلط عليهم العطش، فيضطرهم إلى شرب الحميم، فيشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم.
وتنكير الجوع للتحقير (٢)؛ أي: لا يغني من جوع ما، وتأخير نفي الإغناء عنه لمراعاة الفواصل والتوسل به إلى التصريح بنفي كلا الأمرين، إذ لو قدم لما احتيج إلى ذكر نفي الإسْمَانِ ضرورة استلزام نفي الإغناء عن الجوع إياه، بخلاف العكس، ولذا كرر لتأكيد النفي.
وحاصل معنى قوله (٣): ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾؛ أي: إن هذا الطعام لا يدفع جوعًا ولا يفيد سمنًا، فليس له فائدة الطعام التي لأجلها يؤكل في الدنيا، وقد سمى الله سبحانه ذلك الطعام بالضريع تشبيهًا له به، وإلا فذلك العالم ليس فيه نمو أبدان، ولا تحلل مواد على النحو الذي يكون في الدنيا، بل هو عالم خلود
(١) روح البيان.
(٢) روح البيان.
(٣) المراغي.
377
وبقاء، واللذائذ فيه لذائذ سعادة، والآلام فيه آلام شقاء، فكل ما في ذلك العالم إنما يقع بينه وبين ما في عالمنا نوع مشابهة، لا اتفاق ولا مجانسة.
وقد جاء في سورة الحاقة في طعام الكافرين (١): ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)﴾، وفي سورة الواقعة: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢)﴾، وفي سورة الدخان: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾، فهذا كله يدل على أن طعام أهل النار شيء يوافق النشأة الآخرة، عبر عنه بعبارة مختلفة ليصور في أذهاننا بشاعته وخبثه لتنفر عنه نفوسنا، وتطلب كل وسيلة للفرار منه، فتبتعد عن العقائد الفاسدة، والأعمال الخاسرة، كما مر ذلك آنفًا. قال (٢) المفسرون: لما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا تسمن من الضريع، فنزلت: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾، وكذبوا في قولهم هذا، فإن الإبل لا تأكل الضريع ولا تقربه، وقيل: اشتبه عليهم أمره، فظنوه كغيره من النبات النافع.
٨ - ثم شرع سبحانه في بيان حال أهل الجنة بعد الفراغ من بيان حال أهل النار فقال: ﴿وُجُوهٌ﴾ من المؤمنين ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ غشيت الداهية الناس ﴿نَاعِمَةٌ﴾؛ أي: ناضرة ذات بهجة وحسن وضياء، مثل القمر ليلة البدر، لما شاهدوا من عاقبة أمرهم، وما أعده الله سبحانه لهم من الخبر الذي يفوق الوصف، فـ ﴿نَاعِمَةٌ﴾ من نعم الشيء بالضم نعومَةً؛ أي: صار ناعمًا لينًا، ويجوز أن يكون بمعنى: متنعمة؛ أي: بالنعم الجسمانية والروحانية، فيكون المراد بها حقيقة النعمة. وإنما لم تعطف (٣) على ما قبلها إيذانًا بكمال تباين مضمون الجملتين، وتقديم حكاية أهل النار؛ لأنه أدخل في تهويل الغاشية، وتفخيم حديثها، وفيه إشارة إلى نعيم اللقاء الذي هو ثمرة اللطافة، والتورية التي هي نتيجة التجرد، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ فإن بالنظر إلى الرب جل جلاله يحصل نضرة، أي: نضرة.
(١) المراغي.
(٢) الشوكاني.
(٣) روح البيان.
٩ - ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩)﴾؛ أي: لعملها الذي عملته في الدنيا حيث شاهدت ثمرته ورأت عاقبته الحميد، فاللام متعلقة بـ ﴿رَاضِيَةٌ﴾، والتقدير: راضية سعيها؛ لأنها قد أعطيت من الأجر ما أرضاها وقرت به عيونها، فلما تقدم المعمول على العامل الضعيف.. جيء باللام لتقوية العامل، ويجوز أن تكون لام التعليل؛ أي: لأجل سعيها في طاعة الله تعالي راضية جزاءها وثوابها.
١٠ - وبعد أن وصف أهل الثواب وصَفَ ديارهم بسبعة أوصاف، فقال:
١ - ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠)﴾؛ أي: كائنة أو متمكنة في جنة عالية المكان، مرتفعة على غيرها من الأمكنة، فإن الجنة فوق السموات العلى، كما أن النار تحت الأرضين السبع، ولأن الجنة أيضًا منازل ودرجات بعضها أعلى من بعض، كما أن النار دركات بعضها أسفل من بعض، والدرجة مثل ما بين السماء والأرض، فتكون من العلو في المكان، وفي الحديث: "إن المتحابين في الله في غرف ينظر إليهم أهل الجنة، كما ينظر أهل الدنيا إلى كواكب السماء"، ويجوز أن يكون معنى ﴿عَالِيَةٍ﴾: علية المقدار، فتكون من العلو في القدر والشرف؛ لتكامل ما فيها من النعيم؛ لأن نعيم الجنة بعضه أرفع من بعض، فالنعيم الذي يتمتع به السابقون من الأنبياء والشهداء والصالحين، أعلى منزلة وأرفع قدرًا مما يتمتع به الذين اتبعوهم بإحسان.
٢ - ١١ ﴿لَا تَسْمَعُ﴾ أنت أيها المخاطب، فالخطاب عام لكل من يصلح له، أو لا تسمع أنت يا محمد على أن الخطاب خاص، أو لا تسمع تلك الوجوه؛ أي: أصحابها، فتكون التاء لتأنيث الفاعل، لا للخطاب. ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الجنة العالية ﴿لَاغِيَةً﴾؛ أي: لغوًا من الكلام، وهو: ما لا يعتد به من الكلام الساقط، فهو مصدر كالعافية والعاقبة؛ أي (١): إنها منزهة عن اللغو؛ إذ أنها منزل جيران الله وأحبائه، وقد نالوها بالجد والعمل، لا باللغو، ومنازل أهل الشرف في الدنيا تكون مبرأة من اللغو والكذب والبهتان، فكيف بأرفع المجالس في جوار رب العالمين، ومالك قلوب الخلق أجمعين! أو: لا تسمع كلمة ذات لغو على أنها للنسبة، أو: نفسًا تلغو على أنها اسم فاعل صفة لموصول محذوف هو: نفس.
(١) المراغي.
وقال الفراء والأخفش (١): أي لا تسمع فيها كلمة لغو، قيل: المراد بذلك: الكذب والبهتان والكفر، قاله قتادة، وقال مجاهد: أي: الشتم، وقال الفراء أيضًا: لا تسمع فيها حالفًا يحلف بكذب، وقال الكلبي: لا تسمع في الجنة حالفًا بيمين برة ولا فاجرة، وقال الفراء أيضًا: لا تسمع في كلام أهل الجنة كلمة تلغى؛ لأنهم لا يتكلمون إلا بالحكمة، وحمد اله تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم، وهذا أرجح الأقوال؛ لأن النكرة في سياق النفي من صيغ العموم، ولا وجه لتخصيص هذا بنوع من اللغو خاص إلا بمخصص يصلح للتخصيص، و ﴿لَاغِيَةً﴾ إما صفة موصوف محذوف؛ أي: كلمة لاغية، أو نفسًا لاغية، أو مصدر؛ أي: لا تسمع فيها لغوًا.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿لا تسمع﴾ بفتح الفوقية ونصب ﴿لَاغِيَةً﴾؛ أي: لا تسمع أنت أيها المخاطب، أو لا تسمع تلك الوجوه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع - بخلاف عنهم -، وأهل مكة والمدينة: ﴿لَا تَسْمَعُ﴾ مبنيًا للمفعول، ورفع ﴿لَاغِيَةٌ﴾؛ أي: كلمة لاغية، أو جماعة لاغية، أو لغو، فيكون مصدرًا كالعاقبة، ثلاثة أقوال، الثالث لأبي عبيدة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو أيضًا وابن محيصن وعيسى: بالتحتية مضموم مبنيًا للمفعول، ورفع ﴿لَاغِيَةٌ﴾ لمجاز التأنيث. وقرأ الفضل والجحدري: بفتح الياء التحتية مبنيًا للفاعل، ونصب ﴿لغيةً﴾ بمعنى: لا يسمع أحد فيها لاغيةً؛ أي: لغوًا.
٣ - ١٢ ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الجنة العالية ﴿عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾؛ أي: ينبوع ماء جار، والتنوين فيه للتكثير؛ أي: عيون (٣) كثيرة تجري مياهها على الدوام حيث شاء صاحبها، وهي أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، من شرب منها لا يظمأ بعدها أبدًا، ويذهب من قلبه الغل والغش والحسد والعدواة والبغضاء، والمياه الجارية من الينابيع تكون صافية، وفي منظرها مسرة للنفوس، وقرة للعيون، وقد افتخر بمثلها فرعون فقال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾.
(١) الشوكاني.
(٢) البحر المحيط والشوكاني.
(٣) روح البيان.
٤ - ١٣ ﴿فِيهَا سُرُرٌ﴾ يجلسون عليها، جمع: سرير هو معروف ﴿مَرْفُوعَةٌ﴾؛ أي: رقيقة (١) السمك؛ أي: عالية في الهواء على قوائم طوال، فإن السمك هو الامتداد الآخذ من أسفل الشيء إلى أعلاه، فالمراد برفعة سمكها: شدة علوها في الهواء، فيرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما أعطاه ربه في الجنة من النعيم الكبير، والملك العظيم، ويرى من في الجنة، وفي ذلك من التشريف والتكريم ما لا خفاء فيه، وفي الحديث: "ارتفاعها كما بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة عام" قيل: إذا جاء ولي لله ليجلس عليها تطامنت له، فإذا استوى عليها ارتفعت، ويجوز أن يكون المعنى: رفيعة المقدار من حيث اشتمالها على جميع أنواع الحسن والكمال في ذواتها وصفاتها.
٥ - ١٤ ﴿وَأَكْوَابٌ﴾؛ أي: وفيها أكواب وأقداح يشربون بها، جمع: كوب بالضم، وهو إناء لا عروة له ولا خرطوم، مدَوَّر الرأس ليمسك ويشرب منه من أي طرف أريد، بخلاف الإبريق، وهو مستعمل في بعض بلاد العرب الآن، ولذا وقع به التشويق. ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ على حافات العيون كلما أرادوا أن يشربوا منها وجدوها، أو موضوعة بين أيديهم حاضرة لديهم لا يحتاجون إلى أن يدعوا بها، وهو لا ينافي أن يكون بعض الأقداح في أيدي الغلمان، كما سبق في سورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.
٦ - ١٥ ﴿وَنَمَارِقُ﴾؛ أي: وسائد يستندون إليها للاستراحة جمع: نمرقة، بفتح النون وضمها، والراء مضمومة فبهما بمعنى: الوسادة ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾؛ أي: مصفوف (٢) بعضها إلى جوانب بعض، كما يشاهد في بيوت الأكابر، فإن شاؤوا جلسوا عليها، وإن أرادوا استندوا إليها، وإن أحبوا أن يجلسوا على بعضها، ويستندوا إلى بعض فعلوا، كلما أراد المؤمن أن يجلس جلس على واحدة، واستند إلى أخرى، وعلى رأسه وصائف كأنهن الياقوت والمرجان.
٧ - ١٦ ﴿وَزَرَابِيُّ﴾؛ أي: وفيها بسط فاخرة، جمع: زربي وزربية. قال أبو عبيدة والفراء: الزرابي: الطنافس التي لها خمل رقيق، واحدها: زربية، قال الراغب: هو ضرب من الثياب محبر منسوب إلى موضع على طريق التشبيه والاستعارة ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾؛ أي: مبسوطة على السرر زينة وتمتعًا، أو مبسوطة تحتهم، وقال الفراء؛ معنى
(١) روح البيان.
(٢) المراغي.
﴿مَبْثُوثَةٌ﴾: كثيرة. وقال الواحدي: ويجوز أن يكون أنها مفرقة في المجالس، والظاهر (١) أن معنى البث: التفرق مع كثرة، ومنه: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾، والمعنى: أي: وفيها بسط مبسوطة في المجالس، بحيث يرى في كل مجلس من مجالسهم منها شيء كما يرى في بيوت المترفين وذوي الثراء في الدنيا.
وقد ذكر (٢) سبحانه كل ما سلف تصويرًا لترف أهل الجنة تصويرًا يقربه من عقولهم، ويستطيعون به إدراكه وفهمه، وإلا فإن نعيم الجنة مما يسمو على الفكر، ويعلو فوق متناول الإدراك، فالأشياء التي عددها سبحانه تتشابه مع نظائرها التي في هذه الحياة بأسمائها، فأما حقائقها وذواتها.. فليست مثلها ولا قريبًا منها، كما أثر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء.
١٧ - ولما (٣) ذكر الله سبحانه وتعالى أمر القيامة، وانقسام أهلها إلى أشقياء وسعداء، وعلم أنه لا سبيل إلى إثبات ذلك إلا بواسطة الصانع الحكيم.. أتبع ذلك بذكر هذه الدلائل، وذكر ما العرب مشاهدوه وملابسوه دائمًا، فقال: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾، وهي الجمال، فإنه اجتمع فيها ما تفرق في غيرها من المنافع من أكل لحمها، وشرب لبنها، والحمل عليها، والتنقل عليها إلى البلاد الشاسعة، وعيشها بأي نبات أكلته، وصبرها على العطش، حتى إن فيها ما يرد الماء لعشر، وطواعيتها لمن يقودها، ونهضتها وهي باركة بالأحمال الثقال، وكثرة حنينها، وتأثرها بالصوت الحسن على غلظ أكبادها، ولا شيء من الحيوان جمع هذه الخصال غيرها، وقد أبان تعالى امتنانه بها عليهم بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ...﴾ الآيات، ولكونها أفضل ما عند العرب جعلوها دية القتل، ووهبوا المئة منها من يقصدهم ومن أرادوا إكرامه، وذكرها الشعراء في مدح من وهبها، كقول بعضهم:
(١) الشوكاني.
(٢) المراغي.
(٣) البحر المحيط.
382
الْوَاهِبُ الْمِئَةَ الْهِجَانَ وَعَبْدَهَا
وقال آخر:
أَعْطُوْا هُنَيْدَةَ تَحَدُوْهَا ثَمَانِيَةٌ
وناسب التنبيه بالنظر إليها وإلى ما حوت من عجائب الصفات ما ذكر معها من السماء والجبال والأرض؛ لانتظام هذه الأشياء في نظر العرب في أوديتهم وبواديهم، وليدل على الاستدلال على إثبات الصانع، وأنه ليس مختصًا بنوع، بل هو عام في كل موجوداته، كما قيل:
وَفِيْ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
ولم يذكر الفيل مع أنه أعظم خلقة من الإبل؛ لأنه لم يكن بأرض العرب، فلم تعرفه، ولا يحمل عليه عادة، ولا يحلب دره، ولا يؤمن ضره. وقال الحسن: وخص الإبل بالذكر؛ لأنها تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن، فقيل له: الفيل أعظم منها في الأعجوبة، قال: العرب بعيدة العهد بالفيل، ثم هو خنزير، لا يؤكل لحمه، ولا يركب ظهره، ولا يحلب دره.
والإبل لا واحد له من لفظه، وهو مؤنث، ولذلك إذا صغر دخلته التاء، فقالوا: أُبَيلة، وقالوا في الجمع: آبال.
وقرأ الجمهور (١): ﴿الْإِبِلِ﴾ بكسرتين، وتخفيف اللام، وروى الأصمعي عن ابن عمرو: إسكان الباء، وقرأ علي وابن عباس: بشد اللام بعد كسرتين، ورويت عن أبي عمرو وأبي جعفر والكسائي، وقالوا: إنها بهذا الضبط: السحاب عن قوم من أهل اللغة، وبالضبطين الأولين: الجمال. والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ﴾ للإنكار (٢) والتوبيخ، داخلة على محذوف يقتضيه المقام، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، وكلمة ﴿كَيْفَ﴾ (٣) منصوبة بما بعدها معلقة لفعل النظر، والجملة في حيز الجر على أنها بدل اشتمال من الإبل؛ أي أينكرون ما ذكر من البعث وأحكامه، ويستبعدون وقوعه عن قدرة الله تعالى، فلا ينظرون نظر اعتبار إلى الإبل
(١) البحر المحيط.
(٢) روح البيان.
(٣) روح البيان.
383
التي هي نصب أعينهم، يستعملونها كل حين، أنها كيف خلقت خلقًا بديعًا معدولًا به عن سنن خلقة سائر أنواع الحيوانات في عظم جثتها، وشدة قوتها، وعجيب هيئتها اللائقة بتأتي ما يصدر عنها من الأفاعيل الشاقة، كالنهوض من الأرض بالأوقار الثقيلة، وجر الأثقال الفادحة إلى الأقطار النازحة، وفي سيرها على الجوع والعطش، حتى إن ظمأها ليبلغ العشر فصاعدًا واكتفاءها ورعيها بكل ما تيسر من شوك شجر، وغير ذلك مما لا يكاد يرعاه سائر البهائم، وفي انقيادها مع ذلك للإنسان في الحركة والسكون، والبروك والنهوض؛ حيث يستعملها في ذلك كيفما يشاء، ويقتادها بقطارها كل صغير وكبير، وتبول من خلفها؛ لأن قائدها أمامها، فلا يترشش عليه بولها، وعنقها سلم إليها، وتتأثر من المودة والغرام، وتسكر منها إلى حيث تنقطع عن الأكل والشرب زمانًا ممتدًا، وتتأثر من الأصوات الحسنة والحداء، وتسير من كمال التأثر إلى حيث تهلك نفسها من سرعة الجري، ويجري الدمع من عينها عشقًا وغرامًا، إلى غير ذلك كما مر كثير من ذلك آنفًا.
١٨ - ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ﴾ التي يشاهدونها كل لحظة بالليل والنهار ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ فوق الأرض رفعًا سحيق المدى بلا عماد ولا مساك، بحيث لا يناله اللهم، ولا يدركه العقل.
١٩ - ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ﴾ التي ينزلون في أقطارها، وينتفعون بمياهها وأشجارها ﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ نصبًا رصينًا، ووضعت وضعًا ثابتًا لا ميدان فيه ولا اضطراب، فيتسنى ارتقاؤها في كل حين، وتجعل أمارة للسالكين في تلك الفيافي والقفار، وتنزل عليها المياه التي ينتفع بها في سقي النبات وري الحيوان. وقال أبو الليث: كيف وضعت على الأرض أوتادًا لها. انتهى.
٢٠ - ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ﴾ التي يضربون فيها، ويتقلبون عليها ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ومهدت وبسطت على ظهر الماء بسطًا حسبما يقتضيه صلاح أمور ساكنها، وانتفاعهم بما في ظاهرها من المنافع، وما في باطنها من المعادن.
والاستدلال بكونها مسطوحة على عدم كونها كرة، مجاب بأن الكرة إذا كانت عظيمةً جدًّا يكون كل قطعة منها كالسطح، فيصح أن يطلق عليها البسط، ففرق بين كرة وكرة، كما أنه فرق بين بيض الحمامة وبيض النعامة.
والمعنى (١): أفلا ينظرون نظر التدبر والاعتبار إلى كيفية خلق هذه المخلوقات الشاهدة بحقية البعث والنشور؛ لإشعارها بأن خالقها متصف بصفات الكمال من القدرة والقوة والحكمة، منزه عن صفات النقصان من العجز والضعف والجهل حتى يرجعوا عما هم عليه من الإنكار والنفور، ويسمعوا إنذارك، ويستعدوا للقاء الله تعالى بالإيمان والطاعة.
وقصارى ما سلف (٢): أنه لو نظر هؤلاء الجاحدون المعاندون فيما تقع عليه أنظارهم من هذه الأشياء، وفكروا فيها.. لعلموا أنها صنعة لا توجد إلا بموجد عظيم، ولا تحفظ إلا بحافظ قدير، ولأدركوا أن القادر على خلق هذه المخلوقات وحفظها ووضعها على قواعد الحكمة، قادر على أن يرجع الناس في يوم يوفّى فيه كل عامل جزاء عمله، وعلى أن ينشىء النشأة الآخرة من غير أن يعرفوا طريق إنشائها، فلا ينبغي أن يكون جهلهم بكيفية يوم القيامة سببًا في جحده وإنكاره.
وإنما خص هذه (٣) المخلوقات بالذكر؛ لأن الناظر منهم يفكر في أقرب الأشياء إليه، فهو يرى بعيره الذي يمتطيه، ثم إذا هو رفع رأسه فوق رأى السماء، ثم إذا التفت يمنة أو يسرة.. رأى ما حواليه من الجبال، فإذا مد ناظريه أمامه أو تحته رأى الأرض، فالعربي يرى ذلك كل يوم، ومن ثم أمره الله تعالى بالتدبر فيها.
وقرأ الجمهور (٤): ﴿خُلِقَتْ﴾ ﴿رُفِعَتْ﴾ ﴿نُصِبَتْ﴾ ﴿سُطِحَتْ﴾ بتاء التأنيث مبنيًا للمفعول، وقرأ علي بن أبي طالب وأبو حيوة وابن أبي عبلة وابن السميفع وأبو العالية: ﴿خُلِقَتْ﴾ ﴿رُفِعَتْ﴾ ﴿نُصِبَتْ﴾ ﴿سُطِحَتْ﴾ بتاء المتكلم مبنيًا للفاعل في جميعها والمفعول محذوف؛ أي: خلقتها، رفعتها، نصبتها، سطحتها، وقرأ الجمهور: ﴿سُطِحَتْ﴾ مبنيًا للمفعول مخففة الطاء، وقرأ الحسن وهارون: بشدها.
٢١ - ولما حَضَّهم سبحانه وتعالى على النظر في هذه المخلوقات.. أمر رسوله - ﷺ - بتذكيرهم، فقال: ﴿فَذَكِّرْ﴾، والفاء لترتيب الأمر بالتذكير على ما ينبىء عنه الإنكار السابق من عدم النظر، فهي فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر
(١) روح البيان.
(٢) المراغي.
(٣) المراغي.
(٤) البحر المحيط.
تقديره: إذا دعوتهم إلى الإيمان بالله، وبما جئتهم به من البعث والنشور والحساب، وبالاستدلال عليها بالنظر في هذه المخلوقات المذكورة، ولم يقبلوا، وأردت بيان ما هو اللازم لك.. فأقول لك: ذكرهم يا محمد؛ أي: اقتصر على التذكير، ولا تلح عليهم، ولا يهمنك أنهم لا ينظرون ولا يتذكرون ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ تعليل للأمر بالتذكير؛ أي: ما أنت إلا مبلغ، وإنما التوفيق والهداية إلينا
٢٢ - ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾؛ أي: لست بمسلط عليهم تجبرهم على ما تريد، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾، وهذا منسوخ بآية السيف، كما مر.
وقرأ الجمهور (١): ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بالصاد وكسر الطاء. وابن عامر في رواية ونطيق عن قنبل وزرعان عن حفص وهشام: بالسين، وقرأ خلف وحمزة في رواية: بشمام الصاد زايًا، وقرأ هارون الأعور: بفتح الطاء اسم مفعول، وهي لغة تميم، وسيطر: متعد عندهم، ويدل عليه فعل المطاوعة، وهو تسطر، وليس في الكلام على هذا الوزن، إلا مسيطر ومهيمن ومبيطر، وهي أسماء فاعلين من سيطر وهيمن وبيطر، وجاء مجيمر اسم واد، ومديبر، ويمكن أن يكون أصلهما: مدبرًا ومجمرًا، فصغرا.
والمعنى (٢): فذكر بآياتي، وعظهم بحججي، وبلغهم رسالاتي، وحذرهم أن يتركوا ذلك، ثم بعدئذٍ لا تذهب نفسك عليهم حسراتٍ إن لم يؤمنوا.
ثم علل الأمر بالتذكير، فقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾؛ أي: إنما بعثت للتذكير فحسب، وليس من الواجب عليك أن يؤمنوا، فما عليك إلا التبشير والتحذير، فإن آمنوا فقد اهتدوا إلى ما تسوق إليه الفطرة، وإن أعرضوا.. فقد تحكمت فيهم الغفلات، وتغلبت عليهم الشهوات، واستولت على عقولهم الأهواء والجهالات.
ثم أكد الإنذار وقرره بقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾؛ أي: لست بمسلط عليهم تجبرهم على ما تريد، وتتعهد أحوالهم، وتكتب أعمالهم، فلم تؤت قوة الإكراه على الإيمان، والإلجاء إلى ما تدعوهم إليه، كما قال: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، وقال: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾.
(١) البحر المحيط.
(٢) المراغي.
٢٣ - ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى﴾ وأعرض عن الحق، أو عن الداعي إليه بعد التذكير ﴿وَكَفَرَ﴾ وثبت على الكفر، أو أظهره.
وفي "فتح الرحمن": إلا من تولى عن الإيمان، وكفر بالقرآن أو بالنعمة. وفي "التأويلات النجمية": إلا من تولى عن الحق بالإقبال على الدنيا، وكفر؛ أي: ستر الحق بالخلق، وهو استثناء منقطع من الهاء في عليهم، و ﴿من﴾ موصولة (١) لا شرطية؛ لمكان الفاء ورفع الفعل؛ أي: لكن من تولى وكفر فإن لله الولاية والقهر، وهو المسيطر عليهم، وقيل: متصل؛ أي: فأنت مصيطر عليه إلا من تولى وكفر، وقيل: متصل من مفعول ﴿فَذَكِّرْ﴾؛ أي: فذكر عبادي إلا من انقطع طمعك من إيمانه، وتولى فاستحق العذاب الأكبر، وما بين ما اعتراض، وفي "الشهاب": ﴿مَنْ﴾: مبتدأ مضمن معنى الشرط، و ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾: جوابه. اهـ.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿إِلَّا﴾ حرف استثناء على الخلاف المذكور فيه، وقرأ ابن عباس وزيد بن علي وقتادة وزيد بن أسلم: ﴿ألا﴾ حرف تنبيه واستفتاح.
٢٤ - ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)﴾ الذي هو عذاب جهنم، حرها شديد، وقعرها بعيد، ومقامعها من حديد، وإنما قيد بالأكبر؛ لأنهم قد عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والقتل والأسر، وقال في "فتح الرحمن": ﴿الْأَكْبَرَ﴾: عذاب جهنم، والأصغر: ما عذبوا به في الدنيا من الجوع والقحط والقتل ونحوها، ويؤيده ما قال الراغب في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ فيه تنبيه على أن كل ما ينال الكافر من العذاب قبل ذلك في الدنيا، وفي البرزخ، صغير في جنب عذاب ذلك اليوم. انتهى. وقرأ ابن مسعود (٣): ﴿فإنه يعذب الله﴾، ومعنى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣)...﴾ إلخ، أي: إنك يا محمد، وإن كنت داعيًا ليس لك سلطان على ما في نفوسهم، فالله هو المسيطر عليهم، وصاحب السلطان على سرائرهم، فمن تولى منهم، وأعرض عن الذكرى، وجحد الحق المعروض عليه، فالله يعذبه العذاب الأكبر في الآخرة، وقد يضم إلى ذلك عذابًا في الدنيا من قتل، أو سبط الذرية، أو غنيمة للأموال إلى نحو أولئك من صنوف البلاء التي ينزلها بهم.
(١) روح البيان.
(٢) البحر المحيط.
(٣) الشوكاني.
٢٥ - ثم أكد تعذيب الله لمن تولى وكفر بقوله: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥)﴾؛ أي: رجوعهم بيعد الموت، فهو تعليل لتعذيبه تعالى بالعذاب الأكبر؛ أي: إن إلينا رجوعهم بالموت والبعث، لا إلى أحد سوانا، لا استقلالًا ولا اشتراكًا، كما قال تعالى؛ ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ فتقديم (١) الخبر للتخصيص والمبالغة، فإنه يفيد معنى أن يقال: إن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام، كما أن مبدأهم وصدورهم كان منه، وفيه تخويف شديد، فإن رجوع العبد العاصي العصر إلى مالكه الغضوب في غاية الصعوبة، ونهاية العسرة، وجمع الضمير فيه وفيما بعده باعتبار معنى ﴿من﴾، كما أن إفراده فيما سبق باعتبار لفظها، ويقال: آب يؤب أوبًا وإيابًا إذا رجع، ومنه قول عبيد بن الأبرص:
وَكُلُّ ذِيْ غَيْبَةٍ يَؤُوبُ وَغَائِبُ الْمَوْتِ لَا يَؤُوبُ
وقرأ الجمهور (٢): ﴿إِيَابَهُمْ﴾ بتخفيف الياء مصدر آب: بمعنى رجع، وقرأ أبو جعفر وشيبة: بتشديدها. قال أبو حاتم: لا يجوز التشديد، ولو جاز لجاز مثله في المعيام والقيام، وقيل: هما لغتان بمعنى، قال الواحدي: وأما إيابهم بتشديد الياء، فإنه شاذ لم يجزه أحد غير الزجاج.
٢٦ - ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا﴾ بمقتضى وعيدنا، لا وجوبًا، لا على غيرنا ﴿حِسَابَهُمْ﴾؛ أي: جزاءهم بعد رجوعهم إلينا بالبعث، فنحن نحاسبهم على النقير والقطمير من نياتهم وأعمالهم، و ﴿ثُمَّ﴾ (٣) للتراخي في الرتبة لبعد منزلة الحساب في الشدة عن منزلة الإياب، لا في الزمان، فإن الترتيب الزماني بين إيابهم وحسابهم، لا بين كون إيابهم إليه تعالى، وحسابهم عليه تعالى، فإنهما أمران مستمران، والمعنى: أي: لا مفر للمعرضين، ولا خلاص لهم من الويل الذي أوعدوا به، فإنهم راجعون إلينا، وقد حق القول منا في عقابهم، وسنحاسبهم على ما كسبت أيديهم. وفي هذا تسلية لقلب رسوله - ﷺ -، وإزالة أحزانه وآلامه لتكذيبهم إياه، وإصرارهم على معاندته، وفي "الإرشاد": وفي تصدير (٤) الجملتين بـ ﴿إِنَّ﴾، وتقديم خبرها، وعطف الثانية على
(١) روح البيان.
(٢) الشوكاني.
(٣) روح البيان.
(٤) أبو السعود.
388
الأولى بكلمة ﴿ثُمَّ﴾ المفيدة لبعد منزلة الحساب في الشدة من الإنباء عن غاية السخط الموجب لشديد العذاب ما لا يخفى.
الإعراب
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)﴾.
﴿هَلْ﴾: حرف استفهام للاستفهام التعجبي التشويقي إلى استماع حديث الغاشية، وقيل بمعنى: قد. ﴿أَتَاكَ﴾: فعل ومفعول به ﴿حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة إنشائية، ﴿وُجُوهٌ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعه في معرض التفصيل والوصف المقدر ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف لمثله، متعلق بـ ﴿خَاشِعَةٌ﴾، و ﴿خَاشِعَةٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان حديث الغاشية، ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾: خبران آخران للمبتدأ، وقيل: ﴿خَاشِعَةٌ﴾ عاملة ﴿نَاصِبَةٌ﴾ صفات لـ ﴿وُجُوهٌ﴾، والخبر جملة ﴿تَصْلَى﴾، ﴿تَصْلَى﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿وُجُوهٌ﴾، ﴿نَارًا﴾: مفعول به ﴿حَامِيَةً﴾: صفة ﴿نَارًا﴾، والجملة خبر رابع لـ ﴿وُجُوهٌ﴾. ﴿تُسْقَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿وُجُوهٌ﴾، والجملة خبر خامس لـ ﴿وُجُوهٌ﴾. ﴿مِنْ عَيْنٍ﴾: متعلق بـ ﴿تُسْقَى﴾ ﴿آنِيَةٍ﴾: صفة ﴿عَيْنٍ﴾.
﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾.
﴿لَيْسَ﴾: فعل ماضٍ ناقص ﴿لَهُمْ﴾: خبرها مقدم ﴿طَعَامٌ إ﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ مستأنفة استئنافًا بيانيًا واقعًا في جواب سؤال مقدر مترتب على ما سبق، كأنه قيل: وما هو طعامهم بعدما ذكر شرابهم؟، قيل: ليس لهم طعام إلخ، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ، ﴿مِنْ ضَرِيعٍ﴾: صفة ﴿طَعَامٌ﴾، أو بدل منه على القاعدة، ويجوز أن يكون في محل النصب على الاستثناء ﴿لَا﴾: نافيه، ﴿يُسْمِنُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿ضَرِيعٍ﴾، والجملة صفة لـ ﴿ضَرِيعٍ﴾، وجملة ﴿وَلَا يُغْنِي﴾ معطوفة على جملة ﴿لَا يُسْمِنُ﴾. ﴿مِنْ جُوعٍ﴾: متعلق بـ ﴿يُغْنِي﴾. ﴿وُجُوهٌ﴾:
389
مبتدأ، سوغ الابتداء بالنكرة وقوعه في معرض التفصيل. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف لمثله، متعلق بـ ﴿نَاعِمَةٌ﴾، و ﴿نَاعِمَةٌ﴾: خبر ﴿وُجُوهٌ﴾، والجملة مستأنفة، أو معطوفة بعاطف مقدر على جملة قوله: وجوه يومئذ خاشعة ﴿لِسَعْيِهَا﴾: متعلق بـ ﴿رَاضِيَةٌ﴾، و ﴿رَاضِيَةٌ﴾: خبر ثانٍ لـ ﴿وُجُوهٌ﴾. ﴿فِي جَنَّةٍ﴾: خبر ثالث لـ ﴿وُجُوهٌ﴾. ﴿عَالِيَةٍ﴾: صفة ﴿جَنَّةٍ﴾: ﴿لَا﴾: نافية ﴿تَسْمَعُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على المخاطب تقديره: أنت ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿تَسْمَعُ﴾، ﴿لَاغِيَةً﴾: مفعول به؛ لأنه مصدر بمعنى: لغوًا، جاء على وزن فاعلة، كالعاقبة والعافية، والجملة الفعلية في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿جَنَّةٍ﴾ ولكنها سببية، ﴿فِيهَا﴾: خبر مقدم. ﴿عَيْنٌ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿جَارِيَةٌ﴾: صفة لـ ﴿عَيْنٌ﴾ والجملة الاسمية صفة ثالثة لـ ﴿جَنَّةٍ﴾، ﴿فِيهَا﴾: خبر مقدم، ﴿سُرُرٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿مَرْفُوعَةٌ﴾: صفة لـ ﴿سُرُرٌ﴾، والجملة الاسمية صفة رابعة لـ ﴿جَنَّةٍ﴾، ﴿وَأَكْوَابٌ﴾ معطوفة على ﴿سُرُرٌ﴾: ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾: صفة ﴿أَكْوَابٌ﴾، ﴿وَنَمَارِقُ﴾: معطوفة على ﴿سُرُرٌ﴾، ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾: صفة لـ ﴿نَمَارِقُ﴾، ﴿وَزَرَابِيُّ﴾: معطوف على ﴿سُرُرٌ﴾، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾: صفة لـ ﴿زَرَابِيُّ﴾.
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾.
﴿أَفَلَا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف دل عليه السياق، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف ﴿لا﴾: نافية ﴿يَنْظُرُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿إِلَى الْإِبِلِ﴾: متعلق بـ ﴿يَنْظُرُونَ﴾، و ﴿يَنْظُرُونَ﴾: تعدى إلى ﴿الْإِبِلِ﴾ بواسطة ﴿إِلَى﴾، وتعدى إلى ﴿كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ على سبيل التعليق، وقد تبدل الجملة وفيها الاستفهام من الاسم الذي قبلها، وإن لم يكن فيه استفهام على خلاف في ذلك. اهـ "فتوحات". والجملة الفعلية معطوفة على تلك المحذوفة والتقدير: أينكرون البعث فلا ينظرون، والجملة المحذوفة مستأنفة مسوقة لتقرير ما مضى من حديث الغاشية. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام عن الحال في محل النصب على الحال بـ ﴿خُلِقَتْ﴾، ﴿خُلِقَتْ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿الْإِبِلِ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر بدل من ﴿الْإِبِلِ﴾ بدل اشتمال، ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ﴾: جار ومجرور معطوف على قوله: ﴿إِلَى الْإِبِلِ﴾، وجملة قوله: ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ بدل من ﴿السَّمَاءِ﴾ بدل اشتمال، وكذا قوله {وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ
390
سُطِحَتْ (٢٠)}: معطوفان على قوله: ﴿إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ممثالان له في إعرابه.
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾.
﴿فَذَكِّرْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا دعوتهم إلى الإيمان بالله، وبما جئت به من البعث والنشور والحساب، وبالاستدلال عليها بالنظر إلى هذه المخلوقات المذكورة، ولم يقبلوا ذلك، وأردت بيان ما هو اللازم لك.. فأقول لك: ذكرهم. ﴿ذكر﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، ومفعوله محذوف تقديره: فذكرهم، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر ﴿أَنْتَ﴾: مبتدأ ﴿مُذَكِّرٌ﴾: خبر، والجملة الاسمية جملة تعليلية مسوقة لتعليل الأمر بالتذكير ﴿لَسْتَ﴾: فعل ناقص، واسمه ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾، ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ خبر ﴿ليس﴾ و ﴿الباء﴾: زائدة، وجملة ﴿ليس﴾ معطوفة على ما قبلها بعاطف مقدر على كونها تعليلية ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء متصل ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب على الاستثناء من مفعول ﴿ذَكِّرْ﴾ المحذوفة، أو من الهاء في ﴿عَلَيْهِمْ﴾، ﴿تَوَلَّى﴾: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر صلة ﴿مَن﴾ الموصولة ﴿وَكَفَرَ﴾: معطوف على ﴿تَوَلَّى﴾، ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾ ﴿الفاء﴾: تعليلية ﴿يعذبه الله﴾: فعل ومفعول به، وفاعل. ﴿الْعَذَابَ﴾: مفعول مطلق ﴿الْأَكْبَرَ﴾ صفة لـ ﴿الْعَذَابَ﴾، والجملة الفعلية جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب، وإن شئت قلت: ﴿إِلَّا﴾: حرف استثناء منقطع بمعنى لكن. ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿تَوَلَّى﴾ صلته، ﴿وَكَفَرَ﴾: معطوف على ﴿تَوَلَّى﴾ ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الخبر بالمبتدأ؛ لشبه الموصول بأسماء الشرط في العموم، ﴿يعذبه﴾: فعل ومفعول به ﴿اللَّهُ﴾: فاعل. ﴿الْعَذَابَ﴾: مفعول مطلق مبين للنوع، ﴿الْأَكْبَرَ﴾. صفة لـ ﴿الْعَذَابَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جملة استدراكية لا محل لها من الإعراب ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿إِلَيْنَا﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾ ﴿إِيَابَهُمْ﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، وجملة ﴿إِنَّ﴾ جملة تعليلية لا محل لها من الإعراب؛ لأنها سيقت لتعليل التعذيب، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب رتبي، كما مر
391
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿عَلَيْنَا﴾: خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿حِسَابَهُمْ﴾ اسمها مؤخر، وجملة ﴿إِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ الأولى.
التصريف ومفردات اللغة
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ الغاشية: اسم من أسماء القيامة سميت بذلك؛ لأنها تغشى الناس بشدائدها وأهوالها، يقال: غشية يغشاه؛ أي: غطاه، وكل ما أحاط بالشيء من جميع جهاته فهو غاشٍ له، وفي "المختار": الغشاء: الغطاء كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ بضم الغين وفتحها وكسرها، وفي "المصباح": ويقال: إن الغاشية تعطل القوى المحركة، والأوردة الحساسة لضعف القلب بسبب وجع شديد، أو برد، أو جوع مفرط، وقيل: الغشي: هو الإغماء، وقيل: الإغماء: امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ، وقيل: الإغماء: سهو يلحق الإنسان مع فتور الأعضاء لعلة، وغشيته أغشاه - من باب: تعب -: أتيته، والإسم: الغشيان - بالكسر -.
﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾ والناصبة: التعبة، يقال: نصب - من باب علم -: إذا تعب في العمل، والمعنى. تعمل أعمالًا شاقة.
﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤)﴾ من قولهم: صلي النار بالكسر؛ أي: قاسى حرها، وفيه إعلال بالقلب، أصله: تصلي، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. ﴿حَامِيَةً﴾؛ أي: متناهية في الحر، من قولهم: حميت النار إذا اشتد حرها.
وقوله: ﴿تُسْقَى﴾ أصله: تسقي، قلبت الياء ألفا لتحركها بعد فتح.
﴿نَارًا﴾ ألفه منقلبة عن واو لتصغيره على نويرة.
﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ والعين: ينبوع الماء، والآنية: الشديدة الحر، وفي "القاموس": وأنى الحميم: انتهى حره، فهو آن، وبلغ هذا أناه ويكسر؛ أي: غايته.
﴿إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ والضريع: شجر ذو شوك لائط بالأرض، فإذا كان رطبًا سمي: بالشبرق، وفي "القاموس": والضريع - كأمير -: الشبرق، أو يبيسه، أو نبات رطبه يسمى: الشبرق، ويابسه: الضريع، لا تقربه دابة لخبثه، والسلاء والعوسج:
392
الرطب، أو نبات في الماء الآجن له عروق لا تصل إلى الأرض، أو شيء من جهنم أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأحر من النار، ونبات منتن يرمي به البحر، ويبيس كل شجر، والخمر أو رقيقها، والجلد على العظم تحت اللحم. وفي "الكشاف": الضريع: يبيس الشبرق، وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطبًا، فإذا يبس تحامته الإبل، وهو سم قاتل، قال أبو ذؤيب:
رَعَى الشِّبْرِقَ الرَّيَّانَ حَتَّى إِذَا ذَوَى وَعَادَ ضَرِيْعًا بَانَ عَنْهُ النَّحَائِصُ
﴿نَاعِمَةٌ﴾؛ أي: ذات بهجة وحسن وجمال، اسم فاعل من نعم الشيء بالضم نعومةً؛ أي: صار ناعمًا لينًا.
﴿رَاضِيَةٌ﴾: فيه إعلال بالقلب، أصله: راضوة من الرضوان، قلبت الواو ياءً لتطرفها إثر كسرة.
﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠)﴾ فيه إعلال أيضًا، أصله: عالوة من العلو، قلبت الواو ياء لتطرفها إثر كسرة..
﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١)﴾؛ أي: لغوًا وكذبًا وبهتانًا؛ لأنه مصدر على وزن فاعلة، كالعاقبة والعافية، كما مر، وفيه إعلال بالقلب أيضًا، أصله؛ لاغوة من لغا يلغو، قلبت الواو ياءً لتطرفها إثر كسرة.
﴿فِيهَا سُرُرٌ﴾ جمع سرير، وهو ما يجلس أو ينام عليه، وأفضله ما كان مرفوعًا عن الأرض. ﴿وَأَكْوَابٌ﴾: جمع: كوب بالضم، وهو ما لا عروة له، ولا خرطوم من الكيزان. ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾؛ أي: معدة ومهيأة للشرب.
﴿وَنَمَارِقُ﴾ جمع: نمرقة بضم النون وفتحها، والراء مضمومة فيهما لغتان أشهرهما الأول، وهو الوسادة الصغيرة، وفي "القاموس": والنمرقة مثلثة: الوسادة الصغيرة، أو الميثرة، أو طنفسة فوق الرحل. قال الشاعر:
كُهُوْلٌ وَشُبَّانٌ حِسَانٌ وُجُوْهُهُمْ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوْفَةٍ وَنَمَارِقِ
﴿وَزَرَابِيُّ﴾ جمع: زربي بكسر الزاي، وزربية، وهو البساط، أصله: زرابيي بوزن فعاليل، فأدغمت ياء فعاليل في الياء لام الكلمة، وأصل الزرابي: أنواع النبات إذا احمرت واصفرت وفيها خضرة، ويقال: أزرب النبات إذا صار كذلك،
393
سموا بها البسط لشبهها به.
﴿مَبْثُوثَةٌ﴾؛ أي: مفرقة في المجالس بحيث يرى في كل مجلس شيء منها، كما يرى في بيوت ذوي الثراء، وفي "القاموس": الزرابي: النمارق والبسط، أو كل ما يبسط ويتكأ عليها، الواحدة: زربي بالكسر، ويضم، والطنافس أيضًا: جمع طنفسة بتثليث الطاء والفاء، ففيه تسع لغات، وهي المسماة الآن بالسجادة.
﴿إِلَى الْإِبِلِ﴾ بكسرتين وتسكن الباء، مفرد يقع على الجمع، وليس بجمع ولا اسم جمع، يجمع على: آبال، كما في "القاموس"، وقال بعضهم: اسم جمع لا واحد له من لفظه، كنساء وقوم، وإنما واحده بعير وناقة وجمل.
﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)﴾ ورفع السماء: إمساك ما فوقنا من شموس وأقمار ونجوم.
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩)﴾ ونصب الجبال: إقامتها أعلامًا للسائرين، وملجأً للحائرين.
﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ وسطح الأرض: تمهيدها وتوطئتها لقامة عليها، والمشي في مناكبها ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ أصل ﴿لَسْتَ﴾: ليس، فلما لحقت به تاء الفاعل المتحركة.. سكن آخر الفعل - وهو السين - فالتقى ساكنان: الياء والسين، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار: لست بوزن فلت، و ﴿مسيطر﴾: اسم فاعل جاء مصغرًا ولا مكبر له، كقولهم: رويد والثريا وكميت ومبيقر ومبيطر ومهيمن، وقرىء ﴿بمسيطر﴾ بفتح الطاء، وهذه القراءة غريبة شاذة، فقد قال في "تاج العروس": سيطر: جاء على وزن فيعل، فهو مسيطر بكسر الطاء، ولم يستعمل فعله مجهولًا، وننتهي في كلام العرب إلى ما انتهوا إليه، فلا نزيد على ذلك.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستفهام التشويقي في قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾؛ لدلالته
394
على تشويق السامع إلى استماع حديث الغاشية.
ومنها: الاستعارة التصريحية في لفظ ﴿الْغَاشِيَةِ﴾؛ لأنه حقيقة في كل ما أحاط بالشيء من جميع جهاته، ككمام الثمار التي أحاطت بلبها مع الإحاطة في كل.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾؛ لأن المراد أصحابها، ففيه إطلاق الجزء وإرادة الكل.
ومنها: التتميم في قوله: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾، فقوله: ﴿لَا يُغْنِي﴾ جملة لا يمكن طرحها من الكلام؛ لأنه لما قال: ﴿لَا يُسْمِنُ﴾.. ساغ للمتوهم أن يتوهم أن هذا الطعام الذي ليس من جنس طعام البشر انتفت عنه صفة الإسمان، ولكن بقيت له صفة الإغناء، فجاءت جملة: ﴿وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ تتميمًا للمعنى المراد، وهو أن هذا الطعام انتفت عنه صفة إفادة السمن والقوة، كما انتفت عنه صفة إماطة الجوع وإزالته.
ومنها: تنكير ﴿جُوعٍ﴾ في هذه الجملة للدلالة على التحقير أي: لا يغني من جوع ما.
ومنها: تأخير نفي الإغناء عن الإسمان لمراعاة الفواصل، والتوسل به إلى التصريح بنفي كلا الأمرين، إذ لو قدم لما احتيج إلى ذكر نفي الإسمان ضرورة استلزام نفي الإغناء عن الجوع إياه، بخلاف العكس، ولذلك كرر ﴿لَا﴾ لتأكيد النفي.
ومنها: تقديم حكاية أهل النار على حكاية أهل الجنة؛ لأنه أدْخَلُ في تهويل الغاشية، وتفخيم حديثها.
ومنها: ترك العطف في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨)﴾ على ما قبلها إيذانًا بكمال تباين مضمون الجملتين.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾ و ﴿مُذَكِّرٌ﴾، وقوله: ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾، و ﴿الْعَذَابَ﴾.
ومنها: المقابلة بين وجوه الأبرار ووجوه الفجار في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩)﴾ قابل بينها وبين سابقتها ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾.
395
ومنها: حذف المفعول في قوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾؛ أي: الناس؛ لإفادة العموم.
فائدة: واعلم أنه يجوز حذف المفعول به لغرض:
إما لفظي: كتناسب الفواصل؛ أي: رؤوس الآي، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾، والأصل: ﴿وما قلاك﴾، فحذف المفعول ليناسب قوله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾، وكالإيجاز، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ والأصل: فإن لم تفعلوه، ولن تفعلوه؛ أي: الإتيان بسورة من مثله.
وإما معنوي: كاحتقاره، نحو: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾؛ أي: لأغلبن الكافرين، فحذف المفعول زيادة في امتهانه واحتقاره، أو لاستهجانه واستقباح التصريح به، كقول عائشة رضي الله عنها: ما رأى منى، ولا رأيت منه؛ أي: العورة.
ومنها: تقديم الجار والمجرور في قوله: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ لإفادة التخصيص والمبالغة في الوعيد، فإنه يفيد معنى أن يقال: إن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام، كما أن مبدأهم وصدورهم كان منه تعالى.
ومنها: العطف بـ ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على التراخي في الرتبة لا في الزمان، لأنه قد يكون مباشرة بعد الإياب، ولكين التفاوت بين الموقفين أمر لا تكتنه أهواله، ولا يدري أحد مداه.
ومنها: مجيء الخبر مؤكدًا بـ ﴿إِنَّ﴾، كأنهم بحاجة إلى تأكيد هذا الأمر الذي أشاحوا عنه، ولم يتدبروه لترددهم فيه.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب
* * *
396
خلاصة ما تضمنته هذه السورة من المقاصد
اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية:
١ - وصف أهل الجنة، ووصف أهل النار.
٢ - ذكر عجائب الصنعة الإلهية.
٣ - أمر رسوله - ﷺ - بالتذكير بما أرسل إليه من الشرائع (١).
والله سبحانه وتعالى أعلم
(١) إلى هنا تمت سورة الغاشية بعون الله ذي العطايا الفاشية، ليلة الثلاثاء وقت السحر من ليلة عيد الفطر من شهر شوال من شهور سنة: ١/ ١٠/ ١٤١٦ هـ ألف وأربع مئة وست عشرة سنة من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين.
397
سورة الفجر
سورة الفجر مكية بلا خلاف (١)، نزلت بعد سورة الليل، وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي من طرق عن ابن عباس قال: نزلت ﴿وَالْفَجْرِ (١)﴾ بمكة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير وعائشة مثله.
وآياتها (٢): ثلاثون، أو تسع وعشرون آية. وكلماتها: مئة وتسع وثلاثون كلمة. وحروفها: خمس مئة وسبعة وتسعون حرفًا.
ومناسبتها لما قبلها من وجوهٍ (٣):
١ - أنه ذكر في تلك الوجوه الخاشعة، والوجوه الناعمة، وذكر في هذه طوائف من المكذبين المتجبرين الذين وجوههم خاشعة، وطوائف من الذين وجوههم ناعمة.
٢ - أن القسم في أول هذه السورة، كالدليل على صحة ما تضمنته خاتمة السورة السابقة من الوعد والوعيد.
قال الجلال السيوطي - رحمه الله تعالى -: لم يظهر لي في وجه ارتباطها سوى أن أولها كالإقسام على صحة ما ختم به السورة التي قبلها، أو على ما تضمنته من الوعد والوعيد، هذا مع أن جملة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ مشابهة لجملة: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ﴾. وسورة الفجر نزلت بعد سورة الليل، والفجر يعقب الليل، ويأتي بعده.
وعبارة أبي حيان: المناسبة بين السورتين: أن الله سبحانه لما ذكر فيما (٤) قبلها: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ و ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾.. أتبعها بذكر الطوائف المتكبرين المكذبين المتجبرين الذين وجوههم خاشعة، وأشار إلى الصنف
(١) الشوكاني.
(٢) الخازن.
(٣) المراغي.
(٤) البحر المحيط.
398
الآخر الذين وجوههم ناعمة بقوله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾. وأيضًا لما قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣)﴾ قال هنا:
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾ تهديدًا لمن كفر وتولى.
قال الشيخ موسى جار الله - رحمه الله تعالى - في كتابه: "نظم الدرر في ترتيب السور وتناسبها": وسورة الفجر فيها تاريخ التمدن بترتيب عجيب، يظهر منه أن تمدن جنوب جزيرة العرب أقدم من تمدن الفراعنة، وظاهر قوله تعالى: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ أن تمدن عاد كان أرقى من كل تمدن كان قبله أو في زمنه، فإن كان أوتاد فرعون في هذه السورة هي أهرام الفراعنة، وهي قبورهم، فلعل ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨)﴾ هي شيء أعجب صنعًا، وأنفع للناس، وإن لم تكن أرسى من الأهرام، وأصبر منها على عوادي الطبيعة، وجاءت السورة بعد سورة الغاشية ليرى الترتيب أن غاشية من الغواشي غشيت التي لم يخلق مثلها في البلاد، فهل ترى لها من باقية؟ انتهى.
ومن فضائلها: ما أخرجه النسائي عن جابر قال: صلى معاذ صلاة، فجاء رجل، فصلى معه فطول، فصلى في ناحية المسجد، ثم انصرف، فبلغ ذلك معاذًا، فقال: منافق، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، جئت أصلي، فطول علي، فانصرفت، فصليت في ناحية المسجد فعلفت ناضحي، فقال رسول الله - ﷺ -: "أفتان أنت يا معاذ؟، أين أنت من ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، و ﴿الْفَجْرِ﴾ و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾.
ومنها: ما روي عن النبي - ﷺ -: "من قرأ سورة الفجر في الليالي العشر غفر له، ومن قرأها في سائر الأيام، كانت له نورًا يوم القيامة"، ولكن فيه مقال.
الناسخ والمنسوخ فيها: وقال محمد بن حزم رحمه الله تعالى: سورة الفجر كلها محكمة ليس فيها ناسخ ولا منسوخ، وسميت سورة الفجر لذكر الفجر فيها.
واشتملت هذه السورة على مقصدين:
أولهما: في إهلاك عاد وثمود وقوم فرعون، وذلك من أول السورة إلى قوله:
(١) البيضاوي.
399
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾.
والثاني: بيان أن كثرة النعم على العبد ليست دالة على إكرام الله له، وأن كثرة البلاء ليست دالة على إهانته، بل الإكرام في التوفيق للعمل الصالح، والإهانة في الخذلان بالكفر والمعاصي، وهو من قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥)...﴾ إلى آخر السورة.
والله أعلم بمراده
* * *
400

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤) فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾.
المناسبة
تقدم لك بيان المناسبة بين هذه السورة والتي قبلها، وأما قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ الآيات، فالمناسبة بينها وبين ما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما أقسم أنه سيعذب الكافرين جزاء كفرهم وإصرارهم على مخالفة أوامره.. شرع (١) يذكر بعض قصص الأمم الماضية ممن عاندوا الله ورسوله، ولجوا في طغيانهم، فأوقع بهم شديد العذاب، وأخذهم أخذ العزيز المقتدر الجبار؛ ليكون في ذلك زجر لهؤلاء المكذبين، وتثبيت للمؤمنين الذين اتبعوا الرسول - ﷺ - وناصروه، وتطمين لقلوبهم بأن أعداءهم سيلقون ما يستحقون من الجزاء.
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر (٢) أنه لا يفوته من شأن عباده شيء، وأنه يأخذ كل مذنب بذنبه.. أردف ذلك بذكر شأن من شؤون الإنسان، وبين أنه لا يهتم
(١) المراغي.
(٢) المراغي.
401
إلا بأمور الدنيا وشهواتها، فإذا أنعم الله عليه وأوسع له في الرزق.. ظن أنه قد اصطفاه ورفعه على من سواه، وجنبه منازل العقوبة، فيذهب مع هواه ويفعل ما يشتهي، ولا يبالي أكان ما يصنع خيرًا أو شرًا، فيطغى ويفسد في الأرض، وإذا ضيق عليه الرزق وقد يكون ذلك لتمحيص قلبه بالإخلاص، أو لتظهر قوة صبره، فإن الفقر لا يزيد ذوي العزائم إلا شكرًا يقول: ربي قد أهانني، ومن أهانه الله وصغرت قيمته لديه.. لم يكن له عناية بعمله، فكيف يؤاخذه بما يصدر منه من شر، أو يكافئه على ما يصنع من خير، فلا شكره يكافأ بإحسان، ولا كفره يجازى بعقوبة، فينطلق بكسب عيشه بأي وسيلة عنت له، ولا تحجزه شريعة، ولا يقف أمامه قانون، ويسلك سبيل الجبان، ويبخس الحقوق، ويفسد نظم المجتمع، ولا تزال أحوال الناس هكذا، كما وصف الله تعالى، فأرباب السلطان يظنون أنهم في أمن من عقاب ربهم، ولا يذكرونه إلا بألسنتهم، ولا يعرف له سلطان على قلوبهم، والفقراء الأذلاء صغرت نفوسهم عند أنفسهم، لا يبالون ماذا يفعلون.
قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما بين خطأ (١) الإنسان فيما يعتقد إذا بسط له الرزق أو قتر عليه.. أردف ذلك بزجرهم عما يرتكبون من المنكرات، وأبان لهم أنه لو كان غنيهم لم يعمه الطغيان، وفقيرهم لم يطمس بصيرته الهوان، وكانوا على الحال التي يرتقي إليها الإنسان، لشعرت نفوسهم بما عسى يقع فيه اليتيم من بؤس، فعنوا بإكرامه، فإن الذي يفقد أباه معرض لفساد طبيعته إذا أهملت تربيته، ولم يهتم بما فيه العناية به ورفع منزلته، ولو كانوا على ما تحدثهم به أنفسهم من الصلاح.. لوجدوا الشفقة تحرك قلوبهم إلى التعاون على طعام المسكين الذي لا يجد ما يقتات به مع العجز عن تحصيله، إلى أنهم يأكلون المال الذي يتركه من يتوفى منهم، ويشتدون في أكله حتى يحرموا صاحب الحق حقه، ويزداد حبهم للمال إلى غير غاية.
وصفوة القول: أن شرههم في المال، وقومهم إلى اللذات، وانصرامهم إلى التمتع بها، ثم قسوة قلوبهم إلى أن لا يألموا إلى ما تجر إليه الاستهانة بشؤون
(١) المراغي.
402
اليتامى من فساد أخلاقهم، وتعطيل قواهم، وانتشار العدوى منهم إلى معاشريهم، فينتشر الداء في جسم الأمة دليل على أن ما يزعمون من اعتقادهم بإله يأمرهم وينهاهم، وأن لهم دينًا يعظهم زعم باطل، وإذا غشوا أنفسهم، وادعوا أنهم يتذكرون الزواجر، ويراعون الأوامر، فذلك مقال تكذبه الفعال.
قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما أنكر عليهم أقوالهم، وادعاءهم أن الغنى إكرام لهم، وأن الفقر إهانة لهم، ونعى عليهم أفعالهم من حرصهم على الدنيا، واستفراغ الجهد في تحصيلها؛ وتكالبهم على جمعها من حلال وحرام.. أردفه (١) ببيان أن ما يزعمونه من أنهم لربهم ذاكرون، مع فراغ قلوبهم من الرأفة بالضعفاء، وامتلائها بحب المال، والميل إلى الشهوات، زعم لا حقيقة له، وإنما يتذكرون ربهم في ذلك اليوم العظيم حين يشهدون الهول، ويعوزهم الحول، ويظهر لهم مكانهم من النكال والوبال، ولكن هذه الذكرى قد فات أوانها، وانتهى إبانها، فإن الدار دار جزاء، لا دار أعمال، فلا يبقى فيها لأولئك الخاسرين، إلا الحسرة والندامة، وقول قائلهم: ﴿لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، ويكون لهم من العذاب ما لا يقدر قدره، ومن الإهانة ما يجل عن التشبيه والتمثيل.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ...﴾ إلخ، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر حال الإنسان الذي خلي وطبعه فاستولى عليه جشعه وحرصه على رغباته وشهواته حتى خرجت عن سلطان الحكمة والعقل، ثم ذكر عاقبة أمره في الآخرة.. أعقب هذا بذكر حال الإنسان الذي ارتقى عن ذلك الطبع، وسمت نفسه إلى مراتب الكمال، فاطمأن إلى معرفة خالقه، واستعلى برغائبه إلى المطامح الروحية، ورغب عن اللذات الجسمانية، فكان في الغنى شاكرًا لا يتناول إلا حقه، وفي الفقر صابرًا لا يمد يده إلى ما لغيره، وبين أنه في ذلك اليوم يكون بجوار ربه، راضيًا بعمله في الدنيا، مرضيًا عنده، يدخله في زمرة الصالحين المكرمين من عباده.
(١) المراغي.
403
Icon