ﰡ
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا...﴾ الآيات، سبب نزولها (١): ما أخرجه ابن المنذر عن قتادة قال: قال ناس من المنافقين: إن الله صاهر الجن فخرجت من بينهم الملائكة، فنزل فيهم: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا...﴾ الآيات.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿حم (١)﴾ (٢) كونه اسمًا للقرآن؛ أي: هذا القرآن يسمى بـ ﴿حم﴾، أو اسمًا للسورة؛ أي: هذه السورة تسمى بـ ﴿حم﴾، وقيل: ﴿حم﴾ إشارة إلى الاسمين الجليلين من أسمائه تعالى، وهما: الحنان والمنان.
فالحنان: هو الذي يقبل على من أعرض عنه. وفي "القاموس": الحنان كشداد، اسم لله تعالى ومعناه: الرحيم انتهى.
والمنان: هو الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال، كما في "القاموس": المنان من أسماء الله تعالى، المعطي ابتداء، انتهى. وقد جعل في داخل الكعبة ثلاث اسطوانات. الأولى: اسطوانة الحنان. والثانية: اسطوانة المنان، والثالثة: اسطوانة الديان، وإنما أضيفت إلى الله تعالى تعظيمًا لها، كما قيل: بيت الله،
(٢) روح البيان بتصرف.
٢ - كما قال مقسمًا به: ﴿وَالْكِتَابِ﴾ بالجر على أنه مقسم به، إما ابتداء أو عطفًا على ﴿حم (١)﴾ على تقدير كونه مجرورًا بإضمار باء القسم، على أن مدار العطف المغايرة في العنوان، ومناط تكرير القسم المبالغة في تأكيد مضمون الجملة القسمية، ومعنى إقسام الله بالأشياء: استشهاده بما فيها من الدلالة على المقسم عليه، اهـ "بيضاوي". ﴿الْمُبِينِ﴾؛ أي: البين لمن أنزل عليهم، لكونه بلغتهم وعلى أساليبهم، فيكون من أبان بمعنى بان؛ أي: ظهر، أو المبين لطريق الهدى من طرق الضلالة، الموضح لكل ما يحتاج إليه في أبواب الديانة، فيكون من أبان بمعنى أظهر وأوضح.
وقال سهل: بين فيه الهدى من الضلالة، والخير من الشر، وبين سعادة السعداء، وشقاوة الأشقياء، وقال بعضهم (١): المراد بالكتاب: الخط والكتابة، يقال: كتبه كتبًا وكتابًا خطه، أقسم به تعظيمًا لنعمته فيه، إذ فيه كثرة المنافع، فإن العلوم إنما تكاملت بسبب الخط والكتابة، فالمتقدم إذا استنبط علمًا وأثبته في كتاب، وجاء المتأخر وزاد عليه، تكاثرت به الفوائد، يقول الفقير: لعل السبب في حمل الآية على هذا المعنى الغير الظاهر، لزوم اتحاد المقسم به والمقسم عليه، على تقدير حملها على القرآن، وليس بذلك، كما سيأتي،
٣ - وجواب القسم قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: أقسمت لك بالكتاب المبين، إنا صيرنا ذلك الكتاب ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ بإنزاله بلغة العرب ولسانها، ولم نصيره أعجميًا بإنزاله بلغة العجم، مع كونه كلامنا وصفتنا قائمة بذاتنا، عرية عن كسوة العربية، منزهة عنها وعن توابعها ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: لكي تفهموا القرآن العربي، وتحيطوا بما فيه من النظم الرائق، والمعنى الفائق، ولتقفوا على ما تضمنه من الشواهد الناطقة بخروجه عن طوق البشر، وتعرفوا حق النعمة في ذلك، وتنقطع أعذاركم بالكلية،
وحاصل معناها: الدلالة على أن الملابسة بالأول لأجل إرادة الثاني، من شبه الإرادة بالترجي، فقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ في موضع النصب على المفعول له، وإنما سمي ﴿قُرْآنًا﴾؛ لأنه جعل بعض سوره مقرونًا بآخر.
فإن قلت: إن قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ يدل على أن القرآن مجعول، والمجعول مخلوق، وقد قال - ﷺ -: "القرآن كلام الله غير مخلوق".
قلت: المراد بالجعل هنا: تصيير الشيء على حالة دون حالة، وقال بعضهم: أقسم بالقرآن على أنه جعله قرآنًا عربيًا، فالقسم والمقسم عليه من بدائع الأقسام لكونهما من واحد، فالمقسم به ذات القرآن العظيم، والمقسم عليه وصفه، وهو جعله قرآنًا عربيًا، فتغايرا، فكأنه قيل: والقرآن إنه ليس بمجرد كلام مفترى على الله وأساطير، بل هو الذي تولينا إنزاله على لغة العرب، فهذا هو المراد بكونه جوابًا لا مجرد كونه عربيًا، إذ لا يشك فيه.
وإنما جعله مقسمًا به إشارة إلى أنه ليس عنده شيء أعظم قدرًا، وأرفع منزلة منه حتى يقسم به، فإن المحب لا يؤثر على محبوبه شيئًا، فأقسم به، ليكون قسمه في غاية الوكادة، وكذا لا أهم من وصفه فيقسم عليه.
والمعنى (١): أي أقسمت بالكتاب المبين، لطريق الهدى والرشاد، الموضح لما يحتاج إليه البشر في دنياهم ودينهم، ليفوزوا بالسعادة على أننا جعلناه قرآنًا عربيًا، إذ كنتم أيها المنذرون به عربًا لتعقلوا ما فيه من عبر ومواعظ، ولتتدبروا معانيه، ولم ينزله بلسان العجم حتى لا تقولوا: نحن عرب، وهذا كلام أعجمي لا نفقه شيئًا مما فيه.
٤ - ثم بين شرفه في الملأ الأعلى تعظيمًا له، وليطيعه أهل الأرض، فقال:
والمعنى: وإن هذا القرآن مثبت في اللوح المحفوظ، ومحفوظ لدينا، أو حال كونه محفوظًا لدينا عن تبديل وتغيير. وقوله: ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ خبران آخران لـ ﴿إن﴾ أيضًا؛ أي: وإن هذا الكتاب لعليّ؛ أي: لرفيع القدر من بين الكتب السماوية شريف حكيم؛ أي: ذو حكمة بالغة، أو محكم النظم لا يوجد فيه اختلاف ولا تناقض، أو محكم لا يتطرق إليه نسخ بكتاب آخر، ولا تبديل.
والمعنى (٢): أي وإن هذا الكتاب في علمه الأزلي رفيع الشأن، لاشتماله على الأسرار والحكم التي فيها سعادة البشر، وهدايتهم إلى سبيل الحق، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾.
وقرأ الجمهور: ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ بضم الهمزة، وقرأ الأخوان حمزة والكسائي بكسرها، وعزاها ابن عطية يوسف بن عمرو إلى العراق غفلة منه، وقال ابن جريج: المراد بقوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾: أعمال الخلق من إيمان وكفر وطاعة ومعصية، وقال قتادة: أخبر عن منزلته وشرفه وفضله؛ أي: إن كذبتم به يا أهل مكة، فإنه عندنا شريف رفيع، محكم من الباطل، انتهى.
٥ - وبعدما بين سبحانه علو شأن القرآن العظيم، وحقق أن إنزاله على لغتهم ليعقلوه، ويؤمنوا به، ويعملوا بموجبه، عقب ذلك بإنكار أن يكون بخلافه، فقال: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ والهمزة (٣) فيه للاستفهام الإنكاري، داخلة على مقدر
(٢) المراغي.
(٣) روح البيان.
والمعنى: أنمسك عن إنزال ما لم ينزل منه، ونرفع ونزيل ما نزل منه، ونترك عنكم الأمر والنهي والوعد والوعيد، مأخوذ من قولهم: ضرب الغرائب عن الحوض؛ أي: طردها عنه. والمراد بالغرائب: البعران الأجانب؛ لأن الإبل إذا وردت الماء ودخلت فيها ناقة غريبة من غيرها ذبت وطردت عن الحوض، وقوله: ﴿صَفْحًا﴾ مفعول لأجله؛ أي: أفنضرب عنكم الذكر ونرفعه صفحًا وإعراضًا عنكم، أو حال من فاعل نضرب، أي: نضرب عنكم الذكر صافحين؛ أي: معرضين عنكم، أو مصدر معنوي لنضرب، فإن تنحية الذكر عنهم إعراض؛ أي: أفنعرض عنكم بترك إنزال الذكر صفحًا وإعراضًا لأجل ﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾؛ أي: منهمكين في الإسراف، مجاوزين الحد في المعاصي، مصرين عليها على معنى: أن حالكم وإن اقتضى تخليتكم وشأنكم حتى تموتوا على الكفر والضلالة، وتبقوا في العذاب الخالد، لكنا لسعة رحمتنا لا نفعل ذلك، بل نهديكم إلى الحق بإرسال الرسول الأمين - ﷺ -، وإنزال الكتاب المبين. قال قتادة: والله لو كان هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن عاد بعائدته ورحمته، فكرره عليهم عشرين سنة، أو ما شاء الله سبحانه. وقرأ (١) نافع وحمزة والكسائي ﴿إن كنتم قومًا مسرفين﴾ بكسر الهمزة على أنها الشرطية. والجواب محذوف لدلالة ما قبله عليه، وقد تشكل هذه القراءة بأن إسرافهم كان متحققًا. فكيف دخلت عليه إن الشرطية التي لا تدخل إلا على غير المتحقق، أو على المتحقق الذي انبهم زمانه. وقرأ الجمهور ﴿أَنْ كُنْتُمْ﴾ بفتح الهمزة؛ أي: من أجل أن كنتم، واختار أبو عبيد قراءة الفتح لما ذكر. وقرأ زيد بن علي ﴿إذ كنتم﴾ بالذال مكان النون.
والمعنى (٢): أي أنترك إنذاركم وتذكيركم بالقرآن لانهماككم في الكفر والإعراض عن أوامره ونواهيه، كلا لا نفعل ذلك رحمةً بكم، وقد كانت حالكم
(٢) المراغي.
٦ - ثم قال مسليًا رسوله - ﷺ - على تكذيب قومه، آمرًا له بالصبر، مهددًا للمشركين، منذرًا لهم بشديد العقاب: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦)﴾ ﴿كَمْ﴾ خبرية (١) بمعنى عدد كثير في موضع النصب، على أنه مفعول مقدم لأرسلنا، و ﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾ تمييز و ﴿فِي الْأَوَّلِينَ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، أو بمحذوف مجرور على أنه صفة لنبي.
والمعنى: كثيرًا من الأنبياء أرسلنا في الأمم الأولين والقرون الماضين.
٧ - ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ ضمير يأتيهم إلى الأولين، وهو حكاية حال ماضية مستمرة، كما سيأتي؛ لأن ﴿مَا﴾ إنما تدخل على مضارع في معنى الحال، أو على ماض قريب منها؛ أي: وما أتى وجاء أولئك الأولين نبي من الأنبياء والمرسلين ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أي إلا كانوا يستهزؤون بذلك النبي ويكذبونه؛ أي: إلا كانوا مستمرين على التكذيب. يعني: أن عادة الأمم مع الأنبياء الذين يدعونهم إلى الدين الحق، هو التكذيب والاستهزاء، كما استهزأ قومك بك، فلا ينبغي لك أن تتأذى من قومك بسبب تكذيبهم واستهزائهم إياك؛ لأن المصيبة إذا عمت خفت
٨ - ﴿فَأَهْلَكْنَا﴾ واستأصلنا بسبب تكذيبهم أنبياءهم قومًا ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾؛ أي: أشد بطشًا وأخذًا وصولة، من هؤلاء القوم المسرفين. وهم قريش؛ أي: أهلكنا قومًا أشد قوة وجلدًا، وأكثر عُددًا وعَددًا، من هؤلاء القوم الذين كذبوك، بسبب تكذيبهم أنبياءهم، و ﴿بَطْشًا﴾ تمييز، وهو الظاهر، أو حال من فاعل ﴿أَهْلَكْنَا﴾؛ أي: باطشين. والبطش: تناول الشيء بصولة، والأخذ بشدة، كما سيأتي في مبحث المفردات. وهذا وعد له - ﷺ - ووعيد لهم بمثل ما جرى على الأولين، ووصفهم بأشدية البطش؛ لإثبات حكمهم لهؤلاء المشركين بطريق
والمعنى: أي (١) وكثيرًا ما أرسلنا في الأمم الغابرة رسلًا قبلك، كما أرسلناك إلى قومك قريش، وكلما أتى نبي أمته يدعوهم إلى الهدى وطريق الحق، استهزؤوا به، وسخروا منه، كما يفعل قومك بك، فقومك ليسوا ببدع في الأمم، ولا أنت بباع في الرسل، فلا تأس على ما تجد منهم، ولا يشقن ذلك عليك، فهم قد سلكوا سبيل من قبلهم، واحتذوا حذوهم، ونهجوا نهجهم حذو القذة بالقذة، وكن كما كان أولو العزم من الرسل، واصبر كما صبروا على ما أوذوا في سبيل الله.
ثم ذكر عقبى تكذيبهم واستهزائهم برسله، تسلية لرسوله وتحذيرًا لهم، فقال: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾؛ أي: فأهلكنا المكذبين بالرسل، ولم يقدروا على دفع بأسنا إذ أتاهم، وقد كانوا أشد بطشًا من قومك، وأشد قوة، فأحرى بهؤلاء أن لا يعجزونا، ونحو الآية: قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ الآية. ﴿وَمَضَى﴾؛ أي: سلف، وسبق في القرآن غير مرة ﴿مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: ذكر صفتهم وبيان قصتهم وخبرهم وشديد عقوبتهم، التي حقها أن تسير مسير المثل، كقوم نوح، وعاد، وثمود، وغيرهم.
وفي هذا كما مر، تهديد شديد؛ لأنه يتضمن أن الأولين أهلكوا بتكذيب الرسل، وهؤلاء إن استمروا على تكذيبك والكفر بما جئت به، هلكوا مثلهم، وفي الآية (٢) إشارة إلى كمال ظلومية نفس الإنسان وجهوليته، وكمال حلم الله سبحانه وكرمه، وفضل ربوبيته، بأنهم وإن بالغوا في إظهار أوصافهم الذميمة، وأخلاقهم اللئيمة، بالاستهزاء من الأنبياء والمرسلين، والاستخفاف بهم إلى أن كذبوهم، وسعوا في قتلهم من أهل الأولين والآخرين، وكذلك يفعل أهل كل زمان مع ورثة الأنبياء، من العلماء العاملين الناصحين لهم، والداعين إلى الله،
(٢) روح البيان.
والخلاصة: أي وقد مضت سنتنا في المكذبين لرسلهم من قبلكم، ورأيتم ما حل بهم، فاحذروا أن يحل بكم مئل ما حل بهم، ونحو الآية: قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)﴾. وقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾.
٩ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لئن سالت يا محمد هؤلاء الكفار من قومك ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: من خلق هذه الأجرام العلوية والسفلية ﴿لَيَقُولُنَّ﴾؛ أي: ليقولن هؤلاء المشركون من قومك اعترافًا بالصانع، وإقرارًا بربوبيته ﴿خَلَقَهُنَّ﴾؛ أي: خلق هذه الأجرام المذكورة، وأوجدها الخالق ﴿الْعَزِيزُ﴾ في حكمه وملكه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوال خلقه، وذلك أسوأ لحالهم وأشد لعقوبتهم؛ لأنهم عبدوا بعض مخلوقات الله، وجعلوه شريكًا له، بل عمدوا إلى ما لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر من المخلوقات، وهي الأصنام، فجعلوها شركاء لله سبحانه.
قال في "الإرشاد": ليسندن خلقها، وينسبنه إلى من هذا شأنه في الحقيقة، وفي نفس الأمر، لا أنهم يعبرون عنه بهذا العنوان، وقد جوز أن يكون ذلك عين عبارتهم. وفي "فتح الرحمن": ومقتضى جواب قريش أن يقولوا: خلقهن الله، فلما ذكر الله تعالى المعنى، جاءت العبارة عن الله بالعزيز العلم، ليكون ذلك توطئة لما عدده بعد من أوصافه التي ابتدأ الإخبار بها، وقطعها عن الكلام الذي حكي معناه عن قريش، وهو قوله: الذي... إلخ.
والمعنى (١): أي ولئن سألت أيها الرسول هؤلاء المشركين من قومك: من
والخلاصة: أنهم يعترفون بأنه لا خالق لهما سواه، وهم مع هذا، يعبدون معه تعالى غيره من الأصنام والأوثان.
١٠ - ثم وصف سبحانه نفسه، بما يدل على عظيم نعمته على عباده، وكمال قدرته في مخلوقاته، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ وصير ﴿لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾؛ أي: فراشًا وبساطًا، وهذا كلام مستأنف غير متصل بما قبله، ولو كان متصلًا بما قبله من جملة مقول الكفار.. لقالوا: الذي جعل لنا الأرض مهادًا. وقرأ (١) الجمهور: ﴿مِهَدًا﴾. وقرأ الكوفيون ﴿مهدا﴾. والمهد والمهاد: المكان الممهد الموطأ، لقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾؛ أي: بسطها لكم تستقرون فيها، وفي "بحر العلوم" جعل الأرض مسكنًا لكم تقعدون عليها، وتنامون، وتتقلبون كما يتقلب أحدكم على فراشه ومهاده. وفي "الخازن": معناه: جعلها واقفة ساكنة يمكن الانتفاع بها، ولما كان المهد موضع راحة الصبي، شبهها به، وسمى الأرض مهادًا لكثرة ما فيها من الراحة للخلق، انتهى. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض ﴿سُبُلًا﴾؛ أي: طرقًا تسلكونها في أسفاركم، إلى حيث تريدون، لقضاء حوائج الدين والدنيا، وقيل: معايش تعيشون بها ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ بها، وتصلون إلى مقاصدكم ومنافعكم، أو بالتفكر فيها إلى التوحيد الذي هو المقصد الأصلي.
والمعنى (٢): والعزيز العليم هو الإله الذي مهد لكم الأرض، وجعلها لكم وطاءًا تطؤونها بأقدامكم. وتمشون عليها بأرجلكم، وجعل لكم فيها طرقًا تنتقلون فيها من بلد إلى آخر، ومن إقليم إلى إقليم لمعاشكم ومتاجركم وابتغاء رزقكم.
والخلاصة: أن الخلق كلهم يتربون على الأرض، وهي موضع راحتهم كما يربي الصبي على مهده.
(٢) المراغي.
وهذه (١) عادة الله سبحانه في عامة الأوقات، وقد ينزل بحسب الحكمة ما يحصل به السيول فيضرهم، وذلك في عشرين أو ثلاثين سنة مرة ابتلاء منه لعباده، وأخذًا لهم بما اقترفوا كما جرب ذلك ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ﴾؛ أي: فأحيينا بذلك الماء ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾؛ أي: أرضًا مقفرة من النبات والنماء، خالية منه بالكلية، والإنشار: إحياء الميت، شبه زوال النماء عنها بزوال الحياة عن البدن، وتذكير ميتا؛ لأن البلدة في معنى البلد، أو المكان، أو الفضاء. وقال سعدي المفتي: لا يبعد، والله تعالى أعلم أن يكون تأنيث البلدة، وتذكير الميت إشارة إلى بلوغ ضعف حاله الغاية. والالتفات إلى نون العظمة لإظهار كمال العناية بأمر الإحياء والإشعار بعظم خطره كما سيأتي في مبحث البلاغة، وميتًا مخففًا من الميت مشددًا، قرأ الجمهور (٢): ميقال بالتخفيف. وقرأ عيسى وأبو جعفر بالتشديد.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك الإحياء الذي هو في الحقيقة إخراج النبات من الأرض ﴿تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم، وتبعثون أحياء، فإن من قدر على هذا قدر على ذلك، فتشبيه إحيائهم بإحياء البلدة الميت، كما يدل على قدرة الله تعالى وحكمته مطلقًا، فكذلك يدل على قدرته على القيامة والبعث. وفي التعبير عن إخراج النبات بالإنشار الذي هو إحياء الموتى، وعن إحيائهم بالإخراج تفخيم لشأن الإنبات، وتهوين لأمر البعث لتقويم سند الاستدلال، وتوضيح منهاج القياس.
(٢) الشوكاني.
والمعنى: أي (٢) وهو الإله الذي ينزل من السماء ماء بقدر الحاجة، فلا يجعله كثيرًا حتى لا يكون عذابًا، كالطوفان الذي أنزل على قوم نوح، ولا قليلًا لا يكفي النبات والزرع، لئلا تهلكوا جوعًا، فتحي به الأقاليم التي كانت خالية من النبات والشجر، وكما أحيينا الأرض بعد موتها بالماء نحييكم ونخرجكم من قبوركم أحياء
١٢ - ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾؛ أي: خلق أصناف المخلوقات بأسرها، كما قال: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ لا يشذ شيء منها عن إيجاده واختراعه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الأزواج: الضروب والأنواع، كالحلو والحامض، والأبيض والأسو د. والذكر والأنثى، وقيل: كل ما سوى الله فهو زوج كفوق وتحت، ويمين وشمال، وقدام وخلف، وماض ومستقبل، وذات وصفات، وأرض وسماء، وبر وبحر، وشمس وقمر، وليل ونهار، وصيف وشتاء، وجنة ونار إلى غير ذلك مما لا يحصى، وكونها أزواجًا يدل على أنها ممكنة الوجود، وأن محدثها فرد منزه عن المقابل والمعارض ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾؛ أي: من السفن الجارية في البحر ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾؛ أي: من الإبل والدواب، أعني: الخيل والبغال والحمير ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾؛ أي: ما تركبونه في البحر والبر على تغليب إحدى اعتباري الفعل لقوته على الآخر، فإن ركب يعدى إلى الأنعام بنفسه، يقال: ركبت الدابة وإلى الفلك بواسطة حرف الجر، يقال: ركبت في الفلك، وتقديم البيان على المبين للمحافظة على الفاصلة النونية. وتقديم الفلك على الأنعام، لأن الفلك أدل دليل على القدرة الباهرة، والحكمة البالغة.
والمعنى: أي وهو الإله الذي خلق سائر الأصناف، مما تنبت الأرض من
(٢) المراغي.
١٣ - ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾؛ أي: لتستعلوا على ظهور ما تركبونه من الفلك والأنعام، والظهور للأنعام حقيقة لا للفلك، فدل على تغليب الأنعام على الفلك، وإيراد لفظ ظهور بصيغة الجمع، مع أن ما أضيف إليه مفرد، نظرًا للمعنى؛ لأن مرجع الضمير جمع في المعنى، وإن كان مفردًا في اللفظ ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا﴾ بقلوبكم ﴿نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ عليكم ﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ﴾ وارتفعتم ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على ظهر ما تركبونه. والمراد: الذكر بالقلوب؛ لأنه هو الأصل، وله الاعتبار، فقد ورد "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم، بل إلى قلوبكم ونياتكم"، وبه يظهر وجه إيثار تذكروا على تحمدوا.
والمعنى: ثم تذكروا نعمة ربكم بقلوبكم إذا استعليتم عليه، معترفين بها مستعظمين لها، ثم تحمدوا عليها بألسنتكم ﴿وَتَقُولُوا﴾ متعجبين من ذلك ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ﴾ وذلل ﴿لَنَا هَذَا﴾ المركوب، وقرأ علي بن أبي طالب ﴿سبحان من سخر لنا هذا﴾ ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ﴾؛ أي: لهذا المركوب ﴿مُقْرِنِينَ﴾؛ أي: مطيقين بتذليلها، وقرىء ﴿مقترنين﴾ اسم فاعل من اقترن، يعني: ليس عندنا من القوة والطاقة، أن نقرن هذه الدابة والفلك، وأن نضبطها، فسبحان من سخر لنا هذا بقدرته وحكمته، وهذا من (١) تمام ذكر نعمته تعالى، إذ بدون اعتراف المنعم عليه، بالعجز عن تحصيل النعمة، لا يعرف قدرها، ولا حق المنعم بها
١٤ - ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا﴾ ومالك أمرنا، لا إلى غيره ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾؛ أي: راجعون بالموت، فيجازي كل نفس بما عملت، فاستعدوا لهذا اليوم، ولا تغفلوا عن ذكره في حلكم وترحالكم
وجاء في الحديث: أنه - ﷺ - كان إذا وضع رجله في الركاب قال: "بسم الله"، فهذا استوى على الدابة قال: "الحمد لله على كل حال، سبحان الذي سخر لنا هذا" إلى قوله: "لمنقلبون"، وكبر ثلاثًا، وهلل ثلاثًا.
وقالوا: إذا ركب في السفينة، أو الباخرة، أو الطائرة، أو السيارة قال ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾. ويقال عند النزول منها: "اللهم أنزلنا منزلًا مباركًا، وأنت خير المنزلين"، كما يدل عليه قصة ركوب نوح عليه السلام السفينة، ونزوله منها.
ومعنى الآية (١): أي لكي تستووا، على ظهور ما تركبون من الفلك والأنعام، ثم تذكروا نعمة ربكم، الذي أنعم بها عليكم، فتعظموه وتمجدوه، وتقولوا تنزيهًا له عما يصفه المشركون: سبحان الذي سخر لنا هذا الذي ركبناه، وما كنا لولا تسخيره وتذليله بمطيقين ذلك، فالأنعام مع قوتها ذللها للإنسان، ينتفع بها حيث شاء وكيفما أراد، ولولا ذلك ما استطاع الانتفاع بها، ولقد أشار إلى نحو من هذا العباس بن مرداس، فقال في وصف الجمل:
وَتَضْرِبُهُ الوَليْدة بالهَرَاوى | فلا غيرٌ لَدَيْهِ وَلَا نَكِيْرُ |
فلما كان الركوب مباشرة أمر محظور، واتصالًا بسبب من أسباب التلف، أمر أن لا ينسى عند اتصاله به موته، وأنه هالك لا محالة، فمنقلب إلى الله عز وجل، غير منفلت من قضائه، ولا يدع ذكر ذلك بقلبه ولسانه، حتى يكون مستعدًا للقاء الله والحذر من أن يكون ركوبه ذلك، من أسباب موته في علم الله، وهو غافل عنه، انتهى.
١٥ - ثم رجع سبحانه إلى ذكر الكفار، الذين تقدم ذكرهم، فقال: ﴿وَجَعَلُوا﴾؛ أي: وجعل بعض مشركي العرب ﴿لَهُ﴾ سبحانه وتعالى ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ ومخلوقاته، والمراد بالعباد: الملائكة، وهو حال من ﴿جُزْءًا﴾؛ أي بنات وإناثًا، والجاعلون (٣) هم قبائل من العرب قالوا: إن الله صاهر الجن فولدت له الملائكة وقال بعضهم: الآية ردٌّ علي بني مليح حيث قالوا: الملائكة بنات الله ومليح بالحاء المهملة مصغرًا كزبير حي من خزاعة كما في "القاموس" والجعل هنا بمعنى الحكم بالشيء والاعتقاد به قال في "القاموس": الجزء البعض، وأجزأت الأم ولدت الإناث.
﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾؛ أي: إناثًا انتهى. وإنما عبر عن الولد بالجزء لأنه بعض أبيه وجزء منه كما قال - ﷺ -: "إن فاطمة مني"؛ أي: قطعة منى وقال
(٢) يقال: تقحم الفرس براكبه إذا ألقاه على وجهه.
(٣) روح البيان.
إذا اجزأت حرة يومًا فلا عجب | قد تجزىء الحرة المذكار أحيانًا |
ومعنى الآية (١): واعتقد المشركون، وحكموا، وأثبتوا له تعالى ولدًا حال كون ذلك الولد من الملائكة الذين هم عباده، فقالوا: الملائكة بنات الله بعد اعترافهم بألسنتهم، واعتقادهم أن خالق السموات والأرض هو الله، فكيف يكون له ولد، والولادة من صفات الأجسام، وهو خالق الأجسام كلها، ففيه تعجب من جهلهم، وتنبيه على قلة عقولهم حيث وصفوه بصفات المخلوقين، وإشارة إلى أن الولد لا يكون عبد أبيه، والملائكة عباد الله فكيف تكون البنات عبادًا، وقيل: الجزء هاهنا بمعنى النصيب، كما في قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾؛ أي: نصيب.
ومعنى الآية: معنى قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ وذلك أنهم جعلوا البنات لله والبنين لأنفسهم كما سيأتي.
والحاصل (٢): أن مقالتهم هذه، أعني قولهم: إن الملائكة بنات الله، تقتضي الكفر من وجهين:
(٢) المراغي.
والثاني: الاستخفاف به، إذ جعلوا له أضعف نوعي الإنسان وأخسهما.
ثم أكد كفرهم بقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: إن الكافر، يعني: قائل ذلك ﴿لَكَفُورٌ﴾؛ أي: لجحود بنعم ربه التي أنعمها عليه ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر كفره لمن تأمل حاله وتدبر أمره؛ لأن نسبة الولد إليه كفر، والكفر أصل الكفران كله، ولذلك يقولون ما يقولون سبحانه وتعالى عما يصفون.
١٦ - ثم زاد في الإنكار عليهم والتعجب من حالهم، فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ وأم (١) منقطعة، مقدرة ببل الإضرابية، وبالهمزة، على أنها للإنكار والتوبيخ، والتعجب من شأنهم، وتنكير بنات لتربية الحقارة، كما أن تعريف البنين في قوله: ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ لتربية الفخامة، وقدم البنات لكون المنكر عليهم نسبتهن إلى الله تعالى، فكان ذكرهن أهم بالنظر إلى مقصود المقام، والالتفات إلى خطابهم لتأكيد الإلزام وتشديد التوبيخ، والإصفاء: الإيثار.
والمعنى (٢): بل أأتخذ من خلقه البنات، التي هي أخس الصنفين، واختار لكم البنين، الذين هم أفضلهما على معنى: هبوا أنكم اجترأتم على إضافة جنس الولد إليه سبحانه وتعالى، مع ظهور استحالته وامتناعه، أما كان لكم شيء من العقل، ونبذة من الحياء، حتى اجترأتم على ادعاء أنه تعالى آثركم على نفسه، بخير الصنفين وأعلاهما، وترك لنفسه شرهما وأدناهما، فإن الإناث كانت أبغض الأولاد عندهم، ولذا وأدوهن، ولو اتخذ لنفسه البنات، وأعطى البنين لعباده، لزم أن يكون حال العبد أكمل، وأفضل من حال الله، ويدفعه بديهة العقل، فما أنتم إلا حمقى جهلاء، ونحو الآية قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ جائرة.
(٢) روح البيان.
والمعنى: وإذا أخبر أحد المشركين بولادة ما جعله مثلًا للرحمن، وشبيهًا له تعالى، إذ الولد لا بد أن يجانس الوالد ويماثله ﴿ظَلَّ﴾ من الظلول بمعنى الصيرورة؛ أي: صار ﴿وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾؛ أي: شديد السواد من سوء ما بشر به، ولذا قيل: من رأى في المنام أن وجهه أسود، ولدت له بنت، ويحتمل أن يكون اسوداد الوجه عبارة عن الكراهة، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾؛ أي: حزين؛ أي: والحال أنه مملوء من الكرب والكآبة، يقال: رجل كظيم ومكظوم؛ أي: مكروب كما في "القاموس".
وقرىء (١): ﴿مسود ومسواد﴾ بالرفع، واسم ظل حينئذٍ إما ضمير يعود على أحد، وجملة ﴿وجهه مسود﴾ من المبتدأ والخبر خبرها، وإما وجه فمسود، خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو مسود، فتقع هذه الجملة موقع خبر ظل.
والمعنى (٢): أي وإذا بشر أحد هؤلاء المشركين، بما جعله مشابهًا للرحمن، وهو الأنثى.. أنف من ذلك، واغتم، وعلته الكآبة من سوء ما بشر به، فصار وجهه متغيرًا، وأضحى ممتلئًا غيظًا، شديد الحزن، كثير الكرب، فكيف تأنفون أنتم من البنات، وتنسبونها إلى الله سبحانه وتعالى.
ونحو الآية قوله تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)
(٢) التفسير المنير.
مَا لأَبِي حَمْزَةَ لَا يَأْتِيْنَا | يَظَلُّ فِيْ الْبَيْتِ الَّذِيْ يَلِينَا |
غَضْبَانَ أَنْ لَا نَلِدَ الْبَنِيْنَا | لَيْسَ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا مَا شِيْنَا |
يقول الفقير: هذه (٢) صفة المشركين، فإنهم جاهلون بالله، غافلون عن خفي لطفه، تحت جلي قهره، وأما الموحدون فحالهم الاستبشار، بما ورد عن الله أيا كان، إذ لا يفرقون بين أحد من رسله، كما أن الكريم لا يغلق بابه على أحد من الضيفان، والفاني عما سوى الله تعالى ليس له مطلب، وإنما مطلبه ما أراد الله تعالى.
١٨ - ثم كرر الإنكار وأكده، فقال: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ الهمزة فيه للاستفهام الإنكاري الاستقباحي داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، و ﴿مَن﴾ واقعة على الأنثى، والتنشئة: التربية، والحلية ما يتحلى به الإنسان ويتزين، والتقدير (٣): أيجترئون ويبلغون الغاية في إساءة الأدب ويجعلون لله تعالى الأنثى التي تنشأ وتربى وتكبر في الحلية والزينة لنقصها، إذ لو كملت في نفسها، لما تكملت بالزينة، وهي أيضًا ناقصة العقل، لا تقدر على إقامة الحجة عند الخصام كما قال ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: ذلك المنشأ في "الحلية" ذكر الضمير باعتبار لفظ من؛ أي: وهو مع ما ذكر من نقص ذاتها ﴿فِي الْخِصَامِ﴾؛ أي: مع من يخاصمه ويجادله؛ أي: في الجدال الذي لا يكاد يخلو الإنسان منه في العادة ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾؛ أي: غير قادر على تقرير دعواه، وإقامة حجته، كما يقدر الرجل عليه، لنقصان عقله وضعف رأيه، وربما يتكلم عليه، وهو يريد أن يتكلم له، وهذا بحسب الغالب، وإلا فمن الإناث من هو أهل الفصاحة، والفاضلات على الرجال.
(٢) روح البيان.
(٣) الفتوحات.
والمعنى (١): أي أو قد جعلوا لله الأنثى التي تتربى في الزينة، وإذا خوصمت لا تقدر على إقامة حجة، ولا تقرير دعوى، لنقصان عقلها وضعف رأيها، وما كان ينبغي لهم أن يفعلوا ذلك.
وفي قوله ﴿يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ إيمأ (٢) إلى ما فيهن من الدعة والراحة ورخاوة الخلق، بضعف المقاومة الجسمية واللسانية، كما أن فيه دلالة على أن النشوء في الزينة، ونعومة العيش من المعايب والمذام للرجال، وهو من محاسن ربات الحجال، فعليهم أن يجتنبوا ذلك، ويأنفوا منه، ويربؤوا بأنفسهم عنه، قال شاعرهم:
كُتِبَ القَتْلُ وَالْقِتَالُ عَلَيْنَا | وَعَلَى الْغَانِيَاتِ جَرُّ الذَّيُوْلِ |
وفيها إشارة (٣) إلى أن المرء المتزين كالمرأة، فالعاقل يكتفي بما يدفع الحر والبرد، ويجتهد في تزيين الباطن، فإنه المنظر الإلهي، ولو كانت للنساء عقول
(٢) المراغي.
(٣) روح البيان.
وقرأ الجمهور (١): ﴿ينشأ﴾ مبنيا للفاعل؛ أي: بفتح الياء وإسكان النون. وقرأ الجحدري في رواية مبنيا للمفعول مخففا. وقرأ ابن عباس وزيد بن علي والحسن ومجاهد والجحدري في رواية والأخوان - حمزة والكسائي - وحفص والمفضل وأبان وابن مقسم وهارون، عن أبي عمرو وخلف: بضم الياء، وفتح النون، وتشديد الشين، مبنيا للمفعول، وقرأ الحسن في رواية ﴿يناشؤ﴾ على وزن يفاعل، مبنيا للمفعول، والمناشاة بمعنى: الإنشاء. كالمعالاة بمعنى الإعلاء، واختار قراءة الجمهور أبو حاتم، واختار أبو عبيد قراءة ابن عباس، قال الهروي الفعل على القراءة الأولى لازم، وعلى الثانية متعد
١٩ - ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ﴾؛ أي: سموا الملائكة ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ وحكموا لهم بذلك، وهذا بيان لتضمن كفرهم المذكور لكفر آخر، وتقريع لهم بذلك، وهو جعلهم أكمل العباد، وأكرمهم على الله، أنقصهم رأيا وأخسهم صنفا، وفيه رد لقولهم: الملائكة بنات الله، وفي قولهم هذا كفر من ثلاثة أوجه:
١ - أنهم نسبوا إلى الله الولد.
٢ - أنهم أعطوه أخس النصيبين.
٣ - أنهم استخفوا بالملائكة بجعلهم إناثا، وقرأ الجمهور: ﴿إِنَاثًا﴾، وقرأ زيد بن علي ﴿أنثا﴾: جمع الجمع.
وقرأ عمر بن الخطاب والحسن وأبو رجاء وقتادة وأبو جعفر وشيبة والأعرج والابنان - ابن كثير وابن عامر - ونافع: ﴿عند الرحمن﴾ بالنون ظرفا، وهو أدل على رفع المنزلة، وقرب المكانة، لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾، وقرأ عبد الله وابن عباس وابن جبير وعلقمة وباقي السبعة: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ جمع عبد لقوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾، وقرأ الأعمش ﴿عباد الرحمن﴾ جمعًا، وبالنصب
وقد رد الله سبحانه وتعالى مقالهم، فقال: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ والهمزة للاستفهام الإنكاري، وهو من الشهود (١) بمعنى الحضور، لا من الشهادة؛ أي: أحضروا خلق الله تعالى إياهم، فشاهدوهم إناثًا حتى يحكموا بأنوثتهم، فإن ذلك إنما يعلم بالمشاهدة، وهو تجهيل لهم وتهكم بهم، فإنهم إنما سمعوه من آبائهم، وهم أيضًا كذابون جاهلون، وفيه تخطئة للمنجمين، وأهل الحكمة المموهة في كثير من الأمور، فإنهم بعقولهم القاصرة حكموا على الغيب.
قال العماد الكاتب: أجمع المنجمون في سنة اثنتين وثمانين، وخمس مئة في جميع البلاد، على خراب العالم في شعبان، عند اجتماع الكواكب الستة، في الميزان، بطوفان الريح، وخوفوا بذلك ملوك الأعاجم والروم، فشرعوا في حفر مغارات، ونقلوا إليها الأزواد، والماء، وتهيؤوا، فلما كانت الليلة التي عينها المنجمون، بمثل ريح عاد، ونحن جلوس عند السلطان، والشموع تتوقد فلا تتحرك، ولم نر ليلة في ركودها مثلها.
ونحو الآية قوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠)﴾ وفي هذا تجهيل لهم، ورمي لهم بالسفه والحمق، وقرأ الجمهور (٢): ﴿أَشَهِدُوا﴾: بهمزة الاستفهام، داخلة على شهدوا، ماضيًا مبنيًا للفاعل؛ أي: أحضروا خلقهم، وليس ذلك من شهادة تحمل المعاني التي تطلب أن تؤدى، وقرأ نافع بهمزة استفهام، داخلة على أشهدوا رباعيًا، مبنيًا للمفعول ﴿أشهدوا﴾: بلا مد بين الهمزتين، ورُوي عنه بمدة بينهما، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد، وفي رواية أبي عمرو، ونافع بتسهيل الثانية بلا مد، وقرأ جماعة كذلك بمد بينهما، وعن علي والمفضل عن عاصم، تحقيقهما بلا مد، وقرأ الزهري وناس
(٢) البحر المحيط.
وقيل: سألهم الرسول - ﷺ -: "ما يدريكم أنهم إناث"، فقالوا: سمعنا ذلك من آبائنا، ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا، فقال الله تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ عنها في الآخرة؛ أي: ستكتب شهادتهم هذه، التي شهدوا بها في الدنيا، أي: يكتب الملك ما شهدوا به على الملائكة، في ديوان أعمالهم، ويسألون عنها يوم القيامة، ليأتوا ببرهان على صحتها، ولن يجدوا لذلك سبيلًا.
وقال سعدي المفتي (١): السين في ﴿سَتُكْتَبُ﴾ للتأكيد، ويحتمل أن تكون للاستعطاف إلى التوبة، قبل كتابة ما قالوه، وفي الحديث: "كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على يساره، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرًا، وإذا عمل سيئة، قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبح الله أو يستغفره". وفي هذا دليل على أن القول بغير برهان منكر، وأن التقليد لا يغني من الحق شيئًا، ثم في الآية إشارة إلى أن الله تعالى أمهل عباده، ولم يأخذهم بغتة في الدنيا، ليرى العباد أن العفو والإحسان، أحب إليه من الأخذ والانتقام، وليتوبوا من الكفر والمعاصي.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿سَتُكْتَبُ﴾ بالتاء من فوق، مبنيًا للمفعول، ﴿شَهَادَتُهُمْ﴾ بالرفع مفردًا، وقرأ الزبيري كذلك، إلا أنه بالياء، وقرأ الحسن كذلك إلا أنه بالتاء، وجمع شهادتهم، وقرأ ابن عباس وزيد بن علي وأبو جعفر وأبو حيوة وابن أبي عبلة والجحدري والأعرج ﴿سنكتب﴾ بالنون مبنيًا للفاعل. ﴿شهادتهم﴾: على الإفراد، وقرأت فرقة ﴿سيكتب﴾ بالياء مبنيًا للفاعل؛ أي: الله ﴿شهادتهم﴾ بالنصب.
٢٠ - ثم حكى الله سبحانه وتعالى عنهم، فنًّا آخر من فنون كفرهم بالله، جاؤوا به
(٢) البحر المحيط.
إحداهما: أن عبادتهم لهم بمشيئة الله تعالى.
والثانية: أن ذلك مستلزم لكونها مرضية عنده تعالى، ولقد أخطؤوا في الثانية. حيث جهلوا أن المشيئة عبارة عن ترجيح بعض الممكنات على بعض كائنًا ما كان، من غير اعتبار الرضى والسخط في شيء من الطرفين.
والمعنى (٢): أي وقال عباد الملائكة: لو أراد الله تعالى عدم عبادتنا للملائكة ما عبدناهم، فإنه قادر على أن يحول بيننا وبين عبادة هذه الأصنام، التي هي على صورة الملائكة التي هي بنات الله، فإنه عالم بذلك، وهو قد أقرنا عليه، فنحن لا نؤاخذ بذلك، إذ هو وفق مشيئته تعالى، ويريدون بذلك القول أن الله راض بعبادتهم للأصنام، وهو احتجاج بالقدر، وكلمة حق يراد بها باطل، لأن المشيئة لا تستلزم الأمر إذ هي بترجيح بعض الممكنات على بعض بحسب... ؟ والله يأمر بالخير والإيمان ونحن لا نعلم مشيئته أو إرادته إلا بعد وقوع الفعل منا، وقد جمعوا في هذا القول أفانين من الكفر وضروبًا من الترهات والأباطيل ذكره ابن كثير ومنها:
١ - أنهم جعلوا لله ولدًا، تقدس سبحانه وتعالى عن ذلك.
٢ - دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين، إذ جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا.
٣ - عبادتهم لهم بلا دليل ولا برهان، ولا إذن من الله عز وجل، بل بالرأي
(٢) المراغي.
٤ - احتجاجهم بتقدير الله ذلك، وقد جهلوا في هذا جهلًا كبيرًا، فإنه تعالى أنكر ذلك عليهم أشد الإنكار، فإنه منذ أن بعث الرسل وأنزل الكتب، يأمر بعبادته وحده لا شريك له، وينهى عن عبادة سواه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾. وقال عز وجل: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾. ونحو الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾.
ثم رد الله سبحانه عليهم مقالهم، وبين جهلهم بقوله: ﴿مَا لَهُم﴾؛ أي: ما لهؤلاء المشركين ﴿بِذَلِكَ﴾؛ أي (١): بصحة ما قالوا، واحتجوا به من كون ما فعلوه بمشيئة الارتضاء، لا بمطلق المشيئة، فإن ذلك أمر محقق، ينطق به ما لا يحصى من الآيات الكريمة ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ ويقين يستند إلى دليل وبرهان ما ﴿إِنْ هُمْ﴾؛ أي: ما هم ﴿إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾؛ أي: يكذبون، فإن الخرص: الكذب، وكل قول بالظن والتخمين سواء طابق الواقع أو لا؛ أي: ما هم إلا كاذبون فيما قالوا، متمحلون تمحلًا باطلًا، متقولون على الله ما لم يقله، فإن الله يأمر بالحق والإيمان والخير، ولا يرضى لعباده الكفر والفحشاء، والآية دليل على جهلهم الفاضح وكذبهم وافترائهم الباطل، وقاله هنا بلفظ ﴿يَخْرُصُونَ﴾، وفي الجاثية بلفظ ﴿يَظُنُونَ﴾؛ لأن ما هنا متصل بقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية؛ أي: قالوا: الملائكة بنات الله، وأن الله سبحانه قد شاء منا عبادتنا إياهم، وهذا كذب، فناسبه ﴿يَخْرُصُونَ﴾، وما هناك متصل بخلطهم الصدق بالكذب، فإن قولهم: نموت ونحيا صدق، وكذبوا في إنكارهم البعث، وقولهم: وما يهلكنا إلا الدهر، فناسبه ﴿يَظُنُونَ﴾؛ أي: يشكون فيما يقولون، اهـ "كرخي".
٢١ - وبعد أن بين بطلان قولهم بالعقل، أتبعه ببطلانه بالنقل، فقال: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾ أم منقطعة، تقدر ببل الإضرابية وبهمزة الاستفهام الإنكاري؛ أي: بل أأعطيناهم ﴿كِتَابًا﴾ ينطق بصحة ما يدعونه من عبادة غير الله، وكون الملائكة بناته ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: من قبل القرآن، أو من قبل الرسول - ﷺ - أو من قبل ادعائهم هذه الدعوى ﴿فَهُمْ بِهِ﴾؛ أي: بذلك الكتاب المعطى لهم ﴿مُسْتَمْسِكُونَ﴾؛ أي: متمسكون آخذون عاملون به، وعليه معولون.
والمعنى (١): أي بل أأعطيناهم كتابًا من قبل هذا القرآن ينطق بصحة ما يدّعون مكتوبًا فيه اعبدوا غير الله فهم بذلك الكتاب متمسكون وعليه معولون؛ أي: وليس الأمر كذلك.
٢٢ - والخلاصة: أنه لا كتاب لهم، ولما بين أنهم لا حجة لهم على ذلك من عقل ولا نقل.. ذكر أن الحامل لهم على ما جنحوا إليه إنما هو التقليد، فقال: ﴿بَلْ قَالُوا﴾؛ أي: بل لا حجة لهم يتمسكون بها، لا من حيث العيان ولا من حيث العقل ولا من حيث السمع إلا قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ وأسلافنا ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾؛ أي: على دين وطريقة ساروا عليها في عبادتهم الأصنام فقلدناهم ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ ورأيهم؛ أي: على دينهم وطريقتهم ﴿مُهْتَدُونَ﴾؛ أي: سائرون سالكون، و ﴿مهتدون﴾ خبر ﴿إنا﴾ والظرف صلة له، قدم عليه للاختصاص واستعمل بعلى لتضمنه معنى الثبوت؛ أي: ثابتون مستمرون على طريقتهم، وهذا اعتراف صريح منهم بأنه ليس لهم مستند ولا حجة.
والمعنى: أي ليس لهم مستند على ما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد، وقد قالوا: إنهم أرجج منا أحلامًا وأصح أفهامًا ونحن سائرون على طريقتهم وسالكون نهجهم ولم نأت بشيء من عند أنفسنا ولم نغلط في الاتباع
كُنَّا عَلَى أُمَّةِ ابائِنَا | وَيَقْتَدِيْ بِالأوّلِ الآخِرُ |
وقرأ الجمهور (١): ﴿أمة﴾ بضم الهمزة أي على دين. وقرأ عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة والجحدري بكسر الهمزة وهي الطريقة الحسنة، لغة في الأمة بالضم، قاله الجوهري. وقرأ ابن عباس ﴿أمة﴾ بفتح الهمزة؛ أي: على قصد وحال، والخلاف في الحرف الثاني كهو في الأول.
٢٣ - ثم بين سبحانه، أن مقال هؤلاء قد سبقهم إلى مثله أشباههم، ونظراؤهم من الأمم السالفة، المكذبة للرسل، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي (٢): والأمر كما ذكر من عجزهم عن الحجة، وتشبثهم بذيل التقليد، فهو خبر لمبتدأ محذوف، كما قدرنا، وما بعده مستأنف ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمد ﴿فِي قَرْيَةٍ﴾ من القرى ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾؛ أي: من نبي منذر قومه من عذاب الله ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾؛ أي: متنعموها وأغنياؤها وجبابرتها ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ وأسلافنا ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾؛ أي: على طريقة ودين ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ وطريقتهم ﴿مُقْتَدُونَ﴾؛ أي: متبعون وقوله: ﴿مَا أَرْسَلْنَا﴾ كلام مستأنف قال على أن التقليد فيما بينهم ضلال قديم، ليس لأسلافهم أيضًا سند غيره، وخص (٣) المترفين بتلك المقالة، للإيذان بأن التنعيم وحب الطالة، هو الذي صرفهم عن النظر إلى التقليد، يقال: أترفته النعمة أطغته، والمراد بالمترفين: الأغنياء والرؤساء، الذين أبطرتهم النعمة وسعة العيش في الدنيا، وأشغلتهم عن نعيم الآخرة، ويدخل فيهم كل من يتمادى في الشهوات، ويتبالغ في النفرة من لوازم الدين، من الشرائع والأحكام، ويحتمل كون كذلك صفةً لمصدر محذوف مع فعله، والمعنى عليه؛ أي (٤): ومثل هذا
(٢) روح البيان.
(٣) روح البيان.
(٤) المراغي.
ونحو الآية قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ وإنما قال أولًا: ﴿مُهْتَدُونَ﴾. وثانيًا: ﴿مُقْتَدِرُونَ﴾؛ لأن الأول وقع في محاجتهم النبي - ﷺ -، وادعائهم أن آباءهم كانوا مهتدين، وأنهم مهتدون كآبائهم، فناسبه ذكر ﴿مُهْتَدُونَ﴾ والثاني، وقع حكاية عن قوم، ادعوا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء، فناسبه ذكر ﴿مُقْتَدِرُونَ﴾، وفي هذا تسلية لرسول الله - ﷺ -، ودلالة على أن التقليد في نحو ذلك، ضلال قديم.
٢٤ - ثم ذكر تعالى جواب الرسل لأقوامهم عن التقليد، فقال: ﴿قَالَ﴾ كل نذير من أولئك المنذرين لأممهم، عند تعللهم بتقليد آبائهم ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ الهمزة: للاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار، داخلة على محذوف. والواو: عاطفة على ذلك المحذوف؛ أي: أتقتدون بآبائكم ولو جئتكم ﴿بِأَهْدَى﴾؛ أي: بدين أهدى وأرشد ﴿مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾؛ أي: من الضلالة التي ليست من الهداية في شيء وإنما عبر عنها بذلك، مجاراة معهم على مسلك الإنصاف؛ أي: قال لهم رسولهم: أتتبعون آباءكم، وتسيرون على طريقتهم، ولو جئتكم من عند ربكم بدين أهدى إلى طريق الحق، وأدل على سبيل الرشاد، مما وجدتم عليه آباءكم من الدين والملة.
وتلخيص ذلك: أتتبعون آباءكم وتقلدونهم، ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم، وقرأ ابن عامر وحفص: ﴿قال أولو جئتكم﴾ بصيغة الماضي، وقرأ الجمهور ﴿قل﴾ بصيغة الأمر؛ أي: قل يا محمد لقومك: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من الدين، الذي وجدتم عليه آباءكم. وهذا تجهيل لهم، حيث
٢٥ - ومن ثم قال: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾؛ أي: من هؤلاء المكذبين لرسلهم الجاحدين بربهم بالاستئصال، وذلك الانتقام مثل ما أوقعه بقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، من الأمم المكذبة لرسلها، أو بالقحط والقتل والسبي، كما في هذه الأمة ﴿فَانْظُرْ﴾ أيها الرسول ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ من الأمم المذكورة؛ أي: كيف كان عاقبة أمرهم ومآله، حين كذبوا بآياتنا، ألم نهلكهم ونجعلهم عبرة لغيرهم، فأنت لا تكترث بتكذيب قومك، فإن الله ينتقم منهم باسم المنتقم، القاهر القابض، كما انتقم من أولئك الأمم المكذبة لرسلها.
وفي هذا تسلية لرسوله - ﷺ -، وإرشاد له إلى عدم الاكتراث بتكذيب قومه له، ووعيد وتهديد لهم.
وحاصل معنى الآية (٢): أي قالوا: لا نعمل برسالتك، ولا سمع لك، ولا طاعة، وإنا كافرون جاحدون بما أرسلتم به، ومستمرون ثابتون على دين الآباء والأسلاف، والمراد: أنهم لو علموا وتيقنوا صحة ما جئتهم به أيها الرسول، لما انقادوا لذلك، لسوء قصدهم ومكابرتهم للحق وأهله، وقوله: ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ﴾ يعني: بكل ما أرسل به الرسل، فالخطاب للنبي - ﷺ -، ولفظه لفظ الجمع؛ لأن
(٢) التفسير المنير.
الإعراب
﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)﴾.
﴿حم (١)﴾: تقدم القول فيه معنى وإعرابًا، فلا عود ولا إعادة، ﴿وَالْكِتَابِ﴾: ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم، ﴿الكتاب﴾: مقسم به، مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم، محذوف وجوبًا، وجملة القسم مسأنفة، أو معطوفة على القسم قبله، إن قلنا إن ﴿حم﴾ قسم أيضًا، ﴿الْمُبِينِ﴾: صفة لـ ﴿الكتاب﴾، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿جَعَلْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿قُرْآنًا﴾: مفعول ثان، ﴿عَرَبِيًّا﴾: صفة ﴿قُرْآنًا﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ﴿لعل﴾ حرف نصب وتعليل، مستعارة لكي التعليلية، والكاف: اسمها، وجملة ﴿تَعْقِلُونَ﴾: خبرها، وجملة ﴿لعل﴾: جملة تعليلية، لا محل لها من الإعراب، أو مجرورة بلام التعليل، المقدرة المتعلقة بـ ﴿جَعَلْنَاهُ﴾، ﴿وَإِنَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إنّه﴾: ناصب واسمه، ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾: متعلق بمحذوف خبر ﴿إنّ﴾؛ أي: مثبت ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾، ﴿لَدَيْنَا﴾ ظرف متعلق بمحذوف حال من ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ أو بدل من الجار والمجرور قبله؛ أي: محفوظ الدينا، ﴿لَعَلِيٌّ﴾: اللام: حرف ابتداء، ﴿عليّ﴾: خبر ثان لـ ﴿إنّ﴾، ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثالث لها، وجملة ﴿إنّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إنّ﴾ الأولى، على كونها جوابًا
﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾.
﴿وَكَمْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿كم﴾: خبرية، بمعنى عدد كثير، في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ وجوبًا، مبني على السكون لشبهها بالحرف شبهًا معنويًا، ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾: تمييز لـ ﴿كم﴾ الخبرية، ﴿فِي الْأَوَّلِينَ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية، ﴿يَأْتِيهِمْ﴾: فعل مضارع، ومفعول به، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿نَبِيٍّ﴾: فاعل
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)﴾.
﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم، ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾: فعل ماض وفاعل ومفعول أول، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: خبره، والجملة الاستفهامية في محل النصب، مفعول ثاني لـ ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾ المعاقة عن العمل بالاستفهام. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾: اللام: واقعة في جواب القسم، مؤكدة الأولى؛ لأنه المتقدم كما هي القاعدة، ﴿يقولن﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والنون للتوكيد، ولو كان مجزومًا في جواب الشرط لكان الحذف للجازم، ولكنه لا يجوز للقاعدة، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم، تقديره: وإن سألتهم من خلق السموات والأرض؟ يقولوا: خلقهن العزيز العلم، وجملة الشرط معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين القسم وجوابه، ﴿خَلَقَهُنَّ﴾: فعل ومفعول، ﴿الْعَزِيزُ﴾: فاعل، ﴿الْعَلِيمُ﴾: صفة لـ ﴿الْعَزِيزُ﴾، وكرر الفعل للتأكيد، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول ليقولن، ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الرفع،
﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)﴾.
﴿وَالَّذِي﴾: معطوف على الموصول الأول، وجملة ﴿نَزَّلَ﴾: صلته، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿نَزَّلَ﴾، ﴿مَا﴾: مفعول به، ﴿بِقَدَرٍ﴾: متعلق بـ ﴿نَزَّلَ﴾ أيضًا، أو صفة لـ ﴿مَا﴾، ﴿فَأَنْشَرْنَا﴾: الفاء: عاطفة، ﴿أنشرنا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿نَزَّلَ﴾، وفيه التفات، وسيأتي سره في مبحث البلاغة. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أنشرنا﴾، ﴿بَلْدَةً﴾ مفعول به، ﴿مَيْتًا﴾: صفة ﴿بَلْدَةً﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف، ﴿تُخْرَجُونَ﴾: فعل ونائب فاعل؛ أي: تخرجون من قبوركم بالبعث، إخراجًا. مثل إخراج النبات من الأرض، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿وَالَّذِي﴾: معطوف أيضًا على الموصول الأول. ﴿خَلَقَ﴾: فعل وفاعل مستتر، ﴿الْأَزْوَاجَ﴾: مفعول به، ﴿كُلَّهَا﴾: توكيد لـ ﴿الأزواج﴾، ﴿وَجَعَلَ﴾: معطوف على ﴿خَلَقَ﴾، داخل في حيز الصلة، ﴿لَكُمْ﴾: في محل المفعول الثاني لـ ﴿جعل﴾، ﴿مِنَ الْفُلْكِ﴾ حال من ﴿مَا﴾ الموصولة المذكورة بعده، ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ معطوف على ﴿الْفُلْكِ﴾، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول أول لـ ﴿جعل﴾، وجملة ﴿تَرْكَبُونَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما تركبونه.
﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾.
﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾.
﴿وَجَعَلُوا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿جعلوا﴾: فعل وفاعل، ﴿لَهُ﴾ في محل المفعول الثاني. ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾: حال من ﴿جُزْءًا﴾، و ﴿جُزْءًا﴾ مفعول أول لـ ﴿جعل﴾، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَكَفُورٌ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿كفور﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ﴿كفور﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة، لتعليل ما قبلها، ﴿أَمِ﴾: منقطعة، بمعنى بل الإضرابية،
﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾.
﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، والواو: عاطفة لفعل محذوف على ذلك المحذوف، والتقدير: أيجترؤون على الله، ويبالغون في إساءة الأدب، ويجعلون لله من ينشَّأ في الحلية، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿يجعلون﴾: فعل وفاعل، ﴿لله﴾: في محل المفعول الثاني، ﴿من﴾: اسم موصول، في محل النصب مفعول أول، لـ ﴿يجعلون﴾ المقدر، ﴿يُنَشَّأُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ الموصولة، ﴿فِي الْحِلْيَةِ﴾ متعلق بـ ﴿يُنَشَّأُ﴾، ﴿وَهُوَ﴾: ﴿الواو﴾ حالية. هو: مبتدأ، ﴿فِي الْخِصَامِ﴾: متعلق بـ ﴿مُبِينٍ﴾ المذكور بعده، ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾ خبر المبتدأ، والجملة
﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾.
﴿وَقَالُوا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿قالوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان نوع آخر من أنواع كفرهم، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿شَاءَ الرَّحْمَنُ﴾: فعل وفاعل، ومفعول المشيئة محذوف تقديره: عدم عبادتنا الملائكة، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿مَا﴾: نافية، ﴿عَبَدْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾، ﴿مَا﴾: نافية. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿بِذَلِكَ﴾: متعلق بـ ﴿عِلْمٍ﴾ المذكور بعده ﴿من﴾: زائدة، ﴿عِلْمٍ﴾ مبتدأ مؤخر، ولك أن تجعل ﴿مَا﴾ حجازية، على رأي من يجيز تقديم خبرها على اسمها، والجملة مستأنفة، ﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، وجملة ﴿يَخْرُصُونَ﴾: خبر المبتدأ؛ أي: ما هم إلا خارصون كاذبون، والجملة مستأنفة، ﴿أَمْ﴾: منقطعة، بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري، ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿كِتَابًا﴾: مفعول ثان، والجملة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ متعلق بـ ﴿آتينا﴾، أو صفة لـ ﴿كِتَابًا﴾، ﴿فَهُمْ﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع، ﴿هُمْ﴾:
﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿كذلك﴾: جار ومجرور، خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: والأمر كائن كذلك، والجملة مستأنفة مستقلة جيء بها للتخلص، والانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿أَرْسَلْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان أن التقليد بهم ضلال قديم، ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿فِي قَرْيَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ أيضًا، أو حال من ﴿نَذِيرٍ﴾، ﴿مِنْ﴾ زائدة، ﴿نَذِيرٍ﴾: مفعول ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من أعم الأحوال، ﴿قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب على الحال؛ أي: وما أرسلنا من نذير في قرية، في حال من الأحوال، إلا حال كون مترفيها قائلين: إنا وجدنا آباءنا إلخ. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾ في محل المفعول الثاني لـ ﴿وَجَدْنَا﴾، وجملة ﴿وَجَدْنَا﴾: خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿مُقْتَدُونَ﴾، و ﴿مُقْتَدُونَ﴾: خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إنّ﴾ الأولى.
﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿حم (١)﴾ هذه الحروف المقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن، وعلى خطورة الأحكام المبينة في السورة. ﴿وَالْكِتَابِ﴾ القرآن. ﴿الْمُبِينِ﴾؛ أي: الموضح لطريق الهدى، المبعد من الضلالات، قال الراغب: قوله: ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾؛ أي: في اللوح المحفوظ. والكتاب في الأصل: اسم للصحيفة مع المكتوب فيها. ﴿أَفَنَضْرِبُ﴾ يقال: ضربت عنه، وأضربت عنه؛ أي: تركته،
﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾، وفي "المبصاح": ونشر الموتى نشورًا. أحياهم ونشرهم الله يتعدى ولا يتعدى، ويتعدى بالهمزة أيضًا، فيقال: أنشرهم الله، ونشرت الأرض نشورًا أيضًا حييت وأنبتت، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أنشرتها إذا أحييتها بالماء، والإنشار: الإحياء. ﴿مَيْتًا﴾ مخفف من الميت بالتشديد؛ أي: خاليةً عن النماء والنبات بالكلية. ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أصله: تستويون استثقلت الضمة على الياء، فحذفت تخفيفًا، فلما سكنت التقى ساكنان، فحذفت الياء وضمت الواو، لمناسبة واو الجماعة بعدها، فوزنه لتفتعوا؛ لأن نون الرفع حذفت للناصب بعد لام التعليل. ﴿مُقْرِنِينَ﴾ مطيقين، يقال: أقرن الشيء إذا أطاقه. قال الزمخشري: وحقيقة أقرنه وجده قرينته وما يقرن به لأن الصعب لا يكون قرينةً للضعيف، وقال الأخفش وأبو عبيدة: ومقونين ضابطين. وقيل: مماثلين في الأيدي، والقوة من قولهم: هو قرن فلان، إذا كان مثله في القوة، ويقال: فلان مقرن لفلان؛ أي: ضابط له، وأقرنت كذا؛ أي: أطقته، وأقرن له أطاقه وقوي عليه، كأنه صار له قرنًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾؛ أي: مطيقين. قال في "القاموس": أقرن للأمر، أطاقه وقوي عليه، كاستقرن،
﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ والجعل هنا، بمعنى: الحكم بالشيء، والاعتقاد به، يقال: جعلت زيدًا أفضل الناس؛ أي: حكمت به ووصفته. وقال في "القاموس": الجزء البعض، وأجزأت الأم ولدت الإناث، ويفتح، والجمع أجزاء، وبالضم موضع ورملٌ، وَجَزأَهُ كَجَعَلَهُ قَسَّمَهَ أجزاءً كَجَزّأَهَ بالتضعيف وبالشيء اكتفى، كاجتزأ وتجزأ.
﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ أصله: أصفوكم من الصفوة قلبت الواو ياءً. لوقوعها رابعةً، ثم قلبت ألفًا لتحركها بعد فتح، ومعناه: اختار لكم. ﴿ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ﴾؛ أي: جعل ﴿مَثَلًا﴾؛ أي: مشابهًا بنسبة البنات إليه؛ لأن الولد يشبه الوالد. ﴿كَظِيمٌ﴾؛ أي: ممتلىء غيظًا وغمًا. ﴿يُنَشَّأُ﴾؛ أي: يربى. ﴿فِي الْحِلْيَةِ﴾؛ أي: في الزينة، والحلية ما يتحلى به الإنسان ويتزين، والجمع حلي بكسر الحاء وضمها وفتح اللام. ﴿يَخْرُصُونَ﴾؛ أي: يكذبون. وفي "المصباح": وخرص الكافر خرصًا، من باب قتل كذب فهو خارص. وفي "القاموس" و"التاج": الخراص الكذاب. وقال الراغب: الخرص: كل قول مقول عن ظن وتخمين، يقال له: خرص، سواء كان ذلك مطابقًا للشيء، أو مخالفًا له، من حيث إن صاحبه لم يقله عن علم، ولا غلبة ظن، ولا سماع، بل اعتمد فيه على الظن والتخمين، كفعل الخارص في خرصه، وكل من قال قولًا على هذا النحو، يسمى كاذبًا. وإن كان مطابقًا للقول المخبر به.
﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ يقال: استمسك به إذا اعتصم به. وفي "المفردات": إمساك الشيء: التعلق به وحفظه، واستمسكت بالشيء، إذا تحريت الإمساك، انتهى. ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾ الأمة: الدين والطريقة التي تؤم؛ أي: تقصد. قال الراغب: الأمة كل جماعة يجمعهم أمر، إما دين واحد أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان الأمر الجامع تسخيرًا أو اختيارًا. ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ وفي "الروح": الأثر بفتحتين بقية الشيء. والآثار الأعلام، وسنن النبي - ﷺ - آثاره، قال الراغب: أثر الشيء حصول ما يدل على وجوده، ومن هذا يقال للطريق المستدل به على
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: فن التناسب في قوله: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ الآية، فقد أقسم سبحانه بالقرآن، وإنما يقسم بعظيم، ثم جعل المقسم عليه تعظيم القرآن، بأنه قرآن عربي، مرجو له أن يعقل به العالمون، فكان جواب القسم مصصحًا للقسم، وتم التناسب بين القسم والمقسم به؛ لأنهما من واد واحد.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾؛ لأن لفظ الأم حقيقة في الأنثى الوالدة، فاستعار للوح المحفوظ، بجامع الأصالة في كل.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ لأنه استعار كلمة ﴿لعل﴾ الموضوعة للترجي، والتوقع لمعنى كي، وهو التعليل لكون حقيقة الترجي والتوقع ممتنعةً في حقه تعالى، لكونها مختصةً بمن لا يعلم عواقب الأمور.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ شبه حال الذكر وتنحيته، بحال غرائب الإبل وذود هاشم، استعمل ما كان مستعملًا في تلك القصة هاهنا، بجامع التنحية والإبعاد في كل.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾؛ أي: كالمهد والفراش، حذفت من الأداة، ووجه الشبه فأصبح بليغًا.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿فَأَنْشَرْنَا﴾؛ لأن الإنشار حقيقة في إحياء الصيت وبعثه، فاستعاره لإنبات الأرض فاستعير الإنشار بمعنى إحياء الأموات لإنبات الأرض، فاشتق منه أنشرنا، بمعنى: أنبتنا على طريقة الاستعارة التبعية.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى التكلم، حيث عبر بنون العظمة، لإظهار كمال العناية بأمر الإحياء، والإشعار بعظم خطره.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ حيث استعار الميت، الذي هو حقيقة فيمن خرجت روحه، للمكان الخالي من النبات.
ومنها: التعبير عن إخراج النبات بالإنشار، الذي هو إحياء الموتى حيث قال: ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ﴾، وعن إحياء الموتى بالإخراج حيث قال: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ تفخيمًا لشأن الإنبات، وتهوينًا لأمر البعث، لتقويم سند الاستدلال، وتوضيح منهاج القياس.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ فقد حذف الموصوف، وهو الله تعالى، وأقام صفاته مقامه؛ لأن الكلام مجزأ، فبعضه من قولهم، وبعضه من قول الله تعالى، فالذي هو من قولهم: خلقهن، وما بعده، هو من قول الله تعالى، وأصل الكلام أنهم قالوا: خلقهن الله، بدلالة قوله في آية أخرى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ثم لما قالوا: خلقهن الله، وصف الله تعالى ذاته بهذه الصفات، وأقيمت مقام الموصوف، كأنه كلام واحد، ونظير هذا أن تقول للوجل: من أكرمك من القوم؟ فيقول: أكرمني زيد، فتقول: أنت، واصفًا له، الكريم الجواد المفضال الذي من صفته كذا وكذا.
ومنها: تعريف البنين في قوله: ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ لتربية الفخامة.
ومنها: الالتفات من الخطاب في قوله: ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾ للإيذان باقتضاء ذكر قبائحهم أن يعرض عنهم، ويحكي لغيرهم تعجبًا منها.
ومنها: التأكيد بـ ﴿إنَّ﴾ واللام، مع صيغة المبالغة في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُور﴾؛ لأن فعولًا وفعيلًا من صيغ المبالغة.
ومنها: الأسلوب التهكمي للتوبيح والتقريع في قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)﴾.
ومنها: الطباق بين لفظ البنين والبنات.
ومنها: التجهيل لهم والتهكم بهم في قوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ فإنهم إنما سمعوه من آبائهم وهم أيضًا كذابون جاهلون.
ومنها: فن الإلجاء في قوله: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ وهو أن يبادر المتكلم الخصم، بما يلجئه إلى الاعتراف بحقيقة نفسه، ودخيلة قلبه، فالتعبير في الآية بالتفضيل المقتضي أن ما عليه آباؤهم فيه هداية، لم يكن إلا لإلجائهم إلى الاعتراف بحقيقة نياتهم، التي يضمرونها، كأنه يتنزل معهم إلى أبعد الحدود، ويرخي لهم العنان إلى أقصى الآماد، ليعترفوا التالي بمكابرتهم التي لا تجدي معها المناصحة في القول، ولا ينفع في تذليلها الإتيان بالحجة.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥) وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦)...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه سبحانه وتعالى لما ذكر (١) في الآية السالفة أن الذي دعا الكفار إلى اعتناق العقائد الزائغة، هو تقليد الآباء والأجداد، وبين أنه طريق باطل ونهج فاسد، وأن الرجوع إلى الدليل أولى من التقليد.. أردف هذا بأن ذكر لهم أن أشرف آبائهم، وهو إبراهيم عليه السلام، ترك دين الآباء، وحكم بأن اتباع الدليل أولى من متابعتهم، فيجب عليكم تقليده، وحين عدل عن طريق آبائه، جعل الله دينه باقيًا في عقبه إلى يوم القيامة، وأديان آبائه درست وبطلت.
ثم ذكر أن قريشًا وآباءهم مدَّ لهم في العمر والنعمة، فاغتروا بذلك واتبعوا الشهوات، وأعرضوا عن توحيد الله تعالى، وشكره على آلائه، حتى جاءهم الرسول منبهًا لهم، مذكرًا بالنظر إلى من فطرهم وفطر السموات والأرض، وآتاهم من فضله ما يتمتعون به من زينة هذه الحياة، فكذبوه وقالوا: ساحر كذاب، ثم حكى عنهم، قالوا: هلا نزل هذا القرآن على رجل عظيم الجاه، كثير المال، من إحدى القريتين، مكة والطائف، فرد عليهم مقالهم، بأنه قسم الحظوظ الدنيوية بين عباده، فجعل منهم الغني والفقير، والسيد والمسود، والملوك والسوقة، والأقوياء والضعفاء، ولم يغير أحد ما حكم به في أحوال دنياهم على حقارتها، فكيف يعترضون على حكمه فيما هو أرفع درجةً وأشرف غايةً وأعظم مرتبةً وهو منصب النبوة.
ثم ذكر أن التفاوت في شؤون الدنيا هو الذي يتم به نظام المجتمع، والسير به على النهج القويم، فلولاه ما صرف بعضهم بعضًا في حوائجه، ولا تعاونوا في تسهيل وسائل المعيشة، ثم أعقب هذا ببيان أنه لولا أن يرغب الناس في الكفر، إذا رأوا الكفار في سعة من الرزق، لمتعهم بكل وسائل النعيم، فجعل لبيوتهم
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما (١) بين أن المال متاع الدنيا، وهو عرض زائل، ونعيم الآخرة هو النعيم المقيم الدائم، الذي أعده الله سبحانه للمتقين.. ذكر هنا أن من فاز بالمال والجاه، صار كالأعشى عن ذكر الله، وصار من جلساء الشياطين، الضالين المضلين، الذين يصدونه عن السبيل القويم، ويظن أنه مهتد؛ لأنه يتلقى من الشياطين ما يلائم أخلاقه، فيألفه ولا ينكره، ثم ذكر أنه إذا جاء يوم القيامة، تبرأ الكافر من الشيطان قرينه، وقال له: ليت بيني وبينك بعدما بين المشرقين، ثم أعقب هذا ببيان أن اشتراك الكافر مع قرينه الشيطان في العذاب لا يخفف عنه شيئًا منه، لاشتغال كل منهما بن بنفسه.
ثم ذكر لرسوله أن دعوته لا تؤثر في قلوبهم، وقلما تجديهم المواعظ، فإذا أسمعتهم القرآن كانوا كالصم، وإذا أريتهم معجزاتك كانوا كالعمي، وإنما كانوا كذلك لضلالهم المبين، ثم سلى رسوله، وبين له أنه لا بد أن ينتقم منهم، إما حال حياته أو بعد موته، ثم أمره أن يستمسك بما أمره الله به، فيعمل بموجبه، فإنه الصراط المستقيم النافع في الدين والدنيا، وفيه الشرف العظيم له ولقومه، وسوف يسألون عما قاموا به من التكاليف التي أمرهم بها، ثم أرشد إلى أن بغض
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين أن كفار قريش طعنوا في نبوة محمد - ﷺ -، لكونه فقيرًا عدم المال والجاه.. بين هنا أن موسى بعد أن أورد المعجزات الباهرة، أورد فرعون هذه الشبهة التي ذكرها كفار قريش، فقال: إني غني كثير المال، عظيم الجاه، فلي ملك مصر، وهذه الأنهار تجري تحتي، وموسى فقير مهين، وليس له بيان ولا لسان، وهذا شبيه بما قاله كفار قريش، وأيضًا فإنه لما قال ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ ذكر هنا قصة موسى وعيسى عليهما السلام، وهما أكثر الأنبياء أتباعًا، وقد جاءا بالتوحيد، ولم يكن فيما جاءا به، إباحة اتخاذ آلهة من دون الله تعالى.
ثم ذكر سبحانه أن فرعون قال: هلا ألقي إلى موسى مقاليد الملك، فطوق بسوار من ذهب إن كان صادقًا، زعمًا منه أن الرياسة من لوازم الرسالة، أو جاء معه جمع من الملائكة يعينونه على من خالفه، وأعقب هذا، بأن ذكر أنه حين دعا قومه إلى تكذيب موسى في دعواه الرسالة، أطاعوه لضلالهم وغوايتهم، ولما لم تجد فيهم المواعظ غضبنا وانتقمنا منهم، وجعلناهم قدوةً للكافرين، وضربنا بهم الأمثال للناس ليكونوا عبرةً لهم.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ...﴾ الآيتين، سبب نزولهما (١): ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس: أن العرب قالوا: وإذا كان النبي بشرًا، فغير محمد - ﷺ - أحق بالرسالة، حيث قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ يكون أشرف من محمد - ﷺ -، يعنون: الوليد بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، فأنزل الله ردا عليهم: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه ابن أبي حاتم عن محمد بن عثمان المخزومي: أن قريشًا قالت: قيضوا لكل رجل من أصحاب محمد - ﷺ - رجلًا يأخذه، فقيضوا لأبي بكر الصديق طلحة بن عبيد الله، فأتاه وهو في القوم، فقال أبو بكر: إلام تدعوني، قال: أدعوك إلى عبادة اللات والعزى، قال أبو بكر: وما اللات؟ قال: ربنا، قال: وما العزى؟ قال: بنات الله، قال أبو بكر: فمن أمهم فسكت طلحة فلم يجبه، فقال طلحة لأصحابه: أجيبوا الرجل، فسكت القوم، فقال طلحة: قم يا أبا بكر أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فأنزل الله سبحانه هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ...﴾ سبب نزولها: ما رُوي: أنه كان رسول الله - ﷺ - يتعب نفسه في دعاء قومه، وهم لا يزيدون إلا غيًّا، فنزلت الآية ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
٢٦ - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾؛ أي: واذكر يا محمد لقومك قريش، وقت قول إبراهيم عليه السلام، بعد الخروج من النار ﴿لِأَبِيهِ﴾ تارخ الشهير بآزر، وكان ينحت الأصنام ﴿وَقَوْمِهِ﴾ المنْكَبِّين على التقليد وعبادة الأصنام، كيف تبرأ مما هم فيه بقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ وتمسك بالبرهان ليسلكوا مسلك الاستدلال، أو ليقتدوا به إن لم يكن لهم بد من التقليد، فإنه أشرف آبائهم، وبراء مصدر بمعنى اسم الفاعل؛ أي: بريء، كما سيأتي في مبحث التصريف.
والمعنى (٢): أني بريء من عبادتكم لغير الله، إن كانت ما مصدرية، أو من
(٢) روح البيان.
٢٧ - ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وخلقني استثناء (١) منقطع إن كانوا عبدة الأصنام؛ أي: لكن الذي خلقني لا أبرأ منه، أو متصل على أن ما تعم أولي العلم وغيرهم، وأنهم يعبدون الله والأصنام، أو صفة على أن ما موصوفة؛ أي: إني بريء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني، فإن ﴿إلا﴾، بمعنى غير، لا يوصف بها إلا جمع منكور غير محصور، وهو هنا آلهة، كما هو مذهب ابن الحاجب ﴿فَإِنَّهُ﴾؛ أي: فإن الذي فطرني ﴿سَيَهْدِينِ﴾؛ أي: سيثبتني على الهداية، أو سيهديني إلى ما وراء الذي هداني إليه إلى الآن، ولذا أورد كلمة التسويف هنا، بعدما قال في الشعراء: فهو يهدين بلا تسويف، والأوجه أن السين للتأكيد دون التسويف، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار؛ أي: دوام الهداية حالًا واستقبالًا، فهو هاديه في المستقبل والحال.
والمعنى: أي واذكر (٢) أيها الرسول لقومك قريش المنكبين على تقليد الآباء والأجداد في عبادة الأصنام، كيف تبرأ إبراهيم من أبيه وقومه، حين رآهم عاكفين على عبادة الأصنام، حين قال لهم: إني بريء مما تعبدون إلا من عبادة الله الذي خلقني، وخلق الناس جميعًا، وإنه سيهديني إلى سبيل الرشاد، ويوفقني إلى اتباع الحق؟ وقد جزم بذلك لثقته بربه ولقوة يقينه. فينبغي لكم يا أهل مكة أن تقتدوا به في ترك تقليد آبائكم الأقربين وترجعوا إلى النظر واتباع الحق.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿بَرَاءٌ﴾ بفتح الباء وألف وهمزة بعد الراء، وهو مصدر يستوي فيه المفرد والمذكر ومقابلهما، يقال: نحن البراء منك، وهي لغة أهل العالية، وبها قرأ الأعمش. وقرأ الزعفراني والقورحي عن أبي جعفر وابن المناذري عن نافع بضم الباء بزنة طوال، يقال: طويل وطوال وبريء وبراء، وهي لغة نجد وقرأ الأعمش: ﴿إنِّي﴾ بنون مشددة دون نون الوقاية، والجمهور ﴿إِنَّنِي﴾ بنونين الأولى مشددة.
(٢) المراغي.
(٣) البحر المحيط.
قلت: زاد السين للتأكيد؛ لأن المقام قام التبرُّؤ من عبادة الأصنام، فهو أْشد حاجة إلى التأكيد، وما في الشعراء بيان لعداوة الأصنام له، فلا حاجة إلى التأكيد، هكذا ظهر الفرق لي بعد تأمل شديد، والله أعلم باسرار كتابه.
٢٨ - ﴿وَجعَلَهَا﴾؛ أي (١): وجعل إبراهيم كلمة التوحيد، التي كان ما تكلم به من قوله: إنني براء إلى سيهدين عبارةً عنها، يعني: أن البراءة من كل معبود سوى الله تعالى، توحيد للمعبود بالحق، وقول بلا إله إلا الله ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً﴾؛ أي: دائمة مستمرة جارية ﴿فِي عَقِبِهِ﴾ وذريته حيث وصاهم بها، كما نطق به قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ الآية، فالقول المذكور بعد الخروج من النار، وهذا الجعل بعد حصول الأولاد الكبار، فلا يزال فيهم نسلًا بعد نسل، من يوحد الله سبحانه، ويدعو إلى توحيده، وتفريده إلى قيام الساعة، وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ علة (٢) للجعل، والضمير للعقب، وإسناد الرجوع إليهم من وصف الكل بحال الأكثر، والترجي راجع إلى إبراهيم عليه السلام؛ أي: جعلها باقيةً في عقبه وخلفه، رجاء أن يرجع إليها من أشرك منهم بدعاء الموحد منهم.
فائدة: قال بعضم في سبب تكريم وجه علي بن أبي طالب؛ بأن يقال: كرم الله وجهه، أنه نقل عن والدته فاطمة بنت أسد بن هاشم: أنها كانت إذا أرادت أن تسجد للصنم، وهو في بطنها، يمنعها من ذلك. وقرأ حميد بن قيس ﴿كلمة﴾ بكسر الكاف وسكون اللام، وقرىء ﴿في عقبه﴾ بسكون القاف؛ أي: في ذريته، وقرىء ﴿في عاقبه﴾؛ أي: من عقبه؛ أي: من خلفه، ذكره في "البحر".
(٢) روح البيان.
وقيل (٣): الفاعل في جعلها الله سبحانه وتعالى؛ أي: وجعل الله عز وجل كلمة التوحيد باقيةً في عقب إبراهيم، وقيل: الضمير في ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ راجع إلى أهل مكة؛ أي: لعل أهل مكة يرجعون إلى دينك الذي هو دين إبراهيم، وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: فإنه سيهدين لعلهم يرجعون، وجعلها إلخ، قال السدي: لعلهم يتوبون فيرجعون عما هم عليه إلى عبادة الله تعالى.
٢٩ - ثم ذكر سبحانه نعمته على قريش، ومن وافقهم من الكفار المعاصرين لهم، فقال: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ﴾ إضراب عن محذوف؛ أي: فلم يحصل ما رجاه، بل متعت وأنعمت منهم هؤلاء المعاصرين لمحمد - ﷺ - من أهل مكة ﴿وَآبَاءَهُمْ﴾ بالمد في العمر والبسط في النعمة، فاغتروا بالمهلة وانهمكوا في الشهوات، وشغلوا بها عن كلمة التوحيد ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ﴾؛ أي: جاء هؤلاء المعاصرين لمحمد - ﷺ - ﴿الْحَقُّ﴾ أي: القرآن ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾، محمد - ﷺ - ظاهر الرسالة واضحها بالمعجزات الباهرة، أو مبين التوحيد بالآيات البينات والحجج الواضحات، أو مبين لهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين، فلم يجيبوه ولم يعملوا بما أنزل عليه، فحتى ليست
(٢) المراغي.
(٣) الشوكاني.
والمعنى (١): أي بل متعت هؤلاء المشركين، من أهل مكة وآباءهم من ذرية إبراهيم بطول العمر، والسعة في الرزق، وأنعمت عليهم في كفرهم فاغتروا بالمهلة، وأكبوا على الشهوات وطاعة الشيطان، وشغلوا بالتنعم عن كلمة التوحيد، إلى أن جاءهم الحق وهو القرآن العظيم، والرسول المبين، الذي أوضح مبدأ التوحيد بالبراهين الساطعة، وشرع الله وأحكامه بالأدلة القاطعة، وهو محمد - ﷺ -.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿بَلْ مَتَّعْتُ﴾ بتاء المتكلم، وقرأ قتادة والأعمش: ﴿بل متعت﴾ بتاء الخطاب، ورواها يعقوب عن نافع، قال صاحب "اللوامح": وهي من مناجاة إبراهيم عليه السلام ربه تعالى، والظاهر: أنه من مناجاة محمد - ﷺ -؛ أي: قال: يا رب بل متعت، وقرأ الأعمش: ﴿بل متعنا﴾ بنون العظمة، وهي تعضد قراءة الجمهور، قال الزمخشري: فإن قلت: فما وجه من قرأ: ﴿بل متعت﴾ بفتح التاء؟.
قلتُ: كأن الله سبحانه وتعالى خاطب نفسه، واعترض على ذاته في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾، فقال مخاطبًا لنفسه: بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر والسعة في الرزق، حتى شغلهم ذلك عن كلمة التوحيد، وأراد بذلك الإطناب في تعييرهم؛ لأنه إذا متعهم بزيادة النعم، وجب عليهم أن يجعلوا ذلك سببًا في زيادة الشكر والثبات على التوحيد والإيمان، لا أن يشركوا به ويجعلوا له أندادًا، فمثاله: أن يشكو الرجل إساءة من أحسن إليه، ثم يقبل على نفسه فيقول: أنت السبب في ذلك، بمعروفك وإحسانك، وغرضه بهذا الكلام توبيخ المسيء لا تقبيح فعله.
٣٠ - ثم بين سبحانه ما صنعوه عند مجيء الحق، فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾؛ أي: ولما جاء أهل مكة القرآن العظيم، الذي هو الحق من الله، لينبههم عما هم
(٢) البحر المحيط.
والمعنى (٢): أي وحينما جاءهم القرآن والرسول المؤيد بالمعجزات دليلًا على صدقه، وصفوا ما جاء به بأنه سحر وأباطيل، وليس بوحي من عند الله تعالى، وقالوا: إنا بما أرسل به جاحدون، مكابرةً وعنادًا وحسدًا وبغيًا، فضموا إلى شركهم وضلالهم تكذيب الحق ورفضه والاستهزاء به، والتصريح بالكفر برسالته وإنكار نبوته.
٣١ - ثم ذكر فنًا آخر من أفانين كفرهم فقال: ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: وقال كفار مكة ﴿لَوْلَا﴾ حرف تحضيف؛ أي: هلا ﴿نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ إن كان حقًا من عند الله تعالى ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ﴾ إحدى ﴿الْقَرْيَتَيْنِ﴾ مكة والطائف ﴿عَظِيمٍ﴾ ذلك الرجل بالمال والجاه، كالوليد بن المغيرة بمكة، وعروة بن مسعود الثقفي بالطائف، فهو على نهج قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾؛ أي: من أحدهما، وذلك (٣) لأن من للابتداء، وكون الرجل الواحد من القريتين بعيد، فقدر المضاف، ومنهم من لم يقدر مضافًا وقال: أراد على رجل كائن من القريتين كلتيهما، والمراد به: عروة المذكور؛ لأنه كان يسكن مكة والطائف جميعًا. وكان له في مكة أموال يتَّجرُ بها، وكان له في الطائف بساتين وضياع، فكان يتردد إليهما، فصار كأنه من أهلهما، يقول الفقير: هنا وجه خفي، وهو أن النسبة إلى القريتين قد تكون بالمهاجرة من إحداهما إلى الأخرى، كما يقال: المكي، المدني، والمصري، الشامي وذلك بعد الإقامة في إحداهما أربع سنين، صرح
(٢) التفسير المنير.
(٣) روح البيان.
ثم إنهم لم يتفوهوا (١) بهذه الكلمة العظيمة، حسدًا على نزوله على الرسول - ﷺ -، دون من ذكر من عظمائهم، من اعترافهم بقرآنيته، بل استدلالًا على عدمها، بمعنى أنه لو كان قرآنا، لنزل على أحد هذين الرجلين، بناءً على ما زعموا، من أن الرسالة منصب جليل. لا يليق به إلا من له جلالة من حيث المال والجاه، ولم يدروا أن العظيم من عظّمه الله، وأعلى قدره في الدارين، لا من عظمه الناس، إذ رب عظيم عندهم حقير عند الله تعالى، وبالعكس، وأن الله يختص برحمته من يشاء، وهو أعلم حيث يجعل رسالته. وفي قوله: ﴿عَظِيمٍ﴾ عظيم لرسول الله - ﷺ -، وعظم شأنه وفخم.
والمعنى (٢): أي وقال كفار قريش وأمثالهم: هلا أنزل هذا القرآن على أحد رجلين عظيمين من مكة أو الطائف، وهما الوليد بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف.
٣٢ - وهذا اعتراض منهم على الله، الذي أنزل القرآن على رسوله، فأنكر الله سبحانه عليهم ذلك، وجهلهم، وعجب من حالهم بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ استفهام إنكار، وتجهيل لهم، وتعجب من تحكمهم، والمراد بالرحمة: النبوة، أو ما هو أعم، يعني: أبيدهم مفاتيح الرسالة والنبوة، فيضعونها حيث شاؤوا.
ثم بين سبحانه: أنه هو الذي قسم بينهم ما يعيشون به من أمور الدنيا، فقال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين أهل الأرض ﴿مَعِيشَتَهُمْ﴾؛ أي: أسباب معيشتهم، والمعيشة: ما يعيش به الإنسان ويتغذى به، ويجعله سببًا في قوام بنيته، إذ العيش الحياة المختصة بالحيوان، وهو يعم الحلال والحرام عند أهل السنّة ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قسمةً تقتضيها مشيئتنا، المبنية على الحكم والمصالح، ولم نفوض أمرنا إليهم، علمًا منا بعجزهم عن تدبيرها بالكلية، كما دل عليه
(٢) المراغي.
والحاصل (١): نحن قسمنا أرزاقهم فيما بينهم، وهو أدنى من الرسالة، فلم نترك اختيارها إليهم وإلا لضاعوا وهلكوا فما ظنهم في أمر الدين؛ أي: فكيف نفوض اختيار ما هو أفضل وأعظم، وهو الرسالة، وليس لأحد من العباد أن يتحكم في شيء، بل الحكم لله وحده؟ وإذا كان الله سبحانه، هو الذي قسم بينهم أرزاقهم، ورفع درجات بعضهم على بعض، فكيف لا يقنعون بقسمته في أمر الرسالة وتفويضها إلى من يشاء من خلقه؟
قال مقاتل: يقول تعالى: أبأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاؤوا! وفي قوله (٢): ﴿قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ﴾ تزهيد في الإكباب على طلب الدنيا، وحث على التوكل على الله تعالى. وقرأ الجمهور: ﴿مَعِيشَتَهُمْ﴾ بالإفراد، وعبد الله والأعمش وابن عباس ومجاهد وابن محيصن وسفيان ﴿معائشهم﴾ على الجمع.
﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ﴾ في الرزق وسائر مبادىء المعاش ﴿دَرَجَاتٍ﴾ نصب (٣) بنزع الخافض؛ أي: إلى درجات متفاوتة، بحسب القرب والبعد، حسبما تقتضيه الحكمة، فمن ضعيف وقوي وفقير وغني وخادم ومخدوم وحاكم ومحكوم، أو تمييز محول عن المفعول ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾؛ أي: خادمًا وعاملًا وأجيرًا من التسخير، بمعنى: الاستخدام، ولكون المراد هنا الاستخدام دون الهزء؛ لأنه لا يليق التعليل به، أجمع القراء على ضم السين في الرواية المشهورة عنهم، فما كان من التسخير فهو مضموم، وما كان من الهزء فهو مكسور، وقرأ الجمهور (٤): ﴿سُخْرِيًّا﴾ بضم السين، وعمرو بن ميمون وابن محيصن وابن أبي ليلى وأبو رجاء والوليد بن مسلم، وابن عامر بكسرها، وهو من التسخير بمعنى الاستعباد والاستخدام والاستعمال. ويبعد أن يكون ﴿سُخْرِيًّا﴾ هنا من الهزء، وقد قال بعضهم؛ أي: يهزأ الغني بالفقير، وهذا وإن كان مطابقًا
(٢) البحر المحيط.
(٣) روح البيان.
(٤) البحر المحيط.
والمعنى (١): فاضلنا بينهم فجعلنا بعضهم أفضل من بعض، في الدنيا بالرزق والرياسة والقوة والحرية والعقل والحلم، ليستخدم بعضهم بعضًا، فيستخدم الغني الفقير والرئيس المرؤوس والقوي الضعيف والحر العبد والعاقل من هو دونه في العقل، والعالم الجاهل، وهذا في غالب أحوال أهل الدنيا، وبه تتم مصالحهم وينتظم معاشهم، ويصل كل واحد منهم إلى مطلوبه، فإن كل صناعة دنيوية يحسنها قوم دون آخرين، فجعل البعض محتاجًا إلى البعض لتحصيل المساواة بينهم في متاع الدنيا، ويحتاج هذا إلى هذا ويعطي هذا هذا.
وحاصل معنى الآية (٢): أي إن هؤلاء المشركين تجازوا حدودهم وأقدارهم، فأرادوا أن يجعلوا ما لله لأنفسهم، وليس الأمر مردودًا إليهم، بل إلى الله عز وجل، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فإنه لا ينزلها إلا على من بلغ مرتبة روحانية خاصةً، وكان ذا فضائل قدسية، وكمالات خلقية، مستهينًا بالزخارف الدنيوية التي انغمسوا فيها، فهم ليسوا لها بأهل، فضلًا عن أن يهبوها لمن يشاؤون، ونحن الذين قسموا الأرزاق والحظوظ بين العباد، ونفضل بعضهم على بعض درجات في القوة، والضعف والعلم والجهل والشهرة والخمول والغنى والفقر؛ لأنا لو سوينا بينهم في هذه الأحوال لم يتعاونوا فيما بينهم، ولم يتمكنوا من استخدام بعضهم بعضًا، فيكون بعضهم سببًا لمعاش بعض، وإلا فسد نظام العالم، وليس المعنى في الاستخدام أو الاستئجار، أو الاستعمال على عمل شيء من الذل والمهانة؛ لأن حقوق العامل مصونة في الإسلام، وعلى صاحب العمل واجبات خلقية ومادية كثيرة، توجب عليه الترفع عن الغبن، والظلم والأذى والإساءة، فإذا عجزوا عن تغيير نظام الدنيا، فكيف يعترضون على حكمنا بتخصيص الرسالة والنبوة في بعض العباد، وقصارى ذلك: أنا قسمنا بينهم أرزاقهم، أفلا يقنعون بقسمتنا في أمر النبوة وتفويضها إلى من نشاء من عبادنا؟
(٢) التفسير المنير والمراغي.
وفيه (١): إشارة إلى أن الله يعطي الفقير من فقراء البلد، لا يؤبه به ما لا يعطي لعلمائه، وأفاضله من حقائق القرآن، وأسراره، فإن قسمة العلم والمعرفة بيده سبحانه، كقسمة النبوة والرسالة، فما لا يحصل بالدرس قد يحصل بالوهب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. قوله: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ ترسم (٢) هذه التاء مجرورةً في الموضعين من هذه السورة، اتباعًا لرسم مصحف الإمام عثمان - رضي الله عنه -، وكذا ترسم مجرورةً في سورة الأعراف في قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وفي سورة الروم في قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ وفي سورة هود في قوله: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾، وفي سورة مريم في قوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾، وفي البقرة في قوله: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾، وفيما عدا هذه السبعة المواضع، ترسم مربوطةً على صورة الهاء، وأبو عمرو وابن كثير والكسائي يقفون عليها بالهاء كسائر الهاءات الداخلة على الأسماء، كفاطمة وقائمة، وهي لغة قريش، والباقون يقفون عليها بالتاء تغليبًا لجانب الرسم، وهي لغة طيء.
٣٣ - ثم بين الله سبحانه وتعالى، حقارة الدنيا وخستها بقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ وهنا لا بد (٣) من تقدير مضاف، فإن لولا لانتفاء الثاني، لوجود الأول، ولا تحقق لمدلول لولا ظاهرًا؛ أي: ولولا كراهة أن يرغب الناس في الكفر، إذا رأوا الكفار في سعة وتنعم لحبهم الدنيا، وتوهم أن ذلك لفضيلة
(٢) الفتوحات.
(٣) روح البيان.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿سُقُفًا﴾ بضمتين، كرهن ورهن، قال أبو عبيدة: ولا ثالث لهما، وقرأ أبو رجاء بضم فسكون وهي لغة تميم، وهي أيضًا جمع سقف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح السين وسكون القاف على الإفراد. وقال الفراء: جمع سقيف كرغيف ورغف وكثيب وكُثُب، وقرىء بفتحتين، كأنه لغة في سقف، وقرىء سقوفًا جمعًا على فعول، نحو: كعب وكعوب، والفضة: جسم ذائب، صابر، منطرق، أبيض رزين، كما سيأتي في مبحث اللغة ﴿وَمَعَارِجَ﴾ معطوف على ﴿سُقُفًا﴾، جمع معرج بفتح الميم وكسرها، بمعنى: السلم، والمعارج: المصاعد، والسلالم، وقرأ الجمهور: ﴿وَمَعَارِجَ﴾ جمع معرج، وطلحة ﴿ومعاريج﴾ جمع معراج، والمعنى: وجعلنا لهم مصاعد ومراقي من فضة، حذف لدلالة الأول عليه. ﴿عَلَيْهَا﴾؛ أي: على المعارج ﴿يَظْهَرُونَ﴾؛ أي: يصعدون إلى العلالي والسطوح
٣٤ - ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾؛ أي: وجعلنا لبيوتهم، ولعل تكرير ذكر بيوتهم لزيادة التقرير ﴿أَبْوَابًا﴾ جمع باب، وهو مدخل الشيء ومخرجه؛ أي: مداخل ﴿وَسُرُرًا﴾ جمع سرير، وهو الذي يجلس عليه أو ينام فيه؛ أي: وجعلنا لبيوتهم أبوابًا وسررًا من فضة ﴿عَلَيْهَا﴾؛ أي: على السرر ﴿يَتَّكِئُونَ﴾؛ أي: يعتمدون ويجلسون عليها من الاتكاء، وهو الاعتماد على الشيء والاستناد إليه، وقرأ الجمهور ﴿سُررًا﴾ بضم السين. وقرىء بفتحها، وهي لغة لبعض تميم وبعض كلب، وذلك في جمع فعيل المضعف، إذا كان اسمًا باتفاق، وصفةً نحو: ثوب
(٢) البحر المحيط.
٣٥ - ﴿وَزُخْرُفًا﴾ إما معطوف على ﴿سُقُفًا﴾، والزخرف حينئذ بمعنى ما يزين به البيت من أثاث وأمتعة ومواعين كالأواني والمفارش وما يزين به الجدار؛ أي: ولجعلنا لبيوتهم زينةً تزوق بها البيوت من الأثاث والمواعين، أو معطوف على محل ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ فيكون بمعنى الذهب، فيكون أصل الكلام: ولجعلنا لبيوتهم سقفًا من فضة ومن زخرف يعني: بعض السقف من فضة وبعضها من ذهب، فيكون نصبه على هذا بنزع الخافض؛ أي: أبوابًا وسررًا من فضة ومن ذهب، فلما حذف الخافض انتصب.
والمعنى (١): أي ولولا كراهية أن يكون الناس كلهم على ملة الكفر ميلا إلى الدنيا وزخرفها، فلا يبقى في الأرض مؤمن، لأعطينا الكفار ثروات طائلةً، وجعلنا سقف بيوتهم وسلالمهم ومصاعدهم التي يرتقون ويصعدون عليها، وأبواب البيوت والسرر التي يتكئون عليها من فضة خالصة وذهب خالص وزينةٍ ونقوش، فائقة لهوان الدنيا عند الله تعالى.
﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إن نافية، ولما بالتشديد بمعنى إلا؛ أي: وما كل ذلك المذكور من البيوت الموصوفة بالصفات المفصلة إلا شيء يتمتع به في الحياة الدنيا لا دوام له ولا حاصل إلا الندامة والغرامة، وقرىء بتخفيف لما على أنّ ﴿إن﴾ هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، وما صلة، والتقدير: وإن الشأن كل ذلك لمتاع الحيياة الدنيا ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ بما فيها من فنون النعم التي يقصر عنها البيان حال كونها مدخرة ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ كائنةً ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ عن الشرك والمعاصي؛ أي: لمن اتقى الشرك والمعاصي، وآمن بالله وحده، وعمل بطاعته، فإنها الباقية التي لا تفنى ونعيمها الدائم الذي لا يزول.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿لَمَّا﴾ بفتح اللام وتخفيف الميم، وإن: هي المخففة من الثقيلة، واللام: هي الفارقة بين الإيجاب والنفي، و ﴿ما﴾: زائدة، و ﴿مَتَاعُ﴾: خبر ﴿كُلُّ﴾، وقرأ الحسن وطلحة والأعمش وعيسى وعاصم وحمزة ﴿لمّا﴾
(٢) البحر المحيط.
ثم بين أن هذه المتعة قصيرة الأمد، سريعة الزوال، فهي متاع الحياة الفانية، فقال: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ﴾ إلخ؛ أي: وما كل ذلك إلا متاع قصير زائل، والآخرة بما فيها من ضروب النعيم التي لا يحيط بها عد ولا إحصاء، أعدها الله لمن اتقى الشرك والمعاصي، وعمل بطاعته، وآثر الآخرة على الدنيا.
وكذلك لو أعطيت هذه النعم والسرر والأبواب المصنوعة من الذهب والفضة للؤمنين، حتى يصير الناس كلهم مبسوطين، لأخلت بالمقصود من الإيمان؛ لأن الترف والنعيم يحجب العقول عن عالم الروحانيات، والرقي العقلي، فقل من يتخلص من شرك هذه الآفات، فالشهوات والزينة والزخارف للعقول، أشبه بالقاذورات للأجسام، والأجسام القذرة يحوم حولها الذباب، فيلقي فيها بيوضه لتفرخ في القروح والعيون، ويخرج ذباب يعيش من تلك القاذوات، وهكذا النفوس الضعيفة تعيش فيها النفوس المماثلة لها من عالم الشياطين، وتلقي إليها بذور الفساد، فتزرع فيها وتحصدها النفوس خزيًا وعارًا في الدنيا والآخرة، وهذا ما أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ...﴾ إلخ.
وأخرج الترمذي وابن ماجه والبغوي والطبراني عن سهل بن سعد رضي الله
٣٦ - ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ هذه الآية متصلة بقوله أول السورة: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾، أي: لا نضربه عنكم، بل نواصله لكم، فمن يعش عن ذلك الذكر بالإعراض عنه، إلى تأويل المضلين وأباطيلهم، نقيض له شيطانًا. و ﴿يَعْشُ﴾: من عشا يعشو عشًا إذا تعاشى بلا آفة وتعامى؛ أي: نظر نظر العشا، ولا آفة في بصره، والعشا بالفتح والقصر ظلمة تعرض في العين، كما سيأتي. و ﴿من﴾ فيه شرطية؛ أي: ومن يتعام عن القرآن ويعرض ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ سبحانه ﴿نُقَيِّضْ لَهُ﴾؛ أي: نهيىء له ﴿شَيْطَانًا﴾ ونسلطه عليه ونضمه إليه ليستولي عليه استيلاء القيض على البيض، وهو القشر الأعلى اليابس ﴿فَهُوَ﴾؛ أي: ذلك الشيطان ﴿لَهُ﴾؛ أي: لذلك العاشي والمعرض ﴿قَرِينٌ﴾؛ أي: مصاحب وملازم له، لا يفارقه ولا يزال يوسوسه ويغويه، ويزين له العمى على الهدى، والقبيح بدل الحسن، أو هو ملازم للشيطان لا يفارقه، بل يتبعه في جميع أموره، ويطيعه في كل ما يوسوس به إليه، والعشا في العين ضعف البصر، والمراد هنا: عشا البصيرة.
رُوي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إذا أراد الله بعبد شرًا، قيض له شيطانًا قبل موته بسنة، فلا يرى حسنًا إلا قبحه عنده، حتى لا يعمل به، ولا يرى قبيحًا إلا حسنه حتى يعمل به، وينبغي أن يكون هذا الشيطان غير قرينه الجني الكافر، وإلا فكل أحد له شيطان هو قرينه، كما قال - ﷺ -: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة"، قالوا: وإياك يا رسول الله، قال: "وإياي، ولكن الله أعانني عليه، فأسلم فلا يأمرني إلا بخير" أخرجه مسلم بمعناه.
نَدِمَ الْبُغَاةُ وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ | وَالْبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيْهِ وَخِيْمُ |
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ بضم الشين من عشا يعشو كدعا يدعو؛ أي: يتعام بلا آفة في بصره، كعرج بفتح الراء، ويتجاهل عن ذكره وهو يعرف الحق، وقيل: يقل نظره في شرع الله، ويغمض جفونه عن النظر في ذكر الله، والذكر هنا يجوز أن يراد به القرآن، ويحتمل أن يكون مصدرًا أضيف إلى المفعول؛ أي: يعش عن أن يذكر الرحمن. وقرأ ابن عباس وعكرمة ويحيى بن سلام البصري: ﴿ومن يعش﴾ بفتح الشين، يقال: عشي الرجل يعشى عشيًا، من باب رضي إذا عمي وكان في بصره آفة، كعرج بكسر الراء، وقرأ زيد بن علي ﴿يعشو﴾ بالواو. قال الزمخشري: على أن ﴿من﴾: موصولة غير متضمنة معنى الشرط، وحق هذا القارىء أن يرفع ﴿نُقَيِّضْ﴾ انتهى، ولا يتعين ما قاله، بل يصح أن تكون ﴿مَنْ﴾ شرطية، ﴿يعشو﴾ مجزوم بحذف الحركة تقديرًا، وقرأ الجمهور:
٣٧ - ﴿وَإِنَّهُمْ﴾؛ أي: وإن الشياطين الذين قيض كل واحد منهم، لكل واحد ممن يعشو ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾؛ أي: ليمنعون قرناءهم، فمدار جمع الضميرين اعتبار معنى من، كما أن مدار إفراد الضمائر السابقة اعتبار لفظها ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾؛ أي: عن الطريق المستبين الذي من حقه أن يسبل، وهو الذي يدعو إليه القرآن ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾؛ أي: والحال أن العاشين يظنون ﴿أَنَّهُمْ﴾؛ أي: أن الشياطين ﴿مُهْتَدُونَ﴾؛ أي: إلى السبيل المستقيم؛ أي: يحسب الكفار أن الشياطين مهتدون فيطيعونهم، وإلا لما اتبعوهم، أو يحسب الكفار بسبب تلك الوسوسة، أنهم في أنفسهم مهتدون؛ لأن اعتقاد كون الشياطين مهتدين، مستلزم لاعتقاد كونهم كذلك، لاتحاد مسلكهما.
والمعنى (٢): أي وإن هؤلاء الشياطين، الذين يقيضهم الله سبحانه وتعالى لكل من يعشو عن ذكر الرحمن، ليحولن بينهم وبين سبيل الحق، ويوسوسن لهم، أنهم على الجادة، وسواهم على الباطل، فيطيعونهم ويكرهون إليهم الإيمان بالله، والعمل بطاعته.
٣٨ - ثم ذكر حال الكافر مع القرين يوم القيامة ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ حتى ابتدائية داخلة على الجملة الشرطة، ومع هذا غاية لما قبلها، فإن الابتدائية لا تنافيها. والمعنى: يستمر العاشون على ما ذكر من مقارنة الشياطين والصد والحسبان الباطل، حتى إذا جاءنا كل واحد منهم مع قرينه يوم القيامة، وقرأ أبو جعفر (٣) وشيبة وقتادة والزهري والجحدري وأبو بكر والحرميان - نافع وابن كثير - ﴿حتى إذا جاآنا﴾ على التثنية؛ أي: العاشي والقرين إعادةً على لفظ ﴿من﴾، والشيطان:
(٢) المراغي.
(٣) البحر المحيط.
رُوي: أنهما يجعلان يوم البعث في سلسلة، فلا يفترقان حتى يصيرهما الله تعالى إلى النار ﴿قَالَ﴾ العاشي الكافر، مخاطبًا لشيطانه ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾؛ أي: يا هذا القرين، أتمنى لو كان بيني وبينك في الدنيا بعد كالبعد الذي بين المشرق والمغرب، حتى لا تصدني عن سبيل الله سبحانه، أو تمنى ذلك في الآخرة وهو الظاهر؛ لأنه جواب إذا التي للاستقبال؛ أي: بعد المشرق من المغرب والمغرب من المشرق، فغلب المشرق فثناهما، كما قالوا: العمران في أبي بكر وعمر، والقمران في الشمس والقمر، واختار تغليب المشرق على المغرب لمناسبة الشيطان؛ لأنه حيث يطلع قرن الشيطان، كما في الحديث الصحيح. وقال مقاتل: أي مشرقي الشمس، مشرقها في أقصر يوم من السنة، ومشرقها في أطول يوم من السنة، قاله ابن السائب أيضًا، يعني: أن بينهما بعد مشرق أطول يوم في السنة، من مشرق أقصر يوم في السنة، والأول (٢) أولى، وبه قال الفراء ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾؛ أي: الصاحب المقارن لي، والمخصوص بالذم محذوف؛ أي: أنت أيها الشيطان.
والمعنى (٣): أي يستمر العاشون على ما ذكر من مقارنة الشياطين، حتى إذا وافى الكافر يوم القيامة إلينا، وعرض عليها، أعرض عن قرينه، الذي وكل به، وتبرأ منه، وقال: ليت بيني وبينك بعدما بين المشرق والمغرب، فبئس القرين، أنت أيها الشيطان؛ لأنك قد أضللتني وأوصلتني إلى هذا العذاب المهين،
(٢) الشوكاني.
(٣) المراغي.
٣٩ - ثم حكى ما سيقال لهم حينئذ، توبيخًا وتأنيبًا، فقال: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ﴾؛ أي: في هذا اليوم، يعني: يوم القيامة، فهو حكاية لما سيقال لهم حينئذ، من جهة الله تعالى، توبيخًا وتقريعًا؛ أي: لن ينفعكم اليوم تمنيكم لمباعدتهم ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾؛ أي: لأجل ظلمكم أنفسكم في الدنيا، باتباعكم إياهم في الكفر والمعاصي، وإذ للتعليل، متعلق بالنفي، كما قال سيبويه، إنها بمعنى التعليل، حرف بمنزلة لام العلة ﴿أَنَّكُمْ﴾؛ أي: أنتم وشياطينكم ﴿فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ تعليل لنفي النفع؛ أي: لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وشياطينكم القرناء في العذاب، كما كنتم في الدنيا مشتركين في سببه، ويؤيد هذا المعنى قراءة ابن عامر، على اختلاف عليه فيها، بكسر همزة ﴿إنّ﴾. وقرأ الجمهور: بفتح همزة ﴿إنّ﴾ على أنها وما بعدها في محل رفع على الفاعلية لينفعكم؛ أي: لن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب، بمعنى لن يحصل لكم التشفي، يكون قرنائكم معذبين مثلكم، حيث كنتم تدعون عليهم بقولكم: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾، ونظائره: لتشفوا بذلك، قال المفسرون: لا يخفف عنهم بسبب الاشتراك شيء من العذاب؛ لأن لكل أحد الكفار والشياطين الحظ الأوفر منه.
وفي الآية (١): إشارة إلى حال التابع والمتبوع، من أهل الأهواء والبدع، فإن المتبوع منهم، كان شيطان التابع في الإضلال عن طريق السنة، فلما فات الوقت وأدرك المقت، وقعوا في التمني الباطل، قيل:
فَضِّلِ الْيَوْمَ عَلَى الْغَدِ | إِنَّ لِلتَّأْخِيْرِ آفَاتِ |
ومعنى الآية: أي (٢) ولن ينفعكم في هذا اليوم اشتراككم في العذاب، أنتم
(٢) المراغي.
وقد يكون المعنى: ولن ينفعكم ذلك من حيث التأسي، فإن المكروب في الدنيا يتأسى ويستروح بوجدان المشارك في البلوى، فيقول أحدهم: لي في البلاء والمصيبة أسوة، فيسكن ذلك من حزنه، كما قالت الخنساء ترثي أخاها صخرًا:
يُذَكِّرُنِيْ طُلُوْعُ الشَّمْسِ صَخْرَا | وَأَذْكرُهُ بِكُلِّ مَغِيْبِ شَمْسِ |
فَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِيْن حَوْلِيْ | عَلَى إِخْوانِهِمْ لقَتَلْتُ نَفْسِيْ |
وَمَا يَبْكوْنَ مِثْلَ أَخِيْ وَلَكِنْ | أعَزِّيْ النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّيْ |
٤٠ - ولما وصفهم فيما سلف بالعشى، وصفهم هنا بالعمى والصمم، من قبل أن الإنسان لاشتغاله بالدنيا يكون كمن حصل بعينه ضعف في البصر، وكلما زاد انهماكه فيها، كان ميله إلى الجسمانيات أشد، وإعراضه عن الروحانيات أكمل، فقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ الهمزة فيه للاستفهام الإنكاري التعجبي، داخلة على مقدر يقتضيه المقام. والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أأنت تتعب نفسك يا محمد، في دعاء قومك إلى التوحيد، فأنت تسمع الحق الصم؛ أي: الذين تصامّوا عن سماعه ﴿أَوْ تَهْدِي﴾ وترشد إلى الحق ﴿الْعُمْيَ﴾؛ أي: الذين تعاموا عن إبصاره ﴿و﴾ تهدي ﴿مَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: بين لا يخفى على أحد؛ أي: ومن كان في علم الله، أنه يموت على الضلالة، فهو معطوف على العمى، باعتبار تغاير الوصفين؛ أي: أنت لا تسمعهم؛ أي: لا ينتفعون بسماعك، يشير (١) إلى أن من سددنا بصيرته، ولبسنا عليه رشده، ومن
ومدار الإنكار هو التمكن والاستقرار في الضلال المفرط، بحيث لا ارعواء له عنه، لا توهم القصور من قبل الهادي، ففيه رمز إلى أنه لا يقدر على ذلك إلا الله وحده بالقسر والإلجاء، يعني: لا يقدر على إسماع الصم وهداية العمي، وجعل الكافر مؤمنًا إلا الله وحده، لعظم قدرته وإحاطة تعلقها بكل مقدور.
ومعنى الآية: أي أفانت (١) تسمع من قد سلبهم الله استماع حججه التي ذكرها في كتابه، أو تهدي إلى طريق الحق، من أعمى قلوبهم عن أبصارها، واستحوذ عليهم الشيطان، فزين لهم طريق الردى.
والخلاصة: أن ذلك ليس إليك إنما ذلك إلى من بيده تصريف القلوب، وتوجيهها إلى حيث شاء، فعليك البلاغ وعلينا الحساب.
٤١ - وبعد أن أيأسه من إيمانهم، سلاه بالانتقام منهم لأجله، إما حال حياته، أو بعد مماته، فقال: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ أصله (٢): إن ما على أن ﴿إن﴾ للشرط و ﴿ما﴾ مزيدة للتأكيد، بمنزلة لام القسم في استجلاب النون المؤكدة؛ أي: فإن قبضناك وأمتناك يا محمد، وأذهبناك من الدنيا، قبل أن نبصرك عذابهم، ونشفي بذلك صدرك، وصدر المؤمنين ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ﴾؛ أي: من هؤلاء المشركين ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ لا محالة في الدنيا والآخرة
٤٢ - ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ أو إن أردنا أن
(٢) روح البيان.
ومعنى الآية (١): أي فإن نذهب بك أيها الرسول من بين أظهر المشركين، بموت أو غيره، فإنا منهم منتقمون، كما فعلنا ذلك بغيرهم من الأمم، المكذبة لرسلها، أو نرينك الذي وعدناك من الظفر بهم، وعلائك عليهم، فإنا عليهم مقتدرون، فنظهرك عليهم، ونخزيهم بيديك، وأيدي المؤمنين، وفي التعبير بالوعد، وهو سبحانه لا يخلف الميعاد، إشارة إلى أن ذلك سيقع حتمًا، وهكذا كان، فإنه لم يقبض رسوله - ﷺ - حتى أقر عينيه من أعدائه، وحكمه في نواصيهم، وملكه ما تضمنته صياصيهم، قاله السدي، واختاره ابن جرير.
٤٣ - ثم أمر رسوله - ﷺ - أن يستمسك بما أوحى به إليه، فيعمل به، فقال: ﴿فَاسْتَمْسِكْ﴾ يا محمد ﴿بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾؛ أي: تمسك بالقرآن الذي أنزل عليك بمراعاة أحكامه، وإن كذب به من كذب، سواء عجلنا لك الموعود، أو أخرناه إلى يوم الآخرة ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: طريق سوي لا عوج له، وهو طريق التوحيد ودين الإسلام، والجملة تعليل لقوله: ﴿فَاسْتَمْسِكْ﴾.
وفي "التأويلات النجمية": فاعتصم بالقرآن، فإنه حبل الله المتين، بأن تتخلق بخلقه وتدور معه حيث يدور، وقف حيث ما أمرت، وثق بربك فإنك على صراط مستقيم، تصل به إلى حضرة جلالنا
٤٤ - ﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: وإن هذا القرآن الذي أوحي إليك ﴿لَذِكْرٌ﴾؛ أي: لشرف عظيم ﴿لَكَ﴾ خصوصًا ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾؛ أي: لأمتك عمومًا كما قال عليه السلام: "إن لكل شيء شرفًا يباهى به، وإن أمتي تباهي وشرفها القرآن"
ثم جمع الله النبي - ﷺ - مع قومه فقال: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ يوم القيامة عنه وعن قيامكم بحقوقه، وعن تعظيمكم وشرككم على أن رزقتموه، وخصصتم به من بين العالمين. وقال القرطبي والصحيح: أنه شرف لمن عمل به كان من قريش، أو من غيرهم، انتهى.
ومعنى الآية (٢): أي فخذ يا محمد بهذا القرآن، المنزل على قلبك، فإنه هو الحق المفضي إلى الصراط المستقيم، والموصل إلى جنات النعيم، والخير الدائم المقيم، وإنه لشرف عظيم لك، ولقومك؛ لأنه نزل بلغتهم على رجل منهم، فهم أفهم الناس به، فينبغي أن يكونوا أسبق الناس إلى العمل به، وسوف تسألون يوم القيامة عن حقه، وأداء شكر النعمة فيه.
أخرج الطبراني وابن مردويه عن عدي بن حاتم قال: كنت قاعدًا عند النبي - ﷺ - فقال: "ألا إن الله تعالى، علم ما في قلبي من حبي لقومي، فبشرني فيهم"، فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ الآية، فجعل الذكر والشرف لقومي، إلى أن قال: "فالحمد لله الذي جعل الصديق من قومي، والشهيد من قومي، وإن الله قلب العباد ظهرًا وبطنًا، فكان خير العرب قريش، وهي الشجرة المباركة". ثم قال عدي: ما رأيت رسول الله - ﷺ - ذكرت عنده قريش بخير، إلا سره، حتى يتبين ذلك السرور في وجهه للناس كلهم اهـ.
ونظير الآية، قوله في سورة الأنبياء: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾؛
(٢) المراغي.
وروى الترمذي عن معاوية - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن هذا الأمر في قريش، لا ينازعهم فيه أحد، إلا أكبه الله تعالى على وجهه، ما أقاموا الدين"، وفي الآية، إيماء إلى أن الذكر الجميل، والثناء الحسن، أمر مرغوب فيه، ولولا ذلك ما امتن الله على نبيه محمد - ﷺ - به، ولما طلبه إبراهيم عليه السلام بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ وقال ابن دريد:
إِنَّمَا الْمَرْءُ حَدِيْثٌ بَعْدَهُ | كُنْ حَدِيْثًا حَسَنًا لِمَنْ وَعَى |
ذِكْرُ الْفَتَى عُمْرُهُ الثَّانِيْ وَحَاجَتُهُ | مَا قَاتَهُ وَفُضُوْلُ الْعَيْشِ أَشْغَالُ |
٤٥ - ثم وبخ مشركي قريش، بأن ما هم عليه من عبادة الأوثان والأصنام، لم يأت في شريعة من الشرائع فقال: ﴿وَاسْأَلْ﴾ يا محمد ﴿مَنْ أَرْسَلْنَا﴾ في محل النصب على أنه مفعول ﴿اسأل﴾، وهو على حذف المضاف. لاستحالة السؤال من الرسل حقيقةً، والمعنى: واسأل أمم من أرسلنا ﴿مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ وعلماء دينهم.
قال ابن الشيخ: السؤال يكون لرفع الالتباس، ولم يكن رسول الله يشك في ذلك، وإنما الخطاب له والمراد غيره، قالت عائشة - رضي الله عنها -: لما نزلت هذه الآية، قال - ﷺ -: "ما أنا بالذي أشك، وما أنا بالذي أساس".
والمعنى (١): أي واسأل أمم من أرسلنا من قبلك من الرسل، هل حكمنا بعبادة غير الله؟ وهل جاء ذاك في ملة من الملل، أو المراد بهذا الاستشهاد بيان إجماع المسلمين على التوحيد، والتنبيه على أن محمدًا - ﷺ - ليس ببدع من بين الرسل في الأمر، حتى يكذب ويعادى له؟
وقصارى ذلك: أن الرسل جميعًا دعوا إلى ما دعا إليه، من عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة الأصنام، ونحو الآية: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وجعل الزمخشري السؤال في الآية مجازًا على النظر في أديانهم، والفحص عن مللهم، على أنه نظير قولهم: سل الأرض من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك.
وللآية وجه آخر (٢)، بحملها على ظاهرها من غير تقدير مضاف، وهو ما روى أنه - ﷺ -، لما أُسري به إلى المسجد الأقصى، حشر إليه الأنبياء، والمرسلون من قبورهم، ومثلوا له، فأذّن جبرائيل، ثم أقام، وقال: يا محمد تقدم فصل بإخوانك الأنبياء والمرسلين، فلما فرغ من الصلاة، قال له جبرائيل: زعمت قريش، أن لله شريكًا، وزعمت اليهود والنصارى، أن لله ولدًا، سل يا محمد، هؤلاء النبيين، هل كان لله شريك؟ ثم قرأ ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾
(٢) روح البيان.
قال أبو القاسم، المفسر في كتاب "التنزيل" له: إن هذه الآية أنزلت على النبي - ﷺ - ببيت المقدس، ليلة المعراج، فلما أنزلت وسمعها الأنبياء عليهم السلام، أقروا لله تعالى بالوحدانية، وقالوا: بعثنا بالتوحيد، انتهى.
قصة موسى عليه السلام مع فرعون اللعين
٤٦ - ولما أعلم سبحانه نبيه بأنه منتقم له من عدوه، وذكر اتفاق الأنبياء على التوحيد، أتبعه بذكر قصة موسى وفرعون، وبيان ما نزل بفرعون وقومه من النقمة، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد بعثنا موسى بن عمران عليه السلام، حال كونه متلبسًا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ ومعجزاتنا التسع الدالة على صحة نبوته ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ اللعين ﴿وَمَلَئِهِ﴾؛ أي: أشراف قومه، والإرسال إلى الأشراف إرسال إلى الأراذل؛ لأنهم تابعون لهم ﴿فَقَالَ﴾ موسى لهم ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إليكم فاتبعوني وأطيعوا أمري
٤٧ - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ موسى ﴿بِآيَاتِنَا﴾ ليسعدوا وينتهوا وينتفعوا بها، وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ مرتب على محذوف، تقديره: فطلبوا منه الآيات الدالة على صدقه، فلما جاءهم إلخ، كما يدل عليه ما في سورة الأعراف من قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا﴾ إلخ. ﴿إِذَا﴾ فجائية رابطة لجواب لما الشرطية ﴿هُمْ مِنْهَا﴾؛ أي: من تلك الآيات ﴿يَضْحَكُونَ﴾ استهزاء بها، ويسخرون منها، ويهزؤون بها؛ أي: فاجؤوا المجيء بها بالضحك، سخرية من غير توقف، ولا تأمل، وإذا هنا حرف فجأة لا ظرف، كما زعمه الزمخشري؛ أي: استهزؤوا بها، وكذبوها أول ما رأوها، ولم يتأملوا فيها، وقالوا: سحر وتخييل ظلمًا وعلوًا.
والمعنى (١): أي فلما جاءهم موسى بالأدلة على صدق قوله، فيما يدعوهم إليه من توحيد الله، وترك عبادة الآلهة، إذا فرعون وقومه يضحكون من تلك
٤٨ - ﴿وَمَا نُرِيهِمْ﴾؛ أي: وما أرينا فرعون وملأه ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ من تلك الآيات؛ أي: حجة من حججنا الدالة على صدق رسولنا في دعواه الرسالة ﴿إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾؛ أي: إلا كانت أعظم من سابقتها في الحجية عليهم، وآكد في الدلالة على صحة ما يأمر به من توحيد الله؛ أي: كل واحدة من آيات موسى أكبر مما قبلها، وأعظم قدرًا، مع كون التي قبلها عظيمة في نفسها.
وقيل المعنى (١): إن الأولى تقتضي علمًا، فإذا ضمت الثانية إلى الأولى ازداد الوضوح، ومعنى الأخوة بين الآيات: أنها متشاكلة متناسبة في دلالتها على صحة نبوة موسى، كما يقال: هذه صاحبة هذه؛ أي: هما قرينتان في المعني، وقيل: المعني أن كل واحدة من الآيات إذا انفردت ظن الظان أنها أكبر أو سائر الآيات، ومثل هذا: قول القائل:
مَنْ تَلْقَ مِنْهُمْ تَقُلْ لَاقَيْتُ سَيِّدَهُمْ | مِثْلُ النَّجُوْمِ الَّتِيْ يَسْرِيْ بِهَا السَّارِيْ |
ثم بين ما جوزوا به على تكذيبهم، فقال: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ﴾؛ أي: أخذنا فرعون وقدمه ﴿بِالْعَذَابِ﴾ وعاقبناهم بالسنين، والطوفان والجراد والدم والطمس ونحوها، وكانت هذه الآيات دلالات ومعجزات لموسى، وزجرًا وعذابًا للكافرين ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: لكي يرجعوا (٢) عما هم عليه أو الكفر، فإن من جهولية نفس
(٢) روح البيان.
٤٩ - ولما عاينوا ما جاءهم به من الآيات البينات، والدلالات الواضحات، ظنوا أن ذلك من قبيل السحر ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: فرعون وقدمه في كل مرة أو العذاب، لما ضاق نطاق بشريتهم ﴿يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ نادوه بذلك في مثل تلك الحالة؛ أي: عند طلب كشف العذاب بدعائه، لغاية عتوهم وغاية حماقتهم، أو سبق ذلك إلى لسانهم، على ما ألفوه من تسميتهم إياه بالساحر لفرط حيرتهم، قال سعدي المفتي: والأظهر: أن النداء كان باسمه العلم، كما في الأعراف، لكن حكى الله تعالى هذا كلامهم لا بعبارتهم، بل على وفق ما أضمرته قلوبهم، من اعتقادهم أنه ساحر، لاقتضاء مقام التسلية ذلك، فإن قريشًا أيضًا سموه ساحرًا، وسموا ما أتى به سحرًا، وعن الحسن قالوه على الاستهزاء، وقال بعضهم: قالوه تعظيمًا، فإن السحر كان عندهم علمًا عظيمًا، وصفةً ممدوحةً والساحر فيهم عظيم الشأن، فكأنهم قالوا: يا أيها العالم بالسحر الكامل، الحاذق فيه، ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ ليكشف عنا العذاب ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾؛ أي: بسبب ما أخبرتنا من عهده إليك، أنا من آمنا به كشفه عنا، أو بعهده عندك، وهو النبوة، فإن النبوة تسمى عهد الله، والباء حينئذ للقسم؛ أي: ادع الله بحق ما عندك من النبوة، أو بما عهده عندك من استجابة دعوتك في كل شيء.
قال في "التأويلات النجمية": ما قالوا مع هذا الاضطرار: يا أيها الرسول، وما قالوا: ادع لنا ربنا؛ لأنهم ما رجعوا إلى الله بصدق النية، وخلوص العقيدة. ليروه بنور الإيمان رسولًا، ويروا الله ربهم، وإنما رجعوا بالاضطرار لخلاص أنفسهم، لا لخلاص قلوبهم ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾؛ أي: لمؤمنون على تقدير كشف العذاب عنا بدعوتك وعد منهم، معلق بشرط الدعاء، ولهذا تعرضوا للنبوة على تقدير صحتها، وقالوا: ربك، لا ربنا، فإنه إنما يكون ربهم بعد الإيمان؛ لأنهم قائلون بربوبية فرعون.
والمعنى: فدعانا موسى فكشفنا عنهم العذاب فلم يؤمنوا، ونقضوا العهد، وقد كان هذا ديدنهم مع موسى، يعدونه في كل مرة أن يؤمنوا به، إذا كشف الرجز، ثم ينقضون ما عاهدوا الله عليه، ونحو الآية: ما جاء في سورة الأعراف من قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾.
٥١ - ثم أخبر سبحانه، عن تمرد فرعون وعتوه وعناده، فقال: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ﴾ بنفسه، أو بمناد أمره بالنداء ﴿فِي قَوْمِهِ﴾؛ أي: في مجمعهم وفيما بينهم، بعد أن كشف العذاب عنهم، مخافة أن يؤمنوا فـ ﴿قَالَ يَا قَوْمِ﴾ يريد الأقباط ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ الهمزة فيه للاستفهام التقريري. لا ينازعني فيه أحد، ولا يخالفني مخالف، وهي أربعون فرسخًا في أربعين، وفي "فتح الرحمن": وهو من نحو الإسكندرية إلى أسوان بطول النيل، وأسوان بالضم، بلد بصعيد مصر، كما في "القاموس". قال في "روضة الأخبار": مصر بلدة معروفة، بناها مصر بن حام بن نوح، وبه سميت مصر مصرًا.
﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ﴾؛ أي: أنهار (١) النيل، فاللام عوض عن المضاف إليه، والمراد بها: الخلجان الكبار الخارجة من النيل، ومعظمها أربعة أنهر، نهر
قال في "خريدة العجائب": ليس في الدنيا نهر أطول من النيل؛ لأن مسيرته شهران في الإِسلام، وشهران في الكفر، وشهران في البرية، وأربعة أشهر في الخراب، ومخرجه أو بلاد جبل القمر، خلف خط الاستواء، وسمي جبل القمر؛ لأن القمر لا يطلع عليه أصلًا، لخروجه عن خط الاستواء، وميله عن نوره، وضوءه يخرج في بحر الظلمة؛ أي: البحر الأسود، ويدخل تحت جبل القمر، وليس في الدنيا نهر يشبه النيل إلا نهر مهران، وهو نهر السند، وقال الضحاك (١): أراد بالأنهار القوّاد والرؤساء والجبابرة، وأنهم تحت لوائه، وقيل: أراد بالأنهار الأموال، والأول أولى؛ لأن هذن التفسيرين يشبهان تفسير الباطنية، والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتتعامون فلا تبصرون عظمتي وقدرتي، وعجز موسى،
٥٢ - و ﴿أم﴾ في قوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ منقطعة، تقدر ببل الإضرابية، وبهمزة الاستفهام التقريري؛ لأن غرضه حملهم على الإقرار بخيريته، كأنه قال إثر ما عدد أسباب فضله، ومبادىء خيريته، أَثَبَت عندكم واستقر لديكم، أنى أنا خير من هذا الذي هو مهين؛ أي: بل أنا خير ﴿مِنْ هَذَا﴾ الساحر ﴿الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾؛ أي: ضعيف، حقير، فقير، ذليل، لا قدر ولا ملك له، من المهانة، وهي الذلة ﴿وَلَا يَكَادُ﴾؛ أي: لا يقرب ﴿يُبِينُ﴾ الكلام، ويوضحه ويبينه للكنة، ورتة في لسانه، فكيف يصلح للنبوة والرسالة، يريد أنه ليس معه من آيات الملك والسياسة، ما يعتضده ويتقوى به، كما قالت
والمعنى (١): أي بل أنا ولا شك خير وأفضل بما لي من الملك والسلطة والسعة والجاه من هذا؛ أي: من موسى الذي هو ضعيف، حقير ممتهن في نفسه، لا عز له، ولا يكاد يبين الكلام، ويفصح عما يريد، لما في لسانه من العقدة بسبب الجمرة، وهذا حكم عليه بما يعلى منه في الماضي، دون أو يعلم أو الله الكريم، أزال عنه عقدته حين دعاه، فقال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ فحل عقدة لسانه، كما جاء في قوله: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾.
قال الحسن البصري: إنه قد بفتح منها شيء، يسأل زواله، وإنما سأل زوال ما يمنع الإبلاغ والإفهام اهـ. والأشياء الخلقية لا يعاب بها المرء ولا يذم،
٥٣ - ثم ذكر شبهةً مانعة له من الرياسة، وهي أنه لا يلبس لبس الملوك، فلا يكون رئيسًا ولا رسولًا لتلازمهما في زعمه، فقال: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ قاله توبيخًا (١) ولومًا على ترك الفعل، على ما هو مقتضى حرف التحضيض، الداخل على الماضي، والأسورة جمع سوار بالكسر والضم، وهو ما يلبس في الساعد، والذهب جسم ذائب صاف، منطرق، أصفر، كما سيأتي.
والمعنى: فهلا أُلقي على موسى، وأُعطي مقاليد الملك، إن كان صادقًا في مقالته في رسالته، فيكون حاله خيرًا من حالي، والملقي هو رب موسى من السماء، وإلقاء الأسورة كناية عن إلقاء مقاليد الملك؛ أي: أسبابه التي هي كالمفاتيح له، وكانوا إذا سودوا رجلًا سوروه بسوارين، وطوقوه بطوق من ذهب علما على رياسته، ودلالة لسيادته؛ أي: فهلا ألقى رب موسى عليه أساور من ذهب، فيتحلى بها إن كان صادقًا، في أن له ربًا أرسله إلينا، كما جرت عادتهم بذلك، وهذا شبيه بما قال كفار قريش في عظيم القريتين.
وقرأ الضحاك (٢): ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ﴾: مبنيا للفاعل؛ أي: الله ﴿أساورة﴾: بالنصب، وقرأ الجمهور: ﴿أساورة﴾: بالرفع. وقرأ أبي وعبد الله: ﴿أساوير﴾ جمع إسوار، لغة في سوار، وقرأ الحسن وقتادة وأبو رجاء والأعرج ومجاهد وأبو حيوة وحفص: ﴿أَسوِرَةٌ﴾ جمع سوار، نحو: خمار وأخمرة، وقرأ الأعمش ﴿أساوير﴾، ورويت عن أبي وعن أبي عمرو.
ثم ذكر شبهةً أخرى، وهي أنه ليس له خدم أو الملائكة تعينه، فقال: ﴿أَوْ﴾ هلا ﴿جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾؛ أي: حالة كونهم متقارنين متتابعين، أو مقرونين بموسى منضمين إليه: إن كان صادقًا يعينونه على أمره، ويشهدون له بالنبوة، ويمشون أمه، كما نفعل نحو، إذا أرسلنا رسولًا في أمر هام يحتاج إلى دفاع، وفيه خصام ونزاع، وهو بهذا، أوهم قومه أن الرسل لا بدّ أن يكونوا على
(٢) البحر المحيط.
٥٤ - ثم ذكر أن هذه الخدع قد غلبت عليهم، وسحرت ألبابهم لغفلتهم، وضعف عقولهم، فاعترفوا بربوبيته، وكذبوا بنبوة موسى، فقال: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾؛ أي: فاستجهل قومه، واستحمق عقولهم بقوله وكيده، وبما أبداه لهم من عظمة الملك والرياسة، وجعلها مناطًا للعلم والنبوة، وأنه لو كانت هناك نبوة، لكان هو أولى بها ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾ أي: فامتثلوه فيما أمرهم به من تكذيب موسى وإقرار ربوبيته، وجملة قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾؛ أي: خارجين عن طاعة الله تعالى، تعليل لطاعتهم له؛ أي: أطاعوه فيما أمرهم به؛ لأنهم كانوا قومًا ذوي فسق وضلال وغي، ومن ثم أسرعوا إلى تلبية دعوة ذلك الفاسق، الغوي، اللعين.
٥٥ - ذم ذكر جزاءهم على ما اجترحوا من تكذيب رسوله، على وضوح الدليل، وظهور الحق، فقال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾؛ أي: أغضبونا بعنادهم وعظيم استكبارهم، وبغيهم في الأرض، والأسف محركًا: الغضب، وقيل: مسند الغضب، وقيل: السخط (١)، وحقيقته ثوران دم القلب إرادة الانتقام، فمتى كان ذلك على من دونه، انتشر فصار غضبًا، ومتى كان على من فوقه انقبض فصار حزنًا.
والمعنى: فلما أغضبنا فرعون وقومه مسند الغضب، بالإفراط في العناد والعصيان، وغضب الله نقيض الرضى، أو إرادة الانتقام، أو تحقيق الوعيد، أو الأخذ الأليم، أو البطش الشديد، أو هتك الأستار والتعذيب بالنار، أو تغيير النعمة، وقيل: المعنى: أغضبوا رسولنا موسى عليه السلام. بتكذيبه وعدم طاعته ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: أردنا أن نعجل لهم انتقامنا وعذابنا، وأن لا نحلم عنهم، وفي "كشف الأسرار": أحللنا بهم النقمة والعذاب ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ﴾ في "البحر"، تفسير للانتقام؛ أي: فأهلكناهم المطاع والمطيعين له ﴿أَجْمَعِينَ﴾ بالإغراق في
أخرج أحمد والطبراني والبيهقي في "الشعب"، وابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر، أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا رأيت الله يعطي العبد ما شاء، وهو مقيم على معاصيه.. فإنما ذلك استدراج منه له"، وقرأ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾.
٥٦ - ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾؛ أي: قدوة لمن عمل بعلمهم من الكفار، في استحقاق العذاب ككفار قومك.
وقرأ الجمهور (١): ﴿سَلَفًا﴾ بفتح السين واللام جمع سالف، كخدم وخادم وحرس وحارس، يعني: اسم جمع له؛ لأن فَعَلًا ليس من أبنية المجموع المكسرة، قال ابن عباس وزيد بن أسلم وقتادة؛ أي: جعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون. وقرأ (٢) أبو عبد الله. وأصحابه، وسعيد بن عياض والأعمش وطلحة والأعرج وحمزة والكسائي: ﴿وسلفا﴾ بضم السين وضم اللام جمع سليف، كسرر وسرير، وقال أبو حاتم: هو جمع سلف، كخشب وخشب، وقرأ علي وابن مسعود ومجاهد وأبو وائل والنخعي وحميد بن قيس والأعرج أيضًا ﴿وسلفا﴾ بضم السين وفتح اللام جمع سلفة، كغرفة وغرف، وهي الفرقة المتقدمة والقطيعة من الناس.
﴿و﴾ جعلناهم أيضًا ﴿مثلًا﴾ وعبرةً وتذكرةً ﴿لِلْآخِرِينَ﴾؛ أي: لمن يأتي بعدهم من الكافرين؛ أي: جعلناهم حديثًا عجيب الشأن، سائرًا مسير المثل، يحدث به الآخرون من الكفار، يقال لهم: مثلكم مثل قوم فرعون، فاللام متعلق بكل من ﴿سَلَفًا﴾ ﴿وَمَثَلًا﴾ على سبيل التنازع.
الإعراب
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ
(٢) البحر المحيط.
﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إِذْ﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر إذ قال إبراهيم، ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾، ﴿لِأَبِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿وَقَوْمِهِ﴾: معطوف على ﴿أَبِيهِ﴾، ﴿إِنَّنِي﴾: ناصب واسمه، والنون نون الوقاية، ﴿بَرَاءٌ﴾: خبره، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿مِمَّا﴾: متعلق بـ ﴿بَرَاءٌ﴾، وجملة ﴿تَعْبُدُونَ﴾ صلة لما الموصولة ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿الَّذِي﴾ مستثنى في محل النصب على الاستثناء، والاستثناء منقطع، كأنه قال: لكن الذي فطرني فإنه سيهدين، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلًا، بناء على أنهم كانوا يشركون مع الله الأصنام، ورجح أبو حيان كون الاستثناء منقطعًا، إذ كانوا لا يعبدون الله مع الأصنام، ﴿فَطَرَنِي﴾: فعل وفاعل مستتر، ونون وقاية ومفعول به، والجملة صلة الموصول، ﴿فَإِنَّهُ﴾ الفاء: تعليلية. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿سَيَهْدِينِ﴾ خبره، والسين للتأكيد، لا للاستقبال كما مر؛ أي: يديم هدايتي في المستقبل والحال، والمفعول به محذوف؛ أي: سيهديني لرعاية الفاصلة، وجملة ﴿إن﴾ جملة تعليلة، لا محل لها من الإعراب، ﴿وَجَعَلَهَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿جعلها﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾، أو على الله، ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿قَالَ﴾، ﴿كَلِمَةً﴾: مفعول ثان، ﴿بَاقِيَةً﴾: صفة لـ ﴿كَلِمَةً﴾، ﴿في عَقِبِهِ﴾ متعلق بـ ﴿بَاقِيَةً﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ ناصب واسمه وجملة ﴿يَرْجِعُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿لعل﴾ تعليلية، لا محل لها من الإعراب، ﴿بَلْ﴾ حرف عطف وإضراب عن محذوف، تقديره: فلم يحصل ما رجاه إبراهيم. ﴿مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على الجملة المحذوفة، ﴿وَآبَاءَهُمْ﴾: معطوف على هؤلاء، أو مفعول معه ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية، ﴿جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾: فعل، ومفعول، وفاعل في محل النصب بأن المضمرة بعد حتى الجارة، ﴿وَرَسُولٌ﴾: معطوف على ﴿الْحَقُّ﴾، ﴿مُبِينٌ﴾ صفة رسول، والجملة الفعلية مع أن المضمرة، في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، تقديره: إلى
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾.
﴿وَلَمَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، أو استئنافية، ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾، لا محل لها من الإعراب، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل جواب لما، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَمَّا﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ﴾، أو مستأنفة، ﴿هَذَا سِحْرٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿وَإِنَّا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿كَافِرُونَ﴾، و ﴿كَافِرُونَ﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ معطوفة على ما قبلها، على كونها مقولًا لـ ﴿قَالُوا﴾، ﴿وَقَالُوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على جملة ﴿قَالُوا﴾ الأولى ﴿لَوْلَا﴾: حرف تحضيض بمعنى هلا. ﴿نُزِّلَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ﴿هَذَا﴾: نائب فاعل، ﴿الْقُرْآنُ﴾: بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان له، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ متعلق بـ ﴿نُزِّلَ﴾، ﴿مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ صفة أولى لـ ﴿رَجُلٍ﴾. ﴿عَظِيمٍ﴾ صفة ثانية له، ﴿أَهُمْ﴾: الهمزة: للاستفام الإنكاري التجهيلي، ﴿أَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَقْسِمُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة إنشائية. ﴿رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾: مفعول به، ومضاف إليه، ﴿نَحْنُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿قَسَمْنَا﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿قَسَمْنَا﴾، ﴿مَعِيشَتَهُمْ﴾: مفعول به، ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: حال من ضمير ﴿مَعِيشَتَهُمْ﴾؛ لأن المضاف كالجزء من المضاف إليه، ﴿وَرَفَعْنَا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿قَسَمْنَا﴾، ﴿بَعْضَهُمْ﴾: مفعول به. ﴿فَوْقَ بَعْضٍ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿رَفَعْنَا﴾، ﴿دَرَجَاتٍ﴾: تمييز محول عن المفعول، أو منصوب بنزع الخافض، كما مر، ﴿لِيَتَّخِذَ﴾ اللام: حرف جر وتعليل. ﴿يَتَّخِذَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة
﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣)﴾.
﴿وَلَوْلَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لولا﴾: حرف امتناع لوجود، ﴿أَن﴾ حرف مصدر ونصب، ﴿يَكُونَ﴾: فعل ناقص منصوب بـ ﴿أَن﴾، ﴿النَّاسُ﴾: اسمها. ﴿أُمَّةً﴾: خبرها، ﴿وَاحِدَةً﴾: صفة ﴿أُمَّةً﴾، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر، مجرور بإضافة المبتدأ المقدر إليه، وخبر ذلك المبتدأ محذوف وجوبًا، والتقدير: ولولا كراهية كون الناس أمة واحدة موجود، والجملة الاسمية شرط لـ ﴿لولا﴾، لا محل لها من الإعراب، ﴿لَجَعَلْنَا﴾: اللام: رابطة لجواب ﴿لولا﴾. ﴿جعلنا﴾: فعل وفاعل، ﴿لِمَنْ﴾: في موضع المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلْنَا﴾، وجملة ﴿يَكْفُرُ﴾: صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، ﴿بِالرَّحْمَنِ﴾: متعلق بـ ﴿يَكْفُرُ﴾، ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ بدل اشتمال من ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ﴾ بإعادة الجار، ﴿سُقُفًا﴾ مفعول أول لـ ﴿جعلنا﴾، ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ صفة لـ ﴿سُقُفًا﴾، وجملة ﴿جعلنا﴾ جواب ﴿لولا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لولا﴾ مستأنفة، ﴿وَمَعَارِجَ﴾ معطوف على ﴿سُقُفًا﴾، ﴿عَلَيْهَا﴾ متعلق بـ ﴿يَظْهَرُونَ﴾، وجملة ﴿يَظْهَرُونَ﴾ صفة لـ ﴿مَعَارِجَ﴾.
﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾.
﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾: معطوف على قوله ﴿لبيوتهم﴾، وكرر لفظ البيوت لزيادة التقرير، ﴿أَبْوَابًا﴾ معطوف بعاطف مقدر على ﴿سُقُفًا﴾، أو منصوب بفعل محذوف،
﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾.
﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع، مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، ﴿يَعْشُ﴾: فعل الشرط مجزوم بحذف حرف العلة، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾: متعلق بـ ﴿يَعْشُ﴾، ﴿نُقَيِّضْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر، مجزوم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿نُقَيِّضْ﴾، ﴿شَيْطَانًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿فَهُوَ﴾ الفاء: عاطفة تفريعية، ﴿هو﴾: مبتدأ، ﴿لَهُ﴾ حال من ﴿قَرِينٌ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿قَرِينٌ﴾ خبر هو، والجملة الاسمية معطوفة على جملة جواب الشرط، ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إنهم﴾ ناصب واسمه، ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿يصدونهم﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ متعلق بـ ﴿يصدونهم﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿من﴾ الشرطية، أو على جملة
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾.
﴿حَتَّى﴾: حرف ابتداء وغاية، لدخولها على الجملة ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿جَاءَنَا﴾: فعل ومفعول، وفاعل مستتر يعود على العاشي، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على العاشي، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ في محل الجر بـ ﴿حَتَّى﴾ الجارة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: فهو له قرين، إلى قوله: ﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ وقت مجيئه إيانا. ﴿يَا لَيْتَ﴾: ﴿يَا﴾: حرف نداء، والمنادى محذوف، تقديره: يا هذا القرين، ﴿لَيْتَ﴾: حرف تمن ونصب، ﴿بَيْنِي﴾ ظرف متعلق بمحذوف، خبر ﴿لَيْتَ﴾ مقدم على اسمها، ﴿وَبَيْنَكَ﴾: معطوف على ﴿بَيْنِي﴾، ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾: اسم ﴿لَيْتَ﴾ مؤخر، ومضاف إليه، وجملة النداء مع جملة التمني في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَبِئْسَ﴾: الفاء: استئنافية. ﴿بِئْسَ﴾ فعل ماض من أفعال الذم. ﴿الْقَرِينُ﴾: فاعل، والمخصوص بالذم محذوف وجوبًا تقديره: أنت، وجملة ﴿بِئْسَ﴾ في محل الرفع خبر لهذا المخصوص، المحذوف، والجملة الاسمية جملة إنشائية مستأنفة، لا محل لها من الإعراب.
﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾.
﴿وَلَنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لن﴾ حرف نصب، ﴿يَنْفَعَكُمُ﴾ فعك مضارع منصوب بـ ﴿لن﴾، والكاف مفعول به، وفاعله ضمير مستتر يعود على التمني المفهوم من ﴿ليت﴾، والجملة مستأنفة، ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يَنْفَعَكُمُ﴾، ﴿إِذْ﴾: حرف تعليل بمعنى اللام، أو ظرف لما مضى من الزمان، بدل من اليوم، ﴿ظَلَمْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف
﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢)﴾.
﴿أَفَأَنْتَ﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري التعجبي، داخلة على مقدر يقتضيه المقام، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أأنت تتعب نفسك، فأنت تسمع الصم، والجملة المحذوفة مستأنفة، مسوقة لتسليته - ﷺ -، ﴿أَنْتَ﴾: مبتدأ، ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة المحذوفة، ﴿أَوْ﴾: حرف عطف، ﴿تَهْدِي الْعُمْيَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿تُسْمِعُ﴾، ﴿وَمَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب، معطوف على العمي، ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿فِي ضَلَالٍ﴾: خبرها، ﴿مُبِينٍ﴾ صفة ﴿ضَلَالٍ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة لـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما ذكر، وأردت بيان عاقبتهم.. فأقول لك: ﴿إما نذهبن بك﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط جازم ﴿ما﴾ زائدة ﴿نَذْهَبَنَّ﴾ فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد حرف، لا محل لها من الإعراب، وفاعله ضمير يعود على الله سبحانه، ﴿بِكَ﴾: متعلق بـ ﴿نَذْهَبَنَّ﴾، ﴿فَإِنَّا﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾، و ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة،
﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾.
﴿فَاسْتَمْسِكْ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما ذكرته لك، وأردت بيان ما هو اللازم لك.. فأقول لك استمسك. ﴿استمسك﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد - ﷺ -، ﴿بِالَّذِي﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿أُوحِيَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على الموصول. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق بـ ﴿أُوحِيَ﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول، ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿عَلَى صِرَاطٍ﴾ خبره ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾: صفة ﴿صِرَاطٍ﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿وَإِنَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَذِكْرٌ﴾ اللام: حرف ابتداء، ﴿ذِكْرٌ﴾ خبر ﴿إن﴾. ﴿لَكَ﴾ متعلق بـ ﴿ذِكْرٌ﴾، أو صفة له، ﴿وَلِقَوْمِكَ﴾: معطوف على ﴿لَكَ﴾، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة ﴿إنّ﴾ الأولى، ﴿وَسَوْفَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿سوف﴾: حرف تسويف، ﴿تُسْأَلُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿إن﴾ عطف فعلية على اسمية، ﴿وَاسْأَلْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿اسأل﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر، والجملة معطوفة على جملة ﴿استمسك﴾، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام: موطئة للقسم، ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق، ﴿أَرْسَلْنَا مُوسَى﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة، ﴿بِآيَاتِنَا﴾: حال من موسى، ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿وَمَلَئِهِ﴾ معطوف على ﴿فِرْعَوْنَ﴾، ﴿فَقَالَ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ناصب واسمه وخبره، ومضاف إليه، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿فَلَمَّا﴾ الفاء: عاطفة على مقدر تقديره: فطلبوا منه الآيات، ﴿لما﴾ حرف شرط غير جازم، ﴿جَاءَهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، ﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلق بـ ﴿جَاءَهُمْ﴾، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾، لا محل لها من الإعراب، ﴿إِذَا﴾: حرف فجأة رابطة لجواب ﴿لَمَّا﴾، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿يَضْحَكُونَ﴾، وجملة ﴿يَضْحَكُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على الجملة المقدرة.
﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾.
﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)﴾.
﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾.
﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى بل، وهمزة الاستفهام، ﴿أَنَا﴾: مبتدأ، ﴿خَيْرٌ﴾ خبره، ﴿مِنْ هَذَا﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، ﴿الَّذِي﴾: بدل من اسم الإشارة، والجملة معطوفة على ما قبلها، على كونها مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿هُوَ مَهِينٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول، ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَكَادُ﴾: فعل مضارع من أفعال المقاربة، واسمها ضمير يعود على الموصول، وجملة ﴿يُبِينُ﴾: خبرها، وجملة ﴿يَكَادُ﴾: معطوفة على الجملة الابتدائية، على كونها صلة الموصول، ﴿فَلَوْلَا﴾: الفاء: عاطفة، ﴿لولا﴾: حرف تحضيض بمعنى هلا،
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ بفتح الباء وألف وهمزة بعد الراء، وهو في الأصل وقع موقع الصفة مبالغة، ولذلك استوى فيه المذكر والمؤنث، والواحد والاثنان والجمع، يقال: نحن البراء. وأما البريء فهو يؤنث ويجمع، يقال: بريء وبريؤون وبريئة وبريئات. وفي "المختار": وتبرأ من كذ فهو براء منه بالفتح والمد، لا يثنى ولا يجمع؛ لأنه مصدر. وفي "القاموس": وأنا براء منه، لا يثنى ولا يجمع ولا
﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ والبيوت والأبيات جمع بيت، وهو اسم لمبنى مسقف، مدخله من جانب واحد، بني للبيتوتة، قال الراغب: أصل البيت مأوى الإنسان بالليل، ثم قد يقال من غير اعتبار الليل فيه، والبيوت بالمسكن أخص، والأبيات بالشعر، ويقع ذلك على المتخذ من حجر ومدر، ومن صوف ووبر، وبه شبه بيت الشعر. ﴿سُقُفًا﴾ جمع سقف، كرهن ورهن، وهو سماء البيت وعلوه. ﴿مِنْ فِضَّةٍ﴾ والفضة: جسم ذائب، صابر، صاف، منطرق، أبيض، رزين بالقياس إلى باقي الأجساد، سميت فضة لتفضضها وتفرقها في وجوه المصالح. ﴿وَمَعَارِجَ﴾ جمع معرج بفتح الميم وكسرها بمعنى: السلم، وهو المسمى الآن: سنسير، وهذا من معجزات القرآن، إذ لم يكن معروفًا في عصر التنزيل، قال الراغب: العروج: ذهاب في صعود، والمعارج المصاعد، وسميت المصاعد من الدرج معارج؛ لأن المشي عليها مثل مشي الأعرج. ﴿يَظْهَرُونَ﴾ يقال: ظهر على الشيء، إذا علاه وارتقى إليه، وأصل ظهر الشيء أن يحصل شيء على ظهر الأرض فلا يخفى، ثم صار مستعملًا في كل بارز للبصر والبصيرة، ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا﴾ جمع باب، والباب: يقال لمدخل الشيء، وأصل ذلك مداخل الأمكنة، كباب المدينة والدار
﴿يَتَّكِئُونَ﴾ من الاتكاء، وهو الاعتماد. ﴿وَزُخْرُفًا﴾ هو في الأصل: بمعنى الذهب، ويستعار لمعنى الزينة، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾. قال الراغب: الزخرف الزينة المزوقة، ومنه قيل للذهب زخرف، كما قال تعالى: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾؛ أي: ذهب مزوق. قال ابن زيد: الزخرف هو ما يتخذه الناس في منازلهم من الأمتعة، والأثاث. قال الحسن: النقوش، وأصله: الزينة، يقال: زخرفت الدار؛ أي: زينتها، وتزخرف فلان؛ أي: تزين. وأوردت معاجم اللغة معاني عديدة للزخرف، منها: الذهب، وحسن الشيء، وزخرف الكلام أباطيله المموهة، وزخرف الأرض ألوان نباتها، والجمع زخارف.
﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ ويعش بضم الشين، من عشا يعشو عشا إذا تعاشى بلا آفة وتعامى؛ أي: نظر نظر العشا، ولا آفة في بصره، ويقال: عشي يعشى، كرضي يرضى إذا كان في بصره آفة مخلة بالرؤية. قال الراغب: العشا بالفتح والقصر ظلمة تعرض في العين، يقال: رجل أعشى، وامرأة عشواء. وفي "القاموس": العشا سوء البصر بالليل والنهار، وخبطه خبط عشواء، ركبه على غير بصيرة، والناقة العشواء التي لا تبصر أمامها. ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ نسبب ونقدر ونسلط ونضمه إليه ليستولي عليه استيلاء القيض على البيض، وهو القشر الأعلى اليابس، ويقال قيض الله كذا، قدره له، وقيض الله فلانًا لفلان، جاءه به. ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أصله: يصددونهم بوزن يَفْعُلُون، نقلت حركة الدال الأولى إلى الصاد فسكنت، وأدغمت في الدال الثانية ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾، أي: بعد المشرق، وكثيرًا ما تسمي العرب الشيئين المتقابلين باسم أحدهما، قال الفرزدق:
أَخَذْنَا بِآفَاقِ السّمَاءِ عَلَيْكُمُ | لَنَا قَمَرَاهَا وَالنُّجُوْمُ الطَّوَالِعُ |
﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ وفي "القاموس": مصّروا المكان تمصيرًا: جعلوه مصرًا فتمصّر، ومصر: علم للمدينة المعروفة، سميت لتمصّرها، أو لأنه بناها مصر بن حام بن نوح، وقال بعضهم: مصر بلد معروف، من مَصَرَ الشيء يمصره، إذا قطعه، سمي به لانقطاعه عن الفضاء بالعمارة، انتهى. ﴿هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ مهين صفة مشبهة بوزن فعيل بمعنى ضعيف وحقير. ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ أصله يبين بوزن يفعل، نقلت حركته الياء إلى الباء فسكنت إثر كسرة. فصارت حرف مدٍّ. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان بموسى لثغة في لسانه، واللثغة بالضم أن تصير الراء غينًا أو لامًا، والسين ثاءً، وقد لثغ من باب ضرب فهو ألثغ: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ﴾ جمع سوار، كاخمرة جمع الخمار، على تعويض التاء من ياء أساوير، يعني الياء المقابلة لألف أسوار، ونظيره: زنادقة وبطارقة، فالهاء فيهما عوض عن ياء زناديق وبطاريق، المقابلة لياء زنديق وبطريق، قال في "القاموس": السوار بالكسر والضم القلب، كالأسوار بالضم. والجمع أسورة وأساور وأساورة. وفي "المفردات": سوار المرأة أصله: دستوراه، فهو فارسي
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ وجد أحلامهم خفيفة يغترون بالتلبيسات الباطلة، وقال الراغب: حملهم على أن يخفوا معه، أو وجدهم خفافًا في أبدانهم وعزائمهم. وفي "القاموس": استخفه ضد استثقله، واستخف فلانًا عن رأيه حمله على الجهل والخفة، وأزاله عما كان عليه من الصواب. وأصله: استخفف بوزن استفعل، نقلت حركة الفاء الأولى إلى الخاء فسكنت، وأدغمت في الفاء الثانية. ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾ فيه إعلال بالنقل والتمسكين والقلب، أصله: فأطوعوه، نقلت حركة ﴿الواو﴾ إلى الطاء، فسكنت، لكنها قلبت ألفًا لتحركها في الأصل، وفتح ما قبلها، في الحال. ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ منقول من أسف يأسف، كعلم يعلم إذا اشتد غضبه. وفي "القاموس": الأسف محركة أشد الحزن، وأسف عليه غضب. وقال الراغب: الأسف الحزن والغضب معًا، وقد يقال: لكل منهما على الانفراد، وحقيقته ثوران دم القلب إرادة الانتقام، كما مر. وأصله: أأسفونا بهمزتين الأولى همزة التعدية، والثانية فاء الفعل، فأبدلت الثانية الساكنة حرف مد مجانسًا لحركة الأولى المفتوحة، والمجانس لها هو الألف. ﴿سَلَفًا﴾ إما مصدر سلف يسلف، كطلب يطلب، بمعنى التقدم وصف به الأعيان للمبالغة، فهو بمعنى متقدمين ماضين، أو جمع سالف كخدم جمع خادم، ولما لم يكن المتقدم متعديًا باللام، فسروه بالقدرة مجازًا لأن المتقدمين يلزمهم غالبًا أن يكونوا قدوةً لمن بعدهم. ﴿لِلْآخِرِينَ﴾ اللام متعلق بكل من ﴿سَلَفًا﴾ و ﴿مَثَلًا﴾ على سبيل التنازع؛ أي: عظةً للكفار المتأخرين عنهم، والعظة ليس من لوازمها الاتعاظ، أو قصة عجيبةً تسير مسير الأمثال لهم، فيقال: مثلكم مثل قوم فرعون كما مر.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
ومنها: صيغة المضارع في قوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ للدلالة على الاستمرار؛ أي: دوام الهداية حالًا واستقبالًا.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لما فيه من إسناد ما للبعض إلى الكل نظرًا بحال الأكثر؛ لأن الرجوع إنما يحصل من البعض لا من الكل.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿فِي عَقِبِهِ﴾ لأن العقب حقيقة في مؤخر الرجل، فاستعير للولد وولد الولد، كما قاله الراغب.
ومنها: التكرير في قوله: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ﴾ لزيادة التقرير.
ومنها: تقديم المعمول على عامله في قوله: ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾، وفي قوله: ﴿يَتَّكِئُونَ﴾ رعاية للفاصلة.
ومنها: الجناس المماثل بين ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ﴾، وبين ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا﴾.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ لأن حق العبارة، ليتخذوهم سخريًا لغرض الإيضاح والبيان.
ومنها: التجهيل والتعجيب من تحكمهم في قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾.
ومنها: إطلاق العام دارادة الخاص في قوله: ﴿رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾؛ لأن المراد بالرحمة هنا النبوة.
ومنها: تقديم المسند إليه، وهو نحن على المسند، وهو قسمنا، في قوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ لإفادة الاختصاص.
ومنها: التخصيص في قوله: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ لغرض التأكيد.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ لأنه في تقدير ولولا، كراهية أن يكون الناس... إلخ.
ومنها: إطلاق العام وإرادة الخاص في قوله: ﴿وَزُخْرُفًا﴾؛ لأن الزخرف في الأصل اسم لكل ما يتزين به، والمراد به هنا: الذهب.
ومنها: الطباق بين ﴿الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ﴾ في قوله: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾؛ لأنه مستعار للإعراض عنه.
ومنها: النكرة الواقعة في سياق الشرط في قوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾ لإفادة العموم، ولذلك أعاد عليه الضمير مجموعًا، في قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾، وفي قوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
ومنها: التغليب في قوله: ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾؛ لأن فيه تغليب المشرق على المغرب، كالعمرين والقمرين.
ومنها: إعادة النكرة معرفة في قوله: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ إفادة بأنه نفس الأول، كما قال السيوطي في "عقود الجمان":
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهَرَهْ | إِذَا أَتَتْ نَكِرَةً مُكَرَّرَهْ |
تَغَايَرَتْ، وإنْ يُعَرَّفْ ثَانِ | تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ |
ومنها: الكناية في قوله: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾؛ لأنه كناية عن الموت.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ لتغيير الشكل، وبعض الحروف بينهما، وفيه أيضًا المجاز المرسل، فقد أوقع السؤال على الرسل، مع أن المراد أممهم، لعلاقة الهداية المفضية بهم إلى معرفة اليقين، وقيل: هو على حذف مضاف، ففيه مجاز بالحذف؛ أي: واسأل أمم من أرسلنا من قبلك.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ لأن كلمة لعل مستعارة لمعنى كي، وهو التعليل.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾؛ لأن النكث في الأصل: نقض الحبل والغزل مثلًا، فاستعير لنقض العهد بجامع الانفكاك في كل.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ علاقته المحلية، فقد جعل قومه محلًا لندائه وموقعًا له، والمعنى: أنه أمر بالنداء في مجامعهم وأماكنهم، وفيه أيضًا الإسناد المجازي؛ لأنه أسند النداء إلى نفسه، مع أن المنادى غيره كقولهم: قطع الأمير اللص إذا أمر بقطعه.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات
قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر فيما سلف: أن يوم القيامة سيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون.. أردف ذلك ببيان أحوال ذلك اليوم:
فمنها: أن الأخلاء يتعادون فيها، إلا من تخالوا على الإيمان والتقوى.
ومنها: أن المؤمنين لا يخافون من سلب نعمة يتمتعون بها، ولا يحزنون على فقد نعمة قد فاتتهم.
ومنها: أنهم يتمتعون بفنون من الترف والنعيم، فيطاف عليهم بصحاف من ذهب، فيها ما لذ وطاب من المآكل، وبأكواب وأباريق فيها شهي المشارب، ويقال لهم: هذا النعيم كفاء ما قدمتم، من عمل بأوامر الشرع ونواهيه، وأسلفتم من إخلاص لله وتقوى له.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤)...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (٢) ما أعد لأهل الجنة من النعيم المقيم، والتمتع بفنون اللذات، من المآكل والمشارب والفواكه.. أعقب ذلك، بذكر ما يكون فيه الكفار من العذاب الأليم، الدائم، الذي لا يخفف عنهم أبدًا، وهم في حزن لا ينقطع، ثم ذكر أن هذا ليس إلا جزاءً وفاقًا، لما دسوا به أنفسهم من سيء الأعمال، ثم أردف ذلك، بمقال أهل النار، لخزنة جهنم وطلبهم من ربهم، أن يموتوا حتى يستريحوا مما هم فيه من العذاب، ثم إجابته لهم عن ذلك، ثم وبخهم على ما عملوا في الدنيا واستحقوا به العذاب. ثم ذكر
(٢) المراغي.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى، لما ذكر مقال أهل النار لخزنة جهنم، وطلبهم من ربهم أن يموتوا حتى يستريحوا مماهم فيه من العذاب، وحسبانهم أن الله لا يسمع سرهم ونجواهم: أمر هنا نبيه - ﷺ - أن يقول للمشركين إحقاقًا للحق: إن مخالفته لهم في عبادة ما يعبدون، لم يكن بغضًا منه لهم، ولا عداوة لمعبوديهم، بل لاستحالة نسبة ما نسبوه إليهم، وبنوا عليه عبادتهم لهم، من كونهم بنات الله، تنزه ربنا عما يقولون. ثم أمره أن يتركهم وشأنهم حتى يأتي اليوم الذي يلاقون فيه جزاء أعمالهم وأقوالهم. ثم أخبر بأن لا معبود في السماء، ولا في الأرض سواه، وهو الحكيم العلم بكل شيء، وأن من يعبدونهم لا يشفعون لهم حين الجزاء والحساب. ثم ذكر أن أقوالهم تناقض أفعالهم، فهم يعبدون غير الله ويقولون: إن الخالق للكون سمائه وأرضه، هو الله سبحانه، ثم أردف هذا، بأنه لا يعلم الساعة إلا هو سبحانه، وأنه يعلم شديدَ حزنك على عدم إيمانهم وعدم استجابتهم لدعوتك، ثم ختم السورة بأمر رسوله بالإعراض عنهم وتركهم وشأنهم، وسيأتي اليوم الذي يلقون فيه الجزاء على سوء صنيعهم، وقبيح فعالهم من عبادة غير الله سبحانه وتعالى، والإشراك به ما لا ينفع ولا يضر من مخلوقاته.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه أحمد بسند صحيح، والطبراني عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - قال لقريش: "إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير"، فقالوا:
قال الواحدي (١): وأكثر المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مجادلة عبد الله بن الزِّبَعْرَى السهمي، مع النبي - ﷺ - لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.. قال ابن الزِّبَعْرَى: خصمتك ورب الكعبة، أليست النصارى يعبدون المسيح واليهود عزيرًا، وبنو مليح الملائكة، ففرح قومه بذلك من قوله فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾، ونزلت هذه الآية المذكورة هنا. وقد مضى هذا في سورة الأنبياء، ولا يخفاك أن ما قاله ابن الزبعرى مندفع من أصله، وباطل برمته، فإن الله سبحانه قال: إنكم وما تعبدون، ولم يقل: ومن تعبدون حتى يدخل في ذلك العقلاء، كالمسيح، وعزير، والملائكة.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٢): ما أخرجه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: بينا ثلاثة بين الكعبة وأستارها قرشيان، وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال واحد منهم: ترون الله يسمع كلامنا، فقال آخر: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع، فنزلت هذه الآية: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
٥٧ - ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ﴾ وجعل عيسى ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ عليه السلام ﴿مَثَلًا﴾؛ أي: مثالًا ومشابها للأصنام، من حيث إن النصارى اتخذوه إلهًا، وعبدوه من دون الله؛ أي: ضربه عبد الله بن الزبعرى السهمي مثلًا لأصنامهم، كان من مردة قريش قبل أن يسلم. قال في "القاموس": الزِّبَعْرَى بكسر الزاي وفتح الباء والراء والد عبد الله الصحابي القرشي الشاعر، انتهى. ومعنى ضربه مثلًا أي (٣): جعله مثالًا ونظيرًا
(٢) لباب النقول.
(٣) روح البيان.
قال الكسائي والفراء والزجاج والأخفش (٢): هما لغتان، مثل: عكف يعكف، ويعكف بالكسر والضم، ومعناهما يضجون. قال الجوهري: صد يصد صديدًا؛ أي: ضج؛ وقيل: إنه بالضم الإعراض، وبالكسر الضجيج قاله قطرب قال أبو عبيد: لو كانت من الصدود عن الحق لقال: إذا قومك منه يصدون، وقال الفراء: هما سواء منه وعنه. وقال أبو عبيدة: من ضم فمعناه: يعدلون، ومن كسر فمعناه: يضجون.
٥٨ - ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: قال قومك قريش ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ﴾ عندك من عيسى، فإن آلهتهم خير عندهم من عيسى ﴿أَمْ هُوَ﴾؛ أي: أم عيسى خير من آلهتنا، وظاهر
(٢) الشوكاني.
﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ﴾؛ أي: ما ضرب قومك لك هذا المثل في عيسى، وما ذكروه ﴿إِلَّا﴾ ليجادلوك ويخاصموك ﴿جَدَلًا﴾؛ أي: جدالًا وخصامًا، ونزاعًا في الحق على أنه منصوب على المصدرية، أو ما ضربوه لك إلا لأجل الجدال والخصام، لا لطلب الحق، حتى يذعنوا له عند ظهوره ببيانك، أو إلا حال كونهم مجادلين على أنه مصدر وقع موقع الحال. وقرأ ابن مقسم: ﴿إلا جدالا﴾ بكسر الجيم وبألف.
وقال بعضهم: مرادهم بهذا الكلام؛ إن قال محمد - ﷺ -: آلهتكم خير من عيسى، فقد أقر بأنها معبودة، - ﷺ - وإن قال: عيسى خير من آلهتكم، فقد أقر بأن عيسى يصلح لأن يعبد، - ﷺ - وإن قال: ليس واحد منهم خيرًا فقد نفى عيسى، فراموا
(٢) الفتوحات.
ومعنى الآية (١): أي ولما ضرب ابن الزبعرى عيسى بن مريم مثلًا، وجادل رسول الله - ﷺ - بعبادة النصارى له إذا قومك من هذا المثل، يرتفع لهم ضجيج وجلبة فرحًا وسرورًا، كما يرتفع لغط القوم ولجبهم إذا أعيوا في حجة، ثم فتحت عليهم، وقالوا: إن آلهتنا ليست خيرًا من عيسى، فإذا كان عيسى من حصب جهنم، كان أمر آلهتنا أهون، ما ضربوا لك المثل إلا لأجل الجدل والغلبة في القول، لا لإظهار الحق، فإن قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إنما ينطبق على الأصنام والأوثان، ولا يتناول عيسى والملائكة، ولكنهم قوم ذوو لدد في الخصومة، مجبولون على سوء الخلق واللجاج.
قال الزمخشري (٢): إن ابن الزبعرى بخبه وخداعه، وخبث دخلته، لما رأى كلام الله ورسوله محتملًا لفظه وجه العموم، مع علمه بأن المراد به أصنامهم، لا غير، وجد للحيلة مساغًا، فصرف معناه إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير الله، على طريقة المحك والجدال، وحب المغالبة والمكابرة، وتوقح في ذلك فتوقر رسول الله - ﷺ - حتى أجاب عنه ربه، بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ فدل به على أن الآية خاصة في الأصنام، انتهى.
(٢) الكشاف.
والمعنى (٢): أي ما عيسى بن مريم إلا عبد أنعمنا عليه بالنبوة وروادفها، فهو رفيع المنزلة على القدر، وقد جعلناه آية على قدرتنا، بأن خلقناه من غير أب وشرفناه بالنبوة، وصيرناه عبرة سائرة تفتح للناس باب التذكر والفهم، وليست مخالفة العادة بموجبه لعبادته كما يزعم النصارى، بل مذكرة بعبادة الخالق الحكيم
٦٠ - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾ ﴿لو﴾ للمضي، وإن دخل على المضارع ولذا لا يجزمه، ويتضمن ﴿لَوْ﴾ معنى الشرط؛ أي: ولو شئنا ﴿لـ﴾ أهلكناكم يا كفار مكة و ﴿جعلنا﴾ بدلًا ﴿مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ يسكنون ﴿فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ عنكم؛ أي: يكونون خلفًا عنكم يعمرون الأرض، ويعبدونني، ويطيعونني، ومقصود الآية: أنا لو شئنا لأسكنا الملائكة الأرض، وليس في إسكاننا إياهم السماء شرف حتى يعبدوا، أو يقال لهم: بنات الله، قاله السدي. ونحوه عن مجاهد.
وقيل المعنى (٣): ولو شئنا ﴿لَجَعَلْنَا﴾؛ أي: أولدنا؛ أي: لخلقنا بطريق التوالد ﴿مِنْكُمْ﴾ وأنتم رجال من الإنس ليس من شأنكم الولادة. كما ولدنا حواء من آدم، وعيسى من غير أب، وإن لم تجر العادة بذلك ﴿مَلَائِكَةً﴾ كما خلقناهم بطريق الإبداع ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ مستقرين فيها كما جعلناهم مستقرين في السماء ﴿يَخْلُفُونَ﴾؛ أي: يخلفونكم، ويصيرون خلفاء بعدكم مثل أولادكم فيما تأتون وتذرون، ويباشرون الأفاعيل المنوطة بمباشرتكم، مع أن شأنهم التسبيح، والتقديس في السماء، فمن شأنهم بهذه المثابة بالنسبة إلى القدرة الربانية، كيف
(٢) المراغي.
(٣) روح البيان.
فقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ...﴾ إلخ، لتحقيق (١) أن مثل عيسى ليس ببدع من قدرة الله، وأنه تعالى قادر على أبدع من ذلك، وهو توليد الملائكة من الرجال، مع التنبيه على سقوط الملائكة أيضًا عن درجة المعبودية، والمعنى الأول أولى وفي الآية إشارة، إلى أن الإنسان لو أطاع الله تعالى؛ لأنعم الله عليه، بأن جعله متخلقًا باخلاق الملائكة، ليكون خليفة الله في الأرض بهذه الأخلاق، ليستعد بها إلى أن يتخلق باخلاق الله، فإنها حقيقة الخلافة.
والمعنى على القول الأول: ولو شئنا لأهلكناكم، وجعلنا بدلكم في الأرض ملائكة يعمرونها ويعبدوننا، وفي الآية على هذا المعنى تهديد وتخويف لكفار قريش، وقد يكون المعنى: ولو شئنا لجعلنا ذريتكم ملائكة يخلفونكم في الأرض، كما يخلفكم أولادكم، كما خلقنا عيسى من أنثى بلا ذكر، وجعلناه رجلًا.
والخلاصة (٢): أننا لو شئنا لجعلنا في الأرض عجائب، كأمر عيسى بحيث يلد الرجل ملكًا فيخلفه، فباب العجائب وتغير السنن لا حد له عندنا، فكم من نواميس خافية عليكم بيدنا تصريفها.
٦١ - ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: وإن عيسى بن مريم عليه السلام بنزوله في آخر الزمان ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي (٣): لشرط من أشراط الساعة، يعلم بنزوله قربها، وتسميته علمًا لحصوله به، فهي على المبالغة في كونه مما يعلم به، فكأنه نفس العلم بقربها، أو المعنى: إن حدوثه بغير أب، أو إحياءه الموتى دليل على صحة البعث، الذي
(٢) المراغي.
(٣) روح البيان.
وروي: أن عيسى عليه السلام، ينزل على ثنية بالأرض المقدسة، يقال لها: أفيق بوزن أمير، قرية بين حوران والغور، وعليه ممصرتان، يعني: ثوبين مصبوغين بالأحمر، فإن العصر الطين الأحمر، والممصر المصبوغ به، كما في "القاموس" وشعر رأسه دهين، وبيده حربة وبها يقتل الدجال، فيأتي بيت المقدس، والناس في صلاة الصبح، وفي رواية في صلاة العصر، فيتأخر الإِمام فيقدمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد - ﷺ -، ثم يقتل الخنازير، ويكسر الصليب، ويخرب البيع والكنائس، ويقتل اليهود والنصارى إلا من آمن به. وفي حديث آخر: الأنبياء أولاد علات، وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم ليس بيني وبينه نبي، وفي "صحيح مسلم": "ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية"، وزاد غيره "وتهلك في زمانِه الملل كُلها إلا الإِسلام"، دل آخر الحديث، على أن المراد بوضع الجزية: تركها ورَفْعُها عن الكفار بأن لا يقبل إلا الإِسلام، صرح بذلك النووي. ولعل المراد بالكسر والقتل المذكورين ليس حيقتهما، بل إزالة آثار الشرك عن الأرض.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿لَعِلْمٌ﴾ بصيغة المصدر، جعل المسيح علمًا، مبالغة لما يحصل من العلم بحصولها عند نزوله. وقرأ ابن عباس وأبو هريرة، وأبو مالك الغفاري وزيد بن علي وقتادة ومجاهد والضحاك ومالك بن دينار والأعمش
(٢) البحر المحيط.
﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾؛ أي: فلا تشكن يا كفار مكة في وقوع الساعة، ولا تكذبن بها، فإنها كائنة لا محالة من الامتراء، وهو المحاجة فيما فيه مرية ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾؛ أي: واتبعوا هداي وشرعي فيما آمركم به، وأنهاكم عنه من التوحيد وبطلان الشرك، والمعنى: قل لهم يا محمد: اتبعوني ﴿هَذَا﴾ الذي أدعوكم إليه وآمركم به من التوحيد وفرائض الله تعالى ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾؛ أي: قويم لا اعوجاج فيه، موصل إلى الحق وإلى رضا الله سبحانه وتعالى.
وقرأ الجمهور (١): بحذف الياء من ﴿اتبعون﴾ وصلًا ووقفًا، وكذلك قرؤوا بحذفها في الحالين في ﴿أطيعون﴾. وقرأ يعقوب باثباتها وصلًا ووقفًا فيهما. وقرأ أبو عمرو وهي رواية عن نافع بحذفها في الوصل دون الوقف.
٦٢ - ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: لا يمنعنكم الشيطان، ولا يصرفنكم عن اتباعي؛ أي: لا تغتروا بوساوسه وشبهه التي يوقعها في قلوبكم، فيمنعكم عن اتباعي، فإن الذي دعوتكم إليه هو دين الله الذي اتفق عليه رسله وكتبه، ثم علل نهيهم، عن أن يصدهم الشيطان ببيان عداوته لهم فقال: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الشيطان ﴿لَكُمْ﴾؛ أي: لبني آدم لا لغيركم ﴿عَدُوٌّ﴾؛ أي: شديد العداوة ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: بيِّن العداوة حيث أخرج أباكم من الجنة، ونزع عنه لباس النور، وعرضكم للبلية.
فائدة: وحكي (٢): أنه لما خرج آدم عليه السلام من الجنة، قال إبليس: أخرجته من الجنة بالوسوسة، فماذا أفعل به الآن، فذهب إلى السباع والوحوش فأخبرهم بخبر آدم، وما يولد منه حتى قالت الوحوش والسباع: ما التدبير والرأي في ذلك قال إبليس: ينبغي أن تقتلوه، وقتل واحد أسهل من قتل ألف، فأقبلوا إلى آدم وإبليس أمامهم، فلما رأى آدم أن السباع قد أقبلت إليه رفع يده إلى
(٢) روح البيان.
والمعنى (١): أي إنه مظهر لعداوته لكم غير متحاش، ولا متكتم لها، كما يدل على ذلك ما وقع بينه وبين أبيكم آدم، من امتناعه عن السجود له، وما ألزم به نفسه من إغواء جميع بني آدم إلا عباد الله المخلصين.
٦٣ - ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى﴾ إلى بني إسرائيل ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالمعجزات الواضحة والشرائع الربانية، وقال قتادة: البينات هنا الإنجيل ﴿قَالَ﴾ لهم عيسى ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ يا بني إسرائيل وبعثت إليكم ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾؛ أي: بالإنجيل أو بالشريعة لأعلمكم، وقيل: الحكمة كل ما يرغب في الجميل، ويكف عن القبيح ﴿وَ﴾ جئتكم ﴿لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ من أحكام التوراة، قيل: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موت موسى في أشياء من أمر دينهم، وقيل: ذلك البعض ما يتعلق بأمور الدين، وأما ما يتعلق بأمور الدنيا فليس بيانه من وظائف الأنبياء، كما قال - ﷺ -: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، لأن اختلافهم يكون فيها وفي غيرها من الأمور التي لا تتعلق بالديانات، فأمور الديانات بعض ما يختلفون فيه، وبين لهم في غيره ما احتاجوا إليه، واللام في قوله: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ معطوفة على مقدر، كأنه قال: قد جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها، ولأبين لكم.
فإن قلت (٢): كيف قال عيسى عليه السلام لأمته ذلك، مع أن كل نبي يلزمه أن يبين لأمته كل ما يختلفون فيه؟.
(٢) فتح الرحمن.
والمعنى (١): ولما جاءهم عيسى بالمعجزات الواضحة قال: قد جئتكم بالشرائع التي فيها صلاح البشر، ولأبين لكم بعض ما اختلف فيه قوم موسى، من أحكام الدين دون أمور الدنيا، كطرق الفلاحة والتجارة، فإن الأنبياء لم يبعثوا لبيانها، كما يشير إلى ذلك قوله - ﷺ - حين نهاهم عن تأبير النخل - تلقيحه بطلع الذكر - ففقد الثمر ولم يغل شيئًا نافعًا: "أنتم أعلم بأمور دنياكم، وأنا أعلم بأمور دينكم".
ولما بين لهم أصول الدين وفروعه قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ سبحانه وتعالى؛ أي: اتقوا عقابه في مخالفتي أن يحل بكم ﴿وَأَطِيعُونِ﴾؛ أي: أطيعوني فيما أبلغه عنه تعالى من الشرائع والتكاليف، فإن طاعتي طاعة الله سبحانه وتعالى، كما قال من يطع الرسول فقد أطاع الله.
٦٤ - ثم فصل ما يأمرهم به بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ الذي يستحق إفراده بالألوهية، وإخلاص العبادة له ﴿هُوَ رَبِّي﴾ ومالكي ﴿وَرَبُّكُمْ﴾ ومالككم، فأنا وأنتم عبيد له فقراء إليه، فخصوه بالعبادة والتوحيد، وهذا بيان (٢) لما أمرهم بالطاعة فيه، وهو اعتقاد التوحيد، والتعبد بالشرائع ﴿هَذَا﴾ الذي جئتكم به من التوحيد، والتعبد بالشرائع، ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ لا يضل سالكه، وكل الديانات جاءت بمثله، فما هو إلا اعتقاد بوحدانية الله تعالى، وتعبد بشرائعه، وفي "التأويلات النجمية": فاعبدوه ولا تعبدوني، فإني في العبودية شريك معكم، وإنه متفرد بربوبيته إيانا، وتعبدنا إياه صراط مستقيم لا اعوجاج فيه، وهذا تتمة كلام عيسى عليه السلام،
(٢) روح البيان.
٦٥ - ولما كان الطريق القويم يجب الاجتماع عليه، والاتفاق على سلوكه، بين أنهم خالفوا ذلك فاختلفوا فيه، فقال: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾؛ أي: فاختلفت الفرق المتخربة من اليهود والنصارى في شأن عيسى عليه السلام، بعد رفعه إلى السماء اختلافًا ناشئًا ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾؛ أي: من قبل أنفسهم لم يدخلهم الاختلاف من غيرهم، فقالت اليهود لعنهم الله تعالى: ابن زانية زنت أمه بيوسف النجار، وقالت اليعقوبية من النصارى: هو الله، وقالت النسطورية: وابن الله، وقالت الملكانية: هو شريك الله، وقالت المرقوسية: هو ثالث ثلاثة.
وفي "التأويلات النجمية": تفرق قومه الذين بعث إليهم أحزابًا وفرقًا، حزب آمنوا به أنه عبد الله ورسوله، وحزب آمنوا به أنه ثالث ثلاثة فعبدوه بالألوهية، وحزب اتخذوه ولدًا لله وابنًا له، تعالى الله عما يقول الظالمون، وحزب كفروا به وجحدوا نبوته، وظلموا عليه، وأرادوا قتله. وقيل: المراد بالأحزاب: الذين تحزبوا على رسول الله - ﷺ -، وكذبوه وهم المرادون بقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾. والأول أولى. فقال الله في حق الظالمين المشركين: ﴿فَوَيْلٌ﴾؛ أي: فشدة عذاب ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ من هؤلاء المتحزبين، الذين وضعوا القول في غير موضعه، ففيه إظهار في مقام الإضمار، تسجيلًا عليهم باسم الظلم ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾؛ أي: وجيع عذابه، وهو يوم القيامة، والمراد: يوم أليم العذاب، كقوله: في يوم عاصف؛ أي: عاصف الريح.
٦٦ - والاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ للإنكار، والضمير لكفار مكة؛ أي: ما ينتظر هؤلاء المشركون، وقيل: للأحزاب المختلفة؛ أي: ما ينتظر هؤلاء الأحزاب المتفرقة، وهذا أوفق بمقتضى السياق، وقيل: جميع الكفرة، وهذا أولى لعمومه؛ أي: ما ينتظر الكفار ولا يرتقبون ﴿إِلَّا السَّاعَةَ﴾ والقيامة ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ بدل (١) من الساعة؛ أي: إلا إتيانَ الساعة، ولما كانت الساعة تأتيهم لا محالة كانوا كأنَّهم ينتظرونها، وانتصاب ﴿بَغْتَةً﴾ على المصدرية؛ أي: إتيان بغتة وفجأة. قال في "الإرشاد":
والمعنى (١): أي هل ينتظر هؤلاء الأحزاب المختلفون في شأن عيسى، القائلون فيه الباطل من القول إلا أن تقوم الساعة بغتةً، وهم غافلون عنها، لا يعلمون بمجيئها لاشتغالهم بأمر دنياهم وانكارهم لها، فيندمون حين لا ينفعهم الندم، ولا يدفع ذلك عنهم شيئًا، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾.
روى ابن مردويه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: "تقوم الساعة والرجلان يحلبان الشاة، والرجلان يطويان الثوب"، ثم قرأ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾.
واعلم (٢): أن القيامة ثلاث:
الكبرى: وهي حشر الأجساد، والسوق إلى المحشر للجزاء.
والصغرى: وهي موت كل أحد، كما قال - ﷺ -: "من مات فقد قامت قيامته" ولذا جعل القبر روضةً من رياض الجنة، أو حفرةً من حفر النيران.
(٢) روح البيان.
وعن علي رضي الله عنه: "يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإِسلام إلا اسمه، ولا من الدين إلا رسمه، ولا من القرآن إلا درسه، يعمرون مساجدهم، وهي خراب عن ذكر الله تعالى، شر أهل ذلك الزمان علماؤهم منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود"، يعني: يهدى به ولا يهتدي، فنعوذ بالله من علم بلا عمل.
٦٧ - ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾ والأصدقاء؛ أي (١): المتحابون في الدنيا على الإطلاق، أو في الأمور الدنيوية ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ تأتيهم الساعة، وهو ظرف لقوله: ﴿عَدُوٌّ﴾. والفصل بالمبتدأ غير مانع، والتنوين فيه عوض عن الجملة المحذوفة التي أضيف إليها إذ ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾؛ أي: يعادي بعضهم بعضًا؛ لأنه قد انقطعت بينهم علائق الخلة والتحاب، واشتغل كل واحد منهم بنفسه، ووجدوا تلك الأمور التي كانوا فيها أخلاء أسبابًا للعذاب، فصاروا أعداء، ثم استثنى المتقين فقال ﴿إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ فإن خلتهم في الدنيا، لما كانت في الله بقيت على حالها، ولم تنقطع، بل تزداد بمشاهدة كل منهم آثار الخلة، من الثواب ورفع الدرجات. والاستثناء على الأول متصل، وعلى الثاني منقطع.
وفي "التأويلات النجمية": يشير سبحانه إلى أن كل خلة وصداقة تكون في الدنيا مبنية على الهوى والطبيعة الإنسانية، وتكون في الآخرة عداوةً يتبرأ بعضهم من بعض. والأخلاء في الله خلتهم باقية إلى الأبد، وينتفع بعضهم من بعض، ويشفع بعضهم في بعض، ويتكلم بعضهم في شأن بعض، وهم المتقون الذين استثناهم الله سبحانه، وشرائط الخلة في الله أن يكونا متحابين في الله محبةً خالصة لوجه الله، من غير شوب بعلة دنيوية، هوائية، متعاونين في طلب الله،
٦٨ - ثم ذكر ما يتلقى الله سبحانه وتعالى به عباده المتقين، المتحابين في الله تشريفًا لهم، وتسكينًا لروعتهم مما يرون من الأهوال فقال: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ من لقاء المكاره ﴿وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ من فوت المقاصد، كما يخاف ويحزن غير المتقين، وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو: ﴿يَا عِبَادِي﴾ بإثبات الياء، ساكنة وصلًا ووقفا. وقرأ أبو بكر وزر بن حبيش بإثباتها وفتحها في الحالين. وقرأ الباقون بحذفها في الحالين. وقرأ الجمهور: ﴿لَا خَوْفٌ﴾: مرفوعًا منونًا، وابن محيصن بالرفع من غير تنوين، والحسن والزهري وابن أبي إسحاق وعيسى وابن يعمر بفتحها من غير تنوين، ذكره في "البحر"؛ أي (١): ونقول لهم يومئذ: يا عبادي لا تخافوا من عقابي. فإني قد أمنتكم منه برضاي عنكم، ولا تحزنوا على فراق الدنيا، فإن الذي تقدمون عليه خير لكم مما فارقتموه منها.
٦٩ - ثم بين من يستحق هذا النداء وذلك التكريم فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدقوا ﴿بِآيَاتِنَا﴾ وعملوا بجميع ما فيها ﴿وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾؛ أي: منقادين لتكاليفنا بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي. وجملة ﴿كَانُوا﴾ حال من ﴿الواو﴾ في ﴿آمَنُوا﴾، أو عطف على الصلة؛ أي: مخلصين وجوههم لنا، جاعلين أنفسهم سالمةً لطاعتنا، وفي الآية إشارة إلى الإيمان بالآيات التنزيلية، والتكوينية.
والمعنى: أي الذين آمنت قلوبهم، وصفت نفوسهم، وانقادت لشرع الله بواطنهم وظواهرهم، والموصول يجوز أن يكون نعتًا لعبادي، أو بدلًا منه، أو
٧٠ - وخبره قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ على تقدير يقال لهم: ادخلوا الجنة، والأول أولى، وبه قال الزجاج؛ أي: ويقال لهم على سبيل البشرى: ادخلوا الجنة أيها المؤمنون ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾؛ أي: نساؤكم المؤمنات، وقيل: قرناؤهم من المؤمنين. وقيل: زوجاتهم من الحور العين، والأول أولى. حال كونكم ﴿تُحْبَرُونَ﴾؛ أي: تسرون سرورًا يظهر حباره، بفتح الحاء وكسرها؛ أي: أثره على وجوهكم لقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾، أو تزينون من الحبرة، وهو حسن الهيئة،
٧١ - وبعدئذ ذكر طرفًا مما يتمتعون به من النعيم فقال: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على العباد المؤمنين بعد دخولهم الجنة، والطائف (١): الخادم ومن يدور حول البيت حافظًا، والإطافة كالطوف والطواف؛ أي: يدار عليهم بأيدي الغلمان والولدان ﴿بِصِحَافٍ﴾ وقصاع وجفان مخلوقة ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ مملوءة بألوان من الطعام والحلوى، جمع صحفة كجفان جمع جفنة، وهي القصعة العريضة الواسعة، قال السدي: ليست لها آذان، قال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة، وهي تشبع عشرةً ثم الصحفة، وهي تشبع خمسة، ثم المكيلة، وهي تشبع الرجلين والثلاثة.
والمعنى: أن لهم في الجنة أطعمةً، يطاف عليهم بها في صحاف الذهب ﴿و﴾ لهم فيها أشربة، يطاف عليهم بها في ﴿أَكْوَابٍ﴾ وكاسات من ذهب، جمع كوب، وهو كوز لا عروة له ولا خرطوم، ليشرب الشارب من حيث شاء، قال سعدي المفتي: قللت الأكواب، وكثرت الصحاف؛ أي: كما دل عليهما الصيغة لأن المعهود قلة أواني الشرب بالنسبة إلى أواني الأكل.
والمعنى (٢): أي وبعد أن استقروا في الجنة، وهدأ روعهم، يطاف عليهم بجفان من الذهب. مترعة بألوان الأطعمة والحلوى، وبأكواب فيها أصناف الشراب مما لذ وطاب.
(٢) المراغي.
قال في "الأسئلة المقحمة": أهل الجنة هل يعطيهم الله جميع ما يسألونه، وتشتهي أنفسهم ولو اشتهت أنفسهم شيئًا من مناهي الشريعة كيف يكون حاله؟
والجواب: معنى الآية أن نعيم الجنة كله مما تشتهيه الأنفس، وليس فيها ما لا تشتهيه النفوس، ولا تصل إليه، وقد قيل: يعصم الله سبحانه أهل الجنة من شهوة محالٍ، أو منهي عنه، يقول الفقير: دل هذا على أنه ليس في الجنة اللواطة المحرمة في جميع الأديان والمذاهب، ولو في دبر امرأته، فإن الإِمام مالكًا رحمه الله تعالى رجع عن تجويز اللواطة في دبر امرأته، وليس فيها اشتهاء اللواطة، لكونها مخالفة للحكمة الإلهية، وقد جوزها بعضهم في "شرح الأشباح"، وغلط فيه غلطًا فاحشًا، وأما الخمر فليست كاللواطة لكونها حلالًا على بعض الأمم.
والحاصل: أنه ليس في الجنة ما يخالف الحكمة كائنًا ما كان، ولذا تستر فيها الأزواج عن غير محارمهن، وإن كان لا حل ولا حرمة هناك؛ أي: وفيها (٢) ما تشتهيه الأنفس من الأشياء المعقولة والمسموعة والملموسة، جزاءً لهم بما منعوا أنفسهم من الشهوات في الدنيا ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾؛ أي: تستلذه الأعين، وتقر بمشاهدته من الأشياء المبصرة، جزاء ما تحملوه من منع أعينهم، من نظر ما لا يجوز شرعًا، وفي مصحف عبد الله: ﴿ما تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين﴾ بإثبات الهاء فيهما.
(٢) المراح.
﴿وَأَنْتُمْ﴾ يا عبادي ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الجنة ﴿خَالِدُونَ﴾؛ أي: باقون دائمون، لا تخرجون ولا تموتون، إذ لولا البقاء والدوام لنغص العيش، ونقص السرور، والاشتهاء، واللذة فلم يكن التنعم كاملًا، والخوف والحسرة زائلًا بخلاف الدنيا، فإنها لفنائها عيشها مشوب بالكدر، ونفعها مخلوط بالضرر.
والمعنى (٢): أي وفي الجنة ما تشتهيه أنفس أهلها من صنوف الأطعمة والأشربة، والأشياء المعقولة والمسموعة ونحوها، مما تطلبه النفوس وتهواه، كائنًا ما كان، جزاءً لهم على ما منعوا أنفسهم من الشهوات، وفيها ما تقر أعينهم بمشاهدته، وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم، وأنتم لا تخرجون منها، ولا تبغون عنها حولًا.
أخرج ابن أبي شيبة والترمذي عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال رجل لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله، هل في الجنة خيل، فإني أحب الخيل، قال: "إن يدخلك الله الجنة، فلا تشاء أن تركب فرسًا من ياقوتة حمراء، فتطير بك في أي الجنة شئت إلا فعلت". وسأله آخر فقال: يا رسول الله هل في الجنة من إبل، فإني أحب الإبل، فقال: "إن يدخلك الله الجنة، يكن لك ما اشتهت نفسك ولذت عينك".
٧٢ - ثم ذكر أن هذا كان فضلًا من ربكم، آتاكموه كفاء أعمالكم التي أسلفتموها فقال: ﴿وَتِلْكَ﴾ مبتدأ، إشارة إلى الجنة المذكورة ﴿الْجَنَّةُ﴾ خبره ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾؛ أي: أعطيتموها، وجعلتم ورثتها، وصارت إليكم كما يصير الميراث إلى الوارث ﴿بِمَا﴾ الباء سببية؛ أي: بسبب ما ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من
(٢) المراغي.
والمقصود (١): أن دخول الجنة بمحض فضل الله تعالى ورحمته، واقتسام الدرجات بسبب الأعمال، والخلود فيها بحسب عدم السيئات، شبه جزاء العمل بالميراث؛ لأن العامل يكون خليفة العمل على جزائه، يعني: يذهب العمل ويبقى جزاؤه مع العامل، فكان العمل كالموروث، وجزاؤه كالميراث.
والمعنى: أي وهذه الجنة جعلها الله تعالى لكم باقية، كالميراث الذي يبقى عن المورث جزاء ما قدمتم من عمل صالح، أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما من أحد إلا وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله في النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ ".
٧٣ - وبعد أن ذكر الطعام والشراب ذكر الفاكهة فقال: ﴿لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون المتقون ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الجنة سوى الطعام والشراب ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ بحسب (٢) الأنواع، والأصناف لا بحسب الأفراد فقط. والفواكه من أشهى الأشياء للناس، وألذها عندهم، وأوفقها لطباعهم وأبدانهم، ولذلك أفردها بالذكر ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: بعضها ﴿تَأْكُلُونَ﴾ في نوبة لكثرتها، وأما الباقي فعلى الأشجار على الدوام، لا ترى فيها شجرة خلت من ثمرها لحظةً، فهي مزينة بالثمار أبدًا موفرة بها، وفي الحديث: "لا ينزع رجل في الجنة ثمرةً من ثمرها، إلا نبت مثلاها مكانها"، فمن تبعيضية، والتقديم للتخصيص، ويجوز أن تكون ابتدائيةً، وتقدم الجار للفاصلة، أو للتخصيص، كالأول فيكون فيه دلالة على أن كل ما يأكلون للتفكه ليس فيها تقوت، إذ لا تحلل حتى يحتاج إلى الغذاء.
(٢) روح البيان.
٧٤ - ولما ذكر سبحانه حال أهل الجنة، وما يقال لهم من لذائذ البشارة.. أعقب ذلك بذكر حال الكفرة، وما يجاوبون به عند سؤالهم فقال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: إن المشركين الراسخين الكاملين في الإجرام والإشراك حسبما ينبىء عنه إيرادهم في مقابلة المؤمنين بالآيات ﴿فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾ متعلق بقوله: ﴿خَالِدُونَ﴾؛ أي: ماكثون فيه أبدًا لا ينقطع عذابهم في جهنم، كما ينقطع عذاب عصاة المؤمنين، على تقدير دخولهم فيها
٧٥ - ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾؛ أي: لا يخفف عنهم العذاب، ولا ينقص من قولهم: فترت عنه الحمى إذا سكنت قليلًا، ونقص حرها. والجملة في محل النصب على الحال ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: المجرمون ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في العذاب ﴿مُبْلِسُونَ﴾؛ أي: آيسون من النجاة والراحة، وخفة العقوبات، وعن الضحاك: يجعل المجرم في تابوت من النار، ثم يردم عليه فيبقي فيه خالدًا، لا يرى ولا يرى. وقيل: ساكتون سكوت بأس، وقرأ عبد الله ﴿وهم فيها﴾؛ أي: في جهنم، والجمهور ﴿وَهُمْ فِيهِ﴾؛ أي: في العذاب.
وفي "التأويلات النجمية": في الآية إشارة، إلى أن أهل التوحيد وإن كان بعضهم في النار، لكن لا يخلدون فيها، ويفتر عنهم العذاب بدليل الخطاب، وقد ورد في الخبر: "إنه يميتهم الحق إماتةً إلى أن يخرجهم من النار، والميت لا يحيى ولا يألم" وذكر في الآية وهم مبلسون؛ أي: خائبون، وهذه صفة الكفار، والمؤمنون وإن كانوا في بلائهم، فهم على وصف رجائهم، يعدون أيامهم إلى أن تنتهي أشجانهم
٧٦ - ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بذلك؛ أي: ما عذبناهم بغير ذنب، ولا بزيادة على ما يستحقونه ﴿وَلَكِنْ كَانُوا﴾؛ أي: المجرمون ﴿هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم بما فعلوا من الإشراك والمعاصي لتعريض أنفسهم للعذاب الخالد، بالكفر والمعاصي. و ﴿هُمُ﴾ ضمير (٢) فصل عند البصريين، من حيث إنه فصل به بين كون ما بعده خبرًا أو
(٢) روح البيان.
والمعنى (٢): أي: إن الذين اجترموا الكفر بالله في الدنيا، يجازيهم ربهم بعذاب جهنم خالدين فيه أبدًا لا ينفك عنهم، ولا يجدون عنها حولًا، ولا يخفف عنهم لحظةً، وهم فيه ساكتون سكوت بأس من النجاة والفرج، ولا منافاة بين هذا وبين قوله الآتي: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ إلخ؛ لأن تلك أزمنة متطاولة، وأحقاب ممتدة، فتختلف بهم الأحوال، فيسكتون تارة لغلبة اليأس عليهم، وعلمهم أنه لا فرج، ويشتد عليهم العذاب أخرى فيستغيثون.
ثم ذكر أن ذلك العذاب جزاء ما كسبت أيديهم، فقال: وما ظلمنا هؤلاء المجرمين بفعلنا بهم، ما أخبرناكم أننا فاعلون بهم، ولكن هم الذين أساؤوا إلى أنفسهم، فكذبوا الرسل وعصوهم، بعد أن أقاموا الحجة عليهم فأتوهم بباهر المعجزات.
٧٧ - ثم ذكر ما يقوله أهل النار، وما يجيبهم به خزنتها، فقال: ﴿وَنَادَوْا﴾؛ أي: ونادى المجرمون من شدة العذاب، فقالوا: ﴿يَا مَالِكُ﴾ هو خازن النار، قرأ (٣) الجمهور: ﴿يَا مَالِكُ﴾ بدون ترخيم، وقرأ عبد الله وعلي وابن وثاب والأعمش: ﴿يا مالِ﴾ بالترخيم، على لغة منم ينتظر الحرف المحذوف، وقرأ أبو السرار الغنوي: ﴿يا مالُ﴾ بالبناء على الضم، جعله اسمًا على حياله على لغة من لا
(٢) المراغي.
(٣) البحر المحيط.
والمعنى (١): سل ربك يا مالك، أن يقضي علينا، وهذا لا ينافي ما ذكر من إبلاسهم أولًا كما مر؛ لأنه جؤار؛ أي: صياح وتمن للموت، لفرط الشدة ﴿قَالَ﴾ مالك مجيبًا لهم بعد أربعين سنة، يعني: ينادون مالكًا أربعين سنة، فيجيبهم بعدها، كما قاله عبد الله بن عمرو، أو بعد مئة سنة، كما قاله نوف، أو بعد ألف سنة، كما قاله ابن عباس، وميل: بعد ثمانين سنة؛ لأن تراخي الجواب أحزن لهم ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ المكث ثبات مع انتظار؛ أي: إنكم مقيمون في العذاب أبدًا، لا خلاص لكم منه بموت ولا بغيره، فليس بعدها إلا جؤار كصياح الحمير، أوله زفير وآخره شهيق.
والمعنى (٢): أي ونادى المجرمون من شدة العذاب، فقالوا: يا مالك، ادع لنا ربك أن يقبض أرواحنا ليريحنا مما نحن فيه، فأجابهم بقوله: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ لا خروج لكم منها، ولا محيص لكم عنها. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾، وقوله: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾.
٧٨ - ثم خاطبهم خطاب تقريع وتوبيخ، وبين سبب مكثهم فيها بقوله: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ﴾ أيها المجرمون في الدنيا ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بإرسال، وإنزال الكتب. وهو خطاب توبيخ من جهة؛ الله تعالى مقرر لجواب مالك، ومبين لسبب مكثهم، ويحتمل (٣) أن يكون من كلام مالك، والأول أولى.
(٢) المراغي
(٣) الشوكاني.
والمعنى: أي لقد بينا لكم الحق على ألسنة رسلنا، وأنزلنا إليكم الكتب مرشدة إليه، ولكن سجاياكم وطبائعكم لا تقبله ولا تقبل عليه، وإنما تنقاد للباطل، وتعظمه وتصد عن الحق وتأباه وتبغض أهله، فعودوا على أنفسكم بالملامة، واندموا حيث لا تنفعكم الندامة.
٧٩ - وبعد أن ذكر كيفية عذابهم في الآخرة، بين سببه، وهو مكرهم، وسوء طويتهم في الدنيا، فقال: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا﴾ و ﴿أَمْ﴾ هي المنقطعة التي تقدر بمعنى بل والهمزة؛ أي: بل أأبرم كفار قريش ﴿أَمْرًا﴾ وأحكموا كيدًا، واحتالوا حيلة للرسول - ﷺ - في فتكه، كما فعلوا في اجتماعهم على قتله - ﷺ - في دار الندوة إلى غير ذلك، وفي ذلك انتقال من توجع أهل النار إلى حكاية ما يقع من هؤلاء. والإبرام (١): الإتقان والإحكام، يقال: أبرمت الشيء أحكمته وأتقنته، وأبرم الحبل إذا أحكم قتله.
والمعنى: بل أأحكموا كيدًا للنبي - ﷺ - ﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾؛ أي: محكمون لهم كيدًا قاله مجاهد وقتادة وابن زيد، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢)﴾، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠)﴾. وقيل: المعنى أم قضوا أمرًا فإنا قاضون عليهم أمرنا بالعذاب، قاله الكلبي.
٨٠ - والخلاصة: بل هم تحيلوا في رد الحق بالباطل بوجوه من الحيل والمكر، فكادهم الله تعالى، ورد عليهم سوء كيدهم بتخليدهم في النار، معذبين فيها أبدًا ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ﴾؛ أي: بل أيحسب كفار مكة ويظنون ﴿أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾؛ أي: ما يسرون به في أنفسهم من حديث النفس، أو ما يتحدثون به سرًا في مكان خال
إِنِّيْ لَمُسْتَتِرٌ مِنْ عَيْنِ جِيْرَانِيْ | وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارِيْ وَإِعْلاَنِيْ |
٨١ - أمر الله سبحانه رسوله - ﷺ -، أن يقول للكفار قولًا يلزمهم به الحجة، ويقطع ما يوردونه من الشبهة، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد للكفرة ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ﴾ فرضًا، كما تقولون: الملائكة بنات الله ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ لذلك الولد، وأسبقكم إلى تعظيمه والانقياد له، وذلك لأنه - ﷺ - أعلم الناس بشؤونه تعالى، وبما يجوز عليه، وبما لا يجوز، وأولاهم بمراعاة حقوقه، ومن موجب تعظيم الوالد تعظيم ولده؛ أي: إن يثبت بحجة قطعية كون الولد للرحمن، كما تزعمون فأنا أولكم في التعظيم، وأسبقكم إلى الطاعة تعظيمًا لله تعالى، وانقيادًا لأن الداعي إلى طاعته وتعظيمه أول وأسبق في ذلك، وكون الولد له تعالى، مما هو مقطوع بعدم وقوعه، ولكن نزل منزلة ما لا جزم لوقوعه، واللاوقوعه على
وقال ابن عباس (١): ﴿إِنْ كَانَ﴾؛ أي: ما كان للرحمن ولد ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾؛ أي: الشاهدين له بذلك. وقيل: العابدين بمعنى الآنفين؛ أي: أنا أول الجاحدين المنكرين لما قلتم، وأنا أول من غضب للرحمن أن يقال له ولد. وهو (٢) تكلف لا ملجىء إليه، ولكنه قرأ أبو عبد الرحمن اليماني ﴿العبدين﴾ بغير ألف، يقال: عبد يعبد عبدًا، بالتحريك من باب فرح، إذا أنف وغضب فهو عبد، والاسم العبدة مثل الأنفة، ولعل الحامل لمن قرأ هذه القراءة على هذه القراءة الشاذة البعيدة هو استبعاد معنى: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾، وليس بمستبعد ولا مستنكر، وقد حكى الجوهري عن أبي عمرو في قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أنه من الأنف والغضب، وحكاه الماوردي عن الكسائي والقتيبي، وبه قال الفراء، وكذا قال ابن الأعرابي: إن معنى العابدين الغضاب الآنفين، وقال أبو عبيدة: معناه: الجاحدين، وحكي عبدني حقي؛ أي: جحدني. وقد أنشدوا على هذا المعنى الذي قالوه قول الفرزدق:
أُولَئِكَ آبَائِيْ فَجِئْنِيْ بِمِثْلِهِمْ | وَأَعْبُدُ أَنْ أَهْجُوْ كُلَيْبًا بِدَارِمِ |
أُوْلَئِكَ نَاسٌ لَوْ هَجَوْنِيْ هَجَوْتُهُمْ | وَأَعْبُدُ أَنْ يُهْجَى كُلَيْبٌ بِدَارِمِ |
(٢) الشوكاني.
والمعنى: أي قل يا محمد لكفار قريش: إن ثبت ببرهان صحيح توردونه، وحجة واضحة تدلون بها، أن للرحمن ولدًا كنت أنا أسبقكم إلى طاعته والانقياد له، كما يعظم الرجل ابن الملك تعظيمًا لأبيه، ولا شك أن هذا أبلغ أسلوب في نفي الولد، كما يقول الرجل لمن يناظره ويجادله: إن ثبت ما تقول بالدليل، فأنا أول من يعتقده، ويقول به، وهذا ما اختاره ابن جرير ورجحه.
٨٢ - ثم نزه سبحانه نفسه، فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: تنزيها له وتقديسًا عما يقولون من الكذب، بأن له ولدًا، ويفترون عليه سبحانه ما لا يليق بجنابه، وهذا إن كان من كلام الله سبحانه، فقد نزه نفسه عما قالوه، وإن كان من تمام كلام رسوله - ﷺ -، الذي أمره بأن يقوله.. فقد أمره بأن يضم إلى ما حكاه عنهم، بزعمهم الباطل، تنزيه ربه وتقديسه، وفي إضافة اسم الرب إلى أعظم الأجرام وأقواها، تنبيه على أنها وما فيها من المخلوقات حيث كانت تحت ملكوته وربوبيته، كيف يتوهم أن يكون شيء منها جزءًا منه سبحانه ﴿رَبِّ الْعَرْشِ﴾ في تكرير اسم الرب، تفخيم لشأن العرش ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾؛ أي: يصفونه به، وهو الولد، قال في "بحر العلوم" أي: سبحوا رب هذه الأجسام العظام؛ لأن مثل هذه الربوبية توجب التسبيح على كل مربوب فيها، ونزهوه عن كل ما يصفه الكافرون به من صفات الأجسام، فإنه لو كان جسمًا لم يقدر على خلق هذا العالم، وتدبير أمره.
والمعنى: أي تنزه مالك السموات والأرض وما فيهما من الخلق، ورب العرش المحيط بذلك كله، عما يصفه به المشركون كذبًا، وعما ينسبون إليه من الولد إذ كيف تكون هذه العوالم كلها ملكًا له، ويكون شيء منها جزءًا منه، تعالى ربنا عن ذلك علوًا كبيرًا.
يقول الفقير: وفيه أن الموعود هو يوم القيامة؛ لأنه الذي كانوا ينكرونه، لا يوم الموت الذي يشكون فيه، ولما كان يوم الموت متصلًا بيوم القيامة، على ما أشار إليه قوله - ﷺ -: "من مات فقد قامت قيامته" جعل الخوض واللعب منتهيين بيوم القيامة.
وفي الآية: إعلام بأنهم من الذين طبع الله على قلوبهم، فلا يرجعون عما هم عليه أبدًا، وإشارة إلى أن الله سبحانه، خلق الخلق أطوارًا مختلفة، فمنهم من خلقه للجنة، فيستعده للجنة بالإيمان والعمل الصالح وانقياد الشريعة ومتابعة النبي - ﷺ -، ومنهم من خلقه للنار، فيستعده للنار، برد الدعوة والإنكار والجحود والخذلان، ويكله إلى الطبيعة النفسانية الحيوانية، التي تميل إلى اللهو واللعب والخوض فيما لا يعنيه، ومنهم من خلقه للقربة والمعرفة، فيستعده لهما بالمحبة والصدق والتوكل واليقين.
واعلم: أن الاشتغال بما سوى الله تعالى من قبيل اللهو واللعب إذ ليس فيه
وقال عكرمة وغيره (١): هو يوم بدر، وأضاف اليوم إليهم؛ لأنه الذي فيه هلاكهم وعذابهم، قيل: وهذا الأمر بتركهم منسوخ بآية السيف، وقيل: هو غير منسوخ، وإنما أخرج مخرج التهديد. وقرأ الجمهور: ﴿حَتَّى يُلَاقُوا﴾. وقرأ مجاهد وأبو جعفر وابن محيصن وحميد وعبيد بن عقيل عن أبي عمرو وابن السميقع ﴿حتى يلقوا﴾ بفتح الياء وإسكان اللام من غير ألف، مضارع لقي من باب رضي.
وحاصل معنى الآية (٢): أي فاترك أيها الرسول هؤلاء المفترين على الله الواصفيه، بأن له ولدًا، يخوضوا في باطلهم، ويلعبوا في دنياهم حتى يأتي ذلك اليوم، الذي لا محيص عنه، وحينئذ يعلمون عاقبة أمرهم، ويذوقون الوبال والنكال، جزاء ما اجترحوه من الشرك والآثام، ولا يخفى ما في هذا من شديد الوعيد والتهديد.
٨٤ - ثم أكد هذا التنزيه، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾؛ أي (٣): مستحق لأن يعبد فيها؛ أي: هو معبود أهل السماء من الملائكة، وبه تقوم السماء وليس حالًا فيها ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾؛ أي: مستحق لأن يعبد فيها؛ أي: فهو معبود أهل الأرض من الإنس والجن، واله الآلهة التي تدعون، ولا قاضي لحوائج أهل الأرض إلا هو، وبه تقوم الأرض وليس حالًا فيها.
فالظرفان متعلقان بـ ﴿إِلَهٌ﴾ لأ نه بمعنى المعبود بالحق، أو متضمن معناه كقولهم: هو حاتم؛ أي: جواد لاشتهاره بالجود، وكذا في قراءة من قرأ ﴿وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله﴾، ومنه قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: وهو الواجب الوجود المعبود المستحق للعبادة
(٢) المراغي.
(٣) روح البيان.
وقرأ الجمهور (١): ﴿إِلَهٌ﴾ في الموضعين، وقرأ عمر وعبد الله وأبي وعلي والحكم بن أبي العالي وبلال بن أبي بردة وابن يعمر وجابر وابن زيد وعمر بن عبد العزيز وأبو الشيخ الهنائي وحميد وابن مقسم وابن السميقع ﴿الله﴾ فيهما كما مر آنفًا بيانه.
﴿وَهُوَ﴾ سبحانه وتعالى ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما دبره لخلقه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بمصالحهم، فهو كالدليل على ما قبله والتعليل له؛ لأنه المتصف بكمال الحكمة والعلم، المستحق للألوهية لا غيره؛ أي: وهو الحكيم في تدبير العالم وأهله، العلم بجميع الأحوال من الأزل إلى الأبد.
فإن قلت: ما في هذه (٢) الآية يقتضي تعدد الآلهة؛ لأن النكرة إذا أعيدت نكرة تعددت، كقولك: أنت طالق وطالق.
قلت: لا إله هنا بمعنى المعبود، وهو تعالى معبود فيهما، والمغايرة إنما هي بين معبوديته في السماء ومعبوديته في الأرض؛ لأن المعبودية من الأمور الإضافية، فيكفي التغاير فيها من أحد الطرفين، فإذا كان العابد في السماء غير العابد في الأرض صدق أن معبوديته في السماء غير معبوديته في الأرض مع أن المعبود واحد.
وحاصل معنى الآية (٣): أي: وهو الله الذي يعبده أهل السماء وأهل الأرض، ولا تصلح العبادة إلا له، وهو الحكيم في تدبير خلقه، وتسخيرهم لما
(٢) فتح الرحمن.
(٣) المراغي.
٨٥ - ﴿وَتَبَارَكَ﴾؛ أي: تعالى وتقدس عن الولد والشريك، وجل عن الزوال والانتقال، الإله ﴿الَّذِي﴾ فاعل تبارك ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: سلطنتهما ﴿و﴾ سلطنة ﴿مَا بَيْنَهُمَا﴾ إما على الدوام كالهواء، أو في بعض الأوقات كالطير والسحاب؛ أي: تزايد خيره، وعمت بركته، وتبارك: تفاعل من البركة، وهي كثرة الخير معنى ﴿و﴾ تبارك الذي ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ﴾ وقت قيام ﴿السَّاعَةِ﴾؛ أي: القيامة لا يعلمها إلا هو ﴿وَإِلَيْهِ﴾ لا إلى غيره ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بالموت ثم البعث، فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير أو شر، والالتفات فيه للتهديد، وقرأ الجمهور (١): ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بتاء الخطاب مبنيا للمفعول، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بياء الغيبة كذلك، وقرىء بفتح تاء الخطاب مبنيًا للفاعل.
والمعنى: أي وتقدس خالق السموات والأرض وما فيهما من عوالم لا ندري كنهها، ولا نعلم حقيقتها، المتصرف فيهما بلا مدافعة ولا ممانعة من أحد، وعنده علم وقت مجيء الساعة، لا يجليها لوقتها إلا هو، وإليه المرجع، فيجازي كل أحد بما يستحق إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشرٌ.
٨٦ - ﴿وَلَا يَمْلِكُ﴾؛ أي: لا يقدر ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾؛ أي: يدعو الكفار ويعبدونهم ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى ﴿الشَّفَاعَةَ﴾ عند الله تعالى، كما يزعمون ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ﴾ وأقر، واعتقد ﴿بِالْحَقِّ﴾ الذي هو التوحيد. والاستثناء (٢) إما متصل والموصول عام، لكل ما يعبد من دون الله تعالى، كعيسى وعزير والملائكة وغيرهم، أو منقطع على أنه خاص بالأصنام، وجملة قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ بما يشهدون به عن بصيرة وإيقان وإخلاص، حال من فاعل ﴿شَهِدَ﴾، والجمع باعتبار معنى ﴿من﴾، كما أن الإفراد أولًا باعتبار لفظها، والمعنى (٣) على الاتصال: إلا
(٢) روح البيان.
(٣) الشوكاني.
والمعنى (١): ولا تقدر الأصنام والأوثان التي يعبدونها على الشفاعة لهم، كما زعموا أنهم شفعاء عند ربهم، ولكن من نطق بكلمة التوحيد، وكان على بصيرة وعلم من ربه، كالملائكة، وعيسى تنفع شفاعتهم عنده بإذنه لمن يستحقها.
٨٧ - ثم بين أن هؤلاء المشركين، متناقضوا الأقوال والأفعال، فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لئن سألت يا محمد العابدين والمعبودين ﴿مَنْ خَلَقَهُمْ﴾؛ أي: من أوجدهم، وأخرجهم من العدم إلى الوجود ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾؛ أي: ليقرون جميعًا، ويعترفون بأن خالقهم الله، ولا يقدرون على الإنكار والجحود لتعذر الإنكار، لغاية ظهوره ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: فمع إقرارهم بأن خالقهم هو الله سبحانه، كيف يصرفون عن عبادته تعالى إلى عبادة غيره؟ فهو (٢) استفهام تعجيب من جحودهم التوحيد، مع ارتكازه في فطرتهم، فإن المعترف بأن الله خالقه، إذا عمد إلى صنم أو حيوان، وعبده مع الله، أو عبده وحده فقد عبد بعض مخلوقات الله، وفي هذا من الجهل ما لا يقادر قدره، وقيل: المعنى ولئن سألت هؤلاء المشركين، العابدين للأصنام، ليقولن: الله. وقيل: ولئن سألت المسيح، وعزيرًا، والملائكة من خلقهم؟ ليقولن: الله، فأنى يؤفك هؤلاء الكفار عن عبادة الله تعالى، باتخاذهم آلهة.
قال في "الأسئلة المقحمة": فإن قلت: هذا دليل على أن معرفة الله
(٢) روح البيان.
قلتُ: إنهم يقولون ذلك تقليدًا لا دليلًا، وضرورةً، ومعلوم أن في الناس من أهل الإلحاد من ينكر الصانع، ولو كان ضروريًا لما اختلف فيه اثنان، انتهى.
وقرأ الجمهور (١): ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: بياء الغيبة مناسبًا لقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾؛ أي: كيف يصرفون عن عبادة من أقروا أنه موجد العالم. وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو بتاء الخطاب.
ومعنى الآية: أي ولئن سألت أيها الرسول هؤلاء المشركين بالله، العابدين غيره تعالى، من خلق الخلق جميعًا؟ ليعترفن بأنه هو الله تعالى وحده، لا شريك له في ذلك، ولا يستطيعون الجحود لظهور الأمر وجلائه، فكيف ينقلبون عن عبادة الله إلى عبادة غيره، وينصرفون عنها مع هذا الاعتراف، وفي هذا تعجب شديد من إشراكهم بعد هذا.
٨٨ - وقرأ الجمهور (٢): ﴿وقيلَه﴾ بالنصب عطفًا على محل الساعة، كأنه قيل: إنه يعلم الساعة ويعلم قيله، أو عطفًا على سرهم ونجواهم؛ أي: يعلم سرهم ونجواهم ويعلم قيله؛ أي: قول محمد - ﷺ -: إن هؤلاء قوم إلخ، أو عطفًا على مفعول يكتبون المحذوف؛ أي: يكتبون ذلك ويكتبون قيله، أو عطفًا على مفعول يعلمون المحذوف؛ أي: يعلمون ذلك ويعلمون قيله أو منصوب على المصدرية بفعله المحذوف؛ أي: قال قيله، أو منصوب على حذف حرف القسم، ومن المجوزين للوجه الأول: المبرد وابن الأنباري، ومن المجوزين للثاني: الفراء والأخفش، ومن المجوزين للنصب على المصدرية الفراء والأخفش أيضًا. وقرأ حمزة وعاصم: ﴿وَقِيلِهِ﴾ بالجر عطفًا على لفظ الساعة؛ أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله، أو على أن ﴿الواو﴾ للقسم، وقرأ قتادة ومجاهد والحسن وأبو قلابة والأعرج وابن هرمز ومسلم بن جندب ﴿وقيله﴾ بالرفع عطفًا على ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾؛
(٢) الشوكاني.
قال بعضهم (١): والأوجه أن يكون الجر والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه، يعني: أن الجر على إضمار حرف القسم، كما في قولك: اللَّهِ لأفعلن، النصب على حذفه وإيصال فعله إليه، كقولك: الله لأفعلن، كأنه قيل: وأقسم قيله، أو بقيله. والفرق بين الحذف والإضمار أنه في الحذف لا يبقى للذاهب أثر. نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، وفي الإضمار يبقى له الأثر نحو: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾، والتقدير: افعلوا خيرًا لكم.
ويجوز الرفع في ﴿قيله﴾ على أنه قسم مرفوع بالابتداء، محذوف الخبر كقولهم: أيمن الله، ويكون ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ إلخ جواب القسم؛ أي: وقيله يا رب قسمي إن هؤلاء إلخ، وذلك لوقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، بما لا يحسن اعتراضًا إن كان مرفوعًا معطوفًا على ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، بتقدير مضاف مع تنافر النظم، ورجح الزمخشري احتمال القسم لسلامته عن وقوع الفصل وتنافر النظم، ولكن في القسم التزام حذف وإضمار بلا قرينةٍ ظاهرة في اللفظ الذي لم يشتهر استعماله في القسم.
قال أبو عبيد (٢): يقال: قلت قولًا وقيلًا وقالًا. والضمير في ﴿وَقِيلِهِ﴾ راجع إلى النبي - ﷺ -، قال قتادة: هذا نبيكم يشكو قومه إلى ربه. وقيل: الضمير عائد إلى المسيح، وعلى الوجهين فالمعنى: أنه قال مناديًا لربه ﴿يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ الذين أرسلتني إليهم ﴿قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
والمعنى (٣): أي ويعلم سبحانه علم الساعة، وقوله - ﷺ - لربه شاكيًا قومه، الذين كذبوه، ولقي منهم شديد الأذى: يا رب إن هؤلاء المشركين الذين أمرتني بإنذارهم، وأرسلتني إليهم لتبليغهم دينك الحق قوم لا يؤمنون؛ أي: لا يريدون الإيمان.
٨٩ - ولما شكا الرسول - ﷺ - إلى ربه عدم إيمانهم، أجابه الله سبحانه وتعالى
(٢) الشوكاني.
(٣) المراغي.
الإعراب
﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾.
﴿وَلَمَّا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ﴾: فعل مغير، ونائب فاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لمّا﴾، لا محل لها من الإعراب، ﴿مَثَلًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿ضُرِبَ﴾؛ لأن ﴿ضُرِبَ﴾ ضمن معنى جعل، ويجوز أن يعرب حالًا؛ أي: ذكر ممثلًا به، ﴿إذَا﴾: حرف فجأة رابطة جواب ﴿لمّا﴾ وجوبًا، ﴿قَوْمُكَ﴾ مبتدأ، ﴿مِنْهُ﴾: متعلق بـ ﴿يَصِدُّونَ﴾، وجملة
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾.
﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لو﴾ حرف شرط، ﴿نَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾، ﴿لَجَعَلْنَا﴾: اللام: رابطة لجواب ﴿لو﴾، ﴿جعلنا﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْكُمْ﴾ في موضع المفعول الثاني إن كان ﴿جعلنا﴾ بمعنى صيرنا، وإن كان بمعنى خلقنا، فالجار والمجرور متعلق بـ ﴿جعلنا﴾، ﴿مَلَائِكَةً﴾ مفعول أول، أو مفعول به، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق بـ ﴿يَخْلُفُونَ﴾، وجملة ﴿يَخْلُفُونَ﴾ صفة لـ ﴿مَلَائِكَةً﴾، وجملة ﴿جعلنا﴾ جواب ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ...﴾ إلخ، ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ﴾ ناصب واسمه وخبره، واللام: حرف ابتداء، والجملة معطوفة على ما قبلها، ﴿لِلسَّاعَةِ﴾ صفة ﴿علم﴾، ﴿فَلَا﴾: الفاء: فاء
﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢)﴾.
﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿يَصُدَّنَّكُمُ﴾: فعل مضارع، في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والكاف مفعول به، ﴿الشَّيْطَانُ﴾ فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ﴾، ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَكم﴾ متعلق بـ ﴿عَدُوٌّ﴾، أو حال منه، ﴿عَدُوٌّ﴾ خبر ﴿إنّ﴾، ﴿مُبِينٌ﴾ صفة ﴿عَدُوٌّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣)﴾.
﴿وَلَمَّا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لما﴾: حرف شرط. ﴿جَاءَ عِيسَى﴾: فعل وفاعل، فعل شرط لـ ﴿لما﴾، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ متعلق بـ ﴿جَاءَ﴾، وجملة ﴿قَالَ﴾ جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿جِئْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿وَلِأُبَيِّنَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، واللام لام كي، ﴿أبين﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على ﴿عِيسَى﴾، ﴿لَكمُ﴾
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، ﴿رَبِّي﴾: خبر، ﴿إِنَّ﴾، ﴿وَرَبُّكُمْ﴾ معطوف على ﴿رَبِّي﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مفسرة لما تقدم من قوله: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾. ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم كون الله ربي وربكم، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم.. فأقول لكم: اعبدوه. ﴿اعبدوه﴾ فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، ﴿صِرَاطٌ﴾: خبر، ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ صفة ﴿صِرَاطٌ﴾، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة.
﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)﴾.
﴿فَاخْتَلَفَ﴾: الفاء: استئنافية، ﴿اختلف الأحزاب﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾: جار ومجرور حال من الأحزاب؛ أي: حال كونهم
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)﴾.
﴿هَلْ﴾ حرف استفهام للاستفهام الإنكاري؛ أي: لا ينظرون، ﴿يَنْظُرُونَ﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿السَّاعَةَ﴾ مفعول به، ﴿أَن﴾ حرف مصدر، ﴿تَأْتِيَهُمْ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿السَّاعَةَ﴾، ومفعول به، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على كونه بدلًا من الساعة؛ أي: هل ينظرون إلا الساعة إلا إتيانها إياهم، ﴿بَغْتَةً﴾ حال من فاعل ﴿تَأْتِيَهُمْ﴾؛ أي: حال كونها باغتة، ﴿وَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿هم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من مفعول ﴿تَأْتِيَهُمْ﴾ ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾ مبتدأ أول، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف إلى مثله، متعلق بـ ﴿عَدُوٌّ﴾، ﴿بَعْضُهُمْ﴾ مبتدأ ثان، ﴿لِبَعْضٍ﴾ حال من عدو؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها ﴿عَدُوٌّ﴾ خبر للمبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني مع خبره خبر للأول، وجملة الأول مستأنفة، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء، ﴿الْمُتَّقِينَ﴾: مستثنى منصوب بـ ﴿إِلَّا﴾، ﴿يَا عِبَادِ﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء، ﴿عباد﴾ منادى مضاف إلى يا المتكلم، المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة المناسبة، وجملة النداء في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: ويقال لهم: يا عباد لا
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾.
﴿ادْخُلُوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل ﴿الْجَنَّةَ﴾ مفعول به، منصوب على السعة، والجملة في محل النصب مقول للقول المحذوف، ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ، ﴿وَأَزْوَاجُكُمْ﴾: معطوف عليه، وجملة ﴿تُحْبَرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿ادْخُلُوا﴾، أو في محل النصب مقول القول، ﴿يُطَافُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: في موضع رفع نائب فاعل، ﴿بِصِحَافٍ﴾: متعلق بـ ﴿يُطَافُ﴾، ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾: صفة ﴿صحاف﴾، ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ معطوف على ﴿صحاف﴾، وذكر الذهب في الصحاف، واستغنى به عن الإعادة في الأكواب، كقوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾. ﴿وَفِيهَا﴾: خبر مقدم، ﴿مَا﴾: اسم موصول مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿يُطَافُ﴾. ﴿تَشْتَهِيهِ﴾: فعل ومفعول، ﴿الْأَنْفُسُ﴾ فاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ فعل وفاعل، معطوف على صلة ﴿مَا﴾، والعائد محذوف، تقديره: تلذه الأعين، ﴿وَأَنْتُمْ﴾: مبتدأ، ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾. ﴿خَالِدُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: {أَنْتُمْ
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾.
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾: ناصب واسمه، ﴿فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾، و ﴿خَالِدُونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُفَتَّرُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على العذاب. ﴿عَنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يُفَتَّرُ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من عذاب جهنم، ﴿وَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، ﴿هم﴾: مبتدأ، ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿مُبْلِسُونَ﴾، لـ ﴿مُبْلِسُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿خَالِدُونَ﴾، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿ظَلَمْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على جملة ﴿إنّ﴾، ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لكن﴾: حرف استدراك مهمل. ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، ﴿الظَّالِمِينَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ معطوفة على جملة ﴿ظَلَمْنَاهُمْ﴾.
﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾.
﴿وَنَادَوْا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿نادوا﴾: فعل ماض وفاعل، والجملة معطوفة
﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)﴾.
﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري. ﴿أَبْرَمُوا﴾: فعل ماض وفاعل، ﴿أَمْرًا﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة، ﴿فَإِنَّا﴾ الفاء: عاطفة، ﴿إنّا﴾: ناصب واسمه، ﴿مُبْرِمُونَ﴾: خبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿أبرموا﴾، ﴿أَمْ﴾: منقطعة كما ذكرنا آنفًا. ﴿يَحْسَبُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿أَنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾: معطوف على ﴿سِرَّهُمْ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أنّ﴾، وجملة ﴿أنّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي
﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)﴾.
﴿فَذَرْهُمْ﴾: الفاء: فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت تعنتهم وتمردهم، وأردت بيان ما هو اللازم لك.. فأقول لك ذرهم، ﴿ذرهم﴾: فعل، ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على محمد - ﷺ -، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿يَخُوضُوا﴾: فعل مضارع وفاعل مجزوم بالطلب السابق، والجملة جملة جوابية، لا محل لها من الإعراب، ﴿وَيَلْعَبُوا﴾: معطوف على ﴿يَخُوضُوا﴾، ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يُلَاقُوا﴾: فعل مضارع، وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى الجارة، ﴿يَوْمَهُمُ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة، في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى؛ أي: إلى ملاقاتهم يومهم، الجار والمجرور، متعلق بـ ﴿يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ على سبيل التنازع، ﴿الَّذِي﴾: صفة لـ ﴿يَوْمَهُمُ﴾، وجملة
﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾.
﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية، ﴿يَمْلِكُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على ما قبلها، ﴿يَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: يدعونهم، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَدْعُونَ﴾، ﴿الشَّفَاعَةَ﴾ مفعول يملك. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء، ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب على الاستثناء، ويحتمل كون الاستثناء منقطعًا، والمعنى: ولا يملك آلهتهم الأصنام والأوثان الشفاعة كما زعموا، ولكن من شهد، وأقر بالتوحيد كعيسى، وعزير يملك الشفاعة في مستحقيها، وأن يكون متصلا، والمعنى: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة في أحد إلا فيمن شهد بالحق، فهو استثناء من المفعول المحذوف، ﴿شَهِدَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق بـ ﴿شَهِدَ﴾، ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿شَهِدَ﴾، والجمع باعتبار معنى
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾.
﴿وَلَئِنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم، ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾: فعل ماض وفاعل ومفعول أول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ثان. ﴿خَلَقَهُمْ﴾ فعل وفاعل مستتر ومفعول، صلة مَن الموصولة. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾: اللام: موطئة للقسم، مؤكدة للأولى، ﴿يقولن﴾: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين، في محل الرفع فاعل، والنون المشددة نون التوكيد؛ لأن أصله: ليقولونن، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم، تقديره: وإن سألتهم: من خلقهم، يقولون: الله، وجملة الشرط معترضة لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين القسم وجوابه. ﴿اللَّهُ﴾: فاعل بفعل محذوف، دل عليه ما قبله، تقديره: خلقهم الله، أو مبتدأ، خبره محذوف تقديره: الله خلقهم، والأول أولى؛ لأن الجملة الفعلية في هذا الباب أكثر، فالحمل عليها أولى، والجملة الفعلية أو الاسمية في محل النصب مقول لـ ﴿يقولن﴾، ﴿فَأَنَّى﴾: الفاء: عاطفة، ﴿أنى﴾: اسم استفهام بمعنى كيف، في محل النصب على الحال من مرفوع ﴿يُؤْفَكُونَ﴾، و ﴿يُؤْفَكُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة القسم، ﴿وَقِيلِهِ﴾؛ أي: وقوله - ﷺ - بالجر، يقال في إعرابه ﴿الواو﴾ حرف جر وقسم، ﴿قيله﴾ مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف وجوبًا تقديره: أقسم بقول محمد - ﷺ -. ﴿يَا رَبِّ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول لـ ﴿قيله﴾. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ ناصب واسمه، ﴿قَوْمٌ﴾: خبره، وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ صفة ﴿قَوْمٌ﴾، وجملة ﴿إن﴾ جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم
التصريف ومفردات اللغة
﴿ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ﴾؛ أي: جعل، ﴿مَثَلًا﴾؛ أي: حجة وبرهانًا على شبهتهم. ﴿يَصِدُّونَ﴾ قال في "القاموس": صد يصد ويصد صديدًا، إذا ضج وارتفع صوته، فالمكسور من باب ضرب، والمضموم من باب رد، يقال: صد عنه يصد بالضم صدودًا إذا أعرض عنه، وقد فلانًا عن كذا صدا، منعه وصرفه، كأصد، فالصديد بمعنى الضجيج، والصدود بمعنى الإعراض، والصد بمعنى المنع. ﴿إِلَّا جَدَلًا﴾؛ أي: خصومةً بالباطل، والجدل محركًا فتل الخصم عن قصده لطلب صحة قوله، وإبطال غيره، وهو مأمور به على وجه الإنصاف، وإظهار الحق بالاتفاق. وقوله: ﴿ابْنُ﴾ أصله: بنو حذفت لامه الواو، وعوض عنها همزة الوصل، وقوله: ﴿يَصِدُّونَ﴾ قرىء بكسر الصاد من صد اللازم، وقرىء بضمها
﴿يَخْلُفُونَ﴾ يقال: خلف فلان فلانًا إذا قام بالأمر عنه، إما معه وإما بعده. ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ أصله: تمتريون حذفت نه نون الرفع للجازم، وهو لا الناهية، ثم استثقلت الضمة على الياء فحذفت فسكنت فالتقى ساكنان فحذفت الياء وضمت الراء لمناسبة الواو، ثم دخلت نون التوكيد على الفعل، فصار تمترون، فالتقى ساكنان الواو وأولي نوني التوكيد المشددة، فحذفت الواو لبقاء داله، فصار تمترن بوزن تفتعن. ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ بحذف الياء خطًا؛ لأنها من ياءات الزوائد، وأما في اللفظ فيجوز إثباتها وحذفها وصلًا ووقفًا.
﴿يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أصله: يصددنكم، نقلت حركة الدال الأولى إلى الصاد فسكنت، فأدغمت في الثانية، وبني الفعل على الفتح وإن كان في محل جزم لاتصال نون التوكيد به. ﴿الْأَحْزَابُ﴾ جمع حزب بكسر الحاء بمعنى جماعة الناس. ﴿بَغْتَةً﴾ والبغت مفاجأة الشيء من حيث لا يحسب، كما في "المفردات". ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ جمع خليل، وهو الصديق. وفي "المصباح": الخليل الصديق، والجمع أخلاء كأصدقاء، وفي "القاموس": والخل بالكسر والضم الصديق المختص، أو لا يضم إلا مع ود، يقال: كان لي ودًا وخلا، والجمع أخلال كالخليل وخلان، أو الخليل الصادق، أو من أصفى المودة وأصحها، واستدرك في "التاج" فقال: قال ابن سيده: وكسر الخاء أكثر، ويقال للأنثى: خل أيضًا. وأصل ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾: الأخللاء، بوزن أفعلاء جمع خليل، كصديق وأصدقاء، نقلت حركة اللام الأولى إلى الخاء فسكنت، فأدغمت في اللام الثانية، فصار أخلاء بوزن أفلاء.
﴿يُطَافُ﴾ أصله: يطوف، بوزن يفعل، نقلت حركة الواو إلى الطاء، فسكنت
﴿بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ جمع صحفة، كجفان جمع جفنة، وقصاع جمع قصعة. قال الكسائي: وأعظمها الجفنة، وهي القصعة العريضة الواسعة، ثم القصعة، وهي التي تشبع العشرة، ثم الصحفة وهي تشبع الخمسة، ثم المئكلة، وهي التي تشبع الرجلين أو الثلاثة ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ جمع كوب، كعود وأعواد، وهو كوز لا عروة له ولا خرطوم، وإنما كانت بغير عروة ليشرب الشارب من أي جانب شاء؛ لأن العروة ترد الشارب من بعض الجوانب. وقال عدي:
مُتَّكِئًا تُصَفِّقُ أَبْوَابُهُ | يَسْعَى عَلَيْهِ الْعَبْدُ بِالْكُوْبِ |
﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ أصله: يخوضون بوزن يفعلون، نقلت حركة ﴿الواو﴾ إلى الخاء فسكنت إثر ضمة، فصارت حرف مد، ثم حذفت نون الرفع لما وقع الفعل جوابًا للأمر، فوزنه يقولوا، وأصل الخوض: الشروع في الماء والمرور فيه، ويستعار للأمور. وقوله: ﴿يُلَاقُوا﴾ أصله: يلاقيون، حذفت نون الرفع للناصب، ثم حذفت حركة الياء تخفيفًا، فلما سكنت حذفت لالتقاء الساكنين وضمت القاف لمناسبة الواو. ﴿كَارِهُونَ﴾ من الكراهة مصدر كره الشيء بالكسر؛ أي: لم يرده فهو كاره. ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا﴾ من الإبرام، وهو إحكام الأمر، وأصله: من إبرام الحبل، وهو ترديد فتله. ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾ يقال: ناجيته؛ أي: ساررته، وأصله: أن تخلو في نجوة من الأرض؛ أي: مكان مرتفع منفصل بارتفاعه عما حوله، والسر هو ما يحدث به الإنسان نفسه، أو غيره في مكان خال، والنجوى التناجي والتحادث فيما بينهم. ﴿وَقِيلِهِ﴾ قال أبو عبيدة: يقال: قلت قولًا وقالًا وقيلًا. وفي الخبر: "نهى عن قيل وقال". فالقول والقيل والقال كلها مصادر، وفيه إعلال بالقلب، أصله: قِوْلِه من القول، قلبت الواو ياءً لوقوعها ساكنةً إثر كسرة، فصارت حرف مد. ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: اعف عنهم عفو المعرض، ولا تقف عن التبليغ. ﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾؛ أي: سلام متاركةٍ لكم بسلامتكم منى وسلامتي منكم.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإبهام في فاعل ضرب في قوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ للإهانة والتحقير له.
ومنها: الاستفهام في قوله: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾، وفي قوله: {إِنْ هُو
ومنها: الحذف في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾؛ أي: إن نزوله لعلامة لقرب الساعة.
ومنها: تأكيد النهي في قوله: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ إيذانًا بأنه لا محالة منها.
ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ إن، وضمير الفصل، وتعريف الطرفين.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ تسجيلًا عليهم باسم الظلم؛ لأن مقتضى السياق أن يقال: فويل لهم.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾؛ أي: ما ينظرون.
ومنها: النداء في قوله: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ إلخ، تشريفًا لهم، وناداهم بأربعة أمور: الأول: نفي الخوف، والثاني: نفي الحزن، والثالث: الأمر بدخول الجنة، والرابع، البشارة بالسرور، في قوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾ اهـ شيخنا.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾؛ أي: أكواب من ذهب، وحذف لدلالة السابق عليه.
ومنها: ذكر العام، في قوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ بعد الخاص، في قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾.
ومنها: الحصر المستفاد من قوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ فقد حصر أنواع النعم في أمرين اثنين، إما مشتهاة في القلوب، وإما مستلذة في العيون.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ للتشريف والتفخيم لشأنهم.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ فقد شبه الجنة بالمال الموروث، والتلاد الموفور، ثم استعار له الإرث على طريق الاستعارة المكنية؛ لأن كل عامل لا بد أن يلقى جزاءه، إذ يذهب العمل ويبقى جزاؤه مع العامل، أو إنما شبهت في بقائها على أهلا، وإفاضة النعم السوابغ عليهم، بالميراث الباقي، لا ينضُب له معين، ولا ينتهي إلى نفاد.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ لأن المراد: سرهم وعلانيتهم.
ومنها: الحذف للاختصار في قوله: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ﴾؛ أي: بلى نسمع سرهم ونجواهم، لدلالة ﴿بلى﴾ على المحذوف.
ومنها: تكرير اسم الرب في قوله: ﴿رَبِّ الْعَرْشِ﴾ تفخيمًا لشأن العرش؛ لأنه أعظم مخلوقات الله سبحانه.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾؛ لأن حقيقة الخوض هو الشروع في الماء والمرور فيه، فاستعير لشروعهم في أباطيلهم، وأكاذيبهم.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
١ - وصف القرآن الكريم.
٢ - الأمر بإنذار قومه - ﷺ -، مع غفلتهم وإسرافهم في لذات الدنيا.
٣ - شأن هؤلاء المشركين في تكذيبهم للرسول، شأن غيرهم من المكذبين من قبلهم.
٤ - اعترافهم بأن الله هو خالق السموات والأرض، مع عبادتهم للأوثان والأصنام.
٥ - اعتقادهم أن الملائكة بنات الله، ثم نعي ذلك عليهم.
٦ - تمسكهم بتقليد الآباء والأجداد في شؤونهم الدينية.
٧ - قصص الأنبياء من أولي العزم، كإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام.
٨ - وصف نعيم الجنة.
٩ - الأهوال التي يلقاها أهل النار، حتى يتمنوا الموت ليستريحوا مما هم فيه.
١٠ - متاركة أهل الباطل والصفح عنهم، حتى يأتي وعد الله تعالى.
والله أعلم
* * *
سورة الدخان مكية، قال القرطبي مكية بالاتفاق، إلا قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ الآية.
وآياتها (١): سبع أو تسع وخمسون آية. وكلماتها: ثلاث مئة وست وأربعون كلمة. وحروفها: ألف وأربع مئة واحد وثلاثون حرفًا.
المناسبة: ومناسبتها لما قبلها من وجوه (٢):
١ - أنه تعالى حكى فيما قبلها قول رسوله - ﷺ -: يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، وحكى في هذه عن أخيه موسى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)﴾.
٢ - أنه تعالى ختم ما قبلها بالوعيد والتهديد، وافتتح هذه بالإنذار الشديد.
٣ - أنه تعالى قال فيما سلف: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾، وحكى هنا عن موسى ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)﴾ وهو قريب من ذلك.
وقال أبو حيان: مناسبة هذه السورة لما قبلها (٣): أنه تعالى ذكر في أواخر ما قبلها: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾، فذكر يومًا غير معين ولا موصوفًا، فبين في أوائل هذه السورة ذلك اليوم، بوصف وصفه، فقال: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾، وأن العذاب هو ما يأتيهم من قبلك، ويحل بهم من الجدب والقحط، ويكون العذاب في الدنيا، وإن كان العذاب في الآخرة، فيكون ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ يوم القيامة، انتهى.
تسميتها: سميت سورة الدخان؛ لأن الله تعالى جعله - أي: الدخان - آية لتخويف الكفار، حيث أصيبوا بالقحط والمجاعة، بسبب تكذيبهم للرسول - ﷺ -،
(٢) المراغي.
(٣) البحر المحيط.
الناسخ والمنسوخ فيها: قال أبو عبد الله محمد بن حزم رحمه الله تعالى: سورة الدخان جميعها محكم، غير آية واحدة، وهي قوله تعالى في آخرها: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾ نسخت بآية السيف.
فضلها: ومما ورد في فضلها، ما أخرجه الترمذي والبيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ - "من قرأ حم الدخان في ليلة، أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك" قال الترمذي بعد إخراجه: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعمرو بن أبي خثعم أحد رواته ضعيف. قال البخاري: منكر الحديث.
ومنها: ما أخرجه الترمذي ومحمد بن نصر وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من قرأ حم الدخان في ليلة جمعة، أصبح مغفورًا له". قال الترمذي بعد إخراجه: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهشام بن المقدام أحد رواته ضعيف، والحسن لم يسمع من أبي هريرة، كذا قال أيوب ويونس بن عبيد، وعلي بن زيد، ويشهد له ما أخرجه ابن الضريس عن الحسن مرفوعًا بنحوه، وهو مرسل.
وما أخرجه الدارمي ومحمد بن نصر عن أبي رافع قال: "من قرأ الدخان في ليلة الجمعة، أصبح مغفورًا له، وزوج من الحور العين".
وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من قرأ سورة حم الدخان في ليلة الجمعة، أو يوم الجمعة، بني الله بها بيتًا في الجنة".
وعبارة الشهاب في سورة الواقعة: ولم يذكر البيضاوي، في فضائل السور، حديثًا غير موضوع من أول القرآن إلى هنا، غير ما ذكره هنا، وما مر في سورة يس والدخان.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣)﴾.المناسبة
قد تقدم لك بيان المناسبة بين هذه السورة وما قبلها آنفًا، والله سبحانه وتعالى أقسم في مبدأ هذه السورة بكتابه الكريم المبين، كما أقسم به في السابقة، لما فيه من صلاح البشر، على أنه أنزل القرآن في ليلة القدر، لإنذار العباد، وتخويفهم من عقابه، وأن هذه الليلة يفصل فيها كل أمر حكيم، فيبين فيها التشريع النافع للعباد في دنياهم وآخرتهم، وهو رب السموات والأرض وما بينهما، فلا تخفى عليه خافية من أمرهم، وهو الذي بيده إحياؤهم وإماتتهم، وهو
قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)...﴾ الآيات، مناسبة هذه (١) الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر حال كفار قريش إذ قابلوا الرحمة بالكفران، ولم ينتفعوا بالمنزل ولا بالمنزل عليه.. أردف هذا بأن أمر نبيه - ﷺ - بالانتظار، حتى يحل بهم بأسه؛ لأنهم أهل الخذلان والعذاب، لا أهل الإكرام والغفران، وفي هذا تسلية لرسوله - ﷺ -، وتهديد للمشكرين.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله يسبحانه وتعالى، لما ذكر أن مشركي مكة أصروا على كفرهم، ولم يؤمنوا برسولهم.. أردف هذا، ببيان أن هؤلاء ليسوا ببدع في الأمم، فكثير قبلهم كذبوا رسلهم، فها هم أولاء قوم فرعون، قد كان منهم مع موسى مثل ما كان من قومك معك، بعد أن أتاهم بالبينات التي كانت تدعو إلى تصديقه، فكذبوه، فنصره الله عليهم، أغرق فرعون وقومه، وجعلهم مثلًا للآخرين.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٢): ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود، قال: إن قريشًا لما استعصوا على النبي - ﷺ -، دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ فأتي رسول الله - ﷺ -، فقيل: يا رسول الله، استسق الله لمضر، فإنها قد هلكت فاستسقى فسقوا، فنزلت: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾، فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم، حين أصابتهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ قال: يعني يوم بدر. والحديث أخرجه مسلم وأحمد.
(٢) لباب النقول.