ولما وسمهم الحق تعالى بنقض العهود، ذكر جزئية من ذلك، فقال : وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
يقول الحقّ جلّ جلاله : وَلَمَّا جَاءَهُمْ يعني اليهود رَسُولٌ مّنْ عِندِ اللّهِ محمد صلى الله عليه وسلم مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ من التوراة بموافقته له في بعض الأخبار نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أوتُوا الْكِتابَ ، وهم من كفر من أحبار يهود، كِتَابَ اللّهِ : التوراة، وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ، حيث لم يعملوا بما فيه من الأمر بالإيمان بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وغيروا صفته التي فيه، وكتموها، فكأنهم طرحوه وراء ظهورهم، وكأنهم لا علم لهم بشيء من ذلك.
قال البيضاوي : اعلم أن الحق تعالى دل على أن حال اليهود أربع فرق : فرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب، وهم الأقلون المدلول عليهم بقوله : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ [ البَقَرة : ١٠٠ ]، وفرقة جاهروا بنبذ عهودها، وتخطي حدودها، تمرداً وفسوقاً، وهم المعنيون بقوله تعالى : نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم [ البَقَرَة : ١٠٠ ]، وفرقة لم يجاهروا بنبذها، ولكن نبذوا لجهلهم بها، وهم الأكثرون، وفرقة تمسكوا بها ظاهراً، ونبذوها خفية، عالمين بالحال بَغْياً وعناداً، وهم المتجاهلون. ه. قلت : ولعلهم المنافقون منهم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي