[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٠٠ الى ١٠١]
أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١)قوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً، الواو واو العطف، أُدخلت عليها ألف الاستفهام. قال ابن عباس ومجاهد: والمشار اليهم: اليهود، وقيل: العهد الذي عاهدوه، أنهم قالوا: والله لئن خرج محمد لنؤمننَّ به. وروي عن عطاء أنها العهود التي كانت بين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبينهم، فنقضوها، كفعل قريظة والنضير. ومعنى نبذه: رفضه. قوله تعالى: نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، يعني اليهود.
والكتاب: التوراة. وفي قوله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ قولان: أحدهما: أنه القرآن. والثاني: أنه التوراة، لأن الكافرين بمحمد صلّى الله عليه وسلّم قد نبذوا التوراة.
[سورة البقرة (٢) : آية ١٠٢]
وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)
قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ في سبب نزولها قولان: أحدهما: أن اليهود كانوا لا يسألون النبي عن شيء من التوراة إلا أجابهم، فسألوه عن السحر وخاصموه به، فنزلت هذه الآية، قاله أبو العالية. والثانية: أنه لما ذكر سليمان في القرآن قال يهود المدينة: ألا تعجبون لمحمد يزعم أن ابن داود كان نبياً؟! والله ما كان إلا ساحراً، فنزلت هذه الآية، قاله ابن إسحاق.
و «تتلو» بمعنى: تلت، و «على» بمعنى: «في» قاله المبرد. قال الزجاج وقوله: عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على عهد ملك سليمان. وفي كيفية ما تلت الشياطين على ملك سليمان ستة أقوال:
أحدها: أنه لما خرج سليمان عن ملكه كتبت الشياطين السحر، ودفنته في مصلاه، فلما توفي استخرجوه، وقالوا: بهذا كان يملك الملك، ذكر هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول مقاتل. والثاني: أن آصف كان يكتب ما يأمر به سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان، استخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحراً وكذباً، وأضافوه إلى سليمان، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثالث: أن الشياطين كتبت السحر بعد موت سليمان، ثم أضافته إليه، قاله عكرمة.
والرابع: أن الشياطين ابتدعت السحر، فأخذه سليمان، فدفنه تحت كرسيه لئلا يتعلمه الناس، فلما قبض استخرجته، فعلمته الناس وقالوا: هذا علم سليمان، قاله قتادة. والخامس: أن سليمان أخذ عهود الدواب، فكانت الدابة إذا أصابت إنساناً طلب إليها بذلك العهد، فتخلّي عنه، فزاد السحرة السجع والسحر، قاله أبو مجلز. والسادس: أن الشياطين كانت في عهد سليمان تسترق السمع، فتسمع من كلام الملائكة ما يكون في الأرض من موت أو غيث أو أمر، فيأتون الكهنة فيخبرونهم، فتحدث الكهنة صفحة رقم 92
الناس، فيجدونه كما قالوا، حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم، وأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتاب، وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس، فجمع تلك الكتاب في صندوق، ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق، وقال: لا أسمع أحداً يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه. فلما مات سليمان جاء شيطان إلى نفر من بني إسرائيل، فدلهم على تلك الكتاب وقال: إنما كان سليمان يضبط أمر الخلق بهذا ففشا في الناس أن سليمان كان ساحرا، واتخذ بنو إسرائيل تلك الكتاب، فلما جاء محمّد صلّى الله عليه وسلّم، خاصموه بها، هذا قول السّدّيّ.
و «سليمان» : اسم عبراني، وقد تكلمت به العرب في الجاهلية، وقد جعله النابغة سليماً ضرورة، فقال:
ونسج سليم كل قضّاء ذائل «١» واضطر الحطيئة فجعله: سلاَّماً، فقال:
| فيه الرماح وفيه كل سابغة | جدلاءَ محكمة من نسج سلاَّم |
وفي قوله: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ دليل على كفر الساحر، لأنهم نسبوا سليمان إلى السحر، لا إلى الكفر. قوله تعالى: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم بتشديد نون (ولكنّ) ونصب نون (الشياطين). وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بتخفيف النون من «لكنْ» ورفع نون «الشياطين». قوله تعالى: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، وقرأ ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، والزهري «الملِكين» بكسر اللام، وقراءة الجمهور أصح. وفي «ما» قولان «٢» : أحدهما: أنها
والقضاء من الدروع: التي فرغ من عملها وأحكمت. والذّائل: الدرع الطويلة الذّيل.
(٢) قال أبو جعفر الطبري رحمه الله في «تفسيره» ١/ ٤٩٧. القول في تأويل قوله تعالى وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ قال أبو جعفر: اختلف أهل العلم في تأويل «ما» التي في قوله: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ فقال بعضهم: معناه الجحد، وهي بمعنى «لم». ذكر من قال ذلك: عن ابن عباس قوله: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ، فإنه يقول: لم ينزل الله السحر.
وعن الربيع بن أنس: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ قال: ما أنزل الله عليهما السحر.
فتأويل الآية على هذا المعنى الذي ذكرناه عن ابن عباس والربيع، من توجيههما معنى قوله وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ إلى: ولم ينزل على الملكين-: واتّبعوا الذي تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر، وما كفر سليمان، ولا أنزل الله السّحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر، بِبابِلَ، هارُوتَ وَمارُوتَ فيكون حينئذ قوله: بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ من المؤخّر الذي معناه التقديم.
فإن قال قائل: وكيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: واتّبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر وما أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل، هاروت وماروت. فيكون معنيا ب «الملكين» : جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهما الله بذلك، وأخبر نبيّه محمدا صلّى الله عليه وسلّم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر قط، وبرأ سليمان مما نحلوه من السّحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلّم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمانهم ذلك رجلان: اسم أحدهما هاروت، واسم الآخر ماروت. فيكون «هاروت وماروت»، على هذا التأويل، ترجمة على «الناس» وردّا عليهم. وقال آخرون: بل تأويل «ما» التي في قوله: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ- «الذي».
- وقال القرطبي رحمه الله في «تفسيره» ٢/ ٥٠- ٥١: قوله تعالى: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ «ما» نفي، والواو للعطف على قوله: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وذلك أن اليهود قالوا: إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر، فنفى الله ذلك. وفي الكلام تقديم وتأخير، التقدير: وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فهاروت وماروت بدل من الشياطين في قوله وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا. هذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل، وأصح ما قيل فيها ولا يلتفت إلى سواه، فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم، ودقة أفهامهم، وأكثر ما يتعاطاه من الإنس النساء وخاصة في حال طمثهنّ، قال الله تعالى: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ وقال الشاعر:
أعوذ بربي من النّافثات.....
إن قال قائل: كيف يكون اثنان بدلا من جمع والبدل إنما يكون على حدّ المبدل منه، فالجواب من وجوه ثلاثة، الأول: أن الاثنين قد يطلق عليهما اسم الجمع، كما قال تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ولا يحجبها عن الثلث إلى السدس إلا اثنان من الإخوة فصاعدا والثاني: أنهما لما كانا الرأس في التعليم نصّ عليهما دون أتباعهما كما قال تعالى: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ. الثالث: إنما خصّا بالذكر من بينهم لتمردهما، كما قال تعالى: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ وقوله: وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب، فقد ينص بالذكر على بعض أشخاص العموم إما لشرفه وإما لفضله، كقوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وقوله: وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ وإما لطيبه فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ وإما لأكثريته، كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا» وإما لتمرده وعتوه كما في هذه الآية، والله أعلم. وقد قيل: إن «ما» عطف على السحر وهي مفعولة، فعلى هذا يكون «ما» بمعنى الذي، ويكون السحر منزلا على الملكين فتنة للناس وامتحانا، ولله أن يمتحن عباده بما شاء.
معطوفة على «ما» الأولى، فتقديره: واتبعوا ما تتلو الشياطين وما أُنزل على الملكين. والثاني: أنها معطوفة على السحر، فتقديره: يعلّمون الناس السحر، ويعلمونهم ما أنزل على الملكين. فإن قيل: إذا كان السحر نزل على الملكين، فلماذا ذكره؟ فالجواب من وجهين: ذكرهما ابن السري: أحدهما: أنهما كانا يعلمان الناس: ما السحر، ويأمران باجتنابه، وفي ذلك حكمة لأن سائلاً لو قال: ما الزنى؟
لوجب أن يوقف عليه، ويعلم أنه حرام. والثاني: أنه من الجائز أن يكون الله تعالى امتحن الناس بالملكين، فمن قبل التعلم كان كافراً، ومن لم يقبله فهو مؤمن، كما امتحن بنهر طالوت.
وفي الذي أنزل على الملكين قولان: أحدهما: أنه السحر، روي عن ابن مسعود والحسن، وابن زيد. والثاني: أنه التفرقة بين المرء وزوجه، لا السحر، روي عن مجاهد وقتادة، وعن ابن عباس كالقولين. قال الزجاج: وهذا من باب السحر أيضاً.
(الإشارة إلى قصة الملكين) ذكر العلماء أن الملكين إنما أنزلا إلى الأرض لسبب، وهو أنه لما كثرت خطايا بني آدم دعت عليهم الملائكة، فقال الله تعالى: لو أنزلت الشهوة والشياطين منكم منزلتهما من بني آدم، لفعلتم مثل ما فعلوا، فحدثوا أنفسهم أنهم إن ابتلوا، اعتصموا، فأوحى الله إليهم أن اختاروا من أفضلكم ملكين،
فاختاروا هاروت وماروت. وهذا مروي عن ابن مسعود، وابن عباس. واختلف العلماء: ماذا فعلا من المعصية على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهما زنيا، وقتلا، وشربا الخمرة، قاله ابن عباس. والثاني: أنهما جارا في الحكم، قاله عبيد الله بن عتبة. والثالث: أنهما هما بالمعصية فقط. ونقل عن عليّ عليه السلام أن الزهرة كانت امرأة جميلة وأنها خاصمت إلى الملكين هارون وماروت، فراودها كل واحد منهما على نفسها، ولم يُعلم صاحبه، وكانا يصعدان السماء آخر النهار، فقالت لهما: بم تهبطان وتصعدان؟ قالا:
باسم الله الأعظم، فقالت: ما أنا بمواتيتكما إلى ما تريدان حتى تعلمانيه، فعلماها إياه، فطارت إلى السماء، فمسخها الله كوكباً «١».
(٢٨) وفي الحديث أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «لعن الزهرة، وقال: إنها فتنت ملَكين»، إلا أن هذه الأشياء
- والمرفوع ورد من حديث ابن عمر: أخرجه الطبري ١٦٩١ وابن الجوزي في «الموضوعات» ١/ ٨٦ والذهبي في «الميزان» ٣٥٦٧ من طريق سنيد بن داود عن فرج بن فضالة عن معاوية بن صالح عن نافع عن ابن عمر مرفوعا، وهذا إسناد ساقط قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، والفرج بن فضالة قد ضعفه يحيى، وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد، ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة، وأما سنيد، فقد ضعفه أبو داود، وقال النسائي: ليس بثقة اه. وقد استغربه ابن كثير في «تفسيره» ١/ ١٤٣ جدا.
- وورد من وجه آخر أخرجه أحمد ٢/ ١٣٤ والبزار ٢٩٣٨ «كشف» وابن حبان ٦١٨٦ والبيهقي ١/ ٤- ٥ كلهم من طريق يحيى بن أبي بكير عن زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن نافع عن ابن عمر مرفوعا بنحوه وأتم، وهذا إسناد ساقط، زهير بن محمد مختلف فيه، وقد ضعفه غير واحد، واتفقوا على أنه روى مناكير، والظاهر أن هذا منها، فقد خالفه موسى بن عقبة، وهو أوثق منه وأحفظ، فجعله عن ابن عمر عن كعب الأحبار. كذا أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» ٩٧ وعنه الطبري ١٦٨٧ كلاهما عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب الأحبار، وهذا إسناد كالشمس، لا غبار عليه البتة..
وكرره الطبري ١٦٨٨ عن عبد العزيز بن مختار عن موسى به، وقد قدح في رفع الحديث البزار والبيهقي وغيرهما. قال البزار عقب الحديث: رواه بعضهم عن نافع عن ابن عمر موقوفا، وإنما أتى رفع هذا عندي من زهير لأنه لم يكن بالحافظ. وكذا ذكر البيهقي، وهو الذي اختاره ابن كثير في «تفسيره» ١/ ١٤٣ والعجب أن البيهقي أخرجه في «الشعب» ١٦٣، عن موسى بن جبير عن موسى بن عقبة به مرفوعا، لكن فيه محمد بن يونس الكديمي، وهو متروك كذاب، والحمل عليه في هذا الحديث. ثم كرره البيهقي ١٦٤ عن ابن عمر عن كعب الأحبار، وصوّبه.
- وورد حديث ابن عمر من وجه آخر أخرجه ابن مردويه كما في «تفسير ابن كثير» ١/ ١٤٣ وإسناده ساقط فيه موسى بن سرجس، وهو مجهول، وفيه هشام بن علي بن هشام، وثقه ابن حبان وحده على قاعدته في توثيق المجاهيل، وسعيد بن سلمة، وإن روى له مسلم فقد ضعفه النسائي، وجهله ابن معين.
- ولحديث ابن عمر شاهد من حديث علي أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» ١/ ١٨٥- ١٨٦ وقال:
موضوع والمتهم به مغيث قال الأزدي: خبيث كذاب. وبهذا الإسناد أخرجه ابن مردويه كما في «تفسير ابن كثير» ١/ ١٤٣. وكرره ابن مردويه من وجه آخر، وفيه جابر الجعفي، وهو متروك، وقد كذبه أبو حنيفة رحمه الله. قال الحافظ ابن كثير: لا يصح، وهو منكر جدا.
- وقد جاء موقوفا ومقطوعا، فقد أخرجه الطبري ١٦٨٤ عن ابن عباس، وفيه أبو شعبة العدوي، وهو
__________
(١) هذه الآثار جميعا من الإسرائيليات، لا حجة في شيء منها.
بعيدة عن الصحة. وتأول بعضهم هذا فقال: إنه لما رأى الكوكب، ذكر تلك المرأة، لا أن المرأة مسخت نجماً. واختلف العلماء في كيفية عذابهما فروي عن ابن مسعود أنهما معلقان بشعورهما إلى يوم القيامة، وقال مجاهد: إن جبّا ملئ ناراً فجعلا فيه.
فأما بابل فروي عن الخليل أن ألسن الناس تبلبلت بها. واختلفوا في حدها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها: الكوفة وسوادها، قاله ابن مسعود. والثاني: أنها من نصيبين إلى رأس العين، قاله قتادة.
والثالث: أنها جبل في وهدة من الأرض، قاله السدي.
قوله تعالى: إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ أي اختبار وابتلاء. قوله تعالى: إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، يريد:
بقضائه. وَلَقَدْ عَلِمُوا: إشارة إلى اليهود لَمَنِ اشْتَراهُ، يعني: اختاره، يريد: السحر. واللام لام اليمين. فأما الخلاق فقال الزجاج: هو النصيب الوافر من الخير. قوله تعالى: وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، أي: باعوها به، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ العقاب فيه.
فصل: اختلف الفقهاء في حكم الساحر «١» فمذهب إمامنا أحمد رضي الله عنه أنه يكفر بسحره، قتل به، أو لم يقتل، وهل تقبل توبته؟ على روايتين. وقال الشافعي: لا يكفر بسحره، فان قتل بسحره وقال: سحري يقتل مثله، وتعمدت ذلك، قتل قوداً. وإن قال: قد يقتل، وقد يخطئ، لم يقتل، وفيه الدية. فأما ساحر أهل الكتاب، فانه لا يقتل عند أحمد إلا أن يضر بالمسلمين، فيقتل لنقض العهد، وسواء في ذلك الرجل والمرأة. وقال أبو حنيفة: حكم ساحر أهل الكتاب حكم ساحر المسلمين في
- وكرره برقم ١٦٨٦ عن علي، وقد استغربه ابن كثير ١/ ١٤٣ جدا، وأعله ابن حزم في «الملل» بعمير بن سعيد واتهمه بهذا الحديث، وأنه كذب.
- وكرره ١٦٨٩ عن السدي قوله و ١٦٩٠ عن الربيع قوله و ١٦٩٢ عن مجاهد قوله، وهو الراجح.
فهو باطل مرفوعا، وإنما هو عن كعب الأحبار، وعنه أخذه مجاهد وغيره، ولا أصل له في المرفوع، ولهذا لم يروه البغوي مرفوعا، وقد قدح بصحته ابن العربي في «أحكام القرآن» حيث قال: إنما سقنا هذا الخبر لأن العلماء رووه ودونوه، وتحقيق القول أنه لم يصح سنده. ورده القرطبي أيضا في «تفسيره» ٢/ ٥٢ حيث قال:
هذا كله ضعيف، وبعيد عن ابن عمر وغيره، لا يصح منه شيء اه باختصار. وانظر «أحكام القرآن» لابن العربي بتخريجي رقم ٢٣١ و «تفسير الشوكاني» ٢٠٠ بتخريجي، والله الموفق.
الخلاصة: هو حديث باطل لا أصل له. والظاهر أنه من أساطير الإسرائيليين وافتراءاتهم، ومصدره كعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهما ممن يروي الإسرائيليات.
__________
(١) قال الإمام الموفق رحمه الله في «المغني» ١٢/ ٢٩٩: السحر: وهو عقد ورقى وكلام يتكلم به أو يكتبه أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور، أو قلبه، أو عقله، من غير مباشرة له. وله حقيقة، فمنه ما يقتل وما يمرض، وما يأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها، ومنه ما يفرّق بين المرء وزوجه وما يبغّض أحدهما إلى الآخر، أو يحبب بين الاثنين وهذا قول الشافعي. وذهب بعض أصحابه إلى أنه لا حقيقة له، إنما هو تخييل، لأن الله تعالى قال: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى. وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان شيئا يصل إلى بدن المسحور كدخان ونحوه، جاز أن يحصل منه ذلك، فأما أن يحصل المرض والموت من غير أن يصل إلى بدنه شيء فلا يجوز ذلك.
زاد المسير في علم التفسير
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي
عبد الرزاق المهدي