(وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ... (١٠١) قوله: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ منْ عِندِ اللَّهِ) التعبير بـ لما دليل على أنهم كانوا يتوقعون مجيئه، وقد كانوا يتوقعون ذلك ويعرفونه ويستفتحون على الذين كفروا،
صفحة رقم 334
وعبر سبحانه بـ " رسول من عند الله " للإشارة إلى أنه من عند الله ذي الجلال الذي أنعم عليهم بالنعم المتوالية، و " رسول " التنكير فيها للتعظيم، أي رسول بالغ أقصى درجات الفضل وقد اختاره الله تعالى.
وقد وصفه الله تعالى بأنه مصدق لما معهم، وتصديقه لما معهم من ناحيتين.
الناحية الأولى: أنه قد جاء بالتكليفات الكثيرة التي جاءت في المواثيق التي أخذها الله تعالى عليهم، والناحية الثانية أنه تصديق للبشارات التي جاءت بها كتبهم، وقد بشرت به في عدة نصوص منها، كما أشار القرآن الكريمِ في مثل قوله تعالى:
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)،
ومثل قوله تعالى: (وَكَانُوا مِن قَبْلُ يسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كفَرُوا...).
هذا هو معنى التصديق، وليس التصديق الإقرار بصدق ما حرفوا وبدلوا حتى يقول ذلك الذين لَا يفهمون، فإن القرآن يفهم بعضه ببعض، وقد كفرهم، وسجل التحريف عليهم ولا يزالون يغيرون ويبدلون.
ولما جاءهم محمد - رسول الله - نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله أي طرحوه، وهو يدل على أنهم لم يأخذوا به، ونبذوا تعاليمه، وراءهم ظهريا، وعبر الله تعالى بالذين أوتوا الكتاب توبيخا لهم، وتنديدا بفعلهم فإنهم كانوا جديرين بأن يكونوا أول من يأخذ بالكتاب لَا أن ينبذوه ويجعلوه وراء ظهورهم، ودبر آذانهم. والكتاب الذي نبذوا تعاليمه وجعلوه وراء ظهورهم كما هو السياق يدل على أنه القرآن؛ لأنه هو الذي جاء به الرسول الكريم، الذي جاء به مصدقا لما معهم.
وقال بعض المفسرين: إن المراد بكتاب الله التوراة، أي أنهم نبذوا بشاراته بمحمد - ﷺ - وراء ظهورهم، ونرى أن ذلك بعيد، ولم نجد ذكرًا للتوراة في هذا المقام، ولأن الكلام في محمد - ﷺ -، وما جاء به.
وقوله تعالى: (وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) مثل لمن يستغني عن شيء، فإنه يرميه وراء ظهره، ولا يعني به، أو يقبل عليه بوجهه، مثل قول العرب: (اجعل هذا خلف ظهرك، ودبرا منك وتحت قدمك).
فهذه أمثال للاستخفاف، وقوله تعالى: (وَرَاءَ طهُورِهِمْ) معناه أنهم لم يقرءوه؛ لأن ما وراء الظهر لَا يقرأ، وإنما يقرأ ما يكون أمامك، وتقبل عليه.
وقد صور الله سبحانه وتعالى حالهم فقال: (كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) كأنهم لا يعلمون أمر النبوة ورسائل الله تعالى إلى رسله وهم أهل الكتاب، أو المعنى كأنهم لا يدركون ولا يفرقون بين علم نازل من قبل الله تعالى وأهوائهم، والله عزيز حكيم.
* * *
السحر
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة