ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ

وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ أي : ولو أنهم آمنوا بالله ورسله واتقوا المحارم، لكان مثوبة الله على ذلك خيرا لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به، كما قال تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ [ القصص : ٨٠ ].
وقد استدل بقوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف. وقيل : بل لا يكفر، ولكن حَده ضَرْبُ عنقه، لما رواه الشافعي وأحمد بن حنبل، رحمهما الله : أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أنه سمع بجالة بن عَبَدَةَ يقول : كتب [ أمير المؤمنين ](١) عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال : فقتلنا ثلاث سواحر(٢). وقد أخرجه البخاري في صحيحه أيضًا(٣). وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها، فأمرت بها فقتلت(٤). قال أحمد بن حنبل : صح من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم [ أذنوا ] (٥) في قتل الساحر.
وروى الترمذي من حديث إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب الأزدي أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" حد الساحر ضَرْبُه بالسيف " (٦).
ثم قال : لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه. وإسماعيل بن مسلم يُضعَّف في الحديث، والصحيح : عن الحسن عن جُنْدُب موقوفًا.
قلت : قد رواه الطبراني من وجه آخر، عن الحسن، عن جندب، مرفوعًا(٧). والله أعلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه، فقال الناس : سبحان الله ! يحيي الموتى ! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملا على سيفه، وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب(٨) عنق الساحر، وقال : إن كان صادقا(٩) فليحي نفسه. وتلا قوله تعالى : أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [ الأنبياء : ٣ ] فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك فسجنه ثم أطلقه، (١٠) والله أعلم.
وقال(١١) أبو بكر الخلال : أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثني أبو إسحاق، عن حارثة قال : كان عند بعض الأمراء رجل يلعب فجاء جندب مشتملا على سيفه فقتله، فقال : أراه كان ساحرًا، وحمل الشافعي، رحمه الله، قصة عمر، وحفصة(١٢) على سِحْر يكون شركا. والله أعلم. فصل
حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر، قال : وربما كفروا من اعتقد وجوده. قال : وأما أهل السنة فقد جَوَّزُوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حمارًا، والحمار إنسانًا، إلا أنهم قالوا : إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى و[ تلك ](١٣) الكلمات المُعَيَّنة، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا خلافًا للفلاسفة والمنجمين الصابئة، ثم استدل على وقوع السحر وأنه بخلق الله تعالى، بقوله تعالى : وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ ومن الأخبار بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُحِر، وأن السحر عَمِل فيه، وبقصة تلك المرأة مع عائشة، رضي الله عنها، وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابل وتعلمها السحر، قال : وبما يذكر(١٤) في هذا الباب من الحكايات الكثيرة، ثم قال بعد هذا :
المسألة الخامسة في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور : اتفق المحققون على ذلك ؛ لأن(١٥) العلم لذاته شريف وأيضًا لعموم قوله تعالى : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ الزمر : ٩ ] ؛ ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز مُعْجِزًا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب ؛ فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبًا، وما يكون واجبًا فكيف يكون حرامًا وقبيحًا ؟ !
هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة، وهذا الكلام فيه نظر من وجوه، أحدها : قولُهُ :" العلم بالسحر ليس بقبيح ". إن عنى به ليس بقبيح عقلا فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا(١٦) وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعًا، ففي هذه الآية الكريمة تبشيع(١٧) لتعلم السحر، وفي الصحيح :" من أتى عرافًا أو كاهنًا، فقد كفر بما أنزل على محمد " (١٨). وفي السنن :" من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر " (١٩). وقوله : ولا محظور اتفق المحققون على ذلك ". كيف لا يكون محظورًا مع ما ذكرناه من الآية والحديث ؟ ! واتفاق المحققين(٢٠) يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم، وأين نصوصهم على ذلك ؟ ثم إدخاله [ علم ](٢١) السحر في عموم قوله : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فيه نظر ؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين بالعلم الشرعي، ولم قلتَ إن هذا منه ؟ ثم تَرَقيه(٢٢) إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به، ضعيف بل فاسد ؛ لأن معظم(٢٣) معجزات رسولنا، عليه الصلاة والسلام (٢٤) هي القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. ثم إن العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلا ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم، كانوا يعلمون المعجز، ويفرّقُون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه، والله أعلم.
ثم قد ذكر أبو عبد الله الرازي أن أنواع السحر ثمانية :
الأول : سحر الكلُدْانيين والكُشْدانيين، الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة، وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مُدَبّرة العالم(٢٥) وأنها تأتي بالخير والشر، وهم الذين بَعث (٢٦) إليهم إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم مبطلا لمقالتهم ورادا لمذهبهم(٢٧) وقد استقصى في " كتاب السر المكتوم، في مخاطبة الشمس والنجوم " المنسوب إليه فيما(٢٨) ذكره القاضي ابن خلكان وغيره(٢٩) ويقال : إنه تاب منه. وقيل(٣٠) إنه(٣١) صنفه على وجه إظهار الفضيلة لا على سبيل الاعتقاد. وهذا هو المظنون به، إلا أنه ذكر فيه طرائقهم في مخاطبة كل من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلون وما يلبسونه، وما يتنسكون به.
قال : والنوع الثاني : سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ثم استدلّ على أن الوهم له تأثير، بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودًا على نهر أو نحوه. قال : وكما أجمعت الأطباء على نهي المَرْعُوف(٣٢) عن النظر إلى الأشياء الحُمْر، والمصروع إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذاك إلا لأن النفوس خلقت مُطِيعة(٣٣) للأوهام.
قال : وقد اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق.
وله أن يستدل على ذلك بما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال :" العين حَقّ، ولو كان شيء سَابِقَ القدر لسبقته العين " (٣٤).
قال : فإذا عرفت هذا، فنقول : النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدًا، فتستغني في هذه الأفاعيل(٣٥) عن الاستعانة بالآلات والأدوات، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه
الآلات. وتحقيقه أن النفس إذا كانت مستعلية(٣٦) على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السماوات، صارت كأنها رُوح من الأرواح السماوية، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم. وإذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه الذات(٣٧) البدنية، فحينئذ لا يكون لها تصرف البتة إلا في هذا البدن. ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء، والانقطاع عن الناس والرياء(٣٨).
قلت : وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال، وهو على قسمين : تارة تكون حالا صحيحة شرعية يتصرف بها فيما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويترك ما نهى الله عنه ورسوله، وهذه الأحوال مواهب من الله تعالى وكرامات للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحرًا في الشرع. وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا يتصرف بها في ذلك. فهذه(٣٩) حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله(٤٠) إيَّاهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجَّال - لعنه الله - له من الخوارق العادات(٤١) ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، مع أنه مذموم شرعًا لعنه الله. وكذلك من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وبسط هذا يطول جدًا، وليس هذا موضعه.
قال : النوع الثالث من السحر : الاستعانة بالأرواح الأرضية، وهم الجن، خلافًا للفلاسفة والمعتزلة : وهم على قسمين : مؤمنون، وكفار، وهم الشياطينُ. قال : واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية، لما بينهما من المناسبة(٤٢) والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخل(٤٣) والتجريد. وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير(٤٤).
النوع الرابع من السحر : التخيلات، والأخذ بالعيون والشعبذة، ومبناه [ على ](٤٥) أن البصر قد يخطئ ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى أن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم (٤٦) الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه، عمل شيئًا آخر عَمَلا بسرعة شديدة، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه. فيتعجَّبون منه جدًا، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما(٤٧) يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله.
قال : وكلما كانت الأحوال تفيد حسن البصر نوعًا من أنواع الخلل(٤٨) أشد، كان العمل أحسنَ، مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جدًا، أو مظلم، فلا تقف القوة الناظرة(٤٩) على أحوالها بكلالها(٥٠) والحالة هذه.
قلت : وقد قال بعض المفسرين : إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة، ولهذا قال تعالى : فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [ الأعراف : ١١٦ ] وقال تعالى : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [ طه : ٦٦ ] قالوا : ولم تكن تسعى في نفس الأمر. والله أعلم.
النوع الخامس من السحر : الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة من النسب الهندسية، كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار ضرب(٥١) بالبوق، من غير أن يمسه أحد. ومنها الصور التي تُصَوِّرها الرومُ والهند، حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى يصورونها ضاحكة وباكية.
إلى أن قال : فهذه الوجوه من لطيف أمور المخاييل. قال : وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل.
قلت : يعني ما قاله بعض المفسرين : أنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي، فحشوها زئبقًا فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها.
قال الرازي : ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات، ويندرج في هذا الباب علم جَرِّ الأثقال بالآلات الخفيفة.
قال : وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر ؛ لأن لها أسبابًا(٥٢) معلومة يقينية(٥٣) من اطلع عليها قدر عليها.
قلت : ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم، بما يُرُونَهم إياه من الأنوار، كقضية قُمَامة الكنيسة التي لهم ببلد(٥٤) المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على العوام(٥٥) [ منهم ](٥٦) وأما الخواص فهم يعترفون بذلك، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغًا لهم. وفيه شبه(٥٧) للجهلة الأغبياء من متعبدي(٥٨) الكَرّامية الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، فيدخلون في عداد من قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم(٥٩) :" من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار(٦٠) ". وقوله :" حدثوا عني ولا تكذبوا عَلَيّ فإنه من يكذب عليّ يلج النار " (٦١).
ثم ذكر ههنا حكاية عن بعض الرهبان، وهو أنه سمع صوت طائر حزين(٦٢) الصوت ضعيف الحركة، فإذا سمعته الطيور تَرِقّ له فتذهب فتلقي في وَكْره من ثمر الزيتون، ليتبلغ(٦٣) به، فعَمَد هذا الراهبُ إلى صنعة طائر على شكله، وتوصل إلى أن جعله أجوف، فإذا دخلته الريح يسمع له(٦٤) صوت كصوت ذلك الطائر، وانقطع في صومعة ابتناها، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح بابًا من ناحيه، فتدخل الريح إلى داخل هذه الصورة، فَيُسْمَعُ صوتها كذلك الطائر في شكله أيضًا، فتأتي الطيور فتحمل من الزيتون شيئًا كثيرًا فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة، و



*خ/
١ زيادة من جـ..
٢ رواه عبد الله بن أحمد في مسائل أبيه، ط. المكتب الإسلامي برقم (١٥٤٢) عن أبيه عن سفيان به..
٣ صحيح البخاري برقم (٣١٥٦)..
٤ رواه عبد الله بن أحمد في مسائل أبيه، ط. المكتب الإسلامي برقم (١٥٤٣) عن أبيه عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن حفصة سحرتها جاريتها، فذكره..
٥ زيادة من جـ..
٦ سنن الترمذي برقم (١٤٦٠)..
٧ المعجم الكبير (٢/ ١٦١) من طريق محمد بن الحسن بن سيار، عن خالد العبد عن الحسن عن سمرة به..

وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه، فقال الناس : سبحان الله ! يحيي الموتى ! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملا على سيفه، وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب(٨) عنق الساحر، وقال : إن كان صادقا(٩) فليحي نفسه. وتلا قوله تعالى : أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [ الأنبياء : ٣ ] فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك فسجنه ثم أطلقه، (١٠) والله أعلم.
وقال(١١) أبو بكر الخلال : أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثني أبو إسحاق، عن حارثة قال : كان عند بعض الأمراء رجل يلعب فجاء جندب مشتملا على سيفه فقتله، فقال : أراه كان ساحرًا، وحمل الشافعي، رحمه الله، قصة عمر، وحفصة(١٢) على سِحْر يكون شركا. والله أعلم. فصل
حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر، قال : وربما كفروا من اعتقد وجوده. قال : وأما أهل السنة فقد جَوَّزُوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حمارًا، والحمار إنسانًا، إلا أنهم قالوا : إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى و[ تلك ](١٣) الكلمات المُعَيَّنة، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا خلافًا للفلاسفة والمنجمين الصابئة، ثم استدل على وقوع السحر وأنه بخلق الله تعالى، بقوله تعالى : وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ ومن الأخبار بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُحِر، وأن السحر عَمِل فيه، وبقصة تلك المرأة مع عائشة، رضي الله عنها، وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابل وتعلمها السحر، قال : وبما يذكر(١٤) في هذا الباب من الحكايات الكثيرة، ثم قال بعد هذا :
المسألة الخامسة في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور : اتفق المحققون على ذلك ؛ لأن(١٥) العلم لذاته شريف وأيضًا لعموم قوله تعالى : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ الزمر : ٩ ] ؛ ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز مُعْجِزًا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب ؛ فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبًا، وما يكون واجبًا فكيف يكون حرامًا وقبيحًا ؟ !
هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة، وهذا الكلام فيه نظر من وجوه، أحدها : قولُهُ :" العلم بالسحر ليس بقبيح ". إن عنى به ليس بقبيح عقلا فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا(١٦) وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعًا، ففي هذه الآية الكريمة تبشيع(١٧) لتعلم السحر، وفي الصحيح :" من أتى عرافًا أو كاهنًا، فقد كفر بما أنزل على محمد " (١٨). وفي السنن :" من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر " (١٩). وقوله : ولا محظور اتفق المحققون على ذلك ". كيف لا يكون محظورًا مع ما ذكرناه من الآية والحديث ؟ ! واتفاق المحققين(٢٠) يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم، وأين نصوصهم على ذلك ؟ ثم إدخاله [ علم ](٢١) السحر في عموم قوله : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فيه نظر ؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين بالعلم الشرعي، ولم قلتَ إن هذا منه ؟ ثم تَرَقيه(٢٢) إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به، ضعيف بل فاسد ؛ لأن معظم(٢٣) معجزات رسولنا، عليه الصلاة والسلام (٢٤) هي القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. ثم إن العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلا ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم، كانوا يعلمون المعجز، ويفرّقُون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه، والله أعلم.
ثم قد ذكر أبو عبد الله الرازي أن أنواع السحر ثمانية :
الأول : سحر الكلُدْانيين والكُشْدانيين، الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة، وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مُدَبّرة العالم(٢٥) وأنها تأتي بالخير والشر، وهم الذين بَعث (٢٦) إليهم إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم مبطلا لمقالتهم ورادا لمذهبهم(٢٧) وقد استقصى في " كتاب السر المكتوم، في مخاطبة الشمس والنجوم " المنسوب إليه فيما(٢٨) ذكره القاضي ابن خلكان وغيره(٢٩) ويقال : إنه تاب منه. وقيل(٣٠) إنه(٣١) صنفه على وجه إظهار الفضيلة لا على سبيل الاعتقاد. وهذا هو المظنون به، إلا أنه ذكر فيه طرائقهم في مخاطبة كل من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلون وما يلبسونه، وما يتنسكون به.
قال : والنوع الثاني : سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ثم استدلّ على أن الوهم له تأثير، بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودًا على نهر أو نحوه. قال : وكما أجمعت الأطباء على نهي المَرْعُوف(٣٢) عن النظر إلى الأشياء الحُمْر، والمصروع إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذاك إلا لأن النفوس خلقت مُطِيعة(٣٣) للأوهام.
قال : وقد اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق.
وله أن يستدل على ذلك بما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال :" العين حَقّ، ولو كان شيء سَابِقَ القدر لسبقته العين " (٣٤).
قال : فإذا عرفت هذا، فنقول : النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدًا، فتستغني في هذه الأفاعيل(٣٥) عن الاستعانة بالآلات والأدوات، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه
الآلات. وتحقيقه أن النفس إذا كانت مستعلية(٣٦) على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السماوات، صارت كأنها رُوح من الأرواح السماوية، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم. وإذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه الذات(٣٧) البدنية، فحينئذ لا يكون لها تصرف البتة إلا في هذا البدن. ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء، والانقطاع عن الناس والرياء(٣٨).
قلت : وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال، وهو على قسمين : تارة تكون حالا صحيحة شرعية يتصرف بها فيما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويترك ما نهى الله عنه ورسوله، وهذه الأحوال مواهب من الله تعالى وكرامات للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحرًا في الشرع. وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا يتصرف بها في ذلك. فهذه(٣٩) حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله(٤٠) إيَّاهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجَّال - لعنه الله - له من الخوارق العادات(٤١) ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، مع أنه مذموم شرعًا لعنه الله. وكذلك من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وبسط هذا يطول جدًا، وليس هذا موضعه.
قال : النوع الثالث من السحر : الاستعانة بالأرواح الأرضية، وهم الجن، خلافًا للفلاسفة والمعتزلة : وهم على قسمين : مؤمنون، وكفار، وهم الشياطينُ. قال : واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية، لما بينهما من المناسبة(٤٢) والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخل(٤٣) والتجريد. وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير(٤٤).
النوع الرابع من السحر : التخيلات، والأخذ بالعيون والشعبذة، ومبناه [ على ](٤٥) أن البصر قد يخطئ ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى أن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم (٤٦) الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه، عمل شيئًا آخر عَمَلا بسرعة شديدة، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه. فيتعجَّبون منه جدًا، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما(٤٧) يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله.
قال : وكلما كانت الأحوال تفيد حسن البصر نوعًا من أنواع الخلل(٤٨) أشد، كان العمل أحسنَ، مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جدًا، أو مظلم، فلا تقف القوة الناظرة(٤٩) على أحوالها بكلالها(٥٠) والحالة هذه.
قلت : وقد قال بعض المفسرين : إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة، ولهذا قال تعالى : فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [ الأعراف : ١١٦ ] وقال تعالى : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [ طه : ٦٦ ] قالوا : ولم تكن تسعى في نفس الأمر. والله أعلم.
النوع الخامس من السحر : الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة من النسب الهندسية، كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار ضرب(٥١) بالبوق، من غير أن يمسه أحد. ومنها الصور التي تُصَوِّرها الرومُ والهند، حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى يصورونها ضاحكة وباكية.
إلى أن قال : فهذه الوجوه من لطيف أمور المخاييل. قال : وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل.
قلت : يعني ما قاله بعض المفسرين : أنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي، فحشوها زئبقًا فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها.
قال الرازي : ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات، ويندرج في هذا الباب علم جَرِّ الأثقال بالآلات الخفيفة.
قال : وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر ؛ لأن لها أسبابًا(٥٢) معلومة يقينية(٥٣) من اطلع عليها قدر عليها.
قلت : ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم، بما يُرُونَهم إياه من الأنوار، كقضية قُمَامة الكنيسة التي لهم ببلد(٥٤) المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على العوام(٥٥) [ منهم ](٥٦) وأما الخواص فهم يعترفون بذلك، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغًا لهم. وفيه شبه(٥٧) للجهلة الأغبياء من متعبدي(٥٨) الكَرّامية الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، فيدخلون في عداد من قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم(٥٩) :" من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار(٦٠) ". وقوله :" حدثوا عني ولا تكذبوا عَلَيّ فإنه من يكذب عليّ يلج النار " (٦١).
ثم ذكر ههنا حكاية عن بعض الرهبان، وهو أنه سمع صوت طائر حزين(٦٢) الصوت ضعيف الحركة، فإذا سمعته الطيور تَرِقّ له فتذهب فتلقي في وَكْره من ثمر الزيتون، ليتبلغ(٦٣) به، فعَمَد هذا الراهبُ إلى صنعة طائر على شكله، وتوصل إلى أن جعله أجوف، فإذا دخلته الريح يسمع له(٦٤) صوت كصوت ذلك الطائر، وانقطع في صومعة ابتناها، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح بابًا من ناحيه، فتدخل الريح إلى داخل هذه الصورة، فَيُسْمَعُ صوتها كذلك الطائر في شكله أيضًا، فتأتي الطيور فتحمل من الزيتون شيئًا كثيرًا فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة، و

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

سامي سلامة

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1420
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية