ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ

(وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ) يقول: لقد علمت اليهود أن في التوراة آية لمن اختار السحر.
وقوله: (مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ).
يقول: نصيب في الثواب.
وقيل: (مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ) أَي: ما له عند اللَّه وجه.
وقوله: (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).
أي: بئس ما باعوا به أنفسهم، يعني: اليهود الذين يعلمون الفرفة والسحر.
وقيل: (مَا شَرَوْا بِهِ) يقول: ما باعوا به أَنفسهم من السحر والكفر. يعني: من لا يقرأَ التوراة.
أَو يعني: أن لو كانوا يعلمون ما باعوا به أنفسهم، ولكنهم لا يعلمون. أي: لو علموا أنهم بمَ باعوا أَنفسهم من العذاب الدائم، لعلموا أنهم بئس ما باعوا به.
وقوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا (١٠٣)
بتوحيد اللَّه.
(وَاتَّقَوْا).
الشركَ، والسحر.
(لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ).
يقول: لكان ثوابهم عند اللَّه خيرًا من السحر والكفر.
(لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).
ولكنهم لا يعلمون علم الانتفاع به، وهو كقوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)، ليسوا بصم ولا بكم ولا عمي في الحقيقة، ولكنهم صم من حيث لا ينتفعون به؛ إذ الحاجة من العلم، والبصر، والسمع الانتفاعُ به، فإذا ذهبت المنافع بهما فكان كمن لا علم معه ولا بصر له ولا سمع؛ حيث لا ينتفع، ولا يعمل به، واللَّه أعلم.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ

صفحة رقم 528

أَلِيمٌ).
قيل: كانتِ الأَنصار في الجاهلية يقولون هذا لرسول اللَّه - عليه السلام - فنهاهم اللَّه - تعالى - أن يقولوها.
وقيل: كانت اليهود تقول للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: راعنا من الرعونة؛ من قولك للرجل: يا أَرعن، وللمرأَة يا: رعناء.
وكان الحسن يقرؤها: (راعنًا) بالتنوين.
وقال الكلبي: كان في كلام اليهود (رَاعِنَا) سبًّا قبيحًا؛ يسب بعضهم بعضًا، وكانوا يأتون محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -؛ فيقولون: راعنا، ويضحكون، فنهى المؤمنين عن ذلك خلافًا لهم.
وقوله: (وَقُولُوا انْظُرْنَا).
قيل: فهمنا بقولٍ بينٍ لنا.
وقال مقاتل: أي اقصدنا.
وقيل: إن الأَمر بالإنظار يقع موقع التشفع في النظرة لوجهين: بالصحبة مرةً، وبالخطاب ثانيًا فقولهم: (انْظُرْنَا) لما لا يبلغ أفهامنا القدر الذي يعني ما يخاطبنا به.
والثاني: على قصور عقولهم عما يستحقه من الصحبة والإيجاب له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -.
فأما الأَمر بـ " راعنا "، فهو استعمال في الظاهر بالمراعاة، وذلك يخرج على التكبر عليه، وترك التواضع له، والخضوع.
وقوله: (وَاسْمَعُوا).
أَي: اجيبوا له.
وقيل: أطيعوا له.
وقيل: (وَاسْمَعُوا) أَي: اسمعوا وَعُوا.
وقوله: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ

صفحة رقم 529

مِنْ رَبِّكُمْ).
(مَا يَوَدُّ) أي: ما يريد وما يتمنى (الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) اليهود والنصارى (وَلَا الْمُشْرِكِينَ) ما يود هَؤُلَاءِ (أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ).
يحتمل وجهين:
أحدهما: أَنهم كانوا يَهوون ويحبون أَن يبعث الرسول من أَولاد إِسرائيل وهم كانوا من نسله. فلما بعث من أَولاد إسماعيل - عليه السلام - على خلاف ما أَحبوا وهَووا، لم تطب أنفسُهم بذلك، بل كرهت، وأَبت أَشد الإباءِ والكراهية.
والثاني: لم يُحبوا ذلك؛ لما كانت تذهب منَافعُهم التي كانت لهم، والرياسةُ بخروجه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - واللَّه أعلم.
وقوله: (مِنْ خَيْرٍ).
قيل: الخير؛ النبوة.
وقيل: الخير؛ الإسلام.
وقيل: الخير؛ الرسول هاهنا، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).
تنقض على المعتزلة قولَهم؛ لأَنهم يقولون: إن على اللَّه أَن يعطيَ لكل الأَصلحَ في الدِّين، في كل وقتٍ، وكل زمانٍ.
فلو كان عليه ذلك لم يكن للاختصاص معنى، ولا وجه.
والثاني: قال: (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) والمفضل عند الخلق هو الذي يُعطِي ويَبذُل ما ليس عليه، لا ما عليه؛ لأَن من عليه شيء فأعطاه، أَو قضى ما عليه من الدَّيْن، لا يوصف بالإفضال؛ فدل أَنه استوجب ذلك الاختصاص، وذلك الفضل، لما لم يكن عليه ذلك، ولو كان عليه لكان يقول: ذو العدل، لا ذو الفضل، وباللَّه التوفيق.
* * *
قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ

صفحة رقم 530

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية